فَإِنْ عَفَا مُطلَقًا، وَقُلْنَا: الْوَاجِبُ أحَدُ شَيْئَيْنِ فَلَهُ الدِّيَةُ.
وإِنْ قُلْنَا: الْوَاجِبُ الْقِصَاصُ عَيْنًا.
فَلَا شَىْءَ لَهُ.
بحِمْلِ جَذَعٍ غيرِ مَعْرُوفِ الصِّفَةِ، لم يَصِحَّ، فإن قَدَّرَ الأَرْشَ بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ فباعَه به، صَحَّ.
فصل: ومتى كان القِصاصُ لمَجْنُونٍ أو لصغيرٍ، لم يَجُزِ العَفْوُ إلى غيرِ مالٍ للوَلِىِّ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ إسْقاطَ حَقِّه.
وقد ذَكَرْناه.
فصل: ويَصِحُّ عَفْوُ المُفْلِسِ والمَحْجُورِ عليه لسَفَهٍ عن القِصاصِ؛ لأنَّه ليس بمالٍ.
وإن أراد المُفْلِسُ القِصاصَ، لم يكنْ لغُرَمائِه إجْبارُه على تَرْكِه.
وإن أحَبَّ العَفْوَ عنه إلى مالٍ، فله ذلك؛ لأَنَّ فيه حَظًّا للغُرَماءِ.
وإن أراد العَفْوَ إلى غيرِ مالٍ، انْبَنَى على الرِّوايتَيْنِ (وإن قُلْنا: الواجب القِصاصُ عَيْنًا) فله ذلك؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ له مالٌ يَتَعَلَّقُ به حَقُّ الغُرَماءِ (وإن قُلْنا: الواجِبُ أحَدُ شَيْئَيْن) لم يَمْلِكه؛ لأَنَّ المالَ يَجِبُ بقَوْلِه: عَفوْت
..................................
عن القِصاصِ.
فقَوْلُه: على غيرِ مالٍ.
إسْقاطٌ له بعدَ وُجُوبِه وتَعَيُّنِه، ولا يَمْلِكُ ذلك.
وهكذا الحكمُ في السَّفِيهِ ووارِثِ المُفلِسِ.
وإن عَفا المَرِيضُ على غيرِ مالٍ، فذَكَرَ القاضى في مَوْضِع، أنَّه يَصِحُّ، سواءٌ خَرَج من الثُّلُثِ أو لم يَخْرُجْ.
وذكَر أنَّ أحمدَ نَصَّ على ذلك.
وقال في مَوْضِعٍ: يُعْتَبَرُ خُرُوجُه مِن ثُلُثِه.
ولَعَلَّه يَنْبَنِى على الرِّوايَتَيْن في مُوجَبِ العَمْدِ، على ما مَضَى.
وَإِنْ مَاتَ الْقَاتِلُ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ فِى تَرِكَتِهِ،
4114 - مسألة: (وإن مات القاتِلُ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ في تَرِكَتِه)
لأنَّه تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ القِصاصِ مِن غيرِ إسْقاطٍ، فوَجَبَتِ الدِّيَةُ، كقَتْلِ غيرِ المُكافِئ.
وإن لم يُخَلِّفْ تَرِكَةً، سَقَط الحقُّ؛ لتَعَذُّر اسْتِيفائِه.
وَإِذَا قَطَعَ إِصْبَعًا عَمْدًا، فَعَفَا عَنْهُ، ثُمَّ سَرَتْ إِلَى الْكَفِّ أَوِ النَّفْسِ، وَكَانَ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ، فَلَهُ تَمَامُ الدِّيَةِ، وَإِنْ عَفَا عَلَى غَيْرِ مَالٍ، فَلَا شَىْءَ لَهُ، عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أنَّ لَهُ تَمَامَ الدِّيَةِ، وَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا، انْبَنَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِى مُوجَبِ الْعَمْدِ.
4115 - مسألة: (وإن قَطَع إصْبَعًا عمدًا، فعَفا عنه، ثم سَرَتْ إلى الكَفِّ أو النَّفْسِ، وكان العفْوُ على مالٍ، فله تَمامُ الدِّيَةِ، وإن عَفا على غيرِ مالٍ، فلا شئَ له، على ظاهِرِ كَلامِه.
ويَحْتَمِلُ أنَّ له تَمامَ الدِّيَةِ.
وإن عَفا مُطْلَقًا، انْبَنَى على الرِّوايَتَيْن في مُوجَبِ العمدِ)
وجملةُ ذلك، أَنَّه إذا جَنَى على إنْسانٍ فيما دُونَ النَّفْسِ جِنايةً تُوجِبُ القِصاصَ، كالإِصْبَعِ، فعَفا عن القِصاصِ، ثم سَرَتِ الجِنايةُ إلى نفسِه، فمات، لم يَجِبِ القِصاصُ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّ القِصاصَ يَجِبُ؛ لأَنَّ الجِنايةَ صارَتْ نَفْسًا، [ولم يَعْفُ عنها] 1. ولَنا،
..................................
أنَّه يَتَعَذَّر اسْتِيفاءُ القِصاصِ في النَّفْسِ دُونَ ما عَفا عنه، فسَقَطَ في النَّفْسِ، كما لو عَفا بعضُ الأوْلِياءِ، ولأَنَّ الجِنايةَ إذا لم يكنْ فيها قِصاصٌ مع إمْكانِه، لم يَجِبْ في سِرايَتها، كما لو قَطَع يَدَ مُرْتَدٍّ فأسْلَمَ ثم مات منها، ثم يُنْظرُ؛ فإن كان عَفا على مالٍ، فله الدِّيَةُ كاملةً، وإن عَفا على غيرِ مالٍ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ إلَّا 1 أرْشَ الجُرْحِ الذى عَفا عنه.
وبهذا قال الشَّافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تَجِبُ الدِّيَةُ كاملةً؛ لأَنَّ الجِنايةَ صارَتْ نَفْسًا، وحَقُّه في النَّفْسِ لا فيما عَفا عنه، وإنَّما سَقَط القِصاصُ للشُّبْهَةِ.
وإن قال: عَفَوْتُ عن الجِنايةِ.
لم يَجِبْ شئٌ؛ لأَنَّ الجِنايةَ لا تَخْتَصُّ القَطْعَ.
وقال القاضى، فيما إذا عَفا عن القَطْعِ: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ أَنَّه لا يَجِبُ شئٌ.
وبه قال أبو يُوسُفَ ومحمدٌ؛ لأنَّه قَطْعٌ غيرُ مَضْمُونٍ، فكذلك سِرايَتُه.
..................................
ولَنا، أنَّها سِرايَةُ جِنايةٍ أوْجَبَتِ الضَّمانَ، فكانت مَضْمُونَةً، كما لو لم يَعْفُ، وإنَّما سَقَطَتْ دِيَتها بعَفْوِه عنها، فيَخْتَصُّ السُّقُوطُ بما عَفا عنه دُون غيرِه، والمَعْفُوُّ عنه عُشْرُ الدِّيَةِ؛ لأَنَّ الجِنايَةَ أوْجَبَتْه، فإذا عَفا، سَقَط ما وَجَب دُونَ ما لم يَجِبْ، فإذا صارَتْ نَفْسًا، وَجَب بالسِّرايَةِ ما لم يَعْفُ عنه، ولم يَسْقُطْ أَرْشُ الجُرْحِ إذا لم يَعْفُ، وإنَّما تَكَمَّلَتِ الدِّيَةُ بالسِّرايةِ.
فصل: فإن كان الجُرْحُ لا قِصاصَ فيه، كالجائفةِ ونحوِها، فعَفا عن القِصاصِ فيه، فسَرَى إلى النَّفْسِ، فلوَلِيِّه القِصاصُ؛ لأَنَّ القِصاصَ لم يَجِبْ في الجُرْحِ، فلم يَصِحَّ العَفْوُ عنه، وإنَّما وَجَب القِصاصُ بعدَ عَفْوِه، وله العَفْوُ عن القِصاصِ، [وله كمالُ الدِّيَةِ.
وإن عَفا عن دِيَةِ الجُرْحِ، صَحَّ، وله بعدَ السِّرَايةِ دِيَةُ النَّفْسِ إلَّا أَرْشَ الجُرْحِ.
ولا يَمْتَنِعُ وُجُوبُ القِصاصِ] 1 في النَّفْسِ، مع أنَّه لا يَجِبُ كمالُ الدِّيَةِ بالعَفْوِ عنه، كما لو قَطَع يَدًا، فانْدَمَلَتْ واقْتَصَّ منها، ثم انْتَقَضَتْ وسَرَتْ إلى النَّفْسِ، فله القِصاصُ في النَّفْسِ، وليس له العَفْوُ إلَّا على نِصْفِ الدِّيَةِ.
فإن قَطَع يَدَه مِن نِصْفِ السّاعِدِ، فعَفا عن القِصاصِ، ثم سَرَى، فعلى قولِ أبى بكرٍ،
..................................
لا يَسْقُطُ القِصاصُ في النَّفْسِ؛ لأَنَّ القِصاصَ لم يَجِبْ، فهو كالجائِفَةِ.
ومَن جَوَّزَ له 1 القِصاصَ مِن الكُوعِ، أسْقَطَ القِصاصَ في النَّفْسِ، كما لو كان القَطْعُ مِن الكُوعِ.
وقال المُزَنِىُّ: لا يَصِحُّ العَفْوُ عن دِيَةِ الجُرْحِ قبلَ انْدِمالِه، فلو قَطَع يَدًا، فعَفا عن ديَتِها وقِصاصِها، ثم انْدَمَلَتْ، لم تَسْقُطْ دِيَتُها، وسَقَط قِصاصُها؛ لأَنَّ القِصاصَ قد وجَبَ فيها، فصَحَّ العَفْوُ عنه، بخِلافِ الدِّيَةِ.
