الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 159-198

كِتَابُ الصَّدَاقِ

صفحات 159-198

وَعَنْهُ، يَجِبُ خُمْسَا الْمُسَمَّى.
اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ.
كالنكاحِ بلا وَلِيٍّ، وفي 1 سائرِ الأنْكِحَةِ الفاسدِة (وعنه، يَجِبُ خُمْسا المُسَمَّى.
اخْتارَها الخِرَقِيُّ) وعنه رِوايةٌ ثالثةٌ، أنَّها إن عَلِمَتْ أنَّه عَبْدٌ، فلها خُمْسا المَهْرِ، وإن لم تَعْلَمْ، فلها المَهْرُ في رَقَبَةِ العَبْدِ.
وَوَجْهُ قولِ الخِرَقِيِّ، ما روَى الإِمامُ أحمدُ بإسنادِه، عن خِلَاسِ، أنَّ غلامًا لأبي موسى تَزَوَّجَ بمولَاةِ تيجانَ التَّيمِيِّ 2، بغيرِ إذنِ مَوْلاهُ، فكتَبَ أبو موسى في

..................................  ذلك إلى عثمانَ بنِ عفانَ، فكتَبَ إليه أنَّ فَرِّقْ بينهما، وخُذْ لها الخُمْسَينِ من صَداقِها.
وكان صَداقُها خَمْسَةَ أبْعِرَةٍ 1. ولأنَّ المَهْرَ أحدُ موجَبَي الوَطْءِ، فجاز أنَّ يَنْقُصَ العَبْدُ فيه 2 عن الحُرِّ، كالحدِّ.
والواجِبُ خُمْسا المُسَمَّى؛ لأنَّه صارَ فيه إلى قصةِ عثمانَ، وظاهِرُها 3 أنَّه أوْجَبَ خُمْسَيِ المُسَمَّى، ولهذا قال: كان صَداقُها خمسةَ أبْعِرَةٍ.
ولأنَّه لو اعْتَبَرَ مَهْرَ المِثْلِ، أوْجَبَ جَمِيعَه، كسائرِ قِيَمِ المُتْلَفاتِ، ولأوْجَبَ 4 القيمَةَ وهي الأثْمانُ دونَ الأبْعِرَةِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يَجِبَ خُمْسا مَهْرِ المثل؛ لأنَّه عِوَضٌ عن جِنايَةٍ، فكان المَرْجِعُ فيه إلى قيمةِ المحَلِّ، كسائرِ أُرُوشِ الجِناياتِ، وقيمَةُ المحَلِّ مَهْرُ المِثْلِ.

..................................  فصل: فإن كان الواجِبُ زائدًا على قيمةِ العبدِ، لم تَلْزَمِ السَّيِّدَ الزيادةُ، لأنَّ الواجِبَ عليه ما يُقابِلُ قيمةَ العبدِ، بدَلِيلِ أنَّه لو سلَّم العَبْدَ لم يَلْزَمْه شيءٌ، فإذا أعْطَى القيمةَ، فقدْ أعْطى ما يُقابِلُ الرقبةَ، فلم تَلْزَمْه زيادَةٌ عليه، وإن كان الواجبُ أقلَّ من قيمةِ العَبْدِ، لم يَلْزَمْه أكثرُ مِن ذلك، لأنَّه أرْشُ الجِنايةِ، فلا يَجِبُ عليه أكثرُ منها.
والخِيَرَةُ في تَسْلِيم العبدِ وفدائِه إلى السَّيِّدِ، وقد ذكرنا 1 ذلك في غيرِ هذا الموضعِ.
فصل: وإن أذِنَ السَّيِّدُ لعبدِهِ في التَّزْويجِ بمعينَةٍ، أو من بلدٍ مُعَيَّنٍ، أو مِن جِنْسٍ مُعَيَّنٍ، فنَكَحَ غيرَ ذلك، فنِكاحُه فاسدٌ، والحُكْمُ فيه كما ذكَرْنا.
وإن أذِنَ له في تَزْويجٍ صحيحٍ، فنَكَحَ نِكاحًا فاسدًا، فكذلك، لأنَّه غيرُ مأْذُونٍ له فيه.
وإن أذِنَ له في النِّكاحِ وأطْلَقَ، فَنَكَحَ نِكاحًا فاسدًا، احْتَمَلَ أنَّ يكونَ كذلك، لأنَّ الإِذْنَ في النكاحِ لا يتَناولُ الفاسدَ، واحْتَمَلَ أنَّ يتناوَلَه إذنه، لأنَّ اللفْظَ بإطْلاقِه يتَناوَلُه.
وإن أذِنَ له في نِكاحٍ فاسدٍ وحَصَلَتِ الإِصابَةُ، فالمَهْرُ على سَيِّدِه؛ لأنَّه بإذْنِه.
واللهُ أعلمُ.

وَإنْ زَوَّجَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ أَمَتَهُ، لَمْ يَجِبْ مَهْرٌ.
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَقِيلَ: يَجِبُ وَيَسْقُطُ.

3276 - مسألة: (وإن زَوَّجَ السَّيِّدُ عبدَه أمتَه، لم يَجِبْ مَهْرٌ. ذكَره أبو بكرٍ)

والقاضي؛ لأنَّه 1 لا يجِبُ للسَّيِّدِ على عَبْدِه مالٌ (وقِيل: يجبُ) الصَّداقُ على السَّيِّدِ، ثم (يَسْقُطُ) قاله أبو الخطابِ، قال: يَجِبُ المُسَمَّى، أو مهرُ المِثْلِ إن لم يَكُنْ مُسَمًّى، كي لا يَخْلُوَ النكاحُ عن مهر، [ثم يَسْقُطُ] 2 لتَعَذُّرِ إثباتِه.
وقال أبو عبدِ اللهِ: إذا زَوَّجَ عبدَه مِن أمَتِه، فأُحِبُّ أنَّ يكونَ بمَهْرِ وشُهودٍ.
قيل: فإن طَلَّقَها؟ قال: يكونُ الصداقُ عليه إذا أُعْتِقَ.
قيل: فإن زَوَّجَها منه بغيرِ مهر؟ قال: قد اختلَفُوا فيه، فذَهَبَ جابرٌ إلى أنَّه جائزٌ.
لأنَّ النِّكاحَ لا يَخْلُو من مَهْرٍ،

وَإنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ حُرَّةً، ثُمَّ بَاعَهَا الْعَبْدَ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ، تَحَوَّلَ صَدَاقُهَا، أَوْ نِصْفُهُ إِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ إِلَى ثَمَنِهِ،  ولا يَثْبُتُ للسَّيِّدِ على عَبْدِه مالٌ، فسَقَطَ.

3277 -

مسألة: (وإن زَوَّجَ عبدَه حُرَّةً، ثم باعَها)

إيَّاه (بثَمَنٍ في الذِّمَّةِ، تَحَوَّلَ صداقُها، أو نِصْفه إن كان قبلَ الدُّخولِ إلى ثَمَنِه) إذا اشترتِ الحُرَّةُ زَوْجَها أو مَلَكَتْه، انْفَسَخَ النِّكاحُ؛ لأنَّ مِلْكَ النكاحِ 1 واليمينِ يتَنافَيانِ؛ لاسْتِحالةِ كوْنِ الشَّخْصِ مالِكًا لمَالِكِه، ولأنَّ المرأةَ تقولُ: أنْفِقْ عليَّ؛ لأنِّي امرأتُكَ، وأنَا أسافِرُ بِكَ؛ لأنَّك عبْدِي.
ويقولُ هو: أنْفِقِ عليَّ؛ لأنِّي عَبْدُكِ، وأنا أسافِرُ بِكِ؛ لأنَّكِ امرَأتِي.
فيَتَنافَى ذلك، فثَبَت أقْواهُما 2، وهو مِلْكُ اليَمينِ، ويَنْفَسِخُ النكاحُ؛ لأنَّه أضْعَفُهما.
ولها على سَيِّدِه المَهْرُ إن كان بعدَ الدُّخولِ، وعليها الثَّمنُ، فإن كانا دَينَينِ من جِنْسٍ، تَقاصَّا، وتَساقَطا إن كانا مُتَساويَينِ،

..................................  وإن تَفاضَلا سَقَط الأقَلُّ 1 منهما بمثلِه، وبَقِيَ الفاضِلُ، وإنِ اخْتَلَف جِنْسُهما، لم يَتَساقَطا، وعلى كُلِّ واحدٍ منهما تَسْلِيمُ ما عليه إلى صاحِبِه.
وقال الشافعيُّ في أحدِ قَوْلَيه: يَسْقُطُ مَهْرُها، لأنَّه دَينٌ في ذمَّةِ العبدِ، فإذا مَلَكَتْه لم يَجُزْ أن يَثْبُتَ لها دَينٌ في ذِمَّةِ عبدِها، كما لو أتْلَفَ لها مالًا.
وهذا بِناء منهم على أنَّ المَهْرَ يتعَلَّقُ بذِمَّةِ العبدِ، وقد بَيّنَا أنَّه يتعَلَّقُ بذِمَّةِ سَيِّدِه، فلا يُؤثِّرُ مِلْكُ العبْدِ في إسْقاطِه.
وذكر القاضي فيه 2 وَجْهًا أنَّه يَسْقُطُ، لأنَّ ثبوتَ الدَّينِ في ذِمَّةِ السَّيِّدِ تَبَعٌ لثُبُوتِه في ذِمَّةِ العَبْدِ، فإذَا سَقَط من ذِمَّةِ العَبْدِ، سَقَط من ذِمَّةِ السَّيِّدِ تَبَعًا، كالدَّين

