..................................
فصل: إذا باعَ المُشْتَرِي المَبِيعَ الفاسِدَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه باعَ مِلْكَ غَيْرِه بغيرِ إذنِه، وعلى المُشتَرِى رَدُّه على البائِعِ الأَوَّلِ؛ لأنَّه مالِكُه، ولبائِعِه أخْذُه حيث وجَدَه، ويَرْجِعُ المُشْتَرِى الثَّانِى بالثَّمَنِ على الذى باعه، ويَرْجِعُ الأَوَّلُ على بائِعِه.
فإن تَلِفَ في يَدِ الثَّانِى، فللبَائِعِ مُطَالَبَةُ مَن شاء منهما؛ لأنَّ الأوَّلَ ضامِنٌ، والثانِىَ قَبَضَه مِن يَدِ ضامِنِه بغيرِ إذْنِ صاحِبِه، فكانَ ضامِنًا.
فإنْ كانت قِيمَتُه أكْثَرَ مِن ثَمَنِه فضَمِنَ الثَّانِى، لم يَرْجِعْ بالفَضْلِ على الأوَّلِ، لأنَّ التَّلَفَ في يَدِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عليه.
وإن ضَمِنَ الأَوَّلُ، رَجَع بالفَضْلِ على الثَّانِى.
فصل: وإنْ زَادَ المَبيعُ في يَدِ المُشْتَرِى بسِمَنٍ أو نحوِه، ثم نَقَص حتى عادَ إلى ما كانَ عليه، أَو وَلَدَتِ الأَمَةُ في يَدِ المُشْتَرِى ثم ماتَ وَلَدُها، احْتَمَلَ أن يَضْمَنَ تِلْكَ الزِّيَادَةَ، لأَنَّها زِيادَةٌ في عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ، أشْبَهَتِ الزِّيَادَةَ في المَغْصُوبِ، واحْتَمَلَ أن لا يَضْمَنَها؛ لأنَّه دَخَلَ على أن لا يَكُونَ في مُقابَلَةِ الزِّيادَةِ عِوَضٌ.
فعلى هذا تَكُونُ الزِّيَادَةُ أَمانَةً في يَدِه؛ إن تَلِفَتْ بتَفْرِيطِه أو عُدْوَانِه، ضَمِنَها، وإلَّا فَلَا.
وإن تَلِفَتِ العَيْنُ بعدَ زِيادَتِها، أُسْقِطَت تلك الزِّيادَةُ مِن القِيمَةِ، وضَمِنَها بما بَقِىَ مِن القِيمَةِ حينَ التَّلَفِ.
قال القاضِى: وهذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ.
..................................
فصل: وإذا باعَ بَيْعًا فاسِدًا، وتَقابَضَا، ثم أَتْلَفَ البائِعُ الثَّمنَ، ثم أَفْلَسَ، فله الرُّجُوعُ في المَبِيعِ، والمُشْتَرِى أُسْوَةُ الغُرَماءِ.
وبهذا قال الشّافِعِىُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: المُشْتَرِى أحَقُّ بالمَبِيعِ مِن سائِرِ الغُرَماءِ؛ لأنَّه في يَدِه، فكانَ أحَقَّ به، كالمُرْتَهِنِ.
ولَنا، أنَّه لم يَقْبِضْه وَثِيقَةً، فلم يَكُنْ أحَقَّ به، كما لو كان وَدِيعَةً عنده، بخِلَافِ المُرْتَهن؛ فإنّه قَبَضَه على أنَّه وَثِيقةٌ بحَقِّهِ.
فصل: وإذا قال: بعْ عَبْدَكَ مِن فُلانٍ بأَلْفٍ، على أنَّ عَلَىَّ خَمْسَمائَةٍ.
فبَاعَهُ بهذا الشَّرْطِ، فالبَيْعُ فاسِدٌ؛ لأنَّ الثَّمَنَ يَجِبُ أن يكونَ جَمِيعُه على المُشْتَرِى، فإذا شَرَطَ كَوْنَ بَعْضِه على غيرِه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ المَبِيعَ، والثّمنُ على غَيْرِه، ولا يُشْبِهُ هذا ما لو قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ -أو- طَلِّقِ امْرَأَتَكَ وعَلَىَّ خَمْسُمائَةٍ.
لكَوْنِ هذا عِوَضًا في مُقابَلَةِ فَكِّ الزَّوْجَةِ ورَقَبَةِ العَبْدِ، ولذلك لم يَجُزْ في النِّكَاحِ.
أمّا في مَسْأَلتِنا، فإنّه مُعَاوَضَةٌ في مُقَابَلَةِ نَقْلِ المِلْكِ، فلا يَثْبُتُ؛ لأَنَّ العِوَضَ على غَيْرِه.
وإن كان هذا القَوْلُ على وَجْهِ الضَّمانِ، صَحَّ البَيْعُ، ولَزِمَ الضَّمَانُ.
الثَّالِثُ، أن يَشْتَرِطَ شَرْطًا يُعَلِّقُ الْبَيْعَ، كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِى بِكَذَا.
أو: إِنْ رَضِىَ فُلَانٌ.
أو يَقُولَ لِلْمُرْتَهِنِ: إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ في مَحِلِّهِ، وَإلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ.
فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ، إِلَّا بَيْعَ الْعُرْبُونِ؛ وَهُوَ أن يَشْتَرِىَ شَيْئًا، وَيُعْطِىَ الْبَائِعَ دِرْهَمًا، وَيَقُولَ: إِن أَخَذْتُهُ، وَإلَّا فَالدِّرْهَمُ لَكَ.
فَقَالَ أحْمَدُ، رَضِىَ اللَّه عَنْهُ: يَصِحُّ؛ لأَنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَلَهُ.
وَعِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ، لَا يَصِحُّ.
(الثالثُ، أن يَشْتَرِطَ شَرْطًا يُعَلِّقُ البَيْعَ، كقَوْلِه: بِعْتُكَ إن جِئْتَنِى بكذا.
أو: إن رَضِىَ فلانٌ) فلا يَصِحُّ البَيْعُ؛ لأنَّه عَلَّقَ البَيْعَ على شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ، فلم يَصِحَّ، كما إذا قال: بِعْتُكَ إذا جاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ.
1598 -
مسألة: وكذلك إذا قال
..................................
والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَهم.
والأَصْلُ في ذلك ما رَوَى مُعاوِيَةُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن جَعْفَرٍ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» 1. رَواهُ الأَثْرَمُ.
قال الأَثْرَمُ: قلتُ لأحْمدَ: ما مَعْنَى قَوْلِه: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ»؟ قال: لا يَدْفَعُ رَهْنًا إلى رَجُلٍ، ويقولُ: إن جِئْتُكَ بالدَّرَاهِمِ إلى كذا وكذا، وإلَّا فالرَّهْنُ لَكَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا مَعْنَى قولِه: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ»، عند مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، وأحمدَ.
وإنَّما فَسَدَ البَيْعُ؛ لأنَّه مُعَلَّقٌ بشَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ، فلم يَصِحَّ، كالمسألةِ قبلها، وكما لو قال: إن وَلَدَتْ نَاقَتِى فَصِيلًا، فقد بِعْتُكَهُ بدِينارٍ.
..................................
فصل: والعُرْبُونُ في البَيْعِ، هو أن يَشْتَرِىَ السِّلْعَةَ، ويَدْفَعَ إلى البائِعِ دِرْهَمًا أو أكْثَرَ، على أنَّه إن أخَذَ السِّلْعَةَ احْتَسَبَ به مِن الثَّمَن، وإن لم يَأْخُذْها فهو للبائِعِ.
يُقال: عُرْبُونٌ، وأَرَبُونٌ، وعُرْبَانٌ، وأُرْبَانٌ.
قال أحمدُ، وابنُ سِيرِينَ: لا بَأْسَ به.
وفَعَلَه عمرُ رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وعن ابنِ عمرَ، أنّه أجَازَه.
وقال ابنُ المُسَيَّبِ، وابنُ سِيرِينَ: لا بَأْسَ إذا كَرِهَ السِّلْعَةَ أن يَرُدَّها، وَيَرُدَّ معها شَيْئًا.
قال أحمدُ: هذا في مَعْنَاهُ.
وقال أبو الخَطّابِ: لا يَصِحُّ.
وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى.
ويُرْوَى عن ابنِ عَبّاس، والحَسَنِ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، نَهَى عن
..................................
بَيْعِ العُرْبُونِ.
رَواهُ ابنُ ماجَه 1. ولأنَّه شَرَطَ للبائِعِ شَيْئًا بغيرِ عِوَضٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَه لأجْنَبِىٍّ، ولأنَّه بمَنْزِلَةِ الخيارِ المَجْهُولِ، فإنَّه اشْتَرَطَ أنَّ له رَدَّ المَبِيعِ مِن غيرِ ذِكْرِ مُدَّةٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: وَلِىَ الخِيارُ مَتَى شِئْتُ رَدَدْتُ السِّلْعَةَ ومعها دِرْهَمًا.
قال شَيْخُنا 2: وهذا هو القِياسُ.
وإنَّما صارَ أحمدُ فيه إلى ما رُوِى عن نافِعِ بنِ عبدِ 3 الحارِثِ، أنَّه اشْتَرَى لعمرَ دارَ السِّجْنِ مِن صَفْوانَ بنِ أُمَيَّةَ، فإن رَضِى عمرُ، وإلَّا فلَهُ كذا وكذا 4. قال الأَثْرَمُ: قلْتُ لأحمدَ: تَذْهَبُ إليه؟ قال: أى شئٍ أقولُ؟ هذا عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وضَعَّفَ الحَدِيثَ المَرْوِىَّ.
رَوَى هذه القِصَّةَ الأَثْرَمُ بإسْنادِه.
..................................
فصل: فأمَّا إن دَفَعَ إليه قبلَ البَيْعِ دِرْهَمًا، وقال: لا تَبعْ هذه السِّلْعَةَ لغَيْرِى، وإن لم أشْتَرِها منك فهذا الدِّرْهَمُ لَكَ.
ثم اشْتَرَاهَا منه بعدَ ذلك بعَقْدٍ مُبْتَدَأ وحَسَبَ الدِّرْهَمَ مِن الثَّمَنِ، صَحَّ؛ لأَنَّ البَيْعَ خَلَا عن الشَّرْطِ المُفْسِدِ.
ويَحْتَمِلُ أن الشِّرَاءَ الذى اشْتُرِىَ لِعمرَ كان على هذا الوَجْهِ، فيُحْمَلُ عليه جَمْعًا بين فِعْلِه وبين الخَبَرِ، ومُوافَقَةِ القِياسِ والأَئِمَّةِ القَائِلِينَ بفَسادِ بَيْعِ العُرْبُونِ.
وإن لم يَشْتَرِ السِّلْعَةَ في هذه الصُّورَةِ، لم يَسْتَحِقَّ البائِعُ الدِّرْهَمَ؛ لأنَّهُ يَأْخُذه بغَيْرِ عِوَضٍ، ولصاحِبِه الرِّجُوعُ فيه، ولا يَصِحُّ جَعْلُه عِوَضًا عن انْتِظَارِه وتَأْخِيرِ بَيْعِه مِن أخلِه؛ لأنَّه لو كان عِوَضًا عن ذلك، لَما جازَ جَعْلُه مِن الثَّمَنِ في حالِ الشِّرَاءِ، ولأنَّ الانْتِظارَ بِالبَيْعِ لا تَجُوزُ المُعَاوَضَةُ عنه، ولو جازَتْ لَوَجَبَ أن يكونَ مَعْلُومَ المِقْدارِ، كما في الإِجَارَةِ.
وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ عَلَى أَنْ تَنْقُدَنِى الثَّمَنَ إِلَى ثَلَاثٍ، وَإِلَّا فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا.
فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
1599 - مسألة: (وإن قال: بِعْتُكَ على أن تَنْقُدَنِى الثَّمَنَ إلى ثَلاثٍ)
أو: مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ (وإلَّا فَلَا بَيْعَ بَيْنَنا.
فالبَيْعُ صَحِيحٌ.
نصَّ عليه) وهذا قَوْلُ أبى حَنِيفَةَ، والثَّوْرِىِّ، وإسحاقَ، ومحمدِ بنِ الحَسَنِ.
وقال به أبو ثَوْرٍ، إذا كان الشرطُ 1 إلى ثَلاثٍ.
وحُكِىَ مثلُ قَوْلِه عن ابنِ عمرَ.
وقال مالِكٌ: يَجُوزُ في اليَوْمَيْنِ والثَّلَاثَةِ ونَحْوِها، وإن كان عِشرِينَ لَيْلَةً فُسِخَ البَيْعُ.
وقال الشّافِعِىُّ، وزُفَرُ: البَيْعُ فاسِدٌ؛ لأنَّه عَلَّقَ فَسْخَ البَيْعِ على غَرَرٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو عَلَّقَهُ بقُدُومِ زَيْدٍ.
ولَنا، أنَّه يُرْوَى عن عمرَ، ولأنَّه عَلَّقَ رَفْعَ العَقْدِ بأمْرٍ يَحْدُثُ في مُدَّةِ الخِيَارِ، فجازَ، كما لو شَرَطَ
وَإِنْ بَاعَهَ، وَشَرَطَ الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، لَمْ يَبْرَأْ.
وَعَنْهُ، يَبْرَأُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ عَلِمَ الْعَيْبَ، فَكَتَمَهُ.
الخِيارَ، ولأَنَّهُ بَيْعٌ، فجازَ أن يَنْفَسِخَ بتَأْخِيرِ القَبْضِ، كالصَّرْفِ، ولأَنَّ هذا بمَعْنَى شَرْطِ الخِيارِ؛ لأنَّه كما يَحْتَاجُ إلى التَّرَوِّى في المَبِيعِ، هل يُوافِقُه أَوْ لَا؟ يَحْتاجُ إلى التَّرَوِّى في الثَّمَنِ، هل يَصِيرُ مَنْقُودًا، أَوْ لَا؟ فهما شَبيهانِ (1) في المَعْنَى وإن تَغَايَرَا في الصُّورَةِ، إلَّا أنَّه في الخِيارِ يَحْتَاجُ إلى الفَسْخِ، وهذا يَنْفَسِخُ إذا لم يَنْقُدْ في المُدَّةِ المَذْكُورَةِ؛ لأنَّه جَعَلَه كذلك.
1600 -
مسألة: (وإن باعَه، وشَرَطَ البَراءَةَ مِن كُلِّ عَيْبٍ، لم يَبْرَأُ. وعنه، يَبْرَأُ، إلَّا أن يكونَ البائِعُ عَلِمَ العَيْبَ، فكَتَمَه).
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ في هذه المسألةِ، فرُوِىَ عنه، أنَّه لا يَبْرَأُ، إِلَّا أن يَعْلَمَ المُشْتَرِى بالعَيْب.
وهو قَوْلُ الشّافِعِىِّ.
وقال إبراهيمُ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ: لا يَبْرَأُ إلًّا مِمّا سمّى.
وقال شرَيْحٌ: لا يَبْرَأُ إلَّا مِمّا أراه أو وَضَعَ1
..................................
يَدَه عليه.
[ورُوِىَ نحوُه عن عطاءٍ، والحسنِ، وإسحاقَ؛ لأنَّه مُرْفَقٌ في البَيْعِ، لا يَثْبُتُ إلَّا بالشَّرْطِ، فلم يَثْبُت مع الجهلِ، كالخِيارِ] 1. ورُوِىَ عنه، أنَّه يَبْرَأُ مِن كُلِّ عَيْبٍ لم يَعْلَمْه، ولا يَبْرَأُ مِن عَيْبٍ عَلِمَه.
يُرْوَى ذلك عن عثمانَ، ونحوُه عن زَيْدِ بنِ ثابتٍ 2. وهو قولُ مالِكٍ.