ولا يَصِحُّ؛ لأَنَّ دِيَةَ الجُرْحِ إنَّما وَجَبَتْ بالجِنايةِ، إذ هى السَّبَبُ، ولهذا لو جَنَى على طَرَفِ عبدٍ ثم باعَه قبلَ بُرْئِه، كان أَرْشُ الطَّرَفِ لبائِعِه لا لمُشْتَرِيه، وتَأْخِيرُ المُطالَبَةِ به لا يَلْزَمُ منه عَدَمُ الوُجُوب وامْتِناعُ صِحَّةِ العَفْوِ، كالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ لا يَمْلِكُ المُطالَبَةَ به، ويَصِحُّ إسْقاطُه، كذا ههُنا.
فصل: وإن قَطَع إصْبَعًا، فعَفا المَجْنِىُّ عليه عن القِصاصِ، ثم سَرَتْ إلى الكَفِّ، ثم انْدَمَلَ، لم يَجِبِ القِصاصُ؛ لِما ذَكَرْنا في النَّفْسِ، ولأَنَّ القِصاصَ سَقَط في الإِصْبَعِ بالعَفْوِ، فصارتِ اليَدُ ناقِصَةً لا تُؤْخَذُ بها الكاملةُ.
ثم إن كان العَفْوُ إلى الدِّيَةِ، وَجَبَتْ دِيَةُ اليَدِ كلِّها 2، وإن كان على غيرِ مالٍ، خُرِّجَ فيه مِن الخِلافِ 3 ما ذَكَرْنا فيما إذا سَرَتْ إلى
وَإِنْ قَالَ الْجَانِى: عَفَوْتَ مُطْلَقًا.
أَوْ: عَفَوْتَ عَنْهَا وَعَنْ سِرَايَتِهَا.
قَالَ: بَلْ عَفَوْتُ إِلَى مَالٍ.
أَوْ: عَفَوْتُ عَنْهَا دُونَ سِرَايَتِهَا.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ،
النَّفْسِ.
فعلى هذا، تَجِبُ ههُنا دِيَةُ الكَفِّ إلَّا دِيَةَ الإِصْبَعِ.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وقال القاضى: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه لا يَجِبُ شئٌ.
وهو قولُ أبى يُوسُفَ، ومحمدٍ؛ لأَنَّ العَفْوَ عن الجنايةِ عَفْوٌ عمّا يَحْدُثُ منها.
وقد قال القاضى: إنَّ القِياسَ فيما إذا قَطَع اليَدَ، ثم سَرَى إلى النَّفْسِ، أن يَجِبَ نِصْفُ الدِّيَةِ.
فيَلْزَمُه أن يقولَ مِثْلَ ذلك ههُنا.
فصل: فإن قال: عَفَوْتُ عن الجِنايةِ وما يَحْدُثُ منها.
صَحَّ، ولم يكنْ له في سِرايَتِها قِصاصٌ ولا دِيَةٌ، في كلامِ أحمدَ.
4116 -
مسألة: (وإن قال الجانى: عَفَوْتَ مُطْلَقًا. أو: عَفَوْتَ عنها وعن سِرايَتِها. قال: بل عَفَوْتُ إلى مالٍ. أو: عَفَوْتُ عنها دُونَ سِرايَتِها. فالقولُ قولُ المَجْنِىِّ عليه)
أو وَلِيِّه [وإن] 1 كان الخِلافُ معه؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ العَفْوِ عن الجميعِ، وقد ثَبَت العَفْوُ عن البعضِ بإقْرارِه، فيكونُ [عَدَمُ العفوِ في سواه] 2 قولَه 3.
وَإِنْ قَتَلَ الْجَانِى الْعَافِىَ، فَلِوَلِيِّهِ الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ كَامِلَةً.
وَقَالَ الْقَاضِى: لَهُ الْقِصَاصُ أَوْ تَمَامُ الدِّيَةِ.
4117 - مسألة: (وإن قَتَل الجانى العافِىَ)
عمدًا (فلوَلِيِّهِ القِصاصُ أو الدِّيَةُ كامِلَةً.
وقال القاضى: له القِصاصُ أو تَمامُ الدِّيَةِ) إذا قَطَع يَدَه، فعَفا عنه، ثم عاد الجانى فقَتَل العافِىَ، فلوَلِيِّه القِصاصُ.
وهو ظاهِرُ 1 مَذْهَبِ الشافعىِّ.
وقال بعضُهم: لا قِصاصَ؛ لأن العَفْوَ حَصَل عن بعضِه، فلا يُقْتَلُ به، كما لو سَرَى القَطْعُ إلى نَفْسِه.
ولَنا، أنَّ القَتْلَ انْفَرَدَ عن القَطْعِ، فعَفْوُه 2 عن القَطْعِ لا يَمْنَعُ ما وَجَب بالقَتْلِ، كما لو كان القاطِعُ غيرَه.
وإنِ اخْتارَ الدِّيَةَ، فقال القاضى: إن كان العَفْوُ عن الطَّرَفِ إلى غيرِ دِيَةٍ، فله بالقَتْلِ نِصْفُ الدِّيَةِ.
وهو ظاهرُ مَذهَبِ الشافعىِّ؛ لأَنَّ القَتْلَ إذا تَعَقَّبَ الجِنايةَ قبلَ الانْدِمالِ، كان كالسِّرايَةِ،
وَإِذَا وَكَّلَ رَجُلًا فِى الْقِصَاصِ ثُمَّ عَفَا، وَلَمْ يَعْلَمِ الْوَكِيلُ حَتَّى اقْتَصَّ، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ.
وَهَلْ يَضْمَنُ الْعَافِى؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
وَيَتَخرَّجُ أَنْ يَضْمَنَ الْوَكِيلُ، وَيَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ فِى
ولذلك لو لم يَعْفُ، لم يَجِبْ أكثرُ مِن دِيَةٍ، والقَطْعُ يَدْخُلُ في القَتْلِ في الدِّيَةِ دُونَ القِصاصِ، ولذلك لو أراد القِصاصَ كان له أن يَقْطَعَ ثم يَقْتُلَ، ولو صار الأمرُ إلى الدِّيَةِ لم يَجِبْ إلَّا دِيَةٌ واحدةٌ.
وقال أبو الخَطَّابِ: له العَفْوُ إلى دِيَةٍ كاملةٍ.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعىِّ؛ لأَنَّ القَطْعَ مُنْفَردٌ عن القَتْلِ، فلم يَدْخُلْ حكمُ أحَدِهما في الآخَرِ، كما لو انْدَمَلَ.
ولأَنَّ القَتْلَ مُوجِبٌ للقَتْلِ، فأوْجَبَ الدِّيَةَ كاملةً، كما لو لم يَتَقَدَّمْه عَفوٌ.
وفارَقَ السِّرايةَ، فإنَّها لم تُوجِبْ قَتْلًا، ولأَنَّ السِّرايةَ عُفِىَ عن سَبَبِها، والقَتْلُ لم يُعْفَ عن شئٍ منه، ولا عن سَبَبِه.
وسَواءٌ فيما ذَكَرْنا كان العافى عن الجُرْحِ أخَذَ ديَةَ طَرَفِه أو لم يَأْخُذْها.
4118 -
مسَألة: (وإذا وَكَّلَ رجلًا في القِصاصِ ثم عَفا، ولم يَعْلَمِ الوَكِيلُ حتى اقْتَصَّ، فلا شئَ عليه.
وهل يَضْمَنُ العافى؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن.
ويَتَخَرَّجُ أن يَضْمَنَ الوَكِيلُ، ويَرْجِعَ به على المُوَكِّلِ فِى أحَدِ
أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَالْآخَرُ، لَا يَرْجِعُ بِهِ، وَيَكُونُ الْوَاجِبُ حَالًّا فِى مَالِهِ.
وَقَاَل أَبُو الْخَطَّابِ: يَكُونُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
الوَجْهَيْن؛ لأنَّه غَرَّه.
والآخَرُ، لا يَرْجِعُ به، ويكونُ الواجِبُ حالًّا في مالِه.
وقال أبو الخَطّابِ: يكونُ على عاقِلَتِه) إذا وَكَّلَ مَن يَسْتَوْفِى القِصاصَ، صَحَّ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
فإن وَكَّلَه، ثم غاب، وعفا المُوَكِّلُ عن القِصاصِ، واسْتَوْفَى الوَكِيلُ، نَظَرْنا؛ فإن كان عَفْوُه بعدَ القَتْلِ، لم يَصِحَّ؛ لأَنَّ حَقَّه قد اسْتُوفِىَ.
وإن كان قبلَه وقد عَلِم الوَكِيلُ به، فقد قَتَلَه ظُلْمًا، فعليه القَوَدُ، كما لو قَتَلَه ابْتِداءً.
وإن كان قَتَلَه قبلَ العِلْمِ بعَفْوِ المُوَكِّلِ، فقال أبو بكرٍ: لا ضَمانَ على الوكيلِ؛ لأنَّه لا تَفْرِيطَ منه، فإنَّ العَفْوَ حَصَل على وَجْهٍ لا يُمْكِنُ الوَكِيلَ اسْتِدْراكُه، فلم
..................................
يَلْزَمْه ضَمانٌ، كما لو عَفا بعدَ ما رَمَاه.
وهل يَلْزَمُ المُوَكِّلَ الضَّمانُ؟ فيه قَوْلان؛ أحَدُهما، لا ضَمانَ عليه؛ لأَنَّ عَفْوَه لم يَصِحَّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حُصُولِه في حالٍ لا يُمْكِنُه اسْتِدْراكُ الفِعْلِ، فوَقَعَ القَتْلُ مُسْتَحَقًّا له، فلم يَلْزَمْه ضَمانٌ، ولأَنَّ العَفْوَ إحْسانٌ، فلا يَقْتَضِى وُجُوبَ الضَّمانِ.
والثانى، عليه الضَّمانُ؛ لأَنَّ قَتْلَ المَعْفُوِّ عنه حَصَل بأمْرِه وتَسْلِيطِه، على وَجْهٍ لا ذَنْبَ للمُباشِرِ فيه، فكان الضَّمانُ على الآمِرِ، كما لو أَمَرَ عبدَه الأعْجَمِىَّ بقَتْلِ مَعْصُومٍ.