..................................  الذي على الضَّامنِ إذا سَقَط من ذِمَّةِ المضمُونِ عنه.
ولا يُعْرَفُ هذا في المذهبِ، [ولا أنَّه] 1 ثَبَتَ في الذِّمَّتَين جميعًا، إحداهما تَبَعٌ للأخرَى، بل المذْهَبُ أنَّه لا يَسْقُطُ بعد الدُّخولِ بحالٍ.
فأمَّا إن كانْ الشِّراءُ قبلَ الدُّخولِ، سَقَط نِصْفُه، كما لو طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ بها، في سُقُوطِ باقِيهِ وَجْهان؛ أحدُهما، لا يسقُطُ؛ لأنَّ زَوال المِلْكِ إنَّما هو بفعلِ البائِعِ، فالفَسْخُ إذًا من جِهَتِه، فلم يَسْقُطْ جميعُ المَهْرِ كالخُلْعِ 2. والثاني، يَسْقُطُ، لأنَّ الفَسْخَ إنَّما تَمَ بشراءِ المرأةِ، فأشْبَهَ الفَسْخَ بالعَيبِ في أحَدِهما، وفَسْخَها لإِعْسارِه، وشراءَ الرَّجُلِ امرأتَه.
فإن قُلْنا: لا يَسْقُطُ جمِيعُه.
فالحُكْمُ في النِّصْفِ الباقِي لها (2)، كالحُكْمِ في جَمِيعِه إذا فُسِخَ النكاحُ

وَإنْ بَاعَهَا إِيَّاهُ بِالصَّدَاقِ، صَحَّ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَصِحَّ قَبْلَ الدُّخُولِ.
بعد الدُّخولِ، على ما ذكَرْنا.

3278 -

مسألة: (فإن باعَها إيَّاه بالصَّداقِ، صَحَّ)

نصَّ عليه.
وذكَرَه أبو بكرٍ، والقاضي.
ويَرْجِعُ عليها بنصفِه إن قُلْنا: يسقطُ نصفُه.
أو بجميعِه إن قُلْنا: يسقطُ جميعُه (ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يَصِحَّ قبلَ الدُّخولِ) لكونِ انْفِساخِ النكاحِ جاءَ من قِبَلِها، فيَبْقَى الشراءُ بغيرِ عِوَض، فلا يَصِحُّ.
وهو قولُ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ ثُبُوتَ البَيعِ يقْتَضِي [نَفْيَه، فإنَّ صحةَ البيعِ تَقْتَضِي] 1 فَسْخَ النكاحِ، وسقوطَ المَهْرِ يقْتَضِي بُطْلانَ البَيعِ؛ لأنَّه عِوَضٌ، ولا يَصِحُّ بغيرِ عِوَض.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه يجوزُ أنَّ يكونَ ثمنًا لغيرِ هذا العَبْدِ، فجازَ أنَّ يكونَ ثمنًا له، كغيرِه مِنَ الدُّيونِ.
وما سَقَط منه رَجَع عليها بِه.

فَصْلٌ: وَتَمْلِكُ الْمَرأةُ الصَّدَاقَ الْمُسَمَّى بِالْعَقْدِ،  فصل: قال، رَضِيَ الله عنه: (وَتَمْلِكُ المرأَةُ الصَّداقَ المُسَمَّى بالعَقْدِ) هذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
وحُكِيَ عن مالكٍ، أنَّها لا تَمْلِكُ

فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا، كَالْعَبْدِ وَالدَّارِ، فَلَهَا التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَنَمَاؤُهُ لَهَا، وَزَكَاتُهُ وَنَقْصُهُ وَضَمَانُهُ عَلَيهَا،  إلَّا نِصْفَه.
وعن أحمدَ ما يدلُّ على ذلك.
وقال ابنُ عبدِ البر (1): هذا موضِعٌ اخْتَلفَ فيه السَّلفُ والآثارُ، وأما الفقهاءُ اليومَ فعلى أنَّها تَمْلِكُه.
وقولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنْ أعْطَيتَهَا إزَارَكَ، جَلَسْتَ ولا إزارَ لك» (2). دليل على أنَّ الصَّداقَ كلَّهُ للمرأةِ، لا يَبْقَى للرَّجُلِ منه شيءٌ.
لأنَّه عَقْدٌ يُمْلَكُ به العِوَضُ بالعَقْدِ، فمُلِكَ فيه العِوَضُ كاملًا، كالبَيعِ، وسُقُوطُ نِصْفِه بالطَّلاقِ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ جميعِه بالعقْدِ، ألَا تَرى أنَّها لو ارتَدَّت (3) سَقَط جميعُه وإن كانت قد مَلَكَتْ نِصْفَه.

3279 -

مسألة: (فإن كان مُعَيَّنًا، كالعبدِ والدَّارِ، فلها التَّصَرُّفُ فيه، ونماؤُه لها، وزكاتُه ونقْصُه وضمانُه عليها)

سواءٌ قَبَضَتْه أو لم تَقْبِضْه، متَّصِلًا كان النَّماءُ أو مُنفَصِلًا، وعليها زكاتُه إذا حال عليه الحَوْلُ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وإن تَلِفَ، فهو من ضَمانِها، ولو زكَّتْه ثم طُلَقَت قبلَ123

إلا أن يَمْنَعَهَا قَبْضَهُ، فَيَكُونُ ضَمَانُهُ عَلَيهِ.
وَعَنْهُ، فِي مَنْ تُزَوَّجُ عَلَى عَبْدٍ فَفُقِئَتْ عَينُهُ، إِنْ كَانَتْ قَدْ قَبَضَتهُ، فَهوَ لَهَا، وَإلَّا فَهُوَ عَلَى الزَّوْجِ.
فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهَا إلا بِقَبْضِهِ.
الدُّخولِ، كان ضَمانُ الزكاةِ كُلِّها عليها؛ لأنَّها قد مَلَكَتْه، أشْبَهَ ما لو مَلَكَتْه بِالبيعِ (إلَّا أنَّ يمنَعَها قَبْضه، فيكونُ ضمانُه عليه) لأنَّه بمنزلةِ الغاصِبِ، فإن زادَ، فالزيادةُ لها، وإن نَقَص، فالنَّقصُ عليه، ويكونُ بالخِيارِ 1 بينَ أخْذِ نِصْفِه ناقصًا، وبينَ أخذِ نِصْفِ قِيمَتِه أكثرَ ما كانت مِن يَومِ العقْدِ إلى حينِ القَبْضِ؛ لأنَّه إذا زادَ بعدَ العقْدِ فالزيادَةُ لها، وإن نَقَص فالنَّقْصُ عليه، إلَّا أنَّ تكونَ الزيادةُ لتَغيُّرِ السِّعْرِ، فقد ذكَرْناه في الغَصْبِ (وعن أحمدَ، في مَن تُزَوَّجُ على عبدٍ فَفُقِئتْ عَينُه، إن كانت قد قَبَضَتْه، فهو لها، وإن [لم) تَكُنْ قَبَضَتْه] 2 (فهو على الزَّوْجِ) هكذا نقَلَه مُهَنَّا.
فظاهرُ هذا أنَّه جَعَلَه قبلَ قَبْضِه مِن ضَمانِ الزَّوْجِ بكُلِّ حالٍ، سواءٌ كان مُعَيَّنًا أو لم يَكُنْ، كغيرِ المعيَّنِ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ.

وَإنْ كَانَ غَيرَ مُعَيَّنٍ، كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ، لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهَا، وَلَمْ تَمْلِكِ التَّصَرُّفَ فِيهِ، إلا بِقَبْضِهِ كَالْمَبِيعِ.

3280 - مسألة: (فإن كان غيرَ مُعَيَّنٍ، كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ، لم يدْخُلْ في ضَمانِها، ولم تَمْلِكِ التَّصَرُّفَ فيه، إلَّا بقَبْضِه كالبَيعِ)

وجملةُ ذلك، أنَّ حُكْمَ الصَّداقِ حُكْمُ البَيعِ، في أنَّ ما كان مَكِيلًا أو مَوْزونًا، لا يجوزُ لها التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه، وما عَداه لا يحتاجُ إلى قَبْض، ولها التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه.
وقال القاضي، وأصحابُه: ما كان مُعَيَّنًا 1. فلها التَّصَرُّفُ فيه، وما لم يكُنْ مُعَينًا، كقَفِيزٍ من صُبْرَةٍ، ورَطْل مِن زَيتٍ [مِن دَنٍّ] 2، لا تَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيه حتى تَقبِضَه، كالمَبيعِ 3. وقد ذكَرْنا في المَبِيعِ روايةً أُخْرَى، أنَّها لا تَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في شيءٍ منه قبلَ قَبْضِه.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وهذا أصلٌ ذُكِرَ في البَيعِ.
وذكَر القاضي

..................................  في موضعٍ آخرَ، أنَّ ما لم يَنْتَقِضِ العَقْدُ بهَلاكِه، كالمَهْرِ وعِوَضِ الخُلْعِ، يجوزُ التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه؛ [لأنَّه بَدَلٌ لا يَنْفَسِخُ السَّببُ الذي مُلِكَ به بهلاكِه، فجاز التَّصرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه] 1، كالوَصِيَّةِ والمِيراثِ.
وقد نَصَّ أحمدُ على هِبَةِ المرأةِ زَوْجَها صَداقَها قبلَ قَبْضِها، وهو نوعُ تَصَرُّفٍ.
وقياسُ المذهَبِ أنَّ ما جاز لها التَّصَرُّفُ فيه، فهو مِن ضَمانِها إن تَلِفَ أو نَقَص، ومَا لا تَصَرُّفَ لها فيه، فهو مِن ضَمانِ الزَّوْجِ، إلَّا أن يَمْنَعَها 2 قَبْضَه، فيَكُونُ مِن ضَمان الزَّوْجِ بكُلِّ حالٍ، كالغاصبِ.
وقد ذَكَرْنا ما رَواه مُهَنَّا، عن أحمدَ، في العبدِ إذا فُقِئَتْ عَينُه، أنَّ ضَمانَه على الزوْجِ ما لم [تكُنْ قَبَضَتْه] 3. وهذا كمذهبِ الشافعيِّ.
فصل: وكلُّ موضعٍ قُلْنا: هو مِن ضَمانِ الزَّوْجِ قبلَ القَبْضِ.
إذا تَلِفَ قبلَ قَبْضِه، لم يَبْطُلِ الصَّداقُ بتَلَفِه، ويَضْمَنُه بمثْلِه إن كان مِثْلِيًّا، وبقِيمَتِه إن لم يكُنْ مِثْلِيًّا.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ في القدِيم.
وقال في الجديدِ: يَرْجِعُ إلى مَهْرِ المِثْلِ، لأنَّ تَلَفَ العِوَضِ يُوجِبُ الرُّجوعَ في 4 المُعَوَّضِ، فإذا تَعَذَّرَ رَدُّه رَجعَ إلى قِيمَتِه، كالمَبيعِ، ومَهْرُ المِثْلِ هو القِيمةُ، فوَجَبَ الرُّجوعُ إليه.
ولَنا، أنَّ كُلَّ عين وَجَب تَسْلِيمُها

وَإنْ قَبَضَتْ صَدَاقَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، رَجَعَ بِنِصْفِهِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، وَيَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ حُكْمًا كَالْمِيرَاثِ.
مع وُجودِها، إذا تَلِفَتْ مع بَقاءِ سَبَبِ اسْتِحْقاقِها، فالواجبُ بَدَلُها، كالمَغْصوبِ والقَرْضِ والعارِيَّةِ، وفارَقَ المَبِيعَ إذا تَلِفَ، فإنَّ البَيع (1) انفسخَ وزال سَبَبُ الاستحقاقِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ التالِفَ في يدِ الزَّوْجِ لا يَخْلُو من أربعةِ أحوالٍ، أحدها (2)، أنَّ يَتْلَفَ بفِعْلِها، فيكونُ ذلك قَبْضًا منها، ويَسْقُطُ عن الزَّوْجِ ضَمانُه.
الثاني، تَلِفَ بفعلِ الزَّوْجِ، فهو من ضمانِه على كلِّ حالٍ، ويَضْمَنُه لَها بما ذكَرْناه.
الثالثُ، أتْلَفَه أجنبيٌّ، فلها الخِيارُ بين الرُّجوعِ على الأجْنَبِيِّ بضَمانِه، وبينَ الرُّجوعَ على الزَّوْجِ، ويَرْجِعُ الزوجُ على الأجْنَبِيِّ.
الرابعُ، تَلِفَ بفِعْلِ اللهِ تعالى، فهو على ما ذكَرْنا مِن التَّفْصِيلِ في صَدْرِ المسألةِ.

3281 -

مسألة: (فإن قَبَضَتْ صَداقَها ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، رَجَع)

عليها (بنِصْفِه إن كان باقِيًا) لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ 3. وليس في هذا اخْتِلافٌ بحمدِ الله تعالى (ويَدْخُلُ في مِلْكِه حُكْمًا كالمِيراثِ)12

وَيَحْتَمِلُ أن لَا يَدْخُلَ حَتَّى يُطَالِبَ بِهِ وَيَخْتَارَ، فَمَا يَنْمِي قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ لَهَا.
هذا قياسُ المذهبِ.
ولا يَفْتَقِرُ إلى اختيارِه وإرادَتِه، فما يَحْدُثُ مِن النَّماءِ يكونُ بينَهما.
وهو قولُ زُفَرَ.
وذكَر القاضي احتِمالًا، أنَّه لا يَدْخُلُ في مِلْكِه حتى يختارَه، كالشَّفِيعِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وللشافعيِّ قولان، كالوَجْهَينِ.
فعلى هذا (ما يَنْمِي قبلَ ذلك فهو لها) وعلى القَولِ الآخَرِ يكونُ بينَهما نِصْفينِ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾.
أي لكمْ أو لهنَّ.
فاقْتَضَى ذلك أنَّ النِّصْفَ لها والنِّصْفَ له بمُجَرَّدِ الطَّلاقِ، ولأنَّ الطَّلاقَ سبَبٌ يملكُ به بغيرِ عِوَض، فلم يَقِفِ المِلْكُ على إرادَتِه واخْتِيارِه، كالإِرْثِ، ولأنَّه سبَب لنَقْلِ المِلْكِ فيه، فنَقَلَ المِلْكَ 1 بمجرَّدِه، كالبَيعِ وسائرِ الأسْبابِ.
ولا تَلْزَمُ الشُّفْعَةُ، فإنَّ سبَبَ المِلْكِ فيها الأخْذُ بها 2، ومتى أَخَذ بها، ثَبَت المِلْكُ مِن غَيرِ إرادةٍ واخْتيارٍ،

..................................  وقبلَ الأخْذِ ما وُجِدَ السَّبَبُ، وإنَّما اسْتَحَقَّ مُباشَرَةَ 1 سبَبِ المِلْكِ، ومُباشَرةُ الأسبابِ موْقُوفَةٌ على اخْتيارِه، كما أنَّ الطَّلاقَ مُفَوَّضٌ إلى اخْتِيارِه، فالأخْذُ بالشُّفْعَةِ نَظِيرُ الطَّلاقِ، وثُبُوتُ المِلْكِ للآخِذِ بالشُّفْعَةِ نَظِيرُ ثُبُوتِ المِلْكِ للمُطَلِّقِ، فإنَّ ثُبُوتَ المِلْكِ حَقٌّ 2 لهما، وثُبُوتُ أحكام الأسبابِ بعدَ مُباشَرَتِها لا يَقِفُ على اخْتيارِ أحدٍ ولا إرادَتِه.

وَإنْ كَانَ الصَّدَاقُ زَائِدًا زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً، رَجَعَ فِي نِصْفِ الأصْلِ، وَالزِّيَادَةُ لَهَا، وَإنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً، فَهِيَ مُخيَّرَةٌ بَينَ دَفْعِ نِصْفِهِ زَائِدًا، وَبَينَ دَفْعِ نِصْفِ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْعَقْدِ.

3282 - مسألة: (فإن زادَ زيادَةً منفصلَةً، رَجَع في نِصْفِ الأصْلِ، والزِّيادَةُ لها، وإن كانت مُتَّصِلةً، فهي مُخيَّرَة بينَ دَفْعِ نِصْفِه زائدًا، وبينَ دفعِ نِصْفِ قِيمَتِه يومَ العقْدِ)

وجملةُ ذلك، أنَّ الصداقَ إذا زاد بعدَ العقدِ، لم يَخْلُ مِن أنَّ تكونَ الزيادَةُ غيرَ مُتَمَيِّزَةٍ؛ [كسِمَنِ العَبْدِ، وكِبَرِه، وتَعَلُّمِه صناعةً، أو مُتَمَيِّزَةً؛ كالوَلَدِ، والكَسْبِ، والثَّمَرَةِ، فإن كانت زيادةً مُتَمَيِّزَةً] 1، أخَذَتِ الزِّيادةَ، وَرَجَع

..................................  بنِصْفِ الأصْلِ، وإن كانت غيرَ 1 مُتَمَيِّزَةٍ، فالخِيَرةُ إليها، إن شاءتْ دَفَعَتْ إليه نِصْفَ 2 قِيمَتِه يومَ العَقْدِ؛ لأنَّ الزيادةَ لها، لا يَلْزَمُها بَذْلُها 3، ولا يُمْكِنُها دَفْعُ الأصْلِ بدُونِها، فصِرْنا إلى نِصْفِ القِيمَةِ، وإن شاءتْ دَفَعَتْ إليه نِصْفه زائدًا، فيَلْزَمُه قَبُولُه؛ لأنَّها دَفَعَتْ إليه حَقَّه وزيادَةً 4 لا تَضُرُّ ولا تَتَمَيَّزُ، فإن كانتْ مَحْجُورًا عليها، لم يَكُنْ 5 له

..................................  الرُّجوعُ إلَّا في نِصْفِ القِيمةِ؛ لأَنَّ الزِّيادةَ، ولا يجوزُ لها ولا لِوَلِيِّها التَّبَرُّعُ بشئٍ لا يجبُ عليها.

وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا، خُيِّرَ الزَّوْجُ بَيْنَ أَخْذِهِ نَاقِصًا، وَبَيْنَ نِصْفِ الْقِيمَةِ وَقْتَ الْعَقْدِ.

3283 - مسألة: (وإن كان ناقِصًا، خُيِّرَ الزَّوْجُ بين أخْذِ نِصْفِه ناقِصًا، وبين)

أخْذِ (نِصْفِ القِيمَةِ يومَ العَقْدِ) إذا نَقَص الصَّداقُ بعدَ العَقْدِ، فهو مِن ضَمانِها، وقد ذكَرْناه مفصَّلًا، ولا يَخْلُو مِن أن يكونَ النقصُ مُتَمَيِّزًا أو غيرَ متَمَيِّزٍ، فإن كان مُتَمَيِّزًا، كعبدَيْنِ تَلِفَ أحدُهما، فإنَّه يَرْجِعُ بنِصْفِ الباقِى ونصفِ قيمةِ التَّالِفِ، أو مثلِ نصفِ التالِف إن كان مِن ذَواتِ الأمثالِ، وإن لم يكُنْ مُتَمَيِّزًا، كعبدٍ كان شابًّا فصارَ شيخًا، فنَقَصتْ قِيمَتُه، أو نَسِىَ [صناعَتَهُ أو كتابَتَهُ] 1، أو هُزِلَ،

..................................  فالخِيارُ إلى الزَّوْجِ، إن شاء رَجَع بنِصْفِ قِيمَتِه وقتَ ما أصْدَقها؛ لأَنَّ ضمانَ النَّقْصِ عليها، فلا يَلْزَمُه أخْذُ نِصْفِه؛ لأنَّه دون حَقِّه، وإن شاء رَجع بنِصْفِه نَاقِصًا، فتُجْبَرُ المرأةُ على ذاك؛ لأنَّه رَضِىَ أن يأخُذَ نِصْفَ حقه ناقصًا.
فإنِ اخْتارَ أن يَأْخُذَ أرْشَ النَّقْصِ مع هذا، لم يكُنْ له ذلك، في ظاهرِ كلامِ الخِرَقِىِّ، وهو قولُ أكثرِ الفقهاءِ.
وقال القاضى: القِياسُ أنَّ له ذلك، كالمَبِيعِ يُمْسِكُه ويُطالِبُ بالأرْشِ.
وبما ذَكَرْناه كُلّه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وقال محمدُ بنُ الحسَنِ: الزِّيادةُ غيرُ المُتَمَيِّزَةِ تَابِعةٌ للعَيْنِ، فللزَّوْجِ الرُّجوع فيها؛ لأنَّها تَتْبَعُ في الفُسُوخِ، فأشْبَهَت زيادةَ السُّوقِ.
ولَنا، أنَّها زيادة حَدَثَتْ في مِلْكِها، فلم تَتَنَصَّفْ 1 بالطلاقِ،

..................................  كالمُمَيَّزَةِ، فأمَّا زيادةُ السُّوقِ، فليست مِلْكَها، وفارَق نماءَ المَبِيعِ؛ لأَنَّ سبَبَ الفسخِ العَيْبُ، وهو سابقٌ على الزيادةِ، وسبَبُ تَنْصِيفِ المَهْرِ الطَّلاقُ، وهو حادِثٌ بعدَها، ولأَنَّ الزَّوْجَ يَثْبُتُ حقُّه في نِصْفِ المَفْرُوضِ دونَ العَيْنِ، ولهذا لو وَجَدَها ناقِصَةً كان له الرُّجوعُ إلى نِصْفِ بَدَلِها، بخِلافِ المَبِيعِ المَعِيبِ، والمفْروضُ لم يكنْ سَمِينًا، فلم يكُنْ له أخْذُه، والمَبِيعُ تَعَلَّقَ حَقُّه بعيْنِه، فتَبِعَه سِمَنُه.
فأمَّا إن نَقَص الصَّداقُ مِن وَجْهٍ وزادَ مِن وَجْهٍ، مثلَ أنَّ يَتَعَلَّمَ صناعةً ويَنْسَى أُخْرَى، أو هُزِلَ وتَعَلَّمَ، ثَبَت الخِيارُ لِكُلِّ واحدٍ منهما، وكان له الامْتِناعُ [مِن العينِ] 1 والرُّجوعُ إلى القِيمَةِ، فإنِ اتَّفَقا على نِصْفِ العَيْنِ، جازَ، وإنِ امْتَنَعَتِ المرأةُ من بَذْلِها 2، فلها ذلك لأجْلِ الزِّيادةِ، وإنِ امْتَنَعَ هو من الرُّجوعِ في نِصْفِها فله ذلك لأجْلِ النَّقْصِ، وإذا امْتَنَعَ أحَدُهما، رَجَع في نِصْفِ قِيمَتِها.
فصل 3: فإن أصْدَقَها شِقْصًا، وقُلْنا: للشَّفِيعِ أخذُه.
فأخَذَه، ثم

وَإِنْ كَانَ تَالِفًا، أَوْ مُسْتَحَقًّا بِدَيْنٍ أَوْ شُفْعَةٍ، فَلَهُ نصْفُ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْعَقْدِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلِيًّا، فَيَرْجِعُ بِنِصْفِ مِثْلِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِى: لَهُ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مَا كَانَتْ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ إِلَى يَوْمِ الْقَبْضِ.
طَلَّقَ الزَّوْجُ، رَجَع في نِصْفِ قِيمَتِه؛ لزَوالِ مِلْكِها عنه، فإن طَلَّقهِا قبِلَ الأَخْذِ بالشُّفْعَةِ، فطالبَ الشَّفِيعُ، قُدِّم حقُّه في أحدِ الوجْهَيْنِ، لأَنَّ حَقه أسْبَقُ، فإنَّه يَثْبُتُ بالنكاحِ، وحَقُّ الزَّوْجِ ثابتٌ بالطَّلاقِ، ولأَنَّ الزَّوْجَ يَرْجِعُ إلى بَدَلٍ، وهو نِصْفُ القِيمَةِ، وحَقُّ الشَّفِيعِ إذا بَطَلَ فإلى غيرِ بَدَلٍ.
والثانى، يُقَدَّمُ الزَّوْجُ؛ لأَنَّ حَقَّه ثَبَت بنَصِّ القُرْآنِ والإِجْماعِ، فكان آكَدَ، وحَقُّ الشَّفِيعِ مُخْتَلَفٌ فيه.
فعلى هذا، يكونُ للشَّفِيعِ أخْذُ النِّصْفِ الباقِى بنِصْفِ ما كان يأخُذُ به الجَمِيعَ.

3284 -

مسألة: (وإن كان تالِفًا، أو مُسْتَحَقًّا بدَيْنٍ أو شُفْعَةٍ، فله نِصْفُ القِيمَةِ يومَ العَقْدِ، إلَّا أن يكونَ مِثليًّا، فيرجِعُ بنِصْفِ مِثْلِه.
وقال القاضى: له القِيمَةُ أقلَّ ما كانتْ مِن يومِ العَقْدِ إلى يومِ القَبْضِ)

..................................  قال شيخُنا: هذا مَبْنِىٌّ على أنَّ الصَّداقَ لا يدخُلُ في ضَمانِ المرأةِ إلَّا بِقَبْضِه وإن كان مُعيَّنًا، كالمَبِيعِ في رِوايَةٍ.
فعلى هذا، إن كانتِ القِيمَةُ وقتَ العَقْدِ أقَلَّ، لم يَلْزَمْها إلَّا نِصْفُها؛ لأَنَّ الزيادةَ بعدَ العَقْدِ لها، لأنَّها نَماءُ مِلْكِها، فأشْبَهَتِ الزيادةَ بعدَ القَبْضِ، وإِن كانتِ القِيمَةُ وقتَ القَبْضِ أقَلَّ، لم يَلْزَمْها أكثرُ مِن نِصفِها، لأنَّ ما نقَص مِن القِيمَةِ مِن ضَمَانِه، تَلْزَمُه غرامَتُه لها، فكيف يَجِبُ له عليها؟ فصل: فإن أصْدَقَها نَخْلًا حائِلًا، فأطْلَعَت، ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ،

