..................................
فصل: وهل يُدْرِكُ الصلاةَ بإدْراكِ ما دُونَ الرَّكْعَة؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهما، لا يُدْرِكها.
وهو ظاهِر كلام الخِرَقِيِّ، ومذهبُ مالكٍ؛ لظاهِرِ الخَبَرِ الَّذي رَوَيْناه، فإنَّ تَخْصِيصَهَ برَكعَةٍ يَدُلُّ عِلى أنَّ الإدْراكَ لا يَحْصُلُ بدُونِها، ولأنَّه إدْراكٌ للصلاةِ، فلا يَحْصُلُ بأقَلَّ مِن رَكْعَةٍ، كإدْراكِ الجُمُعَةِ.
والثانيةُ، يُدْرِكُها بإدْراكِ جُزْءٍ منها، أىَّ جُزْءٍ كان.
قال القاضي: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، واخْتِيارُ أبى الخَطَّابِ في مَن أدْرَكَ تَكْبِيرَةَ الإحْرامٍ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، وللشافعىِّ قَوْلان كالمَذْهَبَيْن؛ لأنَّ أبا هُرَيَرةَ روَى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإذَا أدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وللنَّسائِىِّ: «فَقَدْ أدْرَكَهَا» 2. ولأن الإدْراكَ إذا تَعَلَّقَ به حُكْمْ في الصلاةِ اسْتَوَى فيه من الرَّكْعَةُ وما دُونَها، كإدْراكِ الجَماعَةِ، وإدْراكِ المُسافِرِ صلاةَ المُقِيمِ، والقِياسُ يَبْطُلُ بإدْراكِ الرَّكْعَةِ دُونَ تَشَهُّدِها.
والله أعلمُ.
وَمَنْ شَكَّ في الْوَقْتِ، لَمْ يُصَلِّ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ،
294 - مسألة: (ومَن شَكَّ في الوَقْتِ، لم يُصَلِّ حتى يَغْلِبَ على ظَنِّهِ [دُخُولُه)
متى شَكَّ في دُخُولِ وقتِ الصلاةِ، لم يُصَلِّ حتَّى يَتَيَقَّنَ دُخُولَه، أو يَغْلِبَ على ظَنِّهِ] 1 ذلك، مِثْلَ مَن له صَنْعَةٌ جَرَتْ عادَتُه بعَمَلِ شيءِ مُقَدَّرٍ إلى وَقْتِ الصلاةِ، أو قارِئْ جَرَتْ عادَتُه بقراءةِ شيءٍ فقرَأه، وأشْباهِ هذا، فمتى فَعَل ذلك، وغَلَب على ظَنِّهِ دُخُولُ الوقتِ، أُبِيحَ له فِعْلُ 2 الصلاةِ، والأوْلَى تَأخِيرُها قليلًا احْتِياطًا، إلَّا أن يَخْشَى خُرُوجَ الوقتِ، أو تكُونَ صلاةُ العَصْرِ في وقتِ الغَيْمِ، فإنَّه 3 يُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ بها، لِما روَى بُرَيْدَةُ، قال: كُنّا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في غَزْوَةٍ، فقال: «بَكرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ في اليَوْمَ الغَيْمَ؛ فَإنَّهُ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ حَبِطَ 4 عَمَلُهُ».
رَواه البُخارِيُّ 5. قال شَيْخُنا 6: ومَعْناه، واللهُ
فَإنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مُخْبِرٌ عَنْ يَقِينٍ قَبِلَ قَوْلَهُ، وِانْ كَانَ عَنْ ظَنٍّ لَمْ يَقْبَلْهُ.
أعلمُ، التَّبكِيرُ بها إذا حَلَّ فِعْلُها ليَقِينٍ، أو غَلَبَةِ ظَنٍّ، وذلك لأنَّ وَقْتَها (1) المُخْتارَ في زَمَنِ الشِّتاءِ ضَيِّقٌ، فيُخْشَى خُرُوجُه.
295 -
مسألة: (فإن أخْبَرَهُ بذلك مُخْبِرٌ في يَقِينٍ قَبِل قولَه، وإن كان عن ظَنٍّ يَقْبَلْه)
متى أخْبَرَه بدُخُولِ الوَقْتِ ثِقَةٌ عن عِلُمٍ، لَزِمَه قَبُولُ خَبَرِه؛ لأنَّه خَبَرٌ دِينىٌّ، فقُبِلَ فيه تولُ الواحِدِ كالرِّوايَةِ، فأمّا إن أخْبَرَه عن ظَنٍّ، لم يُقَلِّدْه، واجْتَهَدَ لنَفْسِه؛ لأنَّه يَقْدِرُ على الصلاةِ باجْتِهادِ نَفْسِه، فلم يَجُزْ له تَقْلِيدُ غيرِه، كحالَةِ اشْتِباهِ القِبْلَةِ.
والبَصِيرُ1
..................................
والأعْمَى والمَطْمُورُ القادِرُ على التَّوَصُّلِ إلى الاسْتِدْلالِ سَواءٌ؛ لاسْتِوائِهم في إمْكانِ التَّقْدِيرِ بمُرُورِ الزَّمانِ كما بَيَّنَا.
فصل: وإذا سَمِع الأذانَ مِن ثِقَةٍ عالِمٍ بالوَقْتِ، فله تَقْلِيدُه؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لا يُؤَذِّنُ إلَّا بعدَ دُخولِ الوقتِ، فجَرَى مَجْرَى خَبَرِه، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْمُؤْذِّنُ مُؤتَمَنٌ» 1. ولولا أنَّه يُقَلَّدُ ويُرْجَعُ إليه ما كان مؤتَمَنًا، وعنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «خَصْلَتَانِ مُعَلَّقَتَانِ في أعْنَاقِ المُؤذِّنِينَ للْمُسْلِمِينَ؛ صَلَاتُهُمْ، وَصِيَامُهُمْ».
رَواه ابنُ ماجَة 2. ولأنَّ الأذانَ شُرِع للإعْلامِ بالوَقْتِ، فلو لم يَجُزْ تَقْلِيدُ المُؤذِّنِ لم تَحْصُلِ الحِكْمَةُ التي شُرِع الأذانُ لها، ولم يَزَلِ النَّاسُ يَجْتَمِعُون للصلاةِ في مَساجِدِهم، فإذا سَمِعُوا الأذانَ قامُوا إلى الصلاةِ، وبَنَوْا على قولِ المُؤذِّنِ، مِن غيرِ مُشاهَدَةٍ للوقتِ، ولا اجْتِهادٍ فيه، مِن غيرِ نَكِير، فكان إجْماعًا.
..................................
فصل: ومَن صَلَّى قبلَ الوَقْتِ، لم تُجْزئْه صَلاتُه، في قولَ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، سَواءٌ فَعَل ذلك عَمْدًا أو خَطأً، كلَّ الصلاةِ أو بَعْضَها.
وبه قال الزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْى، والشافعيُّ.
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ وأبى موسى، أنَّهما أعادا الفَجْرَ؛ لأَنَّهما صَلَّياها قبلَ الوَقتِ.
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، في مُسافِر صَلَّى الظُّهْرَ قبلَ الزَّوالِ: يُجْزِئُه.