وقولُ الشّافِعِىِّ في الحَيَوانِ خاصَّةً، لِما رُوِى أَنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ باعَ زَيْدَ ابنَ ثابِتٍ عَبْدًا بشَرْطِ البَراءَةِ بثمانِمائَةِ دِرْهَمٍ، فأصَابَ به زَيْدٌ عَيْبًا، فأَرادَ رَدَّه على ابنِ عمرَ، فلم يَقْبَلْه، فَتَرَافَعَا إلى عثمانَ، فقال عثمانُ لابنِ عمرَ: تَحْلِفُ أنّكَ لم تَعْلَمْ بهذا العَيْبِ؟ قال: لَا.
فَرَدَّه عليه، فباعَه ابنُ عمرَ بأَلْفِ دِرْهَمٍ.
رَواه الإِمامُ أحمدُ 3. وهذه قِصَّةٌ اشْتَهَرَتْ، فلم تُنْكَرْ، فكانَتْ إجْمَاعًا.
ويَتَخَرَّجُ أن يَبْرَأُ مِن العُيُوبِ كُلِّها بالبَراءَةِ.
وحَكاه بعضُ أَصْحَابِنَا رِوايَةً عن أحمدَ، بناءً على جَواز البَراءَة مِن المَجْهُولِ.
ورُوِىَ هذا عن ابنِ عمرَ.
وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْى، وقَولُ الشَّافِعِىِّ، لِمَا رَوَتْ أمُّ سَلَمَةَ، أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا في مَوارِيثَ دَرَسَتْ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-،
..................................
فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اسْتَهِمَا، وتَوَخَّيَا، ولْيَحْلِلْ كُلُّ واحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَه» 1. وهذا يَدُلُّ على أنَّ البَرَاءَةَ مِن المَجْهُولِ جائِزَةٌ.
ولأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ لا تَسْلِيمَ فيه، فصَحَّ في المَجْهُولِ، كالطَّلَاقِ والعَتاقِ، ولا فَرْقَ بينَ الحَيَوانِ 2 وغيرِه، فما ثَبَت في أحَدِهما ثَبَت في الآخَرِ، وقولُ عثمانَ قد خالَفَه ابن عمرَ، فلا يَبْقَى حُجَّةً.
فصل: وإذا قُلْنَا بفَسَادِ هذا الشَّرْطِ، لم يَفْسُدْ به البَيْعُ.
في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وهو وَجْه لأَصْحَابِ الشّافِعِىِّ؛ لِما ذَكَرْنَا من قَضِيَّةِ ابنِ عمرَ، فإنَّهُم أجْمَعُوا على صِحَّتِها.
فعلى هذا، لا يُمْنَعُ الرَّدُّ بوُجودِ الشَّرْطِ، ويكونُ، وُجُودُه كعَدَمِه.
وعن أحمدَ في الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ روَايَتَانِ؛ إحْدَاهُما، يَفْسُدُ بها العَقْدُ، فيَدْخل فيها هذا البَيْعُ؛ لأَنَّ البائِعَ إنَّما رَضِى بهذا الثَّمَنِ عِوَضًا عن مالِه بهذا الشَّرْطِ، فإذا فَسَدَ الشَّرْط فات الرِّضَا به، فَيَفْسُدُ البَيْعُ؛ لعَدَمِ التَّرَاضِى.
فَصْلٌ: وَإِنْ بَاعَهُ دَارًا عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، فَبَانَتْ أَحَدَ عَشَرَ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ.
وَعَنْهُ، أنَّهُ صَحِيحٌ، وَالزَّائِدُ لِلْبَائِعِ،
فصل
: قال، رَضِى اللَّهُ عنه: (وإن باعَهُ دَارًا) أو ثوْبًا (على أنَّه عَشرَةُ أَذْرُعٍ، فبان أحَدَ عَشرَ، فالبَيْعٍ باطِلٌ) لأنَّه لا يُمْكِنُ إجْبَارُ البائِعِ على تَسْلِيمِ الزِّيَادَةِ، وإنَّما باعَ عَشَرَة، ولا المُشْتَرِى على أخْذِ البَعْضِ، وإنَّما اشْتَرَى الكُلَّ، وعليه ضَرَرٌ في الشَّرِكَةِ أيْضًا.
(وعنه، أنَّه صَحِيحٌ، والزِّيَادَةُ للبائِعِ) لأَنَّ ذلك نقْصٌ على المُشْتَرِى، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ البَيْعِ، كالمَعِيبِ، ثم يُخَيَّرُ البائِعُ بينَ تَسْلِيمِ المَبِيعِ زَائِدًا، وبينِ تَسْلِيمِ العَشَرَةِ، فإنْ رَضِىَ بتَسْلِيمِ الجَمِيعِ، فلا خِيارَ للمُشْتَرِى؛ لأنَّه زادَه خَيْرًا، وإنْ
وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ.
فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى إِمْضَائِهِ، جَازَ.
أَبَى تَسْلِيمَه زائِدًا، فللمُشْتَرِى الخِيارُ بينَ الفَسْخِ، والأخْذِ بجَمِيعِ الثَّمَنِ المُسَمَّى، فإنْ رَضِىَ بالأَخْذِ، أخَذَ بالعَشَرَةِ، والبائِعُ شَرِيكٌ له بالذِّرَاعِ.
وهل للبائِعِ خِيَارُ الفَسْخِ؟ على وَجْهَيْنِ؛ أوَّلُهما، له الفَسْخُ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في المُشارَكةِ.
والثَّانى، لا خِيارَ له؛ لأنَّه رَضِىَ بِبَيْعِ الجَمِيعِ بهذا الثَّمَنِ، فإذا وَصَلَ إليه الثَّمَنُ مع بَقَاءِ جُزْءٍ له فيه كان زِيَادَةً، فلا يَسْتَحِقُّ بها الفَسْخَ، ولأن هذا الضَّرَرَ حَصَلَ بتَغْرِيرِه، وإخبارِه 1 بخِلافِ مُخبرِه 2، فلا يَنْبَغِى أَنْ يُسَلَّطَ به على فَسْخِ عَقْدِ المُشْتَرِى.
فإنْ بَذَلَها البائِعُ للمُشْتَرِى بثَمَنٍ، أو طَلَبَها المشْتَرِى بثَمَنٍ، لم يَلْزَمِ الآخَرَ القبُولُ؛ لأنَّها مُعَاوَضَةٌ يُعْتَبَرُ فيها التَّرَاضِى مِنْهُما، فلا يُجْبَرُ
وَإِنْ بَانَتْ تِسْعَةً، فَهُوَ بَاطِلُ.
وَعَنْهُ، أنَّهُ صَحِيحٌ، وَالنَّقْصُ عَلَى الْبَائِعِ، وَلِلْمُشْتَرِى الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَأَخْذِ الْمَبِيعِ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنَ.
واحِدٌ منهما عليها.
وإنْ تَرَاضَيا على ذلك، جازَ (وإنْ بانَتْ تِسْعَةً) فالبَيْعُ (باطِلٌ) لِما ذَكَرْنا (وعنه، أنَّه صَحِيحٌ، والمُشْتَرِى بالخِيارِ بينَ الفَسْخِ وأَخْذِ المَبِيعِ بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ).
وقال أصحابُ الشافعىِّ: ليس له إمْساكُه إلَّا بجميعِ الثَّمَنِ، أو الفَسْخ.
بناءً على المبيعِ المَعِيبِ عندَهم.
ولَنا، أنَّه وَجَدَ المَبِيعَ ناقِصًا في القَدْرِ، فَكان له إمْسَاكُه بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ، كالصُّبْرَةِ إذا اشْتَرَاها على أنَّها مائَةٌ، فبانَتْ خَمْسِينَ، وسَنُبَيِّن في المَعِيبِ أنَّ له إمْسَاكَه، وأَخْذَ الأَرْشِ.
فإنْ أخَذَها بقِسْطِها مِن الثَّمَنِ، فلِلْبَائِعِ الخِيارُ بينَ الرِّضَا بذلك وبينَ الفَسْخِ، لأنَّه إنّما رَضِىَ بِبَيْعِها بكلِّ الثَّمَنِ، فإذا لم يَصِلْ إليه، ثَبَتَ له الفَسْخ.
