الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 537-577

كِتَابُ الطَّلَاقِ

صفحات 537-577

وَإنْ أشَارَتْ إِلَيهِ، احْتَمَلَ وَجْهَينِ.
لا يحْنَثُ به.
فإن أرْسَلَتْ إنْسانًا يسْألُ أهلَ العلمِ عن مسْألةٍ [أو حَديثٍ] (1)، فجاءَ الرَّسولُ فسألَ المحْلُوفَ عليه، لم يَحْنَث بذلك.

3592 -

مسألة: (وإن أشارَتْ إليه، احْتَمَلَ وَجْهَينِ)

أحدُهما، لا تَطْلُقُ؛ لأنَّه لَم يُوجَدِ الكلامُ.
والثَّاني، تَطْلُقُ؛ لأنَّه يحْصُلُ به مقْصودُ الكلامَ.
والأوَّلُ أوْلَى.1

وَإنْ كَلَّمَتْهُ سَكْرَانَ أَوْ أَصَمَّ بحَيثُ يَعْلَمُ أَنَّهَا تُكَلِّمُهُ، أَوْ مَجْنُونًا بِحَيثُ يَسْمَعُ كَلَامَهَا، حَنِثَ.
وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ.

3593 - مسألة: (وَإنْ كَلَّمَتْه سَكْرَانَ أو أصَمَّ، بحَيثُ يَعْلَمُ أنَّها تُكَلِّمُهُ، أوْ مَجْنُونًا يَسْمَعُ كَلامَهَا، حَنِثَ)

لأنَّ السَّكْرانَ يُكلَّمُ ويَحْنَثُ، ورُبَّما كان تكْلِيمُه في حالِ سُكْرِه أضَرَّ مِن تَكْليمِه في صَحْوه، ولأنَّ المجنونَ يسْمَعُ الكلامَ أيضًا ويَحْنَثُ، وكذلك إن كَلَّمتْ صَبِيًّا يَسْمَعُ ويَعْلَمُ أنَّه مُكَلَّمٌ حَنِثَ.
فأمَّا إن جُنَّتْ هي، وكَلَّمتْهُ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ القَلَمَ مرْفوعٌ عنها، ولم يَبْقَ لكلامِها حُكْمٌ.
وإن كَلَّمَتْه سَكْرانةً، حَنِثَ؛ لأنَّ حُكْمَها حُكْمُ الصَّاحِي (وقيلَ: لا يَحْنَثُ) لأنَّه لا عَقْلَ لها.
[فإنْ كان السَّكْرانُ أو المجنونُ مصروعًا، لم يَحْنَثْ] 1.

وَإنْ كَلَّمَتْهُ مَيِّتًا، أو غَائِبًا، أو مُغْمًى عَلَيهِ، أو نَائِمًا، لَمْ يَحْنَثْ.
وَقَال أَبُو بَكرٍ: يَحْنَثُ.

3594 - مسألة. (وَإنْ كَلَّمَتْه مَيِّتًا، أو غَائِبًا، أو مُغْمًى عليهِ، أو نَائِمًا، لم يَحْنَثْ. وقال أبو بكرٍ: يَحْنَثُ)

لقَوْلِ أصحابِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: كَيفَ تُكَلِّمُ أجْسَادًا لَا أرْواع فيها؟ 1 ولَنا، أنَّ التَّكْليمَ فِعْلٌ يتَعدَّى إلى المُتَكَلَّمِ، وقد قِيلَ: إنَّه مأْخُوذٌ مِن الكَلْمِ، وهو الجُرْحُ؛ لأنَّه يُؤثِّرُ فيه كتَأْثيرِ الجُرْحِ، ولا يكونُ ذلك إلَّا بإسْماعِه 2، فأمَّا تَكْليمُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - المَوْتَى، فَمِن مُعْجِزَاتِه، فإنَّه قال: «مَا أنْتُمْ بأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ».
ولم يَثْبُتْ هذا لغيرِه، وقولُ أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: كيف تُكَلِّمُ أجْسادًا لا أرْواحَ فيها؟ حُجَّةٌ لنا، فإنَّهم قالوا ذلك اسْتِبعادًا 3، أَو سُؤالًا

..................................  عمَّا خَفِيَ عنهم سَبَبُه وحِكْمَتُه، حتى كَشَفَ لهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حِكْمَةَ 1 ذلك بأمْرٍ مُخْتَصٍّ به، فيَبْقَى الأمْرُ [في حَقِّ مَن] 2 سِوَاه على النَّفْي.
وإن سَلَّمَتْ عليه حَنِثَ؛ لأنَّه كلامٌ.
فإن كان أحَدُهما إمامًا، والآخَرُ مَأْمُومًا، لم يَحْنَثْ بتَسْلِيمِ الصَّلاةِ؛ لأنَّه للخُروجِ منها، إلَّا أن يَنْوِيَ بتَسْلِيمِه 3 المأْمُومِينَ، فيكونُ حُكْمُه كما لو سَلَّمَ عليهم في غيرِ الصَّلاةِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَث بحالٍ؛ لأنَّ هذا لا يُعَدُّ تَكْليمًا، ولا يُريدُه الحالِفُ.
فصل: وإن حَلَفَ لا يُكلِّمُ إنْسانًا، فكَلَّمَ غيرَه وهو يسْمَعُ، يَقْصِدُ بذلك إسْماعَه، كما لو قال: إيَّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يا جَارَهْ 4 حَنِثَ.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: إذا حَلَفَ لا يُكَلِّمُ فُلانًا، فكلَّمَ إنسانًا وهو يَسْمَعُ، يُرِيدُ بكَلامِه إيَّاه المحْلُوفَ عليه، حَنِثَ؛ لأنَّه قد أرادَ تَكْليمَه.
ورُوِيَ عن أبي بَكْرةَ ما يدُلُّ على أنَّه لا يَحْنَثُ؛ فإنَّه كان (1) حَلَفَ أن لا يُكَلِّمَ أخَاه زِيادًا، فأرادَ زيادٌ الحَجَّ، فجاءَ أبو بَكْرةَ، فدخلَ

..................................  قصرَه وأخذَ ابنَه في حِجْرِه، فقال: إنَّ أباكَ يُريدُ الحَجَّ والدُّخولَ على زَوْجِ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بهذا السَّبَب، وقد علمَ أنَّه غيرُ صَحيحٍ.
ثم خرَجَ، ولم يَرَ أنَّه كلَّمَه 1. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه أسْمَعَه كلامَه يُريدُه به، فأشْبَهَ ما لو خاطَبَه به، ولأنَّ مقْصودَ تكْليمِه قد حَصَلَ بإسْماعِه كلامَه.
فصل: فإن حَلَفَ لا يُكَلِّمُ امرأتَه، فجامَعَها، لم يَحْنَثْ، إلَّا أن تكونَ نِيَّتُه هِجْرانَها.
قال أحمدُ في رجلٍ قال لامرأتِه: إن كَلَّمْتُك خمسةَ أيَّام فأنتِ طالقٌ.
ألَهُ 2 أن يُجامِعَها ولا يُكَلِّمَها؟ فقال: أيُّ شيءٍ [كان بُدُوُّ هذا، أيَسُوءُها أو يغيظُها] 3؟ فإن لم تكُنْ له نِيَّةٌ، فله أن يُجامِعَها ولا يُكَلِّمَها.
وإن حَلَفَ لا يَقْرأُ كتابَ فلانٍ، فقَرأَه في نفسِه، ولم يُحَرِّكْ شَفَتَيه به 4، حَنِثَ؛ لأنَّ هذا قراءةُ الكُتُبِ في عُرْفِ النَّاسِ، فتَنْصرِفُ يَمِينُه إليه، إلَّا أن يَنْويَ حقيقةَ القراءة 5. قال أحمدُ: إذا حَلَفَ: لا قَرَأْتُ لفُلانٍ كتابًا.
ففَتَحَه حتى اسْتَقْصَى آخِرَه، إلَّا أنَّه لم يُحَرِّكْ 6 شَفَتَيه،

