فَإِنْ تَشَاحُّوا، أُقْرِعَ بَينَهُمْ، فَإِنْ سَبَقَ غَيرُ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَزَوَّجَ، صَحَّ في أَقْوَى الْوَجْهَينَ.
اجْتِماعِ شُرُوطِه، والنَّظَرِ في الحَظِّ (فإن تَشَاحُّوا، أُقْرِعَ بينَهم) لأنَّهم تَساوَوْا في الحَقِّ، وتَعَذَّرَ الجَمْعُ، فيُقْرَعُ بينَهم، كالمرأتَين، وقد كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا أرادَ سَفَرًا أَقرَعَ بينَ نِسائِه (1)؛ لتَساوي حُقُوقِهِنَّ.
كذا هذا.
3121 -
مسألة: (فَإِنْ سَبَقَ غَيرُ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَزَوَّجَ، صَحَّ)
تَزْويجه (في أَقْوَى الْوَجْهَينَ) إذا زَوَّجَ كُفْئًا بإذْنِ المرأةِ؛ لأنَّه تَزْويجٌ صَدَر مِن وَلِيٍّ كاملِ الولايةِ بإذنِ مُوَلِّيَتِه، فصَحَّ، كما لو انْفَرَدَ، وإنَّما القُرْعَةُ لإِزالةِ المُشَاحَّةِ 2. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَصِحُّ.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ، [لأنَّه بالقُرْعَةِ صار أوْلَى] 3، فلم يَصِحَّ تَزْويجُه، كالأبْعَدِ مع لأقرَبِ.1
وَإنْ زَوَّجَ اثْنَانِ، وَلَمْ يُعْلَمِ السَّابِقُ مِنْهُمَا، فُسِخَ النِّكَاحَانِ.
3122 - مسألة: (وإذا زَوَّجَ)
الوَلِيَّان (اثْنَين، ولم يُعْلَمِ السَّابِقُ منهما، فُسِخَ النِّكَاحان) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المرأةَ إذا كان لها وَلِيَّان، فأذِنَت
..................................
لكلِّ واحدٍ منهما 1 في تَزْويجِها، جازَ، سَواءٌ أذِنَتْ في رجلٍ مُعَيَّنٍ أو مُطْلَقًا، فإذا زَوَّجَها الوَلِيَّان لرَجُلَين، وعُلِمَ السَّابِقُ منهما، فالنِّكاحُ له، سَواءٌ دَخَل بها الثَّانِي أو لم يَدْخُلْ.
هذا قولُ الحسنِ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ، وابنِ سِيرِينَ، والأوْزاعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأبي عُبَيدٍ، وأصحابِ الرَّأْي.
وبه قال عطاءٌ، ومالكٌ، ما لم يَدْخُلْ بها الثاني، فإن دَخَل بها الثاني صارَ أوْلَى؛ لقَوْلِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه: إذا أنْكَحَ الوَلِيَّان، فالأوَّلُ أحَقُّ ما لم يَدْخُلْ بها الثاني 2. ولأنَّ الثانيَ اتَّصَلَ بعَقْدِه القَبْضُ، فكان أحَقَّ.
ولَنا، ما روَى سَمُرَةُ، وعُقْبَةُ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «أَيُّمَا امْرَاة زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ، فَهِيَ لِلأَوَّلِ».
أخْرَجَ حديثَ سَمُرَةَ أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ، وأخْرَجَه النَّسَائِيُّ عنه وعن عُقْبَةَ 3. ورُوِيَ نحوُ ذلك
..................................
عن عليٍّ، وشُرَيحٍ 1. ولأنَّ الثانِي تَزَوَّجَ امرأةً في عِصْمَةِ زَوْجٍ، فكان باطِلًا، كما لو عَلِم الحال، ولأنَّه نِكاحٌ باطِلٌ لو عَرِىَ عن الدُّخولِ، فكان باطِلًا وإن دَخَل، كنِكَاحِ المُعْتَدَّةِ.
وأمَّا حديثُ عمرَ، فلم يُصَحِّحْه أصْحابُ الحديثِ، وقد خالفَه قولُ عليِّ، وجاء على خِلافِ حديثِ 2 النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وما ذَكَرُوه مِن القَبْضِ لا مَعْنَى له؛ فإنَّ النِّكاحَ يَصِحُّ بغيرِ قَبْضٍ، مع أنَّه لا أصْلَ له فيُقاس عليه، ثم يَبْطُلُ بسائِرِ 3 الأنْكِحَةِ الفاسِدَةِ.
فصل: فإن دَخَل بها الثانِي وهو لا يَعْلَمُ أنَّها ذاتُ زَوْجٍ، فُرِّقَ بينَهما، وكان لها عليه مَهْرُ مِثْلِها، ولم يُصِبْها زَوْجُها حتَّى تَحِيضَ ثلاثَ حِيَض بعدَ وَطْئِها مِن الثَّانِي.
فأمَّا إن عَلِمَ بالحال قبلَ وَطْءِ الثانِي لها، فإنَّها تُدْفَعُ إلى الأوَّلِ، ولا شيءَ على الثاني؛ لأنَّ عَقْدَه عَقْدٌ باطِل لا يُوجِبُ شيئًا.
..................................
فإن وَطِئَها الثاني وهو لا يَعْلَمُ، فهو وَطْءٌ بشُبْهَةٍ، يَجِبُ لها به المَهْرُ، وتُرَدُّ إلى الأوَّلِ، ولا يَحِلُّ له وَطْؤُها حتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها.
وهو قولُ قَتادَةَ، والشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
قال أحمدُ: لها صَداقٌ بالمَسِيسِ، وصَداقٌ [مِن هذا] 1. ولا يُرَدُّ الصَّداقُ الَّذي يُؤْخَذُ مِن الدَّاخِلِ بها على مَن دُفِعَتْ إليه؛ لأنَّ الصَّداقَ في مُقابَيَةِ الاسْتِمْتاعِ بها 2، فكان لها دُونَ زَوْجِها، كما لو وُطِئَتْ بشُبْهَةٍ أو مُكْرَهَةً.
ولا يَحْتاجُ النِّكَاحُ الثاني إلى فَسْخٍ؛ لأنَّه باطِلٌ، ولا يَجِبُ لها المَهْرُ إلَّا بالوَطْءِ دُون مُجَرَّدِ الدُّخُولِ والوَطْءِ دُونَ الفَرْجِ، لأنَّه نِكاحٌ باطِلٌ لا حُكْمَ له.
ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّه يَجِبُ بالإِصابَةِ لا بالتَّسْمِيَةِ.
وذَكَر أبو بكرٍ أنَّ الواجِبَ المُسَمَّى.
قال القاضي: هو قِياسُ المذهبِ.
والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ؛ لما قُلْنا.
فصل: فإن جُهِلَ الأوَّلُ منهما، فُسِخَ النِّكاحان، ولا فَرْقَ بينَ أن لا يُعْلَمَ كَيفِيَّةُ وُقُوعِهما، أو يُعْلَمَ أنَّ أحَدَهما قبلَ الآخَرِ لا بعَينِه، أو يُعْلَمَه
وَعَنْهُ، يُقْرَعُ بَينَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ، أَمَرَ الآخَرَ بِالطَّلَاقِ، ثُمَّ يُجَدِّدُ الْقَارِعُ نِكَاحَهُ.
بعَينِه ثم يُشْكِلَ، والحُكْمُ في جميعِها واحِدٌ، وهو أن يَفْسَخَ الحاكمُ النِّكاحَين جميعًا.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ الجماعةِ.
ثم تَتَزَوَّجُ مَن شاءَت منهما أو مِن غيرِهما (وعن أحمدَ) رِوايةٌ أُخرَى، أنَّه (يُقرَعُ بينَهما) فمَن وَقَعَتْ له القُرْعَةُ امرَ صاحبَه بالطَّلاقِ (ثم يُجَدِّدُ القارِعُ نِكاحَه) لأنَّه إن كانت زَوْجَتَه لم يُضِرْه تَجْدِيدُ النِّكاحِ، وإن كانت زَوْجَةَ الآخَرِ، بانَتْ بالطَّلاقِ، وصارَتْ زَوْجَةَ هذا بعَقْدِه الثاني؛ لأنَّ القُرْعَةَ تَدْخُلُ لتَمْيِيزِ الحُقُوقِ عندَ التَّساوي، كالسَّفَرِ بإحْدَى نِسائِه، والبَداءَةِ بالمَبِيتِ عندَ إحْدَاهُنَّ، وتَعْيِينِ 1 الأنْصِباءِ في القِسْمَةِ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو ثَوْرٍ: يُجْبِرُهما السلطانُ على أن يُطَلِّقَ كُلُّ واحدٍ منهما طَلْقَةً، فإن أبيَا فَرَّقَ بينَهما.
..................................
وهو قريبٌ مِن القولِ الأوَّلِ، لأنَّه تَعَذَّرَ إمْضاءُ العَقْدِ الصَّحِيحِ، فوَجَبَ إزالةُ الضَّرَرِ بالتَّفْرِيقِ.
وقال الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: النِّكاحُ مَفْسُوخٌ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ إمْضاؤُه.
ولا يَصِحُّ هذا؛ فإنَّ العَقْدَ الصَّحِيحَ لا يَبْطُلُ بمُجَرَّدِ إشْكالِه، كما لو اخْتَلَفَ المُتَبايِعان في قَدْرِ الثَّمَنِ، فإنَّ العَقْدَ لا يَزُولُ إلَّا بفَسْخِه، كذا ههُنا.
ورُوِيَ عن شُرَيحٍ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وحَمَّادِ بنِ أبي سليمانَ، أنَّها تُخَيَّرُ، فأيُّهما اخْتارَتْه، فهو زَوْجُها.
وهذا فاسِدٌ، فإنَّ أحَدَهما ليس بزَوْج لها، فلم تُخَيَّرْ بينَهما، كما لو لم يَعْقِدْ إلَّا أحَدُهما، أو كما لو أشْكَلَ على الرجلَ امرأتُه في النِّساءِ، أو على المرأةِ زَوْجُها، إلَّا أن يُرِيدوا بقَوْلِهم أنَّها إذا اخْتارَتْ أحَدَهما، فُرِّقَ بَينَها 1 وبينَ الآخَرِ، ثم عَقَد المُخْتارُ نِكاحَها، فهذا حَسَنٌ، فإنَّه يُسْتَغْنَي بالتَّفْرِيقِ بَينَها 2 وبين أحَدِهما عن التَّفْرِيقِ بينَها (2) وبينهما جميعًا، ويفسْخِ أحَدِ النِّكاحَين عن فَسْخِهما.
فإن أردتْ أن تَخْتارَ، لم تُجْبَرْ.
وكذلك يَنْبَغِي إذا أُقْرِعَ بينَهما فوَقَعَتِ القُرْعَةُ لأحَدِهما، لم تُجْبَرْ على نِكاحِه، لأنَّه لا يُعْلَمُ [أنَّه زَوْجُها] 3، فيَتَعَيَّنُ إذًا فَسْخُ النِّكاحَين، ولها أن تَتَزَوَّجَ مَن شاءَت منهما أو مِن غيرِهما في الحالِ، إن كان قبلَ الدُّخُولِ، وبعدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ إن كان دَخَل بها أحَدُهما.
..................................
فصل: فإنِ ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنَّه السَّابِقُ بالعَقْدِ، ولا بَيِّنَةَ لهما، لم يُقْبَلْ قَوْلُهما.
فإن أقَرَّتِ المرأةُ لأحَدِهما، لم يُقْبَل إقْرارُها.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: يُقْبَلُ، كما لو أقَرَّتِ ابْتِداءً.
ولَنا، أنَّ الخَصْمَ الزَّوْجُ الآخَرُ 1 في ذلك، فلم يُقْبَلْ إقْرارُها 2 في إبْطالِ حَقِّه، كما لو أقَرَّتْ عليه بطَلاقٍ.
وإنِ ادَّعَى الزَّوْجان على المرأةِ أنَّها تَعْلَمُ السَّابِقَ منهما، فأنْكَرَتْ، لم تُسْتَحْلَفْ لذلك.
وقال أصحابُ الشافعيِّ:
..................................
تُسْتَحْلَفُ.
بِناءً منهم على أنَّ إقْرارَها مَقْبُولٌ.
فإن فُرِّقَ بينَها 1 وبينَ أحَدِهما، لِاخْتِيارِها لصاحِبِه، أو لوُقُوعِ القُرْعَةِ له، وأقَرَّتْ له أنَّ عَقدَه سابِقٌ، فيَنْبَغِي أن يُقْبَلَ إقْرارُها 2، لأنَّهما اتَّفَقَا على ذلك مِن غيرِ خَصْمٍ مُنازِعٍ، فأشبَهَ ما لو لم يَكُنْ صاحِبُ عَقْدٍ آخَرُ.
..................................
فصل: وإن عُلِمَ أنَّ العَقْدَين وَقَعَا معًا 1، لم يَسْبِقْ أحَدُهما الآخَرَ، فهما باطِلَان، لا حاجَةَ إلى فَسْخِهِما؛ لأنَّهما باطِلان مِن أصْلِهما، ولا مَهْرَ لها على واحِدٍ منهما، ولا مِيراثَ لها منهما، ولا يَرِثُها واحِدٌ منهما؛ لذلك.
وإن لم يُعْلَمْ ذلك ففُسِخَ 2 نِكاحُهُما، فروِيَ عن أحمدَ، أنَّه يَجِبُ لها نِصْفُ المَهْرِ، ويَقْتَرِعانِ عليه؛ لأنَّ عَقْدَ أحَدِهما صَحِيحٌ، وقد
..................................
انْفَسَخَ نِكاحُه 1 قبلَ الدُّخُولِ، فوَجَبَ عليه نِصْفُ مَهْرِها، كما لو خالعَها 2. وقال أبو بكر: لا مَهْرَ لها؛ لأنَّهما مُجْبَران على الطَّلاقِ 3، فلم يَلْزَمْهما مَهْرٌ، كما لو فَسَخ الحاكمُ نِكاحَ رجلٍ لعُسْرَتِه أو غَيبَتِه.
وإن ماتَتْ قبلَ الفَسْخِ أو الطَّلاقِ، فلأحَدِهما نِصْفُ مِيرِاثِها، فيُوقَفُ الأمْرُ حتَّى يَصْطَلِحَا عليه.
وقيلَ: يُقْرَعُ بينَهما، فمَن خرَجَتْ له القُرْعَةُ، حَلَف أنَّه المُسْتَحِقُّ، ووَرِثَ.
وإن مات الزَّوْجان، فلها رُبْعُ مِيراثِ أحَدِهما.
فإن كانت قد أقَرَّتْ أنَّ أحَدَهما سابِقٌ بالعَقْدِ، فلا مِيراثَ لها مِن الآخَرِ، وهي تَدَّعِي رُبْعَ 4 مِيراثِ مَن أقَرَّتْ له.