وقال غيرُ أبى بكرٍ: يُخَرجُ.
في صِحَّةِ العَفْوِ وَجْهان؛ بِناءً على الرِّوايتَيْن [في الوَكِيلِ] 1 هل يَنْعَزِلُ بعَزْلِ المُوَكِّلِ قبلَ عِلْمِه أو لا 2؟ وللشافعىِّ قَوْلان كالوَجْهَيْن.
فإن قُلْنا: لا يَصِحُّ العَفْوُ.
فلا ضَمانَ على أحدٍ؛ لأنَّه قَتَل مَن يجبُ قَتْلُه بأمْرِ مُسْتَحِقِّه.
وإن قُلْنا: يَصِحُّ العَفْوُ.
فلا قِصاصَ فيه؛ لأَنَّ الوَكِيلَ قَتَل مَن يَعْتَقِدُ إباحَةَ قَتْلِه بسَبَبٍ هو مَعْذُورٌ فيه، فأشْبَهَ ما لو قَتَل في دارِ الحَرْبِ مَن يَعْتَقِدُه حَرْبِيًّا [فبان مسلمًا] 3. وتَجِبُ الدِّيَةُ على الوَكِيلِ؛ لأنَّه لو عَلِم لوَجَبَ عليه
..................................
القِصاصُ، فإذا لم يَعْلَمْ، تَعَلَّقَ به الضَّمانُ، كما لو قَتَل مُرْتَدًّا قبلَ عِلْمِه بإِسْلامِه.
ويَرْجِعُ بها على المُوَكِّلِ؛ لأنَّه غَرَّه بتَسْلِيطِه على القَتْلِ وتَفْرِيطِه في تَرْكِ إعْلامِه بالعَفْوِ، فيَرْجِعُ عليه، كالغارِّ في النِّكاحِ بحُرِّيَّةِ أمَةٍ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَرْجِعَ عليه؛ لأَنَّ العَفْوَ إحْسانٌ منه، فلا يَقْتَضِى الرُّجُوعَ عليه، بخِلافِ الغارِّ بالحُرِّيَّةِ.
فعلى هذا، تكونُ الدِّيَةُ في مالِ الوَكِيلِ.
اخْتارَه القاضى.
وتكونُ حالَّةً؛ لأنَّه مُتَعَمِّدٌ للقَتْلِ، لكونِه قَصَدَه، وإنَّما سَقَط عنه القِصاصُ لمعنًى آخَرَ، فهو كقَتْلِ الأبِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: تكونُ على عاقِلَتِه؛ لأنَّه أُجْرِىَ مُجْرَى الخَطَأ، فأشْبَهَ ما لوِ قَتَل في دارِ الحَرْبِ مسلمًا يَعْتَقِدُه حَرْبِيًّا.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه ليس بعَمْدٍ مَحْضٍ، ولهذا لم يَجِبْ به القِصاصُ، فيكونَ عَمْدَ الخَطَأَ، فتَحْمِلَه العاقِلَةُ.
وهذا اخْتِيارُ شيخِنا 1. وقد دَلَّ على ذلك خَبَرُ المرأةِ التى قَتَلَتْ جارَتَها وجَنِينَها بمِسْطَحٍ 2، فقَضَى النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالدِّيَةِ على عاقِلَتِها 3. فعلى قولِ القاضى، إن كان المُوَكِّلُ عَفا إلى الدِّيَةِ، فله الدِّيَةُ في تَرِكَةِ الجانى، ولوَرَثَةِ الجانى مُطالَبَةُ الوَكِيلِ بدِيَتِه، وليس للمُوَكِّلِ مُطالَبَةُ الوَكِيلِ بشئٍ.
فإن قيل: فلِمَ قُلْتُم فيما إذا كان القِصاصُ لأخَوَيْن فقَتَلَه
..................................
أحَدُهما، فعليه نِصْفُ الدِّيَةِ، ولأخيه مُطالَبَتُه به في وَجْهٍ؟ قُلْنا: ثَمَّ أتْلَفَ حَقَّه، فرَجَعَ ببَدَلِه عليه، وههُنا أتْلَفَه بعدَ سُقُوطِ حَقِّ المُوَكِّلِ عنه، فافْتَرَقَا.
وإن قُلْنا: إنَّ الوَكِيلَ يَرْجِعُ على المُوَكِّلِ.
احْتَمَلَ أن تَسْقُطَ الدِّيَتان، لأنَّه لا فائدةَ في أن يَأْخُذَها الورثةُ مِن الوكيلِ، ثم يَدْفَعُوها إلى المُوَكِّلِ، ثم يَرُدَّها المُوَكِّلُ إلى الوَكِيلِ، فيكونُ تَكْلِيفًا لكلِّ واحدٍ منهم بغيرِ فائدةٍ.
ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ ذلك؛ لأَنَّ الدِّيَةَ الواجِبَةَ في ذِمَّةِ الوَكِيلِ لغيرِ مَن للوكيلِ الرُّجُوعُ عليه، وإنَّما تَتَساقَطُ الدِّيتَان إذا كان لكلِّ واحدٍ مِن الغَرِيمَيْن على صاحِبِه مِثْلُ ما له عليه.
ولأنَّه قد تكونُ الدِّيتَان مُخْتَلِفَتَيْن، بأن يكون أحَدُ المَقْتُولَيْن رجلًا والآخَرُ امرأةً.
فعلى هذا، يَأْخُذُ ورثةُ الجانِى دِيَتَه مِن الوكيلِ، ويَدْفَعُون إلى المُوَكِّلِ دِيَةَ وَلِيِّه، ثم يَرُدُّ المُوَكِّلُ إلى الوَكِيلِ قَدْرَ ما غَرِمَه.
وإن أحال وَرَثَةُ الجانِى على الوَكِيلِ، صَحَّ.
فإن كان الجانى أقَلَّ دِيَةً مِثْلَ أن تكونَ امرأةٌ قَتَلَتْ رجلًا، فقَتَلَها الوكيلُ، فلوَرَثَتِها إحالةُ 1 المُوَكِّلِ بدِيَتِها؛ لأنَّه القَدْرُ الواجِبُ لهم على الوكيلِ، فيَسْقُطُ عن الوكيلِ والمُوَكِّلِ جميعًا، ويَرْجِعُ المُوَكِّلُ على وَرَثَتِها بِنصْفِ دِيَةِ وَلِيِّه.
وإن كان الجانى رجلًا قَتَل امرأةً، فقَتَلَه الوَكِيلُ، فلوَرَثَةِ الجانى إحالةُ المُوَكِّلِ بدِيَةِ المرأةِ؛ لأَنَّ المُوَكِّلَ لا يَسْتَحِقُّ عليهم أكثرَ مِن دِيَتِها، ويُطالِبُون الوكيلَ بنِصْفِ دِيَةِ الجانى، ثم يَرْجِعُ به على المُوَكِّلِ.
وَإِذَا عَفَا عَنْ قَاتِلِهِ بَعْدَ الجُرْحِ، صَحّ.
4119 - مسألة: (وإن عَفا عن قاتِلِه بعدَ الجُرْحِ، صَحَّ)
وسَواءٌ عَفا بلَفْظِ العَفْوِ أو الوَصِيَّةِ؛ لأَنَّ الحَقَّ له، فصَحَّ 1 العَفْوُ عنه، كمالِه.
وممَّن قال بصِحَّةِ عَفْوِ المَجْرُوحِ عن دَمِه 2؛ مالكٌ، وطاوُسٌ، والحسنُ، وقَتادَةُ، والأوْزاعِىُّ.
فإن قال: عَفَوْتُ عن الجِنايةِ، وما يَحْدُثُ منها 3. ولم يكنْ له في سِرايَتِها قِصاصٌ ولا دِيَةٌ في كلامِ أحمدَ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: إذا قال: عَقَوْتُ عن الجِنايةِ، وما يَحْدُثُ منها.
ففيه قَوْلان؛ أحَدُهما، أنَّه وصيةٌ، فيَنْبَنِى على الوصيةِ للقاتلِ، وفيها قَوْلان؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ، فتَجِبُ دِيَةُ النَّفْس إلَّا دِيَةَ الجُرْحِ.
والثانى، يَصِحُّ، فإن خَرَج مِن الثُّلُثِ، سَقَطَتْ، وإلَّا سَقَط منها بقَدْرِ الثُّلُثِ، ووَجَب الباقى.
والقولُ الثانى، ليس بوصيةٍ؛ لأنَّه إسْقاطٌ في الحياةِ، فلم يَصِحَّ، ويَلْزَمُه دِيَةُ النَّفْسِ إلَّا دِيَةَ الجُرْحِ.
ولَنا، أنَّه أسْقَطَ حَقَّه بعدَ انْعِقادِ سَبَبِه، فسَقَطَ، كما لو أسْقَطَ الشُّفعَةَ بعدَ البيعِ.
إذا ثَبَت هذا،
..................................
فلا فَرْقَ بينَ أن يَخْرُجَ مِن الثُّلُثِ أو لم يَخْرُجْ؛ لأَنَّ مُوجَبَ العمدِ القَوَدُ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن، أو أحَدُ شَيْئَيْن، في الرِّوايةِ الأُخْرَى، فما تَعَيَّنَتَ الدِّيَةُ، ولا تَعَيَّنَتَ الوصيةُ بمالٍ، ولذلك صَحَّ العَفْوُ 1 مِن المُفْلِسِ إلى غيرِ مالٍ.
وأمّا جِنايةُ الخَطَأَ، فإذا عَفا عنها وعمّا يَحْدُثُ منها، اعْتُبِرَ خُرُوجُها مِنِ الثُّلُثِ، سواءٌ عفا بلَفْظِ العَفْوِ أو الوصِيةِ أو الإِبْراءِ أو غيرِ ذلك، فإن خرَجَتْ مِن الثُّلُثِ، صَحَّ عَفْوُه عن الجميعِ، وإن لم تَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ، سَقَط عنه مِن دِيَتِها ما احْتَمَلَه الثُّلُثُ.