ونَحْوُه قولُ الحسن والشُّعْبى.
وعن مالك كقَوْلِنا.
وعنه، في مَن صَلَّى العِشاءَ قبلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ جاهِلًا أو ناسِيًا: يُعِيدُ ما كان في الوَقْتِ، فإذا ذَهَب الوقتُ قبلَ عِلْمِه أو ذِكْرِه، فلا شئَ عليه.
ولَنا، أنَّ الخِطابَ بالصلاةِ يَتَوَجَّهُ إلى المُكَلَّفِ عندَ دُخُولِ وَقْتِها، وما وُجِد بعدَ ذلك ما يُزِيلُه ويُبْرِئُ الذِّمَّةَ منه، فَيَبْقى بحالِه.
وَمَتَى اجْتَهَدَ وَصَلَّى، فَبَانَ أنَّهُ وَافَقَ الْوَقْتَ، أَوْ مَا، بَعْدَهُ أجْزَأهُ، وَإنْ وَافَقَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ.
وَمَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْوَقْتِ قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ، ثُمْ جُنَّ، أوْ حَاضَتِ الْمَرْأةُ، لزِمَهُمُ الْقَضَاءُ.
296 - مسألة: (ومتى اجْتَهَد وصَلَّى، فبان أنَّه وافَقَ الوَقْتَ أو ما بعدَه، أجْزأه)
لأنَّه أدَّى (1) ما خوطِبَ بأدائِه وفُرِض عليه.
(وإن وافَقَ قبلَه لم تجْزِئْه) لأنَّ المُخاطَبَةَ بالصلاةِ وسَبَبَ الوُجُوبِ وُجِدا بعدَ فِعْلِه، فلم يَسْقُطْ حُكْمُه بما وُجِد قبلَه.
فصل: وإن صَلَّى مِن غيرِ دَلِيل مع الشَّكِّ، لم تجْزِئْه صَلاتُه، سَواءٌ أصاب أو أخْطَأ؛ لأنَّه صلَّى مع الشَّكِّ في شَرْطِ الصلاةِ مِن غيرِ دَلِيلٍ، فلم تَصِحَّ، كمَن اشْتَبَهَتْ عليه القِبْلَةُ فصَلَّى مِن غيرِ اجْتِهادٍ.
297 -
مسألة: (ومَن أدْرَكَ مِن الوَقْتِ قَدْرَ تَكبيرَةٍ، ثم جُنَّ، أو حاضَتِ المرأةُ، لَزِمَهم القَضاءُ)
لأنَّ الصلاةَ تَجبُ بأوَّلِ الوقتِ، وقد ذَكَرْناه، ويَسْتَقِرُّ وُجُوبُها بذلك، فمتى أدْرَكَ جُزْءًا مِن أوَّلَ الوقت، ثم1
..................................
جُنَّ، أو حاضَتِ المرأةُ، لَزِمَهم 1 القَضاءُ كما ذَكَر، إذا أمْكَنَهما.
وقال الشافعيُّ إسحاق: لا يَسْتَقِرُّ إلَّا بمُضِىِّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِعْلُها فيه، ولا 2 يَجِبُ القَضاءُ بما دُونَه.
واخْتارَه أبو عبدِ اللهِ ابنُ بَطَّةَ؛ لأنَّه لم يُدْرِكْ مِن الوقتِ ما يُمْكِنُه الصلاةُ فيه، أشْبَهَ ما لو لم يُدْرِكْ شيئًا.
ولَنا، أنَّها صلاة وَجَبَتْ عليه، فوَجَبَ قَضاؤُها إذا فاتَتْه، كالتى أمْكَنَ أداؤها، فأمَّا التي لم يُدْرِكْ شيئًا مِن وَقْتِها، فإنَّها لم تَجِبْ 3، وقِياسُ الواجِبِ على ما لم يَجبْ لا يَصِحُّ.
والله أعلمُ.
وَإنْ بَلَغَ صَبِىٌّ، أو أسْلَمَ كَافِرٌ، أو أفَاقَ مَجْنُونٌ، أوْ طَهُرَتْ حَائِضٌ، قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةٍ، لَزِمَهُمُ الصَّبْحُ، وَإنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، لَزِمَهُمُ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ، وَإنْ كَانَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، لَزِمَهُمُ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ.
298 - مسألة: «وَإِنْ بَلَغ صَبِيٌّ، أو أسْلَمَ كافرٌ، أو أفاق مَجْنُونٌ، أو طَهُرَتْ حائِضٌ، قَبلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بقَدْرِ تَكبِيرَةٍ، لَزِمَهم الصُّبْحُ، وإن كان قبلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، لَزِمَهم الظُّهْرُ والعَصْرُ، وإن كان قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، لَزِمَهم المَغْرِبُ والعِشاءُ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه متى أدْرَكَ أحَدُ هؤلاء جُزْءًا مِن آخِر وقتِ الصلاةِ، لَزِمَه قَضاؤُها، لأنَّها وَجَبَتْ عليه، فلَزِمَه القَضاءُ كما لو أدْرَكَ وقْتًا يَتَّسِع لها.
وهذا مذهب الشافعيِّ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
قال شيخُنا
..................................
كَلامِه 1. فإن أدْرَكَ جُزْءًا مِن آخِرِ وَقْتِ العَصْرِ قبلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، أو جُزْءًا مِن آخِرِ اللَّيْلِ قبل طُلُوعِ الفَجْرِ، لَزِمَتْه الظُّهْرُ والعَصْرُ في الأُولَى، والمَغْرِبُ والعِشاءُ في الآخِرَةِ.
رُوِىَ هذا في الحائِضِ عن عبدِ الرحمن بنِ عَوْفٍ، وابنِ عباسٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ.
قال الإمامُ أحمدُ: عامَّةُ التَّابِعِين، إلَّا الحسنَ وَحْدَه قال: لا تَجِبُ إلَّا الصلاةُ التي طَهُرَتْ في وَقْتِها وَحْدَها.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ وأصحاب الرَّأىِ؛ لأنَّ وقتَ الأُولَى خَرَج في حالِ العُذْرِ، أشْبَهَ ما لو لم يُدْرِكْ شيئًا مِن وقتِ الثانية.
وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّه إن أدْرَك قَدْرَ خَمْسِ رَكَعاتٍ مِن وقتِ الثانيةِ، وَجَبَتِ الأُولَى، لأنَّ قَدْرَ الرَّكْعَةِ الأُولى مِن الخمْسِ وقتٌ للصلاةِ الأولَى في حالِ العُذْرِ، فوَجَبَتْ بإدراكِه؛ كما لو أدْرَك ذلك مِن وَقْتِها المُخْتارِ، بخِلافِ ما لو أدْرَك دُون ذلك.
ولَنا، ما روَى الأثرَمُ، وابنُ المُنْذِرِ، وغيرُهما، بالإسْنادِ عن عبدِ الرحمن بنِ عَوْفٍ وابنِ عباسٍ، أنَّهمَا قالا، في الحائِضِ تَطْهُرُ قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ برَكْعَةٍ: تُصَلِّى المَغرِبَ والعِشاءَ، فإذا طَهُرَتْ قبلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، صَلَّتِ الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا 2. ولأنَّ وَقْتَ الثانيةِ وقتٌ للأُولَى حالَ العُذْرِ، فإذا أدْرَكَه المَعْذُورُ لَزِمَه فَرْضُها، كما يَلْزَمُه فَرْضُ
..................................