وَإنْ قَال: لِامْرَأَتيهِ: إِن كَلَّمْتُمَا هَذَينِ فَأنْتُمَا طَالقَتَانِ.
فَكَلَّمَتْ كُلّ وَاحِدَةٍ وَاحِدًا مِنْهُمَا، طَلُقَتَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ حَتَّى تُكَلِّمَا جَمِيعًا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
فإن أرادَ: أن [لا يَعْلَمَ] (1) ما فيه، فقد عَلِمَ ما فيه وقرأه.

3595 -

مسألة: (فإن قال لامْرَأتَيه: إنْ كَلَّمْتُما هَذَينِ)

الرجُلَينِ (فَأنْتُما طَالِقَتَانِ.
فَكَلَّمَتْ كُلُّ واحدةٍ مِنْهُما وَاحِدًا، طَلُقَتا.
وَيَحْتَمِلُ أنْ لا يَحْنَثَ حَتَّى تُكَلِّمَا جَمِيعًا كُلَّ واحدٍ منهما) هذه المسألةُ فيها وَجْهانِ؛ أحْدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّ تَكْليمَهما وُجِدَ منهما، فحَنِثَ، كما لو قال: إن حِضْتُما فأنتُما طالقَتانِ.
فحاضَتْ كلُّ واحدةٍ حَيضَةً.
وكذلك لو قال: إن رَكِبْتُما دابتَّيكُما فأنْتُما طالقتان.
فرَكِبَتْ كلُّ واحدةٍ دابتَّهَا.
والثاني، لا يَحْنَثُ حتى تُكَلِّمَ كُلُّ واحدةٍ منهما الرَّجلَين معًا؛ لأنَّه عَلَّقَ طَلاقَهما بكلامِهما لهما، فلا تَطْلُقُ واحدة بكلامِ الأُخْرَى1

..................................  وحدَها.
وهذا أظْهَرُ الوَجْهَينِ لأصحابِ الشافعيِّ.
وهو أوْلَى إن شَاء اللهُ تعالى، إذا لم تكُنْ له نِيَّةٌ.
وهكذا إن قال: إن دَخْلتُما هاتَين الدَّارَينِ.
فالحُكْمُ فيها كذلك؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ النِّكاحِ.
قال شيخُنا 1: [وهذا] 2 فيما لم تَجْرِ العادَةُ بانْفِرادِ الواحِدَةِ به.
فأمَّا ما جَرَتِ العادةُ بانْفرادِ الواحدَةِ فيه بالواحدِ، كنحو: رَكِبَا دابَّتَيهما، ولَبِسا ثوبَيهما، وتَقَلَّدا سَيفَيهما، واعْتَقَلا رُمْحَيهما، ودَخَلا بزَوْجَتَيهما.
وأشْباه هذا، فإنَّه يَحْنَثُ إذا وُجِدَ 3 منهما مُنْفَردَينِ، وما لم تَجْرِ العادةُ فيه بذلك،

وَإنْ قَال: إِنْ أمَرْتُكِ فَخَالفْتِنِي فَأنْتِ طَالِقٌ.
فَنَهَاهَا وَخَالفَتْهُ، لَمْ  فهو على الوَجْهَينِ.
فأمَّا إن قال: إن أكلْتُما هذَينِ الرَّغِيفَينِ.
فأكلتْ كُلُّ واحدةٍ منهما رَغِيفًا، فإنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّه يَسْتَحِيلُ أن تَأْكُلَ كلُّ واحدةٍ منهما الرَّغيفينِ، بخِلافِ الرَّجُلَينِ والدَّارَينِ.

3596 -

مسألة: (فَإنْ قَال: إنْ أمَرْتُكِ فخالفْتِني فأنْتِ طالقٌ

يَحْنَثْ، إلَّا أنْ يَنْويَ مُطْلَقَ الْمُخَالفَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ تَطْلُقَ.
وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: إِنْ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ وَالنَّهْي، حَنِثَ.
فَنَهاها فخالفَتْه، لم يَحْنَثْ، إلَّا أن يَنْويَ مُطْلقَ المُخالفَةِ) اخْتارَه أبو بكرٍ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّها خالفَتْ [نَهْيَه لا أمْرَه] 1 (وقال أبو الخَطَّابِ: يَحْنَثُ إذا لم يَكُنْ ممَّن يَعْرِفُ حقيقةَ الأمْرِ والنَّهْي) لأنَّه إذا كان كذلك فإنَّما يُريدُ نَفْيَ المُخالفَةِ.
(ويَحْتَمِلُ أن تَطْلُقَ) بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّ الأمْرَ بالشيءِ نَهْيٌ عن ضدِّه، والنَّهْيُ عنه أمْرٌ بضدِّه، فقد خالفَتْ أمْرَه.
وإن قال لها: إن نَهَيتِني عن نَفْعِ أُمِّي فأنتِ طالقٌ.
[فقالت له] 2: لا تُعْطِها مِن مالِي شيئًا.
لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ إعْطاءَها مِن مالِها لا يَجوزُ، ولا يجوزُ النَّفْعُ به، فيكونُ هذا النَّفْعُ مُحَرَّمًا، فلا تَتَناوَلُه يَمِينُه.
ويَحْتَمِلُ أن يَحْنَثَ؛ لأنَّه نَفْعٌ، ولَفْظُه عامٌّ، فيَدْخلُ المُحَرَّمُ فيه.

..................................  فصل: إذا قل: أنتِ طالقٌ إن كلَّمتِ زيدًا ومحمدٌ مع خالدٍ.
لم تَطْلُقْ حتى تُكَلِّمَ زيدًا في حالٍ كَوْنِ محمدٍ فيها مع خالدٍ.
وذَكَرَ القاضي أنَّه يَحْنَثُ بكلامِ زيدٍ فقط؛ لأنَّ قوْلَه: ومحمدٌ مع خالدٍ.
اسْتِئْنافُ كلام؛ بدليلِ أنَّه مَرْفوعٌ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّه متى أمْكَنَ جعلُ الكلامِ مُتَّصِلًا كان أوْلَى مِن فَصْلِه، والرَّفْعُ لا يَنْفِي كَوْنَه حالًا، فإنَّ الجملةَ مِنَ المُبتَدأَ والخَبَرِ تكونُ حالًا، كقولِه تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ 1. وقال: ﴿إلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ 2. وهذا كثيرٌ، فلا يجوزُ قَطْعُه عن الكلامِ الذي هو في سِياقِه مع إمْكانِ وَصْلِه به، ولو قال: إن كلُّمْتِ زيدًا ومحمدٌ مع خالدٍ [فأنتِ طالقٌ] 3. لم تَطْلُقْ حتى تُكَلِّمَ زيدًا في حالِ كَوْنِ محمدٍ مع خالدٍ، فكذلك إذا تأخَّرَ قولُه: محمدٌ مع خالدٍ.
ولو قال: أنتِ طالقٌ إن كَلَّمْتِ زيدًا وأنا غائِبٌ.
لم تَطْلُقْ حتى تُكَلِّمَه في حالِ غَيبَتِه.
وكذلك لو قال: أنتِ طالقٌ إن كَلَّمتِ زيدًا وأنتِ راكِبَةٌ.
أو: وهو راكبٌ.
أو: ومحمدٌ راكبٌ.
لم تَطْلُقْ حتى تُكَلِّمَه في تلك الحالِ.
ولو قال: أنتِ طالقٌ إن كَلَّمتِ زيدًا ومحمدٌ أخوه مريضٌ.

