..................................
أبى مُعَيْطٍ صَبْرًا 1، وقَتَلَ أبا عَزَّةَ يومَ أُحُدٍ.
وهذه قصصٌ اشْتُهِرَتْ وعُلِمَتْ، وفَعَلَها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَرَّاتٍ، وهو دليل على جَوازِها.
ولأنَّ كلَّ خَصْلَةٍ يِن هذه الخِصالِ قد تَكُونُ أصْلَحَ في بَعْضِ الأسْرَى؛ فإنَّ فيهم مَن له قُوَّة ونِكايَةٌ في المسلمين، فقَتْلُه أصْلَحُ، ومنهم الضَّعِيفُ الَّذى له مالٌ كثيرٌ، ففِداؤُه أصْلَحُ، ومنهم حَسَنُ الرَّأْى في المسلمين، يُرْجَى إسْلامُه بالمَنِّ عليه، أو مَعُونَتُه للمسلمين بتَخْلِيصِ أَسْراهم، أو الدَّفْعِ عنهم، فالمَنُّ عليه أصْلَحُ، ومنهم مَن يُنْتَفَعُ بخِدْمَتِه، ويُؤْمَنُ شَرُّه، فاسْتِرْقاقُه أصْلَحُ، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ، والإِمامُ أعْلَمُ بالمَصْلَحَةِ، ففُوِّضَ ذلك إليه.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّ هذا تَخْييرُ مَصْلَحَةٍ واجْتِهادٍ، لا تَخْييرُ شَهْوَةٍ، فمتى رَأى المَصْلَحَةَ في خَصْلَةٍ، لم يَجُزِ اخْتِيارُ غيرِها؛ لأنَّه يتَصَرَّف لهم على سَبِيلِ النَّظَرِ لهم، فلم يَجُزْ له تَرْكُ ما في الحَظُّ، كوَلِىِّ اليَتِيمِ.
ومتى حَصَل عندَه تَرَدُّدٌ في هذه الخِصالِ، فالقَتْلُ أوْلَى.
قال مُجاهِدٌ في أمِيرَيْن، أحَدُهما، يَقْتُلُ الأسْرَى: وهو أفْضَلُ.
وكذلك قال مالِكٌ.
..................................
وقال إسْحاقُ: الإِثْخانُ أُحَبُّ إلىَّ إلَّا أن يكونَ معروفًا يَطْمَعُ به في الكَثيرِ.
فمتى رَأْى القَتْلَ، ضَرَب عُنُقَه بالسَّيْفِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ 1. ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ بِضَرْب أعْناقِ الذين قَتَلَهم.
ولا يجوزُ التَّمْثِيلُ بهِ؛ لِما روَى بُرَيْدَةُ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا أمَّرَ رَجُلًا على جَيْشٍ أو سَرِيَّةٍ، قال: «اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، ولا تُعَذِّبُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا» 2. وإنِ اخْتارَ الفِداءَ، جازَ أن يَفْدِىَ بهم أُسارَى المسلمين، وجازَ بالمالِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَ الأمْرَيْنِ.
وفيه رِواية أُخْرَى، أنَّه لا يجوزُ بمالٍ، كما لا يَجُوزُ بَيْعُ رَقِيقِ المسلمين للكُفّارِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن، ولأنَّه إذا لم يَجُزْ أن نَبِيعَهم السِّلاحَ؛ لِما
..................................
فيه مِن تَقْوِيَتهم على المسلمين، فبَيْعُ أنْفُسِهم أوْلَى.
ومَنَع أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، مِن فداءِ النِّساءِ بالمالِ؛ لأنَّ في بَقائِهنَّ تَعْرِيضًا لهُنَّ للإِسْلامِ، لبَقائِهِنَّ عندَ المسلمين، وجَوَّزَ أن يُفادَى بِهنَّ أُسارَى المُسْلِمِين؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فادَى بالمرأةِ التى أخَذَها مِن سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ 1. ولأنَّ في ذلك اسْتِنْقاذَ مُسْلمٍ مُتَحَقِّقٍ إسْلامُه، فاحْتَمَلَ تَفْوِيتَ غَرَضِيَّةِ الإِسْلامِ مِن أجْلِه، ولا يَلْزَمُ مِن ذلك احْتِمالُ فِدائِها لتَحْصيلِ المالِ.
فأمَّا الصِّبْيانُ، فقال أحمدُ: لا يُفادَى بهم؛ لأنَّ الصَّبِىَّ يَصِيرُ مُسْلِمًا بإسْلامِ سابِيه، فلا يَجُوزُ رَدُّه إلى المُشْرِكِين، وكذلك المرأةُ إذا أسْلَمَتْ، لا يَجُوزُ رَدُّها إلى الكُفَّارِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ 2. وإن كان الصَّبِىُّ غيرَ مَحْكُومٍ بإسْلامِه، كمَن سُبِىَ مع أبوَيْهِ، لم يَجُزْ فِدَاؤُه بمالٍ، كالمرأةِ، ويجوزُ فِداؤُه بمسلمٍ، في أحَدِ الوَجْهَيْن.
فصل: ومَن اسْتُرِقَّ منهم أو 3 فُودِىَ بمالٍ، كان الرَّقِيقُ والمالُ
..................................
للغانِمينَ، حُكْمُه حُكْمُ الغنيمةِ، لا نعلمُ في هذا خِلافًا، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَسَم فِداءَ أُسارَى بَدْرٍ بينَ الغانِمين 1. ولأنَّه مالٌ غَنِمَه المسلمون، أشْبَهَ الخيلَ والسِّلاحَ.
فإن قِيلَ: فالأسِيرُ لم يكُنْ للغانِمين فيه حَقٌّ، فكيفَ تَعَلَّقَ حَقُّهم ببَدَلِه؟ قُلْنا: إنَّما يَفْعْلُ الإِمامُ في الأسيرِ ما يَرَى فيه المصْلَحَةَ؛ لأنَّه لم يَصِرْ مالًا، فإذا صارَ مالًا، تَعَلَّقَ حَقُّ الغانِمين به؛ لأنَّهم أسَرُوه وقَهَرُوه، وهذا غيرُ مُمْتَنِعٍ، ألا تَرَى أنَّ مَن عليه دَيْنٌ، إذ، قُتِلَ قَتْلًا يُوجِبُ القِصاصَ، كان لوَرَثَتِه الخيارُ بينَ القَتْلِ والعَفْوِ إلى الدِّيَةِ، فإذا اخْتارُوا الدِّيَةَ تَعَلَّقَ حَقُّ الغُرماءِ بها.
فصل: فإن سأَلَ الأُسارَى مِن أهْلِ الكتابِ تخْلِيَتَهم على إعْطاءِ الجِزْيَةِ، لم يَجُزْ ذلك في صِبْيانِهم ونِسائِهم؛ لأنَّهم صارُوا غَنِيمَةً بالسَّبْى، ويَجُوزُ في الرِّجالِ، ولا يزولُ التَّخْيِيرُ الثابِتُ فيهم وقال أصحابُ الشافعىِّ: يَحْرُمُ قَتْلُهم، كما لو أسْلَمُوا.
ولَنا، أنَّه بَدلٌ [لا تَلْزَمُ] 2 الإِجابَةُ إليه، فلم يَحْرُمْ قَتْلُهم، كبَدَلِ عَبَدَةِ الأوْثَانِ.
.................................. فصل: وإذا أُسِرَ العَبْدُ، صارَ رَقِيقًا للمسلمين؛ لأنَّه مالٌ لهم اسْتُولِىَ عليه، فكان للغانِمين، كالبَهِيمَةِ، فإن رَأَى الإِمامُ قَتْلَه لضَرَرٍ في إبْقائِه، جازَ، لأنَّ مثلَ هذا لا قِيمَةَ له، فهو كالمُرْتَدِّ، وأمَّا مَن يَحْرُمُ قَتْلُهم غيرَ النِّساءِ والصِّبْيانِ، كالشَّيْخِ والزَّمِنِ والأعْمَى والرَّاهِبِ، فلا يَحِلُّ سَبْيُهم؛ لأنَّ قَتْلَهم حرامٌ، ولا نَفْعَ في اقْتِنائِهم.
..................................
فصل: ذكر أبو بكرٍ أنَّ الكافِرَ إذا كان مَوْلَى مُسْلمٍ، لم يَجُزِ اسْتِرْقاقُه؛ لأنَّ في اسْتِرْقاقِه تفوِيتَ ولاءِ المُسْلمِ المَعْصُومِ.
وعلى قَوْلِه، لا يُسْتَرَقُّ ولَدُه أيضًا إذا كان عليه وَلاءٌ؛ لذلك.