فإنْ بَذَلَ له المُشْتَرِى جَمِيعَ الثَّمَنِ، لم يَمْلِكِ الفَسْخَ؛ لأنَّه وَصَلَ إليه الثَّمَن الذى
فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى تَعْوِيضِهِ عَنْهُ، جِازَ.
رَضِيَه، فأَشْبَهَ ما لو اشْتَرَى مَعِيبًا فَرَضِيَه بجَمِيعِ الثَّمَن.
(وإنِ اتَّفَقَا على تعْوِيضِه عنه، جازَ) لأَنَّها مُعَاوَضَةٌ، فجازَت بتَراضِيهِما، كغَيْرِها.
فصل: وإنِ اشْتَرَى صُبْرَةً على أنَّها عَشَرَةُ أَقْفِزَةٍ، فبانَتْ أَحَدَ عَشَرَ، رَدَّ الزّائِدَ، ولا خِيارَ له ههُنا؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في رَدِّ الزِّيادَة، وإنْ بانَتْ تِسْعَةً، أخَذَها بقِسْطِها مِن الثَّمَنِ.
وقد ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ أَنَّه مَتَى سَمَّى الكَيْلَ في الصُّبْرَةِ لا يكونُ قَبْضُها إلَّا بِالكَيْلِ، فإنْ وَجَدَهَا قدْرَ حَقِّه، أخَذَها، وإنْ كانت زَائِدَةً رَدَّ الزِّيَادَةَ، وإن نَقَصَتْ أَخَذَها بقِسْطِها
..................................
مِن الثَّمَنِ.
وهل له الفَسْخُ إذا وجَدَها ناقِصَةً؟ على وَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، له الخِيارُ.
وهو مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه وَجَدَ المَبِيعَ ناقِصًا، فكان له الفَسْخُ، كغيرِ الصُّبْرَةِ، وكنُقْصَانِ الصِّفَةِ.
والثَّانى، لا خِيارَ له؛ لأَنَّ نُقْصَانَ القَدْرِ ليس بعَيْبٍ في الباقِى مِن الكَيْلِ، بخِلافِ غيرِه.
بَابُ الْخِيَارِ في الْبَيْعِ
وَهُوَ عَلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا، خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَيَثْبُت في الْبَيْعِ.
وَالصُّلْحُ بِمَعْنَاهُ، وَالإِجَارَةُ.
وَيَثْبُت في الصَّرْفِ، وَالسَّلَمِ.
وَعَنْهُ، لَا يَثبُتُ فِيهِمَا.
وَلَا يَثْبُتُ في سَائِرِ الْعُقُودِ، إِلَّا في الْمُسَاقَاةِ وَالْحَوَالَةِ وَالسَّبْقِ، في أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
بابُ الخِيَارِ في البيعِ
1
(وهو على سَبْعَةِ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُها، خِيارُ المَجْلِسِ، ويَثْبُتُ في البَيْعِ.
والصُّلْحُ بمَعْنَاهُ، والإِجارَةُ.
ويَثْبُتُ في الصَّرْفِ، والسَّلَمِ.
وعنه، لا يَثْبُتُ فيهما.
ولا يَثْبُتُ في سائِرِ العقُودِ، إِلَّا في المُسَاقَاةِ والحَوالَةِ والسَّبْقِ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ) وجُمْلته، أنَّ خِيارَ المَجْلِسِ يَثْبُتُ في البَيْعِ، بمَعْنَى أنَّه يَقَعُ جائِزًا، ولكُلِّ واحِدٍ مِن المُتَبَايِعَيْنِ الخِيارُ في فَسْخِه ما دَامَا مُجْتمِعَيْنِ لم يَتَفَرَّقَا.
وهو قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ.
يُرْوَى ذلك عن
..................................
عمرَ، وابنِه، وابنِ عَباسٍ، وأَبى هُرَيْرَةَ، وأَبى بَرْزَةَ، وبه قال سَعِيدُ ابنُ المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٌ، والشَّعْبِىُّ، وعَطاء، وطاوُسٌ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، وابنُ أبِى ذِئْبٍ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال مالِكٌ، وأصحابُ الرّأْىِ: يلزمُ العَقْدُ بالإِيجابِ والقَبُول، ولا خِيارَ لَهُما؛ لأنَّه رُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: البَيْعُ صَفْقَةً، أو خِيَارٌ 1. ولأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فلَزِمَ بمُجَرَّدِه، كالنِّكَاحِ، والخُلْعِ.
ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ عن رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «إذا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ
..................................
[فَكُلُّ واحِدٍ منهما بالخِيارِ] 1، ما لم يَتَفَرَّقَا، وكَانا جَمِيعًا، أو يُخَيِّرُ أحَدُهما الآخَرِ، فإنْ خَيَّرَ أحَدُهما الآخرَ، فَتَبَايَعَا على ذلك، فقد وَجَبَ البَيْعُ، وإنْ تَفرَّقَا بعدَ أَنْ تَبَايَعَا، ولم يَتْرُكْ أحَدُهما البَيْعَ، فقد وَجَبَ البَيْعُ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. وقال عليه الصَّلَاةُ والسَّلامُ: «البَيِّعَانِ بالخِيارِ ما لم يَتَفَرَّقَا».
رَواه الأَئِمَّةُ 3. ورَوَاه عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، وعبدُ اللَّهِ بنُ
..................................
عَمْرٍو، وحَكِيمُ بنُ حِزامٍ، وأبو بَرْزَةَ 1 الأَسْلَمِىُّ.
وَرَواهُ عن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، مالِكٌ، وَأَيُّوبُ، وعُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، وابنُ جُرَيْجٍ، واللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ، وغيرُهم.
وهو صَرِيحٌ في حُكمِ المَسْأَلةِ.
وعابَ كثِيرٌ مِن أَهْلِ العِلْمِ على مالِكٍ مُخَالَفَتَه للحَديثِ مع رِوَايَتِه له، وثُبُوتِه عِنْدَه.
قال الشّافِعِىُّ: لا أَدْرِى هل اتَّهَمَ مالِكٌ نَفْسَهُ أو نافِعًا؟ وأُعْظِمُ أَنْ أقُولَ: عَبْدَ اللَّهِ بنَ عمرَ.
وقال ابنُ أبِى ذِئْبٍ: يُسْتَتَابُ مالِكٌ في تَرْكِه لهذا الحَدِيث.
فإن قِيلَ: المُرَادُ بالتَّفَرُّقِ ههُنا التَّفَرُّقُ بالأَقْوالِ، كقَوْلِه تَعالَى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ 2. وقَوْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِى على ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً» 3. أى بالأَقْوالِ والاعْتِقَادَاتِ.
قُلْنا: هذا باطِلٌ لوُجُوهٍ؛ منها أنَّ اللَّفْظَ لا يَحْتَمِلُ ما قالُوه؛ إذْ لَيْسَ بين المُتَبايِعَيْنِ تَفَرُّقٌ بقَوْلٍ ولا اعْتِقادٍ، إنَّما بَيْنَهُما اتِّفَاقٌ على البَيْعِ بعد الاخْتِلافِ فيه.
الثانى، أنَّ هذا يُبْطِلُ فائِدَةَ الحَدِيثِ؛ إذْ قَدْ عُلِمَ أنَّهما 4 بالخِيارِ قَبْلَ العَقْدِ في إنْشائِه وإِتْمامِه أو تَرْكِه.
الثالِثُ، أنّه قال في الحَدِيثِ؛ «إذا تَبَايَعَ
..................................
الرَّجُلانِ، فكُلُّ واحِدٍ منهما بالخِيارِ».
[فجعلَ لهما الخِيارَ] 1 بعدَ تَبَايُعِهما، وقال: «وإنْ تَفَرَّقَا بعدَ أَنْ تَبايَعَا، ولم يَتْرُكْ أحَدُهما البَيْعَ، فقد وَجَبَ البَيْعُ».
