..................................
فصل: فإن كان المُدَّعِي امْرأةً، فرُويَ عن أحمدَ، أنَّ دَعْوَتَها تُقْبَلُ، ويَلْحَقُها نَسَبُه؛ لأنَّها أحَدُ الأبَوَين، أشْبَهَتِ الأبَ، ولأنَّه يُمْكِنُ كَوْنُه منها، كما يُمْكِنُ أن يكونَ مِن الرَّجُلٍ بل أكْثَرُ؛ لأنَّها تَأْتِي به مِن زَوْجٍ ووَطْءِ شُبْهةٍ، ويَلْحَقُها وَلَدُها مِن الزِّنى دُونَ الرَّجُلِ.
وقد رُوِيَ في قِصَّةِ داوُدَ وسُليمانَ، عليهما السلامُ، حين تحاكَمَ إليهما امْرأتان كان لهما ابْنان، فذَهَبَ الذِّئْبُ بأحَدِهما، فادَّعَتْ كلُّ واحِدَةٍ منهما أنَّ الباقِيَ ابْنُها، فحَكَمَ به داوُدُ للكُبْرَى، وحَكَم به سليمانُ للصُّغْرَى بمُجَرَّدِ
..................................
الدَّعْوَى منهما 1. وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ، يَلْحَقُ بها دُونَ زَوْجِها؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يَلْحَقَه نَسَبُ وَلَدٍ لم يُقِرَّ به.
ولذلك إذا ادَّعَى الرَّجُلُ نَسَبَه، لم يَلْحَقْ بزَوْجَتِه.
فإن قِيلَ: الرَّجُلُ يُمْكِنُ أن يكونَ له وَلَدٌ مِن امْرأةٍ أُخْرَى، ومِن أمَتِه، والمَرْأةُ لا يَحِلُّ لها نِكاحُ غيرِ زَوْجِها، ولا يَحِلُّ لغيرِه وَطْؤُها.
قُلْنا: يُمْكِنُ أن تَلِدَ مِن وَطْءِ شُبْهَةٍ أو غيرِه.
وإن كان الوَلَدُ يَحْتَمِلُ أن يكونَ مَوْجُودًا قبلَ تَزَوُّجِها بهذا الزَّوْجِ، أمْكَنَ أن يكُونَ مِن زَوْجٍ آخَرَ.
فإن قيل: إنَّما قُبِلَ الإقْرارُ بالنَّسَبِ مِن الزَّوْجِ لِما فيه من المَصْلَحَةِ ودَفْعِ العارِ عن الصَّبِيِّ، وصِيانَتِه عن النِّسْبَةِ إلى كَوْنِه وَلَدَ زِنًى، ولا يَحْصُلُ هذا بإلْحاقِ نَسَبِه بالمَرْأةِ، بل في إلْحاقِ نَسَبِه بها دُونَ زَوْجِها تَطَرُّقُ العارِ إليه وإليها.
قُلْنا: بل قَبِلْنا دَعْواه؛ لأنَّه يَدَّعِي حَقًّا لا مُنازِعَ له فيه، ولا مَضَرَّةَ فيه على أْحَدٍ، فَقُبِلَ قَوْلُه فيه، كدَعْوَى المالِ، وهذا مُتَحَقِّق في دَعْوَى المَرْأةِ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّها إن كانَتْ ذاتَ زَوْجٍ، لم يَثْبُتِ النَّسَبُ بدَعْواها؛ لإفْضائِه إلى إلْحاقِ النَّسَبِ بزَوْجِها بغيرِ إقْرارِه ولا رِضاه، أو إلى أنَّ امْرَأتَه وُطِئَتْ
..................................
بزِنًى أو شُبْهَةٍ، وفي ذلك ضَرَرٌ عليه، فلا يُقْبَلُ قَوْلُها فيما يُلْحِقُ الضَّرَرَ به.
وإن لم يَكُنْ لها زَوْجٌ، قُبِلَتْ دَعْواها؛ لعَدَمِ الضَّرَرِ.
وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ أيضًا.
ورُوِيَ عن أحمدَ رِوايةٌ ثالِثَةٌ، نَقَلَها الكَوْسَجُ عن أحمدَ، في امْرَأةٍ ادَّعَتْ وَلَدًا: إن كان لها إخْوةٌ أو نَسَبٌ مَعْرُوفٌ فلا تُصَدَّق إلَّا بِبَيِّنةٍ، وإن لم يَكُنْ لها دافِعٌ، لم يُحَلْ بينَها وبَينَه؛ لأنَّه إذا كان لها أهْلٌ ونَسَبٌ مَعْرُوفٌ، لم تَخْفَ ولادَتُها عليهم، ويَتَضرَّرُون بإلْحاقِ النَّسَبِ بها؛ لِما فيه مِن تَعْيِيرِهم بولادَتِها مِن غيرِ زَوْجِها، وليس كذلك إذا لم يَكُنْ لها أهْلٌ.
قال شَيخُنا 1: ويَحْتَمِلُ أن لا يَثْبُتَ النَّسَبُ بدَعْوَاها بحالٍ.
وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحاب الرَّأْي.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على أنَّ النَّسَبَ لا يَثْبُتُ بدَعْوَى المَرْأةِ؛ لأنَّها يُمْكِنُها إقامةُ البَيِّنَةِ على الولادَةِ، فلا يُقْبَلُ قَوْلُها بمُجَرَّدِه، كما لو عَلَّقَ زَوْجُها طَلَاقَهَا بولادَتِها.
ولَنا، أنَّها أحَدُ الوالِدَين، أشْبَهَتِ الأبَ، وإمْكانُ البَيِّنَةِ لا يَمْنَعُ قَبُولَ القَوْلِ، كالرَّجُلِ، فإنَّه يُمْكِنُه إقامَةُ البَيِّنَةِ أنَّ هذا وُلِدَ على فِراشِه.
وإن كان المُدَّعِي أمَةً فهي كالحُرَّةِ، إلَّا أنّا إذا قَبِلْنا دَعْواهَا في نَسَبِه، لم نَقْبَلْ قَوْلَها في رِقِّه؛ لأنَّنا لا نَقْبَلُ الدَّعْوَى فيما يَضُرُّه، كما لم نَقْبَلِ الدَّعْوَى في كُفْرِه إذا ادَّعَى نَسَبَه كافِرٌ.
وَإنِ ادَّعَاهُ اثْنَانِ أوْ أكْثَرُ، لِأَحَدِهِمْ بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ بهَا.
وَإنْ تَسَاوَوْا فِي الْبَيِّنَةِ أوْ عَدَمِهِا، عُرِضَ مَعَهُمَا عَلَى الْقَافَةِ أوْ مَعَ أقَارِبِهِمَا إِنْ مَاتَا.
