وَالزَّوْجُ هُوَ الَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ، فَإِذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَأَيُّهُمَا عَفَا لِصَاحِبِهِ عَمَّا وَجَبَ لَهُ مِنَ الْمَهْرِ، وَهُوَ جَائِزُ الأَمْرِ فِى مَالِهِ، بَرِئَ مِنْهُ صَاحِبُهُ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ الْأَبُ.
فَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ نِصْفِ مَهْرِ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ إِذَا طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخولِ.
3287 - مسألة: (والزَّوْجُ هو الَّذِى، بيدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ، فإذا طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، فَأَيُّهُمَا عَفَا لصاحِبِه عَهتا وَجَب لَهُ مِن المهرِ، وهو جائِزُ الأَمْرِ فِى مَاله، بَرِئَ منه صاحِبُه.
وعنه، أنَّهُ الأبُ.
فله أَنْ يَعْفوَ عن نِصْفِ صَدَاق ابْنَتِه الصَّغِيرَةِ إذا طُلِّقَتْ قَبلَ الدُّخُولِ)
اخْتلَفَ أهلُ العلمِ في الذى بيَدِه عُقْدَةُ النِّكاحِ، فظاهرُ مذْهبِ أحمدَ، أنَّه الزَّوْجُ.
رُوى ذلك عن علىٍّ، وابنِ عبَّاسٍ، وجُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ، رضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، ونافِعٌ مَوْلَى ابنِ عمرَ، ومُجاهِدٌ، وإياسُ بنُ مُعاوِيةَ، وجابِرُ بنُ زيدٍ، وابنُ سِيرِينَ،
..................................
والشَّعْبِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرأْىِ، والشافعىُّ في الجديدِ.
وعن أحمدَ، أنَّه الوَلِىُّ إذا كان أبا الصَّغيرةِ.
وهو قولُ الشافعىِّ في 1 القديمِ، إذا كان أبًا أو جَدًّا.
وحُكِىَ عن ابنِ عبَّاسٍ، وعَلْقَمَةَ، والحسنِ، وطاوُسٍ، والزُّهْرِىِّ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ، أنَّه الوَلِىُّ؛ لأَنَّ الوَلِىَّ بعدَ الطَّلاقِ هو الذى بيَدِه عُقْدَةُ النِّكاحِ، لكَوْنِها قد خَرَجَتْ عن يَدِ الزَّوْجِ، ولأَنَّ اللَّهَ تعالى ذَكَرَ عَفْوَ النِّساءِ عن نَصِيبِهِنَّ، فينْبَغِى أنَّ يكونَ عَفْوُ الذى بيَدِه عُقْدَةُ النِّكاحِ عنه، ليكونَ المَعْفُوُّ عنه في المَوْضِعَينِ واحدًا، ولأَنَّ اللَّهَ تعالى بَدَأ بخِطابِ الأَزْواجِ على المُواجَهَةِ بقولِه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾.
ثم قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ 2. وهذا خِطَابُ غيرِ حاضرٍ.
ولَنا، ما روَى الدَّارَقُطْنِىُّ 3، بإسْنادِه، عن عمرو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه،
..................................
عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «وَلِىُّ العُقْدَةِ الزَّوْجُ».
ولأَنَّ الذى بيَدِه عُقْدَةُ النِّكاحِ بعدَ العَقْدِ هو الزَّوْجُ، فإنَّه يَتَمَكَّنُ من قَطْعِه وفَسْخِه وإمْساكِه، وليس [إلى الوَلىِّ] 1 منه شئٌ، ولأَنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
[والعَفْوُ الذى أقْرَبُ للتَّقْوَى، هو عَفْوُ الزَّوْجِ عن حَقِّه، أمّا عَفْوُ الوَلىِّ عن مالِ المرأةِ، فليس هو أقْرَبَ إلى التَّقْوَى] 2، ولأَنَّ المَهْرَ مالٌ للزَّوْجَةِ، فلا يَمْلِكُ الوَلِىُّ هِبَتَه وإسْقاطَه، كغيرِه من أمْوالِها وحُقُوقِها، وكسائرِ الأوْلياءِ، ولا يَمْتَنِعُ العُدُولُ عن خِطابِ الحاضرِ إلى 3 الغائبِ، كقولِه تعالَى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ 4. فعلى هذا، متى طَلَّقَ لزَّوْجُ قبلَ الدُّخولِ،
..................................
تَنَصَّف المَهْرُ بينَهما، فإن عفا الزَّوْجُ لها عن النِّصْفِ الذى له، كَمَل لها الصَّداقُ جَمِيعُه، وإن عفَتِ المرأةُ عن النِّصْفِ الذى لها منه، وتَرَكَتْ له جميعَ الصَّداقِ، جازَ، إذا كان العَافِى منهما رَشِيدًا جائِزَ الأمْرِ في مالِه، فإن كان صغِيرًا أو سَفِيهًا، لم يَصِحَّ عَفْوُه؛ لأنَّه ليس له التَّصَرُّفُ في مالِه بهِبَةٍ ولا إسْقَاطٍ.
ولا يَصِحُّ عَفْوُ الوَلِىِّ عن صَداقِ 1 الزَّوْجَةِ، أبًا كان أو غيرَه، صغيرةً كانت أو كبيرةً.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايةِ الجماعةِ.
وروَى عنه ابنُ مَنْصورٍ: إذا طَلَّقَ امرَأةً (1) وهى بِكْرٌ، قبلَ أنَّ يَدْخُلَ بها، فعَفا أبُوها أو زَوْجُها، ما أرَى عَفْوَ الأبِ إلَّا جائِزًا.
قال أبو حَفْصٍ: ما أرَى ما (1) نقَلَه ابنُ مَنْصورٍ إلَّا قَوْلًا لأبى عبدِ اللَّهِ قدِيمًا.
فظاهِرُ قولِ أبى حَفْص أنَّ المسْأَلَةَ رِوايَةٌ واحدةٌ، وأنَّ أبا عبدِ اللَّهِ رَجَع عن قَوْلِه بجَوازِ عَفْوِ الأبِ.
وهو الصَّحِيحُ؛ لأَنَّ مَذْهَبَه أن لا يَجوزَ للأبِ إسْقاطُ دُيُونِ وَلَدِه الصَّغيرِ، ولا إعْتاقُ عَبِيدِه، ولا تَصَرُّفُه لهم إلَّا بما فيه مَصْلَحَتُهم، ولا حَظَّ لها في هذا الإِسْقاطِ، فلا يَصِحُّ.
وإن قُلْنا برِوايةِ ابنِ مَنْصورٍ، لم يَصِحَّ إلَّا بخَمْسِ شَرائِطَ؛ أحدُها، أنَّ يكونَ أبًا؛ لأنَّه الذى يلِى مالَها،
..................................
ولا يُتَّهَمُ عليها.
الثانى، أنَّ تكونَ صغيرةً؛ ليكونَ وَلِيًّا على مالِها، فإنَّ الكبيرةَ تَلِى مالَ نَفْسِها.
الثالثُ، أنَّ تكونَ بِكرًا؛ لتَكونَ 1 غيرَ مُتَبَذِّلَةٍ، ولأنَّه لا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ الثَّيِّبِ 2 وإن كانت صغيرةً، إلَّا على بعضِ الوُجُوِه، فلا تكونُ ولايتُه عليها تامَّةً.
الرابعُ، أنَّ تكونَ مُطَلَّقَةً، لأنَّها قبلَ الطَّلاقِ مُعَرَّضَةٌ لإِتْلافِ البُضْعِ.
والخامسُ، أنَّ يكونَ قبلَ الدُّخولِ؛ لأَنَّ ما بعدَه قد أُتْلِفَ البُضْعُ، فلا يَعْفُو عن بَدَلِ مُتْلَفٍ.
ومذْهَبُ الشافعىِّ على نحوِ هذا، إلَّا أنَّه يَجْعَلُ الجَدَّ كالأبِ.
