وَإنْ أَعْتَقَهُ شَرِيكُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ فِيهِ عِتْقٌ.
فصل: ولا فَرْقَ في هذا بينَ أنَّ يكونَ الشركاءُ مسلمين أو كافرين، أو بعضُهم مسلمًا وبعضُهم كافرًا، ذَكَرَه القاضي.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وذَكَر أبو الخَطَّابِ في الكافِرِ وَجْهًا أنَّه إذا أعْتَقَ نَصِيبَه مِن مُسْلِم، أنَّه لا يَسْرِي إلى باقِيه، ولا يُقَوَّمُ عليه؛ لأنَّه لا يَصِحُّ شِراءُ الكافِرِ عبدًا مسلمًا.
ولَنا، عُمُومُ الخَبَرِ، ولأنَّ ذلك ثَبَت لإِزالةِ الضَّرَرِ، فاسْتَوَى فيه المسلمُ والكافرُ، كالرَّدّ بالعَيبِ، والغَرَضُ ههُنا تَكْمِيلُ العِتْقِ ودَفْعُ الضَّرَرِ عن الشَّرِيكِ دُون التمْلِيكِ، بخِلافِ الشِّراءِ، ولو قُدِّرَ أنَّ ههُنا تمْلِيكًا، لكان تَقْديرًا في أدْنَى زمانٍ، حَصَل ضَرُورَةَ تحْصيلِ العِتْقِ، لا ضَرَرَ فيه، فإن قُدِّرَ فيه ضَرَرٌ، فهو مَغْمُورٌ بالنّسْبَةِ إلى ما يَحْصُلُ مِن العِتْقِ، فوُجُودُه كالعَدَمِ.
وقياسُ هذا على الشِّراءِ غيرُ صحيح؛ لِما بينَهما مِن الفَرْقِ.
2922 -
مسألة: (فإن أعْتَقَه الشَّرِيكُ بَعْدَ ذلك)
وقبلِ أخْذِ القِيمَةِ (لم يَثْبُتْ له فيه عِتْقٌ) لأنَّه قد صار حُرًّا بعِتْقِ الأوَّلِ له، لأنَّ عِتْقَه حَصَل باللَّفْظِ، لا بدَفْعِ القِيمَةِ، وصار جميعُه حُرًّا، واسْتَقرَّتِ القِيمَةُ على المُعْتِقِ الأوَّلِ، فلا يَعْتِقُ بعدَ ذلك بعِتْقٍ غيرِه.
وبهذا قال ابنُ شُبْرُمَةَ، وابنُ أبي لَيلَى، والثَّوْرِيُّ، وأبو يُوسُف، ومحمدٌ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، والشافعيُّ في قولٍ له، اخْتارَه المُزَنيُّ.
وقال الزُّهْرِيُّ، وعمرُو بنُ دينارٍ، ومالكٌ، والشافعيُّ في قولٍ: لا يَعْتِقُ إلَّا بدَفْعِ القِيمَةُ، ويكون قَبْلَ ذلك مِلْكًا لصاحِبِه، يَنْفُذُ عِتْقُه فيه، ولا يَنْفُذُ تَصَرُّفه فيه بغيرِ العِتْقِ.
..................................
واحتجُّوا بقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «قُوِّمَ عَلَيهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، [فأُعْطِيَ شُرَكَاؤه حِصَصَهم وعَتَق جَمِيعُ العَبْدِ» 1. وفي لفظٍ لأبي داودَ: «فإن كان مُوسِرًا يُقَوَّمُ عليه قِيمَةَ عَدْلٍ] 2، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، ثمَّ يَعْتِقُ».
فجَعَلَه عتيقًا بعدَ دَفْعِ القِيمَةِ.
ولأنَّ العِتْقَ إذا ثَبَت بعِوَض وَرَد الشَّرْعُ به مُطْلَقًا، لم يَعْتِقْ إلَّا بالأداءِ، كالمُكاتَبِ.
وللشافعيِّ قَوْلٌ ثالِثٌ، أنَّ العِتْقَ مُراعًى، فإن دَفَع القِيمَةَ تَبَينا أنَّ العِتْقَ كان حَصَل مِن حِينَ أعْتَقَ نصيبَه، وإن لم يَدْفَعِ القِيمَةَ تَبَيَّنّا أنَّه لم يَكُنْ عَتَق، لأنَّ فيه احْتِياطًا لهما جميعًا.
ولَنا، حديثُ ابنِ عُمَرَ، فإنَّه رُوِيَ بألفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ تَجْتَمِعُ في الدَّلالةِ على الحُرِّيَّةِ باللَّفْظِ، فرَوَى أيُّوبُ 3، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ، فَكَانَ له مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَهَ بقِيمَةِ العَدْلِ، فَهُوَ عَتِيقٌ».
رواه أبو دَوُادَ، والنَّسائيُّ.
وفي لَفظٍ رَواه ابنُ أبي مُلَيكَةَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمَرَ: «فَكَانَ لَهُ مَالٌ، فَقَدْ عَتَقَ كُلُّهُ».
وفي رِوايَةِ ابنِ أبي ذِئْبٍ، عن نافعٍ، عن ابن عُمَرَ: «وكَانَ لِلَّذِي يُعْتِقُ ما يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بقِيمَةِ العَدْلِ، فَهُوَ 4 يَعْتِقُ كُلّه».
وروَى أبو داودَ 5 بإسنادِه عن أبي هرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أعْتَقَ شِقْصًا في
..................................
مَمْلُوكٍ فَهُوَ حُرٌّ مِنْ مَالِه».
وهذه نُصوصٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ، فإنَّه جَعَلَه حُرًّا وعَتِيقًا بإعْتاقِه، مَشْرُوطًا بكَوْنِه مُوسِرًا.
ولأنَّه عِتْق 1 بالسِّرايَةِ، فكانت حاصِلَةً مِن لَفْظِه عَقِيبَه، كما لو أعْتَقَ جُزْءًا مِن عَبْدِه، ولأنَّ القِيمَةَ مُعْتَبَرَة وَقْتَ الإعْتاقِ.
ولا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الشَّرِيكِ فيه بغيرِ الإِعْتاقِ.
وعندَ الشافعيِّ، لا يَنْفُذُ بالإِعْتاقِ أيضًا، فدَلَّ على أنَّ العِتْقَ حَصَل فيه بالإِعْتاقِ الأوَّلِ.
فأمّا حديثُهم، فلا حُجَّةَ لهم فيه، فإنَّ «الواو» لا تَقتَضِي تَرْتِيبًا، وأمّا العَطْفُ بـ «ثُم» في اللَّفْظِ الآخَرِ، فلم يُرِدْ بها التَّرْتِيبَ، فإنَّها قد تَرِدُ لغَيرِ التَّرْتيبِ، كقوْلِه تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ 2. فأمّا العِوَضُ، فإنَّما وَجَب عَنِ المُتْلَفِ بالإِعْتاقِ، بدَلِيلِ اعْتِبارِه بقِيمَتِه حينَ الإِعْتاقِ وعَدَمِ اعْتِبارِ التَّراضِي فيه، ووُجُوب القِيمَةِ مِن غَيرِ وَكْسٍ ولا شَطَطٍ، بخِلافِ الكِتابَةِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الشَّرِيكَ إذا أعْتَقَه بعدَ عِتْقِ الأوَّلِ وقَبْلَ أخْذِ القِيمَةِ لم يَثْبُتْ له فيه عِتْقٌ، ولا له عليه وَلاءٌ، ووَلَاؤُه كُلُّه للمُعْتِقِ الأوَّلِ، وعليه القِيمَةُ؛ لأنَّه قد صار حُرًّا بإعْتاقِه.
وعندَ مالكٍ، يكونُ وَلاؤُه بَينَهما على قَدْرِ مِلْكَيهما فيه، ولا شيءَ على المُعْتِقِ الأوَّلِ مِن القِيمَةِ، ولو أنَّ المُعْتِقَ الأوَّلَ لم يُودِّ القِيمَةَ حتى أفْلَسَ، عَتَق الْعَبدُ، وكانتِ القِيمَةُ في ذِمَّتِه دَينًا، يُزاحِمُ بها الشَّرِيكُ عندَنا.
وعندَ مالكٍ، لا يَعْتِقُ منه إلَّا ما عَتَق.
ولو كان المُعْتَقُ جارِيَةً حامِلًا، فلم يُؤَدِّ
..................................
القِيمَةَ حتى وَضَعَتْ حَمْلَها، فليس على المُعْتِقِ إلَّا قِيمَتُها حينَ أعْتَقَها؛ لأنَّه حينَئِذٍ حَرَّرَها.
وعندَ مالكٍ، يُقَوَّمُ وَلَدُها أيضًا، ولو تَلِف 1 العَبْدُ قبلَ أداءِ القِيمَةِ، تَلِف حُرًّا، والقِيمَةُ على المُعْتِقِ؛ لأنَّه فَوَّتَ رِقَّه.
وعندَ مالكٍ، لا شيءَ على المُعْتِقِ، وما لم يُقَوَّمْ ويُحْكَمْ بقِيمَتِه، فهو في جَمِيعِ أحْكامِه عَبْدٌ.
فصل: والقِيمَةُ مُعْتَبَرَةٌ حينَ اللَّفْظِ بالعِتْقِ؛ لأنَّه حينُ الإِتْلافَ.
وهو قولُ الشافعيِّ على أقوالِه كُلِّها.
فإنِ اخْتَلَفا في قَدْرِها 2، رُجِع إلى قولِ المُقَوِّمِين.
فإن كان العَبْدُ قد مات أو غاب، أو تأخَّرَ تَقْويمُه زَمَنًا تختَلِفُ فيه القِيمُ، ولم تكُنْ بَيِّنَةٌ، فالقَوْلُ قولُ المعْتِقِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ للزِّيادَةِ، والأصْلُ بَرَاءَة ذِمَّتِه منها.
وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
فإنِ اخْتَلَفا في صِناعَةٍ في العَبْدِ توجِبُ زيادَةَ 3 القِيمَةِ، فالقَوْلُ قولُ المُعْتِقِ؛ لذلك، إلَّا أنَّ يكونَ العَبْدُ يُحْسِنُ الصِّناعَةَ في الحالِ، ولم يَمْضِ زَمَنٌ يُمْكِنُ تَعَلمُها فيه، فيكونَ القَوْلُ قَوْلَ الشَّرِيكِ؛ لعِلْمِنا بصدْقِه، وإن مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ حُدُوثُها فيه، ففيه وجهان؛ أحَدُهما، القَوْلُ قولُ المُعْتِقِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه.
والثاني، القَوْلُ قولُ الشَّرِيكِ؛ لأنَّ الأصْلَ بقاءُ ما كان وعَدَمُ الحُدُوثِ.
