الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 103-109

كِتَابُ العَارِيَّةِ

صفحات 103-109

..................................  عِوَضًا لها، والأصْلُ عَدَمُ وُجُوبِه وبَراءَةُ ذِمَّةِ الرّاكِبِ منه، [فكان القولُ قولَه] 1. ولَنا، أنَّهما اخْتَلَفَا في كَيفِيَّةِ انْتِقالِ المَنافِعِ إلى مِلْكِ الرّاكِبِ، فكان القولُ قولَ المالِكِ، كما لو اخْتَلَفَا في عَين، فقال المالِكُ: بِعْتُكَها.
وقال الآخرُ: وَهَبْتَنِيها.
ولأنَّ المَنافِعَ تَجْرِي مَجْرَى الأعْيانِ في المِلْكِ والعَقْدِ عليها، ولو اخْتَلَفا في الأَعْيانِ، كان القولُ قولَ المالِكِ، كذا ههُنا.
وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بهذه المسألةِ.
ولأنَّهما اتَّفَقا على أنَّ المَنافِعَ لا تَنْتَقِلُ إلى الرّاكِبِ إلَّا بنَقْلِ المالِكِ لها، فيكونُ القولُ قولَه في كَيفِيَّةِ الانْتِقالِ، كالأعْيانِ، فيَحْلِفُ المالِكُ، ويَسْتَحِقُّ الأجْرَ.

وَهَلْ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، أو الْمُدَّعَى إِنْ زَادَ عَلَيهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.

2283 - مسألة: (وهل يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ المِثْلِ، أو المُدَّعَى إن زاد عليها؟ على وَجْهَين)

أحَدُهما، أَجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّهما لو اتَّفَقا على وُجُوبِه، واخْتَلَفا في قَدْرِه، وَجَب أجْرُ المِثْلِ، فمع الاخْتِلافِ في أصْلِه أوْلَى.
والثاني، المُسَمَّى؛ لأنَّه وَجَب بقولِ المالِكِ ويَمِينِه، فوَجَبَ ما حَلَف عليه، كالأصْلِ.
والأوّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الإِجَارَةَ لا تَثْبُتُ بِدَعْوَى المالِكِ بغير بَيَنةٍ، وإنَّما يَسْتَحِقُّ بَدَلَ المَنْفَعَةِ وهو أجْرُ المِثْلِ.
وقيلَ: يَلْزَمُه أقَلُّ الأمرَين [مِن المُسَمَّى وأَجرِ المِثْلِ] 1؛ لأنَّه إن كان المُسَمَّى أقَلَّ فقد رَضِيَ به، وإن كان أكْثَرَ، فليس له إلا أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ الإجارَةَ لم تَثْبُتْ، وإنَّما يكونُ القولُ قولَ المالِكِ إذا اخْتَلَفا في أثْناءِ المُدَّةِ فيما مَضَى منها، وأمّا فيما بَقِيَ فالقولُ قولُ المُسْتَعِيرِ؛ لأنَّ ما بَقِيَ بمَنْزلةِ ما لو اخْتَلَفا عَقِيبَ العَقْدِ.
وإنِ ادَّعَى المالِكُ في هذه الصُّورةِ أنَّها عارِيَّةٌ، وادَّعَى الآخَرُ أنَّها بأُجْرَةٍ، فهو يَدَّعِي اسْتِحْقاقَ المَنافِعِ، ويَعْتَرِفُ بالأَجرِ للمالِكِ، والمالِكُ يُنْكِرُ ذلك كله، فالقولُ قوله مع يَمِينه، فيَحْلِفُ، ويَأْخُذُ بَهِيمَتَه.

وَإنْ قَال: أَعَرْتُكَ، قَال: بَلْ أجَرْتَنِي، وَالْبَهِيمَةُ تَالِفَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ.

2284 - مسألة: وإنِ اخْتَلَفَا بعدَ تَلَف الدّابَّةِ فقال المالِكُ (أَعرْتُكَ)

وقال الراكِبُ (بل أَجَرْتَنِي.
فالقولُ قولُ المالِكِ) إذا كان قبلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لمِثْلِها 1 أُجْرةٌ، سَواءٌ ادَّعَى الإِجارَةَ أو الإعارَةَ 2؛ لأنَّه إنِ ادَّعَى الإِجارَةَ فهو مُعْتَرِفٌ للرّاكِبِ بِبَراءَةِ ذِمَّتِه مِن ضَمانِها، فيُقْبَلُ إقْرارُه

..................................  على نَفْسِه، وإنِ ادَّعَى الإعارَةَ، فهو يَدَّعِي قِيمَتَها، والقولُ قولُه؛ لأنَّهما اخْتَلَفَا في صِفَةِ القَبْضِ، والأصْلُ فيما يَقْبِضُه الإِنسان مِن مالِ غيرِه الضَّمانُ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «عَلَى الْيَدِ مَا أخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّه» 1. حَدِيثٌ حَسَن.
وإذا حَلَف المالِكُ اسْتَحَقَّ القِيمةَ، والقولُ في قَدْرِها قولُ الراكِبِ مع يَمِينه؛ لأنّه مُنْكِر للزِّيادَةِ المُخْتَلَفِ فيها، والأصْلُ عَدَمُها.
وإنِ اختلفا في ذلك بعدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لمِثْلِها 2 أجْرٌ، والبَهِيمَةُ تالِفَةٌ، وكان الأجْرُ بِقَدْرِ قِيمَتِها، أو كان ما يَدَّعِيه المالِكُ أقَلَّ مِمّا يَعْتَرِفُ به الرّاكِبُ، فالقولُ قولُ المالِكِ بغيرِ يَمِين، سَواءٌ ادَّعَى الإِجارَةَ أو الإِعارَةَ، إذ لا فائِدَةَ في اليمينِ على شيءٍ يَعْتَرِفُ له به خَصْمُه.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يَأْخُذَه إلَّا بِيَمِين؛ لأنَّه يَدَّعِي شيئًا لا يُصَدَّقُ فيه، ويَعْتَرِفُ له خَصْمُه بما لا يَدَّعِيه، فيَحْلِفُ على ما يَدَّعِيه.
وإن كان ما يَدَّعِيه المالِكُ أكثَرَ، بأن تكونَ قِيمَةُ الدّابَّةِ أكْثَرَ مِن أجْرِها، فادَّعَى المالِكُ أنَّها عارِيَّة لتَجبَ له القِيمَةُ، وأنْكَرَ اسْتِحْقاقَ الأَجْرِ، وادَّعَى الرّاكِبُ أنَّها مُكْتَراةٌ، أَو كان الكِراءُ أكْثَرَ مِن قِيمَتِها، فادَّعَى المالِكُ أنَّه أجَرَها؛ ليَجِبَ له الكِرَاءُ، وادَّعَى الرّاكِبُ أنَّها عارِيَّةٌ، فالقَوْلُ قولُ المالِكِ في الصُّورَتَين؛ لِما قَدَّمْنا، فإذا حَلَف، اسْتَحَقَّ ما حَلَف عليه.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا كلِّه نَحْوُ ما ذَكَرْنا.

وَإِنْ قَال: أَعَرْتَنِي.
أوْ: أَجَرْتَنِي.
قَال: بَلْ غَصَبْتَنِي.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ.
وَقِيلَ: قَوْلُ الْغَاصِبِ.

2285 - مسألة: (وإن قال: أجَرْتَنِي. أو: أعَرْتَنِي. قال: بل غَصَبْتَنِي. فالقولُ قولُ المالِكِ. وقيل: قولُ الغاصِبِ)

إذا كان الاخْتِلاف عَقِيبَ العَقْدِ، والدّابّةُ قائِمة لم تَنْقُصْ، فلا مَعْنَى للاخْتِلافِ، ويَأْخُذُ المالِكُ دابَّتَه.
وكذلك إن كانتِ الدّابَّةُ تالِفَةً، وادَّعَى الرّاكِبُ العارِيَّةَ؛ لأنَّ القِيمَةَ تَجِبُ على المُسْتَعِيرِ كوُجُوبِها على الغاصِبِ.
وإن كان الاخْتِلافُ بعدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لها أُجْرة، فالاخْتِلافُ في وُجُوبِه، والقولُ قولُ المالِكِ.
وهذا ظاهِرُ قولِ الشافعيِّ.
ونَقَل المُزَنِيُّ عنه، أنَّ القولَ قولُ الرّاكِبِ.
وذَكَرَه بعضُ أصحابِنا؛ لأنَّ المالِكَ يَدَّعِي عليه عِوَضًا الأصْلُ

..................................  بَراءَةُ ذِمّتِه منه، ولأنَّ الظاهِرَ مِن اليَدِ أنها بِحَقٍّ، فكان القولُ قولَ صاحِبِها.
ولَنا، ما قَدَّمْنا في المسألةِ التي قبلَها، بل هذا أوْلَى؛ لأنَّهما ثَمَّ اتَّفَقَا على أنَّ المَنافِعَ مِلْكٌ للرّاكِبِ، وههُنا لم يَتَّفِقَا على ذلك، فإنَّ المالِكَ يُنْكِرُ انْتِقال المِلْكِ فيها إلى الرَّاكِبِ، والرَّاكِبُ يَدَّعِيه، والقولُ قولُ المُنْكِرِ؛ لأن الأصْلَ عَدَمُ الانْتِقالِ، فيَحْلِفُ، ويَسْتَحِقُّ الأجْرَ.
فإنه قال المالِكُ: غَصَبْتَها.
وقال الراكبُ: أجَرْتَنِيها.
فالاخْتِلاف ههُنا في وُجُوبِ القِيمَةِ؛ لأنَّ الأجْرَ يَجِبُ في المَوْضِعَين، إلَّا أنَّ يَخْتَلِفَ المُسَمَّى وأجْرُ المِثْلِ، فالقولُ قولُ المالِكِ مع يَمِينه في وُجُوبِ القِيمَةِ.
فإن كانتِ الدّابَّةُ تالِفَةً عَقِيبَ أَخذِها، حَلَف وأخَذَ قيمَتَها، وإن كانت قد بَقِيَتْ 1 مُدَّةً لمِثْلِها أَجْرٌ، والمُسَمَّى بقَدْرِ أَجْرِ المِثْلِ، أخَذَه المالِكُ؛

..................................  لاتِّفاقِهِما على اسْتِحْقاقِه، وكذلك إن كان أجْرُ المِثْلِ دونَ المُسَمَّى.
وفي اليَمِينِ وَجْهان.
وإن كان زائِدًا عن المُسَمَّى، لم يَسْتَحِقَّه إلَّا باليمينِ، وَجْهًا واحِدًا.
وااللهُ أعلمُ.

جارٍ التحميل