..................................
كُنّا نَحِيضُ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فنُؤْمَرُ بقَضاءِ الصومِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وكذلك الحُكْمُ في المَرِيضِ إذا صَحَّ في أثْناءِ النَّهارِ، وكان مُفْطِرًا.
وفى وُجُوبِ الإِمْساكِ عليهم رِوايَتان، ذَكَرْنا وَجْهَهما، والاخْتِلافَ في ذلك في مسألةِ الصَّبِى، والكافِرِ إذا أسْلَمَ، والمَجْنُونِ إذا أفاقَ، فكذلك الحُكْمُ في هؤلاء.
وَمَنْ عَجَزَ عَن الصَّوْمِ لِكِبَرٍ، أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَفْطَرَ وَأَطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
1047 - مسألة: (ومَن عَجَز عن الصومِ لكِبَرٍ، أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه، أفْطَرَ وأطْعَمَ عن كلِّ يومٍ مِسْكِينًا)
الشَّيْخُ الكَبِيرُ، والعَجُوزُ، إذا كان الصومُ يُجْهِدُهما ويَشُقُّ عليهما مَشَقَّةً شَدِيدَةً، فلهما
..................................
أن يُفْطِرا ويُطْعِما لكلِّ يومٍ مِسْكِينًا.
وهذا قولُ علىٍّ، وابنِ عباسٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وأنَسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال سعيدُ بنُ جُبيْرٍ، وطاوُسٌ، وأبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ.
وقال مالكٌ: لا يَجِبُ عليه شئٌ؛ لأنَّه تَرَك الصومَ لعَجْزِه، فلم يَجِبْ فِدْيَةٌ, كما لو تَرَكَه لمَرَضٍ اتَّصَلَ به المَوْتُ.
وللشافعىِّ قَوْلان كالمَذْهَبَيْن.
ولَنا، الآيَةُ.
قال ابنُ عباسٍ في تَفْسِيرِها: نَزَلَتْ رُخْصَةً للشَّيْخِ الكَبِيرِ 1. ولأَنَّ الأداءَ صومٌ واجِبٌ، فجاز أن يَسْقُطَ إلى الكَفّارَةِ، كالقَضاءِ.
وأمّا المَرِيضُ، فإن كان لا يُرْجَى بُرْؤُه فهو كمَسْألَتِنا، وإن كان يُرْجَى بُرْؤُه فإنَّما لم يَجِبْ عليه الإِطْعامُ؛ لأنَّ ذلك يُؤَدِّى إلى أن يَجِبَ على المَيِّتِ ابْتِداءً، بخِلافِ مَسْألَتِنا، فإنَّ وُجُوبَ الإِطْعامِ يَسْتَنِدُ إلى حالِ الحَياةِ، والشَّيخُ الهِمُّ 2 له ذِمَّة صَحِيحَةٌ، فإن كان عاجِزًا عن الإِطْعامِ، فلا شئَ عليه، ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَها.
والمَرِيضُ الذى لا يُرْجَى بُرْؤُه، حُكْمُه حُكْمُ الشَّيْخِ فيما ذَكَرْنا.
وذَكَر السّامَرِّىّ أنَّها تَبْقَى في ذِمَّتِه، ولا تَسْقُطُ، كسائِرِ الدُّيُونِ.
وكذلك قال فيما يَجِبُ على الحَامِلِ والمُرْضِعِ، إذا أفْطرَتَا خَوْفًا على وَلَدَيْهما، أنَّه لا يَسْقُطُ الإِطْعامُ عنهما بالعَجْزِ عنه، لأنَّه في مَعْناه.
..................................
فصل: قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، في مَن به شَهْوَةُ الجِماعِ غالِبَةٌ، لا يَمْلِكُ نَفْسَه، ويَخَافُ أن تَنْشَقَّ أُنْثَياه: يُطْعِمُ.
أباحَ له الفِطْرَ؛ لأنَّه يَخافُ على نَفْسِه، فهو كالمَرِيضِ.
ومَن يخافُ على نَفْسِه الهَلاكَ لعَطَشٍ، أو نَحْوِه، أوْجَبَ الإِطْعامَ بَدَلًا مِن الصِّيامِ.
وهذا مَحْمُولٌ مِن كَلامِه على مَن لا يَرْجُو إِمْكانَ القَضاءِ، فإن رَجا ذلك فلا فِدْيَةَ عليه.
والواجِبُ انْتِظارُ القَضاءِ وفِعْلُه إذا قَدَر عليه؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
وإنَّما يُصارُ إلى الفِدْيَةِ عندَ اليَأْسِ مِن القَضاءِ.
فإن أطْعَمَ معِ إياسِه، ثم قَدَر على القَضاءِ، احْتَمَلَ أن لا يَلْزَمَه؛ لأنَّ ذِمَّتَه قد بَرِئَت بأَداءِ الفِدْيَةِ الواجِبَةِ عليه، فلم تَعُدْ إلى الشُّغْلِ، كالمَعْضُوبِ 1 إذا أقامَ مَن يَحُجُّ عنه، ثم عُوفِىَ.
واحْتَمَلَ أن يَلْزَمَه
وَالْمَرِيضُ إِذَا خَافَ الضَّرَرَ، وَالْمُسَافِرُ، اسْتُحِبَّ لَهُمَا الْفِطْرُ، فَإِنْ صَامَا أَجزَأَهُمَا.
القَضاءُ؛ لأنَّ الإِطْعامَ بَدَلُ إياسٍ، وقد بَيَّنّا ذَهابَ الإِياسِ، فأشْبَهَ مَن اعْتَدَّت بالشُّهُورِ عندَ اليَأْسِ مِن الحَيْضِ، فيما إذا ارْتَفَع حَيْضُها لا تَدْرِى ما رَفَعَه، ثم حاضَتْ.
1048 -
مسألة: (والمَرِيضُ إذا خاف الضَّرَرَ، والمُسافِرُ، اسْتُحِبَّ لهما الفِطْرُ، فإن صاما أجْزَأهما)
أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على إِباحَةِ الفِطْرِ للمَرِيضِ في الجُمْلَةِ.
والأصْلُ فيه قَوْلُه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
والمَرَضُ المُبِيحُ للفِطْرِ هو الذى يَزِيدُ بالصومِ، أو يُخْشَى تَباطُؤُ بُرْئِه.
قِيلَ لأحمدَ: متى يُفْطِرُ المَرِيضُ؟ قال: إذا لم يَسْتَطِعْ.
قيل: مِثْلُ الحُمَّى؟ قال: وأىُّ مَرَضٍ أشَدُّ مِن الحُمَّى! وحُكِىَ عن بعضِ السَّلَفِ، أنَّه أباحَ الفِطْرَ بكلِّ مَرَضٍ، حتى مِن وَجَعِ
..................................
الإِصْبَعِ والضِّرْسِ؛ لعُمُومِ الآيَةِ، ولأنَّ المُسافِرَ يُباحُ له الفِطْرُ مِن غيرِ حاجَةٍ إليه، فكذلك المَرِيضُ.
ولَنا، أنَّه شاهِدٌ للشَّهْرِ، لا يُؤْذِيه الصومُ، فلَزِمَه، كالصَّحِيحِ، والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ في المُسافِرِ والمَرِيضِ جَمِيعًا؛ بدَلِيلِ أنَّ المُسافِرَ لا يُباحُ له الفِطْرُ في السَّفَرِ القَصِيرِ، والفَرْقُ بينَ المُسافِرِ والمَرِيضِ، أنَّ السَّفَرَ اعْتُبِرَت فيه المَظِنَّةُ، وهو السَّفَرُ الطَّوِيلُ، حيثُ لم يُمْكِنِ اعْتِبارُ الحِكْمَةِ بنَفْسِها، فإنَّ قَلِيلَ المَشَقَّةِ لا يُبِيحُ، وكَثِيرُها لا ضابِطَ له في نَفْسِه، فاعْتُبِرَت بمظِنَّتِها، وهو السَّفَرُ الطَّوِيلُ، فدارَ الحُكْمُ مع المَظِنَّةِ وُجُودًا وعَدَمًا، والمَرَضُ لا ضابِطَ له؛ فإنَّ الأمْراضَ تَخْتَلِفُ؛ منها ما يَضُرُّ صاحِبَه الصومُ، ومنها ما لا أثَرَ للصومِ فيه، كوَجَعِ الضِّرْسِ، وجُرْحٍ في الإِصْبَعِ، والدُّمَّلِ، والجَرَبِ، وأشْباهِ ذلك، فلم يَصْلُحِ المَرَضُ ضابِطًا، وأمْكَنَ اعْتِبارُ الحِكْمَةِ، وهو ما يُخافُ منه الضَّرَرُ، فوَجَبَ اعْتِبارُه بذلك.
