الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 167-207

وَتَصِحُّ عَلَى مُدةٍ مَجْهُولَةٍ، وَعَمَل مَجْهُولٍ، إذَا كَانَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا.

2494 - مسألة: (وتَصِحُّ على مُدةٍ مَجْهُولَةٍ، وعَمَل مَجْهُول، إذا كان العِوَضُ مَعْلُومًا)

لأنها عَقْد جائِر مِن الطرَفَين، فجازَ أن يَكُونَ العَمَلُ فيها مَجْهُولًا والمُدةُ مَجْهُولَةً، كالشرِكَةِ والوَكالةِ، ولأن الجائِزَةَ لكلِّ واحدٍ منهما فَسْخُها، فلا يُؤَدِّي إلى أن يَلْزَمَه مَجْهُول عنده إذا كان العِوَضُ مَعْلُومًا، ولأن الحاجَةَ تَدْعُو إلى كَوْنِ العَمَلِ مَجْهُولًا، وكذلك المُدةُ؛ لكَوْنِه لا يَعْلَمُ مَوْضِعَ الضّالَّةِ والآبِقِ، ولا حاجَةَ إلى جَهالةِ العِوَضِ، ولأن العَمَلَ لا يَصِيرُ لازِمًا، فلم يُشْتَرَطْ كَوْنُه مَعْلُومًا، والعِوَضُ يَصِيرُ لازِمًا بإتْمامِ العَمَلِ، فاشْتُرِطَ العِلْمُ به.
قال

..................................  شيخُنا 1: ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ الجَعالةُ مع الجَهْلِ بالعِوَضِ، إذا كانت جَهالةً لا تَمْنعُ التسْلِيمَ، نحوَ أن يقولَ: مَن رَد عَبْدِي الآبِقَ فله نِصْفُه، ومَن رَد ضالتِي فله ثُلثها.
قال أحمدُ: إذا قال الأمِيرُ في الغَزْو: مَن جاءَ بعَشْرَةِ أرْؤس فله رَأس.
جازَ.
وقالوا: إذا جَعَل جُعْلًا لمَن يَدُلُّه على قَلْعَةٍ، أو طَرِيقٍ سهْلٍ، وكان الجُعْلُ مِن مالِ الكُفّارِ، كجارِيةٍ يُعَيِّنها 2 العامِلُ.
جازَ.
فيُخَرَّجُ ههُنا مِثْلُه.
فأمّا إن كانتِ الجَعالةُ تَمْنَعُ التسْلِيمَ، لم تَصِح الجَعالةُ، وَجْهًا واحدًا.
فعلى هذا، يَسْتَحِقُّ العامِلُ أجْرَ المِثْلِ؛ لأنه عَمِل عَملًا بعِوَض لم يُسَلمْ له، فاسْتَحَق أجْرَ المِثْلِ، كما في الإجارَةِ.

..................................  فصل: وكلُّ ما جازَ أن يكُونَ عِوَضًا في الإجارَةِ، جازَ أن يَكُونَ عِوَضًا في الجَعالةِ، وكلُّ ما جازَ أخْذُ العِوَضِ عليه في الإجارَةِ مِن الأعْمالِ، جازَ أخْذُه عليه في الجَعالةِ، وما لا يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عليه في الإجارَةِ، كالغِناءِ 1، والزَّمْرِ، وسائِرِ المُحَرَّماتِ، لا يَجُوزُ أخْذُ الجُعْلِ عليه، وما يَخْتَصُّ فاعِلُه أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ القُرْبَةِ مِمَّا لا يَتَعَدى نَفْعُه فاعِلَ؛ كالصَّلاةِ والصيامِ، لا يَجُوزُ أخْذُ الجُعْلِ عليه، فأما ما يَتَعَدى نَفْعُه؛ كالأذانِ والحَج، ففيه وَجْهانِ، كالروايَتَين في الإجارَةِ.
ويفارِقُ الإجارَةَ في أنَّها عَقْدٌ جائزٌ، وهي عَقْد لازِم، وأنَّه لا يُعْتَبَرُ العِلْمُ بالمُدَّةِ، ولا بمِقدارِ العَمَلِ، ولا يُعْتَبَرُ وُقُوعُ العقْدِ مع واحدٍ مُعَيَّن، وقد ذَكَرْناه.

