الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 291-333

كِتَابُ الطَّلَاقِ

صفحات 291-333

وَلَفْظَةُ الأَمْرِ والخيَارِ كِنَايَةٌ فِى حَقِّ الزَّوْجِ، تَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ،  مائةً أو ألْفًا، بعدَ أن تخْتارَنِى (1). ولأنَّها مُخَيَّرةٌ اخْتارتِ النِّكاحَ، فلم يقَعْ بها الطَّلاقُ، كالمُعْتَقَةِ تحتَ عبدٍ.
وقولُهم: إنَّ التَّخْييرَ كنايةٌ نَوَى بها الطَّلاقَ، فَوقعَ بها بمُجَردِها، كسائِرِ كناياتِه.
قُلْنا: إِنَّما أرادَ بذلك تَفْويضَ الطَّلاقِ إلى زَوْجتِه لا إيقاعَ الطَّلاقِ، وصارَ ذلك كقولِه: طَلِّقِى نفْسَك.
فإنَّه لا يقَعُ بذلك طَلاقٌ، والكنايةُ مع النِّيَّةِ لا تَزِيدُ (2) على الصَّريحِ.
فأما إنْ نوَى بقولِه: اخْتارِى نفْسَكِ.
إيقاعَ الطَّلاقِ، وَقعَ كسائرِ الكناياتِ.

3472 -

مسألة: (ولَفْظَةُ الأمْرِ والخِيارِ كِنَايَةٌ في حَقِّ الزَّوْجِ، تَفْتَقِرُ إلى نِيَّةٍ)

فلفْظةُ الأمْرِ مِن الكناياتِ الظَّاهرةِ، والخيارِ مِن الخَفِيَّةِ، وكلاهُما يحْتاجُ إلى النِّيَّةِ؛ لِما ذَكَرْنا في الكنايةِ الظَّاهرةِ.
قولُه: إنَّها12 = ومسلم، في: باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية، من كتاب الطلاق.
صحيح مسلم 2/ 1103، 1104. وأبو داود، في: باب في الخيار، من كتاب الطلاق.
سنن أبى داود 1/ 510. والترمذى، في: باب ما جاء في الخيار، من أبواب الطلاق.
عارضة الأحوذى 5/ 138. والنسائى، في: باب ما افترض اللَّه عز وجل على رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-...، من كتاب النكاح، وفى: باب في المخيرة تختار زوجها، من كتاب الطلاق.
المجتبى 6/ 46، 131، 132. وابن ماجه، في: باب الرجل يخير امرأته، من كتاب الطلاق.
سنن ابن ماجه 1/ 661. والدارمى، في: باب في الخيار، من كتاب الطلاق.
سنن الدارمى 2/ 162. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 45، 47، 48، 171، 202، 205. والثانى، تقدم تخريجه في صفحة 284.

فَإِنْ قَبِلَتْهُ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ، نَحْوَ: اخْتَرْتُ نَفْسِى.
افْتَقَرَ إلَى نِيَّتِهَا أيْضًا، وَإِنْ قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفسِى.
وَقَعَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ،  تحْتاجُ إلى نِيَّةٍ.
وهو قولُ مالكٍ.
وقد ذكَرْناه (فإن قَبِلَتْه بلفْظِ الكنايةِ، فقالت: اخْتَرْتُ نَفْسِى.
افْتَقَرَ إلى نِيَّتِها أيضًا) كالزَّوْجِ (وإن قالت: طَلَّقْتُ نفْسِى.
وَقعَ مِن غيرِ نِيَّةٍ) لأنَّه صَريحٌ، فلم يَحْتَجْ إلى نِيَّةٍ، كقولِه: أنتِ طالقٌ.
فإن نَوَى أحدُهما دُونَ الآخرِ، لم يَقَعْ؛ لأَنَّ الزَّوجَ إذا لم يَنْوِ فما فَوَّضَ إليها الطَّلاقَ، فلا يصِحُّ أن يوقِعَه، وإن نَوَى ولم تَنْوِ هى، فقد فَوَّضَ إليها الطَّلاقَ فما أوْقَعَتْه، فلم يَقَعْ شئٌ، كما لو وكَّل وَكِيلًا

وَإِنِ اخْتَلَفَا فِى نِيَّتِهَا، فَالْقُوْلُ قَوْلُهَا، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِى رُجُوعِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
في الطَّلاقِ فلم يُطَلِّقْ.
وإن نَوَيا جميعًا، وقَعَ ما نَوَياه (1) مِن العَددِ (2). وإن نَوَى أحدُهما أقَلَّ مِن الآخَرِ، وقَعَ الأقَلُّ؛ لأَنَّ ما زادَ انْفَردَ به أحدُهما، فلم يَقَعْ.

3473 -

مسألة: (فَإنِ اخْتَلَفَا في نِيَّتِهَا)

فقال: لم تَنْوِ الطَّلاقَ باخْتِيارِكِ نَفْسَكِ.
فقالت: بل نَوَيْتُ (فالقَوْلُ قَوْلُهَا) لأنَّها أعلمُ بنِيَّتِها، ولا يُعْلَمُ ذلك إلَّا مِن جِهَتِها (وإنِ اخْتَلَفا في رُجوعِه، فالقولُ قولُه) لأنَّهما12

..................................  اخْتَلَفا فيما يخْتَصُّ به 1، فكان القولُ قولَه فيه، كما لو اخْتَلَفا في نِيَّتِه.
فصل: وإن قال: أمْرُكِ بيَدِكِ.
أو قال: اخْتارِى.
فقالتْ: قَبِلْتُ.
لم يَقَعْ شئٌ 2، كما لو قال لأجْنَبِىٍّ: أمْرُ امْرأتِى بيَدِكَ.
فقال: قبلتُ.
واخْتارِى في معناه.
ونحوُه إن قالت: أخَذْت أمْرِى.
نَصَّ عليهما أحمدُ، في روايةِ إبراهيمَ بنِ هانِئٍ: إذا قال لامْرأتِه: أمْرُكِ بيَدِكِ.
فقالت: قبلت.
ليس بشئٍ حتى تُبَيِّن 3. وقال: إذا قالتْ: أخَذْتُ أمْرِى.
ليس بشئٍ.
قال: وإذا قال لامْرأتِه: اخْتارِى.
فاخْتارتْ فقالت: قَبِلتُ نَفْسِى -وَ- اخْتَرْتُ نَفْسِى.
كان أبْيَنَ.
قال القاضى: ولو قالت: اخْتَرْتُ.
ولم تَقُلْ: نَفْسِى.
لم تَطْلُقْ وإن نوَتْ، ولو قال الزَّوجُ: اخْتارِى.
ولم يَقُلْ: نفْسَكِ.
ولم يَنْوِه، لم تَطْلُقْ ما لم يَذْكُرْ نَفْسَها، ما لم يَكُنْ في كلامِ الزَّوجِ أو جَوابِها ما يَصْرِفُ الكلامَ إليه؛ لأَنَّ ذلك في حُكْمِ التَّفْسيرِ، فإذا عَرِىَ عن ذلك لم يَصِحَّ.
وإن قالت: اخْتَرْتُ زَوْجِى.
أو 4: اخْتَرْتُ البقاءَ على النِّكاحِ.
أو: رَدَدْتُ الخيارَ.
أو: رَدَدْت عليك سَفْهَتَكَ 5. بَطَل الخيارُ.
وإن