وإنِ اخْتَلَفَا في عَيبٍ يَنْقُصُ قِيمَتَه؛ كسَرِقَةٍ، أوْ إباق، فالقَوْلُ
..................................
قولُ الشَّرِيكِ؛ لأنَّ الأصْلَ السَّلامَةُ، فبالجِهَةِ التي رَجَّحْنَا قولَ المُعْتِقِ في نَفْي الصِّناعَةِ، يُرَجَّحُ قولُ الشَّرِيكِ في نَفْي العَيبِ.
وإن كان العَيبُ فيه حال الاخْتِلافِ، واخْتَلَفا في حُدُوثِه، فالقَوْلُ قولُ المُعْتِقِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه وبَقاءُ ما كان على ما كان وعَدَمُ حُدُوثِ العَيبِ فيه.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يكونَ القَوْلُ قَولَ الشَّرِيكِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَتُه مِن العَيبِ حينَ الإعْتاقِ.
فصل: والمُعْتَبَرُ في اليسارِ في هذا أنَّ يكونَ له فَضْلٌ عن قُوتِ يومِه ولَيلَتِه، وما يَحْتاجُ إليه مِن حَوائِجِه الأصْلِيَّةِ؛ مِن الكِسْوَةِ، [والمسكنِ] 1، وسائِرِ ما لا بُدَّ منه، ما يَدْفَعُه إلى شَرِيكِه.
ذَكَرَه أبو بكرٍ، في «التَّنْبِيهِ».
وإن وُجِد بعضُ ما يَدْفَعُه بالقِيمَةِ، قُوِّمَ عليه قَدْرُ ما يَمْلِكُه 2 منه.
ذَكَره أحمدُ، في روايَةِ ابنِ منصورٍ.
وهو قولُ مالكٍ.
وقال أحمدُ: لا تُبَاعُ فيه دَارٌ ولا رِباعٌ.
ومُقْتَضَى هذا أنَّ لا يُباعَ له أصْلُ مالٍ.
وقال مالكٌ، والشافعيُّ: يُباعُ عليه سِوارُ بَيته، وما له بالٌ مِن كِسْوَتِه، ويُقْضَى عليه في ذلك كما يُقْضَى عليه في سائِرِ الدَّعاوَى.
والمُعْتَبَرُ في ذلك حالُ تَلَفُّظِه بالعِتْقِ؛ لأنَّه حالُ الوجُوبِ، فإن أيسَرَ المُعْسِرُ بعدَ ذلك لم يَسْرِ إعْتاقُه، وإن أعْسَرَ المُوسِرُ لم يَسْقُطْ ما وَجَب عليه؛ لأنَّه وَجَب عليه، فلم [يسْقُطْ بإعْسارِه] 3، كدَينِ الإِتْلافِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وَإنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَعْتِقْ إلا نَصِيبُهُ، وَيَبْقَى حَقُّ شَرِيكِهِ فِيهِ.
وَعَنْهُ، يَعْتِقُ كُلُّهُ، وَيُسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَةِ بَاقِيهِ غَيرَ مَشْقُوقٍ عَلَيهِ.
2923 - مسألة: (وإن كان مُعْسِرًا لم يَعْتِقْ إلَّا نصِيبُه، وبَقِيَ حَقُّ شَريكِه فيه. وعنه، يَعْتِقُ كُلُّه، ويُسْتَسْعَى العَبْدُ في قِيمَةِ باقِيه غيرَ مَشْقوقٍ عليه)
ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ المُعْسِرَ إذا أعْتَقَ نَصِيبَه مِن العَبْدِ، اسْتَقَرَّ فيه العِتْقُ، ولم يَسْرِ إلى نَصِيبِ شَريكِه، بل يَبْقَى على الرِّقِّ، فإذا أعْتَقَ شَريكُه، عَتَق عليه نَصيبُه.
وهذا قولُ إسحاقَ، وأبي عُبَيدٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وداودَ، وابنِ جريرٍ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، على ما بَيَّنّاه فيما مَضَى.
ورُوِيَ عن عُرْوَةَ، أنَّه اشْتَرَى عَبْدًا أُعْتِقَ نِصفه، فكان عُرْوَةُ يُشاهِرُه؛ شهْرَ عَبْدٍ وشَهْرَ حُرٍّ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ المُعْتِقَ إذا أعْتَقَ نَصِيبَه اسْتُسْعِيَ العَبْدُ في قِيمَةِ باقِيه حتى يُؤَدِّيَها، فيَعْتِقَ.
وهو قولُ ابنِ شُبْرُمَةَ، وابنِ أبي لَيلَى، والأوْزاعِيِّ، وأبي يُوسُفَ، ومحمدٍ؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ، فَعَلَيهِ أنْ يُعْتِقَهُ كُلَّهُ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وإلَّا اسْتُسْعِيَ العَبْدُ غَيرَ
..................................
مَشْقُوقٍ عَلَيهِ».
مُتَّفَقٌ عليه، ورَواه أبو داودَ 1. قال ابنُ أبي لَيلَى، وابنُ شُبْرُمَةَ: فإذا اسْتُسْعِيَ في نِصْفِ قِيمَتِه، ثم أيسَرَ مُعْتِقُه، رَجَع عليه بنِصْفِ القِيمَةِ؛ لأنَّه هو ألْجأه إلى هذا وكَلَّفَه إيّاه.
وعن أبي يُوسُفَ، ومحمدٍ، أنَّهما قالا: يَعْتِقُ جَمِيعُه، وتكونُ قِيمَةُ نَصيبِ الشَّرِيكِ في ذِمَّتِه؛ لأنَّ العِتْقَ لا يَتَبَعَّضُ، فإذا وُجِد في البَعْضِ سَرَى إلى جَمِيعِه، كالطَّلاقِ، وتَلْزَمُ المُعْتِقَ القِيمَةُ؛ لأنَّه المُتْلِفُ لنَصِيبِ صاحِبِه بإعْتاقِه، فوجَبَت قِيمَتُه في ذِمَّتِه، كما لو أتْلَفَه.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَسْرِي فيه العِتْقُ، وإنَّما يُسْتَحَقُّ به إعْتاقُ النَّصيبِ الباقِي، فيُخَيَّرُ شَرِيكُه بينَ إعْتاقِ نَصيبِه، ويكونُ الوَلاءُ بَينَهما، وبينَ أنَّ يُسْتَسْعَى العَبْدُ في قِيمَةِ نَصيبِه فإذا أدّاه إليه عَتَق، والوَلاءُ بَينَهما.
ولَنا، حَدِيثُ ابنِ عُمَرَ 2، وهو حديث 3 صحيحٌ ثابِتٌ عندَ جَميعِ العُلَماءِ بالحَدِيثِ، ولأنَّ الاسْتِسْعاءَ إعْتاقٌ بعِوَضٍ، فلم يُجْبَرْ عليه، كالكِتابَةِ، ولأنَّ في الاسْتِسْعاءِ إضرارًا بالشَّرِيكِ
..................................
والعَبْدِ؛ أمّا الشَّرِيكُ فإنّا نُحيلُه على سِعايَةٍ قد لا يَحْصُلُ منها 1 شيءٌ أصْلًا، وإن حَصَل، فالظّاهِرُ أنَّه يكون مُتَفَرِّقًا، ويَفُوتُ عليه مِلْكُه.
وأمّا العَبْدُ، فإنَّه يُجْبِرُه على سِعايَةٍ لم يُرِدْها وكَسْبٍ لم يَختَرْه، وهذا ضَرَر في حَقِّهما، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ 2». وقال سليمانُ بنُ حَرْبٍ: أليس الزِمَ 3 المُعْتِقُ ثَمَنَ ما بَقِيَ مِن العَبْدِ، لئَلَّا يَدْخُلَ على شَريكِه ضَرَرٌ، فإذا أمَروه بالسَّعْي، وإعْطائِه كُلَّ شهرٍ دِرْهَمَين، ولم يَقْدِرْ على تَمَلُّكِه، فأيُّ ضَرَرٍ أعْظَمُ مِن ذلك!.
فأمّا حديثُ الاسْتِسْعاءِ، فقال الأثْرَمُ: ذَكَرَه سليمانُ بنُ حَرْبٍ، فطَعَنَ فيه وضَعَّفَه.
وقال أبو عبدِ اللهِ: ليس في الاسْتِسْعاءِ ثَبَت عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حَديثُ أبي هريرةَ يَرْويه ابنُ أبي عَرُوبَةَ، وأمّا شُعْبَةُ 4، وهشامٌ الدَّسْتُوائِي فلم يَذْكُراه 5. وحدَّث به مَعْمَر، ولم يَذْكُرْ فيه السِّعايَةَ.
قال أبو داودَ: وهَمّامٌ أيضًا لا يقُولُه.
قال المرُّوذِيُّ: وضَعَّفَ أبو عبدِ اللهِ حديثَ سعيدٍ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَصِحُّ حديثُ الاسْتِسْعاءِ.
وذَكَر هَمّامٌ أنَّ ذِكْرَ الاسْتِسْعاءِ مِن فُتْيا قَتادَةَ، وفرَّقَ بينَ الكلامِ الذي هو مِن قولِ رسولِ اللهِ
..................................
- صلى الله عليه وسلم - وقولِ قَتادَةَ.
قال بعدَ ذلك: فكان قَتادَةُ يقولُ:.
إن لم يَكُنْ له مَالٌ اسْتُسْعِيَ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 1: حديثُ أبي هُرَيرَةَ يَدورُ على قَتادَةَ، وقد اتَّفَقَ شُعْبَةُ وهِشامٌ وهَمّامٌ على تَرْكِ ذِكْرِه، وهم الحُجَّةُ في قَتادَةَ، والقولُ قَوْلُهم فيه عندَ جميعِ أهلِ العلمِ بالحديثِ 2 إذا خالفَهم غيرُهم.
فأمّا قولُ أبي حنيفةَ، وقولُ صاحِبَيه الأخير، فلا شيءَ معهم يَحْتَجُّون به مِن حديثٍ قَويٍّ ولا ضَعيفٍ، بل هو مُجَرَّدُ رَأْي وتَحَكُّم يُخالِفُ الحَدِيثَين جَميعًا.
قال ابن عبدِ البَرِّ 3: لم يَقُلْ أبو حنيفةَ وزُفَرُ بحديثِ ابنِ عُمَرَ، ولا بحديثِ أبي هُرَيرَةَ على وَجْهِه.
وكلُّ قولٍ خالفَ السُّنَّةَ، فمَرْدُودٌ على قائِلِه.
واللهُ المُسْتَعانُ 4.
فصل: وإذا قُلْنا بالسِّعايَةِ، احْتَمَلَ أنَّ يَعْتِقَ كُلُّه وتكونَ القِيمَةُ في ذِمَّةِ العَبْدِ دَينًا يَسْعَى في أدائِها، وتكونَ أحْكامُه أحكامَ الأحْرارِ، فإن مات وفي يَدِه مالٌ، كان لسَيِّدِه بَقِيَّةُ السِّعايَةِ، وباقِي مالِه مَوْرُوثٌ، ولا يَرْجِعُ العَبْدُ على أحَدٍ.