الثانيةِ.
والقَدْرُ الَّذي يَتَعَلَّقُ به الوُجُوبُ قَدْرُ تَكبِيرَةِ الإحْرامِ، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ.
وقال الشافعيُّ: قَدْرُ رَكْعَةٍ، لأنَّه الَّذي رُوِىَ عن عبدِ الرحمنِ وابنِ عباسٍ في الحائِضِ، ولأنَّه إدْراك تَعَلَّقَ به إدْراكُ الصلاةِ، فلم يَحْصُلْ بأقَلَّ مِن رَكْعَةٍ، كإدْراكِ الجُمُعَةِ.
وقد ذكَرْنا قولَ مالكٍ.
ولَنا، أنَّ ما دُونَ الرَّكْعَةِ تَجِبُ به الثانيةُ، فوَجَبَتْ به الأُولَى، كالرَّكْعَةِ والخَمْسِ عندَ مالكٍ، ولأَنَّه إدْراكٌ فاسْتَوَى فيه القليلُ والكثيرُ، كإدْراكِ المُسافِرِ صلاةَ المُقِيمِ، فأمَّا الجُمُعَةُ فإنَّما اعْتُبِرَتِ الرَّكْعَةُ فيها بكمالِها؛ لأنَّ الجَماعَةَ شَرْطٌ لصِحَّتِها، فاعْتُبِرَ إدْراكُ ركعةٍ لِئَلَّا يَفُوتَه الشَّرْطُ في مُعْظَمِها، بخِلافِ مَسْأَلَتِنا.
فصل: فإن أدْرَكَ مِن وَقْتِ الأولَى مِن صَلَاتىِ الجَمْعَ قَدْرًا تَجِبُ به، ثم طَرَأ عليه العُذْرُ، ثم زال العُذْرُ بعدَ خُرُوجِ وَقْتِهما، وَجَبَتِ الأُولَى، وهل يَجِبُ قَضاءُ الثانيةِ؟ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، يجِبُ ويَلْزَمُ قَضاؤُها؛ لأَنَّها إحْدَى صَلَاتِىِ الجَمْع، فوَجَبَتْ بإدْراكِ جُزْءٍ مِن وَقْتِ الأُخْرَى، كالأُولَى.
والثانيةُ، لا يَجِبُ.
اخْتارَها ابنُ حامِدٍ، لأنَّه لم يُدْرِكْ جُزْءًا مِن وَقْتِها، ولا مِن وقتِ تَبَعِها، فلم يَجِبْ كما لو لم يُدْرِكْ مِن وَقْتِ الأُولَى شيئًا، وفارَقَ مُدْرِكَ وقتِ الثانيةِ، فإنه أدْرَكَ وَقْتَ تَبَع الأُولَى؛ لأنَّ الأُولَى تُفْعَلُ في وقتِ الثانية مَتْبُوعَةً مَقْصُودَةً، ولأنَّ مَن لا يُجَوِّزُ الجَمْعَ في وَقْتِ الأُولَى، ليس وَقْتُ الأُولَى عندَه وقتًا للثانيةِ بحالٍ، ومَن جَوُّز الجَمْعَ
وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ، لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا عَلَى الْفَوْرِ مُرَتَّبًا، قَلَّتْ أوْ كَثُرَتْ،
في وَقتِ الأُولى، فإنَّه يُجَوِّزُ تقْديم الثانية رُخْصَةً، ويَحْتاجُ إلى نِيَّةِ التَّقْدِيم، وتَرْكِ التَّفْرِيقِ، بخِلافِ الأُولَى إذا أخَّرَها إلى الثانيةِ، فلا يَصِحُّ قِياسُ الثانيةِ على الأُولَى.
والأصْلُ أن لا تَجِبَ صلاةٌ إلا بإدْراكِ وَقْتِها فأمَّا إن أدْرَكَ وَقْتَ الفَجْرِ لم تَجِبْ عليه العِشَاءُ، ولا تَجِبُ العَصْرُ بإدْراكِ وَقْتِ المَغْرِبِ، لأنَّه لم يُدْرِكْ وَقْتَها، ولا تُجْمَعُ معها في حالٍ، ولا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
299 -
مسألة: (ومَن فاتَتْه صلاةٌ، لَزِمَه قَضاؤُها على الفَوْرِ مُرَتَّبًا؛ قَلَّتْ أو كَثُرَتْ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن فاتَتْه صلاةٌ، لَزِمَه قَضاؤُها على الفوْرِ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إذَا
..................................
ذكَرَهَا».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وإن فاتَتْه صَلَواتٌ، لَزِمَه قَضاؤُهُنَّ مُرَتَّباتٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في مَواضِعَ.
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ ما يَدُلُّ على وُجُوبِ التَّرتِيبِ.
ونَحْوُه عن الزُّهْرِىِّ، والنَّخَعِىِّ ومالكٍ، واللَّيْثِ 2، وأبى حنيفة، وإسحاقَ.
وقال الشافعيُّ: لا يَجِبُ، لأنَّه قَضاءٌ لفَرِيضَةٍ فاتَتْه، فلا يَجبُ فيه التَّرْتيبُ، كالصِّيامِ 3. ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فاتَتْه أرْبَعُ صَلَواتٍ، فقَضاهُنَّ مُرَتَّبات.
رواه الإمامُ أحمدُ، والتِّرمِذِيُّ،
..................................
والنَّسائِى 1. وقال: «صَلُّوا كما رأيتُمُونِى أُصَلِّى» 2. وعن أبى جُمُعَةَ حَبِيبِ بنِ سِباعٍ، وله صُحبَةٌ، قال: إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عامَ الأحزابِ صَلى المَغْرِب، فلَما فَرَغ قال: «هلْ عَلِمَ أحَد مِنْكُم أنِّىِ صلَّيْت الْعصرَ»؟ قالُوا: يا رسولَ الله، ما صَلَّيْتَها.
فأمَرَ المُؤذِّن، فأقام الصلاةَ، فصَلَّى العصرَ، ثم أعادَ المَغْرِبَ.
رَواه الإمامُ أحمدُ 3. ولأنهما صَلاتان مؤقتتان، فوجَبَ الترتِيبُ بَيْنَهما كالمجْمُوعتين.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَجبُ الترتِيبُ فيها وإن كثُرتْ.
وقال مالك وأبو حنيفة: لا يَجِبُ التَّرتِيبُ في أكْثَرَ مِن صلاةِ يَوْم وليْلَةٍ؛ لأن اعتِباره فيما زاد يَشُقُّ، ويُفْضِى -إلى الدخُولِ في التَكْرارِ، فسَقط، كالتَّرتيبِ في قَضاءِ رمضانَ.
ولَنا، أنَّها صلوات واجِبات، تُفعل [في وَقْتٍ] 4 يَتَّسِعُ لها، فوَجَبَ فيها التَّرَتِيبُ كالخمس، وإفْضاؤُه إلى التَّكْرارِ لا يَمنَعُ وُجُوبَه، كتَرْتِيبِ الرُّكُوعَ على السجودِ.