فصل: ولو بانَتِ 3 امْرأةُ الصَّغِيرِ أو السَّفِيهِ أو المجْنُونِ، على وَجْهٍ يُسْقِطُ صَداقَها عنهم، مثلَ أنَّ تَفْعَلَ امْرأتُه 4 ما يَفْسَخُ نِكاحَها؛ [مِن رَضَاعِ] 5 مَن يَنْفَسِخُ نِكاحُها برَضاعِه، أو رِدَّةٍ، أو بصفةٍ 6، لطَلاقٍ 7 مِن السَّفِيهِ، أو رَضاعٍ مِن أجْنَبِيّةٍ لم 8 يَنْفَسِخْ نِكاحُها برَضاعِه، أو نحو
..................................
ذلك، لم يكُنْ لوَلِيِّهم 1 العَفْوُ عن شئٍ مِن الصَّداقِ، رِوايةً واحدةً.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
والفَرْقُ بينَهم وبين الصَّغيرةِ أنَّ وَلِيَّها أكْسَبَها المَهْرَ بتَزْوِيجِها، وههُنا لم يُكْسِبْه شيئًا، إنَّما رَجَعَ المَهْرُ إليه بالفُرْقَةِ.
فصل: إذا عَفَتِ المرأةُ عن صَداقِها الذى لها على زَوْجِها، أو عن بعْضِه، أو وهَبَتْه إيَّاه بعدَ قَبْضِه، وهى جائِزَةُ الأمْرِ في مالِها، جازَ ذلك، وصَحَّ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾.
يعنى الزَّوْجاتِ.
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ 2. قال أحمدُ، في رِوايةِ المَرُّوذِىِّ: ليس شَئٌ -
..................................
قال اللَّهُ تعالَى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [سمَّاهُ- غيرَ] 1 المَهْرِ تَهَبُه المرأةُ للزَّوْجِ.
وقال عَلْقَمَةُ لامْرَأتِه: هبِى لى من الهَنِئِ المَرِئ.
يعنى من صَداقِها.
وهل لها أن ترجِعَ فيما وَهبَتْ زَوْجَها؟ فيه رِوايات 2 عن أحمدَ، واخْتِلافٌ من أهلِ العلمِ، ذكَرناه فيما مَضَى.
فصل: إذا طُلِّقَتْ قبلَ الدُّخُولِ، وتَنَصَّفَ المَهْرُ بينَهما، لم يَخْلُ في أن يكونَ دَيْنًا أو عَيْنًا، فإن كان دَيْنًا لم يَخْلُ إمَّا أن يكونَ دَيْنًا 3 في ذِمَّةِ
..................................
الزَّوْجِ لم يُسَلِّمْه إليها، أو في ذِمَّتِها، بأن تكونَ قد قَبَضَتْه وتَصَرَّفَتْ فيه، أو تَلِفَ في يَدِها، وأيهما كان فإنَّ للذى له الدَّيْنُ أن يَعفُوَ عن حَقِّه منه، بأن يقولَ: عَفَوْتُ عن حَقِّى من الصَّداقِ.
أو: أسْقَطْتُه.
أو: أبْرَأْتُك منه.
أَوْ مَلَّكْتُك إيَّاهُ.
أو: وَهبْتُكه 1. أو: أخلَلْتك منه.
أو: أنت منه في حِلٍّ.
أو: تَرَكته لك.
أىُّ ذلك قال 2 سَقَطَ به المَهْرُ، وبَرِئَ منه الآخَرُ كان لم يَقْبَلْه؛ لأنَّه إسْقاطُ حَقٍّ، فلم يَفْتَقِز إلى قَبُولٍ، كإسْقاطِ القِصاصِ والشُّفْعَةِ والعِتْقِ والطَّلاقِ، ولذلك صَحَّ إبْراءُ المَيِّتِ مع عدَمِ القَبُولِ منه، ولو رَدَّ ذلك لم يَرْتَدَّ، وبَرِئَ منه، لِما ذكَرناه، وإن أحَبَّ العَفْوَ مَنِ الصَّداقُ في ذِمَّتِه، لم يَصِحَّ العَفْوُ، لأنَّه إن كان في ذِمَّةِ الزَّوْجِ،
..................................
فقد سَقَط عنه بالطَّلاقِ، وإن كان في ذِمَّةِ الزَّوْجَةِ، فلا يَثْبُتُ في ذِمَّتِها إلَّا النِّصْفُ الذى يَسْتَحِقُّه الزَّوْجُ، وأمَّا النِّصْفُ الذى لها، فهو حَقُّها تَصَرَّفَتْ فيه، وإنَّما يتَجَدَّدُ مِلْكُ الزَّوْجِ للنِّصْفِ بطَلاقِه، فلا يَثْبُت في ذِمَّتِها غيرُ ذَلكَ 1. وأيهما أرادَ تَكْمِيلَ الصَّداقِ لصاحِبِه، فإنَّه يُجَدِّدُ 2 له هِبَةً مُبْتَدَأةً.
وأمَّا إن كان الصداقُ عَيْنًا في يَدِ أحدِهما، فعَفا الذى هو في يَدِه للآخَرِ، فهو هِبَة له، تَصِحُّ بلَفْظِ العَفْوِ والهِبَةِ والتَّمْلِيكِ، ولا تَصِحُّ بلَفْظِ الإِبراءِ والإِسْقاطِ، ويَفْتَقِرُ إلى القَبْضِ فيما يُشْتَرَطُ القَبْضُ فيه.
وإن عَفا غيرُ الذى هو في يَدِه، صَحَّ بهذه الأَلْفاظِ، وافْتَقرَ إلى مُضِىِّ
فَصْلٌ: إِذَا أَبْرَأَتِ الْمَرأَةُ زَوْجَها مِنْ صَدَاقِهَا، أَوْ وَهبَتْهُ لَهُ، ثُمَّ طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخولِ، رَجَعَ عَلَيْها بِنِصْفِهِ.
وَعَنْهُ، لَا يَرجِعُ بِشىْءٍ.
وَإِنِ ارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَهلْ يَرجِعُ عَلَيْها بِجَمِيعِه؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ.
زَمانٍ يتَأَتَّى (1) القَبْضُ فيه، إن كان المَوْهُوبُ ممَّا يَفْتَقِرُ إلى القَبْضِ.
وفيه اخْتِلافٌ ذكَرناه في الهِبَةَ.
فصل
: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: و (إِذا أبْرأَتِ المرأةُ زَوْجَها مِن صَداقِها، أو وَهبَتْه له، ثم طَلَّقَها قبل الدُّخولِ، رَجَع عليها بنصْفِه.
وعنه، لا يرجِعُ بشئٍ.
وإنِ ارتَدَّتْ قبلَ الدُّخولِ، فهل يَرْجِعُ عليها بجَمِيعِه؟ على روايتَيْنِ) إذا أَصْدَقَ امرأتَه عَيْنًا، فوَهبَتْها له، ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ 2 بها، فعن أحمدَ فيه رِوايتانِ؛ إحداهما، يَرجِعُ عليها بنِصْفِ قِيمَتِها.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
وهو أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لأنَّها عادَتْ إلى الزَّوْجِ بعَقْدٍ مُسْتَأنَف، فلا يَمنَعُ اسْتِحقاقَها بالطَّلاقِ، كما لو عادتْ إليه بالبَيْعِ، أو وَهَبَتْها 3 لأَجْنَبِىٍّ ثم وَهَبَها له.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يَرْجِعُ1
..................................
عليها.
وهو قولُ مالكٍ، والمُزَنِىِّ، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ، وقولُ أبى حنيفةَ، إلَّا أن تَزِيدَ 1 العَيْنُ أو تَنْقُصَ، ثم تَهبَها له؛ لأَنَّ الصَّداقَ عادَ إليه، فلو لم تَهَبْه لم يَرْجِعْ بشئٍ، وعَقْدُ الهِبَةِ لا يَقْتَضِى ضَمانًا، ولأَنَّ نِصْفَ الصَّداقِ تُعُجِّلَ إليه بالهِبَةِ.
