الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 277-322

فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَتْ لِلْمَغْصُوب أُجْرَةٌ، فَعَلَى الْغَاصِبِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ في يَدِهِ.
وَعَنْهُ، التَّوَقُّفُ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ:  المِثْلِيّاتِ وقِيمَتُه في البَلَدَينِ واحِدَةٌ، أو هي أَقَلُّ في البَلَدِ الذي لَقِيَه فيه، فله مُطالبَتُه بمِثْلِه؛ لأنَّه لا ضَرَرَ على الغاصِبِ فيه.
وإن كانت أكثَرَ، فليس له المِثْلُ؛ لأنّا لا نُكَلِّفُه النَّقْلَ إلى غيرِ البَلَدِ الذي غَصَب فيه، وله المُطالبَةُ بقِيمَتِه في بَلَدِ الغَصْبِ.
وفي جَمِيعِ ذلك، متى قَدَر على المَغْصُوبِ أو المِثْلِ في بَلَدِ الغَصْبِ، رَدَّه وأخَذَ القِيمَةَ, كما لو غَصَب عَبْدًا فأَبَقَ.
فصل: قال، رَضِيَ الله عنه: (فإن كانت للمَغْصُوبِ أُجْرَةٌ، فعلى الغاصِبِ أُجْرَةُ مِثْلِه مُدَّةَ مُقامِه في يَدِه) سَواءٌ اسْتَوْفَى المَنافِعَ أو تَرَكَها تَذْهَبُ.
هذا المَعْرُوفُ في المَذْهَبِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ الأثرَمِ.

هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَضْمَنُ المَنافِعَ.
وهو الذي نَصَرَه أصحابُ مالكٍ.
وقد روى محمدُ بنُ الحَكمِ عن أحمدَ، في مَن غَصَب دارًا فسَكَنَها عِشْرِينَ سنة: لا أَجْتَرِئُ أن أَقُولَ: عليه أجْرُ 1 ما سَكَن.
وهذا يَدُلُّ على تَوَقُّفِه عن إِيجابِ الأَجْرِ، إلَّا أنَّ أبا بكرٍ قال: (هذا قولٌ قَدِيمٌ) لأنَّ محمدَ بنَ الحَكَمِ ماتَ قبلَ أبِي عبدِ اللهِ بعِشْرِينَ سنة.
واحْتَجَّ مَن لم يُوجِبِ الأجْرَ بقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» 2. وضَمَانُها على الغاصِبِ.
ولأنَّه اسْتَوْفَى مَنْفَعَتَه بغيرِ عَقْدٍ ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ، أشْبَهَ ما لو زَنى بامْرأةٍ مُطاوعَةٍ.
ولَنا، أنَّ كلَّ ما ضَمِنَه

..................................  بالإِتْلافِ في العَقْدِ الفاسِدِ، جازَ أن يَضْمَنَه بمُجَرَّدِ الإتْلافِ، كالأَعْيانِ، ولأنَّه أَتْلَفَ مُتَقَوَّمًا، فوَجَبَ ضَمانُه، كالأعْيانِ.
أو نقولُ: مالٌ مُتَقَوَّمٌ مَغْصُوبٌ، فوَجَبَ ضَمانُه، كالعَينِ.
وأمّا الخَبَرُ فوارِدٌ في البَيعِ، ولا يَدْخُلُ فيه الغاصِبُ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ له الانْتِفاعُ بالمَغْصُوبِ بالإِجْماعِ.
ولا يُشْبِهُ الزِّنَى؛ لأنَّها رَضِيَتْ بإتْلافِ مَنافِعِها بغيرِ عِوَضٍ ولا عَقْدٍ يَقْتَضِي العِوَضَ، فكان بمَنْزِلَةِ مَن أعَارَه دارَه.
ولو أكْرَهَها عليه، لَزِمَه مَهْرُها، والخِلافُ فيما له مَنافِعُ تُسْتَباحُ بعَقْدِ الإِجَارَةِ؛ كالعَقَارِ، والثِّيَابِ، والدَّوَابِّ، ونَحْوها.
فأمّا الغَنَمُ والشَّجَرُ والطَّيرُ ونحوها، فلا شيءَ فيها؛ لأنَّه لا مَنافِعَ لها يُسْتَحَقُّ بها عِوَضٌ.
ولو غَصَب جارِيَةً ولم يَطَأْها، ومَضَى عليها زَمَنٌ يُمْكِنُ الوَطْءُ فيه، لم يَضْمَنْ مَهْرَها؛ لأنَّ مَنافِعَ البُضْعِ لا تَتْلَفُ إلَّا بالاسْتِيفاءِ، بخِلافِ غيرِها، ولأنَّها لا تُقَدَّرُ بزَمَنٍ فيُتْلِفُها مُضِيُّ الزَّمَنِ، بخِلافِ المَنْفَعَةِ.
ولو أَطْرَقَ الفَحْلَ لم يَضْمَنْ مَنْفَعَتَه؛ لأنَّه لا عِوَضَ له، لكنْ عليه ضَمانُ نَقصِه.

وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ، فَعَلَيهِ أُجْرَتُهُ إلَى وَقْتِ تَلَفِهِ.
وَإِنْ غَصَبَ شَيئًا فَعَجَزَ عَنْ رَدِّهِ، فَأَدَّى قِيمَتَهُ، فَعَلَيهِ أُجْرَتُهُ إلى وَقْتِ أَدَاءِ الْقِيمَةِ، وَفِيمَا بَعْدَهُ وَجْهَانِ.

2358 - مسألة: (وإن تَلِفَ المَغْصُوبُ، فعليه أُجْرَتُه إلى وَقْتِ تَلَفِه)

لأنَّه بعدَ التَّلَفِ لم تَبْقَ له مَنْفَعَةٌ، فلم يَجِبْ ضَمانُها, كما لو أَتْلَفَه مِن غيرِ غَصْبٍ.
2359 -

مسألة: (وإن غَصَب شيئًا، فعَجَزَ عن رَدِّه، فأدَّى قِيمَتَه، فعليه أُجْرَتُه إلى وَقْتِ أَدَاءِ القِيمَةِ)