إذا ثَبَت هذا، فإن تَحَمَّلَ المَرِيضُ وصام مع هذا، فقد فَعَل مَكْرُوهًا؛ لِما يَتَضَمَّنُه مِن الإِضْرارِ بنَفْسِه، وتَرْكِه تَخْفِيفَ اللَّهِ وقَبُولَ رُخْصَتِه، ويَصِحُّ صومُه، ويُجْزِئه؛ لأنَّه عَزِيمَةٌ أُبِيحَ تَرْكُها رُخْصَةً، فإذا تَحَمَّلَه أجْزَأه، كالمَرِيضِ الذى يُباحُ له تَرْكُ الجُمُعَةِ إذا حَضَرَها.
..................................
فصل: والصَّحِيحُ الذى يَخْشَى المَرَضَ بالصيامِ، كالمَرِيضِ الذى يَخافُ زِيادَةَ المَرَضِ في إباحَةِ الفِطْرِ؛ لأنَّ المَرِيضَ إنَّما أُبِيحَ له الفِطْرُ خَوْفًا مِمّا يَتَجَدَّدُ بصِيامِه مِن زِيادَةِ المَرَضِ وتَطاوُلِه، فالخَوْفُ مِن تَجَدُّدِ المَرَضِ في مَعْناه.
قال أحمدُ، في مَن به شَهْوَةٌ غالِبَةٌ للجِماعِ، يَخافُ أن تَنْشَقَّ أُنْثَياه: فله الفِطْرُ.
وقال في الجارِيَةِ: تَصُومُ إذا حاضَتْ، فإن جَهَدَها الصومُ فلْتُفْطِرْ، ولْتَقْضِ.
يَعْنِى إذا حاضَتْ وهى صَغِيرَةٌ.
قال القاضى: هذا إذا كانتْ تَخافُ المَرَضَ بالصِّيامِ، يُباحُ لها الفِطْرُ، وإلَّا فلا.
..................................
فصل: ومَن أُبِيحَ له الفِطْرُ لشِدَّةِ شَبَقِه، إن أمْكَنَه اسْتِدْفاعُ الشَّهْوَةِ بغيرِ الجِماعِ، كالاسْتِمْناءِ بيَدِه، أو يَدِ امْرأَتِه أو جارِيَتِه، لمِ يَجُزْ له الجِماعُ؛ لأنَّه أفْطَرَ للضَّرُورَةِ، فلم يُبَحْ له الزِّيادةُ على ما تنْدَفِعُ به.
الضَّرُورَةُ، كأكْلِ المَيْتَةِ عندَ الضَّرُورَةِ.
فإن جامَعَ فعليه الكَفّارَةُ.
وكذلك إن أمْكَنَه دَفْعُها بما لا يُفْسِدُ صومَ غيرِه، كوطْءِ زَوْجَتِه أو أَمَتِه الصَّغِيرَةِ أو الكِتابِيَّةِ، أو المُباشَرَةِ للكَبِيرَةِ المُسْلِمَةِ دُونَ الفَرْجِ، أو الاسْتِمْناءِ بِيَدِها أو بِيَدِه، لم يُبَحْ له إفْسادُ صَوْمِ غيرِه؛ لأنَّ الضَّرُورَةَ إذا انْدَفَعَتْ لم يُبَحْ ما وَراءَها، كالشِّبَعِ مِن المَيْتَةِ إذا انْدَفَعَتِ الضَّرُورَةُ بسَدِّ
..................................
الرَّمَقِ.
وإن لم تَنْدَفِعِ الضَّرُورَةُ إلَّا بإفْسادِ صومِ غيرِه، أُبِيحَ ذلك؛ لأنَّه مِمّا تَدْعُوِ الضَّرُورَةُ إليه، فأُبِيحَ، كفِطْرِه، وكالحامِلِ، والمُرْضِعِ يُفْطِران خوْفًا على وَلَدَيْهما.
فإن كان له امْرَأَتان، حائِضٌ، وطاهِرٌ صائِمَةٌ، وَدَعَتْه الضَّرُورَةُ إلى وَطْءِ إحْداهما، احْتَمَلَ وَجْهيْن؛ أحَدُهما، وَطْءُ الصائِمَةِ أَوْلَى؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى نَصَّ على النَّهْى عن وَطْءِ الحائِضِ في كتابِه.
والثّانِى، يَتَخَيَّرُ؛ لأنَّ وَطْءَ الصائِمَةِ يُفْسِدُ صِيامَها، فتَتَعارَضُ المَفْسَدَتان، ويَتَساوَيان.
فصل: وحُكْمُ المُسافِرِ حُكْمُ المَرِيضِ، في إباحَةِ الفِطْرِ وكَراهِيَةِ الصومِ، وإجْزائِه إذا فَعَلَه.
وإباحَةُ الفِطْرِ للمُسافرِ ثابِتَةٌ بالنَّصِّ، والإِجْماعِ؛ وأكْثَرُ أهلِ العِلْمِ على أنَّه إن صام أجْزَأه.
ورُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ، أنّه لا يَصِحُّ صومُ المُسافِرِ.
قال أحمدُ: عُمَرُ، وأبو هُرَيْرَةَ يَأْمُرانِه بالإِعادَةِ.
وروَى الزُّهْرِىُّ عن أبى سَلَمَةَ، عن أبيهِ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ،
..................................
أنَّه قال: الصائِمُ في السَّفَرِ كالمُفْطِرِ في الحَضَرِ 1. وهو قولُ بعضِ أهلِ الظّاهِرِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ في السَّفَرِ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. ولأَنَّه عليه السَّلامُ أفْطَرَ في السَّفَرِ، فلمَّا بَلَغَه أنَّ قَوْمًا صامُوا، قال: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» 3. ورَوَى ابنُ ماجه 4، بإسْنادِه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «الصَّائِمُ في رَمَضَانَ في السَّفَرِ، كَالمُفْطِرِ في الْحَضَرِ».
وعامَّةُ أهلِ العِلْمِ على خِلافِ هذا القولِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا قولٌ يُرْوَى عن عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، هَجَرَه الفُقَهاءُ كلُّهم، والسُّنَّةُ تَرُدُّه، وحُجَّتُهم ما رُوِى عن حَمْزَةَ بنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِىِّ،
..................................
أنَّه قال للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: أصُومُ في السَّفَرِ؟ وكان كَثِيرَ الصيامِ، قال: «إنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإنْ شِئْتَ فَأفْطِرْ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وفى لَفْظٍ رَواه النَّسائِىُّ، أنَّه قال للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: أجِدُ قُوَّةً على الصيامِ في السَّفَرِ، فهل عَلَىَّ جُناحٌ؟ قال: «هِىَ رُخْصَةٌ، فَمَنْ أخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أحَبَّ أنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ».
وقال أنَسٌ: كُنّا نُسافِرُ مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يَعِبِ الصائِمُ على المُفْطِرِ، ولا المُفْطِرُ على الصائِمِ.
مُتَّفقٌ عليه 2. وأحاديثُهم مَحْمُولَةٌ على تَفْضِيلِ الفِطْرِ على الصيامِ.
فصل: والفِطْرُ في السَّفَرِ أفْضَلُ، وهو مَذْهَبُ ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِىِّ، والأوْزاعِىِّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ: الصومُ أفْضَلُ لمَن قَوِىَ عليه.
يُرْوى ذلك
..................................