2546 - مسألة: (فإنِ ادَّعاه اثْنان أو أكْثَرُ، لأحَدِهم بَيِّنةٌ، قُدِّمَ بها. فإنِ اسْتَوَوْا في الْبَيِّنَةِ أو عَدَمِها، عُرِضَ معهما على القافَةِ أو مع أقارِبِهما إن ماتا)
الكلامُ في ذلك في فُصُولٍ؛ أحدُها، أنه إذا ادَّعاه مُسْلِمٌ وكافِرٌ، أو حُرٌّ وعَبْدٌ، فهما سَوَاءٌ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: المُسْلِمُ أوْلَى مِن الذِّمِّيِّ، والحُرُّ أوْلَى مِن العَبْدِ؛ لأنَّ على اللَّقِيطِ ضَرَرًا في إلْحاقِه بالعَبْدِ والذِّمِّيِّ، فيكونُ إلْحاقُه بالحُرِّ المُسْلِمِ أوْلَى، كما لو تَنازَعُوا في الحَضانةِ.
ولَنا، أنَّ كُلَّ واحدٍ لو انْفَرَدَ صَحَّتْ دَعْوَتُه، فإذا تَنازَعُوا تَساوَوْا في الدَّعْوَى، كالأحْرارِ المُسْلِمِينَ.
وما ذَكَرُوه مِن الضَّرَرِ لا يَتَحَقَّقُ، فإنَّنا لا نَحْكُمُ برِقِّه ولا كُفْرِه.
ولا يُشْبِهُ النَّسَبُ الحَضانَةَ، بدَلِيلِ أنَّنا نُقَدِّمُ في الحَضانَةِ المُوسِرَ والحَضَرِيَّ، ولا نُقَدِّمُهُما في دَعْوَى
..................................
النَّسَبِ.
ولأنَّ الحَضانَةَ إنَّما يُراعَى فيها حَقُّ الطِّفْلِ حَسْبُ، وهاهُنا يَنْبَغِي أن يُرَاعَى حَقُّ المُدَّعِي أيضًا.
قال ابنُ المُنْذِرِ: إذا كان عَبْدٌ 1، امْرَأته أمَة، في أيدِيهما صَبِيٌّ، فادَّعَى رَجُلٌ مِن العَرَبِ امْرأتُه عَرَبِيَّة أنَّه ابْنُه مِن امْرأتِه، وأقامَ العَبْدُ بَيِّنةً بدَعْواه، فهو ابنُه في قولِ أبي ثَوْرٍ وغيرِه.
وقال أصحابُ الرأي: يُقْضَى به للعَرَبِيِّ، للعِتْقِ الذي يَدْخُلُ فيه، وكذلك إن كان المُدَّعِي مِن المَوالِي عِندَهم.
قال شَيخُنا 2: وهذا غيرُ صَحِيح؛ لأنَّ العَرَبَ وغيرَهم في أحْكامِ اللهِ تعالى ولُحُوقِ النَّسَبِ بهم سَواءٌ.
الفصلُ الثاني، أنَّه إذا ادَّعاهُ اثْنان أو أكثرُ، وكان لأحَدِهما بَيِّنة، فهو ابْنُه، وإن أقامَ كلُّ واحدٍ منهم بَيِّنةً، تَعارَضَتْ وسَقَطَتْ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اسْتِعْمالُها هاهُنا؛ لأنَّ اسْتِعْمالها في المالِ إمّا بقِسْمَتِه بين المُتنازِعَينِ، ولا يمكنُ هاهُنا، أو بالقُرْعَةِ، والقُرْعَةُ لا يَثْبُتُ بها النَّسَبُ.
فإن قِيلَ: إنما يَثْبُتُ هاهُنا بالبَيِّنةِ لا بالقُرْعَةِ، وإنَّما القُرْعَةُ مُرَجحَة.
قُلْنا: فيَلْزَم أنَّه إذا اشْتَرَكَ رَجُلانِ في وَطْءِ امْرأةٍ، وأتَتْ بوَلَدٍ، أن يُقْرَعَ بينَهما، ويكونَ لُحُوقه بالوَطْءِ لا بالقُرْعَةِ.
..................................
الفصلُ الثالثُ، أنَّه إذا لم تَكُنْ بَيِّنة، أو تعارَضَتْ بَيِّنتان وسَقَطَتا، أُرِيَ القافَةَ معهما، أو مع عَصَبَتِهما عند فَقْدِهِما، فَتُلْحِقهُ بمَن ألْحَقَتْه به منهما.
هذا قولُ أنس، وعطاءٍ، والأوْزاعِيِّ، والليثِ، والشافعيِّ، [وأبِي ثَوْرٍ] 1. وقال أصحابُ الرَّأي: لا حُكْمَ للقافَةِ، ويُلْحَقُ بالمُدَّعِيَين جميعًا؛ لأنَّ الحُكْمَ بالقِيافَةِ مَبْنِيٌّ على الشَّبَهِ والظَّنِّ والتَّخْمِينِ، فإنَّ الشَّبَهَ يُوجَدُ بين الأجانِبِ، ويَنْتَفِي بينَ الأقارِبِ، ولهذا رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ رَجُلًا أتَاهُ، فقال: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّ امْرَأتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أسْوَدَ.
فقال: «هَلْ لَكَ مِن إبلٍ؟» قال: نعم.
قال: «فما ألْوَانُهَا؟» قال: حُمْرٌ.
قال: «هَلْ فيها مِنْ أوْرَقَ؟» قال: نعم.
قال: «أنَّى أتاها ذَلِكَ؟» قال: لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَ.
قال: «وهذا لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَ».
مُتَّفَق عليه 2. قالوا: ولو كان الشَّبَهُ كافِيًا لاكتُفِيَ به في وَلَدِ المُلاعِنَةِ، وفيما إذا أقَرَّ أحَدُ الوَرَثةِ بأخٍ فأنْكَرَهُ الباقُونَ.
ولَنا، ما رُوِيَ
..................................
عن عائِشةَ، رَضِيَ الله عنها، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دَخَل عليها مَسْرُورًا تَبْرُقُ أسَارِيرُ وَجْهِه، فقال: «ألمْ تَرَي أنَّ مُجَزِّزًا المُدْلِجِيَّ نَظَر آنِفًا إلَى زَيدٍ وَأُسَامَةَ وَقَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُما وَبَدَتْ أقْدَامُهُمَا، فَقَال: إنَّ هَذِهِ الأقْدَامَ بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ؟».
مُتَّفَق عليه 1. فَلولا جَوازُ الاعْتِمادِ على القيَافَةِ لَما سُرَّ به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ولا اعْتَمَدَ عليه، ولأن عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، قَضَى به بحَضْرَةِ الصَّحابةِ، فلم يُنْكِرْه مُنْكِر، فكان إجْماعًا، ويَدُلُّ على ذلك قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في وَلَدِ المُلاعِنَةِ: «انْظُرُوهَا، فَإنْ جَاءَتْ بِهِ حَمْشَ السَّاقَين 2 كَأنه وَحَرَةٌ 3، فَلَا أرَاهُ إلا قَدْ كَذَبَ عَلَيهَا، وَإنْ جَاءَت بِهِ جَعْدًا، جُمالِيًّا 4، سَابغَ الألْيَتَين، خَدَلَّجَ السَّاقَين 5، فَهُوَ للَّذِي رُمِيَتْ بِهِ».