فإن كان الصَّداقُ دَيْنًا، فأَبْرَأَتْه منه، فإن قُلْنا: لا يَرجِعُ ثَمَّ.
فههُنا أوْلَى.
وإن قُلْنا: يَرْجِعُ ثَمَّ.
خُرِّجَ ههُنا وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَرجِعُ، لأَنَّ الإِبْراءَ إسْقاطُ حَقٍّ، وليس بتَملِيكٍ كتَملِيكِ الأعيانِ، ولهذا لا يَفْتَقِرُ إلى قَبُولٍ، ولو شَهِدَ شاهِدانِ على رَجُل بدَيْنٍ، فأبْرَأه مُسْتَحِقُّه، ثم رَجَع الشَّاهِدانِ، لم يَغْرَمَا شيئًا، ولو كان قَبَضَه منه، ثم وَهبَه له، ثم رَجَع الشَّاهدان، غَرِمَا.
والثانى،
..................................
يرْجِعُ؛ لأنَّه عادَ إليه بغيرِ الطَّلاقِ، فهو كالعَيْنِ، والإِبْراءُ بمَنْزِلَةِ الهِبَةِ 1، ولهذا يَصِحُّ بِلَفْظِها.
فإن قَبَضَتِ الدَّيْنَ منه، ثم وَهَبَتْه له، ثم طَلَّقَها، فهو كهِبَةِ العَيْنِ؛ لأنَّه تَعَيَّنَ بقَبْضِه.
وقال أبو حنيفةَ: يَرْجِعُ ههُنا، لأَنَّ الصَّداقَ قد اسْتَوْفَتْه كلَّه، ثم تَصَرَّفَتْ فيه، فوَجَبَ الرُّجوعُ عليها، كما لو وهبَتْه أجْنَبِيًّا.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَرْجِعَ؛ لأنَّه عادَ إليه ما أَصْدَقَها، فأشْبَهَ ما لو كان عَيْنًا فقَبَضَتْها، ثم وَهبَتْها.
وإن وهبَتْه العَيْنَ، أو 2 أبْرَأَتْه مِن الدَّيْنِ، ثم فَسَخَتِ النِّكاحَ بفِعل مِن جِهَتِها، كإسْلامِها، أو رِدَّتِها، أو إرْضاعِها لمن يَفْسَخُ نِكاحَها إرْضاعُه، ففى الرُّجوعِ عليها بجميعِ الصَّداقِ رِوايَتان، كما في الرُّجوعِ في النِّصفِ سواءً.
فصل: فإن أصْدَقَها عَبْدًا، فوَهبَتْه نِصْفَه 3، ثم طَلَّقَها قبلَ
..................................
الدُّخولِ، انْبَنَى ذلك على الرِّوايتَيْنِ؛ فإن قُلْنا: إذا وَهَبَتْه الكُلَّ لم يَرْجِعْ بشئٍ.
رَجَع ههُنا في رُبْعِه.
وعلى الرِّوايةِ الأُخْرِى، يَرْجِعُ في النِّصْفِ الباقِى كلِّه؛ لأنَّه وجَدَه بعَيْنه.
وبهذا قال أبو يوسف، ومحمدٌ، والمُزَنِىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَرْجِعُ بشئٍ؛ لأَنَّ النِّصْف حَصَل في يَدِه، فقد اسْتَعْجَلَ حَقَّه.
وقال الشافعىُّ، في أحَدِ أقْوالِه كقَوْلِنا.
والثانى، له نِصْفُ النِّصْفِ الباقى، ونِصْفُ قِيمَةِ الموْهُوبِ.
والثالث، يَتَخيَّرُ بينَ هذا وبينَ الرُّجُوعِ بقِيمَةِ النِّصْفِ.
ولَنا، أنَّه وَجَد نِصْفَ ما أصْدَقَها بعَيْنِه، فأشْبَهَ ما لو لم تَهبْهُ شيئًا.
..................................
فصل: فإن خالَعَ امْرأتَه بنِصْفِ صَداقِها قبلَ الدُّخولِ بها، صَحَّ، وصارَ الصَّداقُ كلُّه له؛ نِصْفُه بالطَّلاقِ، ونِصْفُه بالخُلْعِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِيرَ له ثلاثةُ أرْباعِه؛ لأنَّه إذا خالَعها بنِصْفِه مع عِلْمِه أنَّ النِّصْفَ يَسْقُطُ عنه، صارَ مُخالِعًا 1 بنِصْفِ النِّصْفِ الذى يَبْقَى لها، فيَصِيرُ له النِّصْفُ بالطَّلاقِ، والرُّبْعُ بالخُلْعِ.
كان خالَعها [بمثلِ نصفِ] 2 الصَّداقِ في ذِمَّتِها، صحَّ، وسَقَط 3 جميعُ الصَّداقِ 4، نِصْفُه بالطَّلاقِ، ونِصْفُه بالمُقاصَّةِ بما في ذِمَّتِها له مِن 5 عِوَضِ الخُلْعِ.
ولو قالتْ له (5): اخْلَعْنِى
..................................
بما تُسَلِّمُ لى مِن صَدَاقِى.
ففَعَلَ 1، صَحَّ، وبَرِئَ مِن جميعِ الصَّداقِ.
وكذلك لو قالت: اخْلَعْنِى على أن لا تَبِعَةَ عليكَ في المَهْرِ.
صَحَّ، ويَسْقُطُ جَمِيعُه عنه.
وإن خالَعَتْه بمثلِ جيعِ الصَّداقِ في ذِمَّتِها، صَحَّ، ويَرْجِعُ عليها بنِصْفِه؛ [لأنَّه يَسْقُطُ نصفُه] 2 بالمُقاصَّةِ بالنِّصْفِ
الذى لها عليه، ويَسْقُطُ عنه النّصفُ بالطَّلاقِ 3، يَبْقَى [له عليها] 4 النِّصْفُ.
وإن خالَعَتْه بصَداقِها كلِّه، فكذلك في أحَدِ الوَجْهيْن.
وفى الآخَرِ، لا يَرْجِعُ عليها بشئٍ؛ لأنَّه لمَّا خالَعَها به مع العِلْمِ بسُقوطِ نِصْفِه بالطَّلاقِ، كان مُخالِعًا لها بنِصْفِه، ويَسْقُطُ عنه بالطَّلاقِ نِصْفُه، ولا يَبْقَى لها شئٌ.
فصل: وإذا أبْرَأتِ المُفَوّضَةُ مِنِ المَهْرِ، صَحَّ قبلَ الدُّخولِ وبعدَه، وسواءٌ في ذلك مُفَوّضةُ البُضْعِ ومُفَوّضةُ المَهْرِ.
وكذلك مَن سُمِّىَ لها
..................................
مَهْرٌ فاسِدٌ، [كالخَمْرِ والمجْهُولِ] 1؛ لأَنَّ المَهْرَ واجِبٌ في هذه المواضِعِ، وإنَّما جُهِلَ قَدْرُه، والبراءةُ مِن المجْهولِ صحيحةٌ؛ لأنَّها إسْقاطٌ، فصَحَّتْ في المجْهُولِ، كالطَّلاقِ 2. وقال الشافعىُّ: لا تَصِحُّ البراءةُ في شئٍ مِن هذا؛ لأَنَّ المُفَوَّضةَ لم يجبْ لها مهر، فلا يَصِحُّ الإِبْراءُ ممَّا لم يَجِبْ، وغيرُها مَهْرُها مَجْهُولٌ، والبراءةُ مِن المجهولِ لا تَصِحُّ، إلَّا أن تَقولَ: أبْرَأْتُك من دِرْهَمٍ إلى ألْفٍ.
فيَبْرَأُ مِن مَهْرِها إذا كان دُونَ الألْفِ.
وسوف نَذْكُرُ الدَّلَيلَ على وُجُوبِه فيما يَأْتِى، فيَصِحُّ الإِبْراءُ منه، كما لو قال: أبْرَأْتُك مِن درْهَمٍ إلى ألْفٍ.