عن أنَسٍ، وعثمانَ بنِ أبى العاصِ؛ لِما روَى سَلَمَةُ بنُ المُحَبَّقِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «مَنْ كَانَتْ لَهُ حَمُولَةٌ تَأْوِى إلَى شِبَعٍ، فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ حَيْثُ أدْرَكَهُ».
رَواه أبو داودَ 1. ولأنَّ مَن خُيِّرَ بينَ الصومِ والفِطْرِ، كان الصومُ أفْضَلَ، كالتَّطَوُّعِ.
وقال عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: أفْضَلُ الأمْرَيْن أيْسَرُهما؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ 2. ولِما روى أبو داودَ، عن حَمْزَةَ بنِ عَمْرٍو، قال: قُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّى صاحِبُ ظَهْرٍ، أُعالِجُه وأُسافِرُ عليه، وأكْرِيه، وإنَّه رُبَّما صادَفَنِى هذا الشَّهْرُ، يَعْنِى رمضانَ، وأنا أجِدُ القُوَّةَ، وأنا شابٌّ، وأجِدُنِى أن أصومَ، يا رسولَ اللَّهِ، أهْوَنَ عَلَىَّ مِن أن أُؤَخِّرَ، فيَكونَ دَيْنًا عَلَىَّ، أفأَصُومُ يا رسولَ اللَّه أعْظَمُ لأجْرِى، أو أُفْطِرُ؟ قال: «أىَّ ذَلِكَ شِئْتَ يَا حَمْزَةُ» 3. ولَنا، ما تَقَدَّمَ مِن الأخْبارِ في الفَصْلِ الذى قبلَه،
..................................
ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «خَيْركُمُ الَّذِى يُفْطِر في السَّفَرِ وَيَقْصُرُ» 1. ولأنَّ فيه خُرُوجًا مِن الخِلافِ، فكان أفْضَلَ، كالقَصْرِ.
وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بالمَرِيضِ، وبصومِ الأيّامِ المَكْرُوهِ صومُها.
فصل: وإنَّما يُباحُ الفِطْرُ في السَّفَرِ الطَّوِيلِ الذى يُبِيحُ القَصْرَ، وقد ذَكَرْنا ذلك فيما مَضَى في الصَّلاةِ 2. ثم لا يَخْلُو المُسافِر مِن ثَلَاَثَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن يَدْخلَ عليه شَهْرُ رمضانَ في السَّفَرِ، فلا خِلافَ في إباحَةِ الفِطْرِ له فيما نَعْلَمُ.
الثّانى، أن يُسافِرَ في أثْناءِ الشَّهْرِ لَيْلًا، فله الفِطْرُ في صَبِيحَةِ الليْلَةِ التى يَخْرجُ فيَها، وما بعدَها، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ.
وقال عَبِيدَةُ السَّلْمانِىُّ، وأبو مِجْلَزٍ، وسُوَيْدُ بنُ غَفَلَةَ 3: لا يُفْطِر مَن سافَرَ بعدَ دُخُولِ، لشَّهْرِ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
وهذا شاهِدٌ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
وروَى ابن عباسٍ، قال: خَرَج رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عامَ الفَتْحِ في شَهْرِ رمضانَ، فصامَ جتى بَلَغ الكَدِيدَ 4، ثم
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَا في رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ.
أفْطرَ، وأفْطَرَ النّاسُ.
مُتَّفَقٌ عليه (1). ولأنَّه مُسافِرٌ فأُبِيحَ له الفِطْرُ, كما لو سافَرَ قبلَ الشَّهْرِ، والآيَةُ مَحْمُولَةٌ على مَن شَهِد الشهرَ كلَّه، وهذا لم يَشْهَدْه كلَّه.
الثّالِثُ، أن يُسافِرَ في أثْناءِ يومٍ مِن رمضانَ، وسَيَأْتِى ذِكْرُ ذلك، إن شاء اللَّهُ.
1049 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ أن يَصُوما في رمضانَ عن غيرِه)
لا يَجُوزُ للمَرِيضِ، ولا للمُسافِرِ سَفَرًا طَوِيلًا، أن يَصُومَ في رمضانَ عن نَذْرٍ، ولا قَضاءٍ، وِلا غيرِهما؛ لأنَّ الفِطْرَ أُبِيحَ رُخْصَةً وِتَخْفِيفًا، فإذا لم يُرِدِ التَّخْفِيفَ عن نفْسِه، لَزِمَه أَنْ يَأْتِىَ بالأصْلِ.
فإن نوَى صَوْمًا غيرَ رمضانَ، لم يَصِحَّ صَوْمُه عن رمضانَ، ولا عمّا نَواه، في الصَّحِيحِ مِن1
وَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ في سَفَرِهِ، فَلَهُ الْفِطْرُ.
المَذْهَبِ، وهو قَوْلُ أكثرِ العُلماءِ.
وقال أبو حنيفةَ في المُسافِرِ: يَقَعُ ما نَواه إذا كان واجِبًا؛ لأنَّه زَمَنٌ أُبِيحَ له فِطْرُه، فكان له صَوْمُه عن واجِبٍ عليه، كغيرِ شهرِ رمضانَ.
ولَنا، أنَّه أُبِيحَ له الفِطْرُ للعُذْرِ، فلم يَجُزْ أن يَصُومَه عن غيرِ رمضانَ، كالمَرِيضِ، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوه، ويَنْتَقِضُ أيضًا بصومِ التَّطَوُّعِ.
قال صالِحٌ: قِيلَ لأبى: مَن صام شَهْرَ رمضانَ، وهو يَنْوِى به تَطَوُّعًا، يُجْزِئُه؟ فقال: أوَ يَفْعَلُ هذا مُسْلِمٌ.
فصل: (ومَن نَوَى الصومَ في سَفَرِه، فله الفِطْرُ) واخْتَلَفَ قولُ الشافعىِّ فيه، فقال مَرَّةً: لا يَجُوزُ له الفِطْرُ.
وقال مَرَّةً: إن صَحَّ حديثُ الكَدِيدِ لم أرَ به بَأْسًا.
وقال مالكٌ: إن أفْطَرَ فعليه القَضاءُ والكَفّارَةُ.
ولَنا،
..................................
حديثُ ابنِ عباسٍ، وهو صحيحٌ مُتَّفَقٌ عليه.
وروَى جابِرٌ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَج عامَ الفَتْحِ، فصام حتى بَلَغ كُراعَ الغَمِيمِ 1، وصام النّاسُ معه، فقِيلَ له: إنَّ النَّاسَ قد شَقَّ عليهم الصيامُ، وإنَّ النّاسَ يَنْظُرُون فيما فَعَلْتَ.
فدَعا بقَدَحٍ مِن ماءٍ بعدَ العَصْرِ، فشَرِبَ والنّاسُ يَنْظُرُون، فأفْطَرَ بَعْضُهم، وصام بَعْضُهم، فبَلَغَه أنَّ ناسًا صامُوا، فقالَ: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ».
رَواه مسلم 2. وهذا نَصٌّ صَرِيحٌ لا يُعَرَّجُ على ما خالَفَه.
وَإنْ نَوَى الْحَاضِرُ صَوْمَ يَوْمٍ، ثُمَّ سَافَرَ في أَثْنَائِهِ، فَلَهُ الْفِطْرُ.
وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ.
1050 - مسألة: (وإن نَوَى الحاضِرُ صومَ يَوْمٍ، ثم سافَرَ في أثْنائِه، فله الفِطْرُ. وعنه، لا يُباحُ)
إذا سافَرَ في أثْناءِ يَوْمٍ مِن رمضانَ، فهل له فِطْرُ ذلك اليومِ؟ فيه رِوايَتان؛ أصَحُّهما، جَوازُ الفِطْرِ.
وهو قولُ عَمْرِو ابنِ شُرَحْبِيلَ، والشَّعْبِىِّ، وإسحاقَ، وداودَ، وابنِ المُنْذِرِ.
والثانيةُ، لا يُباحُ له فِطْرُ ذلك اليوم.
وهو قولُ مَكْحُولٍ، والزُّهْرِىِّ، ويَحْيَى الأنْصارِىِّ، ومالكٍ، والأَوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّ الصومَ عِبادَةٌ تَخْتَلِفُ بالحَضَرِ والسَّفَرِ، فإذا اجْتَمَعا فيها غَلَب حُكْمُ الحَضَرِ، كالصلاةِ.