..................................  لم تَطْلُقْ حتى تُكَلِّمَه وأخوه محمدٌ مريضٌ.
فصل: وإن قال: إن كلَّمْتِنِي إلى أن يَقْدَمَ زيدٌ.
أو: حتى يَقْدَمَ زيدٌ، فأنتِ طالقٌ.
فكَلَّمَتْه قبلَ قُدومِه، حَنِثَ، لأنَّه مَدَّ المنْعَ إلى غايةٍ هي قُدومُ زيدٍ، فلا يَحْنَثُ بعدَها.
فإن قال: أرَدْتُ إنِ اسْتَدَمْتِ كلامِي مِن الآنَ إلى أن يَقْدَمَ زيدٌ.
دُيِّنَ، وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ.

فَصْلٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِالإذْنِ: إِذَا قَال: إِنْ خَرَجْتِ بِغَيرِ إِذْنِي.
أوْ: إلا بِإِذْنِي.
أوْ: حَتَّى آذَنَ لَكِ، فَانْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ أذِنَ لَهَا، فَخَرَجَتْ، ثمَّ خَرَجَتْ بِغَيرِ إِذْنِهِ، طَلُقَتْ.
وَعَنْهُ، لَا تَطْلُقُ إلَّا  فصلٌ في تعليقِه بالإِذْنِ:

3597 -

مسألة: (إذا قال: إن خَرَجْتِ بغَيرِ إذْنِي. أوْ: إلَّا بإذْنِي. أوْ: حَتَّى آذَنَ لَكِ، فأنْتِ طالقٌ. ثُمَّ أَذِنَ لَهَا، فَخرَجَت، ثُمَّ خَرَجَتْ بغَيرِ إذْنِه، طَلُقَتْ)

لخُرُوجِهَا بغَيرِ إذْنِهِ (وعنه، لا تَطْلُقُ حَتَّى

أَنْ يَنْويَ الْإِذْنَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ.
وَإنْ أَذِنَ لَهَا مِنْ حَيثُ لَا تَعْلَمُ، فَخَرَجَتْ، طَلُقَتْ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَطْلُقَ.
يَنْويَ الإِذْنَ في كُلِّ مَرَّةٍ) لأنَّ «إنْ» لا تَقْتَضِي التَّكْرارَ، فَتَتناوَلُ الخُروجَ في المرَةِ الأُولَى.

3598 -

مسألة: (وإن أذِنَ لها مِن حَيثُ لا تَعْلَمُ، فَخَرَجَتْ، طَلُقَتْ)

لأنَّها إذا لم تَعْلَمْ فليس بإذْنٍ، لأنَّ الإِذْنَ هو الإِعْلامُ، ولم يُعْلِمْها (ويَحْتَمِلُ أن لا تَطْلُقَ) لأنَّه يُقَالُ: أذِنَ لها ولم تَعْلمْ.

وَإنْ قَال: إِنْ خَرَجْتِ إِلَى غَيرِ الْحَمَّامِ بِغَيرِ إِذْنِي فَأنْتِ طَالِقٌ.

3599 - مسألة: (وَإنْ قَال: إنْ خَرَجْتِ إلَى غَيرِ الحَمَّامِ بغَيرِ إذْنِي فَأنْتِ طالقٌ)

فخَرَجَتْ إلَى غَيرِ الحَمَّامِ طَلُقَتْ، سَواءٌ عَدَلَتْ إلَى

فَخَرَجَتْ تُرِيدُ الْحَمَّامَ وَغَيرَهُ، طَلُقَتْ.
وَإنْ خَرَجَتْ إِلَى الْحَمَّامِ ثُمَّ عَدَلَتْ إِلَى غَيرِهِ، طَلُقَتْ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا تَطْلُقَ.
الحَمَّامِ أو لم تَعْدِلْ.
وإن (خَرَجَتْ تُريدُ الحَمَّامَ وغيرَه) ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّها خرَجَتْ إلى غيرِ الحَمَّامِ، وانْضمَّ إليه غيرُه، فحَنِثَ بما حَلَفَ عليه، كما لو حَلَفَ لا يُكَلِّمُ زيدًا، [فكلَّمَ زيدًا وعمرًا] (1) والثَّاني، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّها ما (2) خرجَتْ إلى غيرِ الحمَّامِ، بل الخُرُوجُ مُشتَرَكٌ.

3600 -

مسألة: (وَإنْ خَرَجَتْ تُرِيدُ الحَمَّامَ ثُمّ عَدَلَتْ إلَى غَيرِه)

فقياسُ المذهبِ أنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّ ظاهِرَ هذه اليَمِينِ المنْعُ مِن غيرِ الحَمَّامِ، فكيفما صارتْ إليه حَنِثَ، كما لو خالفَتْ لَفْظَه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ.12

وَإنْ حَلَفَ لِعَامِلٍ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلا بِإِذْنِهِ، فَعُزِلَ، فَهَلْ تَنْحَلُّ يَمِينُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّها لم تَفْعَل ما حَلَفَ عليه وتَناوَلَه لَفْظُه.
ونَقَلَ الفَضْلُ بنُ زيادٍ عن أحمدَ أنَّه سُئِلَ: إذا حَلَفَ بالطَّلاقِ أن لا يَخْرُجَ مِن بغْدادَ إلَّا لنُزْهَةٍ، فخرجَ إلى النُّزْهةِ، ثم مَرَّ إلى مكَّةَ، فقال: النُّزْهة لا تَكونُ إلى مكَّةَ.
فظاهرُ هذا أنَّه أحْنَثَه، ووَجْهُه ما ذَكَرْنا.
وقال في رجلٍ حَلَفَ بالطَّلاقِ أن لا يَأْتِيَ أرْمِينيَةَ (1) إلَّا بإذْنِ امرأتِه، فقالتِ امرأتُه: اذهبْ حيثُ شِئْتَ.
فقال: لا حتى تقولَ: إلى أرْمِينيَةَ.
والصحيحُ أنَّه متى أذِنَتْ له إذْنًا عامًّا لم (2) يَحْنَثْ.
قال القاضي: وهذا مِن كلامِ أحمدَ محمولٌ على أنَّ هذا خَرَجَ مَخْرَجَ الغَضَبِ والكَرَاهةِ، ولو قالت هذا بطِيبِ قَلْبِها، كان إذْنًا منها، وله الخُروجُ، وإن كان بلَفْظٍ عامٍّ.