..................................
فصل: وهذا التَّرْتِيبُ شَرط لصِحةِ الصلاةِ، فلو أخَلَّ به، لم تَصحَّ صلاتُه؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن والمَعنَى، ولأنَّه ترتِيبٌ في الصلاةِ، فكان شَرطًا، كالرُّكُوعَ والسجُودِ.
فصل: فإن ذَكَر أن عليه صلاةً، وهو في أخْرَى، والوَقْتُ متسِعٌ، أتمَّها، وقَضَى الفائِتَةَ، ثم أعادَ الصلاةَ التى كان فيها، إمامًا كان أو مَأمُومًا أو مُنْفَردًا.
هذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِى وأبي بكرٍ.
وهو قولُ ابنِ عُمَرَ، ومالكٍ، والليْثِ، وإسحاقَ، في المَأمُومِ.
وهو الذى نَقَلَه الجَماعَةُ عن أحمدَ في المَأمُومِ.
ونُقِل عنه في المأمُومِ 1، أنَّه يَقْطَعُ الصلاةَ.
ونُقِل عنه في المُنْفَردِ روايَتان؛ إحداهما، يَقْطَعُ الصلاةَ ويَقْضى الفائتةَ.
وهو قولُ النخَعى، والزُّهْري، ويَحيى الأنْصارِى.
والثانية، إنّه يتِمُّ الصلاةَ.
وإن كان إمامًا، فقال القاضى: يَقْطَعُ الصلاةَ إذا كان الوَقْتُ واسِعًا، ويَسْتَأنِفُ المَأمُومُون.
نقَلَها عنه حَرب.
ولم يَذْكُرِ القاضى غيرَ هذه الروايَةِ، فصار في الجَمِيع رِوايَتان، إحداهما، يَقْطَعُها ويَقْضى الفائِتَةَ.
[والأخْرَى، يُتِمُّها ويَقْضى الفائتَةَ] 2، ويُعيدُ التى كان
..................................
فيها.
والدَّلِيلُ على وُجُوبِ الإعادَةِ، ما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ نسِىَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرها إلا وَهُوَ مَعَ الْإمَامِ، فَإذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاِتهِ فَلْيُعِدِ الصَلَاةَ الَّتِى نَسِىَ، ثُمَّ لْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِى صَلاها مَعَ الإمَامِ».
رَواه أبو يَعلَى المَوْصِلِى بإسْنادٍ حسن 1. ولحديث أبى جُمُعَةَ الذى ذَكرناه.
قال شبخُنا 2: والأوْلَى أنَّه لا يَقْطَعُ الصلاةَ لقَوْلِ الله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوأ أَعمَلَكُم﴾ 3. ولحديثِ ابن عُمَرَ.
قال أبو بكر: لا يَخْتَلِفُ كلامُ أحمدَ في المَأمُومِ، أنَّه يَمضِى، واخْتَلَف قَوْلُه في المُنْفَرِدِ، والذى أقُولُ 4: إنَّه يمضِى.
فصل: فإن مَضَى الإمامُ في صَلاِته بعدَ ذِكْرِه، فهل تَصحُّ صلاةُ المَأمُومِين؟ يَنْبَنِى على ائتمامِ الْمُفْتَرِضِ بالمُتَنَفلِ.
وإنِ انْصَرَف، فالمَنْصُوصُ أنَّهم يَسْتَأنِفُون الصلاةَ.
قال شيخُنا (2): ويَتَخرج أن يَبْنُوا كما لو سَبَقَه الحَدَثُ، وكلُّ مَوْضِع قُلْنا: يَمْضِى في صَلاتِه.
فإنَّه مُسْتَحَبٌّ غيرُ واجِبٍ، لأنَّها صلاة لا يُعتَدُّ بها، فلم يَلْزمه إتْمامُها، كالتَّطوعِ.
فَإنْ خَشِىَ فَوَاتَ الْحَاضِرَةِ، أو نَسِىَ الترتِيبَ، سَقَطَ وُجُوبهُ.
300 - مسألة: (فإن خَشِىَ فَواتَ الحاضِرَةِ، أو نسِىَ التَّرتِيبَ، سَقَط وُجوبُه)
متى خَشِىَ فَواتَ الحاضِرَةِ، سَقَط وُجوبُ الترتِيبِ، مِثْلَ أن يَشرعَ في صلاة حاضِرَةٍ، فيَذْكُرَ فائِتَة والوَقْتُ ضيِّقٌ، أو لم يَكنْ في صلاةٍ، لكنْ لم يَبْقَ مِن وَقْتِ الحاضِرَةِ ما يَتَّسعُ لهما جَمِيعًا، فإنَّه يُقَدِّمُ الحاضِرَة، ويُسْقِطُ الترتِيبَ، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهبِ.
وهذا قولُ سعيدِ
..................................
ابنِ المُسيَّبِ، والحسنِ، والثوْرى، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأىِ.
وعن أحمدَ، أن الترتِيبَ واجب بكل حالٍ، اخْتارَها الخلالُ.
وهى مذهبُ عَطاءٍ، والزُّهْرِى، والليْثِ، ومالك.
ولا فَرقَ بينَ كَوْنِ الحاضِرَةِ جُمُعَة أو غيرَها؛ لقَوْله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نامَ عَنْ صَلَاةٍ أَو نَسِيَهَا، فَلْيُصَلها إذَا ذَكَرها» 1. ولأنَّه تَرتِيب، فلم يَسْقُطْ بضِيقِ الوقْتِ، كتَرتِيبِ الركوعِ والسجُودِ.
ولأَنَّه قد رُوِىَ: «لَا صَلَاةَ لمَنْ عَلَيْهِ صَلَاة» 2. والروايَةُ الأولَى هى المَشْهُورَةُ.
قال القاضى: عِنْدِى أنَّ المسألةَ رِوايَة واحِدَة، وأنَّ التَّرتِيبَ يَسْقُط.
وقال أبو حَفْصِ عن الروايةِ الثَّانِيَةِ: هذه الرِّوايَةُ تُخالِفُ ما نَقَلَه الجَماعَةُ؛ فإمّا أن تَكُون غَلَطًا، أو
..................................
قَوْلا قَدِيمًا لأبي عبدِ الله.
ووَجهها أن الحاضِرَةَ صلاة ضاق وَقتها عن آكَدَ منها، فلم يَجُزْ تأخِيرُها،؛ لو لم يكنْ عليه فائتَة، ولأن الصلاةَ رُكْن مِن أركانِ الإسْلامِ،.
فلم يجُزْ تَقدِيمُ فائتَةٍ على حاضِرَةٍ عندَ خَوْفِ فَوْتِها، كالصِّيامِ.
يُحَقِّقُه أنه لو أخَّرَ الحاضِرَ صار فائتًا، ورُبما كثُرتِ الفَوائِتُ، فيفْضى إلى أن لا يُصَلىَ صلاةً في وَقْتِها، ولا تَلْزَمَه عُقُوبَة بتَرْكِها، ولا يُصَلَّىَ جَماعَةً أصلًا، وهذا لا يَرِدُ الشرعُ به.