..................................
فأتَتْ به على النَّعْتِ المَكْرُوهِ، فقال النبيُّ: «لَوْلَا الأيمَانُ لَكَانَ لِيَ وَلَهَا شَأنٌ» 1. فحَكَم به النبي - صلى الله عليه وسلم - للَّذِي أشْبَهَهُ منهما.
وقَوْلُه: «لَوْلَا الأيمَانُ لَكَانَ لِيَ وَلَهَا شَانٌ».
يَدُلُّ على أنَّه لم يَمْنَعْه مِن العَمَل بالشَّبَهِ إلَّا الأيمانُ، فإذا انْتَفَى المانِعُ يَجِبُ العَمَلُ به لوُجُودِ مُقْتَضِيه.
وكذلك قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في ابنِ أمَةِ زَمْعَةَ، حينَ رأى به شَبَهًا بَيِّنا بعُتْبَةَ بنِ أبي وَقّاص: «احْتَجِبِي مِنْهُ يا سَوْدَةُ» 2. فعمِلَ بالشَّبَهِ في حَجْبِ
..................................
سَوْدَةَ.
فإن قِيلَ: فالحَدِيثانِ حُجَّة عليكُم؛ إذ لم يَحْكُمِ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشبَهِ فيهما، بل ألْحَقَ الوَلَدَ بزَمْعَةَ، وقال لعبدِ بنِ زَمْعَةَ: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ للْفِرَاش، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ».
ولم يَعْمَلْ بشَبَهِ وَلَد المُلاعِنَةِ في إقامَةِ الحَدِّ عليها لشَبَهِه بالمَقْذُوفِ.
قُلْنا: إنَّما لم يَعْمَلْ به في ابْنِ أمَةِ زَمْعَةَ؛ لأنَّ الفِراشَ أقْوَى، وتَرْكُ العَمَلِ بالبَيِّنةِ لمُعارَضَةِ ما هو أقْوى منها، لا يُوجب الإِعْراضَ عنها إذا خَلَتْ عن المُعارِضِ.
ولذلك ترَك إقامَةَ الحَد عليها مِن أجْلِ أيمانِها، بدَلِيلِ قولِه: «لَوْلَا الأيمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأنٌ».
على أنَّ ضَعْفَ الشَّبَهِ عن إقامَةِ الحَد لا يوجب ضَعْفَه عن إلْحاقِ النّسَبِ، فإنَّ الحَدَّ في الزنَى لا يَثْبُتُ إلَّا بأقْوَى البَيِّناتِ، وأكْثَرِها عَدَدًا، وأقْوَى الإِقْرارِ، حتى يُعْتَبَرَ فيه تَكْرارُه أرْبَعَ مَرَّاتٍ، ويُدْرَأ بالشُّبُهاتِ.
والنَّسَبُ يَثْبُتُ بشَهادَةِ امْرأةٍ على الولادَةِ، ويَثْبُتُ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مع ظُهُورِ انْتِفائِه، حتى لو أنَّ امْرَأةً أتَتْ بوَلَدٍ وزَوْجُها غائِبٌ منذ عِشْرين سَنة، لَحِقَه وَلَدُها، فكَيفَ يَحْتَجُّ على نَفيِه بعَدَمِ إقامَةِ الحَدِّ! لأَنه حَكَم بِظَنٍّ غالِبٍ ورَأىٍ راجِح، مِمَّن هو مِن أهْلِ الخِبْرَةِ، فجازَ، كقَوْلِ المُقَوِّمِين.
وقَوْلُهم: إنَّ الشَّبَهَ يجوزُ وُجُودُه = 149. وابن ماجه، في: باب الولد للفراش وللعاهر الحجر، من كتاب النكاح، وفي: باب لا وصية لوارث، من كتاب الوصايا.
سنن ابن ماجه 1/ 646، 647، 2/ 905. والدارمي، في: باب الولد للفراش، من كتاب النكاح.
وفي: باب في ميراث ولد الزنا، من كتاب الفرائض.
سننن الدارمي 2/ 152، 389. والإمام مالك، في: باب القضاء لإلحاق الولد بأبيه، من كتاب الأقضية.
الموطأ 2/ 739. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 37، 129، 200، 226، 237.
..................................
وعَدَمُه.
قُلْنا: الظّاهِرُ وُجُودُه، ولهذا قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حين قالتْ أمُّ سَلَمَةَ: أوَ تَرَى ذلك المَرْأةُ؟ قال: «فَمِنْ أينَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟» 1. والحَدِيثُ الذي احْتَجُّوا به حُجَّة عليهم؛ لأنَّ إنْكارَ الرَّجُلِ ولَدَه لمُخالفَةِ لَوْنِه لَوْنَه، وعَزْمَهُ على نَفْيِه لذلك، يَدُلُّ على أنَّ العادَةَ خِلافُه، وأنَّ في طِباعِ النّاسِ إنْكارَه، فإنَّ ذلك إنَّما يُوجَدُ نادِرًا، وإنَّما ألْحَقَه النبي - صلى الله عليه وسلم - به لوُجُودِ الفِراشِ، وتَجُوزُ مُخالفَةُ الظّاهِرِ للدَّلِيلِ، ولا يجوزُ تَرْكُه لغيرِ دَلِيل، ولأنَّ ضَعْفَه عن نَفْي النَّسَبِ لا يَلْزَمُ منه ضَعْفُه عن إثْباتِه.
فإنَّ النَّسَبَ يُحْتاطُ 2 لإِثْباتِه، ويَثْبُتُ بأدْنَى دَلِيل، ويَلْزَمُ مِن ذلك التَّشْدِيدُ في نَفْيِه، وأنَّه لا يَنْتَفِي إلَّا بأقْوَى الأدِلَّةِ، كما أنَّ الحَدَّ لمّا انْتَفَى بالشبْهَةِ، لم يَثْبُتْ إلَّا بأقْوَى دَلِيل، فلا يَلْزَمُ حِينَئذٍ مِن المَنْعِ مِن نَفيِه بالشَّبَهِ في الخَبَرِ المَذْكُورِ أن لا يَثْبُتَ به النَّسَبُ في مسألَتِنا.
فإن قيل: فهاهُنا إذا عَمِلْتُم بالقِيافَةِ فقد نَفيتُم النَّسَبَ عَمَّن لم تُلْحِقْه القافَةُ به.
قُلْنا: إنَّما انْتَسب هاهُنا لِعَدَم دَلِيله؛ لأنَّه لم يُوجَدْ إلَّا مُجَرَّدُ الدَّعْوَى، وقد عارَضَها مِثلُها، فسَقَطَ حُكْمُها، وكان الشَّبَهُ مُرَجِّحًا لأحَدِهما، فانْتَفتْ دَلالةُ الأخْرَى، فلَزِمَ انْتِفاءُ النَّسَبِ لانْتِفاءِ دَلِيله، وتَقْدِيمُ اللِّعانِ عليه لا يَمْنَعُ العَمَلَ به عندَ عَدَمِه، كاليَدِ تُقَدَّمُ عليها البَيِّنةُ، ويُعْمَلُ بها عندَ عَدَمِها.
فَإِنْ ألحَقَتْهُ بِأحَدِهِمَا، لَحِقَ بِهِ، وَإنْ ألْحَقَتْهُ بِهِمَا لَحِقَ بِهِمَا.
فصل: والقافَةُ قَوْمٌ يَعْرِفُون الأنْسابَ بالشَّبَهِ، ولا يَخْتَصُّ ذلك بقَبِيلَةٍ مُعَيَنةٍ، بل مَنْ عُرِفَ منه المَعْرِفةُ بذلك، وتَكَرَّرَتْ منه الإِصابَةُ، فهو قائِفٌ.
وقيل: أكثَرُ ما يكونُ في بَنِي مُدْلِجٍ رَهْطِ مُجَزِّزٍ الذي رَأى أسَامَةَ وزَيدًا قد غَطَّيا رُءُوسَهُما وبَدَتْ أقْدامُهُما، فقال: إنَّ هذه الأقْدامَ بعضُها مِن بعضٍ.
وكان إيَاسُ بنُ مُعاويةَ المُزَنِيُّ قائِفًا، وكذلك قِيلَ في شُرَيحٍ.
2547 -
مسألة: (فإن ألْحَقَتْه بأحَدِهما، لَحِقَ به)
لتَرَجُّحِ جانِبِه (وإن ألْحَقَتْه بهما لَحِقَ بهما) وكان ابنَهما يَرِثُهُما مِيراثَ ابْن، ويَرِثانِه جميعا مِيراثَ أبٍ واحدٍ.
يُرْوَى ذلك عن عُمَرَ، وعَلِي، رَضِيَ اللهُ عنهما.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ.
وقال أصحابُ الرَّأي: يُلْحَقُ بهما بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى.
وقال الشافعيّ: لا يُلْحَقُ بأكْثَرَ مِن واحدٍ، فإن ألْحَقَتْهُ بهما سَقَط قَوْلُهما، ولم يُحْكَمْ به.
واحْتَجَّ برِوايةٍ عن عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ القافَةَ قالت: قد 1 اشْتَرَكَا فيه.
فقال عُمَرُ: وَالِ أيهما شِئْتَ.
ولأنَّه لا يُتَصَوَّرُ كَوْنُه مِن رَجُلَين، فإذا ألْحَقَتْه القافَةُ بهما تَبَينا كَذِبَهُما، فسَقَطَ قَوْلُهما، كما
..................................
لو ألْحَقَتْه بأمَّينِ، ولأنَّ المُتَداعِيَينِ لو اتَّفَقَا على ذلك، لم يَثْبُتْ، ولو ادَّعاهُ كلُّ واحدٍ منهما وأقامَ بَيِّنةً، سَقَطَتا، ولو جاز أن يُلْحَقَ بهما لثَبَتَ باتِّفاقِهِما، وألحِقَ بهما عندَ تَعارُضِ بَينتِهما.
ولَنا، ما روَى سَعِيدٌ في «سُنَنِه»، ثنا سُفْيانُ، عن يَحْيى بنِ سعيدٍ، عن سلَيمانَ بنِ يَسارٍ، عن عُمَرَ في امْرَأةٍ وَطِئَها رَجُلان في طُهْر، فقال القائِفُ: قد اشْتَرَكا فيه جَمِيعًا.
فجَعَلَه بَينَهُما.
وبإسْنادِه عن الشَّعْبِيِّ قال: وعلى يقولُ: هو ابْنُهُما وهما أبوَاه، يَرِثُهُما ويَرِثانِه.
ورَواه الزُّبَيرُ بنُ بَكّارٍ بإسْنادِه عن عُمَرَ.
وقال الإمامُ أحمدُ: حَدِيثُ قَتادَةَ عن سَعيدٍ عن عُمَرَ جَعَلَه بينَهما.
وقال قابُوسٌ، عن أبيه، عن عَلِيّ 1، جَعَلَه بَينَهُما.
وروَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه، عن سَعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، في رَجُلين اشْتَركا في طُهْرِ امْرأةٍ، فحَمَلَتْ، فوَلَدَتْ غُلامًا يُشْبِهُهُما، فَرُفِعَ ذلك إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فدَعَى القافَةَ فنَظَرُوا، فقالوا: نَراهُ يُشْبِهُهما.
فألْحَقَه بهما وجَعَلَه يَرِثُهُما ويَرِثانِه 2. قال سعيدٌ: عَصَبَتُه الباقِي منهما.
وما ذَكَرُوه عن عُمَرَ لا نَعْلَمُ صِحَّتَه، وإن صَحَّ، فيَحْتَمِلُ أنَّه تَرَك قَوْلَهما لأمْر آِخَرَ، إمّا لِعَدَمِ ثِقَتِهما، وإمّا لأنَّه ظَهَر له مِن قَوْلِهما واخْتِلافِه ما يُوجِبُ ترْكَه،
وَلَا يُلْحَقُ بِأكْثَرَ مِنْ أمٍّ وَاحِدَةٍ.
فلا يَنْحَصِرُ المانِعُ مِن قَبُولِ قَوْلِهِما أنَّهما اشْتَرَكا فيه.
قال أحمدُ: إذا ألْحَقَتْه القافَةُ بهما وَرِثَهُما ووَرِثاه، فإن مات أحَدُهما فهو للباقِي منهما، ونَسَبُهُ مِن الأوَّلِ قائِم لا يُزِيلُه شيء.
ومَعْنَى قولِه: هو للباقِي منهما.
واللهُ أعلَمُ، أنَّه يَرِثُه مِيراثَ أبٍ كامِل، كما أنَّ الجَدَّةَ إذا انْفَرَدَتْ أخَذَتْ ما تَأخُذُه الجَدَّاتُ، والزَّوْجَةُ تَأخذُ وَحْدَها ما يَأخُذُ جَمِيعُ الزَّوْجاتِ.
2548 -
مسألة: (ولا يُلْحَقُ بأكْثَرَ مِن أمٍّ واحِدَةٍ)
إذا ادَّعَتِ امْرَأتانِ نَسَبَ اللَّقِيطِ، فهو مَبْنِيٌّ على قَبُول دَعْوَتِهما.
وقد ذَكَرْنا ذلك.
وإن كانت إحداهُما مِمَّن تُقْبَلُ دَعْوَتُها دُونَ الأخْرَى فهو ابْنُها، كالمُنْفَرِدَةِ، وإن كانتا مِمّن لا تُقْبَلُ دَعْوَتُهما فوُجُودُها كَعَدَمِها، وإن كانتا جميعًا مِمَّن تُقْبَلُ دَعْوَتُهُما، فهما في إثْباتِه بالبَينةِ وكَوْنِه يُرَى القافةَ عندَ عَدَمِها أو تَعارُضِهما كالرَّجُلَين.