فإن كان 5 قد ادَّعَى ذلك أيضًا، دُفِع إليها رُبْعُ مِيراثِه، وإن لم يَكُنِ ادَّعَى ذلك، وأنْكَرَ الوَرَثَة، فالقَوْلُ قولُهم مع أيمانِهِم، فإن نَكَلُوا قُضِيَ عليهم.
وإن لم تَكُنِ المرأةُ أقَرَّتْ بسَبْقِ أحَدِهما، احْتَمَلَ أن يَحْلِفَ وَرَثَةُ كُلِّ واحِدٍ منهما ويَبْرَأَ 6، واحْتَمَلَ أن يُقْرَعَ بينَهما، فمَن خَرَجَتْ قُرْعَتُه (6) فلها رُبْعُ مِيراثِه.
وقد
..................................
روَى حَنْبَلٌ عن أحمدَ، أنَّه سُئِلَ عن رجل له ثلاثُ بناتٍ، زَوَّجَ إحْدَاهُنَّ مِن رجلٍ، ثم ماتَ الأبُ، ولم يُعْلَمْ أيُّتُهُنَّ زَوَّجَ: يُقْرَعُ بينَهُنَّ، فأيُّتُهُنَّ أصابَتْها القُرْعَة، فهي زَوْجَتُه، وإن ماتَ الزَّوْجُ فهي التي تَرِثُه.
فصل: وإنِ ادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه السَّابِقُ، فأقَرَّتْ لأحَدِهما، ثم فُرِّقَ بينَهما، وقُلْنا بوُجُوبِ المَهْرِ، وَجَب على المُقَر له دونَ صاحِبِه؛ لإِقْرارِه لها به، وإقْرارِها ببَراءَةِ صاحِبِه.
وإن ماتا، وَرِثَتِ المُقَرَّ له دُونَ
..................................
صاحِبِه؛ لذلك.
وإن ماتت هي قبلَهما 1، اختَمَلَ أن يَرِثَها المُقَرُّ له؛ تَرِثُه، واحْتَمَلَ أن لا يُقْبَلَ إتْرارُها له، كما لم يَقْبَلْه في نَفْسِها.
وإن لم تُقِرَّ لأحَدِهما إلَّا بعدَ مَوْتِه، فهو كما لو أقَرَّتْ في حَياتِه.
وليس لوَرَثَةِ واحدٍ منهما الإِنْكارُ لاسْتِحْقاقِها؛ لأن مَوْرُوثَه قد أقَرَّ لها بدَعْواه 2 صِحَّةَ نِكاحِها وسَبْقَه بالعَقْدِ عليها.
وإن لم تُقِرَّ لواحدٍ منهما، أُقْرِعَ بينَهما، وكان لها مِيراثُ مَن تَقَعُ القُرْعَةُ عليه.
وإن كان أحَدُهما قد أصابَها، وكان هو المُقَرَّ له، أو كانت لم تُقِرَّ لواحدٍ منهما، فلها المُسَمَّى؛ لأنَّه مُقِرٌّ لها به، وهي لا تَدَّعِي سِواه، وإن كانت مُقِرّةً للآخَرِ، فهي تَدَّعِي مَهْرَ المِثْلِ، وهو يُقِرُّ لها 3 بالمُسَمَّى.
فإنِ اسْتَوَيا أو اصْطَلَحا، فلا كلامَ،
..................................
وإن كان مَهْرُ المِثْلِ أكْثَرَ، حَلَف على الزَّائدِ، وسَقَط.
وإن كان المُسَمَّى
.................................. لها أكْثَرَ، فهو مُقِرٌّ لها بالزِّيادَةِ، وهي تُنْكِرُها، فلا تَسْتَحِقُّها.
وَإذَا زَوَّجَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ مِنْ أَمَتِهِ، جَازَ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ، وَكَذَلِكَ وَلِيُّ الْمَرْأَة -مِثْلَ ابْنِ الْعَمِّ وَالْمَوْلَى وَالْحَاكِمُ- إِذَا أَذِنَتْ
3123 - مسألة: (وَإذَا زَوَّجَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ مِنْ أَمَتِهِ، جَازَ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ)
لأنَّه مَلَكَ بحُكْمِ المِلْكِ لا بحُكْمِ الإِذْنِ، في قَوْلِهم جَمِيعًا.
فإن كان مالِكًا لأحَدِ طَرَفَيِ العَقْدِ فوَكَّلَه مالِكُ الطَّرَفِ الآخَرِ فيه، أو وَكَّلَه المُوَلَّى في الإِيجابِ والزَّوْجُ في القَبُولِ، خُرِّجَ فيه وَجْهان؛ بِناءً على الرِّوايَتَين اللَّتَين نَذْكُرُهما في المسألةِ التي تَلِيها؛ لأنَّه مَلَك ذلك بالإِذْنِ.
وإن زَوَّجَ ابْنَتَه الكبيرةَ عبدَه الصغيرَ، لم يَجُزْ ذلك إلَّا برِضَاها؛ لأنَّه لا (1) يُكافِئُها.
ويُخَرَّجُ فيه أيضًا وَجْهان.
وإن زَوَّجَه ابْنَتَه الصغيرةَ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ له تَزْويجُها مِمَّن لا يُكافِئُها.
وعنه، يَجُوزُ.
3124 -
مسألة: (وكذلك وَلِيُّ المرأةِ -مِثْلَ ابنِ العَمِّ والمَوْلَى
1
لَهُ في نِكَاحِهَا، فَلَهُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ.
وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ حَتَّى يُوَكِّلَ غَيرَهُ في أَحَدِ الطرَّفَينِ.
والحاكِمِ- إذا أَذِنَتْ له في تَزَوُّجِها.
وعنه، لا يَجُوزُ حَتَّى يُوَكِّل في أَحَدِ الطَّرَفَين) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ وَلِيَّ المَرأةِ التي يَحِلُّ له نِكاحُها إذا أَذِنَتْ له أن يُزَوِّجَها 1، فله ذلك، وهل له أن يَليَ طَرَفَى العَقْدِ بنَفْسِه؛ فيه رِوايتان؛ إحداهما، له ذلك.
وهو قولُ الحسنَ، وابنَ سِيرِينَ، ورَبيعَةَ، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لِما روَى البخاريُّ 2، قال: قال عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوْفٍ لأُمِّ حَكِيمٍ ابنةِ 3 قارظٍ 4: أتَجْعَلِينَ أمْرَكِ إليَّ؟ قالتْ: نعم.
قال: قد تَزَوّجْتُكِ.
ولأنَّه يَمْلِكُ الإِيجابَ والقَبُولَ، فجازَ أن يَتَولَّاهُما، كما لو زَوَّجَ أمَتَه عبدَه الصغيرَ، ولأنَّه عَقْدٌ وُجِدَ فيه الإِيجابُ مِن وَلِيٍّ ثابتِ الولايةِ،
..................................
والقَبُولُ مِن زَوْجٍ هو أهْلٌ للقَبُولِ، فصَحَّ، كما لو وُجِدَا مِن رَجُلَين.
وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعْتَقَ صَفِيَّةَ، وجَعَل عِتْقَها صَدَاقَها 1. فإن قيلَ: فقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «كُلُّ نِكَاحٍ لَا يَحْضُرُهُ أرْبَعَةٌ فَهُوَ سِفَاحٌ؛ زَوْجٌ، وَوَلِيٌّ، وشَاهِدَانِ» 2. قُلْنا: هذا لا نَعْرِف صِحَّتَه، ولو صَحَّ كان مَخْصُوصًا بما إذا زَوَّجَ السَّيِّدُ عبدَه الصغيرَ أمَتَه، فيَتَعَدَّى التَّخْصِيصُ إلى مَحَلِّ النِّزاعِ.
وهل 3 يَفْتَقِرُ إلى ذِكْرِ الإِيجابِ والقَبُولِ، وهل 4 يُكْتَفَى بمُجَرَّدِ الإِيجابِ؟ [فيه وجهان؛ أحدُهما، يَحْتاجُ أن يقولَ: زَوَّجْتُ نَفْسِي فلانةَ، وقَبِلْتُ هذا النِّكاحَ] 5. لأنَّ ما
..................................
افْتَقَرَ إلى الإِيجابِ افْتَقَرَ إلى القَبُولِ، كسائِرِ العُقُودِ.
والثاني، يَكْفِيه أن يقولَ: زَوَّجْتُ نَفْسِي فُلانَةَ.
أو: تَزَوَّجْتُ فُلانَةَ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ؛ لحديثِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ، ولأنَّ إيجابَه يَتَضَمَّنُ القَبُولَ، فأشْبَهَ إذا تَقَدَّمَ الاسْتِدْعاءُ، ولهذا قُلْنا: إذا قال لأمَتِه: أعْتَقْتُكِ، وجَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَكِ.
انْعَقَدَ النِّكاحُ بمُجَرَّدِ هذا القولِ.
والرِّوايةُ الثانيةُ، لا يَجُوزُ أن يَتَوَلَّى طَرَفَيِ العَقْدِ، ولكنْ يُوَكِّلُ رجلًا يُزَوِّجُه إياها بإذْنِها.
ذَكَرَها الخِرَقِيُّ.
قال أحمدُ في رِوايةِ ابنِ مَنْصورٍ: لا يُزَوِّجُ نَفْسَه حتَّى يُوَلِّيَ رجلًا، على حديثِ المُغِيرَةِ بنِ شعْبَةَ.
وهو ما روَى أبو داودَ 1 بإسْنادِه عن عبدِ الملكِ بنِ عُمَيرٍ، أنَّ المُغِيرَةَ بنَ شُعْبَةَ أمَرَ رجلًا يُزَوِّجُه امْرأةً المُغِيرَةُ أوْلَى بها منه.
ولأنَّه عَقْدٌ مَلَكَه بالإِذْنِ، فلم يَجُزْ أن يَتَوَلَّى طَرَفَيه، كالبَيعِ.
وبهذا فارَقَ ما إذا زَوَّجَ أمَتَه عبدَه الصغيرَ.
وعلى هذه الرِّوايةِ، إن وَكَّلَ مَن يَقْبَلُ له النِّكاحَ، وتوَلَّى هو الإيجابَ، جازَ.
وقال الشافعيُّ في ابنِ العَمِّ والمَوْلَى: لا يُزَوِّجُهما إلَّا الحاكِمُ، ولا يَجُوزُ أن
..................................
يَتَوَلَّى طَرَفَيِ العَقْدِ، ولا أن يُوَكِّلِ مَن يُزَوِّجُه؛ لأنَّ وَكِيلَه بمَنْزِلَتِه، وهذا عَقْدٌ مَلَكَه بالإِذْنِ، فلا يَتَوَلَّى طَرَفيه، كالبَيعِ، ولا يَجُوزُ أن يُزَوِّجَه مَن هو أَبْعَدُ منه مِن أوْليائِها؛ لأنَّه لا ولايةَ لهم مع وُجُودِه.
ولَنا، ما ذَكَرْناه مِن فِعْلِ الصَّحابةِ، ولم يَظْهَرْ خِلافُه، ولأن وَكِيلَه يَجُوزُ أن يَلِيَ العَقْدَ عليها لغيرِه، فصَحَّ أن يَلِيَه عليها له إذا كانت تَحِلُّ له، كالإِمامِ إذا أرادَ أن يَتَزَوَّجَ مُوَلِّيَتَه، ولأنَّ هذه امرأةٌ لها وَلِيٌّ حاضرٌ غيرُ عاضِل، فلم يَلِه الحاكمُ، كما لو أرادَ أن يُزَوِّجَها غيرُه.
ومَفْهُومُ قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «السُّلْطَانُ وَلِيّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» 1. أنَّه لا ولايةَ له على هذه، والبَيعُ مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ الوَكِيلَ يَجُوزُ أن يَشْتَرِيَ ما وُكِّلَ في بَيعِه بإذْنِ المُوَكِّلِ.
فصلِ: فأمَّا إن أذِنَتْ له في تَزْويجِها، ولم تُعَيِّنِ الزَّوْجَ، لم يَجُزْ أن يُزَوِّجَها نفْسَه؛ لأنَّ إطْلاقَ الإِذْنِ يَقْتَضِي تَزْويجَها غيرَه، ويَجوزُ تزْويجُها لوَلَدِه؛ لأنَّه غيرُه.
فإن زَوَّجَها لابنه الكبيرِ، قَبِلَ لنَفْسِه، وإن زَوَّجَها
وَإِذَا قَال السَّيِّدُ لِأَمَتِهِ: أَعْتَقْتُكِ، وَجَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَكِ.
صَحَّ.
وَإنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، رَجَعَ عَلَيهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهَا.
لابنه الصَّغيرِ، ففيه الرِّوايَتان في تَوَلِّي طَرَفَيِ العَقْدِ؛ فإن قُلْنا: لا يَتَوَلَّاه.
فوَكَّلَ رجلًا يُزَوِّجُها لوَلَدِه، وقَبِل هو النِّكَاحَ له، افْتَقَرَ إلى إذْنِها للوَكِيلِ، على ما قَدَّمْنا في أنَّ الوَكِيلَ لا يُزَوِّجُها إلَّا بإذْنِها.
وإن وَكَّلَ رجلًا يَقْبَلُ النَّكاحَ لوَلَدِه، وأوْجَبَ هو النِّكاحَ، لم يَحْتَجْ إلى إذْنِها؛ لأنَّها قد أذِنَتْ له.
3125 -
مسألة: (وَإِذَا قَال السَّيِّدُ لِأَمَتِهِ: أَعْتَقْتُكِ، وَجَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَكِ. صَحَّ فإنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، رَجَعَ عَلَيهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهَا)
وكذلك إن قال: جَعَلْتُ عِتْقَ أَمَتِي صَدَاقَها.
ظاهِرُ المذهبِ أنَّ الرجلَ متى أعْتَقَ أمَتَه، وجَعَل عِتْقَها صَداقَها، فهو نِكاحٌ صَحِيحٌ.
نصَّ عليه أيدُ في روايةِ جماعةٍ.
ورُوِيَ ذلك عن علي، رَضِيَ الله عنه.
وفَعَلَه أنَسُ بنُ مالكٍ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وأبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، والحسنُ، والزُّهْرِيُّ، وإسْحاقُ.
وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ حَتَّى يَسْتَأَنِفَ نِكَاحَهَا بِإِذْنِهَا، فَإِنْ أَبَتْ ذَلِكَ فَعَلَيهَا قِيمَتُهَا.
3126
- مسألة: (وَ عَنْهُ، لَا يَصِحُّ حَتَّى يَسْتَأَنِفَ نِكَاحَهَا بِإِذْنِهَا، فَإِنْ أَبَتْ ذَلِكَ فَعَلَيهَا قِيمَتُهَا) قال الأوْزَاعِيُّ: يَلْزمُها أن تَتَزَوَّجَه.