وإن كان مُعْتِقُه ذِمِّيًّا، جازَ اسْتِرْقاقُه؛ لأنَّ سَيِّدَه يَجُوزُ اسْتِرْقاقُه، فاسْتِرْقاقُ مَوْلاه أوْلَى.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ جوازُ اسْتِرْقاقِه؛ لأنَّه لا يجوزُ قَتْلُه، وهو مِن أهْلِ الكتابِ، فجازَ اسْتِرْقاقُه، كغيرِه، ولأنَّ سَبَبَ جوازِ الاسْتِرْقاقِ قد تحقَّقَ فيه، وهو الاسْتِيلاءُ عليه، مع كونِ مَصْلَحَةِ المسلمين في اسْتِرْقاقِه، ولأنَّه إنْ كان المَسْبِىُّ امرأةً أو صَبِيًّا، لم يَجُزْ فيه سِوَى الاسْتِرْقاقِ، فيَتَعَيَّنُ ذلك فيه.
وما ذكرُوه يَبْطُلُ بالقَتْلِ؛ فإنَّه يُفَوِّتُ الوَلاءَ، وهو جائِزٌ فيه، وكذلك يجوزُ اسْتِرْقاقُ مَن عليه وَلاء لذِمِّىٍّ.
فَإنْ أسْلَمُوا رَقُّوا في الْحَالِ.
وقوْلُه: إنَّ سَيِّدَه الذِّمِّىَّ يَجُوزُ اسْتِرْقاقُه.
غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ الذِّمِّىَّ لا يَجُوزُ اسْتِرْقاقُه، ولا تَفْوِيتُ حُقُوقِه، وقد قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: إِنَّما بذَلُوا الجِزْيَةَ لتكونَ دِماؤُهم كدِمائِنا، وأموالُهم كأمْوالِنا (1).
1403 -
مسألة: (فَإنْ أسْلَمُوا رَقُّوا في الْحَالِ)
يَعْنِى إذا أسْلَمَ الأسِير صارَ رَقيقًا في الحالِ، وزالَ التَّخْيِير فيه، وصارَ حُكْمُهُ حُكْمُ النِّساءِ.
وبه قال الشافعىُّ في أَحَدِ قَوْلَيْه؛ لأنَّه أسيرٌ مُحَرَّمٌ قَتْلُه، فصارَ رقيقًا، كالمرأةِ.
وفيه قولٌ آخر، أنَّه يَحْرمُ قَتْلُه؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَحِلُّ دَمْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بإحْدَى ثلَاثٍ» 2. ويَتَخَيَّرُ بينَ الخِصَالِ1
وَمَنْ سُبِىَ مِنْ أَطْفَالِهِمْ مُنْفَرِدًا أَوْ مَعَ أَحدِ أَبوَيْهِ، فَهُوَ مُسْلِمٌ.
الثَّلاثِ الباقيةِ؛ المَنِّ، والفِداءِ، والاسْتِرْقاقِ.
وهو القولُ الثانى للشافعىِّ؛ لأنَّه إذا جازَ المَنُّ عليه في حالِ كُفْرِه، ففى حالِ إسْلامِه أوْلَى؛ لأنَّ الإِسْلامَ حَسَنَةٌ يقْتَضِى إكْرامَه، والإِنْعامَ عليه، لا مَنعَ ذلك في حَقِّه.
وهذا هو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
ولا يَجُوزُ رَدُّه إلى الكُفّارِ، إلَّا أن يكونَ له مَن يَمْنَعُه مِن المشركين، مِن عَشِيرَةٍ أو نحوِها، وإنَّما جازَ فِداؤُه؛ لأنَّه يتَخَلَّصُ به مِن الرِّقِّ.
فأمَّا إن أسْلَمَ قبلَ أسْرِه، حَرُمَ قَتْلُه واسْتِرْقاقُه والمُفاداةُ به، سَواءٌ أسْلَمَ وهو في حِصْنٍ، أو جَوْفٍ، أو مَضِيقٍ، أو غيرِ ذلك؛ لأنَّه لم يحْصُلْ في أَيْدِى الغانِمين.
1404 -
مسألة: (وَمَنْ سُبِىَ مِنْ أَطْفَالِهِمْ مُنْفَرِدًا أَوْ مَعَ أَحدِ أَبَوَيْهِ،
وَإنْ سُبِىَ مَعَ أَبَوَيْهِ، فَهُوَ عَلَى دِينِهِمَا.
فهو مُسْلِمٌ.
ومَن سُبِىَ معَ أَبَوَيْه، فهو على دِينِهما) المَسْبِىُّ مِن أطْفالِ المُشْرِكِين ينقَسِمُ ثلاثةَ أقْسامٍ؛ أحدُها، أنْ يُسْبَى مُنْفَرِدًا عن أَبَوَيْه، فيصيرَ مُسْلِمًا بالإِجْماعِ؛ لأنَّ الدِّينَ إنَّما يثْبُتُ له تَبَعًا، وقد انْقَطَعَتْ تَبَعِيَّتُه لأَبوَيْه؛ لانْقطاعِه عنهما، وإخْراجِه عن دارِهما، ومصيرِه إلى دارِ الإِسْلامِ تَبَعًا لسابِيه المُسْلمِ، فكان تابعًا له في دِينهِ.
الثانى، أن يُسْبَى مع أَحَدِ أَبَوَيْه، فيُحْكَمَ بإسْلامِه أَيضًا.
وبه قال الأوْزَاعِىُّ.
وقال أبو الخطَّابِ: يَتْبَعُ أباه.
وقال القاضى: في رِوايَتان؛ أشْهَرُهما، أنَّه يُحْكَمُ بإسْلامِه.
والثانيةُ، يَتْبَعُ أباه.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: يكونُ تابِعًا لأبِيه في الكُفْرِ؛ لأنَّه لم يَنْفَرِدْ عن أَحَدِ أَبَوَيْه، فلم يُحْكَمْ بإسْلامِه، كما لو سُبِىَ معَهما.
وقال مالكٌ: إن سُبِىَ مع أبِيه تَبِعَه؛ لأنَّ الوَلَدَ يَتْبَعُ أباه في الدِّينِ،
..................................
كما يَتْبَعُه في النَّسَبِ، وإن سُبِىَ مع أُمِّه فهو مُسْلِمٌ؛ لأنَّه لا يَتْبَعُها في النَّسَبِ، فكذلك في الدِّينِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَودَانِه أوْ يُنَصِّرَانِه، أوْ يُمَجِّسَانِهِ».
رَواه مالكٌ 1. فمَفْهُومُه أنَّه لا يَتْبَعُ أحَدَهما؛ لأنَّ الحُكْمَ متى عُلِّقَ بشَيْئَيْن لا يَثْبُتُ بأحَدِهما، ولأنَّه يَتْبَعُ سَابِيَه مُنْفَرِدًا، فيَتْبَعُه مع أحَدِ أَبَوَيْه، قياسًا على ما
وَلَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِاسْتِرْقَاقِ الزَّوْجَيْنِ، وَإنْ سُبِيَتِ الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَحَلَّتْ لِسَابِيهَا.
لو أسْلَمَ أحَدُ الأبَوَيْن، تَحْقِيقُه أنَّ كلَّ شخْصٍ غُلِّبَ حُكْمُ إسْلامِهِ مُنْفَرِدًا غُلِّبَ مع أحَدِ الأبَوَيْن، كالمُسْلِمِ مِن الأبَوَيْن.
الثالثُ، أن يُسْبَى مع (1) أَبَوَيْه، فيَكونُ على دِينِهما.
وبه قال أبو حنيفة، ومالكٌ، والشافعىُّ.
وقال الأوْزَاعِىُّ: يَكُونُ مُسْلِمًا؛ لأنَّ السابِىَ أحَقُّ به، لكَوْنِه مَلَكه بالسَّبْى، وزالت وِلايَةُ أبَوَيْه عنه، وانْقَطَعَ مِيراثُهما منه ومِيراثُه منهما، فكان أوْلَى به منهما.
ولَنا، قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدانِه ويُنَصِّرَانِه ويُمَجِّسَانِه».
وهما معه، ومِلْكُ السّابِى له لا يَمْنَعُ اتِّباعَه لأَبَوَيْه، بدلِيلِ ما لو وُلِدَ في مِلْكِه مِن عَبْدِه وأمَتِه الكافِرَيْن.