قال أحمدُ، في رِوايَةِ بَكْرِ بنِ محمدٍ، في يَهُودِيَّةٍ ومُسْلِمَةٍ وَلَدَتا، فادَّعَتِ اليَهُودِيَّةُ وَلَدَ المُسْلِمَةِ، فتَوَقَّفَ، فَقِيلَ: يُرَى القافةَ.
فقال: ما أحْسَنَهُ.
ولأنَّ الشَّبَهَ يُوجَدُ بينها وبين ابْنِها كوُجُودِه بين الرَّجُلِ وابْنِه، بل أكثَرُ، لاخْتصاصِها بحَمْلِه وتَغْذِيَته، والكافِرَةُ والمُسْلِمَةُ، والحُرَّةُ والأمَةُ، في الدَّعْوَى واحِدَة، كقَوْلِنا في الرِّجالِ.
وهذا قولُ أصحابِ الشافعيِّ على الوَجْهِ الذي يَقُولُون فيه 1 بقَبُولِ دَعْواها.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه لا يُلْحَقُ بأكْثَرَ مِن أم واحِدَةٍ، فإن ألْحَقَتْه
..................................
القافَةُ بأُمَّينِ، سَقَط قَوْلُهما، لأنَّنا 1 نَعْلَمُ خَطَأه قَطْعًا.
وقال أصحابُ الرَّأي: يُلْحَقُ بهما بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، لأنَّ الأمَّ أحَدُ الأبوَينِ، فجازَ أن يُلْحَقَ باثْنَتَين، كالآباءِ.
ولَنا، أنَّ هذا مُحَالٌ يَقِينًا، فلم يَجُزِ الحُكْمُ به، كما لو كان أكبَرَ منهما أو مِثْلَهُما، بخِلافِ الرَّجُلَينِ، فإنَّ كَوْنَه منهما مُمْكِنٌ، فإنَّه يَجُوزُ اجْتِماعُ نُطْفَتَي الرَّجُلَين في رَحِمِ امْرَأةٍ، فيُمْكِنُ أن يُخْلَقَ منهما وَلَدٌ كما يُخْلَقُ مِن نُطْفَةِ الرَّجُلِ الواحِدِ 2 والمَرْأةِ، ولذلك قال القائِفُ لعُمَرَ: قد اشْتَرَكَا فيه.
ولا يَلْزَمُ مِن إلْحاقِه بمَن يُتَصَوَّرُ كَوْنُه منه إلْحاقُه بمَن يَسْتَحِيلُ ذلك منه، كما لا يَلْزَمُ مِن إلْحاقِه بمَنْ يُولَد مِثْلُه لِمِثْلِه إلْحاقُه بأصْغَرَ منه.
فصل: فإنِ ادَّعَى نَسَبَه رَجُل وامْرَأةٌ فلا تَنَافِيَ بينَهُما، لإِمْكانِ كَوْنِه منهما بنِكاح كان بينهما، أو وَطْءِ شُبْهةٍ، فيُلْحَقُ بهما جميعًا، ويكونُ ابْنَهُما بمُجَرَّدِ دَعْواهما، كما لو انْفَرَدَ كلُّ واحِدٍ منهما بالدَّعْوَى.
وإن قال الرَّجُلُ: هذا ابْنِي مِن زَوْجَتِي.
وادَّعَتْ زَوْجَتُه ذلك، وادَّعَتْه امرأةٌ.
أخْرَى، فهو ابْنُ الرَّجُلِ، وتُرَجَّحُ زَوْجَتُه على الأخْرَى؛ لأنَّ زَوْجَها أبوه، فالظّاهِرُ أنَّها أمُّه.
ويًحْتَمِلُ أن يتَسَاوَيا، لأنَّ كلَّ واحِدَةٍ منهما لو انْفَرَدَتْ أُلحِقَ بها، فإذا اجْتَمَعَتا تَساوَتَا.
..................................
فصل: ولو وَلَدَتْ امْرأتانِ ابْنًا وبِنْتًا، فادَّعَتْ كل واحِدَةٍ منهما أنَّ الابنَ وَلَدُها، احْتَمَلَ وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، أن تَرَى المَرأتين القافَة مع الوَلَدَين، فيُلْحَقُ كل منهما بمَنْ ألْحَقَتْه به، كما لو لم يَكُنْ لهما وَلَدٌ آخَرُ.
والثاني، يُعْرَضُ لَبَنُهُما على أهْلِ الطِّبِّ والمَعْرِفَةِ، فإنَّ لَبَنَ الذَّكَرِ يُخالِفُ لَبَنَ الأنْثَى في طَبْعِه وزِنَتِه، وقد قيلَ: لَبَنُ الابنِ ثَقِيل، ولَبَنُ البِنْتِ خَفِيف.
فيُعْتَبران بطباعِهما ووَزْنِهِما؛ وما يَخْتَلِفانِ به عندَ أهْلِ المَعْرِفةِ، فمن كان لَبَنُها لَبَنَ الابن فهو وَلَدُها، والبِنْتُ للأخْرى.
فإن لم يُوجَدْ قافَةٌ اعْتُبِرَ باللَّبَنِ خاصَّة.
فأمّا إن تَنازَعا أحَدَ الولدين، وهما ذَكَرَانِ أو ابْنَتان، عُرِضُوا على القافَةِ.
كما ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ.
فصل: فإنِ ادَّعَى اللَّقِيطَ رَجُلانِ، فقال أحَدُهما: هو ابْنِي.
وقال الآخَرُ: هو ابْنَتِي.
فإن كان ابْنًا فهو لمُدَّعِيه، وإن كان بِنْتًا فهي لمدَّعِيها؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما لا يَسْتَحِقُّ غيرَ ما ادِّعاهُ.
فإن كان خُنْثَى مُشْكِلًا، أُرِيَ القافَةَ؛ لأنَّه ليس قولُ كلِّ واحدٍ منهما أوْلَى مِن الآخرِ.
فإن أقامَ كل واحدٍ منهما بَيِّنةً بما ادَّعاهُ، فالحُكْمُ فيهما كالحُكْم فيما لو انْفَرَدَ كل واحدٍ منهما بالدَّعْوَى؛ لأنَّ بَيِّنةَ الكاذِبِ منهما كاذِبَة فوُجُودُها كَعَدَمِها، والأُخْرَى صادِقَةٌ، فيَتَعَيَّنُ الحُكْمُ بها.
وَإنِ ادَّعَاهُ أكْثَرُ مِنِ اثْنَين فَألِحِقَ بِهِمْ، لَحِقَ بِهِمْ وإنْ كَثُرُوا.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: لَا يُلْحَقُ بِأكثرَ مِنِ اثنَينِ.
2549 - مسألة: (فإنِ ادَّعاهُ أكثرُ مِن اثْنَين فألْحَقَتْه بهم، لَحِقَ وإن كَثُروا)
وقد نَصَّ أحمدُ في رِوايَةِ مُهَنَّا، أنَّه يُلْحَقُ بثَلاثةٍ.
ومُقْتَضَى هذا أنَّه يُلْحَقُ بمَن ألْحَقَتْه القافَةُ، وإن كَثُرُوا.
(وقال ابنُ حامِدٍ: لا يُلْحَقُ بأكْثَرَ مِن اثْنَين) وهو قولُ أبي يُوسُفَ؛ لأنَّنا صِرْنا إلى ذلك للأثَرِ، فيُقْتَصَرُ عليه.
وقال القاضِي: لا يُلْحَقُ بأكثر مِن ثَلاثةٍ.
وهو قولُ محمدِ بنِ الحَسَنِ.
ورُوِيَ ذلك عن أبي يوسفَ أيضًا.
ولَنا، أنَّ المَعْنَى الذي لأجْلِه أُلحِقَ باثْنَين مَوْجُودٌ فيما زاد عليه، فيُقَاسُ عليه.
وإذا جازَ أن يُخْلَق مِن
..................................
اثْنَين، جازَ أن يُخْلَقَ مِن أكْثَرَ منهما.
وقولُهم: إنَّ إلْحاقَه باثْنَين على خِلافِ الأصْلِ.
مَمْنُوعٌ، وإن سَلَّمْناه، لكنّه ثَبَت لمَعْنى مَوْجُودٍ في غيره، فيَجِبُ تَعْدِيَةُ الحُكْمِ به، كما أنَّ إباحَةَ أكْلِ المَيتةِ عند المَخْمَصَةِ أُبِيحَ على خِلافِ الأصْلِ، ولا يَمْنَعُ مِن أن يُقاسَ على ذلك مالُ الغيرِ، والصَّيدُ الحَرَمِيُّ، وغيرُهما مِن المُحَرَّماتِ، لوُجُودِ المَعْنَى، وهو إبْقاءُ النَّفْسِ وتَخْلِيصُها مِن الهَلاكِ.
وأمّا قولُ مَن قال: يجوزُ إلْحاقُه بثَلاثةٍ، ولا يُزادُ عليه.
فَتَحَكُّمٌ، فإنَّه لم يَقتَصِرْ على المَنْصُوصِ عليه، ولا عَدَّى الحُكْمَ إلى ما في مَعْناه، ولا نَعْلَمُ في الثّلاثةِ مَعْنى خاصًّا يَقْتَضِي إلْحاقَ النَّسَبِ بهم دُونَ ما زاد عليهم، فلم يَجُزْ الاقْتِصارُ عليه بالتَّحَكُّمِ.
وَإنْ نَفَتْهُ الْقَافَةُ عَنْهُمْ، أوْ أشْكَلَ عَلَيهِمْ، أوْ لَمْ يُوجَدْ قَافَةٌ، ضَاعَ نسَبُهُ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ وَفِي الْآخَرِ، يُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَنْتَسِبَ إِلَى مَنْ شَاءَ مِنهُمْ.
أَوْمَأ إِلَيهِ أَحْمَدُ.
2550 - مسألة: (فإن نَفَتْه القافةُ عنهم، أو أشْكَلَ عليهم، أو لم يُوجَدْ قافَةٌ، ضاع نَسَبُه، في أحَدِ الوَجْهَين. وفي الآخَرِ، يُتْرَكُ حتى يَبْلُغَ فيَنْتَسِبَ إلى مَن شاءَ. أوْمَأ إليه أحمدُ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا ادَّعاهُ أكْثَرُ مِن واحدٍ وأُرِيَ القافَةَ فَنَفَتْه عنهم، أو لم يُوجَدْ قافَة، أو تَعارَضَتْ أقْوالُهم، أو لم يُوجَدْ مَن يُوثَقُ بقَوْلِه، لم يُرَجَّحْ أحَدُهم بذِكْرِ عَلامةٍ في جَسَدِه؛ لأنَّ ذلك لا يُرَجَّحُ به في سائِرِ الدَّعاوي، سِوَى الالْتِقاطِ في المالِ،
..................................
واللَّقِيطُ ليس بمالٍ، فعلى هذا، يَضِيعُ نَسَبُه.
هذا قولُ أبي بكرٍ؛ لأنَّه لا دَلِيلَ لأحَدِهم، أشْبَهَ مَن لم يَدَّعِ أحَدٌ نَسَبَه.
وقال ابنُ حامِدٍ: يُتْرَكُ حتى يَبْلُغَ فيَنْتَسِبَ إلى مَن شاء منهم.
قال القاضِي: وقد أوْمَأ أحمدُ إلى هذا في رَجُلَين وَقَعا على امْرأةٍ في طُهْرٍ واحدٍ، إلى أنَّ الابنَ يُخَيَّرُ أيهما أحَبَّ.
وهو قولُ الشافعيِّ في الجَدِيدِ، وقال في القَدِيمِ: حتى يُميِّزَ؛ لقَوْلِ عُمَرَ: وَالِ أيُّهُما شِئْتَ.
ولأنَّ الإِنْسانَ يَمِيلُ طَبْعُه إلى قَرِيبه دُونَ غيرِه، ولأنَّه مَجْهُولُ النَّسَبِ أقَرَّ به مَن هو مِن أهْلِ الإقْرارِ، فَثَبَتَ نَسَبُه، كما لو انْفَرَدَ.
وقال أصحابُ الرَّأي: يُلْحَقُ بالمُدَّعِيَين بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم لو انْفَرَدَ سُمِعَتْ دَعْواهُ، فإذا اجْتَمَعَا وأمْكَنَ
..................................
العَمَلُ بهما، وَجَب، كما لو أقَرَّ له بمالٍ.
ولَنا، أنَّ دَعْواهُما تَعارَضَت، ولا حُجَّةَ لواحدٍ منهما، فلم يَثْبُتْ، كما لو ادَّعَى رِقَّه، وليس هو في أيدِيهما.
قال شَيخُنا: وقولُ أبي بكر أقْرَبُ لِما ذَكَرْنا.
وقَوْلُهُم: يَمِيلُ طَبْعُه إلى قَرايَتِه.
قُلْنا: إنَّما يَمِيلُ إلى قَرابَته بعدَ مَعْرِفَةِ أنها 1 قَرابَتُه، فالمَعْرِفَة بذلك سَبَبُ المَيلِ، فلا يَثْبُتْ قبلَه، ولو سُلِّم ذلك، فإنَّه يَمِيلُ أيضًا إلى مَنْ أحْسَنَ إليه، فإنَّ القُلُوبَ جُبِلَتْ على حُبِّ مَن أحْسَنَ إليها وبُغْضِ مَن أساءَ إليها، وقد يَمِيلُ إليه لإساءَةِ الآخَرِ إليه، وقد يَمِيلُ إلى أحْسَنِهِما خُلُقًا وأعْظَمِهِما قَدْرًا أو جاهًا أو مالًا، فلا يَبْقَى للمَيلِ أثَر في الدَّلالةِ على النَّسَبِ.