لأنَّ مَنافِعَه إلى وَقْتِ أداءِ القِيمةِ

فصْلٌ: وَتَصَرُّفَاتُ الْغَاصِبِ الْحُكْمِيَّةُ؛ كَالْحَجِّ، وَسَائِرِ  مَمْلُوكَةٌ لصاحِبِه، فلَزِمَه ضَمانُها.
وهل يَلْزَمُه أَجْرُه مِن حينِ دَفْعِ بَدَلِه إلى رَدِّه؟ فيه وَجْهان؛ أَصَحُّهُما، لا يَلزَمُه؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ الانتِفاعَ ببَدَلِه الذي أُقِيمَ مُقامَه، فلم يَسْتَحِقَّ الانْتِفاعَ به وبما قامَ مَقامَه.
والثاني، له الأَجْرُ؛ لأنَّ العَينَ باقِيةٌ على مِلْكِه، والمَنْفَعَةَ له.
فصل: [قال الشيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه] 1: (وتَصَرُّفاتُ الغاصِبِ الحُكْمِيَّةُ؛ كالحَجِّ، وسائِرِ العِبادَاتِ، والعُقُودُ؛ كالبَيعِ

الْعِبَادَاتِ، وَالْعُقُودِ؛ كَالْبَيعِ، وَالنِّكَاحِ، وَنَحْوهَا، بَاطِلَةٌ في إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ، وَالْأُخْرَى صَحِيحَة.
والنِّكَاحِ، ونحوها، باطِلَةٌ في إحْدَى الرِّوَايَتَين، والأُخْرَى صَحِيحَةٌ) تَصَرُّفاتُ الغاصِبِ كتَصرُّفَاتِ الفُضُولِيِّ، وفيه رِوَايتانِ؛ أظْهَرُهما بُطْلانُها.
والثانيةُ، صِحَّتُها ووُقُوفُها 1 على إجَازَةِ المالِكِ.
وقد ذكَرَ شيخُنا في الكِتَابِ المَشْرُوحِ رِوايةً أنَّها تَقَعُ صَحِيحةً، وذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وسَواءٌ في ذلك العِبادَاتُ؛ كالطَّهارَةِ، والصلاةِ، والزَّكاةِ، والحَجِّ، والعُقُودُ؛ كالبَيعِ، والإِجارَةِ، والنِّكَاحِ.
وهذا يَنْبَغِي أن يَتَقَيَّدَ في العُقُودِ بما لم يُبْطِلْه المالِكُ، فأمّا ما اخْتارَ المالِكُ إبْطاله وأَخْذَ المَعْقُودِ عليه، فلا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وأمّا ما لم يُدْرِكْه المالِكُ، فوَجْهُ التَّصْحِيحِ فيه أنَّ الغاصِبَ تَطُولُ مُدَّتُه وتَكْثُرُ تَصَرُّفاتُه، ففي القَضاءِ ببُطْلانِها ضَرَرٌ كَثِيرٌ، ورُبَّما عادَ الضَّرَرُ على المالِكِ، فإنَّ الحُكْمَ بصِحَّتِها يَقْتَضِي كَوْنَ الرِّبْحِ للمالِكِ، والعِوَضِ بنَمائِه وزِيادَتِه له، والحُكْمَ ببُطْلانِها يَمْنَعُ ذلك.

وَإِنِ اتَّجَرَ بالدَّرَاهِمِ، فَالرِّبْحُ لِمَالِكِهَا.

2360 - مسألة: (وإنِ اتَّجَرَ بالدَّرَاهِمِ، فالرِّبْحُ لمالِكِها)

إذا غَصَب أثمانًا فاتَّجَرَ بها، أو عُرُوضًا فباعَها واتَّجَرَ بثَمَنِها، فقال أصحابُنا: الرِّبْحُ للمالِكِ، والسِّلَعُ المُشْتَراةُ له.
وقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ، وأبو الخَطَّابِ: إن كان الشِّرَاءُ بعَينِ المالِ، فالرِّبْحُ للمالِكِ؛ لأنَّه نَماءُ مِلْكِه.
قال الشَّرِيفُ: وعن أحمدَ، أنَّه يَتَصَدَّقُ به؛ لوُقُوعِ الخِلَافِ فيه.

وَإِنِ اشْتَرَى في ذِمَّتِهِ ثُم نَقَدَهَا، فَكَذَلِكَ.
وَعَنْهُ، الرِّبْحُ لِلْمُشْتَرِي.

2361 - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى في ذِمَّتِه ثم نَقَدَها، [فكذلك إذا اشْتَرَى في ذِمَّتِه]

1، احْتَمَلَ أن يكونَ الرِّبْحُ للغاصِبِ.
وكذلك ذَكَرَه أبو الخَطّابِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَي الشافِعِيِّ؛ لأنَّه اشْتَرَى لنَفْسِه في ذِمَّتِه، فكان الشِّراءُ له والرِّبْحُ له، وعليه بَدَلُ المَغْصُوبِ.
وهذا قِياسُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ، ورُوِيَ ذلك عن أحمدَ.
واحْتَمَل أن يكونَ للمالِكِ؛ لأنَّه نَماءُ مِلْكِه، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَى بعَينِ المالِ.
وهذا المَشْهُورُ في

..................................  المَذْهَبِ.
قال صاحِبُ «المُحَرَّرِ»: إذا اشْتَرَى في ذِمَّتِه بنِيَّةِ نَقْدِها؛ لِئَلَّا يَتَّخِذَ ذلك طَرِيقًا إلِي غَصْبِ مالِ الغَيرِ والتِّجارَةِ به.
وإن خَسِر، فهو على الغاصِبِ؛ لأنَّه نَقْصٌ حَصَل في المَغْصُوبِ.
وإن دَفَع المال إلى مَن يُضارِبُ به، فالحُكْمُ في الرِّبْحِ على ما ذَكَرْنا.
وليس على المالِكِ مِن أجْرِ العامِلِ شيءٌ؛ لأنَّه لم يَأْذَنْ له في العَمَل في مالِه.
وإن كان المُضارِبُ عالِمًا بالغَصْبِ، فلا أَجْرَ له؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بالعَمَلِ، ولم يَغُرَّه أحَدٌ.
وإن لم يَعْلَمْ، فعلى الغاصِبِ أَجْرُ مِثْلِه؛ لأنَّه اسْتَعْمَله عَمَلًا بعِوَضٍ لم يَحْصُلْ له، فلَزِمَه أَجْرُه، كالعَقْدِ الفاسِدِ.

..................................  فصل: وإن أَجَرَ الغاصِبُ المَغْصُوبَ، فالإِجازَةُ باطِلَةٌ، في إحْدَى الرِّواياتِ، كالبَيعِ، وللمالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهما شاءَ أَجْرَ المِثْلِ، فإن ضَمَّنَ.
المُسْتَأْجِرَ، لم يَرْجِعْ بذلك؛ لأنَّه دَخَل في العَقْدِ على أنَّه يَضْمَنُ المَنْفَعَةَ ويَسْقُطُ عنه المُسَمَّى في العَقْدِ.
وإن كان دَفَعَه إلى الغاصِبِ، رَجَع به.
وإن تَلِفَتِ العَينُ في يَدِ المُسْتَأْجِرِ، فلمالِكِها تَضْمِينُ مَن شاءَ منهما قِيمَتَها، فإن ضَمَّنَ المُسْتَأْجِرَ، رَجَع بذلك على الغاصِبِ 1؛ لأنَّه دَخَل معه على أنَّه لا يَضْمَنُ العَينَ، ولم يَحْصُلْ له 2 بَدَلٌ في مُقابَلَةِ ما غَرِمَ.
وإن كان عالِمًا بالغصْبِ، لم يَرْجِعْ على الغاصِبِ؛ لأنَّه دَخَل على بَصِيرَةٍ، وحَصَل

..................................  التَّلَفُ في يَدِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه، فإن ضَمَّنَ الغاصِبَ الأجْرَ والقِيمَةَ، رَجَع بالأَجْرِ على المُسْتَأْجِرِ، عَلِم أو لم يَعْلَمْ، ويَرْجِعُ بالقِيمَةِ إن كان المُسْتَأْجِرُ عَلِمَ بالغَصْبِ.
وهذا قولُ الشافِعِيِّ، ومحمدِ بنِ الحسنِ، في هذا الفَصْلِ.
وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، أنَّ الأَجْرَ للغاصِبِ دونَ صاحِبِ الدّارِ.
وهو فاسِدٌ؛ لأنَّ الأجْرَ عِوَضُ المنافِعِ المَمْلُوكَةِ لرَبِّ الدّارِ، فلم يَمْلِكْها الغاصِبُ، كعِوَضِ الأجْزاءِ.

وَإِنِ اخْتَلَفَا في قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ، أَوْ قَدْرِهِ، أَوْ صِنَاعَةٍ فِيهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ.

2362 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في قِيمَةِ المَغْصُوبِ، أو قَدْرِه، أو صناعَةٍ فيه، فالقولُ قولُ الغاصِبِ)

إذا اخْتَلَفَ المالِكُ والغاصِبُ في قِيمَةِ المَغْصُوبِ ولا بَيِّنَةَ، فالقولُ قولُ الغاصِبِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه، فلا يَلْزَمُه ما لم يَقُمْ عليه حُجَّةٌ, كما لو ادَّعَى عليه دَينًا فأقَرَّ ببَعْضِه.
وكذلك إنِ اخْتَلَفَا في قَدْرِه، فقال: غَصَبْتَنِي مِائَةً.
قال: بل خَمْسِينَ.
لِما ذَكَرْنا.
وكذلك إن قال المالِكُ: كان كاتِبًا -أو- له صِناعَةٌ.
فأنْكَرَ الغاصِبُ، فالقولُ قولُه كذلك 1. فإن شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بالصِّفَةِ، ثَبَتَت.

وَإِنِ اخْتَلَفَا في رَدِّهِ، أَوْ عَيبٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ.

2363 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في رَدِّه، أو عَيبٍ، فالقولُ قولُ المالِكِ)

لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الردِّ وبَقاؤُه في يَدِ الغاصِبِ.
وإن قال الغاصِبُ: كانت فيه سَلْعَةٌ -أو- إصْبَعٌ زائِدَةٌ -أو- عَيبٌ.
وأنْكَرَ المالِكُ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ذلك.
وإنِ اخْتَلَفا بعدَ زِيادَةِ قِيمَةِ المَغْصُوبِ في وَقْتِ الزِّيادَةِ، فقال المالِكُ: زادَتْ قبلَ تَلَفِه.
وقال الغاصِبُ: بعدَ تَلَفِه.
فالقولُ قولُ الغاصِبِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِه.
وإن [شاهَدَتِ البَيِّنَةُ] 1 العَبْدَ مَعِيبًا، فقال الغاصِبُ: كان مَعِيبًا قبلَ غَصْبه.
وقال المالِكُ: تَعَيَّبَ عندَك.
فالقولُ قولُ الغاصِبِ؛ لأنَّه غارِمٌ، ولأَنَّ الظّاهِرَ أنَّ صِفَةَ العَبْدِ لم تَتَغَيَّرْ.
ويَتَخَرَّجُ أنَّ القولَ قولُ المالِكِ، كما إذا اخْتَلَفَ البائِعُ والمُشْتَرِى في العَيبِ: هل كان عندَ البائِعِ، أو حَدَث عندَ المُشْتَرِي؟ فإنَّ فيه رِوايَةً،

وَإِنْ بَقِيَتْ في يَدِهِ غُصُوبٌ لَا يَعْرفُ أَرْبَابَهَا، تَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُمْ، بِشرْطِ الضَّمَانِ، كَاللُّقَطَةِ.
أنَّ القَوْلَ قولُ البائِعِ، كذلك هذا.
وإن غَصَبَه خَمْرًا، فقال المالِكُ: تَخَلَّلَ عندَك.
وأنْكَرَ الغاصِبُ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ تَغيُّرِه وبَرَاءَةُ ذِمَّةِ الغاصِبِ.
وإنِ اخْتَلَفَا في تلَفِه، فالقولُ قولُ الغاصِبِ إذا ادَّعَى التَّلَفَ؛ لأنَّه أَعْلَمُ بذلك، وتَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنةِ عليه، فإذا حَلَف، فللمالِكِ المُطالبَةُ ببَدَلِه؛ لأنَّه تَعَذَّرَ رَدُّ العَينِ، فلَزِمَ بَدَلُها, كما لو غَصَب عَبْدًا فأَبَقَ.
وقيلَ: ليس له المُطالبَةُ بالبَدَلِ؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه.
وإن قال: غَصَبْتَ مني حَدِيثًا.
قال: بل عَتِيقًا.
فالقولُ قولُ الغاصِبِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الحَدِيثِ، وللمالِكِ المُطالبَةُ بالعَتِيق؛ لأنَّه دُونَ حَقِّه.
وإنِ اخْتَلَفا في الثِّيابِ التي على العَبْدِ، فهي للغاصِبِ؛ لأنَّها في يَدِه، فكان القَول قوْله فيها، ولم يَثْبُتْ أنَّها كانت لمالِكِ العَبْدِ.