ورَوَى المَرُّوذِيُّ عن أحمدَ، إذا أعْتَقَ أمَتَه، وجَعَل عِتْقَها صَداقَها، يُوَكِّلُ رجلًا يُزَوِّجُه.
فظاهِرُ هذا أنَّه لم يَحْكُمْ بصِحَّةِ النِّكاحِ.
قال أبو الخطَّابِ: هي الصحيحةُ.
واخْتارَها القاضي، وابنُ عَقِيلٍ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ، ومالكٍ، لأنَّه لم يُوجَدْ إيجابٌ وقَبُولٌ، فلم يَصِحَّ لعَدَمِ أرْكانِه، كما لو قال: أعْتَقْتُكِ.
وسَكَت، ولأنَّها بالعِتْقِ تَمْلِكُ نَفسَها،
..................................
فيَجِبُ أن يُعْتَبَرَ رِضَاها، كما لو فَصَل بينَهما، ولأنَّ العِتْقَ يزِيلُ مِلْكَه عن الاسْتِمْتاعِ بحُكْمِ المِلْكِ، فلا يَجُوزُ أَن يَسْتَبِيحَ الوَطْءَ بنَفْسِ المُسَمَّى، فإنَّه لو قال: بِعْتُكَ هذه الأمَةَ على أن تُزَوِّجَنِيها بالثَّمَنِ.
لم يَصِحَّ.
ولَنا، ما روَى أنَسٌ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أعْتَقَ صَفِيَّةَ، وجَعَل عِتْقَها صَدَاقَها.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وفي لَفْظٍ: أعْتَقَها وتَزَوَّجَها.
فقلتُ: يا أبا حَمْزَةَ، ما أصْدَقَها؟ قال: نَفْسَها، عِتْقها.
وروَى الأثْرَمُ بإسْنادِه عن صَفِيَّةَ، قالتْ: أعْتَقَنِي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وجَعَل عِتْقِي صَدَاقِي 2. وبإسنْادِه عن علي، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه كان يقولُ: إذا أعْتَقَ الرجلُ أمَّ وَلَدِه، فجعَلَ عِتْقَها صَداقَها، فلا بَأْسَ بذلك.
ومتى ثَبَت العِتْقُ صَداقًا، ثَبَت النِّكاحُ؛ لأنَّ 3 الصَّداقَ لا يَتَقَدَّمُ النِّكاحَ، ولو تَأَخَّرَ العِتْقُ عن النِّكاحِ لم يَجُزْ،
..................................
فدَلَّ على أنَّه انْعَقَدَ بهذا اللَّفْظِ، ولأنَّه لم يُنْقَلْ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه اسْتَأْنَفَ عَقْدًا، ولو اسْتَأْنَفَه لظَهَرَ، ونُقِلَ كما نُقِلَ غيرُه، ولأنَّ مَن جازَ له تَزْويجُ امرأةٍ لغيرِه مِن غيرِ قَرابَةٍ، جازَ له أن يَتَزَوَّجَها، كالإِمامِ.
وقولُهم: لم يُوجَدْ إيجاب ولا قَبُولٌ.
عَدِيمُ الأثَرِ، فإنَّه لو وُجِدَ لم يَحْكُموا بصِحَّتِه، وعلى أنَّه إن لم يُوجَدْ فقد وُجِدَ ما يَدُلُّ عليه، وهو جَعْلُ العِتْقِ صَداقًا، فأشْبَهَ ما 1 لو تَزَوَّجَ امرأةً هو وَلِيُّها، أو 2 قال الخاطِبُ للوَلِي: أزَوَّجْتَ؟ قال: نعم 3. عندَ أصْحابِنا، وكما لو أتَى بالكِناياتِ عندَ أبي حنيفةَ ومَن وافَقَه.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ أن يقولَ: أعْتَقْتُكِ وجَعَلْتُ عِتْقَكِ صَداقَكِ، وتَزَوَّجْتُكِ.
أو لا يقولَ: وتَزَوَّجْتُكِ.
وكذلك قولُه: جَعَلْتُ عِتْقَكِ صَداقَكِ.
أو 4: جَعَلْتُ صَداقَكِ عِتْقَكِ.
كذلك ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
..................................
ونَصَّ أحمدُ في روايةِ صالحٍ: إذا قال: جَعَلْتُ عِتْقَكِ صَدَاقَكِ.
أو: صَداقَكِ عِتْقَكِ.
كلُّ 1 ذلك جائز.
ويُشْتَرَطُ لصِحَّةِ النِّكاحِ أن لا يكونَ بينَهما فَصْلٌ، فلو قال: أعْتَقْتُكِ.
وسَكَت سُكوتًا يُمْكِنُه الكلامُ فيه، أو تَكَلَّمَ بكلامٍ أجْنَبِيٍّ، لم يَصِحَّ النِّكاحُ؛ لأنَّها صارتْ بالعِتْقِ حُرَّةً، فتَحْتاجُ 2 أن يَتَزَوَّجَها برِضَاها بعَقْدٍ وصَداقٍ جديدٍ.
ولا بُدَّ مِن حُضُورِ شاهِدَين إذا قُلْنا باشْتِراطِ الشَّهادَةِ في النِّكاحِ.
نصَّ على ذلك في رِوايةِ الجماعةِ؛ لقولِه: «لا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِي وَشَاهِدَينِ» 3.
فصل: وإذا قُلْنا بصِحَّةِ النَّكاحِ، فطَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، رَجَع عليها
..................................
بنِصْفِ قِيمَتِها؛ لأنَّ الطَّلاقَ قبلَ الدُّخولِ يُوجِبُ الرُّجُوعَ في نِصْفِ ما فَرَض لها، وقد فَرَض لها نَفْسَها، ولا سَبِيلَ إلى الرُّجُوعِ في الرِّقِّ بعدَ زَوالِه، فرَجَعَ بنِصْفِ قِيمَةِ نَفْسِهَا.
وبهذا قال الحسنُ، والحَكَمُ 1. وقال الأوْزاعِيّ: يَرْجِعُ بقِيمَتِها 2. ولَنا، أنَّه طَلان قبلَ الدُّخُولِ، فأوْجَبَ الرُّجُوعَ بالنِّصْفِ، كسائِرِ الطَّلاقِ.
وتُعْتَبَرُ القِيمَةُ حالةَ الإِعْتاقِ؛ لأنَّها حالةُ الإِتْلافِ.
فإن لم تَكُنْ قادِرَةً على نِصفِ القِيمَةِ، فهل تُسْتَسْعَى فيها،
..................................
أو تكونُ دَينًا تُنْظرُ به إلى حالةِ القُدْرَةِ؟ على رِوايَتَين.
وإن قُلْنا: إنَّ النِّكاحَ لا يَنْعَقِدُ بهذا القولِ.
فعليها قِيمَةُ نَفْسِها؛ لأنَّه أزال مِلْكَه بعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له، فرَجَعَ إلى قِيمَةِ المُفَوَّتِ، كالبَيعِ الفاسِدِ.
وكذلك إن قُلْنا: إنَّ النِّكاحَ انْعَقَدَ به.
فارْتَدَّتْ [قبلَ الدُّخُولِ] 1، أو فَعَلَتْ ما يَنْفَسِخُ به نِكاحُها، مثلَ أن أرْضَعَتْ زَوْجَةً له صغيرةً، ونحو ذلك، انْفَسَخَ نِكاحُها، وعليها قِيمَةُ نَفْسِها.