1405 -
مسألة: (ولا يَنْفَسِخُ النِّكاحُ بِاسْتِرْقاقِ الزَّوْجَيْنِ، وإن سُبِيَتِ المرأةُ وَحْدَها، انْفَسَخَ نِكاحُهَا، وحَلَّتْ لِسابِيها)
إذا سُبِىَ المُتَزَوِّجُ مِن الكُفَّارِ، لم يَخْلُ مِن ثلاثَةِ أحْوالٍ؛ أحدُها، أن يُسْبَى الزَّوْجانِ معًا،1
..................................
فلا يَنْفَسِخُ نِكاحُهما.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والأوْزَاعِىُّ.
ويَحْتَمِلُ أن يَنْفَسِخَ.
وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 1. والمُحْصَناتُ: المُتَزَوِّجاتُ ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ بالسَّبْى.
قال أبو سَعِيدٍ الخُدْرِىُّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: نَزَلَتْ هذه الآية في سَبْىِ أوْطاسَ 2. وقال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما: إلَّا ذَواتِ الأزْواجِ مِن المَسْبِيّاتِ.
ولأنَّه اسْتَوْلَى على محلِّ حَقِّ الكافِرِ، فزالَ مِلْكُه، كما لو سَباها وَحْدَها.
ولَنا، أنَّ الرِّقَّ مَعْنًى لا يَمْنَعُ ابْتِداءَ النِّكاحِ، فلا يَقْطَعُ اسْتِدامَتَه، كالعِتْقِ، والآيةُ نزَلَتْ في سَبايا أوْطاسَ، وكانوا أخَذُوا النِّساءَ دُونَ أزْواجِهِنَّ، وعُمُومُ الآيةِ مخْصُوصٌ بالمَمْلُوكَةِ المُزَوَّجَةِ في دارِ الإِسْلامِ، فيُخَصُّ منه محلُّ النِّزاعِ بالقياسِ عليه.
الحالُ الثَّانِى، أن تُسْبَى المرأةُ وحدَها، فينْفسِخُ النِّكاحُ، بلا خِلافٍ عَلِمْناه.
والآيَةُ دَالَّةٌ عليه،
..................................
وقد روَى أبو سعيدٍ الخُدْرِىُّ، قال: أصَبْنا سَبايا يومَ أوْطاسَ، ولَهُنَّ أزْواجٌ في قَوْمِهِنَّ، فذَكَرُوا ذلك لرَسُولِ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فنَزَلَت: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
رَواه التِّرْمِذِىُّ 1، وقال: حديثٌ حَسَنٌ.
إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: إذا سبِيَتِ المرأةُ وحدَها، ثم سُبِىَ زَوْجُهَا بعدَها بيَوْمٍ، لم يَنْفَسِخِ النِّكاحُ.
ولَنا، أنَّ السَّبْىَ المُقْتَضِىَ للفَسْخِ وُجِدَ، فانْفَسَخَ النِّكاحُ، كما لو سُبِيَتْ قبلَه بشَهْرٍ.
الحالُ الثالثُ، سُبِىَ الرَّجُلُ وحدَه، فلا يَنْفَسِخُ النِّكاحُ؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، ولا القياسُ يَقْتَضِيه، وقد سَبَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَبْعِين رجلًا مِن الكُفّارِ يومَ بَدْرٍ، فمَنَّ على بعْضِهم، وفادَى بعْضًا، فلم يَحْكُمْ عليهم بفَسْخِ أنْكِحَتِهم.
ولأنَّنا إذا لم نَحْكُمْ بفَسْخِ النِّكاحِ فيما إذا سُبِيَا معًا مع الاسْتِيلاءِ على مَحَلِّ حَقِّه، فلأن لا
..................................
يَنْفَسِخَ نِكاحُه مع عَدَمِ الاسْتِيلاءِ عليه أوْلَى.
وقال أبو الخَطّابِ: إذا سُبِىَ أحَدُ الزَّوْجَين، انْفَسَخَ النِّكاحُ.
ولم يُفَرِّقْ.
وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّ الزَّوْجَيْن افْتَرَقَتْ بهما الدَّارُ، وطَرَأَ المِلْكُ على أحَدِهما، فانْفَسَخَ النِّكاحُ، كما لو سُبِيَتِ المرأةُ وحدَها.
وقال الشافعىُّ: إن سُبِىَ واسْتُرِقَّ، انْفَسَخَ نِكاحُه، وإن مُنَّ عليه أو فُودِىَ، لم يَنْفَسِخْ.
ولَنا، ما ذَكَرْناه، وأنَّ السَّبْىَ لم يُزِلْ مِلْكَه عن مالِه في دارِ الحَرْبِ، فلم يَزُلْ عن زَوْجَتِه، كما لم 1 يَزُلْ عن أمَتِه.
فصل: ولم يُفَرِّقْ أصْحابُنا في سَبْىِ الزَّوْجَيْنِ، بينَ أن يَسْبِيَهما رجلٌ واحدٌ أو رجلان.
ويَنْبَغِى أنْ يُفَرَّقَ بينَهما، فإنَّهما إذا كانا مع رَجُلَيْن، كان مالِكُ المرأةِ مُنْفَرِدًا بها، ولا زوجَ معها، فتَحِلُّ له؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
وذَكَر الأوْزَاعِىُّ، أنَّ الزَّوْجَيْنِ إذا سُبِيا، فهما على النِّكاحِ في المَقاسِمِ، فإنِ اشْتَراهُما رجلٌ، فله أن يُفرِّقَ بينَهما إن شاءَ، أو يُقِرَّهما على النِّكاحِ.
ولَنا، أنَّ تَجَدُّدَ المِلْكِ في الزَّوْجَيْن لرجلٍ لا يَقْتَضى جَوازَ الفَسْخِ، كما لو اشْتَرى زَوْجَيْن مُسْلِمَيْن.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بينَهما في القِسْمَةِ والبَيْعِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بذلك.
وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ مَن اسْتُرِقَّ مِنْهُمْ لِلْمُشْرِكِينَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
1406 - مسألة: (وهل يَجُوزُ بَيْعُ مَن اسْتُرِقَّ منهم للمُشْرِكِين؟ على رِوايَتَيْن)
لا يجوزُ بَيْعُ شئٍ مِن رقيقِ المسلمين لكافِرٍ، سواءٌ كانُ مُسْلِمًا أو كافرًا.
وهذا قولُ الحسنِ.
وقال أحمدُ: ليس لأهْلِ الذِّمَّةِ أن يَشْتَرُوا ممَّا سَبَى المسلمون.
قال: وكَتَب عُمَرُ بنُ الخَطّابِ يَنْهَى عنه أُمَراءَ الأمْصارِ.
هكذا حَكَى أهْلُ الشامِ.
وعنه، أنَّه يَجُوزُ ذلك.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ مِن إثْباتِ يَدِه عليه، فلا يَمْنَعُ مِن ابْتِدائِه، كالمُسْلمِ، ولأنَّه رَدَّ الكافِرَ إلى الكُفَّارِ، فجازَ، كالمُفاداةِ بهم قبلَ الاسْتِرْقاقِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه قولُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولم
وَلَا يُفَرَّقُ في الْبَيْعِ بَيْنَ ذَوِى رَحِمٍ مَحْرَمٍ، إِلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ، عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
يُنْكِرْه مُنْكِرٌ، فكان إجْماعًا، ولأنَّ فيه تَفْوِيتًا للإِسْلامِ الَّذى يَظْهَرُ وُجُودُه، فإنَّه إذا بَقِىَ رَقِيقًا للمسلمين، الظَّاهِرُ أنَّه يُسْلِمُ، فيَفُوت ذلك ببَيْعِه لكافرِ، بخِلافِ ما إذا كان رَقِيقًا لكافرٍ في ابْتِدائِه، فإنَّه لم تَثْبُتْ له هذه الغَرَضِيَّةُ.
1407 -
مسألة: (ولا يُفَرَّقُ في البَيْعِ بينَ ذوى رَحِمٍ مَحْرَمٍ، إلَّا بعدَ الْبُلُوغِ، على إحْدَى الرِّوايَتَيْن)
أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ التَّفْرِيقَ بينَ الأُمِّ ووَلَدِها الطِّفْلِ غيرُ جائِزٌ، منهم مالكٌ، والأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى، وغيرُهم، لِما روَى أبو أَيُّوبَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يقولُ: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا،
..................................
فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
قال التِّرْمِذِىُّ 1: هذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تُوَلَّهُ 2 وَالِدَةٌ عَنْ وَلَدِهَا» 3. قال أحمدُ: لا يُفَرَّقُ بينَ الأُمِّ ووَلَدِها وإن رَضِيَتْ.
وذلك، واللَّهُ أَعلمُ، لِما فيه مِن الإِضْرَارِ بالوَلَدِ، ولأنَّ المرأةَ قد تَرْضَى بما فيه ضَرَرُها، ثم يَتَغَيَّرُ قَلْبُها فتَنْدَمُ.
ولا يجوزُ التَّفْرِيقُ بينَ الأبِ ووَلدِه.
هذا قولُ أصحابِ الرَّأْى، والشافعىِّ.
وقال مالكٌ، واللَّيْثُ: يجوزُ.
وِبه قال بعضُ الشافعيَّةِ، لأَنَّه ليس مِن أهْلِ الحَضَانَةِ بنَفْسِه، ولأنَّه لا نصَّ فيه، ولا هو في مَعْنَى المنْصُوصِ عليه، لأنَّ الأُمَّ أشْفَقُ منه.
ولَنا، أنَّه أحَدُ الأبَوَيْن، أشْبَهَ الأُمَّ، ولا نُسَلِّمُ أنَّه ليس مِن أهْلِ الحضَانَةِ.
ولا فَرْقَ بينَ أن يَكُونَ الوَلَدُ بالِغًا أو طِفْلًا، في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِىِّ، وإحْدَى الرِّوايَتَيْن عن أحمدَ، لعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّ الوالِدَةَ تتضَرَّرُ بمُفَارَقَةِ وَلَدِها الكبيرِ، ولهذا حَرُمَ عليه
..................................
الجهادُ إلَّا بإذْنِها.
والثانيةُ، يَخْتَصُّ تَحْرِيمُ التَّفْرِيقِ بالصَّغِيرِ.
وهو قولُ الأكثَرِينَ؛ منهم مالكٌ، والأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، وأبو ثَوْرٍ.
وهو قولُ الشافعىِّ، لأنَّ سَلَمَةَ بنَ الأكْوَعِ أتَى بامْرأةٍ وابْنَتِها، فنَفَّلَه أبو بكْرِ ابْنَتَها، فاسْتَوْهَبها منه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فوَهَبَها له، ولم يُنْكِرِ التَّفْرِيقَ بينَهما 1. ولأنَّ الأحْرارَ يتفرَّقُونَ بعدَ الكِبَرِ، فإنَّ المرأةَ تُزَوِّجُ ابْنَتَها وتُفارِقُها، فالعَبِيدُ أوْلَى.
واخْتَلَفُوا في حَدِّ الكِبَرِ الَّذى يُجَوِّزُ التَّفْرِيقَ، فعن أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدُّه بُلُوغُ الوَلَدِ.
وهو قولُ سعيدِ بنِ عبدِ العزِيزِ، وأصحابِ الرَّأْى، وقَوْلٌ للشافعىِّ.
وقال مالكٌ: إذا أثْغَرَ.
وقال الأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ: إذا اسْتَغْنَى عن أُمِّه، ونَفَع نفْسَه.
وللشافعىِّ قولٌ: إذا صارَ ابنَ سبعٍ أو ثمانٍ.
وقال أبو ثَوْرٍ: إذا كان يَلْبَسُ وَحْدَه، ويَتَوَضَّأُ وحدَه؛ لأنَّه إذا كان كذلك، اسْتَغْنَى عن أُمِّه، ولذلك خُيِّرَ الغُلامُ بينَ أُمِّه وأبِيه إذا صار 2 كذلك، ولأنَّه جازَ التَّفْرِيقُ بينَهما بتَخْييرِه، فجازَ ببَيْعِه وقِسْمَتِه.
ولَنا، ما رُوِى عن عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-
..................................
قال: «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا».
فقيل: إلى مَتَى؟ قال: «حَتَّى يَبْلُغَ الغُلامُ، وتَحِيضَ الجَارِيَةُ» 1. ولأنَّ مَن دُونَ البُلُوغِ يُوَلَّى عليه، أشْبَهَ الطِّفْلَ.
فصل: فإن فُرِّقَ بينَهما بالبَيْعِ، فالبَيْعُ فاسِدٌ.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ البَيْعُ؛ لأنَّ النَّهْىَ لِمَعْنًى في غيرِ المَعْقُودِ عليه، فأشْبَهَ البَيْعَ في وقتِ النِّداءِ.
ولَنا، ما روَى أبو داودَ، في «سُنَنِه» 2، عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه فَرَّقَ بينَ الأُمِّ ووَلَدِها، فنَهاهُ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك، ورَدَّ البَيْعَ.
والأصْلُ ممنوعٌ، وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ، فإنَّه نَهَى عنه لِما يَلْحَقُ المَبِيعَ مِن الضَّرَرِ، فهو لمعنًى فيه.
فصل: والجَدُّ والجَدَّةُ، في تَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ بينَهما وبينَ وَلَدِ ولدِهما، كالأبوَيْن؛ لأنَّ الجَدَّ أَبٌ، والجَدَّةَ أُمٌّ، ولذلك يقُومان مَقامَ الأَبَوَيْنِ في اسْتِحْقاقِ الحضانَةِ والمِيراثِ والنَّفَقَةِ، فقاما مَقامَهما في تحْرِيمِ التَّفْرِيقِ.
..................................
ويسْتَوِى في ذلك الجَدُّ والجَدَّةُ مِن قِبَلِ الأبِ والأمِّ، لأنَّ لهم وِلادَةً ومَحْرَمِيَّةً، فاسْتَوَوْا في ذلك، كاسْتِوائِهم في مَنْعِ شَهادَةِ بَعْضِهم لبَعْضٍ.
فصل: ويَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بينَ الإِخْوَةِ في القِسْمَةِ والبَيْعِ أيضًا، كما يَحْرُمُ بينَ الوَلَدِ ووالِدِه.
وبهذا قال أصحابُ الرَّأْى.
وقال مالكٌ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَحْرُمُ، لأنَّها قَرابَةٌ لا تَمْنَعُ قَبولَ شَهادَتِه، فلم يَحْرُمِ التَّفْرِيقُ، كابنِ العَمِّ.
ولَنا، ما رُوىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: وَهَب لِى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- غُلامَيْن أخَوَين، فبِعْتُ أحَدَهما، فقال لى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا فَعَلَ غُلَامُكَ؟» فأخْبَرْتُه، فقال: «رُدَّهُ، رُدَّهُ».
رَواه التِّرْمِذِىُّ 1، وقال: حديثٌ حسَنٌ غَرِيبٌ.
وروَى عبدُ الرحمنِ بنُ فَرُّوِخٍ، عن أبيه، قال: كتَب إلينا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا تُفرِّقُوا بينَ الأَخَوَيْن، ولا بينَ الأُمِّ ووَلدِها في البَيْعِ 2. ولأنَّه ذو رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فحَرُمَ التَّفْرِيقُ بينَهما، كالوالدِ والوَلَدِ.
وإنَّما يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بينَهما في حال الصِّغَرِ، وما بعدَه فيه الرِّوايَتان كالأصْلِ.
والأَوْلَى الجوازُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أُهْدِيَتْ له مارِيَةُ وأُخْتُها سِيرِينُ، فأمْسَكَ
..................................
مارِيَةَ، ووَهَب سِيرِينَ لحسّان بنِ ثابتٍ 1.
فصل: فأمّا سائِرُ الأقارِبِ، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، جَوازُ التَّفْرِيقِ بينَهم.
وقال غيرُه مِن أصحابِنا: لا يجوزُ التَّفْرِيقُ بينَ ذَوِى رَحِمٍ مَحْرَمٍ، كالعَمَّةِ مع ابنِ أخِيها، والخالَةِ مع ابنِ أُخْتِها، لِما ذَكَرْنا مِن القِياسِ.
والأَوْلَى جوازُ التَّفْرِيقِ؛ لأنَّ الأصْلَ حِلُّ البَيْعِ والتَّفْرِيقِ، ولَاِ يَصِحُّ القياسُ على الإِخْوَةِ، لأنَّهم أقْرَبُ، ولذلك يَحْجُبُونَ غيرَهم عن المِيرَاثِ، وهم أقْرَبُ، فيَبْقَى مَن عداهم على الأصْلِ.
فأمَّا مَن ليس بينَهما رَحِمٌ مَحْرَمٌ، فلا يُمْنَعُ مِن التَّفْرِيقِ بينَهم 2 عندَ أحَدٍ عَلِمْناه؛ لعَدَمِ النَّصِّ فيهم، وامْتِناعِ قِياسِهم على المنْصُوصِ.
وكذلك يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بينَ الأُمِّ مِن الرَّضاعِ ووَلَدِها، والأُخْتِ وِأخِيها، لمَا ذَكَرْنا، ولأنَّ قَرابَةَ الرَّضاعِ لا تُوجِبُ عِتْقَ أحَدِهما على الآخرِ، ولا نَفَقَةً، ولا مِيراثًا، فأشْبَهَتِ الصَّداقَةَ.