..................................  قالت: اخْتَرْتُ نفْسِى.
أو: أبَوَىَّ.
ونَوَتْ، وقَعَ الطَّلاقُ؛ لأَنَّ هذا يصْلُحُ أن يكونَ كنايةً مِن الزَّوجِ فيما إذا قال: الْحَقِى بأهْلِكِ.
فكذلك منها.
وإنْ قالت: اخْتَرْت الأَزْواجَ.
فكذلك؛ لأنَّهم لا يَحِلُّونَ إلَّا بمُفارقةِ هذا الزَّوجِ، ولذلك كان كنايةً منه في قولِه: انْكِحِى مَنْ شِئْتِ.
[وإن قالت: قد اخْتَرْت نَفْسِى.
وأنْكَرَ وُجُودَ الاخْتيارِ منها، فالقول قولُه؛ لأنَّه مُنْكِرٌ له، وهو ممّا يُمْكِنُه عَمَلُه ويُمْكِنُها إقامةُ البَيِّنَةِ عليه، أشْبَهَ ما لو عَلَّقَ طَلاقَها على دُخُولِ الدّارِ فادَّعَتْه وأنْكَرَه] 1. فصل: فإن كَرَّرَ لفْظةَ الخيارِ ثلاثَ مرَّاتٍ، فقال: اخْتارِى، اخْتارِى، اخْتارِى.
فقال أحمدُ: إن كان إنَّما 2 يُرَدِّدُ عليها ليُفْهِمَها، وليصر نِيَّتُه ثلاثًا، فهى واحدةٌ، وإن كان أرادَ بذلك ثلاثًا، فهى ثلاثٌ.
فرَدَّ الأمْرَ إلى نِيَّتِه في ذلك.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا قَبِلَتْ، وقعَ ثلاثًا؛ لأنَّه كرَّرَ ما يَقَعُ به الطَلاقُ، فتَكَرَّرَ، كما لو كَرَّرَ الطَّلاقَ.
ولَنا، أنَّه يَحْتَمِلُ التَّأْكِيدَ، فإذا قَصَدَه [قُبِلَ مِنه] 3، كما لو قال: أنتِ طالقٌ الطَّلاقَ.
وإن أطْلَقَ، فقد رُوِى عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّها واحدة، يَمْلِكُ 4 الرَّجْعةَ.
وهذا اخْتيارُ القاضى، ومذهبُ عَطاءٍ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأَنَّ تَكْرِيرَ 5 التَّخْيِيرِ لا يَزِيدُ به الخِيارُ، كشَرْطِ الخيارِ في

وَإِنْ قَالَ: طَلِّقِى نَفْسَكِ.
فَقَالَتِ: اخْتَرْتُ نَفْسِى.
وَنَوَتِ الطَّلاقَ، وَقَعَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَقَعَ.
البيعِ.
ورُوِىَ عن أحمدَ: إذا قال لامْرأتِه: اخْتارِى.
فقالت: اخْتَرْتُ نفْسِى.
هى واحدةٌ، إلّا أن يقولَ: اخْتارِى، اختارِى، اخْتارِى (1). وهذا يدُلُّ على أنّها تَطْلُقُ ثلاثًا.
ونحوَه قال الشعبىُّ، والنَّخَعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى، ومالكٌ؛ لأَنَّ لفْظةَ الواحدةِ [تَقْتَضِى طَلْقةً، فإذا] (2) تَكَرَّرَتِ، اقْتَضَتْ ثلاثًا، كلَفْظةِ الطَّلاقِ.
فصل: ويجوزُ أن يَجْعلَ أمْرَ امرأتِه بيَدِها (3) بعِوَضٍ، وحُكْمُه حُكْمُ ما لا عِوَضَ له، في أنَّ له الرُّجوعَ فيما جَعلَ لها، وأنَّه يَبْطُلُ بالوَطْءِ.
قال أحمدُ: إذا قالتِ امْرأتُه: اجْعَلْ أمْرِى بيَدِى، وأُعْطِيكَ عَبْدِى هذا.
فقَبضَ العَبْدَ، وجَعلَ أمْرَها بيَدِها، فلها أَنْ تَخْتارَ ما لم يَطَأْها أو يَنْقُضْه؛ وذلك لأنَّه تَوْكيلٌ، والتَّوْكيلُ لا يَبْطُلُ بدُخولِ العِوَضِ فيه، وكذلك التَّمْليكُ (4) بعِوَضٍ لا يَلْزَمُ، ما لم يَتَّصِلْ به القَبُولُ.

3474 -

مسألة: (وإن قال: طَلِّقِى نَفْسَكِ. فقالت: اخْتَرْتُ نَفْسِى. وَنَوَتِ الطَّلاقَ، وَقَعَ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَقَعَ)

لأنَّه فَوَّضَه إليها بلفْظِ1234

وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَ إلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
الصَّريحِ (1)، فلا يَصِحُّ أن تُوقِعَ غيرَ (2) ما فَوَّضَه إليها.
وَوجْهُ الأَوَّلِ، أنَّه فَوَّضَ إليها الطَّلاقَ، وقد أوْقَعَتْه، فوقَعَ، كما لو أوْقَعَتْه بلفْظِ الصَّريحِ (1)، ولا يَصِحُّ ما ذكَرُوه (3)، لأَنَّ التَّوْكيلَ في الشئِ لا يَقْتَضِى أن يكون إيقاعُه بلَفْظِ الأمْرِ، كما لو وَكَّلَه فقال: بعْ دارِى.
فباعها (4) بلفْظِ التَّمْلِيكِ، صَحَّ، وكما لو قال لها: اخْتارِى نفْسَك.
فقالت: طَلَّقْتُ نفْسِى.
فإنَّه يقَعُ مع اخْتِلافِ اللَّفْظِ.

3475 -

مسألة: (وليس لها أن تُطَلِّقَ أكْثَرَ مِن واحِدَةٍ، إلَّا أن يَجْعَلَ إليها أكْثَرَ منها)

قال أحمدُ، رَحِمهُ اللَّهُ: إذا قال لامرأتِه: طَلِّقِى1234

..................................  نفسَكِ.
ونَوَى ثلاثًا، فطَلَّقَتْ نفْسَها ثلاثًا، فهى ثلاثٌ، وإن نَوَى واحدةً، فهى واحدةٌ؛ وذلك لأَنَّ الطَّلاقَ يكونُ واحدةً وثلاثًا، فأيُّهما نَوَاهُ فقد نَوَى بلَفْظِه ما احْتَمَله، وإن لم يَنْوِ وقَعَ واحدةٌ؛ لأنَّها اليَقِينُ؛ لأَنَّ المُطْلَقَ 1 يَتناولُ أقَلَّ ما يَقَعُ عليه الاسمُ.

وَإِنْ قَالَ: وَهَبْتُكِ لِأهْلِكِ، فَإِنْ قَبِلُوهَا فَوَاحِدَةٌ، وَإِنْ رَدُّوهَا فَلَا شَىْءَ.
وَعَنْهُ، إِنْ قَبِلُوهَا فَثَلَاثٌ، وَإِنْ رَدُّوهَا فَوَاحِدَةٌ.
وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: وَهَبْتُكِ لِنَفْسِكِ.

3476 - مسألة: (وإذا قال: وَهَبْتُكِ لأهْلِكِ. فإن قَبِلُوها فواحِدَةٌ، وإن رَدُّوها فلا شئَ. وعنه، إنْ قَبِلُوها فثلاثٌ، وإن رَدُّوها فواحِدَةٌ. وكذلك إذا قال: وَهَبْتُكِ لِنَفْسِكِ)

الرِّوايةُ الأُولَى هى المشْهورةُ عن أحمدَ.
نَصَّ عليها.
وبه قال ابنُ مسعودٍ، وعَطاءٌ، ومَسْروقٌ، والزُّهْرِىُّ، ومَكْحولٌ، ومالكٌ، وإسْحاقُ.
ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، والنَّخَعِىِّ: إن قَبِلُوها فَواحِدَةٌ بائنةٌ، وإنْ لم يَقْبَلُوها فواحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ.
ورُوِى عن أحمدَ مثلُ ذلك.
وعن زيدِ بنِ ثابتٍ، والحسنِ: إن قَبِلُوها فثَلاثٌ، [وإن لم يَقْبَلوها فواحدةٌ رجْعِيَّةٌ.
ورُوى عن أحمدَ مثلُ ذلك] 1.