وتَعَلقُهم بالأمرِ بالقَضاءِ مُعارَضٌ بالأمْرِ بفِعلِ الحاضِرَةِ، والحاضِرَةُ آكَدُ؛ بدَلِيلِ أنَّه يُقْتَلُ بتَركِها، ويجْرُمُ عليه تأخِيرُها، بخِلافِ الفائتَةِ، فإن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما نام عن صلاةِ الفجْرِ أخرَها شيئًا، وأمَرَهم فاقتادوا رَواحِلَهم حتى خَرَجُوا مِن الوادِى 1. والحديثُ الذى ذَكَرُوه، قال أحمدُ: ليس هذا حديثًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فعل هذه الرواية، يَبْدَأ فيَفْضِى الفَوائِتَ على الترتِيبِ، حتى
..................................
إذا خاف فَواتَ الحاضِرَةِ صَلّاها، ثم عاد إلى الفَوائِتِ.
نَص عليه أحمدُ.
فإن حَضَرَتْ جَماعَة في صلاةِ الحاضِرَةِ، فقال أحمدُ، في رِوايةِ أبى داودَ، في مَن عليه صَلَوات 1 فائتَةٌ، فأدرَكَتْه الظهْرُ ولم يفْرُغْ مِن الصلَواتِ: يُصَلى مع الإمامِ الظهْرَ ويَحسُبُها مِن الفَوائِتِ، ويُصَلِّى الظهْرَ في آخِرِ الوَقْتِ.
وفيه رِوايَةً ثالِثَةٌ، إذا كَثُرَتِ الفَوائِتُ، بحيث لا يَتسِعُ لها وقتُ الحاضِرَةِ، أنه يُصَلى الحاضِرَةَ في أوَّلِ وَقْتِها.
نقَلَها عنه ابنُ منصورٍ.
وهذا اخْتِيارُ أبى حَفْص؛ لأن الوَقتَ لا يتسِعُ لقَضاءِ ما في الذمةِ وفِعل الحاضِرَةِ، فسَقَطَ الترتِيبُ، كما لو فَاتتْه صلاةٌ وقد بَقِىَ مِن وَقتِ الأخْرَى قَدرُ خَمس رَكَعاتِ، ولأنه إذا لم يكُنْ بُد مِن الإخْلالِ بالترتِيبِ، ففِعلُها في أوَّلِ الوقتِ؛ ليُحَصلَ فضِيلَةَ الوَقتِ والجَماعَةِ أوْلَى، ولأنَّ فيه مَشَقةً، فإنه يَتَعَذرُ مَعرفَةُ آخِرِ الوقتِ في حَقّ أكْثَرِ النّاس.
وذَكَر ابنُ عَقِيل، في مَن عليه فائتَة، وخَشِىَ، فَوَاتَ الجَماعَةِ، رِوايَتَيْن؛ إحداهما، يَسْقُطُ الترتِيبُ؛ لأنه اجْتَمَع واجِبان، ولابدَّ مِن تفْوِيتِ أحَدِهما، فكان مُخيرا فيهما.
والثانيةُ، لا يَسْقُط؛ لِما ذَكَرْنا.
قال شيخُنا 2: وهذه الروايَةُ أحسَنُ وأصَح، إن شاء الله تعالى.
واللْهُ أعلمُ.
..................................
فصل: إذا ترَك ظُهْرًا وعصرًا مِن يَوْمَيْن، لا يَدرِى أيتهما الأولَى، ففيه رِوايَتان؛ إحداهما، أنَّه يَتَحَرَّى أيتهما نَسِىَ أولًا، فيَقْضِيها، ثم يَقْضِى الأخْرَى.
نَقَلَها عنه الأثْرَمُ.
وهذا قول أقوله يُوسُفَ ومحمد، لأنَّ الترتِيبَ مِمّا تُبيحُ الضرورَةُ تركَه، فيما إذا ضاق وَقْتُ الحاضِرَةِ، أو نَسِىَ الترتِيبَ، فيَدخُلُه التحَرى كالقِبْلَةِ.
والثانيةُ، أنه يصلي الظهْرَ ثم العَصرَ مِن غيرِ تحَرٍّ.
نقَلَها عنه 1 مُهنَّا؛ لأنَّ التحَرِّى فيما فيه أمارَة، وهذا لا أمارَةَ فيه يرجَعُ إليها، فرَجَعَ إلى تَرتِيبِ الشرعِ.
قال شيخُنا 2: والقِياسُ أنَّه يَلْزَمُه ثلاثُ صَلَوات؛ ظُهْر ثم عَصر ثم ظُهْر، أو بالعَكس؛ لأنه أمكَنَه أداءُ فَرضِه بيَقِين، أشْبَهُ ما إذا نَسِىَ صلاةً لا يَعلَمُ عَيْنَها.
وقد نَقَل أبو داودَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على هذا.
وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ.
فصل: ولا يُعذَرُ في تَركِ الترتِيبِ بالجَهْلِ بِوُجُوبِه.
وقال زُفَر: يُعذَرُ كالناسِى.
ولَنا، أنَّه ترتِيبْ واحِبْ في الصلاةِ، فلم يَسْقُطْ بالجَهْلِ، كالمَجْمُوعَتَيْن، ولأنَّ الجَهْل بأحكامِ الشرعِ مع التمَكنِ مِن العِلْمِ لا يُسْقِطُها، كالجَهلِ بتَحرِيمِ الأكْلِ في الصوْمِ.
..................................
فصل: ويَجِبُ عليه قَضاءُ الفَوائِتِ على الفَوْرِ وإن كَثرتْ، ما لم يَلْحَقْه
مَشَقة في بَدَنِه، بضَعفٍ، أو خَوْفِ مَرَض أو نَصَبٍ او إعْياء، أو مالِه،
بفَواتِ شئ منه، أو ضَرَرٍ فيه، أو قَطْع عن مَعيشَتِه.
نَص أحمدُ على نَخو
هذا.
فإن جهِل الفَوائِتَ فلم يَعلم قدرَها، قَضَى حتى يَتَيَقنَ بَراءَةَ ذِمتِه.
ويَقْتَصِرُ على الفَرائِض، ولا يَتَنَفلُ بَيْنَها، ولا يُصَلِّى سننَها 1؛ لأنَّ النبيَّ
- صلى الله عليه وسلم - لَمّا قضَى الصلَواتِ الفائتُةَ يَوْمَ الخنْدَقِ، لم يُنْقَلْ أنه صَلى بَينها سُنَّةً؛
ولأن الفَرْضَ أهمُّ، فالاشْتِغالُ به أوْلَى.
فإن كانت صلاةً أو نَحوَها، فلا بَأسَ بقَضاءِ سُنَّتِها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فاتَتْه الفَجْرُ، صَلى سُنتها قَبْلَها.
وهذا قولُ الشافعى.
وقال مالك: يَبدَأ بالمَكتُوبَةِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرنا مِن الحديثِ.
وهذا اخْتِيارُ ابنِ المُنْذر.