ولا خِلافَ بين أصحابِنا في أنَّه لا يَثْبُتُ نسَبُه بالانْتِسابِ قبل البُلُوغِ.
قولُهم: إنَّه صَدَّقُ المُقِرَّ بنَسبِه.
قُلْنا: لا يَحِلُّ له تَصْدِيقُه،
..................................
فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَعَن مَن ادَّعَى إلى غيرِ أبِيه 1. وهذا لا 2 يَعْلَمُ أنه أبوه، فلا نَأمَنُ أن يكونَ مَلْعُونًا بتَصْدِيقِه.
ويُفارِقُ ما إذا انْفَرَدَ؛ فإنَّ المنْفَرِدَ يَثْبُتُ النَّسَبُ بقَوْلِه مِن غيرِ تَصْدِيقٍ، وقولُ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه: وَالِ أيَّهما شِئْتَ.
لم يَثْبُتْ، ولو ثَبَتَ لم يَكُنْ فيه حُجَّةٌ؛ لأنَّه إنَّما أمَرَه بالمُوالاةِ لا بالانْتِسابِ.
وعلى قولِ مَن جَعَل له الانْتِسابَ إلى أحَدِهما، إذا انْتَسَبَ إلى أحَدِهما، ثم عاد فانْتَسَبَ إلى الآخَرِ، أو نَفَى نَسَبَه مِن الأوَّلِ ولم يَنْتَسِبْ إلى أحَدٍ، لم يُقْبَلْ منه؛ لأنَّه قد ثَبَت نَسَبُه فلا يُقْبَلُ رُجُوعُه عنه، كما لو ادَّعَى مُنْفَرِدٌ نَسَبَه ثم أنْكَرَه.
ويُفارِقُ الصَّبِيَّ الذي يُخَيَّرُ بين أبوَيه فيَخْتارُ أحَدَهُما ثم يَرُدُّ إلى الآخَرِ، إذا اخْتارَه، فإنَّه لا حُكْمَ لقولِ الصَّبِيِّ، وإنَّما تَبعَ اخْتيارَه وشَهْوَتَه، فهو كما لو اشْتَهَى طَعامًا في يومٍ وغَيرَه في يومٍ آخَرَ.
فأمَّا إن قامَتْ للآخَرِ بَينةٌ بِنَسَبِه، عُمِلَ بها؛ لأنَّها تُبْطِلُ قولَ القافَةِ الذي هو مُقَدَّمٌ على الانْتِسابِ، فأوْلَى أن تُبْطِلَ الانْتِسابَ.
وإن وُجدَتْ قافَةٌ بعد انْتِسابِه، فألْحَقَتْه بغير مَن انْتَسَبَ إليه، بَطَل انْتِسابُه؛ لأنَّه أقْوَى، فبَطَلَ به الانْتِسابُ كالبَيِّنةِ مع القافَةِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِنْ وَطِئ اثْنَانِ امْرأةً بِشُبْهَةٍ، أوْ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً بَينَهُمَا فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، أوْ وُطِئَتْ زَوْجَةُ رَجُل أوْ أمُّ وَلَدِهِ بِشُبْهَةٍ، وَأتتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنْه، فَادَّعَى الزَّوْجُ أنهُ مِنَ الْوَاطِئ، أُرِيَ الْقَافَةَ جَمعَهُمَا.
2551 - مسألة: (وكذلك الحُكْمُ إن وَطِئ اثْنان امْرَأةً بشُبْهَةٍ، أو جارِيَةً مُشْتَرَكَةً بينهما في طُهْرٍ واحدٍ، أو وُطِئَتْ زَوْجَةُ رَجُلٍ أو أُمُّ ولَدِه بشُبْهَةٍ، وأتَتْ بوَلَدٍ يُمْكِنُ أن يكونَ منه، فادَّعَى الزَّوْجُ أنه مِن الواطِئَ، أُرِيَ القافَةَ معهما)
كاللَّقِيطِ، فأُلحِقَ بمَن ألْحَقُوه به منهما، سواءٌ ادَّعَياه أو جَحَداه أو أحَدُهُما، وقد ثَبَت الافْتِراشُ.
ذَكَرَه القاضِي.
وشَرَط أبو الخَطَّابِ في وَطْءِ الزَّوْجَةِ أن يَدَّعِيَ الزَّوْجُ أنَّه مِن الشُّبْهَةِ، ذَكَرَه في «المُحَرَّرِ».
وكذلك إن تَزَوَّجَها كلُّ واحدٍ منهما تَزْويجًا فاسدًا، أو كان نِكاحُ أحَدِهما صَحِيحًا والآخَرُ فاسِدًا، مثلَ أن يُطَلِّقَ امْرَأتَه فيَنْكِحَها غيرُه في عِدَّتِها ويَطَأها، أو يَبِيعَ أمَةً فيَطَأها المُشْتَرِي قبلَ اسْتِبْرَائِها، وتَأتِي بوَلَدٍ يُمْكِنُ أن يكونَ منهما، فإنَّه يُرَى القافَةَ معهما، فبأيهما ألْحَقُوه لَحِقَ.
والخِلافُ فيه كالخِلافِ في اللَّقِيطِ، على ما ذَكَرْنا.
وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ إلا أن يَكُونَ ذَكَرًا عَدْلًا، مُجَرَّبًا فِي الإصَابَةِ.
2552 - مسألة: (ولا يُقْبَلُ قولُ القائف إلا أن يكونَ ذَكَرًا عَدْلًا، مُجَرَّبًا في الإِصَابَةِ)
وفي اعْتِبارِ حُرِّيَّته وَجْهان مِن «المُحَرَّرِ» 1. القافَةُ قَوْمٌ يَعْرِفُون الأنْسابَ بالشَّبَهِ، ولا يَخْتَصُّ ذلك بقَبيلةٍ.
وقد قِيلَ: أكثرُ ما يكونُ ذلك في بَنِي مُدْلِجٍ رَهْطِ مُجَزِّزٍ المُدْلِجِيِّ.
وكان إياسُ بنُ مُعاويَةَ
..................................
المُزَنِيُّ قائِفًا.
ولا يُقْبَلُ قولُ القائِفِ إلَّا أن يَكُونَ ذَكَرًا عَدْلًا، مُجَرَّبًا في الإِصابَةِ؛ لأنَّ قَوْلَه حُكْمٌ، فاعْتُبِرَتْ له هذه الشُّرُوطُ.
قال القاضي، في مَعْرِفةِ القائِفِ بالتَّجْرِبةِ: هو أن يُتْرَكَ الصَّبِيُّ مع عَشَرَةِ رِجالٍ غيرِ مَن يَدَّعِيه، ويُرَى إيّاهُم، فإن ألْحَقَه بواحدٍ منهم، سَقَطَ قَوْلُه؛ لِتَبَيُّنِ خَطَئِه.