..................................  وقال رَبِيعةُ، ويحيى بنُ سعيدٍ، وأبو الزِّنَادِ، ومالكٌ: هى ثلاثٌ على كلِّ حالٍ، قَبِلُوها أو رَدُّوها.
وقال أبو حنيفةَ فيها كقَوْلِه في الكِنايةِ الظَّاهرةِ، ومثلَه قال الشافعىُّ.
واخْتلَفا ههُنا بِناءً على اخْتِلافِهما ثَمَّ.
ولَنا على أنَّها لا تَطْلُقُ إذا لم يَقْبَلُوها، أنَّه تَمْلِيكٌ للبُضْعِ، فافْتَقَرَ فيه إلى القَبُولِ، كقولِه: اخْتارِى.
و: أمْرُكِ بيَدِك.
وكالنِّكاحِ.
وعلى أنَّها لا تكونُ ثلاثًا، أنَّه لفْظٌ مُحْتَمِلٌ، فلا يُحْمَلُ على الثَّلاثِ عندَ الإِطْلاقِ، كقولِه: اخْتارِى.
وعلى أنَّها رَجْعِيَّة، أنَّها طَلْقةٌ لمَنْ عليها عِدَّةٌ بغيرِ عِوَضٍ، قبلَ اسْتِيفاءِ العَددِ، فكانت رجْعِيَّةً، كقولِه: أنتِ طالقٌ 1. وقولُه: إنَّها واحدةٌ.
مَحْمولٌ على ما إذا أطْلَقَ النِّيَّةَ، أو نَوَى واحدةً، فأمَّا إن نَوَى ثلاثًا، أو اثْنَتَيْنِ، فهو على ما نَوَى؛ لأنَّها كنايةٌ غيرُ ظاهرةٍ، فيُرْجَعُ إلى نِيَّتِه في عَدَدِها، كسائِرِ الكِناياتِ.
ولابدَّ مِن أن يَنْوِىَ بذلك الطَّلاقَ،

..................................  أو تكونَ ثَمَّ دَلالَةُ حالٍ؛ لأنَّها كنايةٌ، ولابُدَّ [من النِّيَّةِ في الكِنايةِ كذلك] 1. قال القاضى: ويَنْبَغِى أن تُعْتَبَرَ النِّيَّةُ مِن الذى يَقْبَلُ أيضًا، كما تُعْتَبَرُ في اخْتِيارِ الزَّوْجَةِ إذا قال لها: اخْتارِى.
أو: أمْرُكِ بيَدِك.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ صِيغةَ 2 القَبُولِ أن يقولَ أهلُها: قَبِلْناها.
نَصَّ عليه أحمدُ.
والحُكْمُ في هِبَتِها لنَفْسِها أو لأجْنَبِىٍّ، كالحُكْمِ في هِبَتِها لأهْلِها.

..................................  فصل: فإنْ باعَ امرأتَه لغيرِه، لم يَقَعْ به طَلاقٌ وإن نَوَى.
[وبه] 1 قال الثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ.
وقال مالكٌ: تَطْلُقُ واحدةً، وهى أمْلَكُ بنَفْسِها؛ لأنَّه أتَى بما يَقْتَضِى خُروجَها عن مِلْكِه، أشْبَهَ ما لو وَهَبَها.
ولَنا، أنَّ البَيْعَ لا يتَضَمَّنُ معنى الطَّلاقِ؛ لأنَّه نقلُ مِلْكٍ بعِوَضٍ، والطَّلاقُ مُجَرَّدُ إسْقاطٍ لا يَقْتَضِى العِوَضَ، فلم يَقَعْ به طَلاقٌ، كقولِه: أطْعِمينِى واسْقِينِى.
فصولٌ في قولِ الزَّوْجِ لامْرأتِه: أمْرُكِ بيَدِكِ: قد ذكَرْنا أنَّ الزَّوجَ إذا قال لامْرأتِه: أمْرُكِ بيَدِكِ.
أنَّه في يَدِها ما لم يَفْسَخْ أو يَطَأْ؛ لأَنَّ الزَّوجَ مُخَيَّرٌ بينَ أن يُطَلِّقَ بنَفْسِه 2، وبين أن يُوَكِّلَ فيه، وأنْ يُفَوِّضَه إلى المرأةِ، ويَجْعلَه إلى اخْتِيارِها؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَيَّرَ نِساءَه فاخْتَرْنَه 3. ومتى جَعلَ أمْرَ امْرأتِه بيَدِها، لم يَتَقيَّدْ بالمجلسِ.
رُوِى ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وبه قال الحَكَمُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال مالكٌ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى: هو مقْصورٌ على المجلسِ، كقولِه: اخْتارِى.
ولَنا، قولُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في رجلٍ جَعلَ أمْرَ امْرأتِه بيَدِها، قال: هو لها حتى تَنْكِلَ 4. ولأنَّه نَوْعُ تَوْكيلٍ في الطَّلاقِ،

..................................  فكان على التَّراخِى،؛ كما لو جَعَلَه لأجْنَبِىٍّ.
فإنْ رَجَعَ الزَّوجُ فيما جعلَ إليها، أو قال: فَسَخْتُ ما جعَلْتُ إليكِ.
بَطَلَ.
وبذلك قال عطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وإسْحاقُ.
وقال الزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، وأصحابُ الرَّأْى: ليس له الرُّجوعُ؛ لأنَّه مَلَّكها ذلك، فلم يَمْلِكِ الرُّجوعَ، كما لو طَلقَتْ.
ولَنا، أنَّه توكيلٌ، فكان له الرُّجوعُ فيه، كالتَّوكيلَ في البيعَ، وكما لو وَكَّل في ذلك أجْنَبِيًّا.
ولا يَصِحُّ قوْلُهم: تَمْلِيكًا؛ لأَنَّ الطَّلاقَ لا يَصِحُّ تَمْلِيكُه، ولا يَنْتَقِلُ عن الزَّوجِ، وإنَّما يَنُوبُ غيرُه فيه عنه، وإن سُلِّمَ أنَّه تَمْلِيكٌ، فالتَّمْلِيكُ يَصِحُّ الرُّجُوعُ فيه قبلَ اتِّصالِ 1 القَبُولِ به، كالبَيْعِ.
وإن وَطِئَها الزَّوجُ كان رُجوعًا؛ لأنَّه نوعُ تَوْكيلٍ، والتَّصَرُّفُ فيما وَكَّلَ فيه يُبْطِلُ الوَكالةَ.
وإن ردَّتِ المرأةُ ما جُعِلَ إليها، بَطَلَ، كما تَبْطُلُ الوكالةُ برَدِّ الوكيلِ.
فصل: ولا يقَعُ الطَّلاقُ بمُجَرَّدِ هذا القولِ، ما لم يَنْوِ به إيقاعَ طَلاقِها في الحالِ، أو تُطَلِّقْ نفْسَها.
ومتى رَدَّتِ الأمْرَ الذى جُعِلَ إليها، بَطَلَ، ولم يَقَعْ شئٌ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم ابنُ عمرَ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ومَسْروقٌ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ.
وقال قَتادةُ: إن رَدَّتْ فوَاحِدَةٌ رَجْعيَّةٌ.
ولَنا، أنَّه توكيل رَدَّه الوكيلُ، أو تَمْليكٌ لم يَقْبَلْه

..................................  المُمَلَّكُ، فلم يَقَعْ به شئٌ، كسائِرِ التَّوكيلِ والتَّمْليكِ.
فأمَّا إن نَوَى بهذا تَطْلِيقَها في الحالِ، طَلُقَتْ في الحالِ، ولم يَحْتَجْ إلى قَبُولِها، كما لو قال: حَبْلُكِ على غارِبِكِ.
فصل: فإن قالت: اخْتَرْتُ نَفْسِى.
فَهِىَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ.
رُوِى ذلك عن عمرَ، [وابنِ مسعودٍ] 1، وابنِ عباسٍ.
وبه قال عمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ أبى ليلَى، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ.
ورُوِىَ عن علىٍّ أنَّها واحدةٌ بائنةٌ.
وبه قال أبو حنيفةَ وأصحابُه؛ لأَنَّ تَمْلِيكَه إيَّاها أمْرَها يَقْتَضِى زَوالَ سُلْطانِه عنها، فإذا قَبِلَتْ ذلك بالاخْتِيارِ، وَجبَ أن يَزُولَ عنها، ولا يَحْصُلُ 2 ذلك مع بقاءِ الرَّجْعَةِ.
وعن زيدِ بنِ ثابتٍ أنَّها ثلاثٌ.
وبه قال الحسَنُ، ومالكٌ، واللَّيْثُ، إلَّا أنَّ مالِكًا قال: إذا لم تَكُنْ مَدْخولًا بها قُبِلَ منه، إذا أرادَ واحدةً أو اثْنَتَيْنِ.
وحُجَّتُهم أنَّ ذلك يَقْتَضِى زَوالَ سُلْطانِه عنها، ولا يكونُ ذلك إلَّا بثلاثٍ.
وفى قولِ مالكٍ أنَّ غيرَ المدْخولِ بها يَزُولُ سُلْطانُه عنها بواحدةٍ، فاكْتُفِىَ بها.
ولَنا، أنَّها لم تُطَلِّقْ.
بلَفْظِ الثَّلاثِ، ولا نَوَتْ ذلك، فلم تَطْلُقْ ثلاثًا، كما لو أتَى الزَّوجُ بالكِناياتِ الخَفِيَّةِ.
وهذا إذا لم تَنْوِ إلَّا واحدةً، فإن نَوَتْ أكْثَرَ منها، وقَعَ ما نَوَتْ، لأنَّها تَمْلِكُ الثَّلاثَ بالتَّصْريحِ، فتَمْلِكُها بالكِناياتِ، كالزَّوْجِ.
وهكذا إن أتَتْ بشئٍ مِن الكناياتِ، فحُكْمُها فيها حُكْمُ الزَّوجِ، إن كانت ممَّا يَقَعُ بها الثَّلاثُ مَّنَ الزَّوجِ، وقَعَ بها الثَّلاثُ

