..................................
مَدْبُوغٍ، ففيه وَجْهانِ، أحَدُهما، يُقْبَلُ؛ لأنَّه شئٌ يَجِبُ رَدُّه وتَسْلِيمُه إليه، فالإِيجابُ يَتَناوَلُه.
والثانى، لا يُقْبَلُ؛ لأَنَّ الإِقْرارَ إخْبارٌ عمّا يَجِبُ
..................................
ضَمانُه، وهذا لا يجبُ ضَمانُه.
وإن فَسَّرَه بِحَبَّةِ 1 حِنْطةٍ أو شَعِيرٍ ونحوِها، لم يُقْبَلْ، لأَنَّ هذا لا يُتَمَوَّلُ عادَةً على انْفِرادِه.
وإن فَسَّره بحدِّ قَذْفٍ، قُبِلَ، لأنَّه حَقٌّ يَجِبُ عليه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ أنَّه لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه لا يَئُولُ إلى مالٍ.
والأَوَّلُ أصَحُّ، لأَنَّ ما يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ يَصِحُّ أن يُقالَ: هُوَ عَلَىَّ.
ويَصِحُّ تَفْسِيرُه بِحَقِّ شُفْعةٍ، لأنَّه 2 حَقٌّ واجِبٌ، ويَئُولُ إلى المالِ.
وإن فَسَّرَه بِرَدِّ السَّلامِ أو تَشْمِيتِ العاطِسِ ونحوه، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه يَسْقُطُ [بفَواتِه، ولا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ.
وهذا الإِقْرارُ يَدُل على ثُبُوتِ الحَقِّ في الذِّمَّةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ تَفْسِيرُه] 3 إذا أرادَ، أنَّ 4 حَقًّا عَلَىَّ رَدُّ سَلَامِه
.................................. إذا سَلَّمَ، وتَشْمِيتُه إذا عَطَسَ؛ لِما رُوِى في الخَبَرِ: «لِلْمُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ ثَلَاثُونَ حَقًّا؛ يَرُدُّ سَلَامَه، ويُشَمِّتُ 1 عَطْسَتَه، ويُجِيبُ دَعْوَتَه» 2.
وَإِنْ قَالَ: غَصَبْتُ مِنْهُ شَيْئًا.
ثُمَّ فَسَّرَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ وَلَدِهِ، لَمْ يُقْبَلْ.
5182 - مسألة: (وإن قال: غَصَبْتُ منه شيئًا. ثم فَسَّرَه بِنَفْسِه أو وَلَدِه، لم يُقْبَلْ)
لأَنَّ الغَصْبَ لا يَثْبُتُ عليه.
وإن أرادَ أَنِّى حَبَسْتُكَ وسَجَنْتُكَ، قُبِلَ.
[ذكَرَه في] 1 «المُحَرَّرِ».
وإن فَسَّرَه بما لَيْسَ بمالٍ مما يُنْتَفَعُ به، قُبِلَ؛ لأَنَّ الغَصْبَ يَشْتَمِلُ عليه، كالكَلْبِ وجِلْدِ المَيْتةِ؛ لأنَّه قد يَقْهَرُه عليه.
وإن فَسَّره بما لا نَفْعَ فيه، أو ما لا يُباحُ الانْتِفاعُ به، لم يُقْبَلْ؛ لأَنَّ أخْذَ ذلك ليس بغَصْبٍ 2. وهذا الذى ذكَرْناه في هذا البابِ
..................................
أكْثَرُه مَذْهبُ الشَّافعىِّ.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ أنَّه لا يُقْبَلُ تَفْسِيرُ إقْرارِه بغيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ؛ لأَنَّ غَيْرَهما لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ بِنَفْسِه.
ولَنا، أنَّه مَمْلُوكٌ يَدْخُلُ تحتَ العَقْدِ، فجازَ أن يُفَسَّرَ به الشئُ في الإِقْرارِ، كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ، ولأنَّه يَثْبُتُ في الذمةِ في الجُمْلَةِ، فصَحَّ التَّفْسِيرُ به، كالمَكِيلِ [والمَوزُونِ] 1، ولا عِبْرَةَ بِسَبَبِ ثُبُوتِه في الإِخْبارِ به والإِخْبارِ عنه.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ مَالٌ عَظِيمٌ، أَوْ: خَطِيرٌ، أَوْ: كَثِيرٌ، أَوْ: جَلِيلٌ.
قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
فصل: وتُقبلُ الشَّهادةُ على الإقرارِ بالمجهولِ؛ لأَنَّ الإقرارَ به صَحِيحٌ، وما كان صحيحًا في نفسِه صَحَّتِ الشهادةُ به، كالمعلومِ.
5183 -
مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ مالٌ عَظِيمٌ، أو: خَطِيرٌ، أو: كَثِيرٌ، أو: جَلِيلٌ. قُبِلَ تَفْسِيرُه بالكَثِيرِ والقَلِيلِ)
كما لو قال: له عَلَىَّ مالٌ.
ولم يَصِفْه.
وهذا قولُ الشّافعىِّ.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ: لا يُقْبَلُ تَفْسِيرُه
..................................
بأقَلَّ مِن عَشَرَةٍ؛ لأنَّه يُقْطَعُ به السّارِقُ، ويكونُ صَدَاقًا عندَه.
وعنه، لا يُقْبَلُ بأقَلَّ 1 مِن مائَتَىْ دِرْهمٍ.
وبه قال صاحِباه؛ لأنَّه الذى تَجِبُ فيه الزَّكاةُ.
وقال بعضُ أصحابِ مالِكٍ كَقوْلِهم في المالِ.
ومنهم مَن قال: يَزِيدُ على ذلك أقَلَّ زِيادَةٍ.
ومنهم مَن قال: قَدْرُ الدِّيَةِ.
وقال اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ: أثْنانِ وسَبْعُونَ؛ لأَنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى قال: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ 2. وكانت غَزَواتُه وسَرَاياه اثنَتَيْنِ وسَبْعِينَ.
قالوا: ولأَنَّ الحَبَّةَ لا تُسَمَّى مالًا عَظِيمًا ولا كَثِيرًا.
ولنا، أنَّ العَظِيمَ والكَثِيرَ لا حَدَّ له في الشَّرْعِ، ولا اللُّغَةِ، ولا العُرْفِ، ويَخْتَلِفُ الناسُ 3 فيه،
..................................
فمنهم مَن يَسْتَعْظِمُ القَلِيلَ، ومنهم مَن يَسْتَعْظِمُ الكَثِيرَ، ومنهم مَن يَحْتَقِرُ الكَثِيرَ، فلم يَثْبُتْ 1 في ذلك حَدٌّ يُرْجَعُ في تَفْسِيرِه إليه، ولأنَّه ما مِن مالٍ إلَّا وهو عَظِيمٌ كثيرٌ بالنِّسْبَةِ إلى ما دُونَه، ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد عَظِيمًا عندَه 2 لفَقْرِ نَفْسِه ودَناءَتِها، وأمّا ما ذَكَرُوه، فليس فيه تَحْدِيدُ الكَثِيرِ، وكَوْنُ ما ذَكَرُوه كَثِيرًا لا يَمْنَعُ الكَثْرَةَ فيما دُونَه، وقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ 3. فلم يَنْصَرِفْ إلى ذلك، وقال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ 4. فلم يُحْمَلْ على ذلك.
والحُكْمُ فيما إذا قال: عَظِيمٌ جِدًّا.
أو: عَظِيمٌ عَظِيمٌ (2). كما لو لم يَقُلْه؛ لِما قَرَّرْنَاه.
فصل: وإن أقَرَّ بمالٍ، قُبِلَ تَفسِيرُه بالقَلِيلِ والكَثِيرِ، كالمسألةِ قبلَ
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ دَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ.
قُبِلَ تَفْسِيرُهَا بِثَلَاثةٍ فَصَاعِدًا.
هذا.
وبهذا قال الشّافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُقْبَلُ تَفْسِيرُه بغيرِ المالِ الزَّكَوِىِّ؛ لقولِ اللَّهِ سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (1). وقولِه: ﴿وَفِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ (2). وحَكَى بعضُ أصحاب مالِكٍ عنه ثلاثةَ أوْجُهٍ؛ أحدُها، كَقَوْلِنا.
والثانى، لا يُقْبَلُ إلَّا (3) أوَّلُ نِصَابٍ مِن نُصُبِ الزَّكاةِ مِن نَوْعِ أمْوالِهِمْ.
والثالثُ، ما يُقْطَعُ به السّارِقُ، ويَصِحُّ مَهْرًا؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (4). ولَنا، أنَّ غَيْرَ ما ذَكَرُوه يَقَعُ عليه اسْمُ المالِ حَقِيقَةً وعُرْفًا، ويُتَمَوَّلُ عادَةً، فيُقْبَلُ تَفْسِيرُه به، كالذى وافَقُوا عليه.
وأمّا آيةُ الزَّكَاةِ فقد دَخَلَها التَّخْصِيصُ، وقولُه تعالى: ﴿وَفِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾.
لم يُرِدْ بها الزَّكاةَ؛ لأنَّها نَزَلَتْ بمكةَ قَبلَ فَرْضِ الزَّكاةِ، فلا حُجَّةَ لهمِ فيها، ثم يَرُدُّه قولُه تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾.
والتَّزْوِيجُ جائِرٌ بِأىِّ نوْعٍ كان مِن المالِ وبما دُونَ النِّصَابِ.
5184 -
مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ دَرَاهِمُ كَثِيرةٌ. قُبِلَ تَفْسِيرُه بثَلاثةٍ فصَاعِدًا)
أمّا إذا قال: له عَلَىَّ دَرَاهِمُ.
لَزِمَه ثَلاثةٌ؛ لأنَّها أقَلُّ1234
..................................
الجَمْعِ.
وإن قال: له عَلَىَّ 1 دَرَاهِمُ كَثيرةٌ، أو: وافِرَةٌ، أو: عَظِيمةٌ.
لَزِمَتْه ثلاثةٌ أيضًا.
وبهذا قال الشّافِعِىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهِ.
بأَقَلَّ مِن عَشَرَةٍ؛ لأنَّها أقَلُّ جَمْعِ الكَثْرةِ.
وقال أبو يُوسف: لا يُقْبَلُ أقَلُّ مِن مائَتَيْنِ؛ لأَنَّ بها يَحْصُلُ الغِنَى وتَجِبُ الزَّكاةُ.
ولَنا، أنَّ الكَثْرةَ والعَظَمةَ لا حَدَّ لها شَرْعًا، ولا لُغَةً، ولا عُرْفًا، وتَخْتَلِفُ بالأَوْصافِ وأَحْوالِ النّاسِ، فالثَّلاثةُ أكْثَرُ ممّا دُونَها، وأَقَلُّ ممّا فَوْقَها، ومِن الناسِ مَن يَسْتَعْظِمُ اليَسِيرَ، ومنهم مَن 2 يَسْتَعْظِمُ الكَثِيرَ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ المُقِرَّ أراد كَثِيرةً بالنِّسْبةِ إلى ما دونَها، أو كَثيرَةً 3 في نَفْسِه، فلا تَجِبُ الزِّيادَةُ بالاحْتِمالِ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ كَذَا دِرْهَمٌ.
أَوْ: كَذَا وَكَذَا.
أَوْ: كَذَا كَذَا دِرْهَمٌ.
بِالرَّفْعِ، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ.
وَإِنْ قَالَ بِالْخَفْضِ، لَزِمَهُ بَعْضُ دِرْهَمٍ، يُرْجَعُ فِى تَفْسِيرِه إِلَيْهِ.
5185 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ كذا دِرْهَمٌ. أو: كَذا وكَذا)
درْهمٌ 1 (أو: كَذَا كَذا درْهَمٌ.
بالرَّفْعِ، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ) لأَنَّ تَقْدِيرَه شىَءٌ هو دِرْهَمٌ (وإن قال باَلخَفْضِ، لَزِمَه بعضُ دِرْهَمٍ) لأَنَّ «كَذَا» يَحْتَمِلُ أن يكونَ جُزْءًا مُضافًا إلى دِرْهَمٍ، و (يُرْجَعُ في تَفْسِيرِه إليه) إذا فَسَّرَه بذلك؛ لأنَّه مُحْتَمِلٌ.
وَإِنْ قَالَ: كَذَا درْهَمًا.
بِالنَّصْبِ، لَزِمَهُ درْهَمٌ.
وَإِنْ قَالَ: كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا.
بِالنَّصْبِ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِىُّ: يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ.
5186 - مسألة: (وإن قال: كذا درهَمًا. بالنَّصْبِ، لَزِمَه درْهَمٌ)
ويكونُ مَنْصُوبًا على التَّمْيِيزِ.
5187 -
مسألة: (وإن قال: كَذَا وكَذا دِرْهَمًا. بالنَّصْب، فقال ابنُ حامِدٍ)
والقاضى: (يَلْزَمُه دِرْهَمٌ) لأَنَّ الدِّرْهَمَ الواحدَ يجوزُ أنَّ يكونَ تَفْسِيرًا لِشَيْئَيْنِ، كلُّ واحدٍ بعضُ دِرْهَمٍ (وقال أبو الحَسَنِ التَّميمِىُّ: يَلْزَمُه دِرْهَمانِ) لأنَّه ذكَرَ جُمْلَتَيْن فَسَّرَهما بدِرْهَمٍ، فيَعُودُ التَّفْسِيرُ إلى كلِّ واحدةٍ 1 منهما، كَقَوْلِه: عِشرُونَ دِرْهَمًا.
إذا قال: كذا.
ففيه ثلاثُ مسائِلَ؛ أحدُها، أن يقولَ: كذا.
بغَيْرِ تَكْرِيرٍ ولا عَطْفٍ.
..................................
الثَّانيةُ، أن يُكَرِّرَ بغيرِ عَطْفٍ.
الثَّالثةُ، أن يَعْطِفَ فيقولَ: كَذا وكَذا.
فأمّا الأُولَى: فإذا قال: له عَلَىَّ كذا دِرْهَم.
لم يَخْلُ مِن أرْبعةِ أحْوالٍ؛ أحدُها، أن يقولَ: له عَلَىَّ كذا دِرْهَمٌ.
بالرَّفعِ، فيَلْزَمُه دِرْهَمٌ.
وتَقْدِيرُه شئٌ هو دِرْهَمٌ، فجَعَل الدِّرْهَمَ بَدَلًا مِن كذا.
الثانى، أن يقولَ: دِرْهَمٍ.
بالجَرِّ، فيَلْزَمُه جُزْءُ دِرْهَمٍ، يُرْجَعُ في تَفْسِيرِه إليه، والتَّقْدِيرُ جُزْءُ دِرْهَمٍ، أو بعضُ دِرْهَمٍ، ويكونُ كذا كِنايَةً عنه.
الثالثُ، أن يقولَ: دِرْهَمًا.
بالنَّصْبِ، فيَلْزَمُه دِرْهَمٌ، ويكونُ مَنْصُوبًا على التَّفْسِيرِ، وهو التَّمْييزُ.
وقال بعضُ النَّحْوِيِّينَ: هو مَنْصُوبٌ على القَطْعِ، كأنَّه قَطَعَ ما ابْتَدأَ به، وأقَرَّ بدِرْهَمٍ.
وهذا على قَوْلِ الكُوفِيِّينَ.
الرابعُ، أن يَذْكُرَه بالوَقْفِ، فيُقْبَلُ تَفْسِيرُه بجُزْءِ دِرْهَمٍ أيضًا؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ أَسْقَطَ حَرَكَةَ الجَرِّ للوَقْفِ.
وهذا مذهبُ الشّافعىِّ.
وقال القاضى: يَلْزَمُه دِرْهَمٌ في الحالاتِ كُلِّها.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشّافعىِّ.
ولنا، أنَّ «كذا» اسْمٌ مُبْهَمٌ، فصَحَّ تَفْسِيرُه بجُزْءِ دِرْهَمٍ في حالِ الجَرِّ والوَقْفِ.
..................................
المسألةُ الثَّانيةُ: إذا قال: كَذا كَذا.
بغيرِ عَطْفٍ، فالحُكْمُ فيها كالحُكْمِ في كَذا بغيرِ تَكْرِيرٍ سَواءً، لا يتَغَيَّرُ الحُكْمُ 1، ولا يَقْتَضِى تَكْرِيرُه الزِّيادَةَ، كأنَّه قال: شئٌ شئٌ.
ولأنَّه إذا قاله بالجَرِّ، احْتَمَلَ أن يكونَ قد أضَاف جُزْءًا إلى جُزْءٍ، ثم أضافَ الجُزْءَ الأَخيرَ إلى الدِّرْهَمِ، فقال: نِصْفُ تُسْعِ 2 دِرْهَمٍ.
وهكذا لو قال: كذا كذا كذا 3. لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ ثُلُثَ خُمْسِ سُبْعِ 4 دِرْهَمٍ، ونحوَه.
المسألةُ الثَّالثةُ: إذا عَطَفَ، فقال: كذا وكذا دِرْهَمٌ.
بالرَّفْعِ، لَزِمَه دِرْهَمٌ واحدٌ؛ لأنَّه ذَكَرَ شَيْئَيْنِ، ثم أبْدَلَ منهما دِرْهَمًا، فصارَ كأنَّه قال: هما دِرْهَمٌ.
وإن قال: درْهَمًا.
بالنَّصْبِ، ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، يَلْزَمُه دِرْهَمٌ واحدٌ، وهوَ قولُ [أبى عبدِ اللَّه] 5 ابنِ حامِدٍ، والقاضِى؛ لأَنَّ «كذا» يَحْتَمِلُ أقَلَّ مِن دِرْهَمٍ، فإذا عَطَفَ عليه مِثْلَه، ثم فَسَّرَهُما
..................................
بدِرْهمٍ واحدٍ، جازَ، وكَان كلامًا صَحِيحًا.
وهذا يُحْكَى قَوْلًا للشّافِعِىِّ.
الثانى، يَلْزَمُه دِرْهَمانِ.
وهو اخْتِيارُ أبى الحَسَنِ التَّميمِىِّ؛ لأنَّه ذَكَرَ جُمْلَتَيْنِ، فإذا فَسَّرَ ذلك بدِرْهَمٍ، عاد التَّفْسِيرُ إلى كلٌ واحدٍ منهما 1، كقَوْلِه: عِشْرُونَ دِرْهَمًا.
يعودُ التَّفْسِيرُ إلى العِشْرِينَ، كذا ههُنا.
وهذا يُحْكَى قولًا ثانِيًا للشّافِعِىٌ.
الثالثُ، يَلْزَمُه أكْثَرُ مِن دِرْهَمٍ.
ولَعَلَّه ذَهَبَ إلى أنَّ الدِّرْهَمَ تَفْسِيرٌ للجُمْلةِ التى تَلِيه، فيَلْزَمُه بها دِرْهَمٌ، والأُولَى باقِيَة على إبْهامِها، فيُرْجَعُ في تَفْسِيرِها إليه.
وهذا يُشْبِهُ قولَ التَّمِيمِىٌ.
وقال محمدُ بنُ الحَسَنِ: إذا قال: كذا دِرْهَمًا.
لَزِمه عِشْرُونَ دِرْهَمًا؛ لأنَّه أقَلُّ عَدَدٍ يُفَسَّرُ بالواحِدِ المَنْصُوبِ، وإن قال: كَذا كَذا دِرْهَمًا.
لَزِمَه أحَدَ عَشرَ دِرْهَمًا؛ لأنَّه أقَلُّ عَدَدٍ مُرَكَّبٍ يُفَسَّرُ بالواحدِ المَنْصُوبِ 2، وإن قال: كَذا وكَذا دِرْهَمًا.
لَزِمَه أحَدٌ وعِشرُونَ دِرْهَمًا؛ لأنَّه أقَلُّ عَدَدٍ عُطِفَ بعضُه على بعض يُفَسَّرُ بذلك، وإن قال: كَذَا دِرْهَمٍ.
بالجَرِّ، لَزِمَه مائةُ دِرْهم (1)؛ لأنَّه أقَلُّ عَدَدٍ يُضافُ إلى الواحدِ.
وحُكِىَ عن أبى يُوسُفَ أنَّه قال: كَذا كَذا، أو كَذا وكَذا.
يَلْزَمُه
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ.
رُجِعَ فِى تَفْسِيرِهِ إِلَيْهِ، فَإِنْ فَسَّرَهُ بِأَجْنَاسٍ، قبِلَ مِنْهُ.
وَإِن قَالَ: لَهُ عَلىَّ أَلْفٌ وَدِرْهَمٌ.
أَوْ: أَلْفٌ
بهما أحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا.
ولَنا، أنَّه يَحْتَمِلُ ما قُلْنا، ويَحْتَمِلُ ما قالُوا، فوَجَبَ المَصِيرُ إلى ما قُلْنَا، لأنَّه اليَقِينُ، وما زادَ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ، كما لو قال (1): علَىَّ دَرَاهِمُ.
لم يَلْزَمْه إلَّا أقَلُّ الجَمْعِ، ولا يَلْزَمُ كَثْرَةُ الاسْتعْمالِ، فإنَّ اللَّفْظَ إذا كان حَقِيقةً في الأَمْرَيْنِ، جازَ التَّفْسِيرُ بكلِّ واحدٍ منهما.
وعلى ما ذكَرَه محمدٌ يكونُ اللَّفْظُ المُفْرَدُ يُوجِبُ أكْثَرَ مِن المُكَرَّرِ، فإنَّه يَجِبُ بالمُفْرَدِ عِشْرُونَ، وبالمُرَكَّبِ أحَدَ عَشَرَ، ولا نَعْرِفُ لَفْظًا مُفْرَدًا مُتَناوِلًا لِعَدَدٍ صَحِيحٍ يَلْزَمُ به أكْثَرُ ممّا يَلْزَمُ بمُكَرَّرِه.