..................................
فصل: وإن قال لأمَتِه: أعْتَقْتُكِ على أن تُزَوِّجِينِي نَفْسَكِ، ويَكُونَ عِتْقُكِ صَداقَكِ.
أو لم يَقُلْ: ويكونَ عِتْقُكِ صَداقَكِ 1. فَقَبِلَتْ، عَتَقَتْ، ولم يَلْزَمْهَا أن تُزَوِّجَه نَفْسَها؛ لأنَّه سَلَفٌ في نِكاحٍ، فلم يَلْزَمْها، كما لو أسْلَفَ حُرَّةً ألْفًا على أن يَتَزَوَّجَها، ولأنَّه أسْقَطَ حُقها 2 مِن الخِيارِ قبلَ وُجُودِ سَبَبِه، فلم يَسْقُطْ، كالشَّفِيعِ يُسْقِطُ شُفْعَتَه قبلَ البَيعِ.
ويَلْزَمُها قِيمَةُ نَفْسِها.
أوْمَأ إليه أحمدُ في رِوايةِ عبدِ اللهِ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه أزال مِلْكَه منها بشَرْطِ عِوَض لم يُسَلَّمْ له (1)، فاسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بقِيمَتِه، كالبَيعِ الفاسدِ إذا تَلِفَتِ السِّلْعَةُ في يَدِ المُشْتَرِي،
..................................
والنِّكاحِ الفاسدِ إذا اتَّصَلَ به الدُّخُولُ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَها شيءٌ، بِناءً على ما إذا قال لعَبْدِه: أعْتَقْتُكَ على أن تُعْطِيَنِي ألْفًا.
وهذا قولُ مالكٍ، وزُفرَ؛ لأنَّ هذا ليس بلَفْظِ شَرْطٍ، فأشْبَهَ ما لو قال: أعْتَقْتُكِ، وزُوِّجِينِي نَفْسَكِ.
وتُعْتَبَرُ القِيمَةُ حالةَ العِتْقِ، ويُطالِبُها في الحالِ إن كانت قادِرةَ عليها.
وإن كانت مُعْسِرَةً، فهل تُنْظرُ إلى المَيسَرَةِ أو تُجْبَرُ على الكَسْبِ؟ على وَجْهَين، أصْلُهما في المُفْلِسِ هل يُجْبَرُ على الكَسْبِ؟ على رِوايتَين 1.
فصل: وإنِ اتَّفَقَ السَّيِّدُ والأمَةُ على أن يُعْتِقَها وتُزَوِّجَه نَفْسَها، فتَزَوَّجَها على ذلك، صَحَّ، ولا مَهْرَ لها غيرَ ما شرَط مِن العِتْقِ.
وبه قال أبو يُوسُفَ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: لا يكونُ العِتْقُ صَداقًا، لكنْ إن تَزَوَّجَها على القِيمَةِ التي له 2 في ذِمَّتِها، وهما يَعْلَمان القِيمَةَ، صَحَّ الصَّداقُ.
ولَنا، أنَّ العِتْقَ صَلَح 3 صَدَاقًا في حَقِّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فيَجُوزُ في حَقِّ أُمَّتِه، كالدَّراهِمِ، ولأنَّه يَصْلُحُ عِوَضًا في البَيعِ، فإنَّه لو قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ على ألفٍ.
جازَ، فلأنْ يكونَ عِوَضًا في النِّكاحِ أوْلَى؛ فإنَّ النِّكاحَ لا يُقْصَدُ فيه العِوَضُ.
وعلى هذا، لو تَزَوَّجَها على أن يُعْتِقَ أَبَاها، صَحَّ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ عبدِ اللهِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ العِتْقَ يَصِيرُ صَدَاقًا،
..................................
كما لو دَفَع إليها مالًا ثم تَزَوَّجَها عليه.
فإن بَذَلَتْ له نَفْسَها ليَتَزَوَّجَها فامْتَنَعَ، لم يُجْبَرْ، وكانت له القِيمَةُ؛ لأنَّها إذا لم تُجْبَرْ على تَزْويجِه نَفْسَها، لم يُجْبَرْ هو على قَبُولِها.
وحُكْمُ المُدَبَّرَةِ والمُعَلَّقِ عِتْقُها بصِفَةٍ 1 وأُمِّ الوَلَدِ، حُكْمُ الأمَةِ القِنِّ في جَمِيعِ ما ذَكَرْناه.
فصل: ولا بَأْسَ أن يُعْتِقَ الرَّجلُ الأمَةَ ثم يَتَزَوَّجَها، سواءٌ أعْتَقَها لوَجْهِ الله تعالى، أو أعْتَقَها ليتَزَوَّجَها.
وكَرِهَ أنَسٌ تَزَوُّجَ 2 مَن أعْتَقَها لوَجْهِ اللهِ تعالى.
قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: روَى شُعْبَة، عن قَتادَةَ، عن أنَسٍ، أنَّه كَرِه أن يُعْتِقَ الأمَةَ ثم يَتَزوَّجَها 3؟ قال: نعم، ذاكَ إذا أعْتَقَها للهِ، كَرِهَ أن يَرْجعَ في شيءٍ منها 4. ولَنا، ما روَى أبو موسى، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كَانَت عِنْدَهُ جَارِيَة، فَعَلَّمَهَا، وَأَحسَنَ إلَيهَا، ثُمَّ أعتَقَهَا، وَتَزَوَّجَهَا، فَذَلِكَ لَهُ أجْرَانِ».
مُتَّفَقٌ عليه 5. ولأنَّه إذا
فَصْلٌ: الرَّابِعُ، الشَّهَادَةُ.
فَلَا يَنْعَقِدُ إلا بِشَاهِدَينِ عَدْلَين ذَكَرَينِ، بَالِغَينِ، عَاقِلَينِ، وَإنْ كَانَا ضَرِيرَينِ.
تَزَوَّجَها، فقد أحْسَنَ إليه بإعْفافِها 1 وصِيانَتِها، فلم يُكْرَهْ، كما لو زَوَّجَها غيرَه، وليس في هذا رُجُوعٌ فيما جُعِلَ للهِ؛ فإنَّه إنَّما يَتَزَوَّجُها بصَداقِها، فهو بمَنْزِلَةِ مَنِ اشْتَرَى منها شيئًا.
فصل: وإذا قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ على أن أُزَوِّجَكَ ابْنَتِي.
فأعْتَقَه، لم يَلْزَمْه أن يُزَوِّجَه ابْنَتَه 2؛ لأنَّه سَلَفٌ في نِكاح، وعليه قِيمَةُ العبدِ 3. وقال الشافعيُّ في أحَدِ القَوْلَين: لا يَلْزَمُه شيء؛ لأنَّه لا فائدةَ له في العِتْقِ.
ولَنا، أنَّه أزَال مِلْكَه عن عَبْدِه بعِوَض شَرَطَه، فلَزِمَه عِوَضُه، كما لو قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي وعليَّ ثَمَنُه.
وكما لو قال: طَلِّقْ زَوْجَتَكَ و 4 عليَّ ألْفٌ.
فطَلَّقَها.
أو: ألْقِ مَتاعَكَ في البَحْرِ وعليَّ ثَمَنُه.
وبهذه الأُصُولِ يَبْطُلُ قَوْلُهم: إنَّه لَا فائِدَةَ له في العِتْقِ.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (الرَّابِعُ، الشَّهَادَةُ.
فَلَا يَنْعَقِدُ إلا بِشَاهِدَينِ عَدْلَين ذَكَرَينِ بَالِغَينِ عَاقِلَينِ، وَإنْ كَانَا ضَرِيرَينِ) المشْهُورُ عن أحمدَ، = المسند 4/ 395، 398، 402، 414.
..................................
رَحِمَه اللهُ، أنَّ الشَّهادَةَ شرْطٌ لصِحَّةِ النِّكاحِ.
رُوِيَ ذلك عن عمرَ، وعليٍّ.
وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وجابِرِ بنِ زيدٍ، والحسنُ بنُ عليٍّ، وابنُ الزُّبَيرِ، وسالمٌ وحَمْزَةُ ابْنَا ابنِ عمرَ.
وبه قال عبدُ اللهِ بنُ إدْرِيسَ 1، وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، ويزيدُ بنُ هارونَ، والحسنِ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
وعن أحمدَ، أنَّه يَصِحُّ بغيرِ شُهُودٍ.
فَعَلَه ابنُ عمرَ، والعَنْبَرِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وهو قولُ الزُّهْرِيِّ، ومالكٍ، إذا أعْلَنُوه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَثْبُتُ في الشَّاهِدَين في النِّكاحِ خبَرٌ.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ 2: وقد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِي وشَاهِدَينِ عَدْلَينِ».
مِن حديثِ ابنِ عباس، وأبي هُرَيرَةَ، وابنِ عمرَ 3، إلَّا أنَّ في نَقَيَةِ ذلك ضَعْفًا، فلم أذْكُرْه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: وقد أعْتَقَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - صَفِيَّةَ بنتَ حُيَيٍّ وتَزَوَّجَها بغيرِ شُهودٍ 4. قال أنَسُ بنُ مالِكٍ: اشْتَرَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جارِيَةً بسَبْعَةِ أرْؤُسٍ، قال النَّاسُ: ما نَدْرِي أتَزَوَّجَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أم جَعَلَها أُمَّ وَلَدٍ؟ فلمَّا أرادَ
..................................
أن يَرْكَبَ حَجَبَها، فَعلِمُوا أنَّه تَزَوَّجَها.
مُتَّفَقٌ عليه 1. قال: فاسْتَدَلُّوا على تَزْويجها بالحِجَابِ.
وقال يزيذ بنُ هارونَ: أمَرَ الله بالإِشْهادِ في البَيعِ دُونَ النِّكَاحَ، فاشْتَرَطَ أصحابُ الرَّأْي الشَّهادَةَ للنِّكاحِ 2، ولم يَشْتَرِطُوها للبَيعَ 3! ووَجْهُ الأُولَى أنَّه قد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ، وشَاهِدَي عَدْلٍ».
رَواه الخَلَّالُ بإسْنادِه 4. وروَى الدَّارَقُطنيُّ 5 عن عائشةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لَابُدَّ في النِّكَاحِ مِنْ أرْبَعَةٍ؛ الوَلِي، والزَّوْجُ، والشَّاهِدَانِ».
ولأنَّه يَتَعَلَّقُ به حَقُّ غيرِ 6 المُتَعاقِدَين، وهو الوَلَدُ، فاشْتُرِطَتِ الشَّهادَةُ فيه؛ لئلَّا يَجْحَدَه أَبُوه، فيَضِيعَ نَسَبُه، بخِلافِ البَيعِ.
فأمَّا نِكاحُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بغيرِ وَلِيٍّ ولا شُهودٍ، فمِن خَصائِصِه في النِّكاحِ، فلا يُلْحَقُ به غيرُه.
فصل: ويُشْتَرَطُ في الشُّهودِ الذّكُورِيَّةُ، والعَدالةُ، والعَقْلُ،
..................................
والبُلُوغُ، والإِسْلامُ، فأمَّا الذّكُورِيَّةُ، فقال أحمدُ: إذا تَزَوَّجَ بشَهادَةِ نِسْوَةٍ، لم يَجُزْ ذلك؛ لما روَى أبو عُبَيدٍ 1 في «الأمْوالِ» عن الزُّهْرِيِّ، قال: مَضَتِ السُّنَّةُ مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن لا تَجُوزَ شَهادَةُ النِّساءِ في الحُدُودِ، ولا في النِّكاحِ، ولا في الطَّلاقِ.
ولأنَّه عَقْدٌ ليس بمالٍ، ولا المَقْصُودُ منه المال، ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ في غالِبِ الأحْوالِ، فلم يَثْبُتْ بشَهادَتِهِنَّ كالحُدُودِ.
الثاني، العَدالةُ، وفي انْعِقادِ النِّكَاحِ بشهادَةِ الفاسِقَين رِوايتَان؛ إحْدَاهما، لا يَنْعَقِدُ.
وهو مذهبُ الشَّافعيِّ؛ للخَبَرِ.
ولأنَّ النِّكاحَ لا يَثْبُتُ بشَهادَتِهما، فلم يَنْعَقِدْ بحُضُورِهما، كالمَجْنُونَين.
والثانيةُ، يَنْعَقِدُ بشَهادَتِهما.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه تَحَمُّلٌ، فصَحَّتْ مِن الفاسِقِ، كسائرِ التَّحَمُّلاتِ.
وعلى كلتا الرِّوَايتَين لا تُعْتَبَرُ حَقِيقَةُ العَدالةِ، بل يَنْعَقِدُ بشَهادَةِ مَسْتُورِي الحالِ؛ لأنَّ النِّكاحَ يكونُ في القُرَى والبَوادِي، وبينَ عامَّةِ النَّاسِ ممَّن 2 لا يَعْرِفُ حقيقةَ العَدالةِ، فاعْتِبارُ ذلك يَشُقُّ، فاكْتُفِيَ بظاهرِ الحالِ، وكَوْنِ الشَّاهِدِ مَسْتُورًا لم يَظْهَرْ فِسْقُه، فإن تَبَيَّنَ بعدَ العَقْدِ أنَّه كان فاسِقًا، لم يُؤثِّرْ في العَقْدِ؛ لأنَّ الشَّرْطَ العَدَالةُ ظاهِرًا، وهو أن لا يكونَ ظاهِرَ الفِسْقِ، وقد تَحَقَّقَ ذلك.
وقيل: نَتَبَيَّنُ أنَّ النِّكَاحَ كان فاسِدًا؛ لعَدَمِ الشَّرْطِ.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو كانتِ العَدالةُ
..................................
الباطِنَ شَرطًا، لَوَجَبَ الكَشْفُ عنها؛ لأنَّه مع الشّكِّ فيها يكونُ الشَّرْطُ مَشْكُوكًا فيه، فلا يَنعَقِدُ 1 النِّكاحُ، ولا تَحِلُّ المرأةُ مع الشَّكِّ في صِحَّةِ نِكَاحِها.
وإن حَدَث الفِسْقُ فيهما، لم يُؤثِّرْ في صِحَّةِ النِّكاحِ؛ لأنَّ الشَّرْطَ إنَّما يُعْتَبَرُ حالةَ العَقْدِ.
ولو أقَرَّ رجلٌ وامرأة أنَّهما نَكَحَا بوَلِيٍّ وشاهِدَيْ عَدْلٍ، قُبِلَ منهما، وثَبَت النَّكاحُ بإقْرارِهما 2. الثالثُ العَقْلُ، فلا يَنْعَقِدُ بشَهادَةِ مَجْنُونَين ولا طِفْلَين؛ لأنَّهما ليسا مِن أهلِ الشَّهادَةِ، ولا لهما قولٌ يُعْتَبَرُ.