..................................  إذا أتَتْ بها، وإن كانتْ مِنَ الكناياتِ الخَفِيَّةِ، نحوَ قولِها: لا تَدخُلْ علىَّ.
ونحوَها، وقعَ ما نَوَتْ.
قال.
أحمدُ: إذا قال لها: أمْرُكِ بيَدِك.
فقالتْ: لا تَدْخُلْ علىَّ إلَّا بإذْنٍ، تَنْوِى 1 في ذلك، إن قالتْ: واحدةً.
فواحدةٌ، وإن قالت: أرَدْتُ أن أغِيظَه.
قُبِلَ منها.
يعنى لا يَقَعُ شئٌ.
وكذلك إن جَعلَ أمْرَها بيدِ أجْنَبِىٍّ، فأتَى بهذه الكناياتِ، لا يَقَعُ شئٌ حتى يَنْوِىَ الوكيلُ الطَّلاقَ.
ثم إن طَلَّقَ بلفظٍ صَريحٍ ثلاثًا، أو بكنايةٍ ظاهرةٍ، وقَعَتِ الثَّلاثُ، وإن كان بكنايةٍ خَفِيَّةٍ، وقَعَ ما نَوَاه.

بَابُ مَا يَخْتَلِف بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ

يَمْلِكُ الْحُرُّ ثَلَاثَ طَلَقَاتٍ وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ أَمَةٌ، وَيَمْلِكُ الْعَبْدُ اثْنَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ.
وَعَنْهُ أَنَّ الطَّلاقَ بِالنِّسَاءِ، فَيَمْلِكُ زَوْجُ  بابُ ما يختلفُ به عَددُ الطَّلاقِ (يَمْلِكُ الحُرُّ ثَلاثَ طَلَقَاتٍ وإن كان تَحْتَه أمَةٌ، ويَمْلِكُ العَبْدُ اثْنَتَيْنِ وإنْ كان تَحْتَهُ حُرَّةٌ) وجملةُ ذلك، أنَّ الطَّلاقَ مُعْتَبَرٌ بالرِّجالِ، فإنْ كان الزَّوْجُ حُرًّا، فطلاقُه ثلاثٌ، حُرَّةً كانتِ الزَّوجَةُ أو أمَةً، وإن كان عَبْدًا، فطلاقه اثْنَتانِ، حُرَّةً كانت زَوْجَتُه أو أمَةً.
رُوِى ذلك عن عمرَ، وعثمانَ، وزيدٍ، وابنِ عباسٍ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال ابنُ عمرَ: أيُّهما رَقَّ نَقَصَ الطَّلاقُ بِرِقِّه، فطَلاقُ العبدِ اثْنَتانِ وإن كان تحْتَه حُرَّةٌ، وطَلاقُ الأمَةِ اثْنَتانِ وإنْ كان زَوْجُها حُرًّا (وعنه أنَّ الطَّلاقَ بالنِّساءِ، فيَمْلِكُ زَوْجُ الحُرَّةِ ثلاثًا وإن كان

الْحُرَّةِ ثَلَاثًا وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، وَزَوْجُ الأَمَةِ اثْنَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ حُرًّا.
عبدًا، وزَوْجُ الأمةِ اثْنَتَيْنِ وإن كان حُرًّا) رُوِى ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه.
وهو قولُ ابنِ مسعودٍ.
وبه قال الحسنُ، وابنُ سِيرينَ، وعِكْرِمَةُ، وعَبِيدَةُ، ومَسْروقٌ، والزُّهْرِىُّ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «طَلَاقُ الأمَةِ تَطْلِيقَتَان، [وقُرْؤُهَا حَيْضَتَانِ] 1». رَواه أبو داودَ، [وابنُ ماجَه] 2. ولأَنَّ المرأةَ مَحَلُّ الطَّلاقِ، فيُعْتَبَرُ بِها، كالعِدَّةِ.
ولَنا، أنَّ اللَّه تعالى خاطَبَ الرِّجالَ بالطَّلاقِ، فكان حُكْمُه 3 مُعْتَبَرًا بهم، ولأَنَّ الطَّلاقَ خالِصُ حَقِّ الزَّوْجِ، وهو ممَّا يَخْتَلِفُ بالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، فكان اخْتلافُه به، كعَدَدِ المنْكوحاتِ.
وحديثُ عائشةَ، قال أبو داودَ: روايةُ 4 مُظاهِرِ بنِ أسْلَمَ، وهو مُنْكَرُ الحديثِ.
وقد أخْرَجَه

..................................  الدَّارَقُطْنِىُّ 1، في «سُنَنِه» عن عائشةَ، قالتْ: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «طَلَاقُ الْعَبْدِ اثْنَتَانِ، فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَه، وَقُرْءُ 2 الأمَةِ حَيْضَتَانِ، وَتَتَزَوَّجُ الْحُرَّةُ عَلَى الأمَةِ، وَلَا تَتَزَوَّجُ الأمَةُ عَلَى الحُرَّةِ».
وهذا نَصٌّ.
ولأَنَّ الحُرَّ يَمْلِكُ أن يَتَزَوَّجَ أرْبعًا، فمَلَكَ طَلَقاتٍ ثلاثًا، كما لو كان تحتَه حُرَّةٌ، ولا خِلافَ في أنَّ الحُرَّ الذى زَوْجَتُه حُرَّةٌ، طلاقُه ثلاثٌ، وأنَّ العبدَ الذى تحتَه أمَةٌ، طلاقُه اثْنَتانِ، وإنَّما الخِلاف فيما إذا كان أحَدُ الزَّوْجَيْن حُرًّا والآخَرُ رَقِيقًا.
قال أحمدُ: المُكاتَبُ عبدٌ ما بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ، [وطلاقُه وأحْكامُه كلُّها أحْكامُ العبدِ.
وهذا صَحِيحٌ؛ فإنَّه جاءَ في الحديثِ: «المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ»] 3. ولأنَّه يَصِحُّ عِتْقُه، ولا يَنْكِحُ

..................................  إلَّا اثْنَتَيْن، ولا يَتَزَوَّجُ ولا يَتَسَرَّى إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه، وهذه أحْكامُ العَبيدِ، فيكونُ طَلاقُه كطلاقِ سائِرِ العَبِيدِ.
وقد رَوَى الأَثْرَمُ، في «سُنَنِه» عن سليمانَ بنِ يَسارٍ [أنَّ نُفَيْعًا] 1 مُكاتَبَ أُمِّ سَلَمَةَ، طَلَّقَ امرأةً حُرَّةً تطْليقَتَيْنِ، فسألَ عثمانَ وزيدَ بنَ ثابتٍ عن ذلك، فقالا: حَرُمَتْ عليك 2. والمُدبَّرُ كالعَبْدِ القِنِّ في نِكاحِه وطَلاقِه، وكذلك المُعَلَّقُ عِتْقُه بصِفَةٍ؛ لأنَّه عبدٌ، فثَبَتَتْ فيه أحْكامُ العبيدِ 3. فصل: قال أحمدُ في روايةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ: العبدُ إذا كان نِصْفُه

فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ الطَّلَاقُ.
أَو: الطَّلَاقُ لِى لَازِمٌ.
وَنَوَى الثَّلَاثَ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا،  حُرًّا ونِصْفُه عبدًا، يَتَزَوَّجُ ثلاثًا، ويُطَلِّقُ ثلاثَ تَطْلِيقاتٍ، وكذلك كلُّ ما تَجَزَّأَ (1) بالحِسابِ.
وإنَّما جَعَلَ له نِكاحَ ثلاثٍ؛ لأَنَّ عَدَدَ المنْكُوحاتِ يتَبَعَّضُ، فوَجَبَ أن يَتَبَعَّضَ في حَقِّه، كالحَدِّ، فلذلك (2) كان له أن يَنْكِحَ نِصْف ما يَنْكِحُ [الحُرُّ ونِصْفَ ما يَنْكِحُ] (3) العبدُ، وذلك ثلاثٌ.
وأمَّا الطَّلاقُ فلا تُمْكِنُ قِسْمَتُه في حَقِّه؛ لأَنَّ مُقْتَضَى حالِه أن يكونَ له ثلاثةُ أرْباعِ الطَّلاقِ، وليس له ثلاثةُ أرْباعٍ، فكَمَلَ في حَقِّه، ولأَنَّ الأَصْلَ إثْبَاتُ الطَّلَقاتِ الثَّلاثِ في حَقِّ كُلِّ مُطَلِّقٍ، وإنَّما خُولِفَ في حَقِّ مَن كَمَلَ الرِّقُّ فيه، ففيما عَداهُ يَبْقَى على الأَصْلِ.

3477 -

مسألة: (فإذا قال: أنْتِ الطَّلاقُ. أو: الطَّلاقُ لِى لازِمٌ. ونَوَى الثَّلاثَ، طَلُقَتْ ثَلاثًا)

قال القاضى: لا تَخْتَلِفُ الرِّوايةُ عن أحمدَ، في مَن قال لامرأتِه: أنتِ الطَّلاقُ.
أنَّه يَقَعُ به 4، نَوَاه أو لم123

..................................  يَنْوِه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ.
ولأصْحابِ الشافعىِّ وَجْهانِ؛ أحدُهما، أنَّه غيرُ صَرِيحٍ؛ لأنَّه مصْدرٌ، والأعْيانُ لا تُوصَف بالمصادِرِ إلَّا مَجازًا.
ولَنا، أنَّ الطَّلاقَ لفظٌ صريحٌ، فلم يفْتَقِرْ إلى نِيَّةٍ، كالمُتَصرِّفِ منه 1، وهو مُسْتَعْملٌ في عُرْفِهم، قال الشَّاعرُ 2: أنَوَّهْتِ باسْمِىَ في العالَمِينَ … وأفْنَيْتِ عُمْرِىَ عامًا فعامَا فأنتِ الطَّلاقُ وأنتِ الطَّلاقُ … وأنتِ الطَّلاقُ ثلاثًا تَمامَا قولُهم: إنَّه مَجازٌ.
قُلْنا: نعم، إلَّا أنَّه يَتَعَيَّنُ 3 حمْلُه على الحقيقةِ، ولا مَحْمَلَ له يَظهرُ سِوَى هذا المحْمَلِ، فَتَعَيَّنَ فيه.
إذا ثَبَتَ ذلك، فإنَّه إذا قال: أنتِ الطَّلاقُ.
أو: الطَّلاقُ لى لازِمٌ.
أو: الطَّلاقُ يَلْزَمُنِى.
أو: علىَّ الطَّلاقُ.
فهو بِمَثابةِ قوْلِه: الطَّلاقُ يَلْزَمُنِى؛ لأَنَّ مَن يَلْزَمُه شئٌ يَضُرُّه، فهو عليه كالدَّيْنِ، وقد اشْتَهَرَ اسْتِعمالُ هذا في إيقاعِ الطَّلاقِ، فهو صَرِيحٌ؛ فإنَّه يُقال لمَنْ وقَعَ طَلاقُه: لَزِمَه الطَّلاقُ.
وقالوا: إذا عَقَلَ الصَّبِىُّ الطَّلاقَ، فطَلَّقَ لَزِمَه.
ولعَلَّهم أرادُوا: لَزِمَه حُكْمُه.
فحَذَفُوا المُضافَ، وأقامُوا المُضافَ إليه مُقامَه، ثم اشْتَهَرَ ذلك حتى صارَ مِن الأسْماءِ العُرْفِيَّةِ، وانْغَمَرتِ الحقيقةُ فيه.
ويَقعُ ما نَوَاه مِن (1) واحدةٍ أو اثْنَتَيْنِ أو ثلاثٍ.

وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا،

3478 - مسألة: (فإن لم يَنْوِ شيئًا)

فَفِيهِ رِوايتان؛ إحْداهما، يقَعُ الثَّلاثُ.
نَصَّ عليها أحمدُ في روايةِ مُهَنَّا.
وهى اخْتِيارُ أبى بكرٍ؛ لأَنَّ الألِفَ واللَّامَ للاسْتِغْراقِ، فيَقْتَضِى اسْتِغْراقَ الكُلِّ، وهو ثَلاثٌ.
والثانيةُ، أنَّها واحدةٌ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن تعودَ الألِفُ واللَّامُ إلى مَعْهُودٍ، يُرِيدُ الطَّلاقَ الذى أوْقَعْتُه، ولأَنَّ الألفَ واللَّامَ في أسْماءِ الأجْناسَ تُسْتَعْمَلُ لغيرِ الاسْتِغْراقِ كثيرًا، كقولِه: ومَنْ أُكْرِهَ على الطَّلاقِ.
و: إذا عَقَلَ الصَّبِىُّ الطَّلاقَ.
وأشْباهِ هذا ممَّا يُرادُ به ذلك الجِنْسُ، ولا يُفْهَمُ منه الاسْتِغْراقُ، فعند ذلك لا يُحْمَلُ على التَّعْمِيمِ إلا بنِيَّةٍ صارفةٍ إليه.
قال شيْخُنا 1: والأشْبَهُ في هذا جميعِه أَنْ يكونَ واحدةً في حالِ الإِطْلاقِ؛ لأَنَّ أهلَ العُرْفِ لا يَعْتَقِدُونَه ثلاثًا، ولا يَعْلَمونَ أنَّ الألفَ واللَّامَ للاسْتِغْراقِ، ولهذا يُنْكِرُ أحدُهم أن يكونَ طَلَّقَ ثلاثًا، ولا يَعْتَقِدُ أنَّه طَلَّقَ إلَّا واحدةً، فمُقْتَضَى اللَّفْظِ في ظَنِّهِم واحدةٌ، فلا يُريدونَ إلَّا ما يعْتَقِدُونَه مُقْتَضَى لَفْظِهم، فيَصِيرُ كأنَّهم نوَوْا واحدةً.
فصل: فأمَّا إن قال لامرأتِه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا، فهى ثلاثٌ وإن نَوَى واحدةً.
لا نَعْلَمُ بين أهلِ العلمِ فيه خلافًا؛ لأَنَّ اللفْظَ صَرِيحٌ في 2

أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ.
وَنَوَى الثَّلَاثَ، فَفِيهِ رِوايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، تَطْلُقُ ثَلَاثًا، وَالأُخْرَى، تَطْلُقُ وَاحِدَةً.
الثَّلاثِ، والنِّيَّةُ لا تُعارِضُ الصَّريحَ؛ لأنَّها أضْعَفُ من اللفْظِ، [ولذلك لا تَعْمَلُ بمُجَرَّدِها، والصَّريحُ قوىٌّ يُعْمَلُ بمُجَرَّدِه، من غير نِيَّةٍ، فلا يُعَارِضُ القوىَّ الضَّعِيفُ] (1)، كما لا يُعارِضُ النَّصَّ القِياسُ، ولأَنَّ النِّيَّةَ إنَّما تعْمَلُ في صَرْفِ اللفظِ إلى بعْضِ مُحْتَمِلاِتِه، والثَّلاثُ نَصٌّ فيها، لا تَحْتَمِلُ الواحدةَ بحالٍ، فإذا نَوَى واحدةً، فقد نَوَى ما لا تَحْتَمِلُه، فلم يصِحَّ، كما لو قال: له علىَّ ثلاثةُ دراهمَ.
وقال: أرَدْتُ واحدًا.