فإذا أبْرأَتِ المُفَوّضةُ، ثم طُلِّقَتْ قبلَ الدُّخولِ، فإن قُلْنا: لا يَرْجِعُ إلى المُسَمَّى لها.
لم يرجع ههُنا.
وإن قُلْنا: يرْجِعُ ثَمَّ.
احتَمَلَ أن لا يرجِعَ ههُنا؛ لأَنَّ المَهْرَ كلَّه سَقَط بالطَّلاقِ، ووَجَبتِ المُتعَةُ بالطَّلاقِ ابْتِداءً.
ويَحتَمِلُ أن 3 يرْجِعَ؛ لأنَّه عادَ إليه مَهْرُها بسَبَبٍ غيرِ الطَّلاقِ.
وفيما يَرْجِعُ به احْتِمالانِ؛ أحَدُهما، يَرْجِعُ بنِصْفِ مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّه الذى وَجَب بالعَقْدِ، فهو كنِصْفِ 4
..................................
المَفْروضِ.
والثانى، يَرْجِعُ بنِصْفِ المُتْعَةِ؛ لأنَّها التى تَجِبُ بالطَّلاقِ، فأَشْبَهَتِ المُسَمَّى.
فصل: فإن أبْرَأَتْه المُفَوّضةُ مِن نِصْفِ صَداقِها، ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، فلا مُتْعَةَ لها؛ لأن المُتْعَةَ قائمةٌ مَقامَ نِصْفِ الصَّداقِ، وقد أبْرأتْ منه، فصارَ كما لو قَبَضَتْه.
ويَحتَمِلُ أن يَجبَ لها نِصْفُ المُتْعَةِ، إذا قُلْنا: [إنَّ الزَّوْجَ] 1 لا يَرْجِعُ عليها بشئٍ إذا أْبْرَأَتْ مِن جميعِ صَداقِها.
فصل: إذا باعَ رجلٌ عبْدًا بمائةٍ، ثم أبرَأهُ البائِعُ مِن الثَّمَنِ، أو قَبَضَه ثم وَهبَه إيَّاه، ثم وَجَد المُشْتَرِى بالعبدِ عَيْبًا، فهل له رَدُّ المَبِيعِ والمطالبةُ بالثَّمَنِ، أو أخْذُ أرْش العَيْبِ مع إمْساكِه؟ على وَجْهيْنِ، بِنَاءً على الرِّوايتَيْنِ في الصَّداقِ إذا وَهبَتْه المرأةُ لزَوْجِها ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ.
وإن كانت بحَالِها، فوَهَب المُشْتَرِى العبدَ للبائعِ، ثم أفْلَسَ المُشْتَرِى، والثَّمَنُ في ذِمَّتِه، فللبائعِ أن يَضْرِبَ بالثَّمَنِ مع الغُرَماءِ، وَجْهًا واحدًا؛ لأَنَّ الثَّمَنَ ما عادَ [إلى البائِعِ منه شئٌ] 2، ولذلك 3 كان يَجِبُ أداؤُه إليه
..................................
قبلَ الفَلَسِ، بخلافِ التى قبلَها ولو كاتَبَ عبْدًا، ثم أسْقَطَ عنه مالَ الكتابَةِ، بَرِئَ، وعَتَق، ولم يَرْجِعْ على سَيِّدِه بالقَدْرِ الذى كان يَجِبُ على السَّيِّدِ أن يُؤْتِيَه إيَّاه.
وكذلك لو أسْقَطَ عنه القَدْرَ الذى يَلْزَمُه إِيتاؤُه إيَّاه، واسْتَوْفَى الباقِىَ، لم يَلْزَمه أن يُؤْتِيَه شيئًا؛ لأَنَّ إسْقاطَه عنه يقومُ مَقامَ الإِيتاءِ.
وخرَّجَه بعضُ أصْحابِنا على وَجْهَيْنِ، بِناءً على الرِّوايَتَيْن في الصَّداقِ.
ولا يَصِحُّ؛ لأَنَّ المرأةَ أسْقَطَتِ الصَّداقَ الواجِبَ لها قبلَ وُجودِ سَبَبِ اسْتِحْقاقِ الزَّوْجِ عليها نِصْفَه، وههُنا أسْقَطَ السَّيِّدُ عن المُكاتَبِ ما وُجِدَ سَبَبُ 1 إيتائِه إيَّاه، فكان 2 إسْقاطُه مَقَامَ إيتائِه، ولهذا لو قَبَضَه السَّيِّدُ منه، ثم آتاه إيَّاه 3، لم يرجِع عليه بشئٍ، ولو قبَضَتِ المرأةُ صَداقَها و 4 وَهبَتْه لزَوْجِها، ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، رَجَع عليها، فافْتَرَقا.
فصل: ولا يَبْرأُ الزَّوْجُ مِن الصَّداقِ إلَّا بتَسْلِيمِه إلى مَن يتَسَلَّمُ مالَها، فإن كانت رَشِيدَةً، لم يَبْرَأ إلَّا بالتَّسْلِيمِ إليها، أو إلى وَكِيلها، ولا يَبْرأُ بالتَّسْلِيمِ إلى أبِيها ولا إلى غيرِه، بِكْرًا كانت أو ثَيِّبًا.
قال أحمدُ: إذا أخَذ مَهْرَ ابْنَتِه، وأنْكَرَتْ، فذاك لها، تَرجِعُ على زَوْجِها بالمَهْرِ، ويَرْجِعُ الزَّوْجُ
وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنَ الزَّوْجِ؛ كَطَلَاقِهِ، وَخُلْعِهِ، وَإسْلَامِهِ، وَرِدَّتِهِ، أَوْ مِنْ أَجْنَبِىٍّ، كَالرَّضَاعِ، وَنَحْوِهِ، قَبْلَ الدُّخُولِ، يَتَنَصَّفُ بِها الْمَهرُ بَيْنَهُمَا.
على أبِيها.
فقيلَ له؛ أليس قال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أَنْتَ ومَالُكَ لأَبِيكَ» (1)؟ قال: نعم (2)، ولكنَّ هذا لم يأْخُذْ منها، إنَّما أَخَذَ مِن زَوْجِها.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: له قَبْضُ صَداقِ البِكْرِ دُونَ الثَّيِّبِ؛ لأَنَّ ذاك العادَةُ، ولأَنَّ البِكْرَ تَسْتَحِى، فقامَ أبُوها مَقامَها، كما قامَ مَقامَها في تَزْوِيجِها.
ولَنا، أنَّها رَشِيدَةٌ، فلم يَكُنْ لغيرِها قَبْضُ صَداقِها، كالثَّيِّبِ، أو عِوَضٌ مَلَكَتْه وهى رَشِيدَةٌ، فلم يكُنْ لغيرِها قَبْضُه بغيرِ إذْنِها، كثَمَنِ مَبِيعِها.
وإن كانت غيرَ رَشِيدَةٍ، سَلَّمه إلى وَلِيِّها في مالِها، مِن أبِيها أو وَصِيِّه، أو (3) الحاكمِ؛ لأنَّه مِن جُملةِ أمْوالِها، فهو كأَجْرِ دَارِها.
3288 -
مسألة: (وكلُّ فُرْقَةٍ جَاءت مِن)
قِبَلِ (الزَّوْجِ قبلَ الدُّخولِ؛ كطَلاقِه، وخُلْعِه، وإسْلامِه، وَرِدَّتِه، أو مِن أجْنَبِىٍّ، كالرَّضاعِ ونحوِه، يَتَنَصَّف بها المَهْرُ بينَهما) لقولِ اللَّهِ تعالَى: {وَإن123
..................................
طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ}.
ثبتَ في الطَّلاقِ، وقِسْنا عليه سائرَ ما اسْتقَلَّ به الزَّوجُ.
وأمَّا فُرقَةُ الأجْنَبِىِّ، كالرَّضاعِ ونحوِه، تُسْقِطُ نِصْفَ المَهْرِ، ويجبُ نِصْفُه، أو المُتْعَةُ لغيرِ 1 مَن سُمِّى لها، ثم يَرْجِعُ الزَّوجُ على مَن فَسَخ النِّكاحَ، إذا جاءَ الفَسْخُ مِن قِبَلِ أجْنَبِىٍّ، لأنَّه قَرَّرَه عليه.
كان قُتِلَتِ المرأةُ، اسْتقَرَّ المَهْرُ جميعُه، لأنَّها فرقةٌ حصَلَتْ بالموتِ وانْتِهاءِ 2 النِّكاحِ، أشْبَهَ ما لو ماتتْ حَتْفَ أنْفِها، سواءٌ قَتلَها زوْجُها، أو أجْنَبِىٌّ، أو قتَلَتْ نفْسَها، أو قتل الأمَةَ سيِّدُها.
وإن طَلَّقَ الحاكمُ على الزَّوْجِ في الإِيلاءِ، فهو كطَلاقِه؛ لأنَّه قامَ مَقَامَه في إيفاءِ الحقِّ عندَ امْتِناعِه منه.
وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا، كإِسْلَامِها وَرِدَّتِهَا، وَرَضَاعِهَا مَنْ
3289 - مسألة: (وكلُّ فُرْقَةٍ جاءت مِن الْمَرْأَةِ)
قبلَ الدُّخولِ
يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا، وَفَسْخِهَا لِعَيْبِهِ أوْ إِعْسَارِهِ، وَفَسْخِهِ لِعَيْبِهَا، يَسْقُطُ بِهِ مَهْرُها وَمُتْعَتُها.
(كإسْلامِها ورِدَّتها، أَوْ رَضاعِها مَن يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِرَضاعِه) أو ارتضاعِها وهِىَ صَغِيرَةٌ (أو فَسْخِها لعَيْبِه 1 وإعسارِهِ، أو فَسْخِه لعَيْبِها) أو فَسْخِها لعِتْقِها تحتَ عبدٍ، فإنَّه (يَسْقُطُ به مَهْرُها) ولا تجبُ المُتْعَةُ؛ لأنَّها أتْلَفَتِ العِوَضَ قبلَ تَسْلِيمِه، فسَقَط البَدَلُ كلُّه، كالبائِعِ يُتْلِف المَبِيعَ قبلَ تَسْلِيمِه.
وَفُرْقَةُ اللِّعَانِ تُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
3290 - مسألة: (وَفُرْقَةُ اللِّعانِ تُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن)
إحْداهما، هى كطلاقِه؛ لأَنَّ سَبَب اللِّعانِ قَذْفُه 1 الصَّادِرُ منه، فأشْبَهَ الخُلْعَ.
والثَّانيةُ، يسْقُطُ به مَهْرُها، لأَنَّ الفَسْخَ عَقِيبَ لِعانِها، فهو كفَسْخِها لعَيْبِه.
وَفِى فُرْقَةِ بَيْعِ الزَّوْجَةِ مِنَ الزَّوْجِ وَشِرَائِهَا لَهُ وَجْهَانِ.
3291 - مسألة: (وفى فُرْقَةِ بَيْعِ الزَّوْجَةِ مِن الزَّوْجِ وَشِرائِها له وَجهان)
إذا اشْتَرتِ المرأةُ زوْجَها، ففيه وَجهان؛ أحدُهما، يتَنَصَّفُ به مهرُها؛ لأَنَّ البيعَ المُوجِبَ للفَسْخِ تَمَّ 1 بالسَّيِّدِ وبالمرأةِ، فأَشْبَهَ الخُلْعَ.
والثَّانِى، يَسْقُطُ به المَهْرُ؛ لأَنَّ الفَسْخَ وُجِدَ عَقِيبَ قَبُولِها، فأَشْبَهَ فَسْخَها لعَيْبِه.
وكذلك شِراءُ الزَّوْجِ امرأتَه.
وإن جعلَ لها الخِيارَ فاخْتارَتْ نفْسَها، أو وَكَّلَها في الطَّلاقِ فطَلَّقَتْ نفْسَها، فهو كطَلاقِه، لا يسقطُ
وَفُرْقَةُ الْمَوْتِ يَسْتَقِرُّ بِها الْمَهْرُ كُلُّهُ كَالدُّخُولِ.
وَلَوْ قَتَلَتْ نَفْسَها لَاسْتَقَرَّ مَهْرُها كَامِلًا.
مَهْرُها؛ لأَنَّ المرأةَ وإن باشَرَتِ الطَّلاقَ، فهى نائِبَةٌ عنه، ووَكِيلَةٌ عنه، وفِعلُ الوَكِيلِ كفِعْلِ المُوَكِّلِ، فكَأنَّه صَدَر عن مُباشَرَتِه.
وإن عَلَّقَ
طَلاقَها على فعلٍ من قِبَلِها، لم يسْقُطْ مَهْرُها؛ لأَنَّ السَّبَبَ منه وُجِدَ، وإنَّما هى حَقَّقَتْ شَرْطَه، والحُكْمُ يُنْسَبُ إلى صاحبِ السَّبَبِ.
3292 -
مسألة: (وفُرْقَةُ الْموْتِ يَسْتَقِرُّ بها المَهْرُ كلُّه كالدُّخُولِ)
إذا كان المهرُ مُسَمًّى.
وفى المُفَوّضةِ اخْتِلافٌ نذْكُرُه في مَوضِعِه، إن شاءَ اللَّهُ تعالى (ولو قتَلَتْ نفْسَها) أو قَتلَها غيرُها، فهو كالموتِ حَتْفَ أنْفِها؛ لأنَّها فُرقَةٌ حصَلَتْ بانْقِضاءِ الأجَلِ، وانْتِهاء 1 النِّكاحِ، فهو كمَوْتِها حَتْفَ أنْفِها.
واللَّهُ أعلمُ.
فَصْلٌ: وَإِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِى قَدْرِ الصَّدَاقِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ.
وَعَنْهُ، الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِى مَهْرَ الْمِثْلِ مِنْهُمَا.
فصل
: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (وإذا اخْتَلَفَ الزَّوْجان في قَدْرِ الصَّداقِ، فالقولُ قولُ الزَّوْجِ مع يَمِينِه.
وعنه، القولُ قولُ مَن يَدَّعِى مَهْرَ المِثلِ منهما) إذا اخْتَلَفَ الزَّوْجان في قَدْرِ الصَّداقِ، ولا بَيِّنَةَ لهما، فقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، في ذلك؛ فرُوِىَ عنه أنَّ القولَ
..................................
قولُ الزَّوْجِ بكُلِّ حالٍ.
وهذا قول الشَّعبِىِّ، وابنِ أبى ليْلَى، وابنِ شُبْرُمَةَ، وأبى ثَوْرٍ.
وبه قال أبو يوسفَ، إلَّا أن يَدَّعِىَ مُسْتَنْكَرًا، وهو أن يَدَّعِىَ مَهْرًا لا يُتَزَوَّجُ بمِثْلِه في العادةِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ للزِّيادَةِ، ومُدَّعًى عليه، فيَدْخُلُ في عُمُومِ قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «وَلَكِنَّ الْيَمِينَ على المُدَّعَى عَلَيْه» 1. ورُوِىَ عنه أنَّ القولَ قولُ مَن يَدَّعِى مهرَ المِثْلِ منهما 2. وإنِ ادَّعَتِ المرأةُ مهرَ المِثْلِ، أو أقلَّ منه، فالقولُ قولُها، وإنِ ادَّعى الزَّوْجُ مهرَ المِثْلِ أو أكثرَ، فالقولُ قولُه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وهو الذى ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
وعن الحسَنِ، والنَّخَعِىِّ، وحَمَّادِ بنِ أبى سليمانَ، وأبى عُبَيْدٍ، نحوُه.