وَإذَا حَصَرَ الإِمَامُ حِصْنًا، لَزِمَهُ مُصَابَرَتُهُ، إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهَا.
1408 - مسألة: (وَإذَا حَصَرَ الإِمَامُ حِصْنًا، لَزِمَهُ مُصَابَرَتُهُ، إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهَا)
إذا حَصَر الإِمامُ حِصْنًا، لزم مُصابَرَتُه، ولا يَنْصَرِفُ عنه إلَّا بخَصْلَةٍ مِن خِصَالٍ خَمْسٍ؛ أحدُها، أن يُسْلِمُوا، فيُحْرِزُوا بالإِسْلام دماءَهم وأمْوالَهم، لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُوَلُوَا: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّه.
فإذَا قَالُوها عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُمْ وأمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا» 1. الثَّانيةُ، أن يَبْذُلُوا مالًا على المُوادَعَةِ، فيَجُوزَ قَبُولُه منهم، سواءٌ أعْطَوْه جُمْلَةً، أو جَعَلُوه خَراجًا مُسْتَمِرًّا يُؤْخَذُ منهم كلَّ عامٍ.
فإن كانوا ممَّن تُقْبَلُ منهم الجِزْيَةُ، فبَذَلُوها، لَزِمَ قَبُولُها منهم،
فَإِنْ أَسْلَمُوا، أَوْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، أَحْرَزَ دَمَهُ وَمَالَهُ وَأَوْلَادَهُ الصِّغَارَ.
وحَرُمَ قِتالُهم؛ لقولِه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (1). فإن بَذَلُوا مالًا على غيرِ وَجْهِ الجِزْيَةِ، فرَأَى المَصْلَحَةَ في قَبُولِه له، قَبِلَه، ولا يَلْزَمُه إذا لم يَرَ المَصْلَحَةَ.
الثَّالثةُ، أن يَفْتَحَهُ.
الرابعةُ، أن يَرَى المَصْلَحَةَ في الانْصِرافِ، إمّا لضَرَرٍ في الإِقامَةِ، وإمّا لليَأْس منه، أو لغيرِ ذلك، فيَنْصَرِفَ عنهم؛ لما رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَاصَرَ أهْلَ الطَّائِفِ، فلم يَنَلْ منهم شيئًا، فقال: «إنَّا قَافِلُونَ إنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا».
فقال المُسْلِمُون: أنَرْجِعُ ولم نَفْتَحْه؟ فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اغْدُوا عَلَى القِتَالِ».
فَغَدَوْا عليه، فأصابَهم الجِراحُ، فقال لهم رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّا قَافِلُونَ غَدًا».
فأعْجَبَهم، فقَفَلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
مُتَّفَقٌ عليه (2). الخامسةُ، أن يَنْزِلُوا على حُكْمِ حاكمٍ.
وسَنذْكُرُه في مَوْضِعه إن شاءَ اللَّهُ.
1409 -
مسألة: ([فإن أسْلَمُوا، أو]
3 مَن أسْلَمَ منهم، أَحْرَزَ12
..................................
دَمَهُ ومالَه وأوْلادَه الصِّغارَ) متى أسْلَمَ أهْلُ الحِصْنِ أو بعْضُهم، أحْرَزَ دَمَه ومالَه وأوْلادَه الصِّغارَ، كما ذَكَر؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الحديثِ المذْكُورِ: «فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُمْ وأمْوَالَهُمْ إلَّا بحَقِّهَا».
ويُحْرِزُ أولادَه الصِّغارَ مِن السَّبْى؛ لأنَّهم تَبَعٌ له، ولذلك يُحكَمُ بإسْلامِهم تَبَعًا لإِسْلامِه.
وكذلك كلُّ مَن أسْلَمَ في دارِ الحرْبِ.
وإن دَخَل دارَ الإِسْلامِ فأسْلَمَ، وله أوْلادٌ صِغارٌ في دارِ الحَرْبِ، صارُوا مُسْلِمِين، ولم يَجُزْ سَبْيُهم.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، والأوْزَاعِىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: ما كان في يَدِه مِن مالِه ورَقِيقِه ومَتاعِه ووَلَدِه الصِّغارِ، تُرِكَ له، وما كان مِن أوْلادِه وأمْوالِه بدارِ الحَرْبِ، جازَ سَبْيُهم؛ لأنَّهم لم يَثْبُتْ إسْلامُهم بإسْلامِه، لاخْتِلافِ الدّارَيْن بينَهم، ولهذا إذا سُبِىَ الطِّفْلُ، وأبواه في دارِ الكُفْرِ، لم يَتْبَعْهُما وتَبعَ سابِيَه في الإِسْلامِ، وما كان مِن أرضٍ أو دارٍ، فهو فَىْءٌ، وكذلك زوْجَتُه إذا كانتْ كافِرَةَ، وما في 1 بَطْنِها فَىْءٌ.
ولَنا، أنَّ أوْلادَه أوْلادُ مُسْلمٍ، فوَجَبَ أن يَتْبَعُوه في الإِسْلامِ، كما لو كانوا معه في الدَّارِ، ولأنَّ مالَه مالُ مُسْلمٍ، ولا يَجُوزُ اغْتِنامُه، كما لو كان في دارِ الإِسْلامِ، وبذلك يُفارِقُ مالَ الحَرْبِىِّ وأولادَه.
وما ذَكَرَه أبو حنيفةَ لا يَلْزَمُ، فإنَّا نَجْعَلُه تَبَعًا للسَّابِى؛ لأنَّا لا نَعْلَمُ بقاءَ أَبَوَيْه.
فأمّا أوْلادُه الكِبارُ، فلا يَعْصِمُهم؛ لأنَّهم لا يَتْبَعُونَه، ولا يَعْصِمُ زوْجتَه؛ لذلك، فإن سُبِيَتْ صارَتْ رَقِيقَةً، ولم ينْفَسِخْ نِكاحُه برِقِّها، ولكنْ يَكونُ حُكْمُها في النِّكاحِ وفَسْخِه
..................................
حُكْمَ ما لو لم تُسْبَ، على ما نَذْكُرُ في نكاحِ أهلِ الشِّرْكِ.
فإن كانتْ حامِلًا مِن زَوْجِها، لم يَجُزِ اسْتِرْقاقُ الحَمْلِ، وكان حُرًّا مُسْلِمًا.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُحْكَمُ بِرِقِّه مع أُمِّه؛ لأنَّ ما سَرَى إليه العِتْقُ سَرَى إليه الرِّقُّ، كسائِرِ أعْضائِها.
ولَنا، أنَّه مَحْكُومٌ بحُرِّيَّتِه وإسْلامِه، فلم يَجُزِ اسْتِرْقاقُه، كالمُنْفَصلِ، بخِلافِ الأعْضاءِ؛ فإنَّها لا تَنْفَرِدُ عن حُكْمِ الأصْلِ.
فصل: إذا أسْلَمَ الحَرْبِىُّ في دارِ الحَرْبِ وله مالٌ وعَقارٌ، أو دَخَل إليها مُسْلِمٌ فابْتاعَ عَقارًا ومالًا، فظهرَ المسْلِمُون على مالِه وعَقارِه، لم يَمْلِكُوه، وكان له.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُغْنَمُ العَقارُ، وأمّا غيرُه، فما كان في يَدِه أو يَدِ مُسْلِمٍ، لم يُغْنَمْ.
واحْتَجَّ بأنَّهَا بُقْعَةٌ مِن دارِ الحَرْبِ، فجازَ اغْتِنامُها، كما لو كانتْ لحَرْبِىٍّ.
ولَنا، أنَّه مالُ مُسْلِمٍ، فأشْبَهَ ما لو كانتْ في دارِ الإِسْلامِ.
فصل: إذا اسْتَأْجَرَ المُسْلِمُ أرْضًا مِن حَرْبِىٍّ، ثم اسْتَوْلَى عليها المُسْلِمُون، فهى غَنِيمَةٌ، ومَنافِعُها للمُسْتَأْجِرِ؛ لأنَّ المنافِعَ مِلْكُ المُسْلِمِ.
فإن قيلَ؛ فلِمَ أجَزْتُمُ اسْتِرْقاقَ الكافِرَةِ الحَرْبِيَّةِ إذا كان قد أسْلَمَ زَوْجُها.