3601 -

مسألة: (وَإنْ حَلَفَ لِعَامِلٍ أن لا يَخْرُجَ إلَّا بإذْنِه، فَعُزِلَ، فَهَلْ تَنْحَلُّ يَمِينُه؟ عَلَى وَجْهَينِ)

وهذا مَبْنِيٌّ على ما إذا حَلَفَ12

..................................  يمينًا عامَّةً لسَبَبٍ خاصٍّ، هل تَخْتَصُّ يَمِينُه بسَبَبِ اليَمينِ؟ على وَجْهَينِ؛ أحدُهما، أنَّها تَخْتَصُّ به؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه أرادَه، فاخْتَصتْ يَمِينُهُ به، كما لو نَوَاه.
فعلى هذا، تَنْحَلُّ يَمينُه؛ لأنَّه إنَّما حَلَفَ عليه لكَوْنِه عامِلًا له.
وهذا قولُ أصحابِ أبي حنيفةَ.
ورُوِيَ عن أحمدَ ما يدُلُّ على أنَّ يَمينَه تُحْمَلُ على العُمُومِ، فقال في مَن قال: للهِ عليَّ أن لا أصِيدَ في هذا النَّهرِ.
لظُلْمٍ رآه، فتَغَيَّرَ حالُه، فقال: النَّذْرُ يُوفَى به.
وذلك لأنَّ اللَّفْظَ دليلُ الحُكْمِ، فيَجِبُ اعْتِبارُه في الخُصُوصِ والعُمُومِ، كما في لَفْظِ الشَّارِعِ.
وَوَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ السَّبَبَ الخاصَّ يدُلُّ على قَصْدِ الخُصوصِ، ويقُومُ مَقامَ النِّيَّةِ عند عَدَمِها 1؛ لدَلالتِه عليها، فوَجَبَ أن يَخْتَصَّ به اللَّفْظُ العامُّ كالنِّيَّةِ، وفارَقَ لَفْظَ الشَّارِعِ، فإنَّه يُرِيدُ بيانَ الأحْكامِ، ولا يَخْتَصُّ بمحَل السَّبَبِ؛ لكَوْنِ الحاجَةِ داعِيةً إلى مَعْرفةِ الحُكْمِ في غيِر محَلِّ السَّببِ.
فعلى هذا، لو قامتِ امْرأتُه لتَخْرُجَ فقال: إنْ خَرَجْتِ فأنتِ طالقٌ.
فرَجَعَتْ، ثُمَّ خرجتْ بعدَ ذلك، أو دَعَاهُ إنْسانٌ إلى غَدَائِه، فقال: امْرأتِي طالقٌ إن تَغَدَّيتُ.
ثم رَجَعَ فتَغَدَّى في مَنزِله، لم يَحْنَثْ على الأوَّلِ، ويَحْنَثُ على الثاني.
وإن حَلَفَ لعامل أنْ لا يَخْرُجَ إلَّا بإذْنِه، أو حَلَفَ بذلك على امْرأتِه أو مَمْلوكِه، فَعَزلَ العامِلَ، أو طَلَّقَ المرأةَ، أو بَاعَ المَمْلُوكَ، أو حَلَفَ على وَكيلٍ فَعَزَلَه، خُرِّجَ في ذلك كُلِّه وَجْهانِ.

فَصْلٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِالْمَشِيئَةِ: إذَا قَال: أنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ.
أوْ: كَيفَ شِئْتِ.
أوْ: حَيثُ شِئْتِ.
أوْ: مَتَى شئْتِ.
لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَقُولَ: قَدْ شِئْتُ.
سَوَاءٌ شَاءَتْ عَلَى الْفَوْرِ أَو التَّرَاخِي.
فصلٌ في تعليقِه بالمشِيئَةِ: (إذَا قَال: أنتِ طالقٌ إنْ شِئْتِ) أو: إذا شئْتِ (أو: متى شِئتِ) أو: كلَّما شِئْتِ (أو: كيف شِئْتِ.
أو: حيث شئتِ) أو: أنَّى شئتِ.
(لم تَطْلُقْ حتى تقولَ: قد شئْتُ) لأنَّ ما في القَلْبِ لا يُعْلَمُ حتى يُعَبِّرَ عنه اللسانُ، فَتَعَلَّقَ الحُكْمُ بما يَنْطِقُ به، دُونَ ما في القَلْبِ، فلو شاءت بقلْبِها دُونَ نُطْقِها، لم يَقَعْ به طَلاقٌ.
ولو قالت: قد شِئْتُ.
بلسانِها وهي كارِهَة، وقَعَ الطَّلاقُ، اعْتِبارًا بالنُّطْقِ.
وكذلك إن عَلَّقَ الطَّلاقَ بمَشِيئةِ غيرِها.

3602 -

مسألة: ومَتى وُجِدَتِ المَشيئةُ بِاللِّسَانِ، وَقَعَ الطلاقُ (سَوَاء كان علَى الفَوْرِ أو التَّرَاخِي)

نَصَّ عليه أحمدُ، في تَعْليقِ الطَّلاقِ بمشِيئَةِ فُلانٍ، وفيما إذا قال: أنتِ طالقٌ حيثُ شئتِ.
أو: أينَ شئتِ.

..................................  ونحوَ هذا قال الزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ.
وقال أبو حنيفةَ دُونَ صاحِبَيه: إذا قال: أنتِ طالقٌ كيف شئتِ.
تَطْلُقُ في الحالِ طَلْقةً رَجْعِيَّةً؛ لأنَّ هذا ليسِ بشَرْطٍ، إنَّما هو صِفَةٌ للطَّلاقِ الواقعَ بمَشِيئَتِها.
ولَنا، أنَّه أضافَ الطَّلاق إلى مَشِيئَتِها، فأشْبَهَ ما لو قال: حيت شِئْتِ.
وقال الشافعيُّ في جميعِ الحروفِ: إن شاءَتْ 1 في الحالِ، وإلَّا فلا تَطْلُقُ؛ لأنَّ هذا تَمْليكٌ للطَّلاقِ، فكان على الفَوْرِ، كقولِه: اخْتارِى.
وقال أصحابُ الرَّأْي في «إن» كقولِه، وفي سائرِ الحُروفِ كقَوْلِنا؛ لأنَّ هذه الحُروفَ صَرِيحةٌ في التَّراخِي، فحُمِلَتْ على مُقْتَضاها، بخِلافِ «إن»، فإنَّها لا تَقْتَضِي زمانًا، وإنَّما هي لمُجَرَّدِ الشَّرْطِ، فتُقَيَّدُ بالفَوْرِ بقضِيَّةِ 2 التَّمْلِيكِ 3. وقال الحسنُ، وعطاءٌ، في قولِه: أنتِ طالقٌ إن شِئْتِ.
إنَّما ذلك ما دامَا في المجْلِسِ.
ولَنا، أنَّه تَعْليقٌ للطَّلاقِ على شَرْطٍ، [فكان على التَّراخِي، كسائِرِ التَّعْليقِ، ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ مُعَلَّقٍ على المشيئةِ] 4، فكان على التَّراخِي، كالعتقِ، وفارقَ: اخْتارِي 5. فإنَّه ليس بشَرْطٍ،

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْمَجْلِسِ، كَالاخْتِيَارِ.
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ.
فَقَالتْ: قَدْ شِئْتُ إِنْ شِئْتَ.
فَقَال: قَدْ شِئْتُ.
لَمْ تَطْلُقْ.
إنَّما هو تَخْييرٌ، فتَقَيَّدَ بالمجلسِ، [كخِيَارِ المجْلِسِ] (1). (ويَحْتَمِلُ أن يَقِفَ على المجْلِسِ، كالاخْتِيَارِ) لأنَّه تَمْلِيكٌ للطَّلاقِ، فكان على الفَوْرِ، كقولِه: اخْتارِي.
والصَّحيحُ الأوَّلُ.
وقد ذَكَرْنا الفَرْقَ بين الأصْلِ والفَرْعِ.
فإن قَيَّدَ المَشِيئَةَ بوقْتٍ، فقال: أنتِ طالقٌ إن شئتِ اليومَ.
تَقَيَّدَ به، فإنْ خَرَجَ اليومُ قبلَ (2) مَشِيئَتِها، لم تطْلُقْ.
وإن عَلَّقَه على مَشِيئَةِ اثْنَينِ، لم يَقَعْ حتى تُوجَدَ مَشِيئَتُهما.
وخَرَّجَ القاضي وَجْهًا، أنَّه يَقَعُ بمَشِيئَةِ أحدِهما، كما يَحْنَثُ بفِعْلِ بعضِ المحْلوفِ عليه.
وقد بَيَّنَّا فسادَ هذا.