الرابعُ البُلُوغُ، فلا يَنْعَقِدُ بشهادةِ صَبِيَّين؛ لأنَّهما ليسا مِن أهلِ الشَّهادَةِ، أشْبَها الطِّفْلَ.
(و) عنه، أنَّه يَنْعَقِدُ بشَهادَةِ (مُراهِقَين عاقِلَين) بِناءً على أنَّهما مِن أهلِ الشَّهادَةِ.
الخامسُ، الإِسْلامُ، فلا يَنْعَقِدُ النَّكاحُ بشهادةِ كافِرَين، سَواءٌ كان الزَّوْجان مُسْلِمَين، أو الزَّوْجُ مُسْلِمًا وحدَه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ الشافعِيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا كانتِ المرأةُ ذِمِّيَّةً، صَحَّ بشَهادَةِ ذِمِّيَّين.
ويَتَخرَّجُ لنا مثلُ ذلك، بِناءً على الرِّوايةِ التي تقولُ بقَبُولِ شَهادَةِ بعضِ أهلِ الذِّمَّةِ على بعض.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ، وشَاهِدَيْ عَدْلٍ».
ولأنَّه نِكاحُ مُسْلِم، فلم يَنْعَقِدْ بشهادةِ ذِمِّيَّين، كنِكاحِ المُسْلِمَين.
وَعَنْهُ، يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ فَاسِقَينِ، وَرَجُلٍ وَامْرأتَينِ، وَمُرَاهِقَينِ
فصل: ويَنْعَقِدُ بشَهادَةِ ضَرِيرَين.
وللشَّافِعِيَّةِ في ذلك وَجْهان.
ولَنا، أنَّها شهادة على قولٍ، فقُبِلَتْ مِن الضَّرِيرِ، كالشَّهادةِ بالاسْتِفاضَةِ.
ويُعْتَبَرُ أن يَتَيَقَّنَ الصَّوْتَ على وَجْهٍ لا يَشُكُّ فيهما، كما يَعْلَمُ ذلك مَن رآهما.
ويَنْعَقِدُ بشهادةِ عَبْدَين.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: لا يَنْعَقِدُ.
والخِلافُ في ذلك مَبْنِيٌّ على الخلافِ في قَبُولِ شَهادَتِهِما في سائِرِ الحُقُوقِ، وسنَذْكُرُ ذلك في مَوْضِعِه إن شاءَ الله (وعنه، يَنْعَقِدُ بحُضُورِ فاسِقَين) وقد ذَكَرْنا ذلك (ورجل وامْرأَتين) ظاهِرُ المذهبِ أنَّ النِّكاحَ لا يَنْعَقِدُ برجل وامْرأَتينِ.
وهو قولُ النَّخَعِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ.
وعن أحمدَ أنَّه قال: إذا تَزَوَّجَ بشَهادَةِ نِسْوَةٍ، لم يَجُزْ، فإن كان معهنَّ رجلٌ، فهو أهْوَنُ.
فيَحْتَمِلُ أنَّ هذا رِوايةٌ أُخْرى في انْعِقادِه بذلك.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأي.
ويُرْوَى عن الشَّعْبِيِّ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فانْعَقَدَ (1) بشَهادَتِهِنَّ [مع الرِّجالِ] (2)، كالبَيعِ.
ولَنا، الخَبَرُ المَذْكُورُ، ولأنَّه عَقْدٌ ليس المَقْصُودُ منه المال، ويَحْضُرُه الرِّجالُ، فلم يُقْبَلْ فيه شهادةُ النِّساءِ، كالحُدُودِ، [ولهذا فارَقَ البَيع] (3).
3127 -
مسألة: (و)
عنه، [أنَّ النِّكاحَ] 4 يَنْعَقِدُ بحُضُورِ123
عَاقِلَينَ.
(مُرَاهِقَين عاقِلَين) وقد ذَكَرْناه.
وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ مُسْلِمٍ بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّينِ، وَيَتَخَرَّجُ أنْ يَنْعَقِدَ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ ذِمِّيَّةً.
وَلَا يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ أصَمَّينِ وَلَا أَخْرَسَينِ.
3128 - مسألة: (وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ مُسْلِمٍ بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّينِ. وَيَتَخَرَّجُ أنْ يَنْعَقِدَ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ ذِمِّيَّةً).
وقد ذَكَرْنا ذلك.
3129 -
مسألة: (ولا يَنْعَقِدُ بحُضُورِ أَصَمَّين ولا أخْرَسَين)
لأنَّ الأصَمَّين لا يَسْمَعان، والأَخْرَسَين يَتَعَذَّرُ الأَدَاءُ منهما.
وفي انْعِقادِه بشَهادَةِ أهلِ الصَّنائِعِ الزَّريَّةِ 1، كالحَجَّامِ ونحوه، وَجْهان، بِناءً على قَبُولِ شَهادَتِهم.
وَهَلْ يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ عَدُوَّينِ، أَو ابْنَيِ الزَّوْجَينِ أَو أَحدِهِمَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وَعَنْهُ، أنَّ الشَّهَادَةَ لَيسَتْ مِنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ.
3130 - مسألة: وَهَلْ يَنْعَقِدُ بِحُضُورِ عَدُوَّينِ، أَو ابْنَي الزَّوْجَينِ أَو أَحدِهِمَا؟ عَلَى وَجْهَينِ) أحَدُهما، ينْغقِدُ.
اخْتارَه أبو عبدِ اللهِ بنُ بَطَّةَ؛ لعُمُومِ قولِه: «وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ».
ولأنَّه يَنْعَقِدُ بهما نِكاحُ غيرِ هذا الزَّوْجِ، فانْعَقَدَ بهما نِكاحُه، كسائِرِء العُدُولِ.
والثاني، لا يَنْعَقِدُ؛ لأنَّ العَدُوَّ لا تُقْبَلُ شَهادَتُه على عَدُوِّه، والابنَ لا تُقْبَلُ شهادَتُه لوالِدِه (وعنه، أنَّ الشَّهادَةَ ليست مِن شُرُوطِ النِّكاحِ)
وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في ذلك.
واللهُ أعلمُ.
فَصْلٌ: الْخَامِسُ، كَوْنُ الرَّجُلِ كُفْئًا لَهَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ، فَلَوْ رَضِيَتِ الْمَرْأةُ وَالأوْلِيَاءُ بِغَيرِهِ، لَمْ يَصِحَّ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَهُ اللهُ: (الخامِسُ، كَوْنُ الرجلِ كُفْئًا لها في إحْدَى الرِّوايتَين، فلو رَضِيَتِ المرأةُ والأوْلِياءُ بغيرِه، لم يَصِحَّ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في اشْتِراطِ الكَفاءَةِ لصِحَّةِ النِّكاحِ، فرُوِيَ عنه أنَّها شَرْطٌ؛ فإنَّه قال: إذا تَزَوَّجَ المَوْلَى العَرَبِيَّةَ فُرِّقَ بينَهما.
وهذا قولُ سُفْيانَ.
وقال أحمدُ في الرجلِ يَشْرَبُ الشَّرابَ: ما هو بكُفْءٍ لها، يُفَرَّقُ بينَهما.
وقال: لو كان المُتَزَوِّجُ حائِكًا فَرَّقْتُ بينَهما؛ لقولِ عمرَ، رَضِيَ