3479 -

مسألة: (وإن قال: أنْتِ طَالِقٌ. ونَوَى ثلاثًا، ففِيهِ رِوايتان؛ إحْداهما، تَطْلُقُ ثلاثًا)

وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأَنَّ لَفْظَه لو قُرِنَ به لَفْظُ الثَّلاثِ كان ثلاثًا، فإذا1

..................................  نَوَى به الثَّلاثَ كان ثلاثًا، كالكناياتِ، ولأنَّه نَوَى بلَفْظِه ما يَحْتَمِلُه، فوَقَعَ ذلك به، كالكنايةِ.
وبَيانُ احْتمالِ اللفْظِ للعَدَدِ، أنَّه يَصِحُّ تَفْسِيرُه به؛ فيقولُ: أنتِ طالقٌ ثلاثًا.
ولأَنَّ قولَه: طالقٌ.
اسمُ فاعل، واسمُ الفاعِلِ يقْتَضِى المصدرَ كما يَقْتَضِيه الفِعْلُ، والمصْدَرُ يقع على القليلِ والكثيرِ.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا تقَعُ إلَّا واحدةٌ.
وهو قولُ الحسنِ، وعمرِو بنِ دِينارٍ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لأَنَّ هذا اللَّفْظَ لا يَتَضَمَّنُ عَدَدًا، ولا بَيْنُونةً، فلم يَقَعْ به الثَّلاثُ، كما لو قال: أنتِ واحدةٌ.
بَيانُه؛ أنَّ قَولَه: أنتِ طالقٌ.
إخبارٌ عن صِفَةٍ هى عليها، فلم يتَضَمَّنِ العَدَدَ، كقولِه: قائمةٌ، وحائضٌ، وطاهرٌ.
والأُولَى أصَحُّ؛ لِما ذَكَرْنا.
وفارَقَ قولَه: أنتِ حائضٌ 1، وطاهِرٌ.
لأَنَّ الحَيْضَ والطُّهْرَ لا يُمْكِنُ تَعَدُّدُه في حَقِّها، [والطَّلاقُ] 2 يُمْكِنُ تعَدُّدُه.

..................................  فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ طلاقًا.
ونَوَى ثلاثًا، وقعَ ثلاثٌ 1؛ لأنَّه صَرَّحَ 2 بالمصْدَرِ، والمصْدَرُ يقَعُ على [القليلِ والكثيرِ] 3، فقد نَوَى بلَفْظِه ما يَحْتَمِلُه، وإن نَوَى واحدةً فهى واحدةٌ، وإن أطْلَقَ فهى واحدةٌ، لأنَّه اليَقِينُ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ الطَّلاقَ.
وقعَ ما نَوَاه.
وإن لم يَنْوِ شيئًا،

..................................  فذَكَرَ القاضى فيها رِوايَتَيْنِ؛ إحْداهما؛ تقَعُ الثَّلاثُ؛ لأَنَّ الألِفَ واللَّامَ للاسْتِغْراقِ، فيَقْتَضِى اسْتِغْراقَ الكُلِّ، وهو ثلاثٌ.
والثانيةُ، أنَّها واحدةٌ؛ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ الألفَ واللَّامَ [يَحْتَمِلُ أن] 1 تعودَ إلى المعْهُودِ.

وإنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً.
وَنَوَى ثَلَاثًا، لَمْ تَطْلُقْ إِلَّا وَاحِدَةً فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.

3480 - مسألة: (وإن قال: أنْتِ طَالِقٌ واحدةً. ونَوَى ثلاثًا، لِم يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ)

لأَنَّ لفْظَه لا يَحْتَمِلُ أكثرَ منها، فإذا نَوَى [ثلاثًا، فقد نوَى] 1 ما لا يَحْتَمِلُه لفْظُه، فلو وقَعَ أكْثرُ مِن ذلك، لَوقعَ بمُجَرَّدَ النِّيَّةِ، ومُجَرَّدُ النِّيَّةِ لا يقعُ بها طَلاقٌ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: تقعُ ثلاثٌ، في

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا.
وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا، وَإِنْ قَالَ: أرَدْتُ بِعَدَدِ الْمَقْبُوضَتَيْنِ.
قُبِلَ مِنْهُ.
أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ واحدَةً معها اثْنَتانِ.
وهذا لا يَصِحُّ؛ فإنَّ قولَه: معها اثْنَتان.
لا يُؤَدِّيه معنى الواحدةِ، ولا يحْتَمِلُه، فنِيَّتُه فيه نِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ، فلا تَعْمَلُ، كما لو نَوَى الطَّلاقَ مِن غيرِ لفْظٍ.
وفيه وجَهٌ (1) لأصْحابِنا، أنَّه يَقَعُ ثلاثٌ.
والأَوَّلُ أصَحُّ.

3481 -

مسألة: (وإن قال: أنْتِ طالقٌ هكذا. وأشار بأصابِعِه الثَّلاثِ، طَلُقَتْ ثَلاثًا)

لأَنَّ قولَه: هكذا.
صَرِيحٌ بالتَّشْبيهِ بالأصابعِ في العَددِ، وذلك يصْلُحُ بيانًا، كما قال النبى -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا [وهكذا] 2». وأشارَ بيَدَيَهْ 3 مَرَّةً ثلاثينَ، ومَرَّةً تسعًا وعشرينَ 4 (فإن قال: أرَدْتُ بعددِ المقبوضتَيْن.
قُبلَ منه) لأنَّه يَحْتَمِلُ ما يدَّعِيه.
فأمَّا إن1

وَإِنْ قَالَ: أنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، بَلْ هَذِهِ ثَلَاثًا.
طَلُقَتِ الأُولَى وَاحِدَةً، وَالثَّانِيَةُ ثَلَاثًا.
قال: أنتِ طالقٌ.
وأشارَ بأصابِعِه الثَّلاثِ، ولم يَقُلْ: هكذا.
لم يَقَعْ إلَّا واحدةٌ؛ لأَنَّ إشارَتَه لا تَكْفِى.
فصل: (وإن قال) لإِحْدَى امْرأتَيْه: (أنْتِ طالقٌ واحدةً، بل هذهِ) وأشارَ إلى الأُخْرَى (ثلاثًا.
طَلُقَتِ الأُولَى واحدةً، والثَّانيةُ ثلاثًا) لأنَّه أوْقَعَه بهما كذلك، أشُبَهَ ما لو قال: له علىَّ هذا الدِّرْهمُ، بل هذا.
فإنَّه يجبُ عليه 1 الدِّرهمانِ، ولا يصِحُّ إضْرابُه عن الأَوَّلِ.
= 1/ 542. والنسائى، في: باب ذكر الاختلاف على إسماعيل في خبر سعد بن مالك فيه، وباب ذكر الاختلاف على يحيى بن أبى كثير في خبر أبى سلمة فيه، من كتاب الصيام.
المجتبى 4/ 112 - 114. وابن ماجه، في: باب ما جاء في «الشهر تسع وعشرون»، من كتاب الصيام.
سنن ابن ماجه 1/ 530. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 184، 2/ 28، 43، 44، 52، 81، 122، 125، 3/ 329، 5/ 42.

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّ الطَّلَاقِ، أَوْ أَكْثَرَهُ، أَوْ جَمِيعَهُ، أَوْ مُنْتَهَاهُ، أَوْ: طَالِقٌ كَأَلْفٍ، أَوْ بِعَدَدِ الْحَصَى، أَوِ الْقَطْرِ، أَوِ الرِّيحِ، أَوِ الرَّمْلِ، أَوِ التُّرَابِ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا وَإِنْ نوَى وَاحِدَةً.

3482 - مسألة: (وإنْ قَالَ: أنْتِ طَالقٌ كُلَّ الطَّلاقِ، أو أكْثَرَه، أو جَمِيعَهُ، أو مُنْتَهَاهُ، أو: طَالِقٌ كَأَلْفٍ، أو بعَدَدِ الحَصَى، أو القَطْرِ، أو الرَّمْلِ، أو الرِّيحِ، أو التُّرابِ.
طَلُقَتْ ثَلاثًا وإنْ نَوَى وَاحِدَةً)

لأَنَّ هذا يَقْتَضِى عَددًا، ولأَنَّ للطَّلاقِ أقَلَّ وأكْثَرَ، فأقلُّه واحدةٌ، وأكثرُهُ ثلاثٌ.
وإنْ قال: كعَدَدِ الماءِ، أو التُّرابِ.
وقَعَ ثلاثٌ.
وقال أبو حنيفةَ: تقعُ واحدةٌ بائنٌ، لأَنَّ الماءَ والتُّرابَ من أسْماءِ الأجْناسِ، لا عَدَدَ له.