وفى اسْتِرْقاقِها إبْطالُ حَقِّ زَوْجِها؟ قُلْنا: يَجُوزُ اسْتِرْقاقُها؛ لأنَّها كافِرَةٌ، ولا أمانَ لها، فجازَ اسْتِرْقاقُها، كما لو لم تَكُنْ زَوْجَةَ مُسْلِمٍ، ولا يَبْطُلُ نِكاحُه، بل هو باقٍ، ولأنَّ منْفَعَةَ النِّكاحِ لا تَجْرِى مَجْرَى الأمْوالِ، بدَلِيلِ أنَّها لا تُضْمَنُ باليَدِ، فلا يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عنها، بخِلافِ حَقِّ
..................................
الإِجارَةِ.
فصل: إذا أسْلَمَ عبدُ الحَرْبِىِّ أو أمَتُه، وخَرَج إلينا، فهو حُرٌّ، وإن أسَرَ سَيِّدَه وأولادَه، وخَرَج إلينا، فهو حُرٌّ، والمالُ له، والسَّبْىُ رَقِيقُه.
وإن أسْلَمَ وأقامَ بدارِ الحَرْبِ، فهو على رِقِّه.
وإن أسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الحَرْبِىِّ، وخَرَجَتْ إلينا، عَتَقَتْ، واسْتَبْرَأْت نَفْسَها.
وهذا قولُ أكثرِ العُلماء.
قال ابنُ المُنْذِرِ: وقال به كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ؛ إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال في أُمِّ الوَلَدِ: تُزَوَّجُ إن شاءتْ مِن غيرِ اسْتِبرْاءٍ.
وأهْلُ العِلْمِ على خِلافِه، لأنَّها أُمُّ وَلَدٍ عَتَقَتْ فلم يَجُزْ أن تُزَوَّجَ قبلَ الاسْتِبْراءِ، كما لو كانتْ لِذِمِّىٍّ، وروَى سعيدُ بنُ مَنْصورٍ 1، بإسْنادِه، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَعْتِقُ العَبِيدَ إذا جاءُوا قبلَ مَوالِيهم.
وعن أبى سعيدٍ الأعْسَمِ، قال: قَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في العَبْدِ وسَيِّدِه قَضِيَتّيْن؛ قَضَى أنَّ العَبْدَ إذا خَرَج مِن دارِ الحَرْبِ قبلَ سَيِّدِه أنَّه حُرٌّ، فإن خَرَج سَيِّدُه بعدُ لم يُرَدَّ عليه، وقَضَى أنَّ السَّيِّدَ إذا خَرَج قبلَ العَبْدِ، ثم خَرَج العبدُ، رُدَّ على سَيِّدِه.
رَواه سعيدٌ 2. وعن الشَّعْبِىِّ، عن رَجُلٍ مِن ثَقِيفٍ، قال: سأَلْنا رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يَرُدَّ علينا أبا بَكْرَةَ، وكان عبدًا لنا أتَى إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو مُحاصِرٌ ثَقِيفًا، فأسْلَمَ، فأبَى أنْ
وَإنْ سَأَلُوا الْمُوَادَعَةَ بِمَالٍ أَوْ غَيْرِهِ، جَازَ، إِنْ كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِيهِ.
وَإنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، جَازَ، إِذَا كَانَ مُسْلِمًا، حُرًّا، بَالِغًا، عَاقِلًا، مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
يَرُدَّه علينا، وقال: «هُوَ طَلِيقُ اللَّهِ، ثُمَّ طَلِيقُ رَسُولِهِ».
فلم يَرُدَّه علينا (1).
1410 -
مسألة: (وإنْ سَألُوا المُوَادَعَةَ بِمَالٍ أوْ غَيْرِهِ، جازَ، إن كانتِ المَصْلَحَةُ فيه)
وقد ذَكَرْنا ذلك.
1411 -
مسألة: (وإن نَزَلُوا على حُكْمِ حاكِمٍ، جازَ، إذا كان حُرًّا، مُسْلِمًا، بالِغًا، عاقِلًا، مِن أهْلِ الاجْتِهادِ)
إذا نَزَل أهْلُ الحِصْنِ1
..................................
على حُكْمِ حاكمٍ، جازَ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمّا حاصَرَ بنى قُرَيْظَةَ، ورَضُوا بأن ينْزِلُوا على حُكْمِ سعدِ بنِ مُعاذٍ، فأجابَهُم إلى ذلك 1. والكلامُ فيه في فصْلَيْن؛ أحدُهُما، في صِفَةِ الحاكِمِ.
والثانِى، في صِفَةِ الحُكْمِ.
فأمّا الحاكِمُ، فيَتَعَيَّنُ فيه سبعةُ أوْصافٍ؛ الإِسْلامُ، والحُرِّيَّةُ، والذّكُورِيَّةُ، والعَقْلُ، والبُلُوغُ، والعَدَالَةُ، والاجْتِهادُ، كما يُشْتَرَطُ في حاكِمِ المسلمين.
ولا يُشْتَرَطُ البَصَرُ؛ لأنَّ عَدَمَه لا يَضُرُّ في مسألتِنا؛ لأنَّ المقْصُودَ رَأْيُهُ، ومَعْرِفَتُه المَصْلَحَةَ في أحَدِ أقْسامِ الحُكْمِ، وهذا لا يَضُرُّ عَدَمُ البَصَرِ فيه، بخِلافِ القَضاءِ، فإِنَّه لا يَسْتَغْنِى عن البَصَرِ، ليَعْرِفَ المُدَّعِىَ مِن المُدَّعَى عليه، والشاهِدَ مِن المشْهُودِ عليه، والمُقِرَّ مِن المُقَرِّ له.
ويُعْتَبَرُ مِن الفِقْهِ ما يَتَعَلَّقُ به هذا الحُكْمُ، ممّا يَجُوزُ فيه، ويُعْتَبَرُ له، ونحوِ 2 ذلك، ولا يُحْتاجُ أن يَكُونَ مُجْتَهِدًا في جميعِ الأحْكامِ التى لا تَعَلُّقَ لها بهذا، وقد حُكِّمَ سعدُ بنُ مُعاذٍ، ولم يثْبُتْ أنَّه كان عالِمًا بجميعَ الأحْكامِ، فإن حَكَّم رَجُلَيْن، جازَ، ويكونُ الحُكْمُ ما اجْتَمَعا عليه.
وإن جَعَلُوا الحُكْمَ إلى رَجُلٍ يُعَيِّنُه الإِمامُ، جازَ؛ لأنَّه لا يَخْتارُ إلَّا مَن يَصْلُحُ.
وإن نَزَلُوا على حُكْمِ رَجُلٍ منهم، أو جَعَلُوا التَّعْيِينَ إليهم، لم يَجُزْ؛ لأنَّهم ربَّما اخْتارُوا مَن لا يَصْلُحُ، وإن عَيَنوا رَجُلًا يصْلُحُ، فرَضِيَه الإِمامُ، جازَ؛ لأنَّ بَنى قُرَيْظَةَ عيَّنُوا سعدَ بنَ مُعاذٍ، فرَضِيَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأجازَ حُكْمَه، وقال:
وَلَا يَحْكُمُ إِلَّا بِمَا فِيهِ حَظٌّ لِلْمُسْلِمِينَ؛ مِنَ الْقَتْلِ، وَالسَّبْىِ، وَالْفِدَاءِ، فَإِنْ حَكَمَ بِالْمَنِّ، لَزِمَ قَبُولُهُ، في أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
«لَقَدْ حَكَمْتَ بحُكْمِ اللَّهِ».
وإن ماتَ مَن اتَّفَقُوا عليه، فاتَّفَقُوا على غيرِه ممَّن يصْلُحُ، قامَ مَقامَه، وإن لم يتَّفِقُوا وطَلَبُوا حَكَمًا لا يصْلُحُ، رَدَّهم إلى مَأْمَنِهم، وكانُوا على الحِصارِ حتَّى يتَّفِقُوا، وكذلك إن رَضُوا باثْنَيْن، فماتَ أحَدُهما، فاتَّفَقُوا على مَن يقومُ مَقامَه، جازَ، وإلَّا رُدُّوا إلى مَأْمَنِهم.
وكذلك إذا رَضُوا بتَحْكِيمِ مَن لا تَجْتَمِعُ الشَّرائِطُ فيه، ووافَقَهم الإِمامُ عليه، ثم بان أنَّه لا يَصْلُحُ، لم يُحَكَّمْ، ويُرَدُّونَ إلى مَأْمَنِهم كما كانُوا.