وبهذا قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
ونحوَه قال عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والأوْزاعِىُّ، وإسحاقُ؛ لأَنَّ الوصيةَ ههُنا بمالٍ.
وَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنَ الدِّيَةِ أَوْ وَصَّى لَهُ بِهَا، فَهِىَ وَصِيَّةٌ لِقَاتِلٍ، هَلْ تَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إِحْدَاهُمَا، تَصِحُّ، وَتُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ عَفْوُهُ عَنِ الْمَالِ، وَلَا وَصِيَّتُهُ بِهِ لِقَاتِلٍ وَلَا غَيْرِهِ،
4120 - مسألة: (وإن أَبْرَأَه مِن الدِّيَةِ أو وَصَّى له بها، فهىَ وصيةٌ لقاتِلٍ، هل تَصِحُّ؟ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، تَصِحُّ)
لكونِها له؛ لأنَّها بَدَلٌ عنه (وتُعْتَبَرُ منِ الثُّلُثِ) كبَقِيَّةِ أمْوالِه.
هكذا ذَكَرَه في كِتابِ «المُقْنِعِ»، ولم يُفرِّقْ بينَ العَمْدِ والخَطَأ.
والذى ذَكَرَه في كتابِ «المُغْنِى» (1) ما ذَكَر في التى قبلَ هذه المسألةِ.
4121 -
مسألة: (ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ عَفْوُه عن المالِ، ولَا وَصِيَّتُه
1
إِذَا قُلْنا: إِنَّهُ يَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ.
وَإِنْ أَبْرَأَ الْقَاتِلَ مِنَ الدِّيَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ، أَوِ الْعَبْدَ مِنْ جِنَايَتِهِ الَّتِى يَتَعَلَّقُ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ،
به لقاتِلٍ ولا غيرِه، إذا قُلْنا: إنَّه يَحْدُثُ على مِلْكِ الورثةِ) لأنَّه يكونُ مالَ غيرِه، فلم يكنْ له التَّصَرُّفُ فيه، كَسائِرِ أمْوالِ الورثةِ.
4122 -
مسألة: (وإن أبْرَأ القاتِلَ مِن الدِّيَةِ الواجِبَةِ على عاقِلَتِه، أو العبدَ مِن الجِنايَةِ المُتَعَلِّقِ أرْشُها برَقَبَتِه، لم يَصِحَّ)
لأنَّه أَبْرَأَه
لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ أَبْرَأَ الْعَاقِلَةَ أَوِ السَّيِّدَ، صَحَّ.
وَإِنْ وَجَبَ لِعَبْدٍ قِصَاصٌ، أَوْ تَعْزِيرُ قَذْفٍ، فَلَهُ طَلَبُهُ وَالْعَفْوُ عَنْهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلسَّيِّدِ، إِلَّا أَنْ يَمُوتَ الْعَبْدُ.
مِن حَقٍّ على غيرِه، أشْبَهَ ماْ لو أبْرَأ زيدًا مِن دَيْنٍ على عمرو (وإن أبْرَأ العاقِلَةَ أو السَّيِّدَ، صَحَّ) لأنَّه ابرَأهما مِن حَقٍّ عليهما، فصَحَّ، كالدَّيْن الواجِبِ عليهما.
4123 -
مسألة: (وإن وَجَب لعبدٍ قِصاصٌ)
في الطَّرَفِ، أو جُرْحٍ (أو تَعْزِيرُ قَذْفٍ، فله طَلَبُه والعَفْوُ عنه) لأنَّه مُخْتَصٌّ به (وليس ذلك لسَيِّدِه) لأنَّه ليس بحَقٍّ له (إلَّا أن يموتَ العبدُ) فإذا مات العبدُ، انْتَقَلَ عنه إلى السَّيِّدِ، وصَحَّ عَفْوُه عنه.
بَابُ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ
كُلُّ مَنْ أُقِيدَ بِغَيْرِهِ في النَّفْسِ، أُقِيدَ بِهِ فِيما دُونهَا، وَمَنْ لَا فَلَا،
بابُ ما يُوجِبُ القِصاصَ فيما دُونَ النَّفسِ
(كلُّ مَن أُقِيدَ بغيرِه في النَّفْسِ، أُقِيدَ به فيما دُوِنَها، ومَن لا فلا) لأَنَّ النَّفْسَ أعْلَى، فإذا أُقِيدَ في الأعْلَى، ففى الأدْنَى بطريقِ الأَوْلَى.
وعنه، لا قِصاصَ بينَ العبيدِ في الأطْرافِ؛ لأنَّها أمْوالٌ.
وقد ذَكَرْناه.
والمَذْهَبُ الأَوَّلُ.
ومَن لا يَجْرِى القِصاصُ بينَهما في النَّفْسِ، لا يَجْرِى بينَهما في الأطْرافِ 1، كالأبِ مع ابنِه، والحُرِّ مع العبدِ، والمسلمِ مع الكافرِ، فلا يُقْطَعُ طَرَفُه بطرَفِه؛ لعَدَم المُكافأةِ، فيُقْطَعُ الحُرُّ المسلمُ بالحُرِّ المسلمِ، والعبدُ بالعبدِ، والذِّمىُّ بالذِّمِّىِّ، والذَّكَرُ بالأُنْثَى،
..................................
والأُنْثَى بالذَّكَرِ، ويُقْطَعُ النّاقِصُ بالكاملِ، كالعبدِ بالحُرِّ، والكافرِ بالمسلمِ.
وبهذا قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا قِصاصَ في الطَّرَفِ بينَ مُخْتَلِفِى البَدَلِ، فلا يُقْطَعُ الكامِلُ بالنَّاقِصِ، ولا النّاقِصُ بالكامِلِ، ولا الرجلُ بالمرأةِ، ولا المرأةُ بالرجلِ، ولا الحُرُّ بالعبدِ، ولا العَبْدُ بالحُرِّ، ولا العَبْدُ بالعَبْدِ، ويُقْطَعُ المُسْلِمُ بالكافِرِ، والكافرُ بالمُسْلِمِ؛ لأَنَّ التَّكافُؤَ مُعْتَبَرٌ في الأطْرافِ، بدليلِ أنَّ الصَّحيحةَ لا تُؤْخَذُ بالشَّلَّاءِ، ولا الكاملةَ بالناقِصَةِ، فكذا 1 لا يُؤْخَذُ طَرَفُ الرجلِ بطرَفِ المرأةِ، ولا طَرَفُها بطَرَفِه، كما لا تُؤْخَذُ اليُسْرَى باليُمْنَى.
ولَنا، أنَّ مَن جَرَى القِصاصُ بينَهما في النَّفْسِ، جَرَى في الطَّرَفِ، كالحُرَّيْنِ، وما ذكَروه يَبْطُلُ بالقِصاصِ في النَّفْسِ، فإنَّ التَّكافُؤَ مُعْتَبَرٌ، بدليلِ أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بمُسْتَأْمِنٍ، ثم يَلْزَمُه أن يأخُذَ الناقِصَةَ بالكاملَةِ؛ لأَنَّ المُماثَلَةَ قد وُجِدَتْ وزِيادَةً، فوَجَبَ أخْذُها بها إذا رَضِىَ المُسْتَحِقُّ، كما تُؤْخَذُ ناقِصَةُ الأصابعِ بكاملةِ الأصابعِ، وأمَّا اليَسارُ واليُمْنَى فيَجْرِيان مجْرَى النَّفْسَيْنِ؛ لاخْتِلافِ محَلَّيْهما، ولهذا يَسْتَوِى بدَلُهما، فعُلِمَ أنَّها ليست بناقصةٍ عنها شَرْعًا، ولا العلَّةُ فيهما ذلك.
وَلَا يَجِبُ إِلَّا بِمِثْلِ الْمُوجِبِ فِى النَّفْسِ، وَهُوَ الْعَمْدُ الْمَحْضُ،
4124 - مسألة: (ولا يَجِبُ إلَّا بمِثْلِ المُوجِبِ في النَّفْسِ، وهو العَمْدُ المَحْضُ)
كما لا يَجِبُ في النَّفْسِ إلَّا بذلك، ووُجوبُ القِصاصِ فيما دونَ النَّفْسِ والأطرافِ إذا أمْكَنَ ثَابِتٌ بالنَّصِّ والإِجْماعِ؛ أمّا النَّصُّ فقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ 1. وقولُه تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ (1). الآية.
وروَى أنسُ ابنُ مالكٍ، أنَّ الرُّبَيِّعَ بنتَ النَّضْرِ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جارِيَةٍ، فعرَضُوا عليهم الأَرْشَ، فأَبَوْا إلَّا القِصاصَ، فجاء أخوها أنَسُ بنُ النَّضْرِ، فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ، تُكسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ! والذى بعَثَكَ بالحَقِّ لا تُكسَرُ ثَنِيَّتُهَا.
فقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «يا أنَسُ، كِتَابُ اللَّهِ القِصَاصُ».
قال: فعَفا القَوْمُ، فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ مِن عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لو أقسَمَ على اللَّهِ لأبَرَّهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. وأجْمَعَ المُسْلِمونَ على جَرَيانِ القِصاصِ فيما دُونَ النَّفْسِ إذا أمْكَنَ، ولأَنَّ ما دُونَ النَّفْسِ كالنَّفْسِ في الحاجةِ إلى حِفْظِه بالقِصاصِ، فكان كالنَّفْسِ في وُجُوبِه.
وَهُوَ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، فِى الأَطْرَافِ، فَتُؤْخَذُ الْعَيْنُ بالْعَيْنِ، وَالْأَنْفُ بِالْأَنْفِ، والأُذُنُ بِالأُذُنِ، وَالسِّنُّ بِالسِّنِّ، والْجَفْنُ بِالْجَفْنِ، وَالشَّفَةُ بِالشَّفَةِ، وَالْيَدُ بِالْيَدِ، والرِّجْلُ بالرِّجْلِ.
فصل: فأمَّا الخَطَأُ فلا قِصاصَ فيه إجْماعًا؛ لأنَّه لا يُوجِبُ القِصاصَ في النَّفْسِ وهى الأصْلُ، ففيما دُونَها أوْلَى.