2364 -

مسألة: (وإن بَقِيَتْ في يَدِه غُصُوبٌ لا يَعْلَمُ أَرْبابَها، تَصَدَّقَ بها عنهم، بشَرْطِ الضَّمَانِ، كاللُّقَطَةِ)

لأنَّه عاجِزٌ عن

..................................  رَدِّها على أصحابِها، فإذا تَصَدَّقَ بها عنهم كان ثَوابُها لأرْبابِها، فيُسْقِطُ ذلك إثْمَ غَصْبِها، ولأنَّ قَضاءَ الحُقُوقِ في الآخِرَةِ بالحَسَناتِ وحَمْلِ السَّيِّئاتِ، فإذا طُلِبَ منه عِوَضُ الغصْبِ أحَالهُم بثَوابِ الصَّدَقَةِ.
[وعنه في اللُّقَطَةِ، لا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ] 1 بها.
فيُخَرَّجُ ههُنا مثلُه.
فعلى هذا، له دَفْعُه إلى نائِبِ الإِمَامِ، كالضَّوَالِّ.

فَصْلٌ: وَمَنْ أَتْلَفَ مَالًا مُحْتَرَمًا لِغَيرِه، ضَمِنَهُ.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (ومَن أَتْلَفَ مالًا مُحْتَرَمًا لغيرِه، ضَمِنَه) إذا كان بغيرِ إذْنِه.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا؛ لأنَّه فَوَّتَه عليه، فوَجَبَ عليه ضَمانه, كما لو غَصَبَه فتَلِفَ عندَه.

وَإِنْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرِهِ، أَوْ حَلَّ قَيدَ عَبْدِهِ، أَوْ رِبَاطَ فَرَسِهِ،

2365 - مسألة: (وإن فَتَح قَفَصًا عن طائِرِه)

فطَارَ (أَوْ حَلَّ قَيدَ عَبْدِه، أو رِبَاطَ فَرَسِه) [إذا حَلَّ رِباطَ دابَّةٍ فذَهَبَتْ، أو فَتَح قَفَصًا عن طائِرِهِ فطار، ضَمِنَهما] 1. وبه قال مالِكٌ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافِعِيُّ: لا ضَمانَ عليه، إلَّا أن يكونَ أهَاجَهُما حتى ذَهَبَا.
وقال أصحابُ الشافِعِيِّ: إن وَقَفَا بعدَ الحَلِّ والفَتْحِ، ثم ذَهَبَا، لم يَضْمَنْهُما،

..................................  وإن ذَهَبَا عَقِيبَ ذلك، ففيه قَوْلانِ.
واحْتَجَّا بأنَّ لهما اخْتِيارًا، وقد وُجِدَتْ منهما المُباشَرَةُ، ومِن الفاتِحِ سَبَبٌ غيرُ مُلْجِئٍ، فإذا اجْتَمَعَا، لم يَتَعَلَّقِ الضَّمانُ بالسببِ، كما لو حَفرَ بِئْرًا فجاء عَبْدٌ لإِنْسانٍ فرَمَى نَفْسَه فيها.
ولَنا، أنَّه ذَهَب بسَبَبِ فِعْلِه، فلَزِمَه الضَّمانُ، كما لو نَفَّرَه، أو ذَهَب عَقِيبَ فَتْحِه وحَلِّه، والمُباشَرَةُ إنَّما حَصَلتْ مِمَّن لا يُمْكِنُ إحَالةُ الحُكْمِ عليه، فيَسْقُطُ، كما لو نَفَّرَ الطائِرَ، وأهَاجَ الدّابَّةَ، أو أشْلَى 1 كَلْبًا على صَبِيٍّ فقَتَلَه، أو أطْلَقَ نارًا في مَتاعِ إنْسانٍ، فإنَّ للنارِ فِعْلًا، لكنْ لَمَّا لم يُمْكِنْ إحالةُ الحُكْمِ عليها، كان وُجُودُه كعَدَمِه، ولأنَّ الطائِرَ وسائِرَ الصَّيدِ مِن طَبْعِه النُّفُورُ، وإنَّما يَبْقَى بالمانعِ، فإذا أُزِيلَ المانِعُ ذَهَبَ بطَبْعِه، فكان ضَمانُه على مَن أزَال المانِعَ، كمَن قَطَع عِلَاقَةَ قِنْدِيلٍ فوَقَعَ فانْكَسَرَ.
وهكذا لو حَلَّ قَيدَ عَبْدٍ فذَهَبَ، أو أَسِيرٍ فأَفْلَتَ؛ لأنَّه تَلِفَ بسَبَبِ فِعْلِه.

..................................  فأمَّا إن فَتَح القَفَصَ، وحَلَّ الفَرَسَ، فبَقِيَا واقِفَين، فجاء إنْسانٌ فنَفَّرَهُما فذَهَبَا، فالضَّمانُ على مُنَفِّرِهِما؛ لأنَّ سَبَبَه أخَصُّ فاخْتَصَّ الضَّمانُ به، كالدّافِعِ مع الحافِرِ.
وإن وَقَع طائِرُ إنْسانٍ على جِدَارٍ، فنَفَّرَه إنْسانٌ فطَارَ، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّ تَنْفِيرَه لم يَكُنْ سَبَبَ فَوَاتِه، فإنَّه كان مُمْتَنِعًا قبل ذلك.
وإن رَمَاه فقتَله، ضَمِنَه وإن كان في دارِه؛ لأنَّه كانْ يُمْكِنُه تَنْفِيرُه بغيرِ قَتْلِه.
وكذلك لو مَرَّ طائِرٌ في هَواءِ دارِه فرَمَاه فقَتَلَه، ضَمِنَه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ مَنْعَ الطائِرِ مِن هَواءِ الدّارِ، فهو كما لو رَمَاه في هَواءِ دارِ غيرِه.

أَوْ وكَاءَ زِقِّ مَائِعٍ، أَوْ جَامِدٍ فَأذَابَتْهُ الشَّمْسُ، أَوْ بَقِيَ بَعْدَ حَلِّهِ قَاعدًا فَأَلقَتْهُ الرِّيحُ فَانْدَفَقَ، ضَمِنَهُ.
وَقَال الْقَاضِي: لَا يَضْمَنُ مَا أَلْقَتْهُ الرِّيحُ.

2366 - مسألة: وإن حَلَّ (وكَاءَ زِقِّ مائعٍ، أو جامِدٍ فأذَابَتْه الشمسُ، أو بَقِيَ بعدَ حَلِّه قاعِدًا، فأَلْقَتْه الرِّيحُ فانْدَفقَ، ضَمِنَه)

إذا حَلَّ وكَاءَ زِقٍّ مائعٍ فانْدَفَقَ، أو كان جامِدًا، فذَابَ بشمسٍ، أو سَقَط برِيحٍ أو بزَلْزَلةٍ، ضَمِنَه، سَواءٌ خَرَج في الحالِ، أو قَلِيلًا قَلِيلًا 1، أو خَرَجَ منه شيءٌ بَلَّ أَسْفَلَه، فسَقَطَ، أو ثَقَّلَ أحَدَ جانِبَيه، فلم يَزَلْ يَمِيلُ قَلِيلًا قليلًا حتى سَقَطَ، [أو سَقَط بزَلْزَلَةٍ أو رِيحٍ، أو كان جامِدًا فذابَ بشمسٍ] 2؛ لأنَّه تَلِفَ بسَبَبِ فِعْلِه (وقال القاضي: لا يَضْمَنُ) إذا

وَإِنْ رَبَطَ دَابَّةً في طَرِيقٍ فَأَتْلَفَتْ، أَو اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا فَعَقَرَ، أَوْ خَرَقَ ثَوْبًا ضَمِنَ.
سَقَطَ برِيحٍ أو زَلْزَلَةٍ، ويَضْمَنُ فيما سِوَى ذلك.
وبه قال أصحابُ الشافعيِّ.
ولهم فيما إذا ذابَ بالشمسِ وَجْهان، قالوا: لأنَّ فِعْلَه غيرُ مُلْجِئٍ، والمَعْنَى الحادِثُ مُباشَرَةٌ، فلم يتَعَلَّقِ الضَّمانُ بفِعْلِه, كما لو دَفَعَه إنْسانٌ.
ولَنا، أنَّ فِعْلَه سَبَبُ تَلَفِه، ولم يَتَخَلَّلْ بينَهما ما يُمْكِنُ إحالةُ الحُكْمِ عليه، فوَجَبَ عليه الضَّمانُ, كما لو خَرَج عَقِيبَ فِعْلِه، أو مال قَلِيلًا قَلِيلًا، وكما لو جَرَح إنْسانًا فأصَابَه الحَرُّ أو البرْدُ فسَرَتِ الجِنايَةُ، فإنَّه يَضْمَنُ.
وأمّا إذا دَفَعَه إنْسانٌ، فإنَّ المُتَخَلِّلَ بينَهما مُباشَرَةُ مَن تُمْكِنُ الإِحالةُ عليه، بخِلافِ مسألَتِنا.

2367 -

مسألة: (وإن رَبَط دابَّةً في طَرِيقٍ فأتْلَفَتْ، أو اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا فَعَقَرَ، أو خَرَق ثَوْبًا، ضَمِن)

إذا أَوْقَفَ الدّابَّةَ في طَرِيقٍ ضَيِّقٍ،

..................................  ضَمِن ما جَنَتْ بيَدٍ أو رِجْلٍ أو فَمٍ؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بوَقْفِها فيه.
وإن كان الطَّرِيقُ واسِعًا، ضَمِن في إحْدَى الرِّوايَتَين.
وهو مذهبُ الشافِعِيِّ؛ لأنَّ انْتِفاعَه بالطَّرِيقِ مَشْرُوطٌ بالسَّلامَةِ.
وكذلك 1 لو تَرَك في الطَّرِيقِ طِينًا فزَلَقَ به إنْسانٌ، ضَمِنَه.
والثانيةُ، لا يَضْمَنُ؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ بوَقْفِها في الطَّرِيقِ الواسِعِ، فلم يَضْمَنْ, كما لو وَقَفَها في مَوَاتٍ.
وفارَقَ الطِّينَ؛ فإَّنه مُتَعَدٍّ بتَرْكِه في الطَّرِيقِ.
وأمَّا الكَلْبُ، فيَلْزَمُه ضَمانُ ما أتْلَفَ؛ لأنَّه تَعَدَّى بذلك، فلَزِمَه الضَّمانُ, كما لو بَنَى في الطَّرِيقِ دُكّانًا.

إلَّا أَنْ يَكُونَ دَخَلَ مَنْزِلَهُ بِغيرِ إِذْنِهِ.

2368 - مسألة: (إلَّا أن يكونَ دَخَل مَنْزِلَه بغيرِ إذنِه)

لأنَّه مُتَعَدٍّ بالدُّخُولِ، فقد تَسَبَّبَ إلى إتْلافِ نَفْسِه بجِنايَتِه، وإن دَخَل بإذْنِ المالِكِ، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه تَسَبَّبَ إلى إتْلافِه.
فإن أَتْلَفَ الكَلْبُ بغيرِ العَقْرِ، مثلَ أن وَلَغ في إناءِ إنْسانٍ أو بال، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّ هذا لا يَخْتَصُّ الكَلْبَ العَقُورَ.
قال القاضي: وإنِ اقْتَنَى سِنَّوْرًا يَأْكُلُ أفْراخَ الناسِ، ضَمِن ما أتْلَفَه، كالكَلْبِ العَقُورِ، ولا فَرْقَ بينَ اللَّيلِ والنَّهَارِ.
فإن لم تَكُنْ له عادَةٌ بذلك،

وَقِيلَ: في الْكَلْب رِوَايَتَانِ في الْجُمْلَةِ.
لم يَضْمَنْ صاحِبُه جِنايَتَة، كالكَلْبِ الذي ليس بعَقُورٍ.
ولو أنَّ الكَلْبَ العَقُورَ أو السِّنَّوْرَ حَصَل عندَ إنْسانٍ مِن غيرِ اقْتِنائِه ولا اخْتِيارِه فأفْسَدَ، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه لم يَحْصُلِ الإِتْلافُ بتَسَبُّبِه.
فإنِ اقْتَنَى حَمامًا أو غيرَه مِن الطَّيرِ فأرْسَلَه نَهارًا، فلَقَطَ حَبًّا، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّ العادَةَ إرْسالُه.

2369 -

مسألة: (وقيلَ: في الكَلْب رِوَايتانِ في الجُمْلَةِ)

إحداهما، يَضْمَنُ، سَواءٌ كان في مَنْزِلِ صاحِبِه أَو خارِجًا، وسَواءٌ دَخَل بإذْنِ صاحِبِ المَنْزِلِ أو بغيرِ إذْنِه؛ لأنَّ اقْتِناءَه الكَلْبَ العَقُورَ سَبَبٌ للعَقْرِ وأَذى الناسِ، فضَمِنَ صاحِبُه، كَمن رَبَط دابَّةً في طَرِيقٍ ضَيِّقٍ.
والثانيةُ،

..................................  لا يَضْمَنُ؛ لقولِه، عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «العَجْماءُ 1 جُبَارٌ 2». ولأنَّه أتْلَفَ مِن غيرِ أن تكونَ يَدُ صاحِبِه عليه، أشْبَهَ سائِرَ البَهائِمِ.