الرابعُ، أنَّه يَرُدُّه تَفْسِيرُ ابنِ عمرَ للحَدِيثِ بفِعْلِه، فإنَّه كان إذا بايَعَ رَجُلًا مَشى خُطُوَاتٍ؛ ليَلْزَمَ البَيْعُ 2. وتَفْسِيرُ أَبِى بَرْزَةَ، بقَوْلِه مِثلَ قَوْلِنا، وهما رَاويا الحَدِيثِ، وأعْلَمُ بمَعْنَاهُ.
وقوْلُ عمرَ: البَيْعُ صَفْقَةٌ أو خِيارٌ.
معناه، أنَّ البَيْعَ يَنْقَسِمُ إلى بَيْع شُرِطَ فيه الخِيارُ، وبَيْعٍ لم يُشْتَرَطْ فيه، سَمَّاهُ صَفْقَةً لقِصَرِ مُدَّةِ الخِيارِ فيه؛ لأَنَّه قد رَوَى عنه 3 الجُوزْجَانِىُّ مِثلَ مَذْهَبِنا، ولو أَرَادَ ما قَالُوه، لم يَجُزْ أَنْ يُعارَضَ به قَوْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنَّه لا حُجَّةَ في قَوْلِ أحَدٍ مع قَوْلِ رسولِ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم-، على أنَّ قَوْلَ الصَّحَابِىُّ لا يُحْتَجُّ به إذا خالَفَه غيرُه مِن الصَّحَابَةِ، وقد خالَفَه ابنُه، وأبو بَرْزَةَ، وغيرُهما.
ولا يَصِحُّ قِياسُ البَيْعِ على النِّكاحِ؛ لأَنَّ النِّكاحَ لا يقَعُ إلَّا بعد رُؤْيَةٍ ونَظَرٍ غالِبًا، فلا يَحْتَاجُ إلى الخِيارِ بَعْدَه.
ولأنَّ في ثُبوتِ الخِيارِ فيه مَضَرَّةً، لِما يَلْزَمُ مِن رَدِّ المَرْاةِ بعد ابْتِذالِها بالعَقْدِ، وذَهابِ حُرْمَتِها بالرَّدِّ، وإلْحاقِها بالسِّلَعِ المَبِيعَةِ، فلم يَثْبُتِ الخِيارُ لذلك، ولهذا لم يَثْبُتْ فيه خِيارُ الشَّرْطِ، ولا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ.
والحُكْمُ في
..................................
هذه المسألةِ ظاهِرٌ؛ لظُهُورِ دَلِيلِه، وضَعْفِ ما يَذْكُرُه المُخالِفُ في مُقَابَلَتِه.
فصل: ويَثْبُتُ الخِيارُ في الصُّلْحِ بمَعْنَى البَيْعِ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، أَشْبَهَ البَيْعَ.
والهِبَةُ إذا شَرَطَ فيها عِوَضًا مَعْلومًا، ثبَتَ فيها الخِيارُ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، بناءً على الاخْتِلافِ فيها، هل تَصِيرُ بَيْعًا أو لَا؟ ويَثْبُتُ في الإِجارَةِ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، أشْبَهَ البَيْعَ.
ويَثْبُتُ في الصَّرْفِ، والسَّلَمِ، وما يُشْتَرَطُ فيه القَبْضُ في المَجْلِسِ، كبَيْعِ مالِ الرِّبَا بجِنْسِه في الصَّحِيحِ،
..................................
لِما ذَكَرْنا مِن الخَبَرِ والمَعْنَى.
وعنه، لا يَثْبُتُ فيها قِياسًا على خِيارِ الشَّرْطِ، فإنّه لا يَثْبُتُ فيها، رِوايةً واحِدَةً؛ لأَنَّ مَوْضُوعَها على أَنْ لا يَبْقَى بينهما عُلْقَةٌ بعدَ التَّفَرُّقِ، بدَلِيلِ اشْتِراطِ القَبْضِ، وثُبُوتُ الخِيارِ يُبْقِى بَيْنَهُما عُلْقَةً.
ولا يَثْبُتُ في سائِرِ العُقُودِ، وهى على أضْرُبٍ؛ أحَدُها، لازِمٌ، لا يُقْصَدُ به العِوَضُ، كالنِّكَاحِ والخُلْعِ، فلا يَثْبُتُ فيهما خِيارٌ؛ لأَنَّ الخِيارَ إنَّما يَثْبُتُ لمَعْرِفَةِ الحَظِّ في كَوْنِ العِوَضِ جابِرًا لِما
..................................
يَذْهَبُ مِن مالِه، والعِوَضُ ههنا ليس هو المَقْصُودَ، وكذلك الوَقْفُ والهِبَةُ بغيرِ عِوَض، ولأنَّ في ثُبُوتِ الخِيارِ في النِّكاحِ ضَرَرًا ذَكَرْنَاهُ.
الضربُ الثَّانِى، لازِمٌ مِن أحَدِ طَرَفَيْهِ، كالرَّهْنِ، لازِمٌ في حَقِّ الرَّاهِنِ
..................................
وَحْدَه، فلا يَثْبُتُ فيه خِيارٌ؛ لأَنَّ المُرْتَهِنَ يَسْتَغْنِى بالجوازِ في حَقِّه عن ثُبوتِ الخِيارِ له، والرّاهِنَ يَسْتَغْنِى بثُبُوتِ الخِيارِ له إلى أَنْ يَقبِضَ.
وكذلك
..................................
الضّامِنُ والكَفِيلُ، لا خِيارَ لهما؛ لأنَّهُما دَخَلَا مُتَطَوِّعَيْنِ رَاضِيَيْنِ بالغَبْنِ، وكذلك المكاتَبُ.
الضربُ الثالِثُ، عَقْدٌ جائِزٌ مِن الطَّرَفَيْنِ،
.................................. كالشَّرِكَةِ، والمُضارَبَةِ، والجَعَالَةِ، والوَكَالَةِ، والوَدِيعةِ، والوَصِيَّةِ، فلا يَثْبُتُ فيها خِيارٌ، اسْتِغْناءً بجَوازِها، والتَّمَكُّنِ مِن فَسْخِها بأَصْلِ
..................................
وَضْعِها.
الضربُ الرَابعُ، ما هو مُتَرَدِّدٌ بينَ الجَوازِ واللُّزُومِ، كالمُسَاقَاةِ، والمُزَارَعَةِ.
وظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّهُما جائِزَانِ، فلا يَدْخُلُهما خِيارٌ.
وقيل:
..................................
هما إجارَةٌ، فلهما حُكْمُها.
والسَّبْقُ والرَّمْىُ، الظاهِرُ أنَّهُما جَعالَةٌ، فلا يَثْبُتُ فيهما خِيارٌ.
وقيل: هما إِجَارَةٌ.
وقد ذَكَرْنَاهُ.
فأَمَّا الحَوَالَةُ والأَخْذُ بالشُّفْعَةِ، فهو عَقْدٌ لازِمٌ، يَسْتَقِلُّ به أحَدُ المُتَعاقِدَيْنِ، فلا خِيارَ فيهما؛ لأَنَّ مَنِ لا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ لا خِيارَ له.
وإذا لم يَثْبُتْ في أحَدِ طَرَفَيْهِ، لا يَثْبُتُ في الآخَرِ، كسائِرِ العُقُودِ.
ويَحْتَمِل أَنْ يَثْبُتَ الخِيارُ للمُحِيلِ والشَّفِيعِ؛
وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا، لأنَّه يُقصَدُ فيها (1) العِوَضُ، فأَشْبَهَت (2) سائِرَ عُقودِ المُعاوَضَاتِ.
1601 -
مسألة: (ولِكُلِّ واحِدٍ مِن المُتَبَايِعَيْنِ الخِيارُ ما لم يَتَفَرَّقَا بأبْدَانِهِمَا)
لِما ذَكَرْناه.
ولا خِلافَ في لُزُومِ العَقْدِ بعدَ التَّفَرُّقِ، ما لم12
..................................
يَكُنْ سَبَبٌ يَقْتَضِى جَوازُه، مِثلَ أَنْ يَجِدَ في السِّلْعَةِ عَيْبًا، فيَرُدَّها به، أو يكونَ قد شَرَطَ الخِيارَ مُدَّةً مَعْلُومَةً، فيَمْلِكَ الرَّدَّ فيها، بغَيْرِ خِلافٍ عَلِمْناه بينَ أَهْلِ العِلْمِ.
وفى مَعْنى العَيْبِ أَنْ يُدَلِّسَ المَبِيعَ بما يَخْتَلِفُ به الثَّمَنُ، أو يَشْتَرِطَ في المبيعِ صِفَة يَخْتَلِفُ بها الثَّمَنُ، فَيَبِينَ بخلافِه، أو يُخْبِرَه في المُرَابَحَةِ بثمنٍ حالٍّ وهو مُؤجَّلٌ، ونحوُ ذلك.
وقد دَلَّ على لُزُومِ البَيْعِ بالتَّفَرُّقِ قولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وإنْ تَفَرَّقَا بعدَ أَنْ تَبَايَعَا، ولم يَتْرُكْ أحَدُهما البَيْعَ، فقد وَجَبَ البَيْعُ» 1. والمَرْجعُ في التَّفَرُّقِ إلى عُرْفِ النَّاسِ وعاداتِهم؛ لأَنَّ الشارِعَ عَلَّقَ عليه حُكمًا، ولم يُبَيِّنْه، فدَلَّ على أنَّه أرَادَ ما يَعْرِفُه الناسُ، كالقَبْضِ، والإِحْرَازِ.
فإنْ كانا في فَضاءٍ واسِعٍ، كالمَسْجِدِ الكَبِيرِ، والصَّحْرَاءِ، فَبأَنْ يَمْشِىَ أحَدُهما مُسْتَدْبِرًا لِصاحِبه خُطُواتٍ.
وقيلَ: هو أَنْ يَبْعُدَ منه بحَيْثُ لا يَسْمَعُ كَلامَه الذى يَتَكَلَّمُ به في العَادَةِ.
قال أبو الحارِثِ: سُئِلَ أحمدُ عن تَفْرِقَةِ الأبْدانِ؟ فقال: إذا أَخَذَ هذا هكذا، وأخذ هذا هكذا، فقد تَفَرَّقَا.
ورَوَى مُسْلِمٌ 2، عن نافِعٍ، قال: فكانَ ابنُ عمرَ إذَا بايعَ 3، فأَرادَ أَنْ لا يُقيلَه، مَشَى هُنَيْهَةً، ثم رَجَعَ.
وإن كانَا في دارٍ كَبِيرَةٍ ذاتِ مَجالِسَ
..................................
وبُيُوتٍ، فالمُفَارقَةُ أَنْ يُفَارِقَه مِن بَيْتٍ إلى بَيْتٍ، أو إلى مَجْلِسٍ، أو صُفَّةٍ، أو مِن مَجْلِسٍ إلى بَيْتٍ، ونحوِ ذلك.
فإنْ كانَا في دارٍ صَغِيرَةٍ، فإذا صَعِدَ أحَدُهما السَّطْحَ، أو خَرَجَ منها، فقد فارَقَه.
وإنْ كانَا في سَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ، خَرَجَ أحَدُهما منها ومَشَى، وإنْ كانت كَبِيرَةً صَعِدَ أحَدُهما على أَعْلَاها، ونَزَلَ الآخَرُ في أَسْفَلِها.
وهذا كُلُّه مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
فإنْ كان المُشْتَرِى هو البائِعَ، مِثلَ أنِ اشْتَرَى لنَفْسِه مِن مالِ ولَدِه، أو اشْتَرَى لوَلَدِه مِن نَفْسِه، لم يَثْبُتْ فيه خِيارُ المَجْلِسِ؛ لأنَّه يَتَوَلَّى طَرَفَىِ العَقْدِ، فلم يَثْبُتْ له خِيارٌ، كالشَّفِيعِ.
ويَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ فيه، كغَيْرِه.
فعلى هذا، يُعْتَبَرُ للُزُومِه مُفَارَقَةُ مَجْلِسِ العَقْدِ؛ لأَنَّ الافْتِرَاقَ لا يُمْكِنُ ههنا؛ لكَوْنِ البائِعِ هو المُشْتَرِىَ.
ومتى حَصَلَ التَّفَرُّق لَزِمَ العَقْدُ، قَصَدا ذلك أو لم يَقْصِداه، عَلِماه أو جَهِلاه؛ لأَنَّ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَّقَ الخِيارَ عِلى التَّفَرُّقِ، وقد وُجِدَ.
ولو هَرَبَ أحَدُهما مِن الآخرِ، لَزِمَ العَقْدُ؛ لأنَّهُ فارَقَه.
ولا يَقِفُ لُزومُ العَقْدِ على رِضاهُما، ولهذا كان ابنُ عمرَ يُفارِقُ صاحِبَ؛ ليَلْزَمَ البَيْعُ.
ولو أقاما في المَجْلِسِ وسَدَلَا بَيْنَهما سِتْرًا، أو بَنَيَا بَيْنَهُما حاجِزًا، أو نامَا، أو قامَا فمَضَيَا جَمِيعًا ولم يَتَفَرَّقَا، فالخِيارُ بحالِه وإنْ طَالَتِ المُدَّةُ؛ لعَدَمِ التَّفَرُّقِ.
وقد رَوَى أبو دَاوُدَ 1، والأَثْرَمُ، بإسْنَادِهما عنِ أبى الوَضِئِ، قال: غَزَوْنَا غَزْوَةً لَنَا، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فباعَ صاحِبٌ لَنَا فرَسًا بغُلامٍ 2،
..................................
ثم أَقامَا بَقِيَّةَ يَؤْمِهِما ولَيْلَتِهما، فلَمَّا أَصْبَحَا 1 مِن الغَدِ وحَضَرَ الرَّحِيلُ، قامَ إلى فَرَسِه يُسْرِجُهُ، فنَدِمَ، فأَتَى الرَّجُلَ، وأَخذَه بالبَيْعِ، فأبَى الرَّجُلُ أَنْ يَدْفَعَه إليه، فقال: بَيْنِى وبَيْنَكَ أبو بَرْزَةَ صاحِبُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأَتيَا أبا بَرْزَةَ في ناحِيَةِ العَسْكَرِ، فقالُوا له هذه القِصَّةَ، فقال: أَتَرْضَيَانِ أَنْ أقْضِىَ بَيْنَكُما بقَضَاءِ رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «البَيِّعَانِ بالخِيارِ ما لم يَتَفَرَّقَا».
وما أَرَاكُما افْتَرَقْتُما.
فإنْ فارَقِ أحَدُهما الآخَرَ مُكْرَهًا، احْتَمَلَ بُطلانُ الخِيارِ؛ لوُجُودِ التَّفَرُّقِ، ولأنَّه لا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ في مُفَارَقَةِ صاحِبِه له، فكذلك في مُفَارَقَتِه لِصَاحِبِه.
وقال القاضِى: لا يَنْقَطِعُ الخِيارُ؛ لأنَّهُ حُكْمٌ عُلِّقَ على التَّفَرُّقِ، فلم يَثْبُتْ مع الإِكْرَاهِ، كما لو عُلِّقَ عليه الطَّلاقُ.
ولأصْحَابِ الشَّافِعِىِّ وَجْهانِ كهذَيْن.
فعلى قَوْلِ مَنْ لا يَرَى انْقِطَاعَ الخِيارِ، إنْ أُكْرِهَ أَحَدُهما على فُرْقَةِ صاحِبِه، انْقَطَعَ خِيارُ صاحِبِه، كما لو هَرَبَ منه، ويَبْقَى الخِيارُ للمُكْرَهِ منهما في المَجْلِسِ الذى يَزُولُ عنه الإكرَاهُ فيه، حتى يُفَارِقَه.