ولَنا، ما روَى عُبَيْدُ بنُ جُبَيْرٍ، قال: رَكِبْتُ مع أبى بَصْرَةَ الغِفارِىِّ في سَفِينَةٍ مِن الفُسْطاطِ في شَهْرِ رمضانَ، فدَفَعَ، ثم قُرِّبَ غَداه، فلم يُجاوِزِ البُيُوتَ حتى دَعا بالسُّفْرَةِ، ثم قال: اقْتَرِبْ.
..................................
قُلْتُ: ألستَ تَرَى البُيُوتَ؟ قال أبو بَصْرَةَ: أتَرْغَبُ عن سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ رَواه أبو داودَ 1. ولأنَّه أحَدُ الأمْرَيْن المَنْصُوصِ عليهما في إباحَةِ الفِطْرِ، فإذا وُجِد في أثْناءِ النَّهارِ أباحَه، كالمَرَضِ، وقِياسُهم على الصَّلاةِ لا يَصِحُّ، فإنَّ الصومَ يُفارِقُ الصلاةَ؛ لأنَّ الصلاةَ يَلْزَمُ إتْمامُها بنِيَّتِها، بخِلافِ الصومِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يُباحُ له الفِطْرُ حتى يُخَلِّفَ البُيوتَ وراء ظَهْرِه، ويَخْرُجَ مِن بينِ بُنْيانِها.
وقال الحسنُ: يُفْطِرُ في بَيْتِه إن شاء يومَ يُرِيدُ الخُروجَ.
ورُوِىَ نَحْوُه عن عَطاءٍ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: قولُ الحسنِ قولٌ شاذٌّ، وقد رُوِى عنه خِلافُه.
ووَجْهُه ما روَى محمدُ بنُ كَعْبٍ، قال: أتَيْتُ أنَسَ بنَ مالكٍ في رمضانَ، وهو يُرِيدُ سَفَرًا، وقد رُحِّلَتْ له راحِلَتُه، ولَبِس ثِيابَ السَّفَرِ، فدَعا بطَعام فأكَلَ، فَقُلْتُ له: سُنَّةٌ؟ فقالَ: سُنَّةٌ.
ثم رَكِب.
رَواه التِّرْمِذِىُّ 2، وقال: حديثٌ حسنٌ.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
وهذا شاهِدٌ، ولا يُوصَفُ بكَوْنِه مُسافِرًا حتى يَخْرُجَ مِن البَلَدِ، ومَهْما كان في البَلَدِ فله أحْكامُ الحاضِرِين، ولذلك لا يَقْصُرُ الصلاةَ.
فأمّا أنَسٌ فيَحْتَمِلُ
وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ اذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، أَفْطَرَتَا، وَقَضَتَا، وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا، أَفْطَرَتَا، وَقَضَتَا، وَأَطْعَمَتَا عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
أنَّه كان بَرَز (1) مِن البَلَدِ خارِجًا منه، فأتاه محمدُ بنُ كَعْبٍ في ذلك المَنْزِلِ.
1051 -
مسألة: (والحامِلُ والمُرْضِعُ إذا خافَتا)
الضَّرَرَ (على أنْفُسِهما، أفْطَرَتَا، وقَضَتا، وإن خافَتا على وَلَدَيْهما، أفْطَرَتا، وقَضَتا، وأطْعَمَتا عن كل يومٍ مِسْكِينًا) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الحامِلَ والمُرْضِعَ إذا خافَتا على أنْفُسِهما إذا صامَتا، فلهما الفِطْرُ، وعليهما القَضاءُ لا غيرُ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّهُما بمَنْزِلَةِ المَرِيضِ الخائِفِ على نَفْسِه.
وإن خافَتا على وَلَدَيْهِما، أفْطَرتا، وعليهما القَضاءُ، وإطْعامُ مِسْكِينٍ لكلِّ يومٍ.1
..................................
رُوِى ذلك عن ابنِ عُمَرَ.
وهو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ الشافعىِّ.
وقال اللَّيْثُ: الكَفّارَةُ على المُرضِعِ دُونَ الحامِلِ.
وهو إحْدَى الرِّوايَتَيْن عن مالكٍ؛ لأنَّ المُرْضِعَ يُمْكِنُها أن تَسْتَرْضِعَ لوَلَدِها، بخِلافِ الحامِلِ، ولأنَّ الحَمْلَ مُتَّصِلٌ بالحامِلِ، والخَوْفُ عليه كالخَوْفِ على بعضِ أعضائِها.
وقال الحسنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا كَفّارَةَ عليهما؛ لِما روَى أنَسُ بنُ مالكٍ، رجلٌ مِن بنِى كَعْبٍ 1، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ، أوِ الصِّيَامَ».
واللَّهِ لقد قالَهما رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أحَدَهما أو كِلَيْهما.
رَواه النّسائِىُّ،
..................................
والتِّرْمِذِيُّ 1. وقال: حديثٌ حسنٌ.
ولم يَأْمُرْ بكَفّارَةٍ، ولأنَّه فِطْرٌ أُبِيحَ لعُذْرٍ فلم يَجِبْ به كَفّارَةٌ، كالفِطْرِ للمَرَضِ.
ولَنا، قولُ الله تِعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ 2. وهما داخِلَتان في عُمُوم الآيَةِ.
قال ابنُ عباسٍ: كانت رُخْصَةً للشَّيْخِ الكَبِيرِ والمرأةِ الكَبِيرَةَ، وهما يُطِيقان الصيامَ، أن يُفْطِرا، أو يُطْعِما مَكانَ كلِّ يومٍ مِسْكِينًا، والحُبلَى والمُرْضِعُ إذا خافَتَا على أوْلادِهما أفْطَرَتا، وأَطْعَمَتا.
رَواه أبو داودَ 3. ورُوِىَ ذلك عن ابنَ عُمَرَ 4، ولا مُخالِفَ لهما في الصحابةِ.
ولأنَّه فِطْرٌ بسَبَبِ نَفْسٍ عاجِزَةٍ مِن طريقِ الخِلْقَةِ، فوَجَبَتْ به الكَفّارَةُ، كالشَّيْخِ الهِمِّ 5، وخَبَرُهم لم يَتَعَرَّضْ للكَفّارَةِ، فكانت
..................................
مَوْقُوفَةً على الدلِيلِ، كالقَضاءِ، فإنَّ الحديثَ لم يَتَعَرَّضْ له، والمَرِيضُ أخَفُّ حالًا مِن هاتَيْن؛ لأنَّه يُفْطِرُ بسَبَبِ نَفْسِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الواجِبَ في طعامِ المِسْكِينِ مُدُّ بُرٍّ، أو نِصْفُ صاعِ شَعِيرٍ.
والخِلافُ فيه كالخِلافِ في إطعامِ المساكينِ في كَفّارَةِ الجِماعِ، على ما يُذْكَرُ في مَوْضِعِه.
فصل: ويَجِبُ عليهما القَضاءُ مع الإِطْعامِ.
وقال ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ: لا قَضاءَ عليهما؛ لأنَّ الآيَةَ تَناوَلَتْهما، وليس فيها إلَّا الِإطعامُ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ اللهَ وَضَعَ عَنِ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ».
ولَنا، أنَّهما يُطِيقانِ القضاءَ، فلَزِمَهما، كالحائِضِ والنُّفَساءِ، والآيَةُ أوْجَبَتِ الإِطْعامَ، ولم تَتَعَرَّضْ للقَضاءِ، وأخَذْناه مِن دَلِيلٍ آخَرَ.
والمُرادُ
..................................
بوَضْعِ الصومِ، وَضْعُه في مُدَّةِ عُذْرِهما, كما جاء في حديثِ عَمْرِو بنِ أُمَيَّةَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ» 1. ولا يُشْبِهان الشيخَ الهِمَّ 2؛ لأنَّه عاجِزٌ عن القَضاءِ، وهما يَقْدِران عليه.
قال أحمدُ: أذْهَبُ إلى حديثِ أبي هُرَيْرَةَ.