ولا يَجِبُ في شِبْهِ العَمْدِ، وهو أن يَقْصِدَ ضَرْبَه بما لا يُفْضِى إلى ذلك غالِبًا، مثلَ أن يَضْرِبَه بحَصاةٍ لا يُوضِح مِثْلُها، فتوضِحَه، فلا يَجِبُ به القِصاصُ؛ لأنَّه شِبْهُ عَمْدٍ، ولا يجبُ القِصاصُ إلَّا بالعَمْدِ المَحْضِ.
وقال أبو بكرٍ: يَجبُ به القِصاصُ، ولا يُراعَى فيه ذلك؛ لعُمُوم الآيةِ.
والصَّحِيحُ الأَوَّلُ، والآيةُ مخْصُوصَةٌ بالخَطَأ، فكذلك هذا، ولأنَّه لا يَجِبُ بة القِصاصُ في النَّفْسِ، فكذلك الجِراحُ.
4125 -
مسألة: (وهو نوعانِ؛ أحدُهما، الأطْرَافُ، فَتُؤْخَذُ العَيْنُ بِالعَيْنَ، والأنْفُ بِالأنْفِ، والأذُنُ بالأذُنِ، وَالسِّنُّ بِالسِّنِّ، والجَفْنُ بالْجَفْنِ، والشَّفَةُ بِالشَّفَةِ، واليَدُ بِالْيَدِ، والرِّجْلُ بِالرِّجْلِ)
أجْمَعَ أهلُ العلمِ على جَرَيانِ (1) القِصاصِ في الأطْرَافِ، وقد ثبَت ذلك بالآيةِ، وبخَبَرِ الرُّبَيِّعِ بنتِ النَّضْرِ الذى ذكَرْناه.
4126 -
مسألة: وَتُقْلَعُ الْعَيْنُ بالْعَيْنِ.
أجْمَعَ أهْلُ العلمِ على القِصاصِ في العَيْنَيْنِ.
يُرْوَى ذلك عن مَسْرُوقٍ، والحسنِ، وابنِ1
..................................
سِيرِينَ، والشَّعْبِىِّ، [والنَّخَعِىِّ] 1 [والزُّهْرِىِّ] 2، والثَّوْرِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْى.
ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ 3. ولأنَّها تَنْتَهِى إلى مَفْصِلٍ، فجَرَى القِصاصُ فيها كاليَدِ.
وتُؤْخَذُ عَيْنُ الشَّابِّ بعَيْنِ الشَّيْخِ المَرِيضَةِ، وعيْنُ الكبيرِ بعينِ الصَّغيرِ والأعْمَشِ، ولا تُؤْخَذُ الصَّحِيحةُ بالقَائِمَةِ؛ لأنَّه يأْخُذُ أكثرَ مِن حَقِّه، وتُؤْخَذُ القائِمَةُ بالصَّحِيحةِ؛ لأنَّها دُونَ حَقِّه، كما تُؤْخَذُ الشلَّاءُ بالصَّحِيحَةِ، [ولا أَرْشِ] 4 له معها؛ لأَنَّ التَّفاوُتَ في الصِّفَةِ.
فصل: فإن قلَع عَيْنَه بإصْبَعِه، لم يَجُزْ أن يَقْتَصَّ بإصْبَعِه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ المُماثَلَةُ فيه.
فإن لَطَمَه فأذْهَبَ ضَوْءَ عَيْنِه، لم يَجُزْ أن يَقْتَصَّ منه باللَّطْمَةِ؛ لأَنَّ المُماثَلَةَ فيها غيرُ مُمْكِنَةٍ، ولهذا لو انْفَرَدَتْ مِن إذْهابِ الضَّوْءِ، لم يَجِبْ فيها قِصاصٌ، ويجبُ القِصاصُ في البَصَرِ، فيُعالِجُه بما يُذْهِبُ بصَرَه مِن غيرِ أن يَقْلَعَ عَيْنَه.
وسنَذْكُرُ ذلك.
وذكَرَ القاضى أنَّه يَقْتَصُّ منه باللَّطْمَةِ، فيَلْطُمُه المَجْنِىُّ عليه مثلَ لَطْمَتِه، فإن ذهَب ضَوْءُ عَيْنِه، وإلَّا كان له أن يُذْهِبَه بما نذْكُرُه.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
ولا يَصِحُّ هذا؛ فإنَّ اللَّطْمَةَ لا يُقْتَصُّ منها مُنْفَرِدَةً، فلا يُقْتَصُّ منها إذا سَرَتْ إلى
..................................
العَيْنِ، كالشَّجَّةِ دُونَ المُوضِحَةِ، ولأَنَّ اللَّطْمَةَ إذا لم تَكُنْ في العَيْنِ، لا يُقْتَصُّ منها بمثْلِها مع الأمْنِ مِن إفْسادِ العُضْوِ 1، ففى العَيْنِ مع وُجُودِ ذلك أوْلَى، ولأنَّه قِصاصٌ فيما دُونِ النَّفْسِ، فلم يَجُزْ بغيرِ الآلَةِ المُعَدَّةِ له، كالمُوضِحَةِ.
وقال القاضى: لا يجبُ القِصاصُ، إلَّا أن تكونَ اللَّطْمَةُ تَذْهَبُ بذلك غَالِبًا، فإن كانت لا تَذْهَبُ بالبَصَرِ غالِبًا، فذَهَبَ 2 بها، فهو شِبْهُ عَمْدٍ لا قِصاصَ فيه.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه فِعْلٌ لا يُفْضِى إلى الفَواتِ غالِبًا، فلم يَجِبْ به القِصاصُ، [كَشِبْهِ العَمْدِ في النفْسِ.
وقال أبو بكرٍ: يَجِبُ القِصاصُ] 3 بكلِّ حالٍ؛ لعُمُومِ قولِه تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾.
ولأَنَّ اللَّطْمَةَ إذا أَسَالَتِ العَيْنَ، كانت بمَنْزِلةِ الجُرْحِ، ولا يُعْتَبَرُ فيه الإِفْضاءُ إلى التَّلَفِ غالِبًا.
فصل: فإن لَطَمَ عَيْنَه فذَهَبَ بَصَرُها، و 4 ابْيَضَّتْ، وشَخَصَتْ، فإن أمْكَنَ مُعالجةُ عَيْنِ الجانِى حتى يَذْهَبَ بَصَرُها وتَبْيَضَّ وتَشْخَصَ، [مِن غيرِ جِنايَةٍ على الحَدَقَةِ] 5، فُعِلَ ذلك، وإن لم يُمْكِنْ إلَّا ذَهابُ بعضِ ذلك، مثلَ ذَهابِ البَصَرِ دُونَ أن تَبْيَضَّ وتَشْخَصَ، فعليه حُكومةٌ
..................................
للذى لم يُمْكِنِ القِصاصُ فيه (1)، كما لو جَرَحَه هاشِمةً، فإنَّه يَقْتَصُّ مُوضِحَةً، ويَأْخُذُ أَرْشَ باقِى جُرْحِه.
وعلى قولِ أبى بكرٍ، لا يُسْتَحَقُّ مع القِصاصِ أَرْشٌ.
وقال القاضىِ: إذا لَطَمَه مثلَ لَطْمَتِه، فذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِه، ولم تَبْيَضَّ، ولم تَشْخصْ، فإن أمْكَنَ مُعالَجَتُها حتى تَبْيَضَّ وتَشْخَصَ، مِن غيرِ ذَهابِ الحَدَقَةِ، فَعَلَه، فإن تَعَذَّرَ ذلك، فلا شئَ عليه، كما لو انْدَمَلَتْ مُوضِحَةُ المَجْنِىِّ عليه وَحِشةً قَبِيحَةً، ومُوضِحَةُ الجانِى حَسَنَةً جَمِيلَةً، لم يجبْ شئٌ، كذلك ههُنا.
وبَنَى (2) هذا على أنَّ اللَّطْمَةَ حصلَ بها القِصاصُ كما حصَل بجُرْحِ المُوضِحَةِ، وقد بَيَّنَّا فَسادَ هذا.
4127 -
مسألة: (و)
يُؤْخَذُ (السِّنُّ بِالسِّنِّ) وهو إجْماعُ أَهْلِ العلمِ؛ للآيةِ وحَدِيثِ الرُّبَيِّعِ 3، ولأَنَّ القِصاصَ فيها مُمْكِنٌ؛ لأنَّها مَحْدودَةٌ في نَفْسِها.
وتُؤْخَذُ الصَّحِيحَةُ بالصَّحِيحةِ، والمَكْسُورَةُ بالصَّحيحةِ؛ لأنَّه يأْخُذُ بعضَ حَقِّه.
وهل له أَرْشُ الباقِى؟ فيه وَجْهان، ذكَرْناهُما.
فصل: ولا يُقْتَصُّ إلَّا مِن سِنِّ مَن أثْغَرَ؛ أى سقَطَتْ رَواضِعُه ثم نَبَتَتْ.
يقالُ لمن سقَطَتْ رَواضِعُهُ: ثُغِرَ، فهو مَثْغُورٌ.
فإذا نبَتَتْ قيل: أثْغَرَ واثَّغَرَ12
..................................
لُغَتان.
وإن قُلِعَ سِنُّ مَن لم يُثْغِرْ، لم يُقْتَصَّ مِنَ الجانِى في الحالِ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأَصْحابِ الرَّأْى، لأنَّها تَعُودُ بحُكْمِ العادةِ، فلا يُقْتَصُّ منها، كالشَّعَرِ.
فإن عادَ 1 بَدَلُ السِّنِّ في مَحَلِّها مثْلُها على صِفَتِها، فلا شئَ على الجانِى، كما لو قلَع شَعَرَهُ ثم نبَت.
وإن عادَتْ مائِلَةً عن مَحَلِّها، أو مُتَغَيِّرَةً عن صِفَتِها، كان عليه حُكُومَةٌ؛ لأنَّها لو لم تَعُدْ ضَمِنَ السِّنَّ، فإذا عادتْ ناقِصةً ضَمِنَ ما نقص.