وَإِنْ أَجَّجَ نَارًا فِي مِلْكِهِ، أَوْ سَقَى أَرْضَهُ، فَتَعَدَّى إلَى مِلْكِ

2370 - مسألة: (وإن أَجَّجَ نارًا في مِلْكِه، أو سَقَى أرْضَه،

غَيرِهِ فَأَتْلَفَهُ، ضَمِنَ إِذَا كَانَ قَدْ أَسْرَفَ فِيهِ، أوْ فَرَّطَ، وَإلَّا فَلَا.
فتَعَدَّى إلى مِلْكِ غيرِه فأتْلَفَه، ضَمِنَ إذا كان قد أَسْرَفَ فيه، أو فَرَّطَ، وإلَّا فلا) وجُمْلَتُه، أنَّه إذا فَعَل ذلك، لم يَضْمَنْ إذا كان ما جَرَتْ به العادَةُ مِن غيرِ تفرِيطٍ؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ، ولأنَّها سِرَايَة فِعْلٍ مُباحٍ، فلم يَضْمَنْ، كسِرَايَةِ القَوَدِ.
وفارَقَ مَن حَلَّ وكَاءَ زِقٍّ فانْدَفَقَ؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بحَلِّه، ولأنَّ الغالِبَ خُروجُ المائِعِ مِن الزِّقِّ المَفْتوحِ، بخِلافِ هذا.
فإن كان بتَفْرِيطٍ منه أو إسْرافٍ؛ بأن أَجَّجَ نارًا تَسْرِى في العادَةِ لكَثْرَتِها، أو في رِيحٍ شَدِيدَةٍ تَحْمِلُها، أو فَتَحَ ماءً كثيرًا يتَعَدَّى، أو فَتَح الماءَ في أرْضِ غيرِه، أو أَوْقَدَ في دارِ غيرِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ به وإن سَرَى إلى غيرِ الدّارِ التي أَوْقَدَ فيها، والأرضِ التي فَتَحَ الماءَ فيها؛ لأنَّها سِرَايَةُ غدْوانٍ، أشْبَهَ سِرايَةَ الجُرْحِ الذي تَعَدَّى به.
وكذلك 1 إن يَبَّسَتِ النارُ أغْصانَ شَجَرَةِ غيرِه، يَضْمَن؛ لأنَّ ذلك لا يكونُ إلَّا مِن نارٍ كَثِيرَةٍ، إلَّا أن تكونَ الأغْصان في هَوائِه، فلا يَضْمَنُ؛ لأنَّ دُخُولَها إليه غيرُ مُسْتَحَقٍّ، فلا يُمْنَعُ مِن التَّصَرُّفِ في دارِه؛ لحُرْمَتِها.
ومَذْهَبُ الشافِعِيِّ كما ذَكَرْنا في هذا الفصلِ.

..................................  فصل: وإن ألْقَتِ الرِّيحُ إلى دارِه ثَوْبَ غيرِه، لَزِمَه حِفْظُه؛ لأنَّه أمانَةٌ حَصَلَتْ تحتَ يَدِه، أشْبَهَتِ اللُّقَطَةَ.
فإن لم يَعْرِفْ صاحِبَه، فهو لُقَطَةٌ يَثْبُتُ فيها أحْكامُها.
وإن عَرَف صاحِبَه، لَزمَه إعْلَامُه، فإن لم يَفْعَلْ، ضَمِنَه؛ لأنَّه أمْسَكَ مال غيرِه بغيرِ إذنِه مِن غيرِ تَعْرِيفٍ، فهو كالغاصِبِ.
وإن سَقَط طائِرٌ في دارِه، لم يَلْزَمْه حِفْظُه، ولا إعْلامُ صاحِبِه؛ لأنَّه مَحْفُوظٌ بنَفْسِه، إلَّا أن يكونَ غيرَ مُمْتَنِعٍ، فهو كالثَّوْبِ.
وإن دَخَل بُرْجَه، فأغْلَقَ عليه البابَ ناويًا إمْساكَه لنَفْسِه، ضَمِنَه؛ لأنَّه أمْسَكَ مال غيره لنَفْسِه، فهو كالغاصِبِ، وإلَّا فلا ضَمان عليه؛ لأنَّه يَتَصَرَّف في بُرْجِه كيف شاءَ، فلا يَضْمَنُ مال غيرِه بتَلَفِه ضِمْنًا 1، لتَصَرُّفِه الذي لم يَتَعَدَّ فيه.

وَإِنْ حَفَرَ في فِنَائِهِ بِئْرًا لِنَفْسِهِ، ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا.

2371 - مسألة: (وإن حَفَر في فِنائِه بِئْرًا لنَفْسِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ بها)

الفِنَاءُ ما كان خارِجَ الدّارِ قَرِيبًا منها.
إذا حَفَر في الطَّرِيقِ بِئْرًا لنَفْسِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ بها، سَواءٌ حَفَرَها بإذْنِ الإِمامِ أو بغيرِ إذْنِه، وسَواءٌ كان فيها ضَرَرٌ أو لا.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: إن حَفَرَها بإذْنِ الإِمامِ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ للإِمَام أن يَأْذَنْ في الانْتِفاعِ بما لا ضَرَرَ فيه، بدَلِيلِ أنَّه يَجُوزُ أن يَأْذَنَ في القُعُودِ 1 فيه، ويُقْطِعَه لمَن يَبِيعُ فيه.
ولَنا، أنَّه تَلِفَ بحَفْرِ حُفْرَةٍ في مَكانٍ مُشْتَرَكٍ بغيرِ إذْنِ أهْلِه لغيرِ مَصْلَحَتِهم،

وَإِنْ حَفَرَهَا في سَابِلَةٍ؛ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَضْمَنْ، في أَصَحِّ الرِّوَايَتَينِ.
فضَمِنَ, كما لو لم يَأْذَنْ فيه الإِمَامُ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ للإِمامِ الإِذْنَ في هذا.
وإنَّما جازَ الإِذْنُ في القُعُودِ (1)؛ لأنَّه لا يَدُومُ، ويُمْكِنُ إزَالتُه في الحالِ، أشْبَهَ القُعُودَ في المَسْجِدِ، ولأنَّ (2) القُعُودَ جائِزٌ مِن غيرِ إذْنِ الإِمَام، بخِلافِ الحَفْرِ.