يَعْنِى، ولا أقولُ بقولِ ابنِ عُمَرَ وابنِ عباسٍ في مَنْعِ القَضاءِ.
فصل: فإن عَجَزَتا عن الإِطْعامِ، سَقَط عنهما بالعَجْزِ، ككَفّارَةِ الوَطْءِ، بل السُّقُوطُ ههُنا أوْلَى؛ لوُجُودِ العُذْرِ.
ذَكَره شيخُنا في «الكافِى».
وقِيلَ: لا يَسْقُطُ.
وقد ذَكَرْناه.
وقال صاحِبُ
وَمَنْ نَوَى قَبْلَ الْفَجْر، ثُمَّ جُنَّ، أَوْ أُغْمِىَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النَّهَارِ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ.
وَإِنْ أَفاقَ جُزْءًا مِنْهُ، صَحَّ صَوْمُهُ.
«المُحَرَّرِ»: يَسْقُطُ ههُنا، ولا يَسْقُطُ عن الكَبِيرِ العاجِزِ، والمَرِيضِ الذى لا يُرْجَى بُرْؤُه؛ لأنَّهما بَدَلٌ عن نَفْسِ الصومِ، وتلك جُبْرانٌ لنَقْصِ الصوم.
واللهُ أعلمُ.
1052 -
مسألة: (ومَن نَوَى قبلَ الفَجْرِ، ثم جُنَّ، أو أُغْمِىَ عليه جَمِيعَ النَّهارِ، لم يَصِحَّ صومُه. وإن أفاق جُزْءًا منه، صَحَّ صومُه)
متى نَوَى الصومَ قبلَ الفَجْرِ، ثم جُنَّ، أو أُغْمِىَ عليه جَمِيعَ النَّهارِ، لم يَصِحَّ
..................................
صومُه.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ؛ لأنَّ النِّيَّةَ قد صَحَّتْ، وزَوالُ الاسْتِشْعارِ بعدَ ذلك لا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصومِ، كالنَّوْمِ.
ولَنا، أنَّ الصومَ هو الإِمْساكُ مع النِّيَّةِ، قال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «يَقُولُ تَعَالَى: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصِّيَامَ، فإنَّهُ لِى، وَأنَا أَجْزِى بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أجْلِى» 1. فأضاف تَرْكَ الطَّعامِ والشَّراب إليه، والمَجْنُونُ والمُغْمَى عليه لا يُضافُ الإِمْساكُ إليه، فلم يُجْزِئْه.
ولأَنَّ النِّيَّةَ أحَدُ رُكْنَىِ الصومِ، فلم تُجْزِئْ وَحْدَها، كالإِمْساكِ وَحْدَه، أمّا النَّوْمُ فإنَّه عادَةٌ، ولا يُزِيلُ الإِحْساسَ بالكُلِّيَّةِ، ومتى نُبِّهَ انْتَبَه.
فصل: ومتى أفاق المُغْمَى عليه في جُزْءٍ مِن النَّهارِ، صَحَّ صَوْمُه، سَواءٌ كان في أوَّلِه أو في آخِرِه.
وقال الشافعىُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: تُعْتَبَرُ الإِفاقَةُ في أوَّلِ النَّهارِ؛ ليَحْصُلَ حُكْمُ النِّيَّةِ في أوَّلِه.
ولَنا، أنَّ الإِفاقَةَ حَصَلَتْ في جُزْءٍ مِن النَّهارِ، فأجْزَأ, كما لو وُجِدَتْ في أوَّلِه، وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛
وَإِنْ نَامَ جَمِيعَ النَّهَارِ، صَحَّ صَوْمُهُ.
وَيَلْزَمُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْمَجْنُونِ.
فإنَّ النِّيِّةَ قد حَصَلَتْ مِن اللَّيْلِ، فيُسْتَغْنَى عن ذِكْرِها في النَّهارِ, كما لو نام أو غَفَل عن الصومِ، ولو كانَتِ النِّيَّةُ إنَّما تَحْصُلُ بالإِفاقَةِ في أوَّلِ النَّهارِ، لَما صَحَّ منه صومُ الفَرْضِ بالإِفاقَةِ، لأنَّه لا يُجْزِئُ بنِيَّةٍ مِن النَّهارِ.
وحُكْمُ المَجْنُونِ حُكْمُ المُغْمَى عليه في ذلك.
وقال الشافعىُّ: إذا وُجِد الجُنُونُ في جُزْءٍ مِن النَّهارِ أفْسَدَ الصومَ؛ لأنَّه مَعْنًى يَمْنَعُ وُجُوبَ الصومِ، فأفْسَدَه وُجُودُه في بَعْضِه، كالحَيْضِ.
ولَنا، أنَّه زَوالُ عَقْلٍ في بعضِ النَّهارِ، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ الصومِ، كالإِغْماءِ، ويُفارِقُ الحَيْضَ؛ فإنَّ الحَيْضَ لا يَمْنَعُ الوُجُوبَ، وإنَّما يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، ويُحَرِّمُ فِعْلَ الصومِ، ويَتَعَلَّقُ به وُجُوبُ الغُسْلِ وتَحْرِيمُ الصلاةِ والقِراءَةِ واللُّبْثِ في المَسْجِدِ والوَطْءِ، فلا يَصِحُّ القِياسُ عليه.
1053 -
مسألة: (وإن نام جَمِيعَ النَّهارِ، صَحَّ صومُه)
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه عادَةٌ، ولا يُزِيلُ الإِحْساسَ بالكُلِّيَّةِ.
1054 -
مسألة: (ويَلْزَمُ المُغْمَى عليه القَضاءُ دُونَ المَجْنونِ)
لا نَعْلَمُ خِلافًا في وُجُوبِ القَضاءِ على المُغْمَى عليه؛ لأنَّ مُدَّتَه لا تتَطاوَلُ غالِبًا، ولا تَثْبُتُ
..................................
الوِلايَةُ على صاحِبِه، فلم يَزُلْ 1 به التَّكْلِيفُ، كالنَّوْمِ.
فأمّا المَجْنُونُ، فلا يَلْزَمُه قَضاءُ ما مَضَى.
وبه قال أبو ثَوْرٍ، والشافعىُّ في الجَدِيدِ.
وقال مالكٌ: يَقْضِى وإن مَضَى عليه سِنُون.
وعن أحمدَ مِثْلُه.
وهو قولُ الشافعىِّ في القَدِيمِ؛ لأنَّه مَعْنًى يُزيلُ العَقْلَ، فلم يَمْنَعْ وُجُوبَ الصومِ، كالإِغْماءِ.
وقال أبو حنيفةَ: إن جُنَّ جَمِيعَ الشَّهْرِ فلا قَضاءَ عليه، وإن أفاق في أثْنائِه قَضَى ما مَضَى؛ لأنَّ الجُنُون لا يُنافِى الصومَ، بدَلِيلِ أنَّه لو جُنَّ في أثْناءِ الصومِ لم يَفْسُدْ، فإذا وُجِد في بعضِ الشَّهْرِ وَجَب القَضاءُ، كالإِغْماءِ، ولأنَّه أدْرَكَ جُزْءًا مِن رمضانَ وهو عاقِلٌ، فلَزِمَه صِيامُه, كما لو أفاق في جُزْءٍ مِن اليومِ.
ولَنا، أنَّه مَعْنًى يُزِيلُ التَّكْلِيفَ، فلم يَجِبِ القَضاءُ في زَمانِه، كالصِّغَرِ والكُفْرِ.
ونَخُصُّ أبا حنيفةَ بأنَّه مَعْنًى لو وُجِد في جَمِيعِ الشَّهْرِ أسْقَطَ القَضاءَ، فإذا وُجِد في بعضِه أسْقَطَه، كالصَّبيِّ والكُفْرِ، فأمّا إذا أفاق في بعض اليومِ، فلنا فيه مَنْعٌ، وإن سَلَّمْناه، فلأنَّه قد أدْرَكَ بعضَ وَقْتِ العِبادَةِ، فلَزِمَتْه، كالصَّبِىِّ إذا بَلَغ، والكافِرِ إذا أسْلَمَ في بعضِ النَّهارِ، وكما لو أدْرَكَ بعضَ وَقْتِ الصلاةِ.
فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ وَاجِبٍ، إِلَّا أنْ يَنْوِيَهُ مِنَ اللَّيْلِ مُعَيِّنًا.
وَعَنْهُ، لَا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِرَمَضَانَ.
فصل: قال: (ولا يَصِحُّ صومُ واجِبٍ، إلَّا أن يَنْوِيَه مِن اللَّيْلِ مُعَيِّنًا.
وعنه، لا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لرمضانَ) لا يَصِحُّ صومٌ إلَّا بنِيَّةٍ بالإِجْماعِ، فَرْضًا كان أو تَطَوُّعًا؛ لأنَّه عِبادَةٌ مَحْضَةٌ، فافْتَقَرَ إلى النِّيَّةِ، كالصلاةِ.
فإن كان فَرْضًا، كصيامِ رمضانَ في أَدائِه أو قَضائِه، والنَّذْرِ، والكَفّارَةِ، اشْتُرِطَ أن يَنْوِيَه مِن اللَّيْلِ.
وهذا مَذْهَبُ مالكٍ، والشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُ صيامُ رمضانَ، وكلُّ صومٍ مُتَعَيِّنٍ بنِيَّةٍ 1 مِن النَّهارِ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أرْسَلَ غَداةَ عاشُوراءَ إلى قُرَى الأنْصارِ التى حولَ المَدِينَةِ: «مَنْ كَانَ أصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصبَحَ مُفْطِرًا فَلْيَصُمْ 2 بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أكَلَ فَلْيَصُمْ».
مُتَّفَقٌ عليه 3. وكان صومًا واجِبًا مُتَعَيِّنًا، ولأنَّه غيرُ ثابِتٍ في الذِّمَّةِ، فهو كالتَّطَوُّعِ.
ولَنا،
..................................
ما روَى ابنُ جُرَيْجٍ، وعبدُ اللهِ بنُ أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عن الزُّهْرِىِّ، عن سالِمٍ، عن أبيه، عن حَفْصَةَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -, أنَّه قال: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَلَا صِيَامَ لَهُ».
وفى لَفْظِ ابنِ حَزْم: «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ».
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ، والنَّسائِىُّ 1. وروَى الدَّارَقُطنِىُّ 2، بإسْنادِه، عن عَمْرَةَ، عن عائِشةَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «مَن لَم يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ».
وقال: إسْنادُه كلُّهم ثِقاتٌ.
وقال: حديثُ
..................................
حَفْصَةَ رَفَعَه عبدُ اللهِ بنُ أبي بَكْرٍ، عن الزُّهْرِىِّ، وهو مِن الثِّقاتِ.
ولأنَّه صومُ فَرْضٍ، فافْتَقَرَ إلى النِّيَّةِ مِن اللَّيْلِ، كالقَضاءِ.
فأمّا صومُ عاشُوراءَ فلم يَثْبُتْ وُجُوبُه، فإنَّ مُعاوِيَةَ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يَكْتُبِ الله عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وَأنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وإنَّما سُمِّىَ الإِمْساكُ صِيامًا تَجَوُّزًا، كما روَى البُخارِىُّ، أنَّ رسولَ اللهَ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ رجلًا أنْ أذِّنْ في النَّاسِ، أنَّ مَنْ كَانَ أكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِه 2. وإِمْساكُ بَقِيَّةِ اليَوْمِ بعدَ الأكْلِ ليس بصيامٍ شَرْعِىٍّ، فسَماه صيامًا تَجَوُّزًا، ثم لو ثَبَت أنَّه صِيامٌ، فالفَرْقُ بينَ ذلك وبينَ رمضانَ، أنَّ وُجُوبَ الصِّيامِ تَجَدَّدَ في أثْناءِ النَّهارِ، فأجْزَأتْه النِّيَّةُ حينَ تَجَدَّدَ الوُجوبُ، كمَن كان صائِمًا تَطَوُّعًا، فنَذَرَ في أثْناءِ النَّهارِ صومَ بَقِيَّةِ يَوْمِه، فإنَّه تُجْزِئُه نِيَّتُه عندَ نَذْرِه، بخِلافِ ما إذا كان النَّذْرُ مُتَقَدِّمًا.
والفَرْقُ بينَ التَّطَوُّعِ والفَرْضِ مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما،
..................................
أنَّ التَّطَوُّعَ يُمْكِنُ الإِتْيانُ به في بعضِ النَّهارِ، بشَرْطِ عَدَمِ المُفْطِراتِ في أوَّلِه، بدَلِيلِ قَوْلِه عليه السَّلامُ، في حديث عاشُوراءَ: «فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ».
فإذا نَوَى صومَ التَّطَوُّعِ مِن النهارِ، كان صائِمًا بَقِيَّةَ النَّهارِ دُونَ أوَّلِه، والفَرْضُ يَجِبُ في جميعِ النَّهارِ، ولا يَكُونُ صاِئمًا بغيرِ نِيَّةٍ.
والثانِى، أنَّ التَّطَوُّعَ سُومِحَ في نِيَّتِه مِن اللَّيْلِ تَكْثِيرًا له، فإنَّه قد يَبْدُو له الصومُ في النَّهارِ، فاشْتِراطُ النِّيَّةِ في اللَّيْلِ يَمْنَعُ ذلك فسامَحَ الشَّرْعُ فيها، كمُسامَحَتِه في تَرْكِ القِيامِ في صلاةِ التَّطَوُّعِ، بخِلافِ الفَرْضِ.
إذا ثَبَت هذا ففى أىِّ جُزْءٍ مِن اللَّيْلِ نَوَى أجْزَأه، وسَواءٌ فَعَل بعدَ النِّيَّةِ ما يُنافِى الصومَ، مِن الأكْلِ والشُّرْبِ والجِماعِ، أو لم يَفْعَلْ.
واشْتَرَطَ بعضُ أصحابِ الشافعىِّ أن لا يَأْتِىَ بعدَ النِّيَّةِ بما يُنافِى الصومَ.
واشْتَرَطَ بعْضُهم وُجُودَ النِّيَّةِ في النِّصْفِ الأخِيرِ مِن اللَّيْلِ، كأذانِ الصُّبْحِ، والدَّفْعِ مِن مُزْدَلِفَةَ.
ولَنا، مَفْهُومُ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلٍ» 1. مِن غيرِ تَفْصِيلٍ.
ولأنَّه نَوَى مِن اللَّيْلِ، فصَحَّ صَوْمُه, كما لو 2 نوَى في النِّصْفِ الأخِيرِ، وكما لو لم يَفْعَلْ ما يُنافِى الصومَ، ولأنَّ تَخْصِيصَ النِّيَّةِ بالنِّصْفِ الأخِيرِ يُفْضِى إلى تَفْوِيتِ الصومِ؛ لأنَّه وَقْتُ النَّوْمِ، وكَثِيرٌ مِن النّاسِ لا يَنْتَبِهُ فيه، ولا يَذْكُرُ الصومَ، والشارِعُ إنَّما
..................................
رَخَّصَ في تَقْدِيمِ النِّيَّةِ على ابْتِدائِه لحَرَجِ اعْتِبارِها عندَه، فلا يَخُصُّها بمَحَلٍّ لا تَنْدَفِعُ المَشَقَّةُ بتَخْصِيصِها به، ولأنَّ تَخْصِيصَها بالنِّصْفِ الأخِيرِ تَحَكُّمٌ مِن غيرِ دَلِيلٍ، واعْتِبارُ الصومِ بالأذانِ والدَّفْعِ مِن مُزْدَلِفَةَ لا يَصِحُّ؛ لأنَّهما يَجُوزان بعدَ الفَجْرِ، فلا يُفْضِى مَنْعُهما في النِّصْفِ الأوَّلِ إلى فَواتِهما، بخِلافِ نِيَّةِ الصومِ، ولأنَّ اخْتِصاصَهما بالنِّصْفِ الأخِيرِ بمَعْنَى تَجْوِيزِهما فيه، واشْتِراطُ النِّيَّةِ بمَعْنَى الإِيجابِ والتَّحَتُّمِ وفَواتِ الصومِ بفَواتِها، فيه، وهذا فيه مَشَقَّةٌ ومَضَرَّةٌ، بخِلافِ التَّجْوِيزِ.