وإن عادت قَصِيرةً، ضَمِنَ ما نقَص بالحسابِ، ففى ثُلُثِها ثُلثُ دِيَتِها، وعلى هذا الحسابُ.
وإن عادتْ والدَّمُ يَسِيلُ، ففيها حُكومةٌ، لأنَّه نَقْصٌ حصلَ بفِعْلِه.
وإن مَضَى زَمَنُ عَوْدِها ولم تَعُدْ، سُئِلَ أهلُ العلمِ بالطِّبِّ، فإن قالوا: قد يُئِسَ مِن عَوْدِها.
فالمَجْنِىُّ عليه مُخَيَّرٌ بينَ القِصاصِ و 2 الدِّيَةِ.
فإن مات المَجْنِىُّ عليه قبلَ الإِياسِ مِن عَودِها، فلا قِصاصَ؛ لأَنَّ الاسْتِحْقاقَ له غيرُ مُتَحَقِّقٍ، فيكونُ ذلك شُبْهَة في دَرْئِه، وتَجِبُ الدِّيَةُ؛ لأَنَّ القَلْعَ مَوْجُودٌ، والعَوْدُ، مَشْكُوكٌ فيه.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا مات قبلَ مَجِئِ وَقْتِ عَوْدِها، أَنْ لا يَجِبَ شئٌ؛ لأَنَّ العادةَ عَوْدُها، فأَشْبَهَ ما لو حلَق شَعَرَه فماتَ قبلَ نباتِه.
فأمّا إن قلَع سِنَّ مَن قد أثْغَرَ، وجَب القِصاصُ له في الحالِ؛ لأَنَّ الظاهِرَ عَدَمُ عَوْدِها.
وهذا قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعىِّ.
وقال القاضى: يُسْئَلُ أهلُ الخِبْرَةِ، فإن قالوا: لا تَعُودُ.
فله
..................................
القِصاصُ في الحالِ، وإن قالوا: يُرْجَى عَوْدُها، إلى وقتٍ ذكَرُوه، لم يُقْتَصَّ حتى يَأْتِىَ ذلك الوقْتُ.
وهذا قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّها تَحْتَمِلُ العَوْدَ، فأشْبَهَتْ سِنَّ مَن لم يُثْغِرْ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّها إن لم تَعُدْ، فلا كلامَ، وإن عادتْ، لم يجبْ قِصاصٌ ولا دِيَةٌ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
وقال في الآخَرِ: لا يَسْقُطُ الأَرْشُ؛ لأَنَّ هذه السِّنَّ لا تُسْتَخْلَفُ عادةً، فإذا عادتْ كانت هِبَةً مُجَدَّدةً، ولذلك لا يُنْتَظَرُ عَوْدُها في الضَّمانِ.
ولَنا، أنَّها سِنٌّ عادتْ، فسَقَطَ الأَرْشُ، كسِنِّ مَن لم يُثْغِرْ، ونُدْرَةُ وُجُودِها لا يَمْنَعُ ثُبوتَ حُكْمِها إذا وُجِدَت.
فعلَى هذا، إن كان أخَذَ 1 الأَرْشَ رَدَّه، وإن كان اسْتَوْفَى القِصاصَ، لم يَجُزْ قَلْعُ هذه قِصاصًا؛ لأنَّه لم يَقْصِدِ العُدْوانَ.
وإن عادتْ سِنُّ الجانِى دُونَ سِنِّ المَجْنِىِّ عليه، لم تُقْلَعْ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لئَلَّا يَأْخُذَ سِنَّيْنِ بسِنٍّ، وإنَّما قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ 2. والثانى، تُقلَعُ وإن عادتْ مَرَّاتٍ؛ لأنَّه أعْدَمَ 3 سِنَّه بالقَلْعِ، فكان له إعْدامُ سِنِّه.
ولأصْحابِ الشافعىِّ وَجْهان كهذَيْنِ.
فصل: فإن قلَع سِنًّا، فاقْتُصَّ منه، ثم عادتْ سِنُّ المَجْنِىِّ عليه، فقَلَعَها الجانِى ثانيةً، فلا شئَ عليه؛ لأَنَّ سِنَّ المَجْنِىِّ عليه لمَّا عادتْ، وجَب للْجانِى عليه دِيَةُ سِنِّه، فلما قَلَعَها، وجَب على الجانِى دِيَتُها للمَجْنِىِّ
.................................. عليه، فقد وَجَبَ لكلِّ واحدٍ منهما دِيَةُ سِنٍّ، فيتَقاصَّانِ.
4128 -
مسألة: (و)
يُؤْخَذُ (الْجَفْنُ بِالْجَفْنِ) لقولِه تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.
ولأنَّه يُمْكِنُ الاقْتِصاصُ فيه، لانْتِهائِه إلى مَفْصِل.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
ويُؤْخَذُ جَفْنُ البَصِيرِ بمثْلِه، وبِجَفْنِ الضَّرِيرِ، ويُؤْخَذُ جَفْنُ الضَّريرِ بمثْلِه، وبجَفْنِ البَصِيرِ؛ لأنَّهما تَساوَيا في السَّلامَةِ مِن النَّقْصِ، وعَدَمُ البَصَرِ نَقْصٌ في غيرِه لا يَمْنَعُ أخْذَ أحَدِهما بالآخَرِ، كأُذُنِ الأصَمِّ.
4129 - مسألة: (و) تُؤْخَذُ (الشَّفَةُ بِالشَّفَةِ) وهى ما جاوَزَ الذَّقَنَ والخَدَّيْنِ عُلْوًا وسُفْلًا؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.
ولأَنَّ لها حَدًّا تَنْتَهِى إليه، يُمْكِنُ القِصاصُ منه، فوَجَبَ، كاليَدَيْنِ.
فصل: ويُؤْخَذُ اللِّسانُ باللِّسانِ؛ للآيةِ، ولأَنَّ له حَدًّا يَنْتَهِى إليه، فاقْتُصَّ منه، كالعَيْنِ.
ولا نعلمُ في هذا خِلافًا.
ولا يُؤْخَذُ لِسانُ ناطِقٍ بأخْرَسَ؛ لأنَّه أفْضَلُ منه.
ويُؤْخَذُ الأخْرَسُ بالنَّاطقِ؛ لأنَّه دُونَ حَقِّه.
ويُؤْخَذُ بعضُ اللِّسانِ بالبَعْضِ؛ لأنَّه أمْكَنَ القِصاصُ في جَمِيعِه، فأمْكَنَ في بعضِه، كالسِّنِّ، ويُقَدَّرُ ذلك بالأجْزاءِ، ويُؤْخَذُ منه بالحِسابِ.
4130 - مسألة: (و) تُؤْخَذُ (اليَدُ باليَدِ) لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.
وقد أجْمَعَ أهلُ العلمِ على جَرَيانِ القِصاصِ
..................................
في الأطْرافِ؛ للآيةِ ولحَدِيثِ الرُّبَيِّعِ 1. ويُشْتَرَطُ لذلك ثَلاثةُ شُرُوطٍ؛ أحدُها، الأمْنُ من الحَيْفِ، وهو أن يكونَ القَطْعُ مِن مَفْصِلٍ، فإن كان مِن غيرِ مَفْصِلٍ، فلا قِصاصَ فيه مِن مَوْضِعِ القَطْعِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لِما رَوَى [نِمْرانُ بنُ جَاريةَ] 2، عن أبِيه، أنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَجُلًا على ساعِدِه بالسَّيْفِ، فقَطَعَها مِن غيرِ مَفْصِلٍ، فاسْتَعْدَى عليه النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأمَرَ له بالدِّيَةِ، فقال: إنِّى أُرِيدُ القِصاصَ.
فقال: «خُذِ الدِّيَةَ، بَارَكَ اللَّه لَك فيها».
ولم يَقْضِ له بالقِصاصِ.
رَوَاه ابنُ ماجَه 3.
وفى قَطْعِ اليَدِ ثمانِ مسائلَ؛ أحدُها، قَطعُ الأصابعِ مِن مَفاصِلِها، فالقِصاصُ واجِبٌ فيها؛ لأَنَّ لها 4 مَفاصِلَ يُمْكِنُ القِصاصُ فيها مِن غيرِ حَيْفٍ، وإنِ اختارَ الدِّيَةَ فله نِصْفُها؛ لأَنَّ في كلِّ إصْبَعٍ عُشْرَ الدِّيَةِ.
الثَّانيةُ، قَطعُها مِن نِصْفِ الكَفِّ، فليس له القِصاصُ مِن مَوْضِعِ القَطْعِ؛ لأنَّه ليس بمَفْصِلٍ، فلا يُؤْمَنُ الحَيْفُ فيه.
وإن أرادَ قَطْعَ الأصابعِ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، ليس له ذلك.
اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّه يَقْتَصُّ مِن غيرِ مَوْضِعِ الجِنايةِ، فلم يَجُزْ، كما لو كان القَطْعُ مِن الكُوعِ، يُحَقِّقُه أنَّ
..................................
امْتِناعَ قَطْعِ الأصابعِ إذا قطَع مِن الكُوعِ، إنَّما كان لعَدَمِ المُقْتَضِى، أو وُجُودِ مانعٍ، وأيُّهما كان فهو مُتَحَقِّقٌ إذا كان القَطْعُ من نِصْفِ الكَفِّ.
والثانى، له قَطْعُ الأصابعِ.
ذكَره أصْحابُنا.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه يأْخُذُ دُونَ حَقِّه لعَجْزِه عن اسْتِيفاءِ حَقِّه، فأَشْبَهَ ما لو شَجَّه هاشِمَةً فاسْتَوْفَى مُوضِحَةً.
ويُفارِقُ ما إذا قطَع مِن الكُوعِ؛ لأنَّه أمْكَنَه اسْتِيفاءُ حَقِّه، فلم يَجُزِ العُدولُ إلى غيرِه.