5188 -
مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ. رُجِعَ في تَفْسِيرِه إليه، فإن فَسَّرَه بأجْناسٍ، قُبِلَ منه)
لأنَّه يَحْتَمِلُ ذلك.
5189 -
مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ ودِرْهَمٌ. أو: ألْفٌ
1
وَدِينَارٌ.
أَوْ: أَلْفٌ وَثَوْبٌ، أَوْ فَرَسٌ.
أَوْ: دِرْهَمٌ وَأَلْفٌ.
أَوْ: دِينَارٌ وَأَلْفٌ.
فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ، وَالْقَاضِى: الْأَلْفُ مِن جِنْسِ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ التَّمِيمِىُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ: يُرْجَعُ فِى تَفسِيرِ الأَلْفِ إِلَيْهِ.
ودِينارٌ.
أو: ألْف وثَوْبٌ، أو: فَرَسٌ.
أو: درْهَمٌ وأَلْفٌ.
أو: دِينارٌ وألْفٌ.
فقال ابنُ حامدٍ، والقاضِى: الألْفُ مِنَ جِنْسِ ما عُطِفَ عليه) وبه قال أبو ثَوْرٍ (وقال التَّمِيمِىُّ، وأبو الخَطَّابِ: يُرْجَعُ في تَفْسِيرِ الألْفِ إليه) لأَنَّ الشئَ 1 يُعْطَفُ على غيرِ جِنْسِه، قال اللَّهُ تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ
..................................
بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} 1. ولأَنَّ الأَلْفَ مُبْهَمٌ، فيُرْجَعُ في تَفْسِيرِه إلى المُقِرِّ، كما لو لم يَعْطِفْ عليه.
وقال أبو حنيفةَ: إن عَطَفَ على المُبْهَمِ مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، كان تَفْسِيرًا له، وإن عَطَفَ مَذْرُوعًا أو مَعْدُودًا، لم يكُنْ تَفْسِيرًا؛ لأَنَّ «عَلَىَّ» للإِيجابِ في الذِّمَّةِ، فإذا عَطَفَ عليه ما يَثْبُتُ في ذِمَّتِه بنَفْسِه، كان تَفْسِيرًا له، كقَوْلِه: مائةٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا.
ولَنا، أنَّ العَرَبَ تَكْتَفِى بتَفْسِيرِ إحْدَى الجُمْلَتَينِ عن الأُخْرَى، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِى كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ 2. وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ 3. ولأنَّه ذَكَرَ مُبْهَمًا مع مُفَسَّرِ 4 لم يَقمِ الدَّلِيلُ على أنَّه مِن غيرِ جِنْسِه، فكان المُبْهَمُ مِن جِنْسِ المُفَسَّرِ، كما لو قال: مائةٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا، أو: ثَلاثُمائةٍ وثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا.
يُحَقِّقُه أنَّ المُبْهَمَ يَحْتاجُ إلى التَّفْسِيرِ، وذِكْرُ التَّفْسِيرِ في الجملةِ المُقَارنَةِ له يَصْلُحُ أن يُفَسِّرَه، فوَجَب حَمْلُ الأمْرِ على ذلك.
وأمَّا قولُه: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
فإنَّه امْتَنَعَ أن تكونَ العَشْرُ أَشْهُرًا لِوَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، أنَّ العَشْرَ بغيرِ هاءٍ عَدَدٌ للمُؤنَّثِ، والأشْهُرُ مُذَكَّرةٌ،
..................................
فلا يجوزُ أن تُعَدَّ بغيرِ هاءٍ.
والثانى، أنَّها لو كانت أَشْهُرًا، لقال: أرْبَعَةَ عَشَرَ شَهْرًا.
بالتَّرْكِيبِ لا بالعَطْفِ، كما قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ 1. وقولُهم: إنَّ الألْفَ مُبْهَمٌ.
قلنا: قُرِنَ به ما يَدُلُّ على تَفْسِيرِه، فأشْبَهَ ما لو قال: مائةٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا، أو: مائةٌ و 2 دِرْهَمٌ.
عندَ أبى حنيفةَ.
فإن قيل: إذا قال: مائةٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا.
فالدِّرْهَمُ ذُكِرَ للتَّفْسِيرِ، ولهذا لا يَزْدادُ 3 به العَدَدُ، فصَلَحَ تَفْسِيرًا لجَميعِ ما قَبْلَه، بخِلافِ قَوْلِه: مائةٌ ودِرْهَمٌ.
فإنَّه ذَكَرَ الدِّرْهَمَ للإِيجابِ لا للتَّفسِيرِ، بدَلِيلِ أنَّه زادَ به العَدَدُ.
قلنا: هو صالِحٌ للإِيجابِ والتَّفْسِيرٍ معًا، والحاجَةُ داعِيَةٌ إلى التَّفْسِيرِ، فوَجَبَ حَمْلُ الأمْرِ على ذلك، صِيانَةً لكَلامِ المُقِرِّ عن الالتِباسِ والإِلهامِ، وصَرْفًا له إلى البَيَانِ والإِفْهامِ.
وقولُ أبى حنيفةَ: إنَّ «عَلَىَّ» للإِيجابِ.
قلنا: فمتى عُطِفَ ما يَجِبُ بها على ما لا يَجبُ، وكان أحَدُهما مُبْهَمًا والآخَرُ مُفَسَّرًا، وأمْكَنَ تَفْسِيرُه به، وَجَبَ أَن يكونَ المُبْهَمُ مِن جنْسِ المُفَسَّرِ.
فأمّا إن لم يُمْكِنْ 4، مثلَ أن يُعْطَفَ عَدَدُ المُذَكَّرِ عِلى المُؤنَّثِ، أو بالعَكْسِ، ونحو ذلك، فلا يكون أحَدُهُما مِن جِنْسِ الآخرِ، ويَبْقَى المُبْهَمُ على إبْهامِه، كما لو قال: له
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا.
أَو: خَمْسُونَ وَأَلْفُ دِرْهَمٍ.
فَالْجَمِيعُ دَرَاهِمُ.
وَيَحْتَمِلُ عَلَى قَوْلِ التَّمِيمِىِّ أَنْ يُرْجَعَ فِى تَفْسِيرِ الْأَلْفِ إِلَيْهِ.
علىَّ (1) أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ وعَشْرٌ.
5190 -
مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا. أو: خَمْسُونَ وألْفُ دِرْهَمٍ. فالجَمِيعُ دَراهِمُ. ويَحْتَمِلُ على قولِ التَّمِيمِىِّ أن يُرْجَعَ في تَفْسِيرِ الألْفِ إليه)
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشّافِعِىِّ.
وكذلك إن قال: ألْفٌ وثَلاثةُ دَرَاهِمَ.
أو: مائةٌ و 2 ألْفُ درْهَمٍ.
والصَّحِيحُ الأوّلُ، فإنَّ الدِّرْهَمَ المُفَسَّرَ يكونُ تَفْسِيرًا لجميعِ ماَ قَبْلَه مِن الجُمَلِ المُبْهَمةِ وجِنْسِ العَدَدِ، قال اللَّهُ تعالى مُخْبِرًا عن أحَدِ الخَصمَيْنِ أنَّه قال: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ 3. وفى الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- تُوُفِّىَ وهو ابنُ ثَلاثٍ وسِتِّينَ سَنَةً 4. وقال عَنْتَرةُ 5:1
..................................