وهو قولُ أبي يُوسُفَ، ومحمدٍ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يَعْتِقَ حتى يُؤَدِّيَ السِّعايَةَ، فيكونَ حُكْمُه قبلَ أدائِها حُكْمَ مَن بَعْضُه رَقِيقٌ، إن مات فللشَّرِيكِ الذي لم يَعْتِقْ مِن مالِه مِثْلُ مأ يكونُ له، على قولِ مَن لم يَقُلْ بالسِّعايَةِ؛ لأنَّه إعْتاقٌ بأداءِ مالٍ، فلم يَعْتِقْ قبلَ أدائِه، كالمُكاتَبِ.
وقال
وَإذَا كَانَ الْعَبْدُ لِثَلَاثةٍ؛ لِأحَدِهِمْ نِصْفُهُ، ولآخَرَ ثُلُثُهُ، وَلِثَالِثٍ سُدْسُهُ، فَأَعْتَقَ صَاحِبُ النِّصْفِ وَصَاحِبُ السُّدْسِ مَعًا وَهُمَا مُوسِرَانِ، عَتَقَ عَلَيهِمَا وَضَمِنَا حَقَّ شَرِيكِهِمَا فِيهِ نِصْفَينِ، وَصَارَ وَلَاؤهُ بَينَهُمَا أَثلَاثًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَضْمَنَاهُ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيهِمَا فِيهِ.
ابنُ أبي لَيلَى، وابنُ شُبْرُمَةَ: يَرْجِعُ العَبْدُ على المُعْتِقِ إذا أيسَرَ؛ لأنَّه كَلَّفَه السِّعايَةَ بإعْتاقِه.
ولَنا، أنَّه حَق لَزِم العَبْدَ في مُقابَلَةِ حُرِّيَّتِه، فلم يَرْجِعْ به على أحَدٍ، كمالِ الكِتابَةِ، ولأنَّه لو رَجَع به على السَّيِّدِ، لكانَ هو السَّاعِيَ في العِوَضِ، كسائِرِ الحُقوقِ الواجِبَةِ عليه.
2924 -
مسألة: (وإذا كان العَبْدُ لثَلاثَةٍ؛ لأحَدِهم نِصْفُه، وللآخَرِ ثُلُثُه، ولثالثٍ سُدْسُه، فأعْتَقَ صَاحِبُ النِّصْفِ وصاحِبُ السُّدْسِ معًا وهما مُوسِران، عَتَق عليهما وضَمِنا حَقَّ شَرِيكِهما فيه نِصْفَين، وصار وَلاؤُه بَينَهما أثْلاثًا.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يَضْمَناه على قَدْرِ مِلْكِهما فيه)
إذا كان العَبْدُ مُشْتَرَكًا بينَ جَماعَةٍ، فأعْتَقَ اثْنان منهم [أو أكثَرُ] 1، وهم مُوسِرُون
..................................
معًا، سَرَى عِتْقُهم إلى باقِي العَبْدِ، ويكونُ الضَّمانُ بينَهم على عَدَدِ رُءوسِهم، يَتَساوون في ضَمانِه ووَلائِه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يُقْسَمَ بينَهم على قَدْرِ أمْلاكِهم.
وهو قولُ مالكٍ في إحْدَى الرِّوايَتَين عنه؛ لأنَّ السِّرايَةَ حَصَلَتْ 1 بإعْتاقِ مِلْكَيهما، وما وَجَب بسَبَبِ المِلْكِ كان على قَدْره، كالنَّفَقَةِ، واسْتِحْقاقِ الشّفْعَةِ.
ولَنا، أنَّ عِتْقَ النَّصِيبِ إتْلاف لرِقِّ الباقِي، وقد اشْتَركا فيه، فيَتَساوَيان في الضمانِ، كما لو جَرَح أحَدُهما جُرْحًا، والآخَرُ جُرحَين، فمات بهما، أو ألْقَى أحَدُهما جُزْءًا مِن النَّجاسَةِ في ماءٍ 2 وألقى الآخرُ جُزْاين.
ويُفارِقُ الشُّفْعَةَ، فإنَّها تَثْبُتُ لإزالةِ الضَّرَرِ عن نصيب الشَّريكِ الذي لم يَبعْ، فكان اسْتِحْقاقُه على قَدْرِ نَصيبِه، ولأنَّ الضَّمانَ هَهُنا لدَفْعِ الضَّرَرِ منهما، وفي الشُّفْعَةِ لدَفْعِ الضَّرَرِ عنهما، والضَّرَرُ منهما يَسْتَويان في إدْخالِه على الشَّريكِ، وفي
..................................
الشُّفْعَةِ، ضَرَرُ صاحِبِ النِّصْفِ أعْظَمُ مِن ضَرَرِ صاحِبِ السُّدْسِ، فاخْتَلَفا.
إذا ثَبَت هذا، كان وَلاؤُه بينَهما أثْلاثًا، لأنَّنا إذا حَكَمْنا بأنَّ الثُّلُثَ مُعْتَق عليهما نِصْفَين، فنِصْفُه سُدْسٌ، إذا ضَمَمْناه إلي النِّصْفِ الذي لأحَدِهما، صارا 1 ثُلُثَين، وإذا ضَمَمْنا السُّدْسَ الآخَرَ إلى سُدْسِ المُعْتِقِ صارا (1) ثُلُثًا.
وعلى الوَجْهِ الآخرِ، يَصِيرُ الوَلاءُ بينَهما أرْباعًا؛ لصاحِبِ السُّدْسِ رُبْعُه، ولصاحِبِ النِّصْفِ ثَلاثَةُ أرْباعِه، والضَّمانُ كذلك.
ويُشْتَرَطُ عِتْقُهما معًا، بأن يُوَكِّلا مَن يُعْتِقُه عنهما، أو يوَكِّلَ أحَدُهما الآخَرَ في عِتْقِ نَصِيبِه، أو 2 يتلَفَّظا به معًا، لأنَّه لو سَبَقَ أحدُهما صاحِبَه عَتَق عليه جميعُه، على ما ذَكَرْنا.
ويُشْتَرَطُ اليَسارُ أيضًا فيهما، فإن كان أحدُهما مُوسِرًا وَحْدَه، قُوِّمَ عليه نَصيبُ مَن لم يُعْتِقْ، لأنَّ المُعْسِرَ لا يَسْرِي عِتْقُه، فيكونُ الضَّمانُ على المُعْسِرِ خاصَّةً، فإن كان أحَدُهما مُوسرًا ببَعْضِ ما يَخُصُّه، قُوِّمَ عليه ذلك القَدْرُ، وباقِيه على الآخَرِ، مثلَ أنَّ يَجِدَ صاحِبُ السُّدْسِ قِيمَةَ نِصْفِ السُّدْسِ، فيُقَوَّمُ عليه، ويُقَوَّمُ الرُّبْعُ على صاحِبِ النِّصْفِ، ويَصِيرُ وَلاؤُه بينَهم أرْباعًا؛ لصاحِبِ السُّدْسِ رُبْعُه، وباقِيه
وَإِذَا أَعْتَقَ الْكَافِرُ نَصِيبَهُ مِنْ مُسْلِمٍ وَهُوَ مُوسِرٌ، سَرَى إِلى بَاقِيهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
لمُعْتِقِ النِّصْفِ؛ لأنَّه لو كان أحَدُهما مُعْسِرًا قُوِّمَ الجميعُ على الآخَرِ، فإذا كان مُوسِرًا ببَعْضِه قُوِّمَ الباقِي على صاحِبِ النِّصْفِ؛ لأنَّه مُوسِرٌ، وفيه اخْتلافٌ ذَكَرْناه مِن قَبْلُ.
2925 -
مسألة: (وإذا أعْتَقَ الكافِرُ نَصيبَه مِن مسلمٍ وهو موسِرٌ، سَرَى إلى باقِيه، في أحَدِ الوَجْهَين)
ذَكَرَه القاضي.
وهو قولُ الشافعيِّ، لأنَّه تَقْويمُ مُتْلَفٍ، فاسْتَوَى فيه المُسْلِمُ والكافِرُ، كتَقْويمِ المُتْلَفاتِ.
والوَجْهُ الثاني، لا يَسْرِي.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ فيه تَقْدِيرَ المِلْكِ، والكافِرُ لا يَجُوزُ أن يَتَمَلَّكَ المُسْلِمَ.
والأوَّلُ أصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى.
وَإِذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَينِ أَنَّ شَرِيكَهُ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْهُ، وَهُمَا مُوسِرَانِ، فَقَدْ صَارَ الْعَبْدُ حُرًّا لِاعْتِرَافِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحُرِّيَّتِهِ، وَصَارَ مُدَّعِيًا عَلَى شَرِيكِهِ قِيمَةَ حَقِّهِ مِنْهُ.
وَلَا وَلَاءَ عَلَيهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
2926 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى كلُّ واحِدٍ مِن الشَّريكَين أنَّ شَريكَه أعْتَقَ نَصيبَه وهما موسِران، فقد صار العَبْدُ حرًّا باعْتِرافِ كلِّ واحِدٍ منهما لحرِّيَّتِه 1، وصار مُدَّعيًا على شَرِيكِه قِيمَةَ حَقِّه منه. ولا وَلاءَ عليه لواحِدٍ منهما) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الشَّرِيكَين المُوسِرَين إذا ادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّ شَريكَه أعْتَقَ نَصيبَه، فكلُّ واحِدٍ منهما مُعْتَرِفٌ بحرِّيَّةِ نَصيبِه، شاهِدٌ
وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَينِ لَمْ يَعْتِقْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
على شَريكِه بحُرِّيَّةِ نِصْفِه الآخَرِ؛ لأنَّه يقولُ لشَريكِه: أعْتَقْتَ نَصِيبَك، فسَرَى العِتْقُ إلى نصِيبي، فعَتَقَ كُلُّه عليك، ولَزِمَك لي قِيمَةُ نَصِيبي.
فصارَ العَبْدُ حُرًّا؛ لاعْتِرافِهما بحُرِّيَّتِه، وبَقِيَ كلُّ واحِدٍ منهما يَدَّعِي قِيمَةَ حِصَّتِه على شَريكِه، فإن كانت لأحَدِهما بَيِّنَةٌ حُكِمَ له بها، وإن لم تَكُنْ بَيَنةٌ حَلَف كلُّ واحِدٍ منهما لصاحِبِه وبَرئا.
فإن نَكَل أحَدُهما قُضِيَ عليه، وإن نَكَلا جَميعًا تَساقَطَ حَقّاهما؛ لتَماثُلِهما.