فصل: ومَن فاتَته صلاة مِن يَوم لا يَعلَمُ عَيْنَها، أعاد صلاةَ اليَوْمِ جَمِيعِه، يَنْوى بكلِّ واحِدة أنها الفائتَةُ.
نصَّ عليه.
وهو قولُ أكثر أهلِ العلمِ؛ لأنَّ التعيِينَ شرط في صِحَّةِ الصلاةِ المَكتُوبَةِ، ولا يُتَوَصَّلُ إليه إلاَّ بذلك، فلَزِمَه.
وقال الثَّوْرِى: يُصَلِّى الفَجْرَ ثم المَغْرِبَ؛ ثم يُصَلى أربعا، يَنْوِى إن كان الظهْرَ أو العَصر أو العِشاءَ.
وقال الأوْزاعي: يُصَلى أربعا بإقامَةٍ.
..................................
فصل: إذا نام في مَنْزِل في السَّفَرِ، فاسْتَيْقَظَ بعد خُرُوجِ وَقتِ الصلاةِ، استُحِبَّ له أن يَنْتَقِلَ عن ذلك المنْزِلِ، فيُصَلِّىَ في غيرِه.
نَصَّ عليه؛ لِما روَى أبو هريرةَ، قال: عَرَّسْنا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم نَسْتَيْقِظْ حتى طَلَعَتِ الشمس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لِيأخُذْ كُل رَجُل مِنْكم بِرأس رَاحِلَتِهِ؛ فَإن هذَا مَنْزِل حَضَرَ فِيهِ الشيطَانُ».
قال: ففَعَلْنا، ثم دعا بالماءِ فتَوَضَّأ، ثم سَجَد سَجْدَتَيْن، ثم أقِيمَتِ الصلاةُ، فصَلى الغَداةَ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. ويُسْتحَبُّ أن يُصَلِّىَ الفائتَةَ جَماعَةً إذا أمكَنَ؛ لهذا الخَبَرِ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى الصَّلَواتِ الفائتَةَ يَوْمَ الخَنْدَقِ في جماعةٍ.
ولا يَلْزَمُ القَضاءُ أكْثَرَ مِن مَرَّةٍ؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَقْض أكثَرَ مِن مَرة، وقد روَى عِمرانُ بنُ حُصَيْن، حينَ نامُوا عن صلاةِ الفَجْر، قال: فقُلْنا: يا رسولَ الله، ألا نُصَلِّى هذه الصلاةَ لوَقْتِها؟ قال: «[لَا] 2، لَا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الرِّبَا وَيَقْبَلُهُ مِنْكم».
رَواه الأثْرَمُ 3. واحتج به أحمدُ.
..................................
فصل: إذا أخَّرَ الصَّلاةَ لنَوْم أو غيرِه، حتم خَشِى خُرُوجَ الوَقْت إن تَشاغَلَ بالسنَةِ، بَدَأ بالفَرض.
نَصَ عليه؛ لأن الحاضِرَةَ إدا قُدمت على الفائتَةِ الواجِبَةِ، مُراعاةً للوقتِ، فعلى السنةِ أوْلَى.
وهكذا إذا اسْتَيْقَظ وشَكَّ في طُلُوعِ الشمس، بَدَأ بالفَريضَةِ.
نَصَ عليه، لأن الأصلَ بَقاء الوقتِ.
فصل: ومَن أسْلَمَ في دارِ الحَربِ فتَرَكَ صلواتٍ، أو صِيامًا لا يَعلَمُ وُجُوبَه، لَزِمَه قَضاؤه.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَلْزَمُه.
ولَنا، أنها عِبادَة تَلْزَمُه مع العِلْمِ، فلَزِمَتْه مع الجهلِ، كما لو كان في دارِ الإسلام.
..................................
301 - مسألة: (وإن نَسِىَ الترتِيبَ، سَقط وُجُوبُه)
متى 1 صَلَّى الحاضِرَةَ ناسِيًا للفائتَةِ، ولم يَذْكُرها حتى فَرَغ، فليس عليه إعادَة.
نصَّ عليه أحمد في رِوايَةٍ الجماعَةِ.
وقال مالك: يَجِبُ الترتيبُ مع النسْيانِ كالمَجْمُوعَتَيْن، والركُوعِ والسُّجُودِ، ولحديثِ أبى جُمُعَةَ 2. ولَنا، قوْلُه - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِىَ لِأمَّتِى عَنِ الْخَطأِ وَالنسْيَانِ» 3. ولأنَّه المنسيةَ ليس علها أمارَة، فجاز أن يُؤثرَ فيها النسْيانُ، كالصيامِ، فأمّا حديثُ أبى جُمُعَةَ، فمِن رِواية ابنِ لَهِيعَةَ، وهو ضَعِيف، ويَحتَمِلُ أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذَكَرَها وهو في الصلاةِ، جَمعًا بينَه وبينَ ما ذَكرنا مِن الدلِيلِ.
وإنَّما يُعْذَر في المَجْمُوعَتَيْن بالنسْيانِ؛ لأنه لا يَتَحَققُ، إذ لابدَّ فيهما
..................................
مِن نِية الجمع بَيْنهما، ولا يُمكنُ ذلك مع نِسْيانِ إحداهما، ولأنَّ اجْتِماعَ الجَماعَةِ يَمنَعُ النسْيانَ، إذ لا يَكادُون كلهم يَنْسَوْن الأولَى.
ولا فَرقَ بينَ أن يكُون سَبَق منه ذِكْرُ الفائتَةِ ثم نَسِيَها، أو لم يَسْبِقْ.
نَصَّ عليه؛ لِما ذَكَرْنا.
واللهُ أعلمُ.
بَابُ ستر الْعَوْرَةِ
وَهُوَ الشرطُ الثَّالثُ.
بابُ ستر العَوْرَةِ
(وهو الشرطُ الثالِثُ) سَتْرُ العَوْرَةِ شرط لصحَّةِ الصلاةِ، في قَوْلِ أكثرَ أهْلِ العِلْمِ.
قال ابنُ عبدِ الَبر: أجْمَعُوا على فَسادِ صلاةِ مَن تَرَك ثَوْبَه وهو قادِرٌ على الاسْتِتارِ به، وصَلَّى عُريانًا.
وهو قولُ الشافعى وأصحابِ الرأىِ.
وقال إسحاقٌ وبَعضُ أصحابِ مالكٍ: هو شَرطْ مع الذِّكْرِ.
وقال بَعضُهم: هو واجِب وليس بشَرطٍ؛ لأنّ وُجُوبَه غيرُ مُخْتص بالصلاةِ، فلم يكُنْ شَرطًا فيها، كقَضاءِ الديْنِ.
ولَنا، قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ حَائِضٍ إلا بخِمَار».
وعن سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ، قال: قُلتُ يا رسولَ اللهِ، إنى أكوَنُ في الصَّيْدِ، فأصَلِّى في القَمِيص الواحِدِ؟ قال: «نَعم، وازْرُرْه وَلَوْ بِشَوكةٍ».
رَواهما ابنُ ماجَه، والترمذي 1، وقال
وَسَتْرُهَا عَنِ النظرَ بِمَا لَا يَصِف الْبَشَرَةَ وَاجبٌ.
فيهما: حسنٌ.