فيها اثْنَتَانِ وأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً … سُودًا كَخَافِيَةِ الغُرَابِ الأَسْحَمِ
ولأَنَّ الدِّرْهَمَ ذُكِرَ تَفْسِيرًا، ولهذا لا يَجبُ به زِيادَةٌ على العَدَدِ المَذْكُورِ، فكان تَفْسِيرًا لجميعِ ما قبْلَه؛ لأنَّها 1 تَحْتاجُ إلى تَفسِيرٍ، وهو صالِحٌ لتَفْسِيرِها، فوَجَبَ حَمْلُه على ذلك، وهذا المَعْنَى مَوْجُودٌ في قولِه: ألْفٌ وثَلاثةُ دَراهِمَ.
وسائِرِ الصُّوَرِ المَذْكُورةِ.
فعلى قَوْلِ مَن لا يَجْعَلُ المُجْمَلَ مِن جِنْسِ المُفَسَّرِ، لو قال: بِعْتُكَ هذا بمائةٍ وخَمْسِينَ دِرْهَمًا.
أو: بخَمْسَةٍ 2 وعِشْرِينَ دِرْهَمًا.
لا يَصحُّ.
وهو قولٌ شاذٌّ ضَعِيفٌ لا يُعَوَّلُ عليه.
وإن قال: له عَلَىَّ ألْفُ دِرْهَم إلَّا خَمْسِينَ.
فالمُسْتَثْنَى دَرَاهِمُ؛ لأَنَّ العَرَبَ لا تَسْتَثْنِى في الإِثْباتِ إلَّا مِن الجِنْسِ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ إلَّا دِرْهَمًا.
فَالْجَمِيعُ دَرَاهِمُ.
5191 - مسألة: [وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ إلَّا دِرْهَمًا. فالجميعُ دَراهِمُ) لأَنَّ العربَ لا تَستَثْنِى في الإثْباتِ إلَّا مِن الجنسِ]
1. وهذا اخْتِيارُ ابنِ حامدٍ، والقاضِى.
وقال أبو الحَسَنِ التَّمِيمِىُّ، وأبو الخَطَّابِ: يكونُ الألْفُ مُبْهَمًا، يُرْجَعُ في تَفْسِيرِه إليه.
وهو قولُ مالكٍ، والشَّافعىِّ؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ عندَهما يَصِحُّ مِن غيرِ الجِنْسِ، ولأَنَّ لَفْظَه في الأَلْفِ مُبْهَمٌ، والدِّرْهَمُ لم يُذْكَرْ تَفْسِيرًا له، فيَبْقَى 2 على إبْهامِه.
ولَنا، أنَّه لم يَرِدْ عن العَرَبِ الاسْتِثْناءُ في الإثْباتِ إلَّا مِن الجِنْسِ، فمتى عُلِمَ أحَدُ الطرًّفيْنِ عُلِمَ أنَّ الآخَرَ مِن جِنْسِه، كما لو عُلِمَ المُسْتَثْنَى منه، وقد سَلَّمُوه، وعِلَّتُه تَلازُمُ المُسْتَثْنَى والمُسْتَثْنَى منه في الجِنْسِ، فما ثَبَتَ في أحَدِهما ثَبَتَ في الآخرِ.
فعلى قولِ أبى الحَسَنِ التَّمِيمِىِّ، وأبى الخَطَّابِ، يُسألُ عن المُسْتَثْنَى، فإن فَسَّرَه بغيرِ الجِنْسِ، بَطَلَ الاسْتِثْناءُ.
وعلى قولِ غيرِهما، يُنْظَرُ في المُسْتَثْنَى، إن كان مِثلَ المُسْتَثْنَى منه أو أكْثَرَ،
..................................
بَطَل 1، [وإلا صَحَّ] 2.
فصل: وإن قال: له تِسْعةٌ وتِسْعُونَ دِرْهَمًا.
فالجميعُ دَرَاهِمُ.
ولا أعْلَمُ فيه خِلافًا.
وكذلك إن قال: مائةٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا (3). وخَرَّجَ بعضُ أصحابنا وجهًا أنَّه لا يكونُ تَفْسِيرًا إلَّا لِما يَلِيه.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشَّافعىِّ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ فِى هَذَا الْعَبْدِ شِرْكٌ.
أَوْ: هُوَ شَرِيكِى فِيهِ.
أَوْ: هُوَ شَرِكَةٌ بَيْنَنَا.
رُجِعَ فِى تَفْسِيرِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ إلَيْهِ.
5192 - مسألة: (وإن قال: له في هذا العَبْدِ شِرْكٌ. أو: هو شَرِيكِى فيه. أو: هو شَرِكَةٌ بينَنا. رُجِعَ في تَفْسِيرِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ إليه)
وقال أبو يُوسفَ: يكونُ مُقِرًّا بنِصْفه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِى الثُّلُثِ﴾ 1. فاقْتَضَى ذلك التَّسْوِيةَ بينَهم، كذا ههُنا.
ولَنا، أنَّ أىَّ جُزْءٍ كان له منه، فلَه فيه شَرِكَةٌ، فكان له تَفْسِيرُه بما شاءَ، كالنِّصْفِ،
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَكْثَرُ مِنْ مَالِ فُلَانٍ.
قِيلَ لَهُ: فَسِّرْ.
فَإنْ فَسَّرَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ قَدْرًا، قُبِلَ وَإِنْ قَلَّ.
وَإِنْ قَالَ: أرَدْتُ أكْثَرَ بَقَاءً وَنَفْعًا؛ لأَنَّ الْحَلَالَ أَنْفَعُ مِنَ الْحَرَامِ.
قُبِلَ مَعَ يَمِينِه، سَوَاءٌ عَلِمَ مَالَ فُلَانٍ
وليس إطْلاقُ لَفْظِ الشَّرِكَةِ على ما دُونَ النِّصْفِ مَجازًا، ولا مُخالِفًا للظاهرِ، والآيةُ ثَبَتَتِ التَّسْوِيةُ فيها بدَلِيلٍ آخَرَ.
وكذلك الحُكْمُ إذا قال: هذا العَبْدُ شَرِكَةٌ بينَنا.
وإن قال: له فيه سَهْمٌ.
فكذلك.
وقال القاضِى: يُحْمَلُ على السُّدْسِ، كالوَصِيَّةِ.
5193 -
مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ أكْثَرُ مِن مالِ فُلانٍ.
قيل له: فَسِّرْ.
فإن فَسَّرَه بأكْثَرَ منه قَدْرًا، قُبِلَ.
وإن قال: أرَدْتُ أكْثَرَ بَقاءً ونَفْعًا؛ لأَنَّ الحَلَالَ أنْفَعُ مِن الحَرَامِ.
قُبِلَ)
قولُه (مع يَمِينِه، سواءٌ عَلِمَ
أَوْ جَهِلَهُ، أَوْ ذَكَرَ قَدْرَهُ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ أَكْثَرُ مِنْهُ قَدْرًا بِكُلِّ حَالٍ.
مالَ فلانٍ أو جَهِلَه، أو ذَكَرَ قَدْرَه أو لم يَذْكُرْه) أمّا إذا فَسَّرَه بأكْثَرَ منه قَدْرًا، فإنَّه يُقْبَلُ تَفْسِيرُه، ويَلْزَمُه أكْثَرُ منه.