فَإِنِ ادَّعَى أَقَلَّ مِنْهُ، وَادَّعَتْ أَكْثَرَ مِنْهُ، رُدَّ إِلَيْهِ بِلَا يَمِينٍ، عِنْدَ الْقَاضِى فِى الأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَعِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ، تَجِبُ الْيَمِينُ.
3293 - مسألة: (فإنِ ادَّعَى أقَلَّ منه، وادَّعَتْ أكثرَ منه، رُدَّ إليه بلا يَمِينٍ، عندَ القاضى في الأَحْوالِ كلِّها)
لأَنَّ الظَّاهِرَ قولُ مَن يَدَّعِى مَهْرَ المِثْلِ، فكان القولُ قولَه، قياسًا على المُنْكِرِ في سائرِ الدَّعاوَى، وعلى المُودَعِ إذا ادَّعَى التَّلَفَ أو الرَّدَّ.
وقال أبو الخَطَّابِ: (تجِبُ اليَمِينُ) لأنَّه اخْتِلافٌ فيما يجوزُ بَذْلُه، فتُشْرَعُ فيه اليَمِينُ، كسائرِ الدَّعاوَى في الأَمْوالِ.
وقال القاضى: لا تُشْرَعُ اليَمِينُ في الأَحْوالِ كلِّها؛
..................................
لأنَّها دَعوى في النِّكاحِ.
والأَوْلَى أن يتَحالَفا، فإنَّ ما يقوله كلُّ واحدٍ منهما يَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ، فلا يُعْدَلُ عنه إلَّا بيَمِينِ صاحِبِه 1، كسائرِ الدَّعاوَى، ولأنَّهما تَساوَيا في عدَمِ الظُّهُورِ، فيُشْرَعُ التَّحالُفُ، كما لو اخْتلَفَ المُتَبايِعان.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: يتَحالَفانِ، فإن حَلَف أحَدُهما ونَكَل الآخَرُ، ثَبَت [ما قالَه] 2، وإن حَلَفا، وَجَب
..................................
مَهْرُ المِثْلِ.
وبه قال الثَّوْرِىُّ، قياسًا على المُتَبايِعَينِ إذا اخْتَلَفا في الثَّمَنِ.
وقال مالكٌ: إن كان الاخْتِلاف قبلَ الدُّخولِ، تَحالفا وفُسِخَ النِّكاحُ وإن كان بعدَه، فالقولُ قولُ الزَّوْجِ.
وبَناه على أصلِه في البَيْعِ 1؛ فإنَّه يُفرِّقُ 2 في التَّحالُفِ بينَ 3 قبل القَبْضِ وبعدَه؛ لأنَّها إذا سلَّمَتْ نَفْسَها بغيرِ إشْهادٍ، فقد رَضِيَتْ بأمانَتِه.
ووَجْهُ قولِ مَن لا يَرَى التَّحالُفَ، أنَّه
..................................
عَقْدٌ لا يَنْفَسِخُ بالتَّحالُفِ، فلا يُشْرَعُ فيه، كالعَفْوِ عن دَمِ العَمْدِ، ولأَنَّ القولَ بالتَّحالُفِ يُفْضِى 1 إلى إيجابِ أكثرَ ممَّا يَدَّعِيه، أو أَقَلَّ ممَّا يُقِرُّ لها به، فإنَّها إذا كان مَهْرُ مِثْلِها مائةً، فادَّعَتْ ثمانينَ، وقال 2: بل هو خَمْسونَ.
أوْجَبَ لها عِشْرينَ، يتَّفِقانِ على أنَّها غيرُ واجبةٍ.
ولو ادَّعَتْ مائتين، وقال: بل هو مائةٌ وخَمْسونَ.
ومَهْرُ مِثْلِها مائةٌ، فقد أسْقَطَ خَمْسِينَ يتَّفِقان على وُجُوبِها.
ولأَنَّ مَهْرَ المِثْلِ إن لم يُوافِقْ دَعْوَى أحَدِهما، لم يَجُزْ إيجابُه؛ لاتِّفاقِهِما على أنَّه غيرُ ما أوْجَبَه العَقْدُ، وإن وافَقَ قولَ أحَدِهما، فلا حاجَةَ في إيجابِه إلى يَمِينِ مَن يَنْفِيه؛ لأنَّها لا تُؤَثِّرُ في إيجابِه.
وفارَقَ البَيْعَ؛ فإنَّه ينْفَسِخُ بالتَّحالُفِ، ويَرْجِعُ كلُّ واحدٍ منهما في ما لَه.
وما ادَّعاه مالِكٌ بِن أنَّها اسْتَأُمَنَتْه، لا يَصِحُّ؛ فإنَّها لم تَجْعَلْه أمِينَها، ولو كان أمِينًا لها لوَجَبَ أن تكونَ أمِينَةً له 3، حينَ لم يُشْهِدْ عليها، على أنَّه لا يَلْزَمُ مِن الاخْتِلافِ عدَمُ الإِشْهادِ؛ لأنَّه قد يكونُ بينَهما بَيِّنَةٌ، فتَمُوتُ أو تَغِيبُ أو تَنْسَى الشَّهادةَ.
إذا ثَبَتَ هذا، فكلُّ مَن قُلْنا: القولُ قولُه.
فهو مع يَمِينِه؛ لأنَّه اخْتِلافٌ فيما 4 يجوزُ بَذْلُه 5، فتُشْرَعُ
وَإِنْ قَالَ: تَزَوَّجْتُكِ عَلَى هذَا الْعَبْدِ.
قَالَتْ: بَلْ عَلَى هَذِهِ الْأَمَةِ.
خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
فيه اليَمِينُ، كسائرِ الدَّعاوَى، ولِما ذكَرْنا مِن الحديثِ.
3294 -
مسألة: (وإن قَالَ: تَزَوَّجْتُكِ على هذا العَبْدِ. قالت: بل على هذه الأَمَةِ. خُرِّجَ على الرِّوايَتَيْن)
فإن كانت قِيمَةُ العبدِ مهرَ المِثْلِ أو أكثرَ، وقيمةُ الأمَةِ فوقَ ذلك، حَلَف الزَّوْجُ ووَجَب لها قِيمَةُ العبدِ؛ لأَنَّ قولَه يُوافِقُ الظَّاهِرَ، ولا تَجِبُ عَيْنُ العَبْدِ، لئلَّا يُدْخِلَ في مِلْكِها ما يُنْكِرُه 1، وإن كانت قِيمَةُ الأمَةِ مهرَ المِثْلِ أو أقَلَّ، وقيمةُ العبدِ أقلَّ مِن ذلك، فالقولُ قولُ الزَّوْجةِ مع يَمِينِها.
وهل تَجِبُ الأمَةُ أو قِيمَتُها؟ فيه وجَهْان؛ أحدُهما، تجبُ [عينُ الأمةِ] 2؛ لأنَّنا قَبِلْنا قوْلَها في القَدْرِ، فكذلك في العَيْنِ، فأوْجَبْناه، وليس في ذلك إدْخالُ ما تُنْكِرُه 3 في مِلْكِها.
والثانى، تَجِبُ لها قِيمَتُها؛ لأَنَّ قَوْلَها إنَّما وافقَ
..................................
الظَّاهِرَ في القَدْرِ لا في العَيْنِ، فأوْجَبْنا لها ما وافَقَ الظاهِرَ فيه.
وإن كان كلُّ واحدٍ منهما قَدْرَ مَهْرِ المِثْلِ، أو كان العبدُ أقَلَّ مِن مَهْرِ المِثْلِ، والأمَةُ أكثرَ منه، وَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ بالتَّحالُفِ.
وظاهِرُ قولِ القاضى ومَن وافَقَه، أنَّ اليَمِينَ لا تُشْرَعُ في هذا كلِّه.
واللَّه أعلمُ.
فصل: إذا أنْكَرَ الزَّوْجُ صَداقَ امْرأتِه، وادَّعَتْ ذلك عليه، فالقولُ قولُها فيما يوافِقُ مَهْرَ مِثْلِها، سواءٌ ادَّعَى أنَّه وَفَّاها أو أبْرَأَتْه منه، أو قال: لا تَسْتَحِقُّ علىَّ شيئًا.