3603 -

مسألة: (وَإن قَال: أنتِ طالقٌ إنْ شِئْتِ. فَقالتْ: قَدْ شِئْتُ إن شِئْتَ. فقَال: قَدْ شِئْتُ. لَمْ تَطْلُقْ)

لأنَّها لم تَشَأْ، فإنَّ المشِيئَةَ أمْرٌ حَقِيقيٌّ، لا يَصِحُّ تَعْليقُها على شَرْطٍ.
وكذلك إن قالتْ: قد شئتُ إن طَلَعَتِ الشَّمسُ.
نَصَّ أحمدُ على هذا، وهو قولُ سائِرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
قال ابنُ12

وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ وَشَاءَ أَبُوكِ.
لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَشَاءَا.
المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على أنَّ الرَّجُلَ إذا قال لزَوْجَتِه: أنتِ طالقٌ إن شئتِ.
فقالتْ: قد شِئْتُ إن شاءَ فُلانٌ.
أنَّها قد رَدَّتِ الأمْرَ، ولا يَلْزَمُها الطَّلاقُ وإن شاءَ فُلان؛ وذلك لأنَّه لم يُوجَدْ منها مَشِيئَةٌ، إنَّما وُجدَ منها تَعْليقُ مَشِيئَتِها بشَرْطٍ، وليس تَعْليقُ المشِيئَةِ بشَرْطٍ مَشِيئَةً.
وإن عَلًّقَ الطلاقَ على مَشِيئَةِ اثْنَينِ، فشاءَ أحدُهما على الفَوْرِ، والآخَرُ على التَّراخِي، وقَعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّ المشِيئَةَ قد وُجِدَتْ منهما جميعًا.

3604 -

مسألة: (وإن قال: أنْتِ طالقٌ إنْ شِئْتِ وَشَاءَ أبُوكِ. لم تَطْلُقْ حَتَّى يَشَاءَا)

لأنَّ الصِّفَةَ مشِيئَتُهما، ولا تَطْلُقُ بمشِيئَةِ أحدِهما؛ لعدَمِ وُجودِ الشَّرْطِ.

وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ زَيدٌ.
فَمَاتَ أَوْ جُنَّ أَوْ خَرِسَ قَبْلَ الْمَشِيئَةِ، لَمْ تَطْلُقْ،

3605 - مسألة: (وَإنْ قَال: أنْتِ طَالِق إنْ شَاءَ زَيدٌ. فَمَاتَ أوْ جُنَّ أو خَرِسَ قَبْلَ المَشِيئَةِ، لَمْ تَطلُقْ)

لأنَّ شَرْطَ الطَّلاقِ لم يُوجَدْ.
وحُكِيَ عن أبي بكرٍ أنَّه يَقَعُ؛ لأنَّه علَّقَه على شَرْطٍ [تَعَذَّر الوقوفُ عليه] 1، فوقعَ في الحالِ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ إن شاءَ اللهُ.
وليس بصَحيح؛ لأنَّ الطَّلاقَ المُعَلَّقَ على شَرْطٍ لا يَقَعُ إذا تَعَذَّرَ شَرْطُه، كالمُعَلَّقِ على دُخولِ الدَّارِ.
وإن شاءَ وهو مَجْنونٌ، لم يَقَعْ طَلاقُه؛ لأنَّه لا حُكْمَ

وَإنْ شَاءَ وَهُوَ سَكْرَانُ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَينِ فِي طَلَاقِهِ، وَإنْ كَانَ صَبِيًّا يَعْقِلُ الْمَشِيئَةَ، فَشَاءَ، طَلُقَتْ، وَإلَّا فَلَا.
لكلامِه.
(وإن شاءَ وهو سَكْرانُ) فالصَّحيحُ أنَّه لا يَقَعُ؛ لأنَّه زائلُ العَقْلِ، أشْبَهَ المجْنونَ.
وقال أصحابُنا: (يُخرَّجُ على الرِّوايَتَينِ في طلاقِه) والفَرْقُ بينَهما أنَّ إيقاعَ طلاقِه تَغْليظٌ عليه كيلا تكونَ المعْصِيَةُ سَبَبًا للتَّخْفيفِ عنه، وههُنا إنَّما يقَعُ الطَّلاقُ بغيرِه، فلا يَصِحُّ منه في حالِ زَوالِ عَقْلِه.
وإن شاءَ وهو صَبِيٌّ طفلٌ، لم يَقَعْ، كالمجْنونِ.
وإن كان يَعْقِلُ الطَّلاقَ، وقَعَ؛ لأنَّ له مَشِيئةً، ولذلك صَحَّ اخْتيارُه لأحدِ أبَوَيه.
وإن كان أخْرسَ فشاءَ بالإِشارَةِ، وقَعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّ إشارَتَه تقومُ مَقامَ نُطْقِ النَّاطِقِ، ولذلك وقَعَ طَلاقُه بها، وإن كان ناطِقًا حال التَّعْليقِ،

وَإنْ قَال: أنْتِ طَالِقٌ إلا أنْ يَشَاءَ زَيدٌ.
فَمَاتَ أوْ جُنَّ أوْ خَرِسَ، طَلُقَتْ.
فخَرِسَ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَقَعُ الطَّلاقُ بها؛ لأنَّ طلاقَه في نَفْسِه يَقَعُ بها، فكذلك طلاقُ مَنْ عَلَّقَه بمَشِيئتِه.
والثاني، لا يَقَعُ بها؛ لأنَّه حال التَّعْليقِ كان لا يَقَعُ إلَّا بالنُّطْقِ، فلم يَقَعْ بغيرِه، كما لو قال في التَّعْليقِ: إن نَطَقَ فُلانٌ بِمَشيئَتِه فهي طالقٌ.

3606 -

مسألة: (وَإنْ قَال: أنْتِ طَالقٌ إلَّا أنْ يَشَاءَ زَيدٌ. فَمَاتَ أو جُنَّ أوْ خَرِسَ، طَلُقَتْ)

فِي الْحَالِ؛ لأنَّه أوْقَعَ الطَّلاقَ، وعَلَّقَ رَفْعَه 1 بشَرْطٍ، ولم يُوجَدْ.
وأمَّا إذا خَرِسَ فشاءَ بالإِشارَةِ، خُرِّجَ فيه الوَجْهانِ اللَّذانِ ذَكَرْناهما، بِناءً على وُقوعِ الطَّلاقِ بإشارَتِه إذا علَّقَه 2 على مَشِيئَتِه.

وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إلا أَنْ يَشَاءَ زَيدٌ ثَلَاثًا، فَشَاءَ ثَلَاثًا، طَلُقَتْ ثَلَاثًا، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ، وَفِي الْآخَرِ، لَا تَطْلُقُ.

3607 - مسألة: (وَإنْ قَال: أنْتِ طَالقٌ واحدةً إلَّا أن يَشَاءَ زَيدٌ ثَلاثًا. فَشَاءَ ثَلاثًا)

فَقَال أبو بَكْرٍ: (تَطْلُقُ ثَلاثًا فِي أحَدِ الوَجْهَينِ) لأنَّ السَّابِقَ إلى الفَهْمِ مِن هذا الكلامِ إيقاعُ الثَّلاثِ إذا شاءَها زيدٌ، كما لو قال: له عَلَيَّ دِرهمٌ إلَّا أن يُقيمَ بَيِّنةً بثلاثةٍ، و: خُذْ درهمًا إلَّا أن تُرِيدَ أكثرَ منه.
ومنه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إلَّا بَيعَ الْخِيَارِ» 1. أي أنَّ بيعَ الخيارِ يَثْبُتُ الخيارُ فيه بعدَ تَفَرُّقِهما.
والثَّاني (لا تَطْلُقُ) [إذا شاءَ ثلاثًا.
وهو قولُ أصْحابِ الشافعيِّ وأبي حنيفةَ] 2؛ لأنَّ

وَإِنْ قَال: أنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللهُ.
طَلُقَتْ، وَإنْ قَال لِأَمَتِهِ: أَنْتِ حرَّةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ.
عَتَقَتْ.
وَحُكِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ يَقَعُ الْعِتْقُ دُونَ الطَّلاقَ.
الاسْتِثْناءَ مِن الإِثْباتِ نَفْيٌ، فتَقْدِيرُه: أنتِ طالقٌ واحدةً، إلَّا أنْ يَشاءَ زيدٌ ثلاثًا فلا تَطْلُقِي.
ولأنَّه لو (1) لم يَقُلْ: ثلاثًا.
لَما طَلُقَتْ بمشِيئَتِه ثلاثًا، فكذلك إذا قال: ثلاثًا؛ لأنَّه إنَّما ذكرَ الثَّلاثَ صِفَةً لمَشِيئَةِ زيدٍ الرَّافعةِ لطلاقِ الواحدةِ، فيَصِيرُ كما لو قال: أنتِ طالقٌ إلَّا أن يُكَرِّرَ زيدٌ مشِيئَتَه ثلاثًا.
فأمَّا إن لم يَشَأْ زيدٌ، أو شاءَ أقَلَّ مِن ثلاثٍ، طَلُقَتْ واحدةً.

3608 -

مسألة: (وَإنْ قَال: أنْتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ. طَلُقَتْ. وإنْ قَال لأمَتِه: أنْتِ حُرَّةٌ إنْ شَاءَ اللهُ. عَتَقَتْ. وحُكِيَ عنه، أنَّه يَقَعُ الْعِتْقُ دُونَ الطَّلاقِ)

نصَّ أحمدُ، رَحِمَهُ اللهُ، على وُقوعِ الطَّلاقِ والعِتْقِ،

..................................  في رِوايةِ جماعةٍ، وقال: ليس هما مِن الأيمانِ.
وبهذا قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، ومَكْحول، وقَتادةُ، والزُّهْرِي، ومالك، واللَّيثُ والأوْزَاعِيُّ، وأبو عُبَيدٍ.
وعن أحمدَ ما يدُل على أنَّ الطَّلاقَ لا يقَعُ، ولا العَتَاقُ.
وهو قولُ طاوُس، والحَكَمِ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّه علَّقه على مشِيئَةٍ لم يُعْلَمْ وُجودُها، فلم يَقَعْ، كما لو علَّقه 1 على مشِيئَةِ زيدٍ، ولقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ حَلَفَ، فَقَال: إنْ شَاءَ اللهُ.
لَمْ يَحْنَثْ».
روَاه التِّرْمذِي 2، وقال: حديث حسنٌ.
ولَنا، ما رَوَى [أبو حَمْزَةَ] 3، قال: سمعتُ ابنَ عباس يقولُ: إذا قال

..................................  الرجُلُ لامْرأتِه: أنتِ طالق إن شاء الله.
فهي طالق.
روَاه أبو حفص بإسْنادِه.
وعن أبي بُرْدَةَ نحوُه.
ورَوَى ابنُ عمرَ، وأبو سعيدٍ، قالا 1: كُنَّا مَعاشِرَ أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، نَرَى الاسْتِثْناءَ جائِزًا في كلِّ شيءٍ، إلَّا في الطَّلاقِ والعَتَاقِ.
ذَكَرَه أبو الخَطّابِ.
وهذا نقل للإِجْماعِ، فإن قُدِّرَ أنَّه قولُ بعْضِهم، فقد انتشرَ، ولم يُعْلَمْ 2 له مُخافِ، فهو إجْماعٌ، ولأنَّه اسْتِثْناء يَرْفَعُ جمْلةَ الطَّلاقِ، فلم يَصِحَّ، كقولِه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا ثلاثًا.
ولأنَّه إنْشَاءُ حُكْم في محَل، فلم يَرْتَفِعْ بالمشِيئَةِ، كالبَيعِ والنِّكاحِ، أو نقولُ: إزالةُ مِلْكٍ.
فلم يَصِحَّ تَعْليقُه على مشِيئَةِ اللهِ، كما لو قال: أبرَأتك إن شاء الله.
أو تَعْليق على ما لا سبيلَ إلى عِلْمِه، فأشْبهَ تَعْليقَه على المُسْتحيلاتِ.
والحديثُ لا حُجَّةَ لهم فيه؛ فإنَّ الطَّلاقَ [والعَتَاقَ] 3 إنْشاء، وليس بيَمِين حقيقةً، وإن سُمِّيَ بذلك فَمجاز، لا

..................................  تُتْرَكُ الحَقِيقَةُ مِن أجْلِه، ثم إنَّ الطَّلاقَ إنَّما سُمِّيَ يَمِينًا إذا كان مُعَلَّقًا علي شَرْطٍ يُمْكِنُ فِعْلُه وتَرْكُه، ومُجَرَّدُ قولِه: أنتِ طالقٌ.
ليس بيَمِين حقيقة ولا مَجازًا، فلم يَكُنْ الاسْتِثْناءُ بعدَ يَمِين.
وقولُهم: عَلّقَه على مشِيئَةٍ لا تُعْلَمُ.
قُلْنا: قد عُلِمَتْ مَشِيئَةُ اللهِ للطَّلاقِ بمُباشَرَةِ الآدَمِيِّ سَبَبَه.
قال قَتادةُ: قد شاءَ اللهُ حينَ أذِنَ أنْ تُطَلَّقَ.
ولو سَلَّمْنا أنّها لم تُعْلَمْ، لكنْ قد عَلَّقَه على شَرْطٍ يَسْتحيلُ عِلْمُه، فيَكُونُ كتَعْليقِه غلى المُسْتحيلاتِ، يَلْغُو، ويَقَعُ الطَّلاقُ في الحالِ.
وحُكِيَ عن أحمدَ، أنَّه يَقَعُ العتقُ دُونَ الطَّلاقِ، وعَلَّلَه أحمدُ، رَحِمَهُ الله، بأنَّ العِتْقَ للهِ سبحانه وتعالى، والطَّلاقَ ليس هو للهِ، ولا فيه قُرْبَة إليه، ولأنَّه لو قال لأمَتِه: كلُّ وَلَدٍ تَلِدينَه فهو حُرٌّ.