وتُفَسَّرُ الزِّيادَةُ بما يُرِيدُ مِن قَلِيلٍ أو كَثِيرٍ، ولو حَبّةَ حِنْطةٍ.
ولو قال: ما عَلِمْتُ لفلانٍ أكْثَرَ مِن كذا.
وقامتِ البَيِّنةُ بأكْثَرَ منه، لم يَلْزَمْه أكْثَرُ مما اعْتَرفَ به؛ لأَنَّ مَبْلَغَ المالِ حَقِيقةٌ لا تُعْرَفُ في الأكْثَرِ، وقد يكونُ ظاهرًا وباطِنًا، فيَمْلِكُ ما لا 1 يَعْرِفُه المُقِرُّ، فكان المَرْجعُ إلى ما اعْتَقَدَه المُقِرُّ مع يَمِينِه إذا ادَّعَى عليه أكْثَرَ منه.
وإن فَسَّرَه بأقَلَّ مِن مالِه مع عِلْمِه بمالِه، لم يُقْبَلْ.
وقال أصحابُنا: يُقْبَل تَفْسِيرُه بالكَثِيرِ والقَلِيلِ.
وهو مذهبُ الشّافِعِىِّ، سواءٌ عَلِمَ مالَ فلانٍ أو جَهِلَه، أو ذَكَر قَدْرَه أو لم يَذْكُرْه، أو قاله عَقِيبَ الشَّهادَةِ بقَدْرِه أو لا؛ لأنَّه 2 يَحْتَمِلُ أنَّه أكْثَرُ منه بَقاءً أو مَنْفَعةً أو بَرَكةً؛ لكَوْنِه مِن
..................................
الحَلَالِ، أو لأنَّه في الذِّمَّةِ.
قال القاضِى: ولو قال: لى عليك ألْفُ دِينارٍ.
فقال: لك عَلَىَّ أكْثَرُ مِن ذلك.
لم يَلْزَمْه أكْثَرُ منها؛ لأَنَّ لَفْظَةَ «أكْثَرَ» مُبْهَمةٌ؛ لِاحْتِمالِها ما ذكَرْنا، ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد أكْثَرَ منه فُلُوسًا، أو حَبَّ حِنْطةٍ أو شَعِيرٍ أو دُخْنٍ، فيُرْجَعُ في تَفْسِيرِها إليه.
قال شَيْخُنا 1: وهذا بَعِيدٌ.
فإنَّ لَفْظةَ «أكْثَرَ» إنَّما تُسْتَعْمَلُ حَقِيقةً في العَدَدِ أو في القَدْرِ، وتَنْصَرِفُ إلى جِنْسِ ما أُضِيفَ «أكْثَرُ» إليه، لا يُفْهَمُ في الإطْلاقِ غيرُ ذلك، قال اللَّهُ تعالى: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ 2. وأخْبَرَ عن الذى قال: ﴿أنَا أكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ 3. ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ 4. والإِقْرارُ يُؤْخَذُ فيه بالظّاهِرِ دون مُطْلَقِ الاحْتِمالِ، ولهذا لو أقَرَّ بدَراهِمَ، لَزِمَه أقَلُّ الجمعِ 5، جِيَادًا صِحَاحًا وازِنةً حالَّةً.
ولو قال: له عَلَىَّ دَرَاهِمُ.
لم يُقْبَلْ تَفسِيرُها بالوَدِيعةِ.
ولو رُجِع إلى مُطْلَقِ الاحْتِمالِ، سَقَط الإِقْرارُ، واحْتِمالُ ما ذَكَرُوه أبعَدُ مِن هذه الاحْتِمالاتِ
وَإِنِ ادَّعَى عَلَيْهِ دَيْنًا، فَقَالَ: لِفُلَانٍ عَلَىَّ أَكْثَرُ مِمَّا لَكَ.
وَقَالَ: أَرَدْتُ التَّهَزُّؤَ.
لَزِمَهُ حَق لَهُمَا، يُرْجَعُ فِى تَفْسِيرِه إِلَيْهِ، فِى أحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَفِى الْآخَرِ، لَا يَلْزَمُهُ شَىْءٌ.
التى لم يَقْبَلُوا تَفْسِيرَه بها، فلا يُعَوَّلُ على هذا.
5194 -
مسألة: (ولو ادَّعَى عليه دَيْنًا، فقال: لفُلانٍ عَلَىَّ أكْثَرُ ممّا لَكَ.
وقال: أَردْتُ التَّهَزُّؤَ.
لَزِمَهُ حقٌّ لهما، يُرْجَعُ في تَفْسِيرِه إليه، في أحَدِ الوَجْهَيْن.
وفى الآخرِ، لا يَلْزَمُه شئٌ)
لأنَّه أقَرَّ لفلانٍ بحَقٍّ مَوْصُوفٍ بالزِّيادَةِ على [ما للمُدَّعِى] 1، فيَجبُ عليه ما أَقَرَّ به لفلانٍ، ويَجِبُ للمُدَّعِى حَقٌّ؛ لأَنَّ لَفْظَه يَقْتَضِى أن يَكونَ له شئٌ.
وفى الآخَرِ، لا يَلْزَمُه شئٌ؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ أرادَ: حَقُّكَ عَلَىَّ أكْثَرُ مِن حَقِّه.
والحَقُّ لا يَخْتَصُّ بالمالِ.
فَصْلٌ: إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَىَّ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةٍ.
لَزِمَهُ ثَمَانِيَةٌ.
وَإِنْ قَال: مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ.
لَزِمَهُ تِسْعَةٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَلْزَمَهُ عَشَرَةٌ.
فصل
: إذا قال: له عَلَىَّ ألْفٌ إلا شيئًا.
قُبِلَ تَفْسِيرُه بأكْثَرَ مِن خَمْسِمائةٍ؛ لأَنَّ الشئَ يَحْتَمِلُ الكَثِيرَ والقَلِيلَ، لكنْ لا يجوزُ اسْتِثْناءُ الأكْثَرِ، فتَعَيَّنَ 1 حَمْلُه على ما دون النِّصْفِ.
وكذلك إن قال: إلَّا قَلِيلًا.
لأنَّه مُبْهَمٌ، فأشْبَهَ قولَه: إلا شيئًا.
وإن قال: له عَلَىَّ مُعْظَمُ ألْفٍ.
أو: جُلُّ أَلْفٍ.
أو: قَرِيبٌ مِن أَلْفٍ.
لَزِمَه أكْثَرُ مِن نِصْفِ الألْفٍ، ويَحْلِفُ على الزِّيادَة، إنِ ادُّعِيَتْ عليه.
فصل: (وإذا قَال: له عَلَىَّ ما بَيْنَ دِرْهَمٍ وعَشَرَةٍ.
لَزِمَه ثَمانِيةٌ) لأَنَّ ذلك ما بينَهما (وإن قال: مِن درْهَم إلى عَشَرَةٍ) ففيه ثلاثةُ أَوْجُهٍ؛ أحدُها (يَلْزَمُه تِسْعةٌ) وهذا يُحْكَىَ عن أبى حنيفةَ؛ لأَنَّ «مِنْ» لِابْتِداءِ
..................................