..................................  ولَنا، أنَّ الماءَ تَتَعَدَّدُ أنْواعُه وقَطرَاتُه، والتُّرابَ تَتعدَّدُ أنْواعُه وأجْزاؤُه، فأشْبَهَ الحَصَى.
وإن قال: يا مائَةَ طالقٍ.
أو: أنتِ مائةُ طالقٍ.
طَلُقَتْ ثلاثًا.
وإن قال: أنتِ طالقٌ كمائةٍ، أو: ألفٍ.
فهى ثلاثٌ.
قال أحمدُ، في مَن قال: أنتِ طالقٌ كألفِ تَطْليقةٍ: فهى ثلاثٌ.
وبه قال محمدُ بنُ الحسنِ، وبعضُ أصحابِ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: إن لم يكُنْ له نِيَّةٌ، وقَعَتْ واحدةٌ؛ لأنَّه لم يُصَرِّحْ بالعَددِ، وإنَّما شَبَّههَا بالألفِ، وليس المُوقَعُ المُشَبَّهَ به.
ولَنا، أنَّ قولَه: كألفٍ.
يُشْبِهُ العَدَدَ خاصَّةً؛ لأنَّه لم يذْكُرْ إلَّا ذلك، فوقَعَ العَددُ، كقولِه: أنتِ طالقٌ كعَددِ الألفِ.
وفى هذا انْفِصالٌ عمَّا قال.
وإن قال: أردْتُ أنَّها كألفٍ في صُعوبَتِها.
دُيِّنَ.
وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن.

وَإِنْ قَالَ: أَشَدَّ الطَّلَاقِ، أَوْ أَغْلَظَهُ؛ أَوْ أَطْوَلَهُ، أَوْ أَعْرَضَهُ، أَوْ مِلْءَ الدُّنْيَا.
طَلُقَتْ وَاحِدَةً إلَّا أَنْ يَنْوِىَ ثَلَاثًا.

3483 - مسألة: (وإنْ قَالَ: أشَدَّ الطَّلاقِ، أو أغْلَظَه، أو أطْوَلَه، أو أعْرَضَه، أو مِلءَ الدُّنْيَا)

وَنَوَى الثَّلاثَ، وَقَعَ الثَّلاثُ، وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، أَوْ نَوَى وَاحِدَةً، فَهِى وَاحِدَةٌ.
قال أحمدُ، في مَن قال لامرأتِه: أنتِ طالقٌ مِلءَ البيتِ: فإن أرادَ الغِلْظَةَ عليها -يعنى يُرِيدُ أَنْ تَبينَ منه- فهى ثلاثٌ.
فاعْتَبَرَ نِيَّتَه، فدَلَّ على أنَّه إذا لم يَنْوِ، تَقَعُ واحدةٌ؛ وذلك لأَنَّ هذا الوَصْفَ لا يقْتَضِى عَددًا.
وهذا لا نَعلمُ فيه خلافًا.
فإذا وقَعَتِ

..................................  الواحدةُ، فهى رَجْعِيَّةٌ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: تكونُ بائنًا؛ [لأنَّه وصَفَ] 1 الطَّلاقَ بصِفَةٍ زائدةٍ، فيَقْتَضِى الزِّيادَةَ عليها، وذلك هو البَيْنُونَةُ.
ولَنا، أنَّه طَلاقٌ صادفَ مَدْخُولًا بها، مِن غيرِ اسْتِيفاءِ عَدَدٍ ولا عِوَض، فكان رَجْعيًّا، كقولِه: أنتِ طالقٌ.
وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الطَّلاقَ حُكْمٌ، فإذا ثبتَ ثَبَتَ في الدُّنْيا كلِّها، فلا يقْتَضِى ذلك زِيادةً.
فإنْ قال: أنتِ طالقٌ مِثْلَ الجَبَلِ، أو مِثْلَ عِظَمِ الجَبَلِ.
ولا نِيَّةَ له، وقَعتْ طَلْقةٌ رَجْعِيَّةٌ.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تقعُ بائنًا.
وقال أصحابُه: إن قال: مِثْلَ الجَبَلِ.
كانت رَجْعِيَّةً.
وإن قال: مِثْلَ عِظَمِ الجَبَلِ.
كانت بائنًا.
ووَجْهُ القَوْلَيْن ما تقَدَّمَ.
[ولأنَّه] 2 لا يَمْلِكُ إيقاعَ البَيْنُونَةِ، فإنَّها حُكْمٌ، وليس ذلك إليه، وإنَّما تَثْبُتُ البَيْنُونَةُ بأسْبابٍ مُعَيَّنَةٍ؛ كالخُلْعِ، والطَّلاقِ [الثلاثِ، والطَّلاقِ] 3 قَبْلَ الدُّخولِ، فيَمْلِكُ مُباشَرةَ سَبَبِها فتَثْبُتُ.
وإن أرادَ إثْباتَها 4 بدُونِ ذلك، لم تَثْبُتْ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ أشدّ 5 الطَّلاقِ

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إِلَى ثَلَاثٍ.
طَلُقَتِ اثْنَتَيْنِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقَ ثَلَاثًا.
عليه أو عليها؛ لتَعَجُّلِها، أو لحُبِّ أحدِهما صاحِبَه، ومَشَقَّةِ فِراقِه عليه، فلم يَقَعْ أمْرٌ زائِدٌ (1) بالشَّكِّ.
فإن قال: أقْصَى الطَّلاقِ، أو أكْبَرَهُ (2). فكذلك في قِياسِ المذهبِ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ أقْصَى الطَّلاقِ ثلاثًا؛ لأَنَّ أقْصاه آخِرُه وآخِرُ الطَّلاقِ الثَّالثةُ، ومِن ضَرورةِ كَوْنِها ثالثةً وُقوعُ اثْنَتَيْنِ.
وإن قال: أتَمَّ الطَّلاقِ، أو أكمَلَه.
فواحدةٌ، إلَّا أنَّها تكون سُنِّيَّةً (3).

3484 -

مسألة: (وإن قال: أنْتِ طالِقٌ مِن واحِدَةٍ إلى ثَلاثٍ. وقَعَ طَلْقَتَانِ)

وبهذا قال أبو حنيفةَ؛ لأَنَّ ما بعدَ الغايةِ لا يدْخُلُ فيها، كقولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ 4. وإنَّما [يَدْخُلُ إذا] 5 كانتْ بمعنى «مع»، وذلك خِلافُ مَوْضوعِها.
وقال زُفَرُ: تَطْلُقُ واحدةً؛ لأَنَّ ابْتِداءَ الغايةِ ليس منها، كقولِه: بعْتُك مِن هذا الحائطِ إلى هذا الحائطِ.
(ويَحْتَمِلُ أن تَطْلُقَ ثلاثًا) وهو قولُ أبى يوسفَ، ومحمدٍ؛ لأنَّه نَطَقَ بها،123

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً في اثْنَتَيْنِ.
وَنَوَى طَلْقَةً مَعَ طَلْقَتَيْنِ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا، وَإِنْ نَوَى مُوجَبَهُ عِنْدَ الْحِسَابِ، وَهُوَ يَعْرِفُهُ، طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ ابْن  فلم يَجُزْ إلْغاؤُها، وكقولِه: بِعتُك هذا الثَّوْبَ مِن أوَّلِه إلى آخِرِه.
ولَنا على أنَّ ابْتِداءَ الغايةِ يَدْخُلُ، قولُه: خَرجْتُ مِن البَصْرَةِ.
فإنَّه يدلُّ على أنَّه كان فيها، وأمَّا انْتِهاءُ الغايةِ، فلا يَدْخُلُ بمُقْتَضَى اللَّفْظِ، ولو احْتَملَ الدُّخولَ وعَدَمَه، لم يَقَعِ الطَّلاقُ بالشَّكِّ.
فإن قال: أنتِ طالقٌ ما بينَ واحدةٍ وثلاثٍ.
وقَعَتْ واحدةٌ 1؛ لأنَّها التى بينَهما 2.