فأمّا إن فَسَخ النِّيَّةَ، مثلَ إن نَوَى الفِطْرَ بعدَ نِيَّةِ الصيامِ، لم تُجْزِئْه تلك النِّيَّةُ المَفْسُوخَةُ؛ لأنَّها زالت حُكْمًا وحَقِيقَةً.
فصل: وإن نَوَى مِن النَّهارِ صومَ الغَدِ، لم يُجْزِئْه، إلَّا أن يَسْتَصْحِبَ النِّيَّةَ إلى جُزْءٍ مِن اللَّيْلِ.
وقد روَى ابنُ مَنْصُورٍ، عن أحمدَ: مَن نَوَى الصومَ عن قَضاءِ رمضانَ بالنَّهارِ، ولم يَنْوِ من اللَّيْلِ، فلا بَأْسَ، إلَّا أن يَكُونَ فَسَخ النِّيَّةَ بعدَ ذلك.
فظاهِرُ هذا حُصُولُ الإِجْزاءِ بنِيَّةٍ مِن النَّهارِ، إلَّا أنَّ القاضىَ قال: هذا مَحْمُولٌ على أنَّه اسْتَصْحَبَ النِّيَّةَ إلى اللَّيْلِ.
وهذا صَحِيحٌ؛ لظاهِر قَوْلِه عليه السَّلامُ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ».
ولأنَّه لم يَنْوِ عندَ ابْتِداءِ العِبادَةِ، ولا قَرِيبًا منها، فلم
..................................
يَصِحَّ, كما لو نَوَىْ مِن اللَّيْلِ صومَ بعدِ الغَدِ.
فصل: وتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ لكلِّ يومٍ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وعن أحمدَ، أنَّه تُجْزِئُه نِيَّةٌ واحِدَةٌ لجمِيعِ الشَّهْرِ، إذا نَوَى صومَ جَميعِه.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ، وإسحاقَ؛ لأنَّه نوَى في زَمَنٍ يَصْلُحُ جِنْسُه لنِيَّةِ الصوم، فجاز, كما لو نَوَى كلَّ يومٍ في لَيْلَته.
ولَنا، أنَّه صومٌ واجِبٌ، فوَجَبَ أَن يَنْوِىَ كُلَّ يَومٍ مِن لَيْلَتِه، كالقَضاءِ، ولأنَّ هذه الأيَّامَ عِباداتٌ لا يَفْسُدُ بعضُها بفَسادِ بعضٍ، ويَتَخَلَّلُها ما يُنافِيها، أشْبَهَتِ القَضاءَ، وبهذا فارَقَتِ اليومَ الأوَّلَ.
وعلى قِياسِ رمضانَ إذا نَذَر صومَ شَهْرٍ بعَيْنِه، خُرِّجَ فيه مثلُ ما ذَكَرْنا في رمضانَ.
فصل: ومَعْنَى النِّيَّةِ القَصْدُ، وهو اعْتِقادُ القَلْبِ فِعْلَ الشئِ وعَزْمُه عليه مِن غيرِ تَرَدُّدٍ.
فمتى خَطَر بقَلْبِه في اللَّيْلِ أنَّ غَدًا مِن رمضانَ، وأنَّه صائِمٌ فيه، فقد نوَى.
وإن شَكَّ في أنَّه مِن رمضانَ، ولم يَكُنْ له أصْلٌ يَبْنِى عليه، مثلَ لَيْلَةِ الثَّلاِثِين مِن شعبانَ، ولم يَحُلْ دُونَ مَطْلَعِ الهِلالِ غَيْمٌ ولا قَتَرٌ، فعَزَمَ أن يَصُومَ غَدًا مِن رمضانَ، لم تَصِحَّ النِّيَّةُ، ولم يُجْزِئْه
..................................
صيامُ ذلك اليَوْمِ؛ لأنَّ النِّيَّةَ قَصْدٌ يَتْبَعُ العِلْمَ، وما لا يَعْلَمُه ولا دَلِيلَ على وُجُودِه، لا يَصحُّ قَصْدُه.
وبهذا قال حَمّادٌ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ، وابنُ أبي لَيْلَى، والحسنُ بنُ صالِحٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال الثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ: يَصحُّ إذا نَواه مِن اللَّيْلِ، كاليومِ الثانى.
وعن الشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن.
ولَنا، أنَّه لم يَجْزِمِ النِّيَّةَ بصَوْمِه مِن رمضانَ، فلم يَصحَّ، كما لو لم يَعْلَمْ إلَّا بعدَ خُرُوجِه.
وكذلك إن بَنَى على قولِ المُنَجِّمِين وأهلِ الحِسابِ، فوافَقَ الصَّوابَ، لم يَصحَّ صومُه، وإن كَثُرَتْ إصابَتُهم؛ لأنَّه ليس بدَلِيلٍ شَرْعِىٍّ يَجُوزُ البِناءُ عليه، ولا العَمَلُ به، فكان وُجُودُه كعَدَمِه، قال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ».
وفى رِوايَةٍ: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ» 1. فأمّا لَيْلَةُ الثَّلاِثِين مِن رمضانَ، فتَصِحُّ نِيَّتُه، وإنِ احْتَمَلَ أن يَكُونَ مِن شَوّالٍ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ رمضانَ، ولِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ.
فإن قال: إن كان غَدًا مِن رمضانَ فأنا صائِمٌ، وإن كان مِن شَوّالٍ فأنا مُفْطِرٌ.
فقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَصحُّ صومُه؛ لأنَّه لم يَجْزِمْ بنَيَّةِ الصومِ، والنِّيَّةُ اعْتِقادٌ جازِمٌ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصحَّ؛ لأنَّ هذا شَرْطٌ واقِعٌ، والأصْلُ بَقاءُ رمضانَ.
فصل: ويَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ في كلِّ صومٍ واجِبٍ، فيَعْتَقِدُ أنَّه يصومُ
..................................
غدًا مِن رمضانَ، أو مِن قَضائِه، أو مِن كفّارتِه، أو نَذْرِه.
نَصَّ عليه في رِوايةِ الأثْرَم، فإنَّه قال: يا أبا عبدِ اللهِ، أسِيرٌ صام في أرضِ الرُّومِ شَهْرَ رمضانَ، ولا يَعْلَمُ أنَّه رمضانُ، فنَوَى التَّطَوُّعَ؟ قال: لا يُجْزِئُه إِلَّا بعَزِيمَةِ أنَّه مِن رمضانَ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وعن أحمدَ، رِوايَةٌ أُخْرَى، أَنَّه لا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لرمضانَ.
قال المَرُّوذِىُّ: رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: يَكُونُ يَوْمُ الشَّكِّ يومَ غَيْمٍ، إذا أجْمَعْنا على أنَّنا نُصْبِحُ صِيامًا، يُجْزِئُنا مِن رمضانَ، وإن لم نَعْتَقِدْ أنَّه مِن رمضانَ؟ قال: نعم.
فقُلْتُ: فقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ» 1. أليَس يُرِيدُ أن يَنْوِىَ أنَّه مِن رمضانَ؟ قال: لا، إذا نَوَى مِن اللَّيْلِ أنَّه صائِمٌ أجْزَأه.
وحَكَى أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ، عن بعضِ أصحابِنا أنَّه قال: ولو نَوَى أن يَصُومَ تَطَوُّعًا لَيْلَةَ الثَّلاِثِينْ مِن رمضانَ، فوافَقَ رمضانَ، أجْزَأه.
قال القاضى: وَجَدْتُ هذا الكَلامَ اخْتِيارًا لأبِى القاسِمِ، ذَكَرَه في شَرْحِه.
وقال أبو حَفْصٍ: لا يُجْزِئُه، إلَّا أن يَعْتَقِدَ مِن اللَّيْلِ بلا شَكٍّ وِلا تَلَوُّمٍ 2. فعلى القولِ الثانِى، لو نَوَى في رمضانَ الصومَ مُطْلَقًا، أو نوَى نَفْلًا، وَقَع عن رمضانَ، وصَحَّ صَوْمُه.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ إذا كان مُقِيمًا؛ لأنَّه فَرْضٌ مُسْتَحَقٌّ في زَمَنٍ بعَيْنِه، فلا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ له، كطَوافِ الزِّيارَةِ.