ولا وَلاءَ عليه لواحِدٍ منهما؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه.
ولا فَرْقَ في هذه الحالِ بينَ العَدْلَين والفاسِقَين، والمُسْلِمَين والكافِرَين؛ لتَساوي العَدْلِ والفاسِقِ، والمُسْلِمِ والكافِرِ، في الاعْتِرافِ والدَّعْوَى.
فإنِ اعْتَرَفَ أحَدُهما به بعدَ ذلك ثبَت له؛ لأنَّه لا مُسْتَحِقَّ له سِواه، وإنَّما لم يَثْبُتْ له لإِنْكارِه له، فإذا اعْتَرَف به زال الإِنْكارُ، فثَبَتَ له، ولَزِمَتْه قِيمَةُ نَصيبِ صاحِبِه (1) لاعْتِرافِه بها.
2927 -
مسألة: (وإن كانا مُعْسِرَين لم يَعْتِقْ على واحِدٍ منهما)
لأنَّه ليس في دَعْوَى أحَدِهما على صاحِبِه أنَّه أعْتَقَ نَصيبَه اعْتِرَافٌ بحُرِّيَّةِ1
..................................
نَصيبِه، ولا ادِّعاءُ اسْتِحْقاقِ قِيمَتِها على المُعْتِقِ، لكَوْنِ 1 عِتْقِ المُعْسِرِ لا يَسْرِي إلى غيرِه، فلم يَكُنْ في دَعْواه أكْثَرُ مِن أنَّه شاهِدٌ على صاحِبِه بإعْتاقِ نَصيبه، فإن كانا فاسِقَين فلا أثَرَ لكَلامِهما في الحالِ، ولا عِبْرَةَ بقَوْلِهما؛ لأَنَّ غيرَ العَدْلِ لا تُقْبَلُ شهادَتُه، وإن كانا عَدْلَين فشَهادَتُهما مَقْبولَةٌ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما لا يَجُرُّ إلى نفسِه بشهادَتِه نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ عنها ضَرَرًا، وقد حَصَل للعَبْدِ بحُرِّيَّةِ كلِّ نِصْفٍ منه شاهِدُ عَدْلٍ.
فإن حَلَف معهما عَتَق كُلُّه، وإن حَلَف مع أحَدِهما عَتَق نِصْفُه، على الرِّوايَةِ التي تقولُ: إنَّ العِتْقَ يَثْبُتُ بشاهِدٍ ويَمينٍ.
وإن لم يَحْلِفْ لم يَعْتِقْ منه شيءٌ؛ لأنَّ العِتْقَ لا يَحْصُلُ بشاهِدٍ مِن غيرِ يَمِينٍ.
وإن كان أحَدُهما عَدْلًا دُونَ الآخَرِ، فله أن يَحْلِفَ مع شهادَةِ العَدْلِ، ويَصيرُ نِصْفُه حُرًّا، ويَبْقَى 2 الآخَرُ رَقِيقًا.
فصل: ومَن قال بالاسْتِسْعاءِ فقد اعْتَرَفَ بأنَّ نصيبَه خَرَج عن يدِه، فيَخْرُجُ العبدُ كلُّه، ويُسْتَسْعَى في قيمتِه؛ لاعترافِ كلِّ واحدٍ منهما بذلك في نصيبِه.
وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ، عَتَقَ حِينَئِذٍ وَلَمْ يَسْرِ إِلَى نَصِيبِهِ.
وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: يَعْتِقُ جَمِيعُهُ.
2928 - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى أحَدُهما نَصِيبَ صاحِبِه عَتَق)
عليه (ولم يَسْرِ إلي) النِّصْفِ الذي كان له؛ لأنَّ عِتْقَه حَصَل باعْتِرافِه بحُرِّتَّيِه بإعْتاقِ شَرِيكِه، ولا يَثْبُتُ له عليه وَلاءٌ، لأنَّه لا يَدَّعِي إعْتاقَهُ، بل يَعْتَرِفُ بأنَّ المُعْتِقَ غيرُه، وإنَّما هو مُخَلِّصٌ له مِمَّن يَسْتَرِقُّه ظُلْمًا، فهو كمُخَلِّصِ الأسِيرِ مِن أيدِي الكُفّارِ (وقال أبو الخَطَّاب) يَسْرِي؛ لأنَّه شِراءٌ حَصَل به الإِعْتاقُ، فأشْبَهَ شِراءَ بعضِ وَلَدِه.
فإن أكْذَبَ نَفْسَه في شَهادَتِه على شَرِيكِه ليَسْتَرِقَّ ما اشْتَراه منه، لم يُقْبَلْ قَوْلُه 1؛ لأنَّه رُجُوعٌ عن الإِقْرارِ بالحُرِّيَّةِ، فلم يُقْبَلْ، كما لو أقَرَّ بحُرِّيَّةِ عَبْدِه ثم أكْذَب نَفْسَه.
وهل يَثْبُتُ له الوَلاءُ عليه إن أعْتَقَهُ؟ فيه احْتِمالان؛ أحَدُهما، لا يَثْبُتُ؛ لِما ذَكَرْناه.
والثانِي، يَثْبُتُ؛ لأنّا نَعْلَمُ أنَّ على العَبْدِ وَلاءً، ولا يَدَّعِيه أحَدٌ سِواه، ولا يُنازِعُه فيه، فوجَبَ أن يُقْبَلَ قَوْلُه فيه.
وإنِ اشْتَرَى كلُّ واحِدٍ منهما نَصِيبَ صاحِبِه صار العَبْدُ كُلُّه حُرًّا، ولا وَلاءَ عليه لواحِدٍ منهما.
فإن أعْتَقَ كلُّ واحِدٍ منهما ما اشْتَرَاه، ثم أكْذَبَ نَفْسَه
..................................
في شَهادَتِه، فهل يَثْبُتُ له وَلاءُ ما أعْتَقَه؟ على وَجْهَين.
وإن أقَرَّ كلُّ واحِدٍ منهما بأنَّه كان أعْتَقَ نَصِيبَه، وصَدَّقَ الآخَرَ في شَهادَتِه، بَطَل البَيعان، وثَبَت لكُلِّ واحِدٍ منهما الوَلاءُ على نِصْفِه؛ لأنَّ أحدًا لا يُنازِعُه فيه، وكلُّ واحِدٍ منهما يُصَدِّقُ الآخَرَ في اسْتِحْقاقِ الوَلاءِ.
[ويَحْتَمِلُ أن يَثْبُتَ الولاءُ لهما] 1 وإن لم يُكَذِّبْ واحِدٌ منهما نَفْسَه؛ لأنّا نَعْلَمُ أنَّ الوَلاءَ عليه ثابتٌ لهما ولا يَخْرُجُ عنهما، وأنَّه بينَهما، إمّا بالعِتْقِ الأوَّلِ، وإمّا بالثانِي؛ لأَنَّهما إن كانا صادِقَين في شَهادَتِهما، فقد ثَبَت الوَلاءُ لكُلِّ واحِدٍ منهما على النِّصْفِ الذي أعْتَقَهُ أوَّلًا، وإن كانا كاذِبَين، فقد أعْتَقَ كلُّ واحِدٍ منهما نِصْفَه بعدَ أنِ اشْتراه، وإن كان أحَدُهما صادِقًا والآخَرُ كاذِبًا، فلا وَلاءَ للصّادِقِ منهما؛ لأنَّه لم يُعْتِقِ النِّصْفَ الذي كان له أولًا 2، ولا صَحَّ عِتْقُه في الذي اشْتَراه؛ لأنَّه كان حُرًّا قبلَ شِرائِه، والوَلاءُ كُلُّه للكاذِبِ؛ لأنَّه أعْتَقَ النِّصْفَ الذي كان له ثم اشْتَرَى النِّصْفَ الذي لشَرِيكِه، وكلُّ واحِدٍ منهما يُساوي صاحِبَه في الاحْتِمالِ، فيُقْسَمُ بينَهما.
..................................
فصل: وكلُّ مَن شَهِد على سَيِّدِ عَبْدٍ بعِتْقِ عَبْدِه ثم اشْتراه، عَتَق عليه.
وإن شَهِد اثْنان عليه بذلك فرُدَّتْ شَهادَتُهما، ثم اشْتَرَياه أو أحَدُهما، عَتَق.
وبهذا قال مالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرٍ.
وهو قياسُ قولِ أبي حنيفةَ.
ولا يَثْبُتُ للمُشْتَرِي وَلاءٌ على العَبْدِ؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه، ولا للبائِعِ؛ لأنَّه يُنْكِرُ عِتْقَه.
ولو كان العَبْدُ بينَ شَريكَين، فادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّ شَرِيكَه أعْتَقَ حَقَّه منه، وكانا موسِرَين، فعَتَقَ عليهما، أو كانا مُعْسِرَين عَدْلَين، فحَلَفَ العَبْدُ مع كلِّ واحِدٍ منهما، [وعَتَق، أو شَهِد مع كلِّ واحدٍ منهما عَدْلٌ آخَرُ] 1 وعَتَق العَبْدُ، أو ادَّعَى عَبْدٌ أنَّ سَيِّدَه أعْتَقَه؛ فأنْكَرَ وقامَتِ البَيِّنَةُ بعِتْقِه، عَتَق.
ولا وَلاءَ على العَبْدِ في هذه المواضِعِ كُلِّها؛ لأنَّ أحَدًا لا يَدَّعِيه، ولا يَثْبُتُ لأحَدٍ حقٌّ 2 يُنْكِرُه، فإن عاد مَن [يُثْبتُ له عَتاقَه] 3 فاعْتَرَفَ به، ثَبَت له الوَلاءُ؛ لأنَّه لا مُسْتَحِقَّ له سِواه، وإنَّما لم 4 يَثْبُتْ له لإِنْكارِه له، فإذا اعْتَرَفَ زال الإنْكارُ وثَبَت له.
وأمّا الموسِران إذا عَتَق عليهما، فإن صَدَّقَ أحَدُهما صاحِبَه.
في أنَّه أعْتَقَ نَصيبَه وَحْدَه، أو أنَّه سَبَق بالعِتْقِ، فالوَلاء له، وعليه غَرامَةُ نَصِيبِ الآخَرِ.
وإنِ اتَّفَقا على أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما أعْتَقَ نَصِيبَه دَفْعَةً واحِدَةً
وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا، عَتَقَ نَصِيبُ الْمُعْسِرِ وَحْدَهُ.
فالوَلاءُ بينَهما.
وإنِ ادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه المُعْتِقُ وَحْدَه، أو أنَّه السّابِقُ، فأنْكَرَ الآخَرُ، تَحَالفا، والوَلاءُ بينَهما نِصْفَين.