وهل له حُكومَةٌ في نِضفِ الكَفِّ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، ليس له ذلك؛ لأنَّه يَجْمَعُ بينَ القِصاصِ والأَرْشِ في عُضْوٍ واحدٍ، فلم يَجُزْ، كما لو قطَع مِن الكُوعِ.
والثانى، له أَرْشُ نِصْفِ الكَفِّ؛ لأنَّه حَقٌّ له تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُه، فوَجَبَ أرْشُه، كسائرِ ما هذا حالُه.
وإنِ اخْتارَ الدِّيَةَ، فله نِصْفُها؛ لأَنَّ قَطْعَ اليَدِ مِنَ الكُوعِ لا يُوجِبُ أكثرَ مِن نِصْفِ الدِّيَةِ، فما دُونَه أوْلَى.
الثَّالثةُ، قَطَع مِن الكُوعِ، فله قَطْعُ يَدِه مِنَ الكُوعِ؛ لأنَّه مَفْصِلٌ، وليس له قَطْعُ الأصابعِ؛ لأنَّه غيرُ مَحَلِّ الجِنايةِ فلا يُسْتَوْفَى منه مع إمْكانِ الاسْتِيفاءِ مِن مَحَلِّها.
الرابعةُ، قَطَع مِن نِصْفِ الذِّراعِ، فليس له أن يَقْطَعَ مِن ذلك المَوْضِعِ 1؛ لأنَّه ليس بمَفْصِلٍ، وقد ذكَرْنا الخبَرَ الوارِدَ فيه، وله نِصْفُ الدِّيَةِ وحُكومةٌ في المَقْطُوعِ مِنَ الذِّراعِ.
وهل له القَطْعُ مِنَ الكُوعِ؟ فيه وَجْهان، كما ذكَرْنا في من قَطَع مِن نِصْفِ الكَفِّ.
ومن جَوَّزَ القَطْعَ مِنَ الكُوعِ، فعندَه في وُجوبِ الحُكومةِ لِما قُطِعَ مِنَ الذِّراعِ وَجْهان.
ويَتَخرجُ أيضًا في جَوازِ
وَيَقْتَصُّ مِنَ الْمَنْكِبِ إِذَا لَمْ يَخَفْ جَائِفَةً،
قَطْعِ الأصابعِ وَجْهان.
فإن قطَع منها 1، لم يَكُنْ له حُكومةٌ في الكَفِّ؛ لأنَّه أمْكَنَه أخْذُه قِصاصًا، فلم يكُنْ له طَلَبُ أَرْشِه، كما لو كانتِ الجِنايةُ مِنَ الكُوعِ.
الخامسةُ، قَطَع مِن المَرْفِقِ، فله القِصاصُ منه؛ لأنَّه مَفْصِلٌ، وليس له القَطْعُ من الكُوعِ؛ لأنَّه أمْكَنَه اسْتِيفاءُ حَقِّه بكَمَالِه، والاقْتصاصُ مِن مَحَلِّ الجِنايةِ عليه، فلم يَجُزْ له 2 العُدولُ إلى غيرِه.
وإن عَفا إلى الدِّيَةِ، فله دِيَةُ اليَدِ، وحُكومةٌ للسَّاعِدِ.
السادسةُ، قَطعُها مِن العَضُدِ، فلا قِصاصَ فيها، في أحَدِ الوَجْهينِ، وله دِيَةُ اليَدِ، وحُكومةٌ للسَّاعِدِ وبعضِ العَضُدِ.
والثانى، له القِصاصُ مِنَ المَرْفِقِ.
وهل له حُكومةٌ في الزَّائدِ؟ على وَجْهين.
وهل له القَطْعُ من الكُوعِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهينِ.
السابعةُ، قَطَع (مِن المَنْكِبِ) فالواجِبُ القِصاصُ؛ لأنَّه مَفْصِلٌ (إذا لم يَخَفْ جائِفةً) وإنِ اخْتارَ الدِّيَةَ، فله دِيَةُ اليَدِ، وحُكومةٌ لِما زادَ.
الثامنةُ، خَلع عَظْم المَنْكِبِ، ويقالُ له: مِشْطُ الكَتِفِ.
فيَرْجِعُ
ويُؤْخَذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَصَابِعِ، والْكَفِّ، وَالْمَرْفِقِ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَيَيْنِ بِمِثْلِهِ،
فيه إلى اثْنَيْن مِن ثِقَاتِ أَهْلِ الخِبْرَةِ، فإن قالوا: يُمْكِنُ الاسْتِيفاءُ مِن غيرِ أن تَصِيرَ جائِفَةً.
اسْتَوْفَى، وإلَّا صارَ الأمْرُ إلى الدِّيَةِ.
وفى جَوازِ الاسْتِيفاءِ مِن المَرْفِقِ أو ما دُونَه مثلُ ما ذكَرْنا في نظائِرِه.
ومثلُ هذه المسائلِ في الرِّجْلِ؛ فالسَّاقُ كالذِّراعِ، والفَخِذُ كالعَضُدِ، والوَرِكُ كعَظْمِ الكَتِفِ، والقَدَمُ كالكَفِّ، فتُقاسُ عليها للنَّصِّ والمَعْنَى.
4131 -
مسألة: (ويُؤْخَذُ كُلُّ واحدٍ مِن الأصابعِ والكَفِّ والمَرْفِقِ والذَّكَرِ والأُنْثَيَيْنِ بمِثْلِه)
لقولِه تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.
ولما ذكَرْنا في اليَدِ باليَدِ.
ولا نعلمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا في أنَّ القِصاصَ يَجْرِى في الذَّكَرِ، ولأَنَّ له حَدًّا يَنْتَهِى إليه، ويُمْكِنُ القِصاصُ فيه مِن غيرِ حَيْفٍ، فوَجَبَ فيه القِصاصُ، كالأنْفِ.
ويَسْتَوِى في ذلك ذَكَرُ الصَّغِيرِ والكبيرِ، والشَّيْخِ والشابِّ، والذَّكَرُ الكبيرُ والصغيرُ، والصَّحيحُ والمريضُ؛ لأَنَّ ما وجَب فيه القِصاصُ مِن الأطْرَافِ لم يَخْتَلِفْ بهذه المعانِى، كذلك الذَّكَرُ.
ويُؤْخَذُ كلُّ واحدٍ مِنَ المَخْتُونِ 1 والأغْلَفِ بصاحِبِه؛ لأَنَّ الغُلْفَةَ زِيادةٌ تَستَحِقُّ إزالَتها، فهى
وَهَلْ يَجْرِى الْقِصَاصُ في الْأَلْيَةِ وَالشَّفْرِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
كالمَعْدُومةِ ويُؤْخَذُ كلُّ واحدٍ مِنَ الخَصِىِّ والعِنِّينِ بمثلِه؛ لتَساوِيهِما، كما يُؤْخَذُ العَبْدُ بالعَبْدِ، والذِّمِّىُّ بالذِّمِّىِّ، ويُؤْخَذُ بعضُه ببعضٍ، ويُعْتَبَرُ بالأجْزاءِ دُونَ المِساحةِ، فيُؤْخَذُ النِّصْفُ بالنِّصْفِ، وما زادَ أو نَقَصَ فبِحسابِ ذلك، كالأنْفِ والأُذُنِ، على ما ذكَرْناه.
4132 -
مسألة: ويَجْرِى القِصاصُ في الأُنْثَيَيْنِ؛
لِما ذَكَرْنا مِن النَصِّ والمَعْنَى، ولا نعلمُ فيه خِلافًا، فإن قطَع إحْدَاهما وقال أهْلُ الخِبْرَةِ: إنَّه يُمْكِنُ أخْذُها مع سلامه الأُخْرَى.
جاز.
وإن قالوا: لا يُؤْمَنُ تَلَفُ الأُخْرَى، لم يُقْتَصَّ منها خَشْيَةَ الحَيْفِ، ويجبُ فيها نِصْفُ الدِّيَةِ.
وإن أُمِنَ تَلَفُ الأُخْرَى، أُخِذَتِ اليُمْنَى باليُمْنَى، واليُسْرَى باليُسْرَى، كاليَدَيْنَ.
4133 -
مسألة: (وهل يَجْرِى القِصاصُ في الأَلْيَةِ والشَّفْرِ؟ على وَجْهَيْنِ)
يجبُ القِصاصُ في الأَلْيَتَيْن الناتِئَتَيْنِ بينَ الفَخِذِ والظَّهْرِ بجانِبَى الدُّبُرِ، في أحَدِ الوَجْهَينِ.
وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافعىِّ.
والوَجْهُ الثانى، لا يجبُ.
وهو قولُ المُزَنِىِّ؛ لأنَّهما لَحْمٌ مُتَّصِلٌ بلَحْمٍ، أَشْبَهَ لَحْمَ الفَخِذِ، ووَجْهُ الأَوَّلِ قولُى تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.
.................................. ولأَنَّ لهما حَدًّا يَنْتَهِيانِ إليه، فجَرَى القِصاصُ فيهما، كالذَّكَرِ.
4134 -
مسألة: وفى القِصاصِ في شَفْرَىِ المَرْأَةِ وجهان؛
أحدُهما، لا قِصاصَ فيهما؟ لأنَّه لَحْمٌ لا مَفْصِلَ له يَنْتَهِى إليه، فأشْبَهَ لَحْمَ الفَخِذَيْنِ.
وهو قولُ القاضى.
والثانى، فيهما القِصاصُ؛ لأَنَّ انْتِهاءَهما مَعْرُوفٌ، فأشْبَها الشَّفَتَيْنِ وجَفْنَىِ العَيْنَيْنِ.
وهو قولُ أبى الخَطَّابِ.
ولأصْحابِ الشافعىِّ وَجْهان كهذَيْن.