302 -
مسألة: (وسَتْرُها عن النَّظَرِ بما لا يَصِف البَشَرَةَ واجِبٌ)
لأن السترَ إنّما يَحصُلُ بذلك، فإن كان خَفِيفًا يَصِفُ لَوْنَ البَشَرَةِ، فيَبينُ
..................................
من وَرائِه بَياضُ الجِلْدِ وحُمرَتُه، لم تَجزِ الصلاةُ فيه.
وإن كان يَسْتُرُ اللَّوْنَ ويَصِف الخِلْقَةَ، جازَتِ الصلاةُ فيه؛ لأن البَشَرَةَ مَسْتُورَةٌ، وهذا لا يُمكِنُ التحَرُّزُ منه، وإن كان السّاتِرُ صَفِيقًا.
وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ وَالْأمَةِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ.
وَعَنْهُ، أنَّها الْفَرجَانِ.
303 - مسألة: (وعَوْرَةُ الرجلِ والأمَةِ ما بينَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ. وعنه، أنَّها الفَرجان)
عَوْرَةُ الرجلِ ما بينَ الله حرةِ والرُّكْبَةِ، في ظاهِرِ المَذْهبِ.
نَصَّ عليه أحمدُ 1 في روايَةِ الجَماعَةِ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعي، وأصحابِ الرأىِ، وأكْثَرِ العلماءِ.
ورُوِيَ عنه أنَّها الفَرجان.
نَقَلَها عنه، مُهنَّا.
وهو قولُ ابنِ أبى ذِئْبٍ؛ لِما روَى أنسٌ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ خَيْبَرَ حَسَر الإزارَ عن فَخِذِه.
رَواه البُخارِىُّ، ومسلمٌ 2. وعن عَمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ النبى - صلى الله عليه وسلم -
..................................
قال: «إذَا زَوَّجَ أحَدُكُم عَبْدهُ؛ أمَتَهُ أوْ أجيرَهُ، فَلَا يَنْظر إلى شَىْء مِنْ عَوْرَتهِ، فَإن مَا تحتَ السُّرَّةِ إلَى رُكْبَتِهِ عَوْرَةَ».
يُرِيدُ الأمَةَ.
رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 1. وعن عائشة، قالت: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته كاشِفًا عن فَخِذَيْه، فاستأذَنَ أبو بكر، فأذِنَ له وهو على ذلك، ثم استأذَنَ عُمَرُ، فأذِنَ له وهو على ذلك.
رَواه الإمامُ أحمدُ 2. ولأنه ليس بمَخْرَجٍ، فلم يَكُنْ عَوْرَةً، كالسَّاقِ.
ووَجْهُ الأولَى ما روَى جَرهدٌ الأسْلَمِى، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: «غطَّ فَخِذَكَ؛ فَإن الفَخِذَ مِن
..................................
الْعَوْرَةِ».
رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذي] 1، وقال: حديثٌ حسنٌ.
وعن علىِّ بنِ أبى طالِب، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تبرِزْ فَخِذَكَ، وَلَا تَنْظُر إلَى فَخِذِ حَىٍّ وَلَا ميتٍ».
رَواه أبو داودَ 2. وعن ابنِ عباس، قال: مَرَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على رجل، وفَخِذُه خارِجَة، فقال: «غَطِّ فَخِذَكَ؛ فَإن فَخِذَ الرجُلِ مِنْ عَوْرَتِه».
رَواه الإمامُ أحمدُ 3. قال البُخاريُّ 4: حديثُ أَنس أسْنَدُ، وحديثُ جرهدٍ أحوَطُ.
..................................
فصل: والسُّرَّةُ والرُّكْبَتان ليست مِن العَوْرَةِ، وهو قول مالك، والشافعى.
وقال أبو حنيفةَ: الرُّكْبَةُ هِن العَوْرَةِ؛ لأنَّه رُوِىَ أن النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الرُّكْبَةُ مِنَ الْعَوْرَةِ» 1. ولَنا، ما روَى أبو أيوبَ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أسْفَلُ السرةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَتَيْنِ مِنَ الْعَوْرَة».
رَواه أبو بكر 2. وحديثُ عَمرِو بنِ شُعَيْبٍ، ولأنَّ الرُّكْبَةَ حَدُّ العورةِ، فلم تَكنْ منها، كالسُّرَّةِ.
والعَبْدُ والحُرُّ في ذلك سَواءْ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ فيهما، وحَدِيثُهم يَرويه أبو الجنُوبِ 3 ولا يُثْبِتُه أهْلُ النَّقْلِ.
..................................
فصل: وأمّا الأمَةُ، فقال ابنُ حامِدٍ: عَوْرَتُها كعَوْرَةِ الرجلِ؛ ما بَيْنَ السرةِ والركْبَةِ.
حَكاه القاضى في «المُجَردِ» وابنُ عَقِيل.
قال القاضى: وقد لَوَّحَ إليه أحمدُ.
وهو ظاهِرُ مَذْهبِ الشافعىَّ؛ لحديثِ عَمرِو بنِ شُعَيْبٍ، والمُرادُ به الأمَةُ، فإن الأجيرَ والعبدَ لا تَخْتَلِفُ حالُه بالتزوِيجِ وعَدَمِه.
وقال القاضى في «الجامِعِ»: عَوْرَةُ الأمَةِ ما عَدا الرأسَ واليَدَيْن إلى المِرفَقَيْن، والرجْلَيْن إلى الركبتين.
وهو قولُ بَعضِ الشَّافِعِية؛ لأنّ هذا يَظْهرُ عادَةً عندَ التقْلِيبِ والخِدمَةِ، فهو كالرأْس، وما سواه لا يَظْهرُ غالبًا، ولا تَدعُو الحاجَةُ إلى كَشْفِه، أشْبَهُ ما بينَ السُّرَّةِ والركبة والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكرنا، ولأن مَن لم يكنْ رَأسُه عَوْرَة، لم
..................................
يَكُنْ صدرُه عَوْرَةً، كالرجلِ.
وقال الحسنُ في الأمَةِ، إذا تَزَوجَتْ أو اتَّخَذَها الرجلُ لنَفْسِه: يَجِب عليها الخِمارُ.
ولَنا، أن عُمَرَ كان يَنْهى الإماءَ عن التقَنُّع، وقال: إنَّما القِناعُ للحَرائِرِ.
واشْتَهرَ ذلك ولم يُنْكر، فكان إجْماعا، ولأنَّها أمَةٌ، أشْبَهتِ التى لم تَتَزَوجْ.
وفيه رِوايَة ثالِثَة، أنَّ عَوْرَتَها الفرجان، كالرجلِ.
ذَكَرَها أبو الخَطابِ، وشَيْخُنا في الكِتاب المَشْرُوحِ 1. والصحيحُ خِلافها، إن شاء اللهُ تعالى.
والمُكاتَبَةُ والمُدبَّرَةُ والمُعَلقُ عِتْقُها بصِفةٍ، كالأمَةِ القِنّ فيما ذَكَرنا؛ لأنهنَّ إماءٌ يَجُوزُ بَيْعُهُنَّ وعِتْقُهُنَّ، أشْبهنَ القِنَّ.