وَإنْ قَال: أنْتِ طَالِقٌ إلا أنْ يَشَاءَ اللهُ.
طَلُقَتْ.
وَإنْ قَال: إِنْ لَمْ يَشَأَ اللهُ.
فَعَلَى وَجْهَينِ.
فهذا تَعْليقٌ للحُرِّيَّةِ على المِلْكِ، وهو صَحِيح، ولأنّ مَن نَذَرَ العِتْقَ، لَزِمَه الوَفاءُ به، ومَن نَذَرَ الطَّلاقَ، لا يَلْزَمُه الوَفاءُ به، فكما افْتَرَقَا في النَّذْرِ، جازَ أن يَفْتَرِقَا في اليَمِينِ.

3609 -

مسألة: (وإنْ قَال: أنْتِ طَالق إلا أنْ يَشَاءَ اللهُ. طَلُقَتْ)

ووَافقَ أصحابُ الشافعيِّ على هذا، في الصَّحيحِ مِن المذهبِ؛ لأنَّه أوْقعَ الطَّلاقَ، وعَلَّقَ رَفْعَه بمشيئَةٍ لم تُعْلَمْ.
3610 -

مسألة: (وَإنْ قَال: إنْ لَمْ يَشَأَ اللهُ)

أو: مَا لَمْ يَشَأَ اللهُ (فَعَلَى وَجْهَينِ) أحدُهما، يَقَعُ في الحالِ؛ لأنَّ وُقوعَ طلاقِها

وَإنْ قَال: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللهُ.
فَدَخَلَتْ، فَهَلْ  إذا لم يَشَأَ الله مُحالٌ، فَلَغَتْ هذه الصِّفَةُ، ووَقَعَ الطَّلاقُ.
والثاني، لا يَقَعُ، بِناءً على تعْليقِ الطَّلاقِ على المُحالِ، مثلَ قولِه: أنتِ طالقٌ إن جَمَعْتِ بينَ الضِّدَّينِ.
أو: شَرِبْتِ الماءَ الذي في الكُوزِ.
ولا ماءَ فيه.
فصل: وإن قال: أنتِ طالق لَتَدْخُلِنَّ الدَّارَ إن شاءَ اللهُ.
لم تَطْلُقْ، دَخَلَتْ أو لم تَدْخُلْ؛ لأنَّها إن دخَلَتْ فقد فَعَلَتِ المحْلُوفَ عليه، وإن لم تَدْخُلْ، عَلِمْنا أنَّ اللهَ لم يَشَأه؛ لأنَّه لو شاءَه لوُجِدَ، فإنَّ ما شاءَ الله كانَ.
وكذلك إن قال: أنتِ طالقٌ لا تَدْخُلِي الدَّارَ إن شاءَ الله.
لِما ذكَرْنا.
وإن أرادَ بالاستثناءِ والشَّرْطِ رَدَّهُ إلى الطَّلاقِ دُونَ والدخول، خُرِّجَ فيه مِن الخِلافِ ما ذَكَرْنا في المُنْجَزِ.
وإن لم تُعْلَمْ نِيته، فالظَّاهِرُ رُجوعُه إلى الدُّخولِ، ويَحْتَمِلُ أن يَرجِعَ إلى الطلاقِ.

3611 -

مسألة: (وإن قال: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فأنْتِ طالق إنْ شَاءَ

تَطْلُقُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
الله.
فَدَخَلَتْ، فهل تَطْلُقُ؟ على رِوَايَتَينِ) إحْدَاهما، يَقَعُ الطَّلاقُ بدُخولِ الدَّارِ، ولا يَنْفعُه الاسْتِثْناءُ؛ لأنَّ الطَّلاقَ والعَتاقَ ليسا مِن الأيمانِ، ولِما ذَكَرْناه فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ إن شاءَ الله.
والثانيةُ، لا تَطْلُقُ.
وهو قولُ أبي عُبَيدٍ؛ لأنَّه 1 إذا عَلَّقَ الطَّلاقَ بشرْطٍ صارَ يَمِينًا وحَلِفًا، فصَحَّ الاسْتِثْناءُ فيه، لعُمومِ قولِه - عليه السلام -: «مَنْ حَلَفَ عَلَىِ يَمِينٍ فَقَال: إنْ شَاءَ الله.
لَمْ يَحْنَثْ» 2. وفارَقَ إذا لم يُعَلِّقْه، فإنه ليس

..................................  بيَمِينٍ، فلا يَدْخُل في العُمومِ.

وَإنْ قَال: أنتِ طَالِقٌ لِرِضَا زَيدٍ.
أوْ: مَشِيئَتِهِ.
طَلُقَتْ فِي الْحَالِ.
فَإِنْ قَال: أرَدْتُ الشَرْطَ.
دُيِّنَ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَينَ.

3612 - مسألة: (وإن قال: أنْتِ طالقٌ لرِضَا زَيدٍ. أو: مَشِيئَتِه. طَلُقَتْ في الحَالِ)

لأنَّ مَعْناه: أنتِ طالقٌ لِكَوْنِه قد شاءَ ذلك، أو رَضِيَه، كقَوْلِه: هو حُر لوَجْهِ اللهِ، أو لرِضَا اللهِ (فإن قال: أردْتُ به الشَّرْطَ.
دُيِّنَ) قال القاضي: ويُقْبَلُ في الحُكْمِ؛ لأنَّه مُحْتَمِلٌ، فإنَّ ذلك يُسْتَعْمَلُ للشَّرْطِ، كقولِه: أنتِ طالق للسُّنَّةِ.
وهذا أظْهَرُ الوَجْهَينِ لأصحابِ الشافعيِّ.
والوَجْهُ الثاني، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه خِلافُ الظَّاهِرِ.

..................................  فصل: فإن قال: أنتِ طالق إن أحْبَبْتِ.
أو: إن 1 أرَدْتِ.
أو: إن (1) كَرِهْتِ.
احْتَمَلَ أن يتَعلَّى الطَّلاقُ بقَوْلِها بلِسانِها: قد أحْبَبْت.
أو: أرَدْتُ.
أو: كَرِهْتُ؛ لأن هذه المعاني في القَلْبِ، لا يُمْكِنُ الاطِّلاعُ عليها إلَّا مِن قِبَلِها، فتَعَلَّقَ الحُكْمُ بقولِها، كالمشِيئَةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَتعلَّقَ الِحُكْمُ بما في القَلْبِ مِن ذلك، ويكونَ اللسانُ دليلًا عليه.
فعلى هذا، لو أقرَّ الزَّوْجُ بوُجودِه، وَقَعَ طلاقُه وإن لم يَتَلَفَّظْ 2 به، ولو قالتْ: أنا أحِب ذلك.
ثم قالتْ: كنتُ كاذِبة.
لم تَطْلُقْ.

وَإنْ قَال: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَ أنْ يُعَذِّبَكِ اللهُ بِالنَّارِ فَأنْتِ طَالِق.
أوْ قَال: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَهُ بِقَلْبِكِ فَأنْتِ طَالِقٌ.
فَقَالتْ: أنا أحِبُّهُ.
فَقَدْ تَوَقَّفَ أحْمَدُ عَنْهَا.
وَقَال الْقَاضِي: تَطْلُقُ.
وَالْأوْلَى أنَّهَا لَا تَطْلُقُ إِذَا كَانَتْ كَاذِبَةً.