وسواءٌ في ذلك ما قبلَ الدُّخولِ وبعدَه.
وبه قال سعيدُ ابنُ جُبَيْرٍ، والشَّعْبِىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وابنُ أبَى ليْلَى، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
وحُكِىَ عن الفُقَهاءِ السَّبْعَةِ أنَّهم قالوا: إن كان بعدَ الزَّفَافِ 1 فالقولُ قولُ الزَّوْجِ، والدُّخولُ بالمرأةِ يَقْطَعُ الصَّداقَ.
وبه قال مالِكٌ.
قال أصْحابُه: إنَّما قال ذلك إذا كانتِ العادةُ تَعْجِيلَ الصَّداقِ، كما كان بالمَدينَةِ، أو كان الخِلافُ فيما تُعُجِّلَ منه في العادةِ؛ لأنَّها لا تُسَلِّمُ نَفْسَها في العادةِ إلَّا بقَبْضِه، فكان الظَّاهِرُ معه.
ولَنا، قولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اليَمِين على الْمُدَّعَى عليهِ» 2. ولأنَّه ادَّعَى تَسْلِيمَ الحَقِّ الذى عليه، فلم يُقْبَلْ بغيرِ بَيِّنَةٍ، كما لو ادَّعَى تَسْلِيمَ الثَّمَنِ، أو كما قبلَ الدُّخولِ.
..................................
فصل: فإن دَفَع إليها ألْفًا، ثم اخْتلَفا، فقال: دَفَعْتُها إليكِ صَداقًا.
وقالتْ: بل هِبَةً.
فإنِ اخْتلَفا [في نِيَّتِه] 1، فقالت: قَصَدْتَ الهِبَةَ.
فقال: بل قَصَدْتُ دَفْعَ الصَّداقِ.
فالقولُ قولُ الزَّوْجِ بغيرِ يَمِينٍ؛ لأنَّه أعْلَمُ بِنِيَّتِه 2، ولا تَطَّلِعُ المرأةُ عليها.
وإنِ اخْتلَفا في لَفظِه، فقالت: قد قُلْتَ: [خُذِى هذا] 3 هِبَةً -أو- هَدِيَّةً.
فأنْكَرَها، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّها تَدَّعِى عليه عَقْدًا على مِلْكِه، وهو يُنْكِرُه، فأشْبَهَ ما لو 4 ادَّعَتْ عليه بَيْعَ مِلْكِه لها، لكنْ إن كان المدْفوعُ مِن غيرِ جِنْسِ الواجِبِ عليه، كأن أصْدَقَها دَراهِمَ، فدَفَع إليها عَرْضًا، ثم اخْتلَفا، وحَلَف أنَّه دَفَع إليها ذلك مِن صَداقِها، فللمَرْأةِ رَدُّ العِوَضِ 5، ومَطالَبَتُه بصَداقِها.
قال أحمدُ، في روايةِ الفَضْلَ بنَ زِيادٍ، في رَجُلٍ تَزوَّجَ امرأةً على صَداقِ ألْفٍ، فَبَعث إليها بقِيمَتِه مَتاعًا وثِيابًا، ولم يُخبِرْهُم أنَّه مِن الصَّداقِ، فلمَّا دَخَل سألَتْه الصَّداقَ، فقال لها: قد بعَثْتُ إليك بهذا المَتاعِ، واحْتَسَبْتُه مِن الصَّداقِ.
فقالتِ المرأةُ: صَداقِى دَراهِمُ.
تَرُدُّ
..................................
الثِّيابَ والمَتاعَ، وتَرْجِعُ عليه 1 بصداقِها.
فهذه الرِّوايةُ إذا لم يُخْبِرْهُم أنَّه صَداقٌ، فأمَّا إذا ادَّعَى أنَّها احْتَسَبَتْ به مِن الصَّداقِ، وادَّعَتِ المرأةُ أنَّه قال: هى هِبَةٌ.
فيَنْبَغِى أن يَحْلِفَ.
كلُّ واحدٍ منهما، ويتَراجَعانِ بما لكُلِّ واحدٍ منهما.
وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّه إن كان ممَّا جَرَتِ العادةُ بهَديَّتِه، كالثَّوْب والخاتَمِ، فالقولُ قولُها؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ معها، وإلَّا فالقولُ قولُه.
ولَنا، أنَّهما اخْتلَفا في صِفَةِ انْتِقالِ مِلْكِه، فكان القولُ قولَ المالِكِ، كما لو قال: أوْدَعْتُكِ هذه العَيْنَ.
قالت 2: بل وَهَبْتَنِيها.
فصل: فإن مات الزَّوْجانِ، فاخْتَلَفَ وَرَثَتُهُما، قامَ ورَثَةُ كلِّ واحدٍ منهما مَقامَه، إلَّا أنَّ مَن يَحْلِفُ منهم على الإِثْباتِ يَحْلِفُ على البَتِّ، ومَن يَحْلِفُ على النَّفْى يَحْلِفُ على نَفْىِ العِلْمِ؛ لأنَّه يَحْلِفُ على نَفْىِ فِعْلِ الغيرِ.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن مات أحدُ الزَّوْجَيْن فكذلك، وإن مات الزَّوْجانِ، فادَّعَى ورَثَةُ المرأةِ التَّسْمِيَةَ 3، وأنْكَرَها
..................................
ورَثَةُ الزَّوْجِ جُمْلَةً، لم يُحْكَمْ عليهم بشئٍ.
قال أصْحابُه: إنَّما قال ذلك إذا تقادَمَ العَهْدُ؛ لأنَّه تعَذَّرَ الرُّجوعُ إلى مَهْرِ المِثْلِ، لأنَّه 1 تُعْتَبَرُ فيه الصِّفاتُ والأوْقاتُ.
وقال محمدُ بن الحَسنِ: يُقْضَى بمَهْرِ المِثْلِ.
وقال زُفَرُ: بعَشَرَةِ دَراهِمَ؛ لأنَّه أقَلُّ الصَّداقِ.
ولَنا، أنَّ ما اخْتلفَ فيه المُتَعاقِدانِ، قامَ وَرَثَتُهما مَقامَهما، كالمُتَبايِعَين.
وما ذكَرُوه ليس بصَحِيحٍ؛ لأَنَّ الحَقَّ لا يَسْقُطُ لتَقادُمِ العَهْدِ، ولا يتَعَذَّرُ الرُّجوعُ في ذلك، كقِيَمِ سائرِ المُتْلَفاتِ.
فصل: فإنِ اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وأبو الصَّغيرةِ والمَجْنُونةِ، قامَ الأبُ مَقامَ الزَّوْجَةِ في اليَمِينِ، لأنَّه يَحْلِفُ على فِعْلِ نَفْسِه، ولأَنَّ قولَه مقبولٌ فيما اعْتَرفَ به مِن الصَّداقِ، فسُمِعَتْ يَمِينُه، كالزَّوْجَةِ.
فإن لم يَحْلِفْ حتى بَلَغَتْ وعَقَلَتْ، فاليَمِينُ عليها دُونَه؛ لأَنَّ الحقَّ لها، وإنَّما يَحْلِفُ هو لتَعَذُّرِ اليمِينِ مِن جهَتِها، فإذا أمْكَنَ في 2 حَقها، صارتِ اليَمِينُ عليها، كالوَصِىِّ إذا بَلَغ الأطْفالُ قبلَ يَمِينِه فيما يَحْلِف فيه.
فأمَّا أبو 3 البِكْرِ البالِغَةِ العاقِلَةِ؛ فلا تُسْمَعُ مُخالَفَةُ الأبِ، لأَنَّ قولَها مَقْبولٌ في الصَّداقِ،
..................................
والحَقُّ لها دُونَه.