ولنا، أنَّه صومٌ واجِبٌ، فوَجَبَ
وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَجِبُ ذَلِكَ.
تَعْيِينُ النِّيَّةِ له، كالقَضاءِ.
وطَوافُ الزِّيارَةِ عندَنا كهذه المَسْألَةِ في افْتِقارِه إلى التَّعْيِينِ، فلو نَوَى طَوافَ الوَداعِ، أو طَوافًا مُطْلَقًا، لم يُجْزِئْه عن طَوافِ الزِّيارَةِ.
ثم الحَجُّ مُخالِفٌ للصومِ، ولهذا يَنْعَقِدُ مُطْلَقًا، ويَنْصَرِفُ إلى الفَرْضِ.
ولو حَجَّ عن غيرِه، ولم يَكُنْ حَجَّ عن نَفْسِه، وَقَع عن نَفْسِه.
ولو نَوَى الِإحْرامَ بمثلِ ما أحْرَمَ به فُلَانٌ، صَحَّ، ويَنْعَقِدُ فَاسِدًا، بخِلافِ الصومِ.
1055 -
مسألة: (ولا يَحْتاجُ إلى نِيَّةِ الفَرْضِيَّةِ. وقال ابنُ حامِدٍ: يَجِبُ ذلك)
إذا عَيَّنَ النِّيَّةَ عنِ صومِ رمضانَ، أو قَضائِه، أو نَذْرِه، أو كَفّارَةٍ، لم يَحْتَجْ أن يَنْوِىَ أنَّه فَرْضٌ؛ لأنَّ التَّعْيِينَ يُجْزِئُ عن نِيَّةِ الفَرْضِيَّةِ.
وقال ابنُ حامِدٍ: يَجِبُ ذلك.
وقد ذَكَرْنا ذلك في كِتابِ الصلاةِ 1.
وَلَوْ نَوَى، إِنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ، فَهُوَ فَرْضِى، وَإلَّا فَهُوَ نَفْلٌ، لَمْ يُجْزِئْهُ.
وَعَنْهُ، يُجْزِئُهُ.
1056 - مسألة: (ولو نَوَى، إن كان غَدًا مِن رمضانَ، فهو فَرْضِى، وإلَّا فهو نَفْلٌ. لم يُجْزِئْه)
على الرِّوايَةِ المَشْهُورَةِ؛ لأنَّه لم يُعَيِّنِ الصومَ مِن رمضانَ جَزْمًا (وعنه، يُجْزِئه) لأنَّه قد نَوَى الصومَ.
ولو كان
وَمَنْ نَوَى الإِفْطَارَ، أَفْطَرَ.
عليه صومٌ مِن سَنَةِ خَمْسٍ، فنَوَى أنَّه يَصُومُ عن سَنَةِ سِتٍّ، أو نَوَى الصومَ عن يَوْمِ الأحَدِ، وكان غيرَه، أو ظَنَّ أنَّ غَدًا الأحَدَ، فَنَواه، وكان الاثْنَيْنَ، صَحَّ صَوْمُه؛ لأنَّ نِيَّةَ الصومِ لم تَخْتَلَّ، إنَّما أخْطَأَ في الوَقْتِ.
1057 -
مسألة: (ومَن نَوَى الإِفْطارَ، أفْطَرَ)
إذَا نَوَى الإِفْطارَ
..................................
في صومِ الفَرْضِ أفْطَرَ، وفَسَد صومُه.
هذا ظاهِرُ المَذْهَبِ، وقولُ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ.
وقال أصحابُ الرَّأْىِ: إن عاد فنَوَى قبلَ أن يَنْتَصِفَ النَّهارُ، أجْزَأه.
بِناءً على أصْلِهم أنَّ الصومَ المُعَيَّنَ يُجْزِىُّ بنِيَّةٍ مِن النَّهارِ.
وحُكِىَ عن ابنِ حامِدٍ، أنَّ الصومَ لا يَفْسُدُ بذلك؛ لأنَّها عِبادَةٌ: يَلْزَمُ المُضِىُّ في فاسِدِها، فلم تَفْسُدْ بنِيَّةِ الخُرُوجِ منها، كالحَجِّ.
ولَنا، أنَّها عِبادَةٌ مِن شَرْطِها النِّيَّةُ، ففَسَدَتْ بنِيَّةِ الخُرُوجِ منها، كالصلاةِ، ولأنَّ اعْتِبارَ النِّيَّةِ في جميعِ أجْزاءِ العِبادَةِ، لكنْ لَمّا شَقَّ اعْتِبارُ حَقِيقَتِها اعْتُبِرَ بَقاءُ حُكْمِها، وهو أن لا يَنْوِىَ قَطْعَها، فإذا نَواه زالت حَقِيقَةً وحُكْمًا، ففَسَدَ الصومُ؛ لزَوالِ شَرْطِه.
وما ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ لا يَطَّرِدُ في غيرِ رمضانَ، ولا يَصِحُّ القِياسُ على الحَجَّ؛ فإنَّه يَصِحُّ بنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ ومُبْهَمَةٍ، وبالنِّيَّةِ عن غيرِه إذا لم يَكُنْ حَجَّ عن نَفْسِه، فافْتَرَقا.
فصل: فأمّا صومُ النَّفْلِ، فإن نَوَى الفِطْرَ، ثم لم يَنْوِ الصومَ بعدَ ذلك، لم يَصِحَّ صَوْمُه؛ لأنَّ النِّيَّةَ انْقَطَعَتْ، ولم تُوجَدْ نِيَّةٌ غيرَها، أشْبَهَ مَن لم يَنْوِ أصْلًا.
وإن عاد فنَوَى الصومَ، صَحَّ، كما لو أصْبَحَ غيرَ ناوٍ
..................................
للصومِ؛ لأنَّ نِيَّةَ الفِطْرِ إنَّما أبْطَلَتِ الفَرْضَ [2/ 205 ظـ] لقَطْعِها النِّيَّةَ المُشْتَرَطَةَ في جَمِيعِ النَّهارِ حُكْمًا، وخُلُوِّ بعضِ أجْزاءِ النَّهارِ عنها، والنَّفْلُ بخِلافِ ذلك، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ الصومِ نِيَّةُ الفِطْرِ في زَمَن لا يُشْتَرَطُ وُجُودُ نِيَّةِ الصومِ فيه؛ لأنّ نِيَّةَ الفِطْرِ لا تَزِيدُ على عَدَمِ النَّيَّةِ في ذلك الوَقْتِ، وعَدَمُها لا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصومِ إذا نَوَى بعدَ ذلك، فكذلك إذا نَوَى الفِطْرَ، ثم نَوَى الصومَ بعدَه.
وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا أصْبحَ صائِمًا، ثم عَزَم على الفِطْرِ، فلم يُفْطِرْ حتى بَدا له، ثم قال: لا، بل أُتِمُّ صَوْمِى مِن الواجبِ.
لم يُجْزِئْه حتى يَكُونَ عازِمًا على الصومِ يَوْمَه كلَّه، ولو كان تَطَوُّعًا كان أسهَلَ.
وظاهِرُ هذا مُوافِقٌ لِما ذَكَرْناه.
وقد دَلَّ على صِحَّتِه أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَسْألُ أهْلَه: «هَلْ مِنْ غَدَاءٍ؟» فإن قالوا: لا.
قال: «إنِّى إذًا صَائِمٌ» 1.
فصل: فإن نَوَى أنَّه سيُفْطِرُ ساعَةً أُخْرَى، فقال ابنُ عَقِيلٍ: هو كنِيَّةِ الفِطْرِ في وَقْتِه.
وإن تَرَدَّدَ في الفِطْرِ، فعلى وَجْهَيْن، ذَكَرْنا في الصلاةِ 2. وإن نَوَى، إنَّنى إن وَجَدْتُ طَعامًا أفْطَرْتُ، وإلَّا أتْمَمْتُ