2929 -
مسألة: (وإن كان أحَدُهما مُوسِرًا والآخَرُ مُعْسِرًا، عَتَق نَصِيبُ المُعْسِرِ وَحْدَه)
لاعْتِرافِه بأنَّ نَصِيبَه قد صار حُرًّا بإعْتاقِ شَريكِه المُوسِرِ الذي يَسْرِي عِتْقُه، ولم يَعْتِقْ نَصِيبُ المُوسِرِ؛ لأنَّه يَدّعِي أنَّ المُعْسِرَ الذي لا يَسْرِي عِتْقُه أعْتَقَ نَصِيبَه، فعَتَقَ وَحْدَه.
ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ المُعْسِرِ عليه؛ لأنَّه يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا، لكَوْنِه يوجِبُ 1 عليه بِشَهادَتِه قِيمَةَ حصَّتِه.
فعلى هذا، إن لم تَكُنْ للعَبْدِ بَيِّنَةٌ سِواه، حَلَف المُوسِرُ وبَرِئَ مِن القِيمَةِ والعِتْقِ جَميعًا، ولا وَلاءَ للمُعْسِرِ في نَصيبِه؛ لأنَّه لا يدَّعِيه، ولا للمُوسِرِ أيضًا؛ لذلك.
فإن عاد المُعْسِرُ فأعْتَقَه وادَّعاه، ثَبَت له.
وإن أقَرَّ المُوسِرُ بإعْتاقِ نَصِيبِه، وصَدَّقَ المُعْسِرُ، عَتَق نَصيبُه أيضًا، وعليه غرَامَةُ نَصِيبِ المُعْسِرِ، ويَثْبُتُ له الوَلاءُ.
وإن كان للعَبْدِ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بإعْتاقِ المُوسِرِ، وكانت عَدْلَين، ثَبَت العِتْقُ، ووَجَبَتِ القِيمَةُ للمُعْسِرِ عليه.
وإن كانت عَدْلًا واحِدًا، وحَلَف العَبْدُ معه، ثَبَت العِتْقُ في إحْدَى الرِّوايَتَين.
والأُخْرَى، لا يَثْبُتُ العِتْقُ، وللمُعْسِرِ أن يَحْلِفَ معه، ويَسْتَحِقُّ قِيمَةَ نَصِيبِه، سَواءٌ حَلَف العَبْدُ أو لم يَحْلِفْ؛ لأنَّ الذي يَدَّعِيه
وَإِذَا قَال أَحَدُ الشَّرِيكَينِ: إِذَا أعْتَقْتَ نَصِيبَكَ فَنَصِيبِي حُرٌّ.
فَأَعْتَقَ الْأَوَّلُ وَهُوَ مُوسِرٌ، عَتَقَ كُلُّهُ عَلَيهِ.
مالٌ يُقْبَلُ فيه شاهِدٌ ويَمِينٌ.
فصل: فإنِ ادَّعَى أحَدُ الشَّرِيكَين أنَّ شَرِيكَه أعْتَقَ نَصيبَه، وأنْكَرَ الآخَرُ، وكان المُدَّعَى عليه مُوسِرًا، عَتَق نَصيبُ المُدَّعِي وَحْدَه؛ لاعْترافِه بحُرِّيَّتِه بسِرايَةِ عِتْقِ شَرِيكِه، وصار مُدَّعِيًا نِصْفَ القِيمَةِ على شريكِه، ولا يَسْرِي؛ لأنَّه لا يَعْتَرِفُ أنَّه المُعْتِقُ له، إنَّما عَتَق باعْتِرافِه بحُرِّيَّتِه، لا بإعْتاقِه له، ولا وَلاءَ عليه؛ لإِنْكارِه له.
قال القاضي: ووَلاؤُه مَوْقُوفٌ.
وإن كان المُدَّعِي عَدْلًا لم تُقْبَلْ شَهادَتُه؛ لأنَّه يدَّعِي نِصفَ قِيمَتِه على شَرِيكِه، فيَجُرُّ بشَهادَتِه إليه نَفْعًا، ومَن شَهِد بشَهادَةٍ يَجُرُّ بها إليه نَفْعًا، بَطَلَتْ كُلُّها.
وأمّا إن كان المُدَّعَى عليه مُعْسِرًا، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه، ولا يَعْتِقُ منه شيءٌ.
فإن كان المُدَّعِي عَدْلًا، حَلَف العَبْدُ مع شَهادَتِه، وصار نِصْفُه حُرًّا.
وقال حَمّادٌ: إن كان المَشْهُودُ عليه مُوسِرًا سَعَى له، وإن كان مُعْسِرًا سَعَى لهما.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان مُعْسِرًا اسْتُسْعِيَ العَبْدُ، ووَلاؤُه بَينَهما، وإن كان مُوسِرًا فوَلاءُ نِصْفِه مَوْقوفٌ، فإنِ اعْتَرَفَ أنَّه أعْتَقَ اسْتَحَقَّ الوَلاءَ، وإلَّا كان الوَلاءُ لبَيتِ المالِ.
2930 -
مسألة: (وإذا قال أحَدُ الشَّرِيكَين: إذا أعْتَقْتَ نَصيبَك فنَصِيبِي حُرٌّ. فأعْتَقَ الأوَّلُ وهو مُوسِرٌ، عَتَق كلُّه عليه)
هذا اخْتِيارُ
وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَتَقَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبُهُ.
الأصحابِ، أنَّه يَعْتِقُ على الأوَّلِ، ويُقَوَّمُ عليه نَصيبُ الشَّرِيكِ إن كان مُوسِرًا، ولا يَقَعُ إعْتاقُ شَريكِه؛ لأنَّ السِّرايَةَ سَبَقَتْ، فمَنَعَتْ عِتْقَ الشَّرِيكِ.
قال شيخُنا (1): ويَحْتَمِلُ أن يَعْتِقَ عليهما جَميعًا؛ لأنَّ عِتْقَ نَصيبِه سَبَبٌ للسِّرايَةِ وشَرْطٌ لعِتْقِ نَصيبِ الشَّرِيكِ، فلم يَسْبِقْ أحَدُهما الآخَرَ لوُجُودِهما في حالٍ واحِدَةٍ.
وقد يُرَجَّحُ وُقُوعُ عِتْقِ الشَّرِيكِ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ منه في مِلْكِه، والسِّرايَةُ تَقَعُ في غَيرِ مِلْكٍ على خِلافِ الأصْلِ، فكان نُفُوذُ عِتْقِ الشَّرِيكِ أوْلَى.
ولأنَّ سِرايَةَ العِتقِ على خِلافِ الأصْلِ؛ لكَوْنِها إتْلافًا لمِلْكِ المَعْصُومِ بغيرِ رِضاه، وإلْزامًا للمُعْتِقِ غَرامَةً لم يَلْتَزِمْها بغيرِ اختيارِه، وإنَّما ثَبَت لمَصْلَحَةِ تَكْمِيلِ العِتْقِ، فإذا حَصَلَتْ هذه المَصْلَحَةُ بإعْتاقِ المالِكِ (2)، كان أوْلَى.
2931 -
مسألة: (وإن كان مُعْسِرًا)
لم يَعتِقْ عليه إلَّا نَصِيبُه؛ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ عِتْقَ المُعْسِرِ لا يَسْرِي إلى نصِيبِ شَرِيكِه، ويَعْتِقُ نَصيبُ شَريكِه بالشَّرْطِ.12
وَإِنْ قَال: إِذَا أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ فَنَصِيبِي حُرٌّ مَعَ نَصِيبِكَ.
فَأَعْتَقَ نَصِيبَهُ، عَتَقَ عَلَيهِمَا مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا.
2932 - مسألة: (وإن قال: إذا أعْتَقْتَ نَصيبَكَ فنَصِيبي حُرٌّ مع نَصيبِكَ. فأعْتَقَ نَصيبَه، عَتَق عليهما، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا)
ولم يَلْزَمِ المُعْتِقَ شيءٌ؛ لأنَّ العِتْقَ وُجِد منهما معًا، فهو كما لو وكَّلا رجلًا في إعْتاقِه عنهما [فأعْتَقَه بلفظٍ واحدٍ] 1. وقِيلَ: يَعْتِقُ كلُّه على المُعْتِقِ؛ لأنَّ إعْتاقَ نَصيبِه شَرْطُ عِتْقِ نَصيبِ شَرِيكِه، فيَلْزَمُ أن يكونَ سابِقًا عليه.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه أمْكَنَ العَمَلُ بمُقْتَضَى شَرْطِه، فوَجَبَ العَمَلُ به؛ لِما ذَكَرْناه.
فصل: فإن قال: إذا أعْتَقْتَ نَصيبَك فنَصِيبي حُرٌّ قبلَ إعْتاقِك.
وَقَعا معًا إذا أعْتَقَ نَصِيبَه.
هذا مُقْتَضَى قولِ أبي بكرٍ، والقاضي.
ومُقْتَضَى قَوْلِ ابنِ عَقِيلٍ، أن يَعْتِقَ كلّه على المُعْتِقِ، ولا يَقَعَ إعْتاقُ شَرِيكِه؛ لأنَّه إعْتاقٌ في زَمَنٍ ماضٍ.
ومُقْتَضَى قولِ ابنِ سُرَيجٍ 2 ومَن وَافَقَه، مِمَّن قال بسِرايَةِ العِتْقِ، أن لا يَصِحَّ إعْتاقُه؛ لأنَّه يَلْزَمُ مِن عِتْقِه 3 نصِيبَه تَقَدُّمُ
..................................
عِتْقِ الشَّرِيكِ وسِرَايَتُه، فيَمْتَنِعُ إعْتاقُ نَصِيبِ هذا، ويَمْتَنِعُ عِتْق نَصِيبِ الشَّرِيكِ، ويُفْضِي إلى الدَّوْرِ، فيَمْتَنِعُ الجَمِيعُ.
وسَنَذْكُرُ ذلك في الطَّلاقِ، إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: إذا كان لرجلٍ نِصْفُ عَبْدَين مُتَساويَين في القِيمَةِ، لا يَمْلِكُ غيرَهما، فأعْتَقَ أحَدَهما في صِحَّتِه، عَتَق، وسَرَى إلى نَصيبِ شَرِيكِه؛ لأنَّه مُوسِرٌ بالنِّصْفِ الذي له مِن العَبْدِ الآخَرِ، فإن أعْتَقَ النِّصفَ الآخَرَ، عَتَقَ؛ لأنَّ وُجُوبَ القِيمَةِ في ذِمَّتِه لا يَمْنَعُ صِحَّةَ عِتْقِه، ولم يَسْرِ؛ لأنَّه مُعْسِرٌ.
وإن أعْتَقَ الأوَّلَ في مَرَضِ مَوْتِه، لم يَسْرِ؛ لأنَّه إنَّما يَنْفُذُ عِتْقُه في ثُلُثِ مالِه، وثُلُثُ مالِه هو الثُّلُثُ مِن العَبْدِ الذي أعْتَقَ نِصْفَه، وإذا أعْتَقَ الثانِيَ وَقَف على إجازَةِ الوَرَثَةِ.
فإن أعْتَقَ الأوَّلَ في صِحَّتِه وأعْتَقَ الثانِيَ في مَرَضِه، لم يَنْفُذْ عِتْقُ الثاني؛ لأنَّ عليه دَينًا يَسْتَغْرِق قِيمَتَه، فيَمْنَعُ صِحَّةَ عِتْقِه، إلَّا أن يُجِيزَ الوَرَثَة.
فصل: إذا شَهِد شاهِدان على رجلٍ أنَّه أعْتَقَ شِرْكًا له في عَبْدٍ فسَرَى إلى نَصِيبِ الشَّرِيكِ، وغَرِم له قِيمَةَ نَصِيبِه، ثم رَجَعا عن الشَّهادَةِ، غَرِ ما قِيمَةَ العَبْدِ جَمِيعِه.
وقال بعضُ أصْحاب الشافعيِّ: تَلْزَمُهما غَرامَةُ نَصِيبِه، دُونَ نَصِيبِ شَرِيكِه؛ لأنَّهما لم يَشْهَدا إلَّا بعِتْقِ نَصِيبِه، فلم تَلْزَمْهما غَرَامَةُ
..................................
ما سِواه.
ولَنا، أنَّهما فَوَّتا عليه نَصِيبَه وقِيمَةَ نَصِيبِ شَرِيكِه، فلَزِمَهما ضَمانُه، كما لو فَوَّتَاه بفِعْلِهما، وكما لو شَهِدا عليه بجُرْحٍ ثم سَرَى الجُرْحُ وماتَ المَجْرُوحُ فضَمِنَ الدِّيَةَ ثم رَجَعا عن شَهادَتِهما.
فصل: وإن شَهِد شاهِدان على مَيِّتٍ بعِتْقِ عَبْدٍ 1 في مَرَضِ مَوْتِه، وهو ثُلُثُ مالِه، فحكَمَ الحاكِمُ بشَهادَتِهما، وعَتَق العَبْدُ، ثم شَهِد آخَران بعِتْقِ آخَرَ، وهو ثُلُثُ مالِه، ثم رَجَع الأوَّلان عن الشَّهادَةِ، نَظَرْنا في تاريخِ شَهادَتِهما؛ فإن كانت سابِقَةً ولم يُكَذِّبِ الوَرَثَة رُجُوعَهما، عَتَق الأوَّلُ، ولم يُقْبَلْ رُجُوعُهما، ولم يَغْرَما شيئًا.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَهما شِراءُ الثاني وإعْتاقُه؛ لأنَّهما مَنَعا عِتْقَه بشَهادَتِهما المَرْجُوعِ عنها.
وإن صَدَّقوهما في رُجُوعِهما وكَذَّبُوهما في شَهادَتِهما، عَتَق الثاني، ورَجَعُوا عليهما بقِيمَةِ الأوَّلِ؛ لأنَّهما فَوَّتا رِقَّه عليهمْ بشَهادَتِهما المَرْجُوعِ عنها، وإن كان تاريخُها 2 مُتَأخِّرًا عن الشَّهادَةِ الأُخْرَى بَطَل 3 عِتْقُ المَحْكُومِ بعِتْقِه؛
فَصْلٌ: وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالصِّفَاتِ؛ كَدُخُولِ الدَّارِ، وَمَجِئِ الْأَمْطَارِ.
وَلَا يَمْلِكُ إِبْطَالهَا بِالْقَوْلِ.
وَلَهُ بَيعُهْ وَهِبَتُهُ وَوَقْفُهُ، وَغَيرُ ذَلِكَ، فَإِنْ عَادَ إِلَيهِ عَادَتِ الصِّفَةُ.
لأنَّنا تَبَيَّنّا أنَّ المَيِّتَ قد أعْتَقَ ثُلُثَ مالِه قبْلَ إعْتاقِه، ولم يَغْرَمِ الشّاهِدان شيئًا؛ لأنَّهما ما فَوَّتا شَيئًا، وإن كانَتا مُطْلَقَتَين أو إحْداهما، أو أتَّفَقَ تَارِيخُهما، أُقْرِعَ بَينَهما، فإن خَرَجَتْ على الثاني عَتَق، وبَطَل عِتْقُ الأوَّلِ، ولا شيءَ على الشّاهِدَين؛ لأنَّ الأوَّلَ باقٍ على الرِّقِّ، وإن خَرَجَتْ قُرْعَةُ الأوَّلِ عَتَق، ونَظَرْنا في الوَرَثَةِ، فإذا كَذَّبُوا الشّاهِدَين الأوَّلَين في شَهادَتِهما عَتَق الثاني، ورَجَعُوا على الشّاهِدَين بقِيمَةِ الأوَّلِ؛ لأنَّهما فَوَّتا رِقَّه بغيرِ حَقٍّ.
وإن كَذَّبُوهما في رُجُوعِهما لم يَرْجِعُوا عليهما بشيءٍ؛ لأنَّهم يُقِرُّون بعِتْقِ المَحْكُومِ بعِتْقِه.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (ويَصِحُّ تَعْلِيقُ العِتْقِ بالصِّفاتِ؛ كدُخُولِ الدّارِ، ومَجِئِ الأمْطارِ) لأنَّه عِتْق بصِفةٍ، فصَحَّ، كالتَّدْبِيرِ،
..................................
وإذا عَلَّقَ عِتْقَه على مَجئِ وَقْتٍ، كقَوْلِه: أنت حُرٌّ في رأْسِ الحَوْلِ.
لم يَعْتِقْ حتى يأْتِيَ 1 رَأْسُ الحَوْلِ (وله بَيعُه، وهِبَتُه) وإجارَتُه، وَوَطءُ الأمَةِ، كالتَّدْبِيرِ.
وبه قال الأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
قال أحمدُ: إذا قال لغُلامِه: أنت حُرٌّ إلى أن يَقْدَمَ فُلانٌ، ومَجئِ (1) فُلانٍ.
واحِدٌ 2، و: إلى رَأْسِ السَّنَةِ، وإلى رَأْسِ الشَّهْرِ.
إنَّما يُرِيدُ إذا جاء رَأْسُ السَّنَةِ، أو جاء رأْسُ الهِلالِ.
وإذا قال: أنتِ طالِقٌ إذا جاء الهِلالُ.
إنَّما تَطْلُقُ 3 إذا جاء رأْسُ الهِلالِ.
وقال إسحاقُ كما قال أحمدُ.
وحُكِيَ عن مالكٍ أنَّه قال: إذا قال لعَبْدِه: أنت حُرٌّ في رَأْسِ الحَوْلِ.
عَتَق في الحالِ.
والذي حكاه ابنُ المُنْذِرِ عنه، أنَّها إذا كانت جَارِيَةً لم يَطَأْها؛ لأنَّه لا يَمْلِكُها مِلْكًا تَامًّا، ولا يَهَبُها، ولا يَبِيعُها، وإن مات السَّيِّدُ قبلَ الوَقْتِ كانت حُرَّةً عندَ الوَقْتِ مِن رَأْسِ المالِ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ أنَّه لا يَطَؤُها؛ لأنَّ مِلْكَه غيرُ تامٍّ عليها.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِما رُوِيَ عن أبي ذَرٍّ، أنَّه قال لعَبْدِه: أنت عَتِيقٌ إلى رَأْسِ الحَوْلِ 4. فلَوْلَا أنَّ العِتْقَ يَتَعَلَّقُ
..................................
بالحَوْلِ لم يُعَلِّقْه عليه، ولأنَّه عَلَّقَ العِتْقَ بصِفَةٍ، فوَجَبَ أن يَتَعَلَّقَ بها، كما لو قال: إذا أدَّيتَ إليَّ ألفًا فأنْتَ حُرٌّ.
واسْتِحْقاقُه للعِتْقِ لا يَمْنَعُ إباحَةَ الوَطْءِ، كالاسْتِيلادِ.
فأمّا المُكاتَبَةُ، فإنَّما لم يُبَحْ وَطْؤُها؛ لأنَّها اشْتَرَتْ نَفْسَها مِن سَيِّدِها بعِوَضٍ، وزال مِلْكُه عن اكْتسابِها، بخِلافِ مَسْألتِنا.
ومتى جاء الوَقْتُ وهو في مِلْكِه عَتَق بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
فإن خَرَج عن مِلْكِه بِبَيعٍ أو مِيراثٍ، لم يَعْتِقْ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال النَّخَعِيُّ، وابنُ أبي لَيلَى: إذا قال لعَبْدِه: إن فَعَلْتَ كذا فأنْتَ حُرٌّ.
فباعَه بَيعًا صحِيحًا، ثم فَعَل ذلك، عَتَق وانْتَقَضَ البَيعُ.
قال ابنُ أبي لَيلَى: إذا حَلَف بالطَّلاقِ لا كَلَّمْتُ فُلانًا، ثم طَلَّقَها طَلاقًا بائنًا، ثم كَلَّمَه، حَنِث.
وعامَّةُ أهلِ العلمِ على خِلافِ [هذا القولِ؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال] 1: «لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ وَلَا بَيعَ فِيما لَا يَمْلِكُ ابنُ آدَمَ» 2. ولأنَّه لا مِلْكَ له، فلم يَقَعْ طَلاقُه وعَتاقُه، كما لو لم يكُنْ له مالٌ مُتَقَدِّمٌ.
..................................
فصل: وإذا قال لعَبْدِه: إن لم أضْرِبْك عَشَرَةَ أسْواطٍ فأنت حُرٌّ.
ولم يَنْو وَقْتًا بعَينِه، لم يَعْتِقْ حتى يموت، وإن باعَه قبلَ ذلك صَحَّ بَيعُه، ولم يُفْسَخْ، في قولِ أكْثرِ أهلِ العِلْمِ.
وقال مالكٌ: ليس له بَيعُهُ، فإن باعَهُ فُسِخ البَيعُ.
ولَنا، أنَّه باعَه قبلَ وُجُودِ الشَّرْطِ، فلم يُفسَخْ، كما لو قال: إن دَخَلْتَ الدّارَ فأنت حُرٌّ.
وباعَه قبلَ دُخولِها.
2933 -
مسألة: وإذا عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِه بشَرْطٍ، كقَوْلِه: إن أدَّيتَ إليَّ ألْفًا فأنت حرٌّ. أو: إن دَخَلْتَ الدّارَ فأنت حُرٌّ. فهي صِفَةٌ لازِمَةٌ، ألْزَمَها نَفْسَه (ولا يَمْلِكُ إبْطالها بالقَوْلِ)
قِياسًا على النَّذْرِ، ولذلك إنِ اتَّفَقَ السَّيِّدُ والعَبْدُ على إبْطالِها لم تَبْطُلُ؛ لذلك.