وأمَّا سائِرُ الأوْلِياءِ، فليس لهم تَزْوِيجُ صغيرةٍ، إلَّا على رِوايةٍ في بِنْتِ تِسْعٍ، وليس لهم أن يُزَوِّجوا بدُونِ مَهْرِ المِثْلِ، ولو زَوَّجوها بدُونِ مَهْرِ المِثْلِ، ثَبَت مَهْرُ المِثْلِ مِن غيرِ يَمِينٍ.
فإنِ ادَّعَى أنَّه زَوَّجَها بأكثرَ مِن مَهْرِ مِثْلِها، فاليَمِينُ على الزَّوْجِ؛ لأَنَّ القولَ قولُه في قَدْرِ مَهْرِ المِثْلِ.
فصل: إذا أنْكَرَ الزَّوْجُ تَسْمِيَةَ الصَّداقِ، وادَّعَى أنَّه تَزَوَّجَها بغيرِ صَداقٍ، فإن كان بعدَ الدُّخول، نَظَرْنا، فإنِ ادَّعَتِ المرأةُ مَهْرَ المِثْلِ أو دُونَه، وَجَب مِن غيرِ يَمِينٍ؛ لأَنَّها لو صَدَّقَتْه في ذلك لَوَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ، فلا فائدةَ في الاخْتِلافِ، وإنِ ادَّعَتْ أقَلَّ مِن مَهْرِ المِثْلِ، فهى مُقِرَّةٌ بنَقْصِها عمَّا يَجبُ لها بدَعْوَى الزَّوْجِ، فيَجِبُ أن يُقْبَلَ قوْلُها بغيرِ يَمِينٍ، وإنِ ادَّعَتْ أكثرَ من مَهْرِ المِثْلِ، لَزِمَتْه اليَمِينُ على نَفْى ذلك، ويَجِبُ لها مَهْرُ المِثْلِ.
وإن كان اخْتِلافُهما قبلَ الدُّخولِ، انْبَنَى على الرِّوايتَيْن فيما إذا اخْتلَفا في قَدْرِ الصَّداقِ، فإن قُلْنا: القولُ قولُ الزَّوْجِ.
فلها المُتْعَةُ.
وإن قُلْنا: القولُ قولُ مَن يَدَّعِى مَهْرَ المِثْلِ.
قُبِلَ قولُها ما ادَّعَتْ مَهْرَ المِثْلِ.
هذا إذا طَلَّقَها، وإن لم يُطَلِّقْها، فُرِضَ لها مَهْرُ المِثْلِ على الرِّوايتَين.
وكُلُّ مَن قُلْنا: القولُ قولُه.
فعليه اليَمِينُ.
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِى قَبْضِ الْمَهْرِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا.
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيمَا يَسْتَقِرُّ بِهِ الْمَهْرُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى صَدَاقَيْنِ سِرٍّ وَعَلَانِيَةٍ، أُخِذَ بِالْعَلَانِيَةِ وَإِنْ كَانَ قَدِ انْعَقَدَ بِالسِّرِّ.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِىُّ.
وَقَالَ الْقَاضِى: إِنْ تَصَادَقَا عَلَى السِّرِّ لَمْ يَكُنْ لَها غَيْرُهُ.
3295 - مسألة: (وَإِنِ اخْتَلَفا في قَبْضِ الصَّداقِ، فالقولُ قولُها)
مع يَمِينِها إذا لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ؛ لأَنَّ الأصلَ عدَمُه (وإنِ اخْتَلفا فيما يَسْتَقِرُّ به، فالقَوْلُ قولُه) لأنَّه مُنْكِرٌ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ، ولأَنَّ الأَصْلَ عدَمُه.
3296 -
مسألة: (وَإن تَزَوَّجَها على صَداقينِ سِرٍّ وَعَلانِيَةٍ، أُخِذ بالعلانِيَةِ وَإن كان قد انْعَقَدَ بالسِّرِّ)
في ظاهرِ كلامِ الْخِرَقِىِّ (وقال القاضى: إن تَصادقا على السِّرِّ لَمْ يَكُنْ لها غَيْرُهُ) ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه
..................................
يُؤْخَذُ بالعلانِيَةِ، على ما روَاه الأَثْرَمُ.
وهو قولُ الشَّعْبِىِّ، وابنِ أبى ليْلَى، والثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ.
وقال القاضى: الواجِبُ المَهْرُ الذى انْعقَدَ به النِّكاحُ، سِرًّا كان أو عَلانِيَةً.
وحَمَل كلامَ أحمدَ والخِرَقِىِّ على أنَّ المرأةَ لم تُقِرَّ بنِكاحِ السِّرِّ، فثَبَتَ مَهْرُ العَلانِيَةِ؛ لأنَّه الذى انْعَقَدَ به النِّكاحُ.
وهذا قولُ سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، وأبى حنيفةَ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ.
ونحوُه عن شُرَيْحٍ، والحسنِ، والزُّهْرِىِّ، والحَكَمِ بن عُتَيْبَةَ 1، ومالكٍ، وإسْحاق؛ لأَنَّ العَلانِيَةَ ليس بعَقْدٍ، ولا يتَعَلَّقُ به وُجوبُ شئٍ.
ووَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّه [إذا عَقَد في الظَّاهرِ عَقْدًا بعدَ عقْدِ السرِّ، فقدْ وُجِدَ منه بذْلُ الزائدِ على مهرِ المِثْلِ، فيَجِبُ ذلك عليه، كما لو زادَها على صداقِها.
ومُقْتَضَى ما ذكرناه مِن التَّعْليلِ لكلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه] 2 إن كان مَهْرُ السرِّ أكثرَ مِن العَلانِيَةِ؛ وَجَب مَهْرُ السِّرِّ؛ لأنَّه وَجَب عليه بعَقْدِه، ولم تُسْقِطْه العَلانِيَةُ، فبَقِىَ 3 وُجُوبُه.
فأمَّا إنِ اتَّفَقا على أنَّ المهْرَ
..................................
ألفٌ، وأنَّهما يعْقِدان العَقْدَ بألْفَيْنِ تَجَمُّلًا، ففَعَلا ذلك، فالمَهْرُ ألْفانِ؛ لأنَّها تَسْمِيَةٌ صَحِيحةٌ في عَقْدٍ صحيح، فَوجَب، كما لو لم يتَقَدَّمْها اتِّفاقٌ على خِلافِها.
وهذا أيضًا قولُ القاضى، ومذهبُ الشافعىِّ.
ولا فَرْقَ فيما ذكَرْناه بينَ أن يكونَ السِّرُّ مِن جِنْسِ العَلانِيَةِ، نحوَ أن يكونَ السِّرُّ ألْفًا والعَلانِيَةُ ألْفَيْنِ، أو يكُونَا مِن جِنْسَيْنِ، مثلَ أن يكونَ السِّرُّ مائةَ دِرْهمٍ والعَلانِيَةُ مائةَ دِينارٍ.
وإذا قُلْنا: إنَّ الواجِبَ مَهْرُ العَلانِيَةِ.
فيُسْتَحَبُّ للمرأةِ أن تَفِىَ للزَّوْجِ بما وَعَدَتْ به وشَرَطَتْه، مِن أنَّها لا تَأْخُذُ إلّا مَهْرَ السِّرِّ.
قال أحمدُ في رِوايةِ ابنِ منْصورٍ: إذا زَوَّجَ امرأةً في السِّرِّ بمَهْرٍ، وأعْلَنُوا بمَهْرٍ، يَنْبَغِى لهم أن يَفُوا، ويُؤْخَذُ بالعَلانِيَةِ.
فاسْتَحَبَّ الوَفاءَ بالشَّرْطِ؛ لئلَّا يحْصُلَ منهم غُرُورٌ، ولأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «المُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» 1. وعلى قولِ القاضى، إذا ادَّعَى الزَّوْجُ عَقْدًا في السِّرِّ انْعقَدَ به النِّكاحُ، فيه مَهْرٌ قليلٌ، فصَدَّقَتْه المرأةُ، فليس لها سِواه، وإن أكْذَبَتْه، فالقولُ قولُها؛ لأنَّها مُنْكِرَةٌ.