الغَايةِ، وأَوَّلُ الغايةِ منها، [و «إلى» لِانْتِهاءِ الغايةِ] 1، فلا تَدْخُلُ فيها، كَقَولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ 2. والثانى، يَلْزَمُه ثمانِيةٌ؛ لأَنَّ الأوَّلَ والعاشِرَ حَدَّانِ، فلا يَدْخُلانِ في الإِقْرارِ، ويَلْزِمُه ما بينَهما، كالتى قبلَها.
والثالثُ، يَلْزَمُه عَشَرَةٌ؛ لأَنَّ العاشِرَ أحَدُ الطَّرَفيْنِ، فيَدْخُلُ فيها كالأوَّلِ، وكما لو قال: قَرَأْتُ القُرْآنَ مِن أَوَّلِه إلى آخِرِه.
وإن قال: أَرَدْت بقَوْلِى مِن واحدٍ إلى عَشَرَةٍ مَجْمُوعَ الأعْدادِ كُلِّها.
أى الواحِدُ
.................................. والاثْنانِ كذلك إلى العَشَرَةِ، لَزِمَه خَمْسَةٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا، واخْتِصارُ حِسَابِه أن تَزِيدَ أوَّلَ العَدَدِ وهو واحِدٌ على العَشَرةِ، فيَصِيرُ أحَدَ عَشَرَ، ثم اضْرِبْها في نِصْفِ العَشَرَةِ، فما بَلَغَ فهو الجَوابُ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ دِرْهَمٌ فَوْقَ دِرْهَمٍ.
أَوْ: تَحْتَ دِرْهَمٍ.
أَوْ: فَوْقَهُ.
أَوْ: تَحْتَهُ.
أَوْ: قَبْلَهُ.
أَوْ: بَعْدَهُ.
أَوْ: مَعَهُ دِرْهَمٌ.
أَوْ: دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ.
أَوْ: دِرْهَمٍ، بَلْ دِرْهَمَانِ.
أَوْ: دِرْهَمَانِ، بَلْ
5195 - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ فوقَ دِرْهَمٍ.
أو: تَحْتَ دِرْهَمٍ.
أو: فَوْقَه.
أو: تحتَه.
أو: قَبْلَه.
أو: بعدَه.
أو: معه دِرْهَمٌ.
أو: دِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ.
أو: دِرْهَمٌ، بل دِرْهَمانِ.
أو:
دِرْهَمٌ.
لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ.
دِرْهمانِ، بل دِرْهَمٌ.
لَزِمَه دِرْهَمانِ) إذا قال: له عَلَىَّ درْهَمٌ فَوْقَ درْهَمٍ.
أو: تَحْتَ درْهَمٍ.
أو: معه دِرْهَمٌ.
أو: مِعَ درْهَمٍ.
فقال القاضى: يَلْزَمُه دِرْهَمٌ.
وهو أحَدُ قَوْلَى الشّافعىِّ؛ لأنَّه يَحتَمِلُ؛ فَوْقَ درْهَمٍ في الجَوْدَةِ، أو فَوْقَ درْهَمٍ لِى، [وكذلك تَحْتَ] 1 دِرْهَمٍ.
وَقولهُ: معه دِرْهَمٌ.
[أو: معَ درْهَمٍ] 2. يَحْتَمِلُ معه دِرْهَمٌ، [أو مع دِرْهَمٍ لِى] 3، فلم يَجِبِ الزَّائِدُ بالاحْتِمالِ.
وقال أبو الخَطّابِ: يَلْزَمُه دِرْهَمانِ.
وهو القولُ الثانى للشّافِعِىِّ؛ لأَنَّ هذا اللَّفْظَ يَجْرِى مَجْرَى العَطْفِ، لكَوْنِه يَقْتَضِى ضَمَّ دِرْهَمٍ آخَرَ إليه، وقد ذكَر ذلك في سِيَاقِ الإِقْرارِ.
فالظاهِرُ أنَّه إقْرارٌ، ولأَنَّ قولَه: عَلَىَّ.
يَقْتَضِى
..................................
في ذِمَّتِى، وليس للمُقِرِّ في ذِمّةِ نَفْسِه دِرْهَمٌ مِع دِرْهَمِ المُقَرِّ 1 له، ولا فَوْقَه ولا تَحْتَه، فإنَّه لا يَثْبُتُ للإنْسانِ في ذِمَّةِ نفْسِه شئٌ.
وِقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إن قال: فَوْقَ دِرْهَمٍ.
لَزِمَه دِرْهَمانِ؛ لأَنَّ «فوْقَ» تَقْتَضِى في الظاهرِ الزِّيادَةَ، وإن قال: تَحْتَ درْهَمٍ.
لَزِمَه درْهَمٌ؛ لأَنَّ «تَحْتَ» تَقْتَضِى النَّقْصَ.
ولَنا، أنَّه 2 إن حُمِلَ كَلامُه على مَعْنَى العَطْفِ، فلا فَرْقَ بينَهما، وإن حُمِلَ على الصِّفَةِ للدِّرْهَمِ المُقَرِّ به، وَجَبَ أن يكونَ المُقَرُّ به دِرْهَمًا واحِدًا، سواءٌ ذكَره بما يَقْتَضى زيادَةً أو نَقْصًا.
وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ قبلَه دِينارٌ.
أو: بعدَه.
أو: قَفِيزُ حِنطَةٍ.
أو: معه.
أو: تَحْتَه.
أو: فوقَه.
أو: مع ذلك.
فالقولُ في ذلك كالقولِ في الدراهمِ سواءً.
..................................
فإن قال: [قبلَه دِرْهَمٌ.
أو: بعدَه دِرْهَمٌ.
لَزِمَه دِرْهَمان.
فإن قال] 1: قَبْلَه دِرْهَمٌ وبَعْدَه دِرْهَمٌ.
لَزِمَه ثَلاثةٌ؛ لأَنَّ «قَبْلَ» و «بَعْدَ» تُسْتَعْمَلُ للتَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرِ.
..................................
5196 - مسألة: وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَم ودِرْهَمٌ.
أو: دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ.
أو: دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ.
لَزِمَه دِرْهَمانِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ وأصحابُه.
وذكَر القاضِى وَجْهًا، فيما إذا قال: دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ.
وقال: أرَدْتُ: دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ لازِمٌ لى.
أنَّه يُقْبَلُ منه.
وهو قولُ الشّافعىِّ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ الصِّفَةَ.
ولنا، أنَّ «الفاءَ» أحَدُ حُرُوفِ العَطْفِ الثلاثةِ، فأشْبَهتِ «الواوَ» و
1 «ثُمَّ»، ولأنَّه عَطَف شيئًا على شئٍ بالفاءِ، فاقْتَضَى ثُبُوتَهما، كما لو قال: أنْتِ طالِقٌ فَطالِقٌ.
وقد سَلَّمَه الشّافِعِىُّ.
وما ذكَرُوه مِن احْتِمالِ الصِّفَةِ بَعِيدٌ لا يُفْهَمُ حالةَ الإطْلاقِ، فلا يُقْبَلُ تَفْسِيرُه به،
..................................
كما لو فَسَّرَ الدَّراهِمَ المُطْلَقةَ بأنَّها زُيُوفٌ أو صِغَارٌ أو مُؤَجَّلَةٌ.
وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ.
لَزِمَتْه ثَلاثةٌ.
وحَكَى ابنُ أبى مُوسَى عن بعضِ أصحابِنا، أنَّه إذا قال: أرَدْت بالثالثِ تَأْكيدَ الثانى وبَيانَه.
أنَّه يُقْبَلُ.
وهو قولُ بعضِ أصحاب الشّافِعِىِّ؛ لأَنَّ الثالثَ في لَفْظِ الثانى.
وظاهِرُ مَذْهَبِه أنَّه تَلْزَمُه الثلاثةُ؛ لأَنَّ «الواوَ» للعَطْفِ، وهو يَقْتَضِى المُغَايَرَةَ، فوَجبَ أن يكونَ الثالثُ غيرَ الثانى، كما كان الثانى غيرَ الأوّلِ، والإِقْرارُ لا يَقْتَضِى تأكيدًا، فوَجبَ حَمْلُه على العَدَدِ.
وكذلك الحُكْمُ إذا قال: له (1) عَلَىَّ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ فدِرْهَمٌ (2). أو: دِرْهَمٌ ثم دِرْهَمٌ ثم دِرْهَمٌ.
فإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ ثم دِرْهَمٌ.
أو: دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ ثم دِرْهَمٌ.
أو: دِرْهَمٌ ثم دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ.
لَزِمَتْه الثلاثةُ وَجْهًا واحدًا؛ لأَنَّ الثالِثَ مُغايِرٌ للثانِى؛ لاخْتِلافِ حَرْفَىِ العَطْفِ الدّاخِلَيْنِ عليهما (1)، فلم يَحْتَمِل التَّأْكِيدَ.
5197 -
مسألة: فإن قال: له عَلَىَّ درْهَمٌ بل دِرْهَمانِ. أو: درْهَمٌ لكنْ دِرْهَمانِ. لَزِمَه دِرْهَمانِ.
وبه قال الشَّافعىُّ.
وقال زُفَرُ، ودَاوُدُ: تَلْزَمُه ثَلاثةٌ؛ لأَنَّ «بَلْ» للإضْرابِ، فلما أقَرَّ بدِرْهَمٍ وأضْرَبَ عنه، لَزِمَه؛ لأنَّه لا يُقْبَلُ رُجُوعُه عمّا أقَرَّ به، ولَزِمَه الدِّرْهمانِ اللَّذانِ أقَرَّ بهما.
ولنا، أنَّه إنَّما نَفَى الاقْتِصارَ على واحدٍ، وأثْبَتَ الزِّيادَةَ عليه، فأشْبَهَ ما12
وَإِنْ قَالَ: لَهُ دِرْهَمٌ، بَلْ دِرْهَمٌ.
أَوْ: دِرْهَمٌ، لَكِنْ دِرْهَمٌ.
فَهَلْ يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، ذَكَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ.
لو قال: له عَلَىَّ درْهَمٌ، بل أكْثَرُ.
فإنَّه لا يَلْزَمُه أكْثَرُ مِن اثْنَيْنَ.
5198 -
مسَألة
(1): وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهمانِ، بل درهمٌ.
أو: عَشَرَةٌ، بل تِسْعَةٌ.
لزِمَه الأكثرُ؛ لأنَّه أَضْرَبَ عن واحدٍ، ونفاه بعدَ إقرارِه به، فلم يُقْبَلْ نفيُه، بخلافِ الاستِثْناءِ، فإنَّه لا ينْفِى شيئًا أقرَّ به، وإنَّما هو عبارةٌ عن الباقى بعدَ الاستِثْناءِ، فإذا قال: عَشَرَةٌ إلَّا دِرْهَمًا.
كان معناه تِسْعَةً.
5199 -
مسألة: (وإن قال: له)
عَلَىَّ (دِرْهَمٌ، بَلْ دِرْهَمٌ.
أو: دِرْهَمٌ، لكنْ دِرْهَمٌ.
فهل يَلْزَمُه دِرْهَمٌ أو دِرْهَمانِ؟ عَلَى وَجْهَيْن، ذكَرَهُما أبو بكرٍ) أحدُهما، يَلْزَمُه دِرْهَمٌ واحدٌ؛ لأن أحمدَ قال في من قال لِامْرَأتِه: أنْتِ طالِقٌ بل أنتِ طالِقٌ: إنَّها لا تَطْلُقُ إلا واحِدَةً.
وهذا1
..................................
مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه أقَرَّ بدِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ، فلم يَلْزَمْه أكْثَرُ مِن دِرْهَمٍ، كما لو أقَرَّ بدِرْهَمٍ ثم أنْكَرَه، ثم قال: بَلْ عَلَىَّ دِرْهَمٌ.
و «لكنْ» للاسْتِدْراكِ، فهى في مَعْنَى «بَلْ»، إلَّا أنَّ الصَّحِيحَ أنَّها لا تُسْتَعْمَلُ إلَّا بعدَ الجَحْدِ، إلَّا أن يُذْكَرَ بعدَها الجُمْلةُ.
والوجهُ الثانى، يَلْزَمُه دِرْهَمانِ.
ذكَرُه ابنُ أبِى مُوسَى، وأبو بكرٍ عبدُ العَزِيزِ.
ويَقْتَضِيه قولُ زُفَرَ، ودَاوُدَ؛ لأَنَّ ما بعدَ الإضْرَابِ يُغايِرُ ما قَبْلَه، فيَجِبُ أن يكونَ الدِّرْهَمُ الذى أضْرَبَ عنه غيرَ الدِّرْهَمِ الذى أقَرَّ به بعدَه، فيَجِبُ الإثْباتُ، كما لو قال: له عَلَىَّ درْهَمٌ، بل دينارٌ.
ولأَنَّ «بَلْ» مِن حُرُوفِ العَطْفِ، والمَعْطُوفُ غيرُ المَعْطوفِ عليَه، فوَجَبَا جَميعًا، كما لو قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ.
ولأنّا لو لم نُوجِبْ عليه إلَّا دِرْهَمًا، جَعَلْنا كَلامَه لَغْوًا، وإضْرابَه غيرَ مُفِيدٍ، والأَصْلُ في كَلامِ العاقِلِ أن يكونَ مُفِيدًا.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ هَذَا الدِّرْهَمُ، بَلْ هَذَانِ الدِّرْهَمَانِ.
لَزِمَتْهُ الثَّلَاثَةُ.
وَإِنْ قَالَ: قَفِيزُ حِنْطَةٍ، بَل قَفِيزُ شَعِيرٍ.
أَوْ: دِرْهَمٌ، بَلْ دِينَارٌ.
لَزِمَاهُ مَعًا.
5200 - مسألة: (ولو قال: له عَلَىَّ هذا الدِّرْهَمُ، بَلْ هَذانِ الدِّرْهَمانِ. لَزِمَتْهُ الثَّلاثةُ)
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا؛ لأنَّه متى كان الذى أضْرَبَ عنه لا يُمْكِنُ أن يكونَ المَذْكُورَ بعدَه، ولا بعضَه، مثلَ أن يقولَ: له عَلَىَّ (درْهَمٌ، بل دينارٌ.
أو: قَفِيزُ حِنْطَةٍ، بل قَفِيزُ شَعِيرٍ) لَزِمَه الجميعُ؛ لأَنَّ الأوّلَ لا يُمكنُ أن يكونَ الثانىَ ولا بعضَه، فكان مُقِرًّا بهما، ولا يُقْبَلُ رُجُوعُه عن شئٍ منهما.
وكذلك كلُّ جُمْلَتَيْنِ أقَرَّ بإحْداهما ثم رَجَعَ إلى الأُخْرَى، لَزِمَاهُ.