2372 -

مسألة: (وإن حَفَرَها في سابِلَةٍ؛ لنَفْعِ المسلمينَ، لم يَضْمَنْ، في أصَحِّ الرِّوايَتَين)

مثلَ أن يَحْفِرَها ليَنْزِلَ فيها ماءُ المَطَرِ، أو ليَشْرَبَ منه المارَّةُ، ونحو هذا، فلا يَضْمَنُ؛ لأنَّه مُحْسِنٌ بفِعْلِه غيرُ مُتَعَدٍّ، أشْبَهَ باسِطَ الحَصِيرِ في المَسْجِدِ.
وقال بعضُ أصحابِنا: لا يَضْمَنُ إذا12

..................................  كان بإذْنِ الإمامِ، وإن كان بغيرِ إذْنِه، لم يَضْمَنْ في إحدى الرِّوايَتَين، فإنَّ أحمدَ مَال في رِوايَةِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ: إذا أَحْدَثَ بِئْرًا لماءِ المَطَرِ، ففيه 1 نَفْعٌ للمُسْلِمِينَ، أَرْجُو أن لا يَضْمَنَ.
والثانيةُ، يَضْمَنُ.
أَوْمَأَ إليه أحمدُ؛ لأنَّه افْتأَتَ علي الإِمَامِ.
ولم يَذْكُرِ المَاضِي سِوَى هذه الرِّوايَةِ.
والصَّحِيحُ الأوّلُ؛ لأن هذا مِمّا تَدْعُو الحاجَةُ إليه، ويَشُقُّ اسْتِئْذانُ الإِمَامِ فيه، وتَعُمُّ البَلْوَى به، ففي وُجُوبِ الاسْتِئْذانِ فيه تَفْويتٌ لهذه المَصْلَحَةِ العامَّةِ؛ لأنَّه لا يَكادُ يُوجَدُ مَن يَتَحَمَّلُ كُلْفَةَ الاسْتِئْذانِ والحَفْرِ معًا، فتَضِيعُ هذه المَصْلَحَةُ، فوَجَبَ سُقُوطُ الاسْتِئْذانِ, كما في سائِرِ المَصالِحِ العَامّةِ؛ مِن بَسْطِ حَصِيرٍ في المَسْجِدِ، أو وَضْعِ سِرَاجٍ، أو رَمِّ شَعَثٍ، وأشْباهُ ذلك.
وحُكمُ البِناءِ في الطَّرِيقِ حُكْمُ الحَفْرِ فيها، على ما ذَكَرْنا مِن التَّفْصِيلِ والخِلافِ، وهو أنَّه متى بَنَى بِناءً يَضُرُّ؛ لكَوْنِه في طَرِيقٍ ضَيِّقٍ،

..................................  أو واسِعٍ إلَّا أنَّه يَضُرُّ بالمارَّةِ، أو بَنَى 1 لنَفْسِه، ضَمِن ما تَلِفَ به، وسَواءٌ في ذلك كلِّه إذْنُ الإِمَامِ وعَدَمُ الإِذْنِ.
قال شيخُنا 2: ويَحْتَمِلُ أن يُعْتَبَرَ إذْنُ الإِمامِ في البِنَاءِ لنَفْعِ المُسْلِمينَ دونَ الحَفْرِ؛ لأنَّ الحَفْرَ تَدْعُو الحاجَةُ إليه لنَفْعِ الطَّرِيقِ، وإصْلاحِها، وإزالةِ الطِّينِ والماءِ منها، بخِلافِ البِناء، فجَرَى حَفْرُها مَجْرَى تَنْقِيَتها، وحَفْرِ هِدْفَةٍ 3 منها، وقَلْعِ حَجَرٍ يَضُرُّ بالمارَّةِ، ووَضْعِ الحَصَى في حُفْرَةٍ فيها [لِيَمْلَأَها ويُسَهِّلَها] 4 بإزَالةِ الطِّينِ ونحوه منها، وتَسْقِيفِ ساقِيةٍ فيها، ووَضْعِ حَجَرٍ في [طِينِ فيها] 5 ليَطَأَ الناسُ عليه، فهذا كُلُّهُ مُباحٌ، لا يَضْمَنُ ما

..................................  تَلِفَ به.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وكذلك يَنْبَغِي أن يكونَ في بِناءِ القَناطِرِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُعْتَبَرَ إذْنُ الإِمَامِ فيها؛ لأنَّ مَصْلَحَتَه لا تَعُمُّ، بخِلافِ غيرِه.
قال بعضُ أصحابِنا في حَفْرِ البِئْرِ: يَنْبَغِي أن يَتَقَيَّدَ سُقُوطُ الضَّمانِ إذا حَفَرَها في مَكانٍ مائِلٍ عن القارِعَةِ، وجَعَل عليه حاجِزًا يُعْلَمُ به ليُتَوَقَّى.

..................................  فصل: وإن حَفَر العَبْدُ بِئْرًا في مِلْكِ إنْسانٍ بغيرِ إذْنِه، أو في طَرِيقٍ، يَتَضَرَّرُ به، ثم أُعْتِقَ، ثم تَلِفَ بها شيءٌ، ضَمِنَه العَبْدُ.
وبه قال الشّافِعِيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: الضَّمانُ على السَّيِّدِ؛ لأنَّ الجِنايَةَ بالحَفْرِ 1 في حالِ رِقِّه، وكان ضَمانُ جِنايَتِه حِينَئذٍ على سَيِّدِه، ولا يَزُولُ ذلك بعِتْقِه, كما لو جَرَح في حالِ رِقِّه ثم سَرَى جُرْحُه بعدَ عِتْقِه.
ولَنا، أنَّ التلَفَ المُوجِبَ للضَّمانِ وُجِدَ بعدَ العِتْقِ، فكان الضَّمانُ عليه, كما لو اشْتَرَى سَيفًا في حالِ

وَإِنْ بَسَطَ في مَسْجِدٍ حَصِيرًا، أَوْ عَلَّقَ فِيهِ قِنْدِيلًا، لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ.
رِقِّه ثم قَتَل به بعدَ عِتْقِه.
وفارَقَ ما قاسُوا عليه؛ لأنَّ الإِتْلافَ المُوجِبَ للضَّمانِ وُجِدَ حال رِقِّه، وههُنا حَصَل بعدَ عِتْقِه.
وكذلك القولُ في نَصْبِ حَجَرٍ أو غيرِه مِن الأسْبابِ التي يَجِبُ بها الضَّمانُ.

2373 -

مسألة: (وإن بَسَط في مَسْجِدٍ حَصِيرًا، أو عَلَّقَ فيه قِنْدِيلًا)

أو سَقَفَه، أو نَصَب عليه بابًا، أو جَعَل فيه رَفًّا ليَنْتَفِعَ به الناسُ، فتَلِفَ به شيءٌ، فلا ضَمانَ عليه.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: إن فَعَل شيئًا

..................................  مِن ذلك بغير إذْنِ الإِمامِ، ضَمِن في أحَدِ الوَجْهَين.
وقال أبو حنيفةَ: يَضْمَنُ إذا لم يَأْذَنْ فيه الجِيرانُ.
ولَنا، أنَّ هذا فِعْلٌ أحْسَنَ به ولم يَتَعَدَّ فيه، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به, كما لو أَذنَ فيه الإِمامُ والجِيرانُ، ولأَنه فَعَل ما يَنْتَفِعُ به المُسْلِمونَ غالِبًا، فلم يَضْمَنْ، كمَن مَهَّدَ الطَّرِيقَ، ولأنَّ هذا مَأذُونٌ فيه عُرْفًا؛ لأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بالتبَّرُّعِ به مِن غيرِ اسْتِئْذانٍ، فلم يَضْمَنْ فاعِلُه، كالمأْذُونِ فيه نُطْقًا.

وَإِنْ جَلَسَ في مَسجِدٍ أوْ طَرِيقٍ وَاسِعٍ فَعَثَرَ بِهِ حَيَوَانٌ، لَمْ يَضْمَنْ، في أَحَدِ الْوَجْهَينِ.

2374 - مسألة: (وإن جَلَس في مَسْجِدٍ أو طَرِيقٍ واسعٍ، فعَثَرَ به حَيوانٌ)

فتَلِفَ (لمِ يَضْمَنْ، في أحَدِ الوَجْهَين) لأنَّه جَلَس في مَكانٍ له الجُلُوسُ فيه مِن غيرِ تعَدٍّ على أحَدٍ.
وفي الآخرِ، يَضْمَن؛ لأنَّ الطَّرِيقَ إنَّما جُعِلَتْ للمُرُورِ فيها لا الجُلُوسِ، والمَسْجِدُ للصَّلَاةِ وذِكْرِ الله تِعالى.
والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّه فَعَل فِعْلًا مُباحًا.
وقولُهم: إنَّ الطَّرِيقَ إنَّما

..................................  جُعِلَتْ للمُرُورِ.
مَمْنوعٌ، فإنَّ الطَّرِيقَ الواسِعَ يُجْلَسُ فيه عادةً، وكذلك المَسْجِدُ جُعِلَ للصلاةِ وانْتِظارِها والاعْتِكافِ فيه في جَميعِ الأوْقاتِ، وبعضُها لا تُباحُ الصَّلاةُ فيه، ولأنَّ انْتِظارَ الصلاةِ والاعْتِكافَ قُرْبَةٌ، فلم يتَعَلَّقْ به الضَّمانُ، كالصلاةِ.
والله أعلمُ.

وَإِنْ أَخْرَجَ جَنَاحًا أَوْ مِيزَابًا إِلَى الطَّرِيقِ، فَسَقَطَ عَلَى شَيْءٍ أَتْلَفَهُ، ضَمِنَ.

2375 - مسألة: (وإن أخْرَجَ جَنَاحًا أو مِيزَابًا إلى الطَّرِيقِ، فسَقَطَ على شيءٍ فأتْلَفَه، ضَمِنَ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا أَخْرَجَ إلى الطَّرِيقِ النافِذِ جَناحًا، أو سابَاطًا، فسَقَطَ، أو شيءٌ منه على شيءٍ، فأتْلَفَه، ضَمِنَه المُخْرِجُ.
وقال أصحابُ الشافِعِيِّ: إن وَقَعَتْ خَشَبَةٌ ليست مُرَكَّبَةً على حائِطٍ، [وَجَب ضَمانُ ما أتْلَفَتْ، وإن كانت مُرَكَّبَةً على حائِطِه] 1، وَجَب نِصْفُ الضمانِ؛ لأنَّه تَلِفَ بما وَضَعَه على مِلْكِه ومِلْكِ غيرِه، فيُقْسَمُ الضَّمانُ عليهما.
ولَنا، أنَّه تَلِفَ بما أخْرَجَه إلى هَواءِ 2 الطَّرِيقٍ، فضَمِنَه, كما لو بَنَى حائِطَه مائِلًا إلى الطَّرِيقِ [فأَتْلَفَ، أو أقامَ خَشَبَةً في مِلْكِه مائِلَةً إلى الطريقِ] (1)، أو كما لو لم تَكُنِ الخَشَبَةُ الساقِطَةُ مَوْضُوعَةً على الحائِطِ.
ولأنَّه إخْراجٌ يَضمَنُ به البَعْضَ، فضَمِنَ به الكلَّ، كالذي

..................................  ذَكَرْنا.
ولأنَّه تَلِف بعُدْوانِه، فضَمِنَه, كما لو وَضَع البِناءَ على أرْضِ الطرَّيقِ.
والدَّلِيلُ على عُدْوانِه وُجُوبُ ضَمانِ البعضِ؛ لأنَّه لو كان مُباحًا لم يَضْمَنْ به، كسائِرِ المُباحاتِ، ولأنَّ هذه خَشَبَةٌ لو سَقَط الخارِجُ منها حَسْبُ، فأتْلَفَ شيئًا، ضَمِنَه، فيَجِبُ أن يَضْمَنَ ما أَتْلَفَ جَمِيعَها، كسائِرِ المَواضِعِ التي يَجِبُ الضَّمانُ فيها، ولأنَّنا لم نَعْلَمْ مَوْضِعًا يَجِبُ الضَّمانُ كلُّه ببعضِ الخَشَبَةِ ونِصْفُه بجَمِيعِها.
وإن كان إخْراجُ الجَناحِ إلى دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ بغيرِ إذْنِ أهْلِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ به وإن كان بإذْنِهِم، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ فيه.
فصل: وإن أخْرَجَ مِيزابًا إلى الطَّرِيقِ النافِذِ، فسَقَطَ على إنْسانٍ أو شيءٍ فأتْلَفَه، ضَمِن.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وحُكِيَ عن مالكٍ، أنَّه لا يَضْمَنُ ما أتْلَفَه؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ بإخْراجِه، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به, كما لو أخْرَجَه إلى مِلْكِه.
وقال الشافعيُّ: إن سَقَط كلُّه فعليه نِصْفُ الضَّمانِ؛ لأنَّه تَلِف بما وَضَعَه على مِلْكِه ومِلْكِ غيرِه، وإنِ انْقَصَفَ المِيزابُ فسَقَطَ منه الخارِجُ حَسْبُ، ضَمِنَ الجَمِيعَ؛ لأنَّه كلَّه في غيرِ مِلْكِه.
ولَنا، ما سَبَق في

جارٍ التحميل