1412 -
مسألة: (وَلَا يَحْكُمُ إِلَّا بِمَا فِيهِ الحَظُّ لِلْمُسْلِمِينَ؛ مِنَ الْقَتْلِ، وَالسَّبْىِ، وَالْفِدَاءِ، فَإِنْ حَكَمَ بِالْمَنِّ، لَزِمَ قَبُولُهُ، في أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)
إذا حَكَم بقَتْلِ مُقاتِلَتِهم، وسَبْىِ ذَرارِيِّهم، نُفِّذَ حُكْمُه، لأنَّ سعدَ بنَ مُعاذٍ، حَكَم في قُرَيْظَةَ بذلك، فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ».
وإن حَكَم بالفِداءِ، جازَ؛ لأنَّ
..................................
الإِمامَ يُخَيَّرُ في الأسْرَى بينَ القَتْلِ والمَنِّ والفِداءِ والاسْتِرْقاقِ، فكذلك الحاكِمُ، وإن حَكَم عليهم بإعْطاءِ الجِزْيَةِ، لم يَلْزَمْ حُكْمُه؛ لأنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فلا يَثْبُتُ إلَّا بالتَّراضِى، ولذلك لا يَمْلِكُ الإِمامُ إجْبارَ الأسِيرِ على إعْطاءِ الجزْيَةِ، وإن حَكَم بالمَنِّ على المُقاتِلَةِ، وسَبْىِ الذُّرِّيَّةِ، فقال القاضى: يَلْزَمُ حُكْمُه.
وهو مذهبُ الشافعىِّ، لأنَّ الحُكمَ إليه فيما يَرَى المَصْلَحَةَ فيه، فكان له المَنُّ، كالإمام في الأسْرَى.
واخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّ حُكْمَه لا يَلْزَمُ؛ لأنَّ عليه أَن يَحكُمَ بما فيه الحَظُّ، ولا حَظَّ في المَنِّ.
وإن حَكَم بالمَنِّ على الذُّرِّيَّةِ، فيَنْبَغِى أن لا يَجُوزَ، لأنَّ الإِمامَ لا يَمْلِكُ المَنَّ على الذُّرِّيَّةِ إذا سُبُوا، فكذلك الحاكِمُ، ويَحْتَمِلُ الجوازَ؛ لأنَّ هؤلاء لا يتَعَيَّنُ السَّبْىُ فيهم، بخِلافِ مَن سُبِىَ، فإنَّه يَصِيرُ رَقِيقًا بنَفْسِ السَّبْى.
وَإِنْ حَكَمَ بِقَتْلٍ، أَوْ سَبْىٍ،، فَأَسْلَمُوا، عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ، وَفِى اسْتِرْقَاقِهِمْ وَجْهَانِ.
1413 - مسألة: (وَإِنْ حَكَمَ بِقَتْلٍ، أَوْ سَبْىٍ، فَأَسْلَمُوا، عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ، في اسْتِرْقَاقِهِمْ وَجْهَانِ)
إذا حَكَم عليهم بالقَتْلِ والسَّبْىِ، جازَ للإِمامِ المَنُّ على بعْضِهم، لأنَّ ثابِتَ بنَ قَيْسٍ سَألَ في الزُّبَيْرِ بنِ بَاطا، مِن قُرَيْظَةَ، ومالِه وأولادِه رسولَ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأجابَه 1. ويُخالفُ مالَ الغَنِيمَةِ إذا حازَه الإِمامُ؛ لأنَّ مِلْكَهُم قد اسْتَقَرَّ عليه.
ومتى أسْلَمُوا قبلَ الحُكْمِ عليهم عَصَمُوا دِماءَهم وأمْوالَهم، لأنَّهم [أسْلَمُوا وهم أحرارٌ، وأموالُهم لهم] 2، فلم يَجُزِ اسْتِرْقاقُهم، بخِلافِ الأسِيرِ.
وإن أسْلَمُوا بعدَ الحُكْمِ عليهم بالقَتْلِ، سَقَط، لأنَّ مَن أسْلَمَ فقد عَصَم دَمَه، ولم يَجُزِ اسْتِرْقاقُهم، لأنَّهم أسْلَمُوا قبلَ اسْتِرْقاقِهم.
قال أبو الخَطّابِ:
..................................
ويَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ، كما لو أسْلَمُوا بعدَ الأَسْرِ، ويَكُونُ المالُ على ما حَكَم فيه.
وإن حَكَم بأنَّ المالَ للمسلمين، كان غَنِيمَةً، لأنَّهم أخَذُوه بالقَهْرِ والحَصْرِ.
بَابُ مَا يَلْزَمُ الإِمَامَ وَالْجَيْشَ
يَلْزَمُ الإِمَامَ عِنْدَ مَسِيرِ الْجَيْشِ تَعَاهُدُ الْخَيْلِ وَالرِّجَالِ، فَمَا لَا يَصْلُحُ لِلْحَرْبِ، يَمْنَعُهُ مِنَ الدُّخُولِ.
بَابُ مَا يَلْزَمُ الإِمَامَ وَالْجَيْشَ
1414 -
مسألة: (يَلْزَمُ الإِمَامَ عِنْدَ مَسِيرِ الْجَيْشِ تَعَاهُدُ الْخَيْلِ وَالرِّجَالِ، فَمَا لَا يَصْلُحُ لِلْحَرْبِ، يَمْنَعُهُ مِنَ الدُّخُولِ)
يُسْتَحَبُّ للإِمامِ أو الأميرِ إذا أرادَ الغَزْوَ أن يَعْرِضَ الجَيْشَ، ويَتعاهدَ الخَيْلَ والرِّجَالَ، فلا يَدَعُ فَرَسًا حَطِمًا، وهو الكَسِيرُ، ولا قَحْمًا، وهو الكبيرُ، ولا ضَرِعًا، وهو الصغيرُ، ولا هَزِيلًا، يدْخُلُ معه أرضَ العَدُوِّ؛ لئلَّا ينْقَطِعَ فيها، ورُبَّما كان سببًا للهزيمةِ.
وَيَمْنَعُ الْمُخَذِّلَ، وَالْمُرْجِف،
1415
- مسألة: (و يَمْنَعُ المُخَذِّلَ، والمُرْجِفَ) والمُخَذِّلُ، هو الَّذى يُفَنِّدُ الناسَ عن الغَزْوِ، ويُزَهِّدُهم في الخُروجِ إليه والقتالِ، ومثلُ مَن يقولُ: الحَرُّ -أو- البَرْدُ شديدٌ، والمَشَقَّةُ شديدةٌ، ولا يُؤْمَنُ هَزِيمَةُ هذا الجيشِ.
ونحوَ هذا.
والمُرْجِفُ، هو الَّذى يقولُ: قد هَلَكَت سَرِيَّةُ المسلمين، وما لَهُم مَدَدٌ، ولا طاقَةَ لهم بالكُفَّار، والكُفَّارُ لهم قُوَّةٌ ومَدَدٌ وصَبْرٌ، ولا يثْبُتُ لهم أحَدٌ.
وأشْباهُ هذا.
ولا يأْذَنُ لمَن يُعِينُ على المسلمين بالتَّجَسُّسِ للكُفَّارِ، وإطْلاعِهِم على عَوْراتِ المسلمين، ولا لمَن يُوقِعُ العَداوَةَ بينَ المسلمين، ويَسْعَى بالفَسادِ بينَهم، ولا لِمَن يُعْرَفُ بالنِّفاقِ والزَّنْدَقَةِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ 1. وقولِه تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ 2. قيلَ: معناه لأوْقَعُوا بينَكم الاخْتِلافَ.
وقيلَ: لأسْرَعُوا في
وَالنِّسَاءَ، إِلَّا طَاعِنَةً في السِّنِّ، لِسَقْى الْمَاءِ، وَمُعَالَجَةِ الْجَرْحَى.
تَفْرِيقِ جَمْعِكُم.
ولأنَّ في حُضُورِهم ضَرَرًا، فيَجِبُ صِيانَةُ المسلمين عنه.
ولا يأْذَنُ لطِفْلٍ، ولا مجْنُونٍ؛ لأنَّ دُخُولَهم تَعَرُّضٌ للهَلاكِ بغيرِ فائدَةٍ، ويَجُوزُ أن يأْذَنُ لمَن اشْتَدَّ مِن الصِّبْيانِ؛ لأنَّ فيهم مَعُونَةً ونَفْعًا.