فصل
: فإن قَطَع ذكرَ خُنْثَى مُشْكِلٍ، أو أُنْثَيَيْه، أو شَفْرَيْه، فطَلَبَ القِصاصَ، لم يُجَبْ إليه في الحالِ، ويَقِفُ الأمْرُ حتى يَتَبَيَّنَ حالُه؛ لأنَّنَا لا نعلمُ أنَّ المَقْطُوعَ عُضْوٌ أصْلِىٌّ، وإنِ اخْتارَ الدِّيَةَ، وكان يُرْجَى انْكِشافُ حالِه، أعْطَيْناه اليَقِينَ، فيكونُ له حُكومةٌ [في المَقْطُوعِ.
وإن كان قد قطَع جَمِيعَها، فله دِيَةُ امرأةٍ في الشَّفْرَيْنِ، وحُكومةٌ في الذَّكَرِ والأُنْثَيَيْنِ.
وإن يُئسَ مِن] 1 انْكِشافِ حالِه، أُعْطِىَ نِصْفَ دِيَةِ الذَّكَرِ والأُنْثَيَيْنِ، ونِصْفَ دِيَةِ الشَّفْرَيْنِ، وحُكومةً في نِصْفِ ذلك كلِّه.
فَصْلٌ:
وَيُشْتَرَطُ لِلْقِصَاصِ في الطَّرَفِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، الْأَمْنُ مِنَ الْحَيْفِ، بأَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ مِنْ مَفْصِلٍ، أَوْ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِى إِلَيْهِ، كَمَارِنِ الْأَنْفِ، وَهُوَ مَا لَانَ مِنْهُ، فَإِنْ قَطَعَ الْقَصَبَةَ، أَو قَطَعَ مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ أوِ السَّاقِ، فَلَا قِصَاصَ في أَحدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِى الْآخَرِ، يَقْتَصُّ حَدِّ الْمَارِنِ، وَمِنَ الْكُوعِ وَالْكَعْبِ.
وَهَلْ يَجِبُ لَهُ أَرْشُ الْبَاقِى؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
4135 - مسألة: (ويُشْتَرَطُ للقِصاصِ في الطَّرَفِ ثَلاثةُ شُروطٍ؛ أحدُها، أن يكونَ القَطْعُ مِن مَفْصِلٍ، أو له حَدٌّ يَنْتَهِى إليه، كَمارِنِ الأنْفِ، وهو ما لَانَ منه، فإن قطَع القَصَبَةَ، أو قطَعِ مِن نِصْفِ السَّاعدِ أو السّاقِ، فلا قِصاصَ في أحَدِ الوَجْهَيْن، وفى الآخرِ، يَقْتَصُّ مِن حَدِّ المَارِنِ، ومِنَ الكُوعِ والكَعْبِ.
وهَل يَجِبُ له أَرْشُ البَاقِى؟ على وَجْهَيْنِ)
أجْمَعُوا على جَرَيانِ القِصاصِ في الأنْفِ؛ للآيةِ والمَعنَى.
..................................
ويُؤخَذُ الكبيرُ بالصَّغيرِ، والأقْنَى 1 بالأَفْطَسِ 2، وأنْفُ الأشَمِّ بأَنْفِ الأخْشَمِ الذى لا شَمَّ له؛ لأَنَّ ذلك لعِلَّةٍ في الدِّماغِ والأنْفُ صَحِيحٌ.
كما تُؤْخَذُ أُذُنُ السَّمِيعِ بأُذُنِ الأصَمِّ.
فإن كان بأَنْفِه جُذامٌ، أُخِذَ به الأنْفُ الصَّحِيحُ ما لم يَسْقُطْ منه شئٌ؛ لأَنَّ ذلك مَرَضٌ، فإن سقَط منه شئٌ، لم يُؤْخَذْ به الصَّحِيحُ، إلَّا أن يكونَ مِن أحَدِ جانِبَيْه، فيَأْخُذُ مِن الصَّحِيحِ مثلَ ما بَقِىَ منه، أو يَأْخُذُ أَرْشَ ذلك.
والذى يَجبُ فيه القِصاصُ أو الدِّيَةُ هو المارِنُ، وهو ما لَان منه، دُونَ القَصَبَةِ؛ لأَنَّ ذلك حَدٌّ يَنْتَهِى إليه، فهو كاليَدِ، يَجِبُ القِصاصُ فيما انْتَهَى إلى الكُوعِ.
فإن قطَع الأنْفَ كلَّه مع القَصَبةِ، فعليه القِصاصُ في المَارِنِ، وحُكومَةٌ للقَصَبَةِ.
هذا قولُ ابنِ حامِدٍ، ومذهبُ الشافعىِّ.
وفيه وجْهٌ آخرُ، أنَّه لا يَجِبُ مع القِصاصِ حُكومَةٌ، كَيْلَا يُجْمَعَ في عُضْوٍ واحدٍ بينَ قِصاصٍ ودِيَةٍ.
وقِياسُ قولِ
..................................
أبى بكرٍ، أنَّه لا يجبُ القِصاصُ ههُنا؛ لأنَّه 1 يضَعُ الحَدِيدَةَ في غيرِ المَوْضِعِ الذى وَضَعَها الجانِى فيه، فلم يَمْلِكْ ذلك، كقولِه 2 في مَن قطَع اليَدَ مِن نِصْفِ الذِّراعِ أو الكَفِّ.
وذكَر القاضى ههُنا كقولِ أبى بكرٍ، وفى نظائرِهِ مثلَ قولِ ابنِ حامدٍ.
ولا يَصِحُّ التَّفْريقُ مع التَّساوِى.
وإن قطَع بعضَ الأنْفِ، قُدِّرَ بالأجْزاءِ، وأُخِذَ منه بقَدْرِ ذلك، ولا يُؤْخَذُ بالمِساحَةِ، لئلَّا يُفْضِىَ إلى قَطعِ جَميعِ أنْفِ الجانِى لصِغَرِه ببعضِ أنْفِ المَجْنِىِّ عليه لكِبَرِه 3، ويُؤْخَذُ المَنْخِرُ الأيْمَنُ بالأيْمَنِ، والأيْسَرُ بمثلِه، ويُؤْخَذُ الحاجِزُ بالحاجِزِ، لأنَّه يُمْكِنُ القِصاصُ فيه، لِانْتِهائِه إلى حَدٍّ.
فصل: وتُؤْخَذُ 4 العَيْنُ بِالعَيْنِ؛ للآيَةِ.
ولا يُشْتَرَطُ التَّساوِى في الصِّغَرِ والكِبَرِ، والصِّحَّةِ والمَرَضِ؛ لأَنَّ اعْتِبارَ ذلك يُفْضِى إلى سُقوطِ القِصاصِ بالكُلِّيَّةِ.
..................................
فصل: وتُؤْخَذُ الأُذُنُ بالأُذُنِ.
أجْمَع أهْلُ العلمِ على أنَّ الأُذُنَ تُؤْخَذُ بالأُذُنِ، وقد دَلَّتِ الآيةُ على ذلك، ولأنَّها تَنْتَهِى إلى حَدٍّ فاصِلٍ، فأَشْبَهَتِ اليَدَ.
وتُؤْخَذُ الكبيرةُ بالصَّغيرةِ، وتُؤْخَذُ أُذُنُ السَّميعِ بمثلِها وبأُذُنِ الأصَمِّ، وتُؤْخَذُ أُذُنُ الأصَمِّ بكلِّ واحدٍ منهما؛ لتَساوِيهما، فإنَّ ذَهابَ السَّمْعِ نَقْصٌ في الرَّأْسِ؛ لأنَّه مَحَلُّه، وليس بنَقْصٍ فيهما.
وتُؤْخَذُ الصَّحِيحَةُ بالمَثْقوبَةِ؛ لأَنَّ الثَّقْبَ ليس بعَيْبٍ، وإنَّما يُفْعَل في العادةِ للقُرْطِ والتَّزَيُّنِ به، فإن كان الثَّقْبَ في غيرِ مَحَلِّه، أو كانت مَخْرُومةً، أُخذَتْ بالصَّحِيحَةِ، ولم تُؤْخَذِ الصَّحِيحَةُ بها؛ لأَنَّ الثَّقْبَ إذا انْخَرَمَ صار نَقْصًا فيها، والثَّقْبُ في غيرِ مَحَلِّه عَيْبٌ، ويُخَيَّر المَجْنِىُّ عليه بينَ أخْذِ الدِّيَةِ إلَّا قَدْرَ النَّقْصِ، وبينَ أن يَقْتَصَّ فيما سِوَى المَعِيبِ ويَتْرُكَه مِن أُذُنِ
..................................
الجانِى 1. وفى وُجُوب الحُكومةِ له في قَدْرِ النَّقْصِ وَجْهان.
وإن قُطِعَتْ بعضُ أُذُنِه، فله أَن يَقْتَصَّ مِن أُذُنِ الجانِى بقَدْرِ ما قُطِع مِن أُذُنِه، ويُقَدَّرُ ذلك بالأجْزاءِ، فيُؤْخَذُ النِّصْفُ بالنِّصْفِ، وعلى حسابِ 2 ذلك.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعىِّ: لا يَجْرِى القِصاصُ في البَعْضِ؛ لأنَّه لا يَنْتَهِى إلى حَدٍّ.
ولَنا، أنَّه يُمْكِنُ تَقْدِيرُ المَقْطُوعِ، وليس فيها كَسْرُ عَظْمٍ، فجَرَى القِصاصُ في بعْضِها، كالذَّكَرِ، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذكَرُوه.
فصل: وتُؤْخَذُ الأُذُنُ المُسْتَحْشِفَةُ 3 بالصَّحِيحةِ.
وهل تُؤْخَذُ الصَّحِيحةُ بها؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا تُؤْخَذُ بها؛ لأنَّها ناقِصَةٌ مَعِيبةٌ، فلم تُؤْخَذْ بها الصَّحِيحَةُ، كاليَدِ الشَّلَّاءِ وسائرِ الأعْضاءِ.
والثانى، تُؤْخَذُ بها؛ لأَنَّ المَقْصُودَ منها جَمْعُ الصَّوْتِ، وحِفْظُ مَحَلِّ السَّمْعِ، والجمالُ 4، وهذا يَحْصُلُ بها كحُصُولِه بالصَّحِيحةِ، بخِلافِ سائرِ الأعْضاءِ.