وإنْ أُكْرِهَا جَمِيعًا، انْقَطَعَ خِيارُهما؛ لأَنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يَنْقَطِعُ خِيارُه بفُرْقَةِ الآخَرِ له، فأشْبَهَ ما لو أُكْرِهَ صَاحِبُه دُونَه.
وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ مِن صُوَرِ الإِكْراهِ، ما لو رَأيَا سَبُعًا أو ظَالِمًا خَشِياهُ، فَهَرَبَا فَزَعًا منه، أو حَمَلَهُما سَيْلٌ، أو فَرَّقَتْ بَيْنَهُما رِيحٌ.
فإن خَرِسَ أحَدُهما، قامَتْ إِشَارَتُه مَقامَ نُطْقِه، فإنْ لم تُفهَمْ إشارَته، أو جُنَّ، أو أُغْمِىَ عليه، قامَ أبُوهُ، أو وَصِيُّه، أو الحاكِمُ،
..................................
مَقامَه.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
فصل: ولو ألْحَقَا في العَقْدِ خِيارًا بعدَ لُزُومِه، لم يُلْحَقْ.
وبه قال الشَّافِعِىُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ، وأصْحَابُه 1: يَلْحَقُه؛ لأَنَّ لهما فَسْخَ العَقْدِ، فكان لهما إلْحاقُ الخِيارِ به، كالمَجْلِسِ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، فلم يَصِرْ جائِزًا بقَوْلِهما، كالنِّكَاحِ، وفارَقَ المَجْلِسَ، فإنَّه جائِزٌ، فجازَ إبْقَاؤُه على جَوازِه.
فصل: وقد رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «الْبَائِعُ والمُبْتَاعُ بالخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيارٍ، فلا يَحِلُّ له أَنْ يُفَارِق صاحِبَه خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ».
رَواهُ التِّرْمِذِىُّ 2، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وقَوْلُه: «إلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيارٍ».
يَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ البَيْعَ المَشْرُوطَ فيه الخِيارُ، فإنَّه لا يَلْزَمُ بِتَفَرُّقِهما؛ لكَوْنِه ثابِتًا بعدَه بالشَّرْطِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ البَيْعَ الذى شَرَطَ فيه أَنْ لا يكُونَ فيه خِيارٌ، فَيَلْزَمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ ين غيرِ تَفَرُّقٍ.
وظاهِرُ الحَدِيثِ تَحْرِيمُ مُفَارَقَةِ أحَدِ المُتَبَايِعَيْنِ لِصاحِبِه خَشْيَةً مِن فَسْخِ البَيْعِ.
إِلَّا أَنْ يَتَبَايَعَا عَلَى أَنْ لَا خِيَارَ بَيْنَهُمَا، أَوْ يُسْقِطَا الْخِيَارَ بَعْدَهُ، فَيَسْقُطُ فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ أَسْقَطَهُ أحَدُهُمَا، بَقِىَ خِيَارُ صَاحِبِهِ.
وهذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ في رِوَايَةِ الأَثْرَمِ، فإنَّه ذُكِرَ له فِعْلُ ابنِ عمرَ، وهذا الحَدِيثُ، فقال: هذا الآنَ قولُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وهو اخْتِيارُ أبِى بَكْرٍ.
وقال القاضِى: ظاهِرُ كَلام أحمدَ جَوازُ ذلك؛ لأَنَّ ابنَ عُمَرَ فَعَلَه.
والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأَنَّ قولَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُقَدَّمُ على فِعْلِ ابنِ عمرَ.
والظاهِرُ أنَّ ابنَ عمرَ لم يَبْلُغْه هذا، ولو بَلَغَه (1) لَما خَالَفَهُ.
1602 -
مسألة: (إِلَّا أَنْ يَتَبَايَعَا على أَنْ لا خِيارَ بينَهما، أو يُسْقِطَا الخِيارَ بعدَه، فيَسْقُطُ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وإنْ أسْقَطَهُ أَحدُهما، بَقِىَ خِيارُ صاحِبِه)
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّه، في ذلك، فرُوِىَ عنه، أنَّ الخِيارَ يَمْتَدُّ إلى التَّفَرُّقِ، ولا يَبْطُلُ بالتَّخَايُرِ، ولا بالإِسْقاطِ، قبلَ العَقْدِ ولا بَعْدَه.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأَنَّ أكثرَ الرِّوايَاتِ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «البَيِّعَانِ بالخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا».
مِن غيرِ تَقْيِيدٍ ولا1
..................................
تَخْصِيصٍ، في رِوَايَةِ حَكِيمِ بنِ حِزامٍ، وأَبِى بَرْزَةَ، وأَكْثَرِ الرِّوايَاتِ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو.
والتَّقْيِيد إنَّما هو في حَدِيثِ ابنِ عمرَ، ومتى انْفَرَدَ بعضُ الرُّوَاةِ بزِيادَةٍ، قُدِّمَ قَوْلُ الأَكْثَرِينَ وذَوِى الضَّبْطِ.
والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أنَّ الخِيارَ يَبْطُلُ بالتَّخَايُرِ.
اخْتَارَها ابنُ أبى مُوسَى.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
وهو الصَّحِيحُ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالَى؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حَدِيثِ ابنِ عمرَ: «فإنْ خَيَّرَ أَحَدُهما صَاحِبَه، فَتَبَايَعَا على ذَلِكَ، فقد وَجَبَ البَيْعُ» 1. يَعْنِى لَزِمَ.
وفى لَفْظٍ: «المُتَبَايِعَانِ بالْخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا، إلَّا أَنْ يكونَ البَيْعُ كانَ عن خِيَارٍ، فإنْ كانَ البَيْعُ عن خِيَارٍ، فقد وَجَبَ البَيْعُ» مُتَّفَقٌ عليه (1). والأَخْذُ بالزِّيَادةِ أَوْلَى، وهى صَرِيحَةٌ في الحُكْمِ.
والتَّخايُرُ في ابْتِداءِ العَقْدِ وبعدَه في المَجْلِسٍ واحِدٌ، فالتَّخَايُرُ في ابْتِدَائِه أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ ولا خِيَارَ بَيْنَنَا.
ويَقْبَلُ الآخر على ذلك، فلا يكونُ لهما خِيَارٌ.
والتَّخَايُرُ بعدَه أَنْ يَقُولَ كُلُّ واحِدٍ منهما بعدَ العَقْدِ: اخْتَرْتُ إمْضَاءَ العَقْدِ.
أو: إلْزَامَه.
أو: اخْتَرْت العَقْدَ.
أو: أسْقَطْتُ خِيارى.
فَيَلْزَم العَقْدُ مِن الطَّرَفَيْنِ.
وإنِ اخْتَارَ أحَدُهُما دونَ الآخَرِ، لَزِمَ في حَقِّه وحْدَهُ، كما لو كان خِيارَ الشَّرْطِ فأسْقَطَه أحَدُهما.
وقال أصْحابُ الشّافِعِىِّ: في التّخَايُرِ في ابْتِداءِ العَقْدِ قَوْلَانِ، أظْهَرُهُما لا يَقْطَعُ الخِيارَ؛ لأنَّه إسْقَاطٌ للحَقِّ قبلَ سَبَبِه، فلم يَجُزْ، كخِيارِ الشُّفْعَةِ.
فعلى هذا، هل
..................................
يَبْطُلُ به العَقْدُ؟ على وَجْهَيْنِ، بِناءً على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ.
ولنا، ما ذَكَرْنَا مِن حَدِيثَى ابنِ عمرَ، وذلك صَرِيحٌ في الحُكْمِ، فلا يُعَوَّلُ على ما خَالَفَه، ولأنَّ ما أَثَّرَ في الخِيارِ في المَجْلِسِ أَثَّرَ فيه مُقارِنًا للعَقْدِ، كاشْتِراطِ الخِيَارِ.
ولأنَّه أحَدُ الخِيارَيْن في البَيْعِ، فجازَ إخْلاؤُه عنه، كخِيارِ الشَّرْطِ.
وقَوْلُهم: إنَّه إسْقَاط للخِيارِ قبلَ سَبَبِه.