3485 -

مسألة: (وإذا قال: أنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً في اثْنَتَيْن.
وَنَوَى طَلْقَةً مع طَلْقَتَيْن، وَقَعَتِ الثَّلاثُ، وإن نَوَى مُوجَبَه عندَ الحسابِ، وهو يَعْرِفُه، طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ، وإن لم يَعْرِفه، فكذلك عندَ ابنِ حامدٍ.
وعندَ

حَامِدٍ.
وَعِنْدَ الْقَاضِى، تَطْلُقُ وَاحِدَةً.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، وَقَعَ بِامْرَأَةِ الْحَاسِبِ طَلْقَتَانِ، وَبِغَيْرِهَا طَلْقَةٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقَ ثَلَاثًا.
القاضى تَطْلُقُ واحدةً.
وإن لم يَنْوِ، وقَعَ بامرأةِ الحاسِبِ طَلْقَتانِ، وبغَيْرِها طَلْقَةٌ.
ويَحْتَمِلُ أن تَطْلُقَ ثلاثًا) إذا قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَةً في طَلْقَتَيْن.
أو: واحِدَةً في اثْنَتَيْن.
ونَوَى به ثلاثًا، فهى ثلاثٌ؛ لأنَّه [يعَبَّرُ بـ «في»] 1 عن «مع» 2، كقولِه تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ 3. فتَقديرُ الكلامِ: طَلْقَةً مع طَلْقَتَيْن.
فإذا أقَرَّ بذلك على نفسِه، قُبِل منه.
وإن قال: أرَدْتُ واحدةً.
قُبِل أيضًا وإن كان حاسبًا.
وقال القاضى: لا يُقْبَلُ إذا كان عارِفًا بالحسابِ، وَوقعَ طَلْقتانِ؛ لأنَّه خلافُ ما اقْتَضاه اللَّفْظُ.
ولَنا، أنَّه فَسَّرَ كلامَه بما يَحْتَمِلُه، فإنَّه لا يَبْعُدُ أن يُرِيدَ بكلامِه ما يُرِيدُه العامِّىُّ.
وإن لم تَكُنْ له نِيَّةٌ، وكان عارِفًا بالحسابِ، وقَعَ طَلْقَتانِ.
وقال الشافعىُّ: إن أطْلَقَ، لم يَقَعْ إلَّا واحدةٌ؛ لأَنَّ لَفْظَ الإِيقاعِ إنَّما هو لَفْظُ (2) الواحدةِ، وما زادَ عليها لم يَحْصُلْ فيه لَفْظُ

..................................  الإِيقاعِ، وإنَّما يَقَعُ الزَّائدُ بالقَصْدِ، فإذا خَلا عن القَصْدِ، لم يَقَعْ إلَّا ما أوْقَعَه.
وقال بعضُ أصحابهِ كقَوْلِنا.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَقَعُ إلَّا واحدةٌ، سواءٌ قَصَدَ به الحسابَ أو لم يَقْصِدْ، [إذا لم يَقْصِدْ به واحدةً مع اثْنَتَيْن] 1؛ لأَنَّ الضَّرْبَ إنَّما يَصِحُّ فيما لَهُ مِسَاحةٌ، فأمَّا ما لا مِسَاحَةَ له، فلا حَقِيقةَ فيه للحِسَابِ، وإنَّما حصل منه الإِيقاعُ في واحدةٍ، فوَقَعتْ دُونَ غيرِها.
ولَنا، أنَّ هذا اللَّفْظَ موْضوعٌ في اصْطِلاحِهم لاثْنَيْنِ، فإذا لَفَظَ به وأطْلَقَ، وَقَعَ, كما لو قال: أنتِ طالقٌ اثْنَتَيْنِ.
وبهذا يحْصُلُ الانْفِصالُ عمَّا قاله الشافعىُّ، فإنَّ اللَّفْظَ الموْضوعَ لا يُحْتاجُ معه إلى نِيَّةٍ.
فأمَّا ما قَالَه أبو حنيفةَ، فإنَّما ذلك في وَضْع 2 الحِسَابِ بالأصْلِ، ثم صار مُسْتَعْمَلًا في كُلِّ مَا لَه عَددٌ، فصارَ حقيقةً فيه، فأمَّا الجاهِلُ بمُقتَضَى ذلك في الحِسَابِ إذا أطْلَقَ، وقَعَتْ طَلْقَةٌ واحدةٌ؛ لأَنَّ لَفْظَ الإِيقاعِ إنَّما

..................................  هو لَفْظَةٌ واحدةٌ، وإنَّما صارَ مَصْرُوفًا إلى الاثْنَتَيْن بوَضْعِ أَهْلِ الحِسَابِ واصْطِلاحِهم، فَمَنْ لا يَعْرِفُ اصْطِلاحَهم لا يَلْزَمُه مُقتَضاه، كالعَرَبِىِّ يَنْطِقُ بالطَّلاقِ بالعَجَمِيَّةِ وهو لا يَعْرِفُ مَعْناها.
فإن نَوَى مُوجَبَه عندَ الحِسَابِ، وهو لا يَعْرِفُه، فقال ابنُ حامدٍ 1: هو كالحاسِب قِياسًا عليه؛ لاشْتِرَاكِهما في النيَّةِ.
وعندَ القاضى، تَطْلُقُ واحدةً؛ لأنَّه إذا لم يَعْرِفْ مُوجَبَه لم يَقْصِدْ إيقاعَه، فهو كالعَجَمِىِّ يَنْطِقُ بالطَّلاقِ بالعَرَبِىِّ ولا يَفْهَمُه.
وهذا قولُ أكثرِ أصحابِ الشافعىِّ، إذا لم يَكُنْ يَعْرِفُ مُوجَبَه؛ لأنَّه لا يَصِحُّ منه قَصْدُ ما لا يَعْرِفُه.
ويَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقَ ثلاثًا، بِناءً على أنَّ «في» مَعْناها «مع»، فالتَّقْديرُ: أنتِ طالقٌ طَلْقَةً مع طَلْقَتَيْن.
قال

..................................  شيْخُنا 1: ولم يُفَرِّقْ أصحابُنا في ذلك بينَ أن يكونَ المُتَكَلِّمُ بذلك ممَّن لهم عُرْفٌ في هذا اللَّفْظِ 2 أو لا، والظَّاهِرُ أنَّه (2) إنْ كان المُتَكَلِّمُ بذلك ممَّن عُرْفُهم أنَّ «في» ههُنا بمعنى «مع» وَقَعَتِ الثَّلاثُ؛ لأَنَّ كلامَه يُحْمَلُ على عُرْفِهم، والظَّاهِرُ منه إرادَتُه، وهو المُتَبادَرُ إلى الفَهْمِ مِن كلامِه.
فصل: إذا قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَةً، بل طَلْقَتَيْن.
وقَعَ طَلْقَتانِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال الشافعيَّةُ 3: يقَعُ ثَلاثًا، في أحدِ الوَجْهَيْن؛ لأَنَّ قولَه: أنتِ طالقٌ.
إيقاعٌ، فلا يجوزُ إيقاعُ الواحدةِ مَرَّتَيْنِ، فيَدُلُّ على أنَّه أوْقَعَها، ثُمَّ أرادَ رَفْعَها 4، وأَوْقَعَ 5 اثْنَتَيْن آخِرَتَيْنِ، فوَقَعَ

فَصْلٌ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ، أَو نِصْفَىْ طَلْقَةٍ، أَو نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ.
طَلُقَتْ طَلْقَةً.
الثَّلاثُ.
ولَنا، أنَّ ما لَفَظَ به قَبْلَ الإِضْرابِ لَفَظ به بعدَه، فلم يَلْزَمْه أكْثَرُ ممَّا بعدَه، كقولِه: له علىَّ دِرْهمٌ، بل دِرْهمان.
وقَوْلُهم: لا يجوزُ إيقاعُ ما أوْقَعَه.
قُلْنا: يَجوزُ أن يُخْبِرَ (1) بوُقوعِه مع وُقوعِ غيرِه، فلا يَقَعُ الزَّائدُ بالشَّكِّ.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (وإذا قال: أنتِ طالقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ، أو نِصْفَىْ طَلْقَةٍ، أو نِصْفَ طَلْقَتَيْن.
طَلُقَتْ طَلْقَةً) إذا قال: أنتِ1

جارٍ التحميل