3613 - مسألة: (وإنْ قَال: إنْ كُنْتِ تُحِبِّين أنْ يُعَذِّبَك الله بالنَّارِ فأنْتِ طالق. أو قَال: إنْ كُنْتِ تُحبِّينه بِقَلْبِكِ. فَقَالتْ: أنَا أحبهُ. فقد توَقفَ أحمدُ عنها)

وسُئِلَ فلم يُجِبْ فيها بشيء، وفيها احْتِمالانِ؛ أحدُهما، لا تَطْلُقُ.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ؛ لأنَّ المحبَّةَ في القَلْبِ، ولا تُوجَدُ مِن أحدٍ مَحَبَّةُ ذلك، وخَبرُها بحُبِّها له كذبٌ معلوم، فلم يصحَّ دليلًا على ما في قَلْبِها.
والاحْتِمالُ الثَّاني، تَطْلُقُ.
قاله القاضي.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأي؛ لأنَّ ما في القلبِ لا يُوقفُ عليه إلَّا مِن لَفْظها، فاقتَضَى تَعْليقَ الحُكْمِ بلَفْظِها به، كاذبةً كانتْ أو صادقةً، كالمَشيئَةِ.
ولا فَرْقَ بينِ قَوْلِه: إن كُنْتِ تُحِبِّينَ ذلك.
وبينَ قولِه: إن كُنْتِ تُحِبِّينَه بقَلْبِك.
لأن المحبَّةَ لا تكونُ إلَّا بالقلْبِ.
قال شيخُنا: (والأوْلَى أنَّها لا تَطْلُقُ إذا كانت

فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ: إِذَا قَال: أنْتِ طَالِقٌ إِذَا رَأيتِ الْهِلَال.
طَلُقَتْ إِذَا رُئِيَ،  كاذبةً) وهذا الاحْتِمالُ الأوَّلُ.
واللهُ أعلمُ.
فصل في مسائلَ متفرِّقةٍ: (إذا قال: أنتِ طالقٌ إذا رأيت الهِلال.
طَلُقَتْ إذا رُئِيَ) في أوَّلِ الشَّهْرِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَطْلُقُ حتى يَراهُ 1؛ لأنَّه عَلَّقَ الطَّلاقَ بِرؤيةِ نفْسِه، أشْبَهَ تعْليقَه على رُؤيةِ

إلا أن يَنْويَ حَقِيقَةَ رُؤيَتهَا، فَلَا يَحْنَثُ حَتَّى تَرَاهُ.
زيدٍ.
ولَنا، أنَّ الرُّؤيَةَ للهلالِ 1 في عُرْفِ الشَّرعِ العلمُ به في أوَّلِ الشَّهر؛ بدليل قولِه عليه الصلاةُ والسَّلامُ: «إِذَا رَأيتُمُ الْهِلَال فَصُومُوا، وَإذَا رأيتُمُوهُ فَأفْطِرُوا» 2. والمُرادُ به رُؤيَةُ البعض وحصولُ العلمِ، فانْصرفَ لَفْظُ الحالِفِ إلى عُرْفِ الشَّرْعِ، كما إذا قال: إذا صَلَّيت فأنتِ طالقٌ.
فإنَّه ينْصرِفُ إلى الصَّلاةِ الشَّرْعيَّةِ، لا إلى الدُّعاءِ.
وفارَقَ رُؤيَةَ زيدٍ، فإنَّه لم يَثْبُتْ له عُرْفت شَرْعِي يُخالِفُ الحقِيقةَ.
وكذلك لو لم يَرَه أحد، لكنْ ثَبَتَ الشهرُ بتَمامِ العَدَدِ طَلُقَتْ (1)؛ لأنَّه قد عُلِمَ طُلوعُه (إلَّا أن ينويَ حقيقةَ رُؤيتها) فلا تَطْلُقُ حتى تَرَاه، ويُقْبَلُ قولُه في ذلك؛ لأنَّها رُؤية حقِيقةً.
وتَتعلَّقُ الرُّويةُ برُؤيته بعدَ الغُروبِ، فإن رأتْ قبلَ ذلك لمٍ تَطْلُقْ؛ لأنَّ هلال الشَّهْرِ ما كانَ في أوَّلِه، ولأنَّا جَعَلْنا رُؤيةَ الهِلالِ عبارِة عن دُخولِ أوَّلِ (2) الشَّهْرِ.
ويَحْتَمِلُ أن تَطْلُقَ برؤيته قبلَ الغُروبِ؛ لأنه

..................................  يُسَمَّى رُؤيةً، والحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ به في الشَّرْعِ 1. فإن قال: أرَدْتُ إذا رأيتُه أنا بعَيني.
فلم يَرَه حتى أقْمَرَ، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّه ليس بهلالٍ.
واختُلِفَ فيما يَصِيرُ به قَمَرًا، فقِيلَ: بعدَ ثالثةٍ.
وقيلَ: إذا اسْتدارَ.
وقيل: إذا بَهَرَ ضَوْؤه.
فصل: قال أحمدُ: إذا قال لها: أنتِ طالقٌ ليلةَ.
القَدْرِ.
يَعْتَزِلُها إذا دخلَ العَشْرُ وقبلَ العَشْرِ، أهلُ المدينةِ يَرَوْنها في السَّبْعَ عشرةَ، إلَّا أنَّ الثَّابِتَ

وَإنْ قَال: مَن بَشَّرَتْنِي بِقُدُومِ أخِي فَهِيَ طَالِقٌ.
فَأخْبَرَهُ بِهِ امْرَأَتَاهُ، طَلُقَتِ الأولَى مِنْهُمَا، إِلا أن تَكُونَ الثَّانِيَةُ هِيَ الصادِقَةَ وَحْدَهَا، فَتَطْلُقُ وَحْدَهَا.
عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في العشرِ الأواخِرِ.
إنَّما أمَرَه باجْتِنابِها في العشْرِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بالتماسِ ليلةِ القَدْرِ في العَشْرِ الأواخِرِ (1)، فيَحْتَمِلُ أن تكونَ أوَّلَ ليلةٍ منه، ويُمْكِنُ أنَّ (2) هذا منه على سبيلِ الاحْتياطِ، ولا يتَحَقَّقُ حِنْثُه إلى آخِرِ ليلةٍ مِنَ الشَّهْرِ؛ لاحْتِمالِ أن تكونَ هي تلك اللَّيلةَ.

3614 -

مسألة: (وَإنْ قال: مَنْ بَشَّرَتْنِى بقُدُومِ أخِي فَهِيَ طالق. فأخْبَرَتْه امْرَأتاهُ، طَلُقَتِ الأولَى مِنْهُمَا، إلَّا أنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ هِي الصَّادِقَةَ وَحْدَها، فَتَطْلُقُ وَحْدَها)

إنَّما طَلُقَتِ الأولَى وحدَها؛ لأنُّ التبشِيرَ خَبَرُ صِدْق، تَتَغَيَّرُ به بَشَرَةُ الوَجْهِ مِن سُرورٍ أو غَمٍّ، وقد حصَلَ بخَبرِ الأولَى، واشْتَرَطْنا صِدْقَها؛ لأنَّه متى عُلِمَ أنَّه كذِبٌ زال السُّرورُ،12

جارٍ التحميل