وإن لم يُلْحِقْه بواحدٍ منهم أرَيناهُ إيّاه مع عِشْرِينَ منهم مُدَّعِيه، فإن ألْحَقَه به لَحِق.
ولو اعْتُبِرَ بأن يَرَى صَبِيًّا مَعْرُوفَ النَّسَبِ مع قَوْم فيهم أبوه أو أخُوه، فإذا ألْحَقَه بقَرِيبِه، عُرِفَتْ إصابَتُه، وإن ألْحَقَه بغيرِه سَقَطَ قَوْلُه, جازَ.
وهذه التَّجْرِبَةُ عندَ عَرْضِه على القائِفِ للاحْتِياطِ في مَعْرِفَةِ إصَابَتِه، ولو لم نجَرِّبْه بعدَ أن يكونَ مَشْهُورًا بالإِصابَةِ وصِحَّةِ المَعْرِفَةِ في مَرّاتٍ كثيرةٍ، جازَ، فقد رُوِيَ أنَّ رَجُلًا شَرِيفًا شَكَّ في وَلَدِه مِن جارِيته، وأبى أن يَسْتَلْحِقَه، فمَر به إياسُ بنُ مُعاويَةَ في المَكْتَبِ، ولا يَعْرِفُه، فقال له: ادْعُ لي أباكَ.
فقال له المُعَلِّمُ: ومَن أبو هذا؟ قال: فلانٌ.
قال: مِن أين عَلِمْتَ أنَّه أبوه؟ قال: هو أشْبَهُ به مِن الغُرَابِ بالغُرَابِ.
فقامَ المُعَلِّمُ مَسْرُورًا إلى أبِيه فأعْلَمَه بقَوْلِ إياسٍ، فخَرَجَ الرَّجُلُ وسأل إياسًا: مِن أينَ عَلِمْتَ أنَّ هذا وَلَدِي؟ فقال: سُبْحانَ اللهِ، وهل يَخْفَى ذلك على أحَدٍ، إنَّه لأشْبَهُ بك مِن الغُرَابِ بالغُرَابِ.
فَسُرَّ الرجُلُ واسْتَلْحَقَ وَلَدَهُ.
..................................
فصل: نُقِلَ عن أحمدَ، أنَّه لا يُقْبَلُ إلَّا قَوْلُ اثْنَين مِن القافَةِ، ولَفْظُ الشَّهادَةِ منهما، فرَوَى عنه الأثْرَمُ أنَّه قِيلَ له: إذا قال أحَدُ القافَةِ: هو لهذا.
وقال الآخَرُ: هو لهذا.
قال: لا يُقبَلُ قَوْلُ واحدٍ حتى يَجْتَمِعَ اثْنانِ فيَكُونانِ
..................................
شاهِدَين.
فإذا شَهِدَ اثْنان مِن القافَةِ أنَّه لهذا، فهو لهذا؛ لأنَّه قَوْلٌ يَثْبُتُ به النَّسَبُ، أشبَهَ الشهادَةَ.
ولأنَّه حُكْمٌ بالشَّبَهِ في الخِلْقَةِ، فاعتُبِرَ فيه اثْنانِ، كالحُكْمِ بالمثلِ في جَزَاءِ الصَّيدِ.
وقال القاضِي: يُقْبَلُ قولُ الواحِدِ؛ لأنَّه حُكْم، ويَكْفِي في الحُكْمِ قَوْلُ واحدٍ.
وحَمَل كَلامَ أحمدَ على ما إذا تَعارَضَ قَوْلُ القائفين، فقال: إذا خالفَ القائِفُ غيرَه تَعارضا وسَقَطا.
ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اكْتَفَى بقَوْلِ مُجَزِّزٍ وحدَه.
فإن قال اثْنانِ قَوْلًا وخَالفَهُما واحدٌ، فقَوْلُهما أوْلَى؛ لأنَّه أقْوَى مِن قَوْلِ واحدٍ، وإن عارَضَ قَوْلُ اثْنَين قَوْلَ اثْنَينِ، سَقَطَ قولُ الجَمِيعِ.
فإن عارَضَ قولُ اثْنَين قولَ ثَلاثةٍ أو أكثَرَ، لم يُرَجَّحْ وسَقَط الجميعُ، كما لو كانت إحْدَى البَيِّنتَين اثْنَين، والأُخْرَى ثلاثةً، فأمّا إن ألْحَقَتْه القافةُ بواحِدٍ، فجاءَتْ قافَةٌ أُخْرَى فألْحَقَتْه بآخَرَ، كان للأوَّلِ؛ لأنَّ قَوْلَ القائِفِ جَرَى مَجْرَى حُكْمِ الحاكِمِ، إذا حَكَم حُكْمًا لم يَنْتَقِضْ بمُخَالفةِ غيرِه 1 له، وكذلك 2 لو ألْحَقَتْه بواحدٍ ثم عادَتْ فألْحَقَتْه بغيرِه كذلك.
وإن أقَامَ الآخَرُ بَيِّنةً أنَّه وَلَدُه، حُكِمَ له به وسَقَط قولُ القائِفِ؛ لأنَّه بَدَلٌ، فسَقَطَ بوُجُودِ الأصْلِ، كالتَّيَمُّمِ مع الماءِ.
..................................
فصل: وإذا ألْحَقَتْه القافَةُ بكافِرٍ أو رَقِيقٍ، لم يُحْكَمْ بكُفْرِه ولا رِقِّه؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ والإسْلامَ ثَبَتا له بظاهِرِ الدّارِ، فلا يَزُولُ ذلك بمُجَرَّدِ الشبَهِ والظَّنِّ، كما لم يَزُلْ ذلك بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِن المُنْفَرِدِ.
وإنَّما قَبِلْنا قولَ القافةِ في النَّسَب للحاجَةِ إلى إثْباتِه، ولكَوْنِه غيرَ مُخالِفٍ للظّاهِرِ، ولهذا اكْتَفَينا فيه بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِن المُنْفَرِدِ، ولا حاجَةَ إلى إثْباتِ رِقِّه وكُفْرِه، وإثْباتُهُما يُخالِفُ الظّاهِرَ.
..................................
فصل: لو ادَّعَى نَسَبَ اللَّقِيطِ إنْسان، فأُلحِقَ نَسَبُه به؛ لانْفِرادِه بالدَّعْوَى، ثم جاء آخَرُ فادَّعاهُ، لم يَزُلْ نَسَبُه عن الأوَّلِ؛ لأنَّه حُكِمَ له به، فلا يَزُولُ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى.
فإن ألْحَقَتْه به القافَةُ، لَحِقَ به وانْقَطَعَ عن الأوَّلِ، لأنَّها بَيِّنةٌ في إلْحاقِ النَّسَبِ، فيَزُولُ بها الحُكْمُ الثابِتُ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، كالشَّهَادَةِ.