ولو أبْرَأَهُ السَّيِّدُ مِن الألْفِ لم يَعْتِقْ بذلك، ولم يَبْطُلَ التَّعْلِيقُ؛ لأنَّه لا حَقَّ له في ذِمَّتِه يُبْرِئه منه.
فصل: ولا يَعْتِقُ قبلَ وُجُودِ الصِّفَةِ بكَمالِها، [كالجُعْلِ في الجَعالةِ] 1، فلو قال لعَبْدِه: إذا أدَّيتَ إليَّ ألْفًا فأنت حُرٌّ.
لم يَعْتِقْ حتى يُؤَدِّيَ الألْفَ جَميعَها.
وذَكَرَ القاضي أنَّ مِن أصْلِنا أنَّ العِتْقَ المُعَلَّقَ بصِفَةٍ يوجَدُ بوُجُودِ بَعْضِها، كما لو قال: أنت حُرٌّ إن أكَلْتَ رَغيفًا.
فأكَلَ نِصْفَه.
ولا يَصِحُّ ذلك لوُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّ أداءَ الألفِ شَرْطُ العِتْقِ، وشُرُوطُ الأحْكامِ يُعْتَبَرُ وُجُودُها بكمالِها لثُبُوتِ الأحْكامِ، وتَنْتَفِي بانْتِفائِها، كسائِرِ شرُوطِ الأحْكامِ.
الثاني، أنَّه إذا عَلَّقَه عَلى
..................................
وَصْفٍ ذِي عَدَدٍ، فالعَدَدُ وَصْفٌ في الشَّرْطِ، ومَن عَلَّقَ الحُكْمَ علِى شرطٍ ذي وَصْفٍ، لم يَثْبُتْ ما لم تُوجَدِ الصِّفَةُ، كقَوْلِه لعَبْدِه: إن خرَجْتَ عارِيًا فأنت حُرٌّ.
فخَرَجَ لابِسًا، لم يَعْتِقْ، فكذلك العَدَدُ.
الثّالِثُ، أنَّه متى كان في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ على الكُلّ، لم يَحْنَثْ بفِعْلِ البَعْضِ، كما لو حَلَف: لا صَلَّيتُ صلاةً.
أو: لا صُمْتُ صِيامًا.
لم يَحْنَثْ حتىِ يَفرَغَ ممّا يُسَمَّى صلاةً ويَصُومَ يومًا.
ولو قال لامْرَأتِه: إن حِضْتِ حَيضَةً فأنتِ طالِقٌ.
لم تَطْلُقْ حتى تَطْهُرَ مِن الحَيضَةِ.
وذِكْرُ الألْفِ ههُنا يَدُلُّ على أنَّه أرادَ ألْفًا كامِلَةً.
الرّابعُ، أنَّ الأصْلَ الذي ذَكَرَه، فيما إذا قال: إذا أكَلْتَ رَغِيفًا فأنت حُرٌّ.
أنَّه يَعْتِقُ بأكْلِ بَعْضِه، مَمْنُوعٌ.
وإنَّما إذا حَلَف لا يَفْعَلُ شَيئًا، فَفَعَلَ بَعْضَه، يَحْنَثُ، في رِوايَةٍ، في مَوْضِعٍ يَحْتَمِلُ إرادَةَ البَعْضِ ويَتناوَلُه اللَّفْظُ، كَمن حَلَف لا يصَلِّي، فشَرَعَ في الصَّلاةِ، أو لا يَصُومُ، فشَرَعَ في الصَّومِ، أو لا يَشْرَبُ مَاءَ هذا الإِناءِ، فشَرِبَ بَعْضَه.
ونحوَ هذا؛ لأنَّ الشّارِعَ في الصلاةِ والصيامِ قد صَلَّى وصامَ ذلك الجُزْءَ الذي شَرَع فيه، والقَدْرَ الذي شَرِبَه مِن الإِناءِ هو ماءُ الإِناءِ، وقَرِينَةُ حالِه تَقْتَضِي المَنْعَ مِن الكُلِّ، فتَقْتَضِي الامْتِناعَ مِن الكُلِّ، ومتى فَعَل البَعْضَ فما امْتَنَعَ مِن الكُلِّ، فحنِثَ؛ لذلك.
ولو حَلَف على فِعْلِ شيءٍ لم يَبَرَّ إلَّا بفِعْلِ الجَمِيعِ.
وفي مَسْألَتِنا، تَعْلِيقُ الحُرِّيَّةِ على أداءِ الألْفِ يَقْتَضِي وُجُودَ أدائِها، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ المُعَلَّقُ عليها دُونَ أدائِها، كمَن حَلَف ليُؤَدِّيَنَّ ألْفًا، لا يَبَرُّ حتى يؤُدِّيَها.
الخامِسُ، أنَّ موضوعَ الشَّرْطِ في الكِتابِ
..................................
والسُّنَّةِ وأحْكامِ الشريعَةِ، على أنَّه لا يَثْبُتُ المَشْرُوطُ بدُونِ شَرْطِه، كقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَال: لَا إِلَهَ إلا اللهُ.
دَخَلَ الْجَنَّةَ» 1. فَلَو قال بعضَها لم يَسْتَحِقَّ إلَّا العُقُوبَةَ.
وقَوْلِه: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ» 2. لا تكونُ له بشُرُوعِه في الإِحْياءِ.
ولو قال في المُسابَقَةِ: مَن سَبَق إلى خَمْسِ إصاباتٍ فهو سابِقٌ.
لم يَكُنْ سابقًا إذا سَبَق إلى أرْبَعٍ.
ولو قال: مَن رَدَّ ضالَّتِي فله دِينَارٌ.
لم يَسْتَحِقَّه بالشُّرُوعِ في رَدِّها.
فكيف يخالِفُ موضوعاتِ الشَّرْعِ واللُّغَةِ بغيرِ دَلِيلٍ؟ وإنَّما الرِّوايَةُ التي جاءت عن أحمدَ في الأيمانِ، في مَن حَلَف أن لا يَفْعَلَ شيئًا، ففَعَلَ بَعْضَه، يَحْنَثُ؛ لأنَّ اليَمِينَ على التَّرْكِ يُقْصَدُ بها المَنْعُ، فنُزِّلَتْ مَنْزِلَةَ النَّهْي، والنَّهْيُ عن فِعْلِ شَيءٍ يَقْتَضِي المَنْعَ مِن بَعْضِه، بخِلافِ تَعْلِيقِ المَشْرُوط 3 على الشَّرْطِ.
فصل: وما يَكْتَسِبُه العَبْدُ قبلَ وُجُودِ الشَّرْطِ فهو لسَيِّدِه، لأنَّه لم يُوجَدْ عَقْدٌ يَمْنَعُ كَوْنَ كَسْبِه لسَيِّدِه، إلَّا أنَّه إذا عَلَّقَ عِتْقَه على أداءِ مالٍ معلومٍ،
إلا أَنْ تَكُونَ قَدْ وُجِدَتْ مِنْهُ فِي حَالِ زَوَالِ مِلْكِهِ، فَهَلْ تَعُودُ بِعَوْدِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
فما أخَذَه السَّيِّدُ حَسَبَه مِن المالِ، فإذا كَمَل أداءُ المالِ، عَتَق، وما فَضَل في يَدِه لسَيِّدِه؛ لأنَّه كَسْبُ عَبْدِه.
وإن كان المُعَلَّق عِتْقُه أمَةً، فوَلَدَتْ، لم يَتْبَعْها وَلَدُها، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّها أمَةٌ قِنٌّ، فأشْبَهَ ما لو قال: إن دَخَلْتِ الدّارَ فأنتِ حُرَّةٌ.
ولا تَجِبُ عليها قِيمَةُ نَفْسِها؛ لأنَّه عِتْقٌ مِن السَّيِّدِ، فأشْبَهَ ما لو باشَرَ العِتْقَ.
فصل: إذا عَلَّقَ عِتْقَه بصِفَةٍ، ثم باعَه، ثم اشْتَراه، ووُجِدَتِ الصِّفَةُ، عَتَق.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: فيها قوْلان؛ أحَدُهما، لا يَعْتِقُ؛ لأنَّ مِلْكَه فيه مُتَأخِّرٌ عن عَقْدِ الصِّفَةِ، فلم يَقَعِ العِتْقُ فيه، كما لو عَقَد الصِّفَةَ في حالِ زوالِ مِلْكِه عنه.
ولَنا، أنَّه عَلَّقَ الصِّفَةَ في مِلْكِه، وتَحَقَّقَ الشَّرْطُ في مِلْكِه، فوَجَبَ أن يَعْتِقَ، كما لو لم يَزُلْ مِلْكُه عنه.
وفارَقَ ما إذا عَلَّقَها في حالِ زوالِ مِلْكِه؛ لأنَّه لو نَجَز العِتْقَ لم يَقَعْ، فإذا عَلَّقَه كان أوْلَى بعدَمِ الوُقُوعِ، بخِلافِ مسألَتِنا.
2934 -
مسألة: (إلَّا أن تَكُونَ)
الصِّفَةُ (وُجِدَتْ منه في حالِ زَوال مِلْكِه، فهل تَعُودُ بعَوْدِه؟ على رِوايَتَين) إحْداهما، لا تَعُودُ؛ لأنَّها انْحَلَّتْ بوُجُودِها، فلم تَعُدْ، كما لو انْحَلَّتْ بوجُودِها في مِلْكِه.
والثانِيَةُ،
..................................
تَعُودُ؛ لأنَّه لم تُوجَدِ الصِّفَةُ التي يَعْتِقُ بها، فأشْبَهَ ما لو عاد إلى مِلْكِه قبلَ وُجُودِ الصِّفَةِ، ولأنَّ المِلْكَ مُقَدَّرٌ في الصِّفَةِ، فكأنَّه قال: إذا دَخَلْتَ الدّارَ وأنتَ في مِلْكِي فأنت حُرٌّ.
ولم يُوجَدْ ذلك.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، في الطَّلاقِ، أنَّه يَقَعُ؛ لأنَّ التَّعْلِيقَ والشَّرْطَ وُجِدَا في مِلْكِه، فأشبَهَ ما لو لم يَتَخَلَّلْهما دُخُولٌ.
ومَن نَصَر الرِّوايَةَ الأُولَى قال: إنَّ العِتْقَ مُعَلَّقٌ بشَرْطٍ لا يَقْتَضِي التَّكْرارَ، فإذا وُجِد مَرَّةً انْحَلَّتِ اليَمِينُ، وقد وُجِد الدُّخُولُ في مِلْكِ غيرِه فانْحَلَّتِ اليَمِينُ، فلم يَقَعِ العِتْقُ به بعدَ ذلك، ويفارِقُ العِتْقُ الطَّلاقَ مِن حيثُ إنَّ النِّكاحَ الثانِيَ يَنْبَنِي على النِّكاحِ الأوَّلِ، بدَلِيلِ أنَّ طَلاقَه في النِّكاحِ الأوَّلِ يُحْسَبُ عليه في النِّكاحِ الثانِي، ويَنْقُصُ به عَدَدُ طلاقِه، والمِلْكُ باليَمينِ بخِلافِه.