..................................  فله نِصْفُ قِيمَتِها يومَ العَقْدِ، وليس له الرُّجوعُ في نِصْفِها؛ لأنَّها زادَتْ زيادةً مُتَّصِلةً، فهى كسِمَنِ الجارِيةِ، وسواءٌ كان الطَّلْعُ مُؤَبَّرًا أو غيرَ مُؤبَّرٍ؛ لأنَّه مُتَّصِلٌ بالأَصْلِ لا يَجِبُ فَصْلُه عنه في هذه الحالِ، فأشْبَهَ السِّمَنَ وتَعَلُّمَ الصناعةِ.
فإن بَذَلَتْ له المرأةُ الرُّجوعَ فيها مع طَلْعِها، لَزِمَه ذلك؛ لأنَّها زِيادَةٌ مُتَّصِلَةٌ لا يَجِبُ فَصْلُها.
وإن قال: اقْطَعِى ثَمَرتَكِ حتى أرْجِعَ في نِصْفِ الأَصْلِ.
لم يَلْزَمْها؛ لأَنَّ العُرْفَ في هذه الثَّمَرةِ أنَّها لا تُؤْخَذُ إلَّا بالجِدادِ، بدَلِيلِ البَيْعِ، ولأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ انْتَقَلَ إلى القِيمةِ، فلم يَعُدْ إلى العَيْنِ إلَّا برِضاهما.
فإن قالتِ المرأةُ: اتْرُكِ الرُّجوعَ حتى أجُدَّ 1 ثَمَرَتِى، وتَرْجِعَ في نِصْفِ الأَصْلِ.
أو 2: ارْجِعْ في نصفِ الأصلِ وأمْهِلْنِى حتى أقْطَعَ الثَّمَرَةَ.
أو قال الزَّوجُ: أنا أصْبِرُ حتى إذا أخَذْتِ ثَمَرَتَكِ رَجَعْتُ في الأَصْلِ.
أو قال: أنا أرْجِعُ في الأَصْلِ وأصْبِرُ حتى تَجُدِّى ثَمَرَتَكِ.
لم يَلْزَمْ [واحدًا منهما] 3 قَبُولُ قولِ الآخَرِ؛ لأَنَّ الحَقَّ انْتَقَلَ إلى القِيمَةِ، فلم يَعُدْ إلى العَيْنِ إلَّا بتَراضِيهما.
ويَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَها قَبُولُ ما عَرَضَ عليها؛ لأَنَّ الضَّرَرَ عليه، فأَشْبَهَ ما لو بَذَلَتْ له نِصْفَها مع طَلْعِها، وكما لو وجَد العَيْنَ ناقِصةً فرَضِىَ بها.
وإن تَراضَيا على شئٍ مِن ذلك، جازَ.
والحُكْمُ في سائرِ الشَّجَرِ، كالحُكْمِ في النَّخْلِ.
وإخْرَاجُ النَّوْرِ في الشَّجَرِ بمنزلةِ الطَّلْعَ الذى لم يُؤَبَّرْ.

..................................  فصل: وإن كانت أرضًا فحَرَثَتْها 1، فتلك زيادةٌ مَحْضَةٌ، إن بَذَلَتْها له بزيادَةٍ، لَزِمَه قَبُولُها، كالزياداتِ المُتَّصِلَةِ كلِّها، وإن لم تَبْذُلْها، دَفَعَتْ نِصْفَ قِيمَتِها.
وإن زَرَعَتْها، فحُكْمُها حكمُ النَّخْلِ 2 إذا أطْلَعَتْ 3، إلَّا في موْضِعٍ واحدٍ، وهو أنَّها إذا بَذَلَتْ نِصْفَ الأرضِ مع نصفِ الزَّرْعِ، لم يَلْزَمْه قَبُولُه، بخِلافِ الطَّلْعِ مع النَّخْلِ، والفرقُ بينهما مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّ الثَّمَرَةَ لا تَنْقصُ بها الشجرة، والأرْضُ تَنْقُصُ بالزَّرْعِ وتَضْعُفُ.
الثانى، أنَّ الثَّمَرَةَ مُتَولِّدةٌ مِن الشَّجَرِ، فهى تَابِعَةٌ له، والزَّرْعُ مِلْكُها أوْدَعَتْه في الأرضِ، فلا يُجْبَرُ على قَبُولِه.
وقال القاضى: يُجْبَرُ على قبولِه، كالطَّلْعِ سواءً.
وقد ذكرْنا ما يَقْتَضِى الفَرْقَ.
ومسائِلُ الغِراسِ كمسائِلِ الزَّرْعِ، فإن طَلَّقَها بعدَ الحَصَادِ ولم تَكُنِ الأرْضُ زادتْ ولا نَقَصَتْ، رَجَع في نِصْفِها، وإن نَقَصَتْ بالزَّرْعِ أو زادتْ به، رَجَع 4 في نِصْفِ قِيمَتِها، إلَّا أنَّ يَرْضَى بأخْذِها ناقصةَ، أو تَرْضَى هى بِبَذْلِها زائدةً.
فصل: فإن أصْدَقَها خَشَبًا فشَقَّتْه 5 أَبْوابًا فزادتْ قِيمَتُه، لم يكُنْ له الرُّجوعُ في نِصْفِه؛ لزِيادَتِه، ولا يَلْزَمُه قَبُولُ نِصْفِه؛ لأنَّه نَقَص مِن وَجْهٍ،

وَإِنْ نَقَصَ الصَّدَاقُ فِى يَدِهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ، فَهَلْ تَضْمَنُ نَقْصَهُ؟  فإنَّه لم يَبْقَ مُسْتَعِدًّا لِمَا كان يَصْلُحُ له من التَّسْقِيفِ (1) وغيرِه.
وإن أصْدَقَها ذَهَبًا أو فِضَّةً، فصاغَتْه حُلِيًّا فزادتْ قِيمَتُه، فلها مَنْعُه من نِصْفِه.
وإن بَذَلَتْ له النِّصفَ، لَزِمَه القَبُولُ؛ لأَنَّ الذَّهبَ لا يَنْقُصُ بالصِّياغَةِ، ولا يخرجُ عن كونِه مُسْتعِدًّا لِما كان يَصْلُحُ له قبلَ صِياغَتِه.
وإن أصْدَقَها دَنانيرَ أو دَراهِمَ أو حُلِيًّا، فكَسَرَتْهُ، ثم صاغَتْه على غيرِ ما كان عليه، لم يَلْزَمْه قَبُول نِصْفِه؛ لأنَّه نَقَص في يَدِها، ولا يَلْزَمُها بَذْلُ نِصْفِه؛ لزيادةِ الصِّناعةِ التى أحْدَثَتْها فيه.
وإن أعادتِ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ إلى ما كانت عليه، فله الرُّجوعُ في نِصْفِها، وليس له طَلَبُ قِيمَتِها؛ لأنَّها عادَتْ إلى (2) ما كانت عليه مِن غير نَقْص ولا زيادَةٍ، فأشْبَهَ ما لو أصْدَقَها عَبْدًا فمَرِضَ ثم (3) بَرَأَ.
وإن صاغتِ الحُلِىَّ على ما كان عليه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، له الرُّجوعُ، كالدَّراهِم إذا أُعِيدَتْ.
والثانى، ليس له الرُّجوعُ في نِصْفِه؛ لأنَّها جَدَّدَتْ فيه صناعة، فأشْبَهَ ما لو صاغَتْه على صِفَةٍ أُخْرَى.
ولو أصْدَقَها جاريةً فهُزِلَتْ، ثم سَمِنَتْ فعادتْ إلى حالِتها الأُولَى، فهل يَرْجِعُ في نِصْفِها؟ على وَجْهَيْن.

3285 -

مسألة: (وإن نَقَص الصَّداقُ في يَدِها بعدَ الطَّلاقِ، فهل

123

يَحْتَمِلُ وَجْهيْنَ.
تَضْمَنُ نَقْصَه؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن) أمَّا إن كانَتْ مَنَعَتْه منه بعدَ طَلَبِه، فعليها الضَّمانُ؛ لأنَّها غَاصِبَةٌ.
وإن تَلِفَ قبلَ مُطالَبَتِه، فقياسُ المذهبِ أنَّه لا ضَمانَ عليها؛ لأنَّه حَصَل في يَدِها بغيرِ فِعْلِها، ولا عُدْوانٍ من جِهتِها، فلم تَضْمَنْه، كالوديعَةِ.
وإنِ اخْتَلَفا في مطالبَتِه لها، فالقولُ قولُها، لأنَّها مُنْكِرَةٌ.
وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّ عليها الضَّمانَ؛ لأنَّه حَصَل في يَدِها من غيرِ إذْنِ الزَّوْجِ لها في إمْساكِه، أشْبَهَتِ الغاصِبَ.
وهذا ظاهِرُ قولِ أصحابِ الشافعىِّ، قالوا: لأنَّه حَصَل في يَدِها بحكمِ قَطْعِ العَقْدِ، فأشْبَهَ المَبِيعَ 1 إذا ارْتَفَعَ العَقْدُ بالفَسْخِ.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذكَرْناه.
وأمّا المَبِيعُ (1) فيَحْتَمِلُ أن يُمْنَعَ، وإن سلَّمْنا، فإنَّ الفَسْخَ إن كان منهما أو مِن المُشْتَرِى، فقد حَصَل منه التَّسَبُّبُ إلى جَعْلِ مِلْكِ غيرِه

وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ: نَقَصَ قَبْلَ الطَّلَاقِ.
وَقَالَتْ: بَعْدَهُ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا.
في يَدِه، وفى مسألتِنا، ليممن المرأةِ فِعْلٌ، وإنَّما خَصَل ذلك بفِعْلِ الزَّوْجِ وحْدَه، فأشْبَهَ ما لو ألْقَى ثَوْبَه في دارِها بغيرِ أمْرِها (1).

3286 -

مسألة: (وإن قال الزَّوْجُ: نَقَص قبلَ الطَّلاقِ)

فعليكِ ضَمانُه (وقالت: بعدَه.
فالقولُ قولُها مع يَمِينِها) لأنَّه ادَّعى ما يوجِبُ الضَّمانَ عليها، وهى تُنْكِرُه 2، والقولُ قولُ المُنْكِرِ.
فصل: إذا خالَعَ امرأتَه بعدَ الدُّخولِ، ثم تَزَوَّجَها [في عِدَّتِها] 3، وطَلَّقَها قبلَ دُخُولِه بها، فلها في النِّكاحِ الثانى نِصْفُ الصَّداقِ المُسَمَّى فيه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لها جَمِيعُه؛ لأَنَّ حُكْمَ الوَطْءِ موجودٌ فيه، بدلِيلِ أنَّها لو أتَتْ بوَلَدٍ لَزِمَه.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ 4. ولأنَّه طلاقٌ من نِكاحٍ صحيحٍ، لم يَمَسَّها فيه، فوَجَبَ أن يَتَنَصَّفَ المَهْرُ، كما لو تزوَّجَها بعدَ العِدَّةِ، وما ذكَرَه غيرُ صَحِيحٍ، فإنَّ لُحُوقَ النَّسبِ لا يَقِفُ على الوَطْءِ عندَه، فلا يقومُ مَقامَه.
فأمَّا إن1

..................................  كان لم يَدْخُلْ بها في النِّكاحِ الأَوَّلِ، فعليه نِصْفُ الصَّداقِ للنِّكاحِ الأَوَّلِ، ونصْفُ الصَّداقِ للنِّكاحِ الثانى، بغيرِ خِلافٍ.
فصل: إذا طَلَّق المرأةَ قبلَ الدُّخولِ، وقد تصرَّفَتْ في الصَّداقِ بعَقْدٍ من العُقودِ، لم يَخْلُ من ثلاثةِ أقسام، أحدُها، ما يُزِيلُ المِلْكَ عن الرَّقَبةِ، كالبيعِ والهِبَةِ والعِتْقِ، فهذا يَمنَعُ الرُّجوعَ 1، وله نِصْفُ القيمةِ؛ لِزَوالِ مِلْكِها وانقطاعِ تَصَرُّفِها، فإن عادتِ العَيْنُ إليهِا قبلَ طَلاقِها، ثم طَلَّقها وهى في يدِها بحالِها، فله الرُّجوعُ في نِصْفِها، لأنَّه وَجَدَها بعَيْنِها، فأشْبَهَ ما لو لم تُخْرِجْها.
ولا يَلْزَمُ الوالدُ إذا وَهَبَ ولدَه شيئًا، فخرَجَ عن مِلْكِه ثم عاد إليه، حيث لا يَمْلِكُ الرُّجوعَ؛ لأنَّا نَمْنَعُ ذلك، وإن سَلَّمْنا، فإنَّ حَقَّ الوَالدِ سَقَط بخُرُوجه عن يَدِ الولدِ بِكلِّ حالٍ، بدليلِ أنَّه لا يُطالِبُه ببَدَلِه، والزَّوْجُ لم يَسْقُطْ حَقُّه بالكُلِّيَّةِ، بل يَرْجِعُ بنِصْفِ قِيمَتِه عند عَدَمِه، فإذا وُجِدَ كان الرُّجوعُ في عَيْنِه 2 أوْلَى.
وفى معنى هذه التَّصَرُّفاتِ الرَّهْنُ، فإنَّه إن 3 لم يُزِلِ المِلْكَ عن الرَّقَبةِ، لكنَّه يُرادُ للبَيْعِ المُزِيلِ للمِلْكِ، ولذلك لا يجوزُ رَهْنُ ما لا يَجُوزُ بَيْعُه، ففى الرُّجوعِ في العَيْنِ إبطالُ حَقِّ المُرْتَهِنِ من الوَثِيقةِ، فلم يَجُزْ.
وكذلك الكِتابَةُ، فإنَّها تُرادُ للعِتْقِ المُزِيلِ للمِلْكِ، وهى عَقْدٌ لازِم، فجرَتْ مَجْرَى الرَّهْنِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لا تَمْنَعَ الرُّجوعَ إذا قُلْنا: يَجُوزُ بَيْعُ المكاتَبِ، كالتَّدْبِيرِ.
فإن

..................................  طَلَّق الزَّوْجُ قبلَ إقْباضِ الهِبَةِ أو الرَّهْنِ، أو في مدَّةِ الخِيارِ في البَيْعِ، ففِيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا تُجْبَرُ على رَدِّ نِصفِه إليه؛ لأنَّه عَقْدٌ عَقَدَتْه في مِلْكِها، فلم يَمْلِكْ إبْطَالَه، كاللَّازِمِ، ولأَنَّ مِلْكَها قد زَال، فلم يَمْلِكِ الرُّجوعَ فيما ليس بِمَمْلوكٍ لها.
والثانى، تُجْبَرُ على تسْلِيمِ نِصْفِه، فإنَّها قادِرَةٌ على ذلك، ولا زيادةَ فيها.
وللشافعىِّ قَوْلان كهذَيْن الوَجْهَيْن.
فأمَّا إن طلَّقها بعد تقبِيضِ الهِبةِ والرَّهْنِ ولُزُوم البَيْعِ، فلم يَأْخُذْ قِيمةَ النِّصْفِ حتى فُسِخَ البَيْعُ والرهنُ والهبةُ، لم يكن له الرُّجوعُ في نِصْفِها؛ لأَنَّ حقَّه ثَبَت في القيمةِ.
الثانى، تَصَرُّفٌ غيرُ لازمٍ لا يَنْقُل الملْكَ؛ كالوصيةِ، والشركةِ، والمضاربةِ، فهذا لا يُبْطِل حقَّ 1 الرُّجوعِ في نِصفِه، ويكونُ [وجودُ هذا] 2 التَّصَرُّفِ كعدمِه؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ لم ينْقُلِ الملْكَ، ولم يَمْنَعِ المالكَ مِن التَّصَرُّفِ، فلا يَمْنَعُ مَن له الرُّجوعُ على المالكِ من الرُّجوعِ، كالإِيداعِ والعارِيَّةِ.
فأمَّا إن دَبَّرَته، فظاهرُ المذهبِ أنَّه لا يَمْنَعُ الرُّجوعَ، لأنَّه لا يَمْنَعُ البَيْعَ، فلم يَمْنَعِ الرُّجوعَ، كالوَصِيَّةِ، ولا يُجْبَرُ على الرُّ جوعِ في نِصْفِه، بل يُخَيَّرُ بينَ ذلك وبينَ أخْذِ نِصْفىِ قِيمتِه؛ لأَنَّ شركةَ مَن نِصفُه مُدَبَّرٌ نَقْصٌ، ولا يُؤْمَنُ أنَّ يُرْفَعَ إلى [حاكم حَنَفِىٍّ] 3 فيَحْكُمَ بعِتْقِه.
وإن كانتْ أَمَةً فدَبَّرَتْها، فإن قُلْنا: تُباعُ في الدَّيْنِ.
فهى كالعَبْدِ.
وإن قُلْنا: لا تُباعُ.
لم يَجُزِ الرُّجوعُ

..................................  في نِصْفِها.
الثالثُ، تَصَرُّفٌ لازمٌ لا يُرادُ لإِزالةِ الملكِ، كالإِجارةَ والتزْوِيجِ، فهو نَقْصٌ، فيَتَخَيَّرُ الزَّوْجُ بينَ أن يَرْجِعَ في نِصْفِه ناقصًا، وبينَ الرجوعِ في نِصْفِ قيمَتِه، فإن رَجَع في نصْفِ المُسْتَأْجَرِ، صَبَر حتى تَنْفَسِخَ الإِجارةُ.
فإن قيل: فلِمَ قُلْتُم -في الطَّلْعِ الحادِثِ في النَّخِيلِ، إذا قال: أنا أصْبِرُ حتى تَنْتَهىَ الثَّمَرَةُ-: لم يكنْ له ذلك؟ قُلْنا: الفَرْقُ بينهما أنَّ في تلكَ المسألةِ تكونُ المِنَّةُ له، فلا يَلْزَمُها قَبُولُ مِنَّتِه، بخِلافِ مسألتِنا، ولأَنَّ ذلك يُؤَدِّى إلى التنازُعِ في سَقْىِ الثَّمَرَةِ، وجِدادِها، وقَطْعِها لخوفِ العطشِ أو غيرِه، بخِلافِ مسألتِنا.
فصل: قد ذكرنا أَنَّ المَهْرَ إذا كان معينًا يدخُلُ في مِلْكِ المرأةِ بمُجَرَّدِ العقدِ، فإذا زادَ فالزيادةُ لها، وإن نَقَص فعليها، فإذا كانَتْ غَنَمًا فولَدَت، فالأوْلادُ زيادةٌ مُنْفَصِلَةٌ، تنفرِدُ المرأةُ بها؛ لأنَّه 1 نَماءُ مِلْكِها، وتَرْجِعُ في نِصْفِ الأُمَّهاتِ، إن لم تكُنْ نَقَصَتْ ولا زادَتْ زيادةً متصلةً؛ لأنَّه نِصْف ما فَرَضَ لها، وقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾.
وإن كانَتْ نَقَصَتْ بالولادَةِ أو بغَيْرِ ما، فله الخيارُ بينَ أخْذِ نِصْفِها ناقصًا؛ لأنَّه رَضِىَ بدونِ حَقِّه، وبين أخْذِ نِصْفِ قيمتِها وقتَ ما أَصْدَقَها؛ لأَنَّ ضمانَ النَّقْصِ عليها.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَرْجِعُ في نِصْفِ الأَصْلِ، [وإنَّما يَرْجِعُ في نِصْفِ القيمةِ؛ لأنَّه لا يجوزُ فَسْخُ] 2