مَمْنُوعٌ، فإنَّ سَبَبَ الخِيارِ البَيْعُ المُطْلَقُ، فأمّا البَيْعُ مع التَّخَايُرِ فلَيْسَ سَبَبًا له، ثم لو ثَبَتَ أنَّه سَبَبٌ للخِيارِ، لكِنَّ المانِعَ مُقارِنٌ له، فلم يَثْبُتْ حُكْمُه، والشُّفْعَةُ لَنا فيها مَنْعٌ، وإنْ سُلِّمَ، فالفَرْقُ بَيْنَهما أنَّ الشَّفِيعَ أجْنَبِىٌّ مِن العَقْدِ، فلم يَصِحَّ اشْتِراطُ إسْقاطِ خِيَارِه في العَقْدِ، بخِلافِ مسألتِنا.
فصل: فإنْ قال أحَدُهُما لِصاحِبِه: اخْتَرْ.
ولم يَقُلِ الآخَرُ شَيْئًا، فالسّاكِتُ على خِيارِه، لأنَّه لم يُوجَدْ منه ما يُبْطِله.
وأمّا القائِلُ فيَحْتَمِل أَنْ يَبْطُلَ خِيارُه، لِما رَوَى ابنُ عمرَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «البَيِّعانِ بالخِيارٍ ما لم يَتَفرَّقَا، أو يقولُ أحَدُهما لِصاحِبِه: اخْتَرْ».
رَواهُ البُخَارِىُّ.
ولأنَّه جَعَلَ لِصاحِبه ما مَلَكَه مِن الخِيار، فسَقَطَ خِيارُهِ.
وهذا ظاهِرُ مَذْهَب الشّافِعِىِّ.
ويَحْتَمِل أن لا يَبْطل خِيارُه، لأنَّه خيَّرَه، فلم يَختَرْ، فلم يُؤَثِّرْ، كما لو جَعَلَ لزَوْجَتِه الخِيارَ، فلم تَخْتَرْ شَيْئًا، ويُحْمَلُ الحَدِيثُ على أنَّه خيَّرَه، فاخْتَارَ.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ لظاهِرِ الحَدِيثِ.
ولأنَّه جَعَلَ الخِيارَ لغَيْرِه.
ويُفارِقُ
فَصْلٌ: الثَّانِى، خِيَارُ الشَّرْطِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِطَا في الْعَقْدِ خِيَارَ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، فيَثْبُتُ فِيهَا وَإِنْ طَالَتْ.
الزَّوْجَةَ؛ لأنَّه مَلَّكَها ما لَا تَمْلِكُ، فإذا لم تَقْبَلْ، سَقَطَ، وههُنا كُلُّ واحِدٍ منهما يَمْلِكُ الخِيارَ، فلم يَكُنْ قَوْلُه تَمْلِيكًا، إنَّما كان إسْقاطًا، فسَقَطَ.
فصل
: قال، رَضِىَ اللَّهُ عنه: (الثانى، خيارُ الشَّرْطِ؛ وهو أَنْ يَشْتَرِطَا 1 في العَقْدِ خيارَ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، فَيَثْبُتُ فيها وإنْ طَالَت) هذا قولُ أبى يُوسُفَ، ومحمدٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وحُكِىَ ذلك عن الحَسَنِ بنِ صالِحٍ، وابنِ أبى لَيْلَى، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ.
وأجازَه
..................................
مالِكٌ، فيما زادَ على الثَّلاثِ بقَدْرِ الحاجَةِ، مثل قَرْيَةٍ لا يَصِلُ إليها في أَقَلَّ مِن أَرْبَعَةِ أَيّامٍ، لأَنَّ الخِيارَ لحَاجَتِه، فَيُقَدَّرُ بها.
وقال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِىُّ: لا يَجُوزُ أكْثَر مِن ثَلاثٍ، لِما رُوِى عن عمرَ، رَضِى اللَّهُ عنه، أنَّه قال: ما أجدُ لكم أَوْسَعَ مِمّا جَعَلَ رسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لحَبَّانَ، جَعَلَ له الخِيارَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، إنْ رَضِى أخَذَ، وإنْ سَخِطَ تَرَكَ 1. ولأنَّ الخِيارَ يُنافِى مُقْتَضَى البَيْعِ؛ لأنَّه يَمْنَعُ المِلْكَ واللُّزُومَ وإطْلَاق التَّصرُّفِ، وإنَّما جازَ للحاجَةِ، فجازَ القَلِيلُ منه، وآخِرُ حَدِّ القِلَّةِ ثَلاثٌ، قال اللَّهُ تَعالَى: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ 2 بعد قولِه: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ 3. ولَنا، أنَّه حَقٌّ يَعْتَمِدُ الشَّرْطَ، فرُجِعَ في تَقْدِيرِه إلى مُشْتَرِطِه، كالأَجَلِ، ولم يَثْبُتْ مَا رُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وقد رُوِى عن أَنَسٍ خِلافُه.
وتَقْدِيرُ مالِكٍ بالحاجَةِ لا يَصِحُّ؛ فإنَّها لا يُمْكِنُ ضَبْطُ الحُكْمِ بها، لخَفَائِها واخْتِلَافِها، وإنَّما يَرْتَبِطُ بمَظِنَّتِها، وهو الإِقْدَامُ، فإنَّه صالِحٌ أَنْ يكونِ ضابِطًا، ورُبِطَ الحُكْمُ به في الثَّلاثِ وفى السَّلَمِ والأجَلِ.
وقولُ الآخَرِين: إنَّه يُنافِى مُقْتَضَى البَيْعِ.
لا يَصِحُّ،
وَلَا يَجُوزُ مَجْهُولًا، في ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ، وَهُمَا عَلَى خِيَارِهِمَا، إِلَى أن يَقْطَعَاهُ أَوْ تَنْتَهِىَ مُدَّتُهُ.
لأَنَّ مُقْتَضى البَيْعِ نَقْلُ المِلْكِ، والخِيارُ لا يُنافِيهِ، وإنْ سَلَّمْنَا ذلك، لكنْ مَتَى خُولِفَ الأصْلُ لمَعْنًى في مَحَلٍّ، وَجَبَ تَعْدِيَةُ الحُكْمِ؛ لتَعَدِّى ذلك المَعْنَى.
1603 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ مَجْهُولًا، في ظاهرِ المَذْهَبِ. وعنه، يَجُوزُ، وهما على خِيارِهما، ما لم يَقْطَعَاهُ أو تَنْتَهِى مُدَّتُه)
إذا شَرَطَ الخِيارَ أبدًا، أو مَتَى شاءَ، أو قال أحَدُهما: ولِىَ الخِيارُ.
ولم يَذْكُرْ مُدَّتَه، أو شَرَطَاهُ إلى مُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ، كقُدُومِ زَيْدٍ، أو نُزُولِ الفَطَرِ، أو مُشَاوَرَةِ إنْسَانٍ، ونحوِ ذلك، لم يَصِحَّ، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَب.
هذا اخْتِيارُ القاضِى، وابنِ عَقِيلٍ، ومَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
وعن أحمدَ، أنَّه يَصِحُّ، وهما على خِيَارِهما أبدًا، أو يَقْطَعَاه، أو تَنْتَهِىَ مُدَّتُه إنْ كان مَشْرُوطًا إلى مُدَّةٍ.
وهو قولُ ابنِ شُبْرُمَةَ؛ لقَوْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «المُسْلِمُونَ على شُرُوطِهِم» 1. وقال مالِكٌ: يَصِحُّ، ويُضْرَبُ لهما مُدَّةٌ يُخْتَبَرُ المَبِيعُ في مِثْلِها في العادَةِ؛ لأَنَّ ذلك مُقَرَّرٌ في العادَةِ، فإذا أطْلَقَا، حُمِلَ عليه.
وقال أبو حَنِيفَةَ: إنْ أسْقَطَا الشَّرْطَ قبلَ مُضِىِّ الثَّلاثِ، أو حَذَفَا الزَّائِدَ عليها وبَيَّنَا