وَتَبْطُلُ الصِّفَةُ بِمَوْتِه.
فَإِنْ قَال: إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ بَعْدَ مَوْتِي فَأَنْتَ حُرٌّ.
أَوْ: أنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِشَهْرٍ.
فَهَلْ يَصِحُّ ويَعْتِقُ بِذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
2935 - مسألة: (وتَبْطُلُ الصِّفَةُ بالمَوْتِ)
لأنَّ مِلْكَه يَزُوْلُ بمَوْتِه، فتَبْطُلُ تَصَرُّفاتُه بزَوالِه، كالبَيعِ.
2936 -
مسألة: (فإن قال: إن دَخَلْتَ الدّارَ [فأنت حُرٌّ بعدَ مَوْتِي] 1. أو: أنت حُرٌّ بعَد مَوْتِي بشَهْرٍ. فهل يَصِحُّ ويَعْتِقُ بذلك؟ على روايتين) إذا قال: إن دَخَلْتَ الدّارَ بعَد مَوْتِي فأنت حُرٌّ. لم تَنْعَقِدْ هذه الصِّفَةُ 2؛ لأنَّه عَلَّقَ عِتْقَه على صِفَةٍ تُوجَدُ بعدَ زَوالِ مِلْكِه، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: إن دَخَلْتَ الدّارَ بعدَ بَيعِي إيّاك فأنت حُرٌّ. ولأنَّه إعْتاقٌ له بعدَ قَرارِ مِلْكِ غيرِه عليه، فلم يَعْتِقْ به، كالمُنْجَزِ. والثانِيَةُ، يَعْتِقُ. ذَكَرَه القاضي. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه صَرَّحَ بذلك، فحُمِلَ عليه، كما
..................................
لو وَصَّى بإعْتاقِه، وكما لو وَصَّى ببيعِ سِلْعةٍ ويُتصَدَّقُ 1 بثَمَنِها، ويُفارِقُ التَّصرُّفَ بعدَ البَيعِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى جَعَل للإِنْسانِ التَّصرُّفَ بعدَ مَوْتِه في ثُلُثِه، بخِلاف ما بعدَ البَيعِ.
والأوَّلُ أصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى.
ويُفارِقُ الوَصِيَّةَ بالعِتْقِ وبَيعَ السِّلْعَةِ؛ لأنَّ المِلْكَ لا يَسْتَقِرُّ للوَرَثَةِ فيه، ولا يَمْلِكُونَ التَّصرُّفَ فيه، بخِلافِ مَسْألتِنا.
وسَنَذْكُرُ ذلك بأبْسَطَ مِن هذا في التَّدْبِيرِ، إن شاء اللهُ تعالى.
وعنه، يَصِحُّ؛ لأنَّه إعْتاقٌ بعدَ الموتِ، فصَحَّ، كما لو قال: أنتَ حُرٌّ بعدَ مَوْتِي.
فإن قال: أنت حُرٌّ بعدَ مَوْتِي بشَهْرٍ.
فقد رُوِيَ عن أحمدَ في رِوايَةِ مُهَنّا، أنَّه لا يَعْتِقُ، ولا تَصِحُّ هذه الصِّفَةُ.
وقال أيضًا: سألتُ أحمدَ عن رجلٍ قال: أنتَ حُرٌّ بعدَ مَوْتِي
..................................
بشهرٍ، بألْفِ دِرْهَم.
فقال لي 1: هذا كُلُّه لا يكونُ شَيئًا بعدَ مَوْتِه.
وهذا اخْتِيارُ أبي بكرٍ.
وذَكَر القاضي، وابنُ أبي مُوسَى رِوايَةً أُخْرَى، أنَّه يَعْتِقُ إذا وُجِدَتِ الصِّفتان 2؛ الموتُ، ومُضِيُّ المُدَّةِ المذْكورةِ.
وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ، وأبي يُوسُفَ، وإسحاقَ.
ووَجْهُهما ما تقَدَّمَ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: لا يَعْتِقُ حتى يُعْتِقَه الوارِثُ.
وعلى قولِ مَن قال: يَعْتِقُ.
يكونُ قبلَ العِتْقِ مِلْكًا للوارِثِ، وكَسْبُه له، كأُمِّ الوَلَدِ، والمُدَبَّرِ في حياةِ السَّيِّدِ، [وإن كان أمَةً، فوَلَدتْ قبلَ وُجُودِ الصِّفَةِ] 3، فوَلَدُها يَتْبَعُها في التَّدْبِيرِ، ويَعْتِقُ بوُجُودِ الصِّفَةِ، كَما تَعْتِقُ هي.
واللهُ سبحانه أعلمُ.
..................................
فصل: إذا قال لعَبْدٍ له مُقَيَّدٍ: هو حُرٌّ إن حَلَّ قَيدَهُ.
ثم قال: هو حُرٌّ إن لم يَكُنْ في قَيدِه عَشَرةُ أرْطالٍ.
فشَهِدَ شاهدان عندَ الحاكِمِ أنَّ وَزْنَ قَيْدِه خَمْسَةُ أرْطالٍ، فحَكَمَ بعِتْقِه، وأمَرَ بحَلِّ قَيدِه، فوُزِنَ فوُجِدَ وَزْنُهُ عَشَرَةَ أرْطالٍ، عَتق العبدُ بحَلِّ قَيدِه، وتَبَيَّنّا أنَّه ما عَتَق بالشَّرْطِ الذي حَكَم الحاكمُ بعِتْقِه به.
وهل يَلْزَمُ الشاهِدَين ضَمانُ قِيمَتِه؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُهما؛ لأنَّ شهادَتَهما الكاذِبَةَ سَبَبُ عِتْقِه وإتْلافِه، فضَمِناه، كالشَّهادَةِ المَرْجُوعِ عنها، ولأنَّ عِتْقَه حُكِم بحُكْمِ الحاكِمِ المَبْنِيِّ على الشَّهادَةِ الكاذِبَةِ، فأشْبَهَ الحُكْمَ بالشَّهادَةِ التي يَرْجعان عنها.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ.
والثاني، لا ضَمانَ عليهما.
وهو قولُ أبي يُوسُفَ، ومحمدٍ؛ لأنَّ عِتْقَه لم يَحْصُلْ بالحُكْمِ المَبْنِيِّ على شهادَتِهما، وإنَّما حَصَل بحَلِّ قَيدِه، ولم يَشْهَدا به، فوَجَبَ أن لا يضْمَنا، كما لو لم يَحْكُمِ الحاكِمُ.
..................................
فصل: وإن قال لعَبْدِه: أنت حُرٌّ متى شِئْتَ.
لم يَعْتِقْ حتى يشاءَ بالقَوْلِ، فمتى شاء عَتَق، سواءٌ كان على الفورِ 1 أو التّراخِي.
وإن قال: أنت حُرٌّ إن شِئْتَ.
فكذلك.
ويَحْتَمِلُ أن يَقِفَ على المَجْلِسِ؛ لأنَّ ذلك بمَنْزِلَةِ التَّخْيِيرِ، ولو قال لامْرَأتِه: اخْتارِى نَفْسَكِ.
لم يَكُنْ لها الاخْتِيارُ إلَّا على الفورِ 2، فإن تراخَى ذلك بَطل خِيارُها، كذا تَعْلِيقُه بالمَشِيئَةِ.
وإن قال: أنتَ حُرٌّ كيفَ شِئْتَ.
احْتَمَلَ أن يَعْتِقَ في الحالِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ «كيف» لا 3 تَقْتَضِي شَرْطًا ولا وَقْتًا ولا مَكانًا، فلا تَقْتَضِي تَوْقِيفَ العِتْقِ، وإنَّما هي صِفَةٌ للحالِ، فتَقْتَضِي 4
وَإِنْ قَال: إِنْ دَخَلْتَهَا فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي.
فَدَخَلَهَا فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ، صَارَ مُدَبَّرًا، وَإِلَّا فَلَا.
وُقُوعَ الحُريَّةِ على أيِّ حالٍ كان.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَعْتِقَ حتى يشاءَ.
وهو قولُ أبي يُوسُفَ، ومحمدٍ؛ لأنَّ المَشِيئَةَ تَقْتَضِي الخِيارَ، فتَقْتَضِي أن لا (1) يَعْتِقَ قبلَ اخْتِيارِه، كما لو قال: أنت حُرٌّ متى شِئْتَ.
لأنَّ «كيف» تُعْطِي ما تُعْطِي «متى» (2)، و «أيَّ»، فحُكْمُهما حُكْمُها.
وقد ذَكَر أبو الخَطّابِ في الطَّلاقِ، أنَّه إذا قال لزَوْجَتِه: أنتِ طالقٌ متى شِئْتِ، وكيفَ شِئْتِ، وحيثُ شِئْتِ.
لم تَطلُقْ حتى تشاءَ، فيَجِئُ ههُنا مِثْلُه.
2937 -
مسألة: (وإن قال: إن دَخَلْتَ الدّارَ فأنت حُرٌّ بعدَ مَوْتِي. فدَخَلَ في حَياةِ السَّيِّدِ، صار مُدَبَّرًا)
لأنَّه وُجِد شَرْطُ التَّدْبِيرِ،12
وَإِنْ قَال: إِنْ مَلَكْتُ فُلَانًا فَهُوَ حُرٌّ.
أَوْ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ.
فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
وهو دُخُولُ الدّارِ.
وإن لم يَدْخُلْ حتى مات بَطَلَتِ الصِّفَةُ؛ لأنَّه يَزُولُ به المِلْكُ، ولم يُوجَدِ التَّدبِيرُ؛ لعدَمِ شَرْطِه.
وسَنَذكُرُ ذلك في التَّدْبِيرِ.
[بأبْسَطَ مِن هذا] (1)، إن شاء اللهُ تعالى.
2938 -
مسألة: (وإذا قال: إن مَلَكْتُ فُلانًا فهو حُرٌّ. أو: كلُّ مملُوكٍ أمْلِكُه فهو حُرٌّ. فهل يَصِحُّ؟ على روايتين)
إحْداهما، لا يَصِحُّ، ولا يَعْتِقُ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عباسٍ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وعطاءٌ، وعُرْوَةُ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
ورَواه التِّرْمِذِيُّ، عن عليٍّ، وجابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، وعليِّ بنِ الحسينِ، وشُرَيحٍ، وغيرِ واحدٍ مِن التّابِعِين، قال: وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ لِما روَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، ولا طَلَاقَ لابنِ آدَمَ فِيما لا يَمْلِكُ» 2. قال1