..................................  [العقدِ في الأصلِ دون النَّماء؛ لأنَّه مُوجَبٌ للعقدِ، فلم يَجُزْ رُجوعُه في الأصلِ] 1 بِدُونِه.
ولَنا، أنَّ هذا نماءٌ منفصلٌ عن الصَّداقِ، فلم يَمْنَعْ رجوعَ الزَّوجِ، كما لو انْفَصَلَ قبلَ القَبْضِ، وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الطلاق ليس برَفْعِ العقدِ، ولا النَّماءُ من [مُوجَباتِ العَقْدِ] 2، إنَّما هو من مُوجَباتِ الملكِ.
إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بين كونِ الوِلادةِ قبلَ تَسليمِه إليها أو بعدَه، إلَّا أنَّ يكونَ قد مَنَعَها قبْضَه، فيكونُ النَّقْصُ من ضمانِه، والزيادَةُ لها، فتنفرِدُ 3 بالأوْلادِ، وإن نَقَصَتِ الأمَّهاتُ، خُيِّرَتْ بينَ أخْذِ نِصْفِها ناقصةً، وبينَ أخْذِ نِصْفِ قيمتِها أكثرَ ما كانت من يومِ أصْدَقَها إلى يومِ طلَّقَها.
وإن أراد الزَّوْجُ أخْذَ نِصْفِ قيمةِ الأمَّهاتِ من المرأةِ، لم يكنْ له ذلك 4. وقال أبو حنيفةَ: إذا وَلَدَتْ في يَدِ الزَّوْجَ، ثم طلَّقَها قبلَ 5 الدُّخولِ، رَجَع في نِصْفِ الأوْلادِ أيضًا؛ لأَنَّ الولدَ دَخَل في التَّسْلِيمِ المُسْتَحَقِّ بالعقدِ؛ لأَنَّ حقَّ التسليمِ تَعَلَّقَ بالأمِّ، فسَرَى إلى الولَدِ، كحقِّ الاستِيلادِ، وما دَخَل في التسْليمِ المُسْتَحَقِّ يُنَصَّفُ بالطَّلاقِ، كالذى 6 دَخَل في العقدِ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: {فَنِصْفُ

..................................  مَا فَرَضْتُمْ}.
وما فُرِضَ ههُنا إلَّا الأمَّهاتُ، فلا يَتَنَصَّفُ سِواها، ولأَنَّ الولَدَ حَدَث في مِلْكِها، أشْبَهَ ما حَدَث في يَدِها، ولا يُشْبِهُ حَقُّ التسْليمِ حقَّ الاستِيلادِ، فإنَّ حقَّ الاسْتيلادِ يسْرِى وحقَّ التسْليمِ لا سِرايَةَ له.
فإن تَلِفَ في يَدِ الزَّوْجِ وكانتِ المرأةُ قد طالبَتْ به، فَمَنَعَها، ضَمِنَه كالغاصِبِ، وإلَّا لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه تَبَعٌ لأمِّهِ.
فصل: والحُكْمُ في الصَّداقِ إذا كان جارِيةً، كالحكمِ في الغَنَمِ، إذا وَلَدَتْ كان الوَلَدُ لها، كوَلَدِ الغَنَمِ، إلَّا أنَّه ليس له الرُّجوعُ في نِصْفِ الأَصْلِ؛ لأنَّه يُفْضِى إلى التَّفْرِيقِ بينَ الأُمِّ ووَلَدِها في بعْضِ الزَّمانِ، وكما لا يجوزُ التَّفْرِيقُ بينَها وبينَ وَلَدِها في جميعِ الزَّمانِ، لا يجوزُ في بعْضِه، فيَرْجِعُ أيضًا 1 في نِصْفِ قِيمَتِها وَقْتَ ما أصْدَقَها لا غيرُ.
فصل: فإن كان الصَّداقُ بَهِيمةً حائِلًا، فحَمَلَتْ، فالحملُ فيها زِيادَةٌ مُتَّصِلَةٌ، إن بَذَلَتْها له بزِيادَتِها، لَزِمَه قَبُولُها؛ لأَنَّ الحملَ في البَهِيمَةِ لا يُعَدُّ نَقْصًا، ولذلك لا يُرَدُّ به المَبِيعُ، وإن كان 2 أمَةً فحَمَلَتْ، فقد زِادَتْ من وَجْهٍ لأجلِ وَلَدِها، ونَقَصَتْ من وَجْهٍ، لأَنَّ الحَمْلَ في النِّساءِ نقْصٌ، لخَوْفِ التَّلَفِ عليها حينَ الوِلادَةِ، ولهذا يُرَدُّ بها المَبِيعُ، فحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُها 3 بَذْلُها لأجْلِ الزِّيادةِ، ولا يَلْزَمُه قَبُولُها لأجْلِ النَّقْصِ، وله

..................................  نِصْفُ قيمَتِها.
وإنِ اتَّفَقا على تَنْصِيفِها، جازَ.
وإن أصْدَقَها.
حامِلًا فوَلَدَتْ، فقد أصْدَقَها عَيْنَيْنِ، جارِيَةً ووَلَدَها، وزادَ الوَلَدُ في مِلْكِها، فإن طَلَّقَها فرَضِيَتْ بِبَذْلِ النصْفِ في الوَلَدِ والأُمِّ جميعًا، أُجْبِرَ 1 على قَبُولِهما 2؛ لأنَّها زيادةٌ غيرُ مُمَيَّزَةٍ، وإن لم تَبْذُلْه، لم يَجُزْ له الرُّجوعُ في نِصْفِ الوَلَدِ؛ لزِيادَتِه، ولا في نِصْفِ الأمِّ؛ لما فيه مِن التَّفْرِقَةِ بينَها وبينَ وَلَدِها، ويَرْجِعُ بنِصْفِ قِيمَةِ الأمِّ.
وفى نِصْفِ الوَلَد وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَسْتَحِقُّ نِصْفَ قِيمَتِه؛ لأنَّه حالةَ العَقْدِ لا قِيمَةَ له، وحالةَ الانْفِصالِ قد زاد 3 في مِلْكِها، فلا يُقَوِّمُه الزَّوْجُ بزِيادَتِه.
ويُفارِق ولَدَ المَغْرُورِ بأنَّ 4 وَقْتَ الانْفِصالِ وَقْتُ الحَيْلُولَةِ، ولهذا قُوِّمَ، بخِلافِ مَسْأَلتِنا.
والثانى، له نِصْفِ قِيمَتِه؛ لأنَّه أصْدَقَها عَيْنَيْنِ، فلا يَرْجِعُ في إحْداهما دُونَ الأُخْرَى، ويُقَوَّمُ حالةَ الانْفِصال؛ لأنَّها أوَّلُ حالةِ إمْكانِ تَقْوِيمِه.
وفى المسألَةِ وَجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ الحَمْلَ لا حُكْمَ له، فيكونُ كأنَّه حادِثٌ.
فصل: وإن أصْدَقَهَا أرْضًا فبَنَتْها دَارًا، أو ثَوْبًا فصَبَغَتْه، ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، رَجَع بنِصْفِ قِيمَتِه وَقْتَ ما أصْدَقَها، إلَّا أنَّ يَشاءَ أنَّ يُعْطِيَها

..................................  قِيمَةَ البِناءِ والصِّبْغِ، فيَكونُ له النِّصْفُ، أو تَشاءَ هى أنَّ 1 تُعْطِيَه زَائِدًا، فلا يَكونُ له 2 غيرُه.
ذَكَرَه 3 الخِرَقِىُّ.
إنَّما كان له نِصْفُ القِيمَةِ؛ لأنَّه قد صارَ في الأرْضِ والثَّوْبِ زِيادَةٌ للمرأةِ، وهى البِناءُ والصِّبغُ، فإن دَفَعَتْ إليه نِصْفَ الجميعِ زَائِدًا، فعليه قَبُولُه؛ لأنَّه حَقه وزِيادَة.
وإن بَذَل لها نِصْفَ قِيمَةِ البِناءِ والغِراسِ لِيَكونَ له النِّصْفُ، فقال الخِرَقِىُّ: له ذلك.
قال القاضى: هذا مَحْمُولٌ على أنَّهما تراضَيا بذلك؛ لأنَّها لا تُجْبَر على المُعاوَضَةِ، [وهذه مُعاوَضَةٌ] 4. قال شَيْخُنا 5: والصَّحِيح أنَّها تُجْبَرُ؛ لأَنَّ الأرْضَ حصَلَتْ له وفيها بِناء لغيرِه، فإذا بَذَل القِيمَةَ، لَزِمَ الآخَرَ قَبُولُه، كالشَّفِيعِ إذا أخَذ الأرْضَ بعدَ بِنَاءِ المُشْتَرِى فيها، فبَذَل الشَّفِيعُ قِيمَتَه، لَزِمَ المُشْتَرِىَ قَبُولُها، وكذلك إذا رَجَع المُعِيرُ في أرْضِه وفيها بِناءٌ 6 أو غِراسٌ للمُسْتَعِيرِ، فبَذَل المُعِيرُ قِيمَةَ ذلك، لَزِمَ المُسْتَعِيرَ قَبُولُها.
فصل: فإن أصْدَقَها نَخْلًا حائِلًا، فأَثْمَرَتْ في يَدِه، فالثَّمَرَةُ لها؛ لأنَّها نَماءٌ مِلْكِها، فإن جَدَّها بعد تَناهِيها، وجَعَلَها في ظروفٍ، وألْقَى عليها

..................................  صَقْرًا 1 مِن صَقْرِها 2، وهو سَيَلانُ الرُّطَبِ بغيرِ طبْخٍ 3، وهذا يَفْعَلُه أهلُ الحِجازِ حِفْظًا لرُطُوبَتِها، لم تَخْلُ منْ ثَلاثَةِ أحْوالٍ؛ أحدُها، أنَّ لا تَنْقُصَ قِيمَةُ الثَّمرَةِ والصَّقْرِ 4، بل كانا بِحالِهما، أو زَادَا، فإنَّه يَرُدُّهما عليها، ولا شئَ عليه.
الثانى، أن تَنْقُصَ قِيمَتُهما، وذلك على ضَرْبَيْنِ؛ أحدُهما، أن يكونَ نَقْصُهما 5 مُتَناهِيًا، فإنَّه يَدْفَعُهما إليها وأرْشَ نَقْصِهما 6؛ لأنَّه تَعَدَّى بما فَعَلَه من ذلك.
الضَّرْبُ الثانى، أنَّ لا يَتناهَى، بل يَتَزايَدُ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، أنَّها تَأْخُذُ قِيمَتَها؛ لأنَّها كالمُسْتَهْلَكَةِ.
الثانى، هى مُخَيَّرَةٌ بينَ ذلك وبينَ تَرْكِها حتى يَسْتَقِرَّ نَقْصُها 7، وتَأْخُذُها 8 وأَرْشَها، كالمَغْصُوبِ منه.
الحالُ الثالثُ، أن لا تَنْقُصَ قِيمَتُها، لكنْ إن أخْرَجَها من ظُرُوفِها نَقَصَتْ قِيمَتُها، فللزّوْجِ إخْراجُها وأخْذُ ظُرُوفِها، إن كانتِ الظروفُ مِلْكَه، وإذا نَقَصَتْ، فالحُكْمُ على ما ذكَرْنا.
وإذا قال الزَّوْجُ: أنا أُعْطِيكِها مع ظُرُوفِها.
فقال القاضى: يَلْزَمُها قَبُولُها؛ لأنَّ ظُرُوفَها كالمُتَّصِلَةِ بها التَّابِعَةِ

..................................  لها.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَها قَبُولُها؛ لأَنَّ الظُّرُوفَ عَيْنُ مالِه، فلا يَلْزَمُها 1 قَبُولُها، كالمُنْفَصِلَةِ عنها.
فإن كانت بحالِها، إلَّا أنَّ الصَّقْرَ 2 المَتْرُوكَ على الثَّمَرةِ مِلْكُ الزَّوْجِ، فإنَّه يَنْزِعُ 3 الصَّقْرَ (2)، ويَرُدُّ الثَّمَرَةَ، والحكمُ فيها إن نَقَصَتْ أو لم تَنْقُصْ كالتى قبلَها.
وإن قال: أنا أُسَلِّمُها مع الصَّقْرِ (2) والظُّرُوفِ.
فعلى الوَجْهَيْن اللَّذيْنِ ذكَرْناهما.
وفى الموضعِ الذى حَكَمْنا أنَّ له رَدَّه 4، إذا قالت: أنا أرُدُّ الثَّمَرةَ، وآخُذُ الأَصْلَ.
فلها ذلك في أحَدِ الوَجْهَيْنِ.
والآخَرِ، ليس لها ذلك.
مَبْنِيَّانِ على تَفْرِيقِ الصَّفْقةِ في البَيْعِ، وقد ذكَرْنا ذلك في مَوْضِعِه.
فصل: إذا كان الصَّداقُ جارِيةً، فوَطِئَها الزَّوْجُ عالِمًا بزَوالِ مِلْكِه، وتَحْرِيمِ الوَطْءِ عليه، فعليه الحَدُّ؛ لأنَّه وَطْءٌ في غيرِ مِلْكٍ، وعليه المَهْرُ لسَيِّدَتِها، أكْرَهَها أو طاوَعَتْه؛ لأَنَّ المَهْرَ لمَوْلاتِها، فلا يَسْقُطُ بِبَذْلِها ومُطاوَعَتِها، كما لو بَذَلَتْ يَدَها للقَطْعِ، وإن وَلَدَتْ، فالوَلَدُ رَقِيقٌ للمرأةِ.
وإنِ اعْتَقَدَ أنَّ مِلْكَه لم يَزُلْ عن جَمِيعِها، أو كان 5 غيرَ 6 عالمٍ بتَحْرِيمِها عليه، فلا حَدَّ عليه للشُّبْهَةِ، وعليه المَهْرُ، والوَلَدُ حُرٌّ لاحِقٌ

..................................  به، وعليه قِيمَتُه يومَ وِلادَتِه، ولا تَصِيرُ أمَّ وَلَدٍ له وإن مَلَكَها بعدَ 1 ذلك؛ لأنَّه لا مِلْكَ له فيها، وتُخَيَّرُ 2 المرأةُ بين أخْذِها في حالِ حَمْلِها، وبينَ أخْذِ قِيمَتِها؛ لأنَّه نَقَصَها بإحْبالِها.
وهل لها الأرْشُ بعدَ ذلك؟ يَحْتَمِلُ أنَّ لها الأرْشَ؛ لأنَّها نَقَصَتْ بعُدْوانِه 3، أشْبَهَ ما لو نَقَصَها الغاصِبُ بذلك.
وقال بعضُ أصْحابِ الشَّافعىِّ: في الأَرْشِ ههُنا قَوْلان.
وقال بعضُهم: يَنْبَغِى أن يكونَ لها المُطالَبَةُ بالأرْشِ، قولًا واحدًا؛ لأَنَّ النَّقْصَ حَصَل بفِعْلِه الذى تَعَدَّى به، فهو كالغاصِبِ، وكما لو طالبَتْه فمَنَعَ تَسْلِيمَها.
وهذا أصَحُّ.
فصل: وإن أصْدَقُ ذِمِّىٌّ ذِمِّيَّةً خَمْرًا، فتَخَلَّلَتْ في يَدِها، ثم طَلَّقَها قبلَ دُخُولِه بها، احْتَمَلَ أن لا يَرْجِعَ عليها بشئٍ؛ لأنَّها قد زادَتْ في يَدِها بالتَّخَلُّلِ، والزِّيادةُ لها، وإن أرادَ الرُّجوعَ بنِصْفِ قِيمَتِها قبلَ التَّخَلُّلِ، فلا قِيمَةَ لها، وإنَّما يَرْجِعُ إذا زادَتْ في نِصْفِ قِيمَتِها أقلَّ ما كانت من حينِ العَقْدِ إلى حينِ القَبْضِ، وحِينَئِذٍ لا قِيمَةَ لها.
وإن تَخَلَّلَتْ في يَدِ الزَّوْجِ، ثم طَلَّقَها، فلها نِصْفُها؛ لأَنَّ الزِّيادةَ لها.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ الخَلُّ له، وعليه نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِها، إذا تَرافَعا إلينا قبلَ القَبْضِ، أو أسْلَما، أو أحدُهما.

..................................  فصل: إذاْ تَزَوَّجَ امْرأةً، فضَمِنَ أبُوه نفَقَتَها عَشْرَ سِنِينَ، صَحَّ.
ذكَرَه أبو بكرٍ؛ لأَنَّ أكثرَ ما فيه أنَّه ضَمَانُ مَجْهولٍ، أو ضَمانُ ما لم يَجِبْ، وكلاهما صَحيحٌ.
ولا فَرْقَ بين كَوْنِ الزَّوْجِ مُوسِرًا أو مُعْسِرًا.
واخْتَلَفَ أصْحابُ الشافعىِّ؛ فمنهم مَن قال كقَوْلِنا، ومنهم مَن قال: لا يَصِحُّ إلَّا 1 ضَمانُ نَفَقَةِ المُعْسِرِ؛ لأَنَّ غيرَ المُعْسِرِ يتَغَيَّرُ 2 حالُه، فيكونُ عليه نفَقَةُ المُوسِرِ أو المُتَوَسِّطِ، فيكونُ ضَمانَ مَجْهولٍ، والمُعْسِرُ مَعْلُومٌ ما عليه.
ومنهم مَن قال: لا يَصِحُّ أصْلًا؛ لأنَّه ضَمانُ ما لم يَجِبْ.
ولَنا، أنَّ الجَهْلَ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ الضَّمانِ، بدليل صِحَّةِ ضَمانِ نَفَقَةِ المُعْسِرِ، مع احْتِمالِ أن يموتَ أحدُهما فتَسْقُطَ النَّفقَة، ومع ذلك صَحَّ الضَّمان، فكذلك هذا.

جارٍ التحميل