1416 -
مسألة: (و)
يَمْنَعُ (النِّساءَ، إلَّا طاعِنَةً في السِّنِّ، لسَقْىِ الماء، ومُعالَجَةِ الجَرْحَى) يُكْرَهُ دُخُولُ النِّساءِ الشَّوَابِّ أَرْضَ العَدُو؛ لأنَّهُنَّ لَسْنَ مِن أهْلِ القِتالِ، وقَلَّما يُنْتَفَعُ بِهِنَّ فيه، لاسْتِيلاءِ الجُبْنِ والخَوَرِ علَيْهِنَّ، ولا يُؤْمَنُ ظَفَرُ العَدُوِّ بهنَّ، فيَسْتَحِلُّونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ مِنْهُنَّ.
وقد روَى حَشْرَجُ بنُ زِيادٍ، عن جَدَّتِه أُمِّ أَبِيه، أنَّها خَرَجَتْ مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في غَزْوَةَ خيْبَرَ سادِسَةَ سِتِّ نِسْوَةٍ، فَبَلَغَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فبَعَثَ إلينا، فجئْنا، فَرَأَيْنا فيه الغَضَبَ، فقال: «مَعَ مَنْ خَرَجْتُنَّ؟» فَقُلْنَا: يا رسولَ اللَّهِ، خرَجْنا نَغْزِلُ الشَّعَرَ، ونُعِينُ به في سَبِيلِ اللَّهِ، ومَعنا دَواءٌ للجَرْحَى، ونُناوِلُ السِّهامَ، ونَسْقِى السَّوِيقَ.
فقال: «قُمْنَ».
حتى إذا فَتَح اللَّهُ خَيْبَرَ، أسْهَمَ لنا، كما أسْهَمَ للرِّجالِ.
قلتُ لها: يا جَدَّةُ ما كان
..................................
ذاك؟ قالت: تَمْرًا 1. قِيلَ للأوْزاعِىِّ: هل كانُوا يَغْزُونَ معهم بالنِّساءِ في الصَّوائِفِ 2؟ قال: لا، إلَّا بالجَوارِى.
فأمَّا المرأةُ الطَّاعِنَةُ في السِّنِّ، وهى الكَبِيرةُ، إذا كان فيها نَفْعٌ، مثلَ سَقْىِ الماءِ، ومُعالَجَةِ الجَرْحَى، فلا بَأْسَ به؛ لِما رَوَيْنا مِن الخَبَرِ.
وقد كانت أُمُّ سُلَيْمٍ، ونَسِيبَةُ بنْتُ كَعْبٍ، تَغْزُوان مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأمَّا نَسِيبَةُ فكانتْ تُقاتِلُ، وقُطِعَتْ يدُها يومَ اليَمامَةِ 3. وقالتِ الرُّبَيِّعُ: كُنَّا نَغزُو مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لِسَقْىِ الماءِ، ومُعالَجَةِ الجَرْحَى 4. وقال أنَسٌ: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَغْزُو بأُمِّ سُلَيْمٍ ونِسْوَةٍ معها مِن الأنْصارِ، يَسْقِينَ الماءَ، ويُداوِينَ الجَرْحَى.
قال التِّرْمِذِىُّ 5: هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
فإن قِيلَ: فقد كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُخْرِجُ معه مَن تَقَعُ عليه القُرْعَةُ مِن نِسائِه.
قُلْنا: تِلك امْرَأةٌ واحدَةٌ، يأْخُذُها للحاجَةِ إليها، ويَجُوزُ مثلُ ذلك للأميرِ عندَ
وَلا يَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ، إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ.
حاجَتِه، ولا يُرَخَّصُ لسائِرِ الرَّعِيَّةِ؛ لئلَّا يُفْضِىَ إلى ما ذَكَرْنا.
1417 -
مسألة: (ولا يَسْتَعِين بِمُشْركٍ، إلَّا عندَ الحَاجَةِ إليه)
لِما روَتْ عائشةُ، قالت: خَرَج رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى بَدْرٍ، حتى إذا كان بحَرَّةِ الوَبَرَةِ 1، أدْرَكَه رَجُلٌ مِن المُشْرِكِين، كان يُذْكَرُ منه.
جُرأةٌ ونَجْدَةٌ، فسُرَّ المسلمون به، فقال [لرسولِ اللَّهِ] 2: جِئْتُ لأتْبَعَنَكَ، وأُصِيبَ معك.
فقال له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أَتؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟» قال: لا.
قال: «فَارْجِعْ فَإِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ».
ثم مَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى إذا كان بالبَيْداءِ أدْرَكَه ذلك الرجلُ، فقال له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أَتُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟».
قال: نعم.
قال: «فَانْطَلِقْ».
متَّفَقٌ عليه 3.
..................................
وروَى الإِمامُ أحمدُ 1، بإسْنادِه، عن عبدِ الرحمنِ بنِ خُبَيْبٍ 2، قال: أتَيْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يُرِيدُ غَزْوَةً، أنا ورَجُلٌ مِن قومِى، ولم نُسْلِمْ، فقُلْنا: إنَّا نَسْتَحِى أنْ يَشْهَدَ قَوْمُنا مَشْهدًا لا نَشْهَدُه معهم.
قال: «فَاسْلَمْتُمَا؟».
قُلْنا: لا.
قال: «فَإِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِالمُشْرِكِينَ عَلَى المُشْرِكِينَ».
قال: فأسْلَمْنا وشَهِدْنا معه.
وهذا اخْتِيارُ ابنِ المُنْذِرِ، والجُوزْجانِىِّ، في جماعةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ.
وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على جوازِ الاسْتِعانَةِ بهم.
وكَلامُ الخِرَقِىِّ يَدُلُّ على جَوازِ الاسْتِعانَةِ بهم عندَ الحاجَةِ، وهو الذى ذَكَرَه شيخُنا في هذا الكِتابِ.
وبه قال الشافعىُّ؛ لِما روَى الزُّهْرِىُّ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- اسْتعانَ بناس مِن اليَهُودِ في حَرْبِه، فأسْهَمَ
..................................
لهم.
رَواه سعيدٌ 1. ورُوِىَ أنَّ صَفْوانَ بنَ أُمَيَّةَ خَرَج مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ حُنَيْنٍ، وهو على شِرْكِه، [فأسْهم له، وأعْطاهُ مِن سَهْمِ المُؤَلَّفَةِ] 2، وذَكَر الحدِيثَ.
إذا ثبتَ هذا، فيُشْتَرَطُ أن يَكُونَ مَن يُسْتعانُ به حَسَنَ الرَّأْى في المسلمين، فإن كان غيرَ مأْمُونٍ عليهم، لم تَجُزْ الاسْتِعانَةُ بهم؛ لأنَّنا إذا مَنَعْنا الاسْتِعانَةَ بمَن لا يُؤْمَنُ مِن المسلمين، كالمُخَذِّلِ والمُرْجِفِ، فالكافِرُ أوْلَى.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَخْرُجَ يومَ الخميس؛ لِما روَى كعبُ بنُ مالكٍ،
وَيَرْفُقُ بِهِمْ فِى السَّيْرِ، وَيُعِدُّ لَهُمُ الزَّادَ، وَيُقَوِّى نُفُوسَهُمْ بِمَا يُخَيِّلُ إِلَيْهِمْ مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ، وَيُعَرفُ عَلَيْهِمُ الْعُرَفَاءَ، وَيَعْقِدُ لَهُمُ الْأَلْويَةَ وَالرَّايَاتِ، قال: قلَّما كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يخْرُجُ في سَفَرٍ إلَّا يَوْمَ الخميسِ (1).
1418 -
مسألة: (ويَرْفُقُ بِهم في السَّيْرِ)
فيَسِيرُ بهم سَيْرَ أضْعَفِهم؛ لِئلَّا يَشُقَّ عليهم، فإن دَعَتِ الحَاجَةُ إلى الجِدِّ في السَّيْرِ، جازَ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَدَّ في السَّيْرِ حينَ بَلَغَه قولُ عبدِ اللَّهِ بنِ أُبَىٍّ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ 2. ليَشْغَلَ النَّاسَ عن الخَوْضِ فيه 3 (ويُعِدُّ لهم الزَّادَ) لأنَّه لا بُدَّ منه في الغَزْوِ وفى غيرِه، وبه قِوامُهم (ويُقَوِّى نُفُوسَهم بما يُخَيِّلُ إليهم مِن أسْباب النَّصْرِ) لأنَّه ممّا يُطَمعُهم في عَدُوِّهم (ويُعَرِّفُ عليهم العُرَفَاءَ) وهو أنَ يَجْعَلَ 4 لكلِّ طائِفَةٍ مَن يكونُ كالمُقَدَّمِ عليهم، يَنْظُرُ في حالِهم، ويَتَفَقَّدُهم 5 (ويعْقِدُ لهم الألوِيَةَ والرّاياتِ) ويَجْعَلُ لكلِّ طائِفَةٍ1