وقال ابنُ البَنا: هُنَّ كأُم الوَلَدِ.
وَالْحُرَّةُ كُلُّهَا عَوْرَة إِلَّا الْوَجْهَ، وَفِى الْكفَّيْنِ رِوَايَتَانِ.
304 - مسألة: (والحُرَّةُ كلُّها عَوْرَةٌ إلاَّ الوَجْهَ، وفى الكَفَّيْن رِوايَتان)
أمَا وَجْهُ الحُرَّةِ فإنَّه يَجُوزُ للمرأةِ كَشفُه في الصلاةِ، بغيرِ خِلافٍ نَعلَمُه، واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في الكَفَّيْن، فرُوِىَ عنه جَواز كَشْفِهما.
وهو قولُ مالكٍ والشافعىِّ؛ لأنَّه رُوِىَ عن ابن عباس، وعائشةَ، في قوله تعالى:
..................................
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ 1. قال: الوَجْهَ والكَفيْن.
ولأنه يَحرُمُ على المُحْرِمَةِ سَترهما بالقُفّازَيْن، كما يحرُمُ سَتْرُ الوَجْهِ [بالنِّقَابِ، ويَظْهَران غالبًا، وتَدعُو الحاجَةُ إلى كشْفِهما للبَيْعِ والشِّراءِ، فأشْبَها الوَجْهَ] 2. ورُوِىَ عنه أنَّهما مِن العَوْرَةِ.
وهذا اخْتِيارُ الخِرَقى.
قال القاضى: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ لأنه رُوِىَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنْه قال: «الْمرأة عَوْرَة».
رَواه الترمِذى، وقال: حديث حسن صحِيح 3. وهذا عام في جَمِيعِها، تُرِكَ في الوَجْهِ للحاجَةِ، فيَبْقَى فيما عَداه.
وقولُ ابنِ عباسٍ وعائشةَ قد خالَفَهما ابنُ مسعودٍ، فقال: الثِّياب.
ولأن الحاجَةَ لا تَدعُو إلى كَشْفِهما وظُهُورهما، كالحاجَةِ الى كَشْفِ الوجْهِ، فلا يَصِح القِياسُ، ثم يبطل قِياسُهم بالقَدَمَيْن؛ فإنَّهما يَظْهران عادَةً، وسَترهما واجِبٌ، وهما بالرِّجْلَيْن أشْبَهُ مِن الوَجْهِ، فقِياسُهما عليهما أوْلَى.
..................................
فصل: وما سِوَى الوَجْهِ والكَفَّيْن، فيَجِبُ ستْرُه في الصلاةِ، رِوايَةً واحِدَةً.
وهو قول مالكٍ، والشافعى، والأوْزاعِىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: القَدَمان لَيْسا مِن العَوْرَةِ، لأنَّهُما يَظْهران عادَة، ويُغْسَلان في الوُضُوءِ، أشْبَها، الوَجْهَ والكفَّيْن.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
وما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، أنها سَألَتِ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -: أتصلى المرأةُ في دِرْع وخِمارٍ؟ قال: «نَعم، إذَا كَانَ الدرْعُ سَابِغًا يُغَطِّى ظُهُورَ قَدَمَيها».
رَواه أبو داودَ 1. والخَبَرُ الذى رَوَيْناه في أنَّ المرأةَ عَوْرَة، خَرَج منه الوَجْهُ، فيَبْقَى فيما عَداه على قَضِيةِ الدَّلِيلِ، وأمَّا ما عَدا الوَجْهَ والكَفَّيْن والقَدَمَيْن، فهو عَوْرَة بالإجْماعِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافاً؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائضٍ إلَّا بِخِمَار».
حديث حسن صحيحٌ 2.
وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمعتَقُ بَعضُها كَالأمَةِ.
وَعَنْهُ، كَالْحُرَّةِ.
305 - مسألة: (وأُم الوَلَدِ، والمُعتَقُ بَعضُها: كالأمَةِ. وعنه، كالحُرَّةِ)
نُقِل عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في المُعتَقِ بعضُها رِوايَتان؛
..................................
إحداهُما، أنها كالحُرَّةِ؛ لأن فيها حُرّيَّة تَقْتَضِى السَّترَ، فوَجَبَ، كما يَجِبُ على الخُنْثى المُشْكِلِ سَتْرُ فَرْجَيْه معًا؛ لوُجوبِ سَتْير أحَدِهما.
والثانِيَةُ، هى كالأمَةِ القِنِّ؛ لأنَّ المُقْتَضِىَ للسترِ بالإجْماعِ الحُريةُ الكامِلَةُ، ولم تُوجَد، فتَبْقَى على الأصلِ.
وهذا قولُ ابنِ المُنْذِرِ.
فصل: وحُكْمُ أم الوَلَدِ حُكْمُ الأمَةِ في صَلاِتها وسُترتِها.
وهو قولُ النخَعِىِّ، والشافعى، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وعن أحمدَ، أَنَّها كالحُرَّةِ تُغَطِّى شَعَرَها وقَدَمَيْها.
نَقَلَها عنه الأثْرَمُ؛ لأنَّها لا تُباعُ، ولا يُنْقَلُ المِلْكُ فيها، أشبَهتِ الحُرَّةَ.
وهو قولُ الحسنِ وابن سِيرينَ في تَغطيَةِ الرأس، حَكاه ابنُ المُنْذِرِ.
ووَجْهُ الأُولَى أنَّها أمَةٌ، حُكمُها حُكْمُ الإماءِ، وكَوْنُها لا يَنْتَقِلُ المِلْكُ فيها، لا يُخْرِجُها عن حُكْمِ الأمَةِ، كالمَوْقُوفَةِ، وانْعقادُ سَبَبِ الحُرّيةِ فيها لا يُؤثِّر أيضًا؛ بدَلِيلِ المُكاتَبَةِ والمُدَبَّرَةِ، لكنْ يُستحَبُّ لها ستْرُ رَأْسِها، لتخْرُجَ مِن الخِلافِ وتأخُذَ بالاحتِياطِ.
..................................
فصل: وعَوْرَةُ الخُنْثَى المُشْكِلِ كعَوْرَةِ الرجلِ الأنه اليَقِينُ، والأنُوثَةُ مَشْكُوك فيها، فلا نُوجبُ عليه سَتْرَ مَحَلٍّ مَشْكُوكٍ في وُجُوبِه، كما لم نُوجِبْ نَقْضَ الوُضُوءِ بمَسى أحَدِ فرجَيْه، ولا الغُسْلَ بإيلاجِه، لكنْ يَجِبُ عليه سَتْر فرجَيْه إذا قُلْنا: العَوْرَةُ الفرجان.
لأن أحَدَهما فَرْج حَقِيقىٌّ، ولا يَتَحَققُ سَتْره إلَّا بسَتْرِهما، فوَجَبَ عليه، كسَتْرِ ما قَرب مِن العَوْرَةِ لأجْلِ سَتْرِها.
وعنه، حُكمُه حُكْمُ المرأةِ.
ذكَره في «المُسْتَوْعِبِ»، لأنه يَحتَمِلُ أن يكونَ امرأةً، فوَجَبَ ذلك احْتِياطاً.