..................................  فصل: فإن كان العَمَلُ مَعْلُومًا، مثلَ أن يَقُولَ: مَن رَدَّ عَبْدِي مِن البَصْرَةِ.
أو: بَنَى لي هذا الحائِطَ.
أو: خاطَ قَمِيصِي هذا، فله كذا.
صَحَّ؛ لأنَّه إذا صَحَّ مع الجَهالةِ، فمع العِلْمِ أوْلَى.
وإن عَلَّقَه بمُدةٍ مَعْلُومَةٍ، فقال: مَن رَدَّ عَبْدِي مِن العِراقِ في شَهْر فله دِينار.
أو: مَن خَاطَ قَمِيصِي في هذا اليومِ فله دِرْهَم.
صَح؛ لأنَّ المُدَّةَ إذا جازَتْ مَجْهولَةً، فمع التَّقْدِيرِ أوْلَى.
فإن قيل: مثلُ هذا لا يَجوزُ في الإجارَةِ، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَب، فكيفَ جازَ في الجَعالةِ؟ قُلْنا: الفَرْقُ بينَهما مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها، أن الجَعالةَ يَحْتَمِلُ فيها الغرَرُ، وتَجُوزُ مع جَهالةِ العَمَل.
والمُدَّةِ، بخِلافِ الإجارَةِ.
الثاني، أنَّ الجَعالةَ عَقد جائِز، فلا يَلْزَمُ بِالدخُولِ فيها مع الغرَرِ ضَرَرٌ، بخِلافِ الإجارَةِ، فإنها عَقْدٌ لازِمٌ، فإذا دَخَل فيها مع الغَرَرِ، لَزِمَه ذلك.
الثالثُ، أن الإجارَةَ إذا قُدِّرَتْ بمُدَّةٍ، لَزِمَه العَمَلُ في جَمِيعِها، ولا يَلْزَمُه بعدَها، فإذا جَمَع بينَ تَقْدِيرِ المُدَّةِ والعَمَلِ فرُبَّما عَمِلَه قبلَ المُدَّةِ، فإن قُلْنا: لا يَلْزَمُه.
فقد خلا بعضُ المُدةِ مِن العَمَلِ، وإنِ انقَضَتِ المُدةُ قبلَ عَمَلِه، فألزَمْناه

وَهِيَ عَقْد جَائِز، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا.
فَمَتَى فَسَخَهَا الْعَامِلُ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيئًا، وَإنْ فَسَخَهَا الْجَاعِلُ بَعْدَ الشُّرُوعِ، فَعَلَيهِ لِلْعَامِلِ أجْرَةُ عَمَلِهِ.
إتْمامَ العَمَلِ [فقد لزِمَه العَمَلُ في غيرِ المُدّةِ المَعْقُودِ عليها.
وإن قُلْنا: لا يَلْزَمُه العَمَلُ] (1). فما أتَى بالمَعْقُودِ عليه مِن العَمَلِ، بخِلافِ مَسْألتِنا، فإنّ العَمَلَ الذي يَسْتَحِق به الجُعْلَ عَمَل مُقَيد بمُدَّةٍ، إن أتَى به فيها اسْتَحَق الجُعْلَ، ولم يَلْزَمْه شيء آخَرُ، وإن لم يَفِ به فيها، فلا شيءَ له.

2495 -

مسألة: (وهِيَ عَقْد جائزٌ، لكلِّ واحِدٍ منهما فَسْخُها. فمتى فَسَخَها العامِلُ، لم يَسْتَحِقَّ شَيئًا، وإن فَسَخَها الجاعِلُ بعدَ الشرُوع، فعليه للعامِلِ أجْرَةُ عَمَلِه)

لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
فمتى فَسَخَها العامِلُ قبلَ تَمامِ العَمَلِ، لم يَسْتَحِقَّ شيئًا؛ لأنه أسْقَطَ حَقَّ نَفْسِه، حيث لم يَأتِ بما شَرَطَ عليه العِوَضَ، ويَصِيرُ كعامِلِ المُضارَبَةِ إذا فَسَخَها قبلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ، وإن فَسخَها الجاعِلُ قبلَ الشُّرُوعِ في العَمَلِ، فلا شيءَ عليه، وإن كان بعدَ التلبسِ بالعَمَلِ، فعليه للعامِلِ أجْرُ مِثْلِه؛ لأنَّه عَمِل بعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له.
وإن زادَ في الجُعْلِ أو نَقَص منه قبلَ الشُّرُوعِ في العَمَلِ، جازَ؛ لأنه عَقْدٌ جائِز، فجازَتِ الزِّيادَةُ والنُّقْصان قبلَ العَمَلِ، كالمُضارَبَةِ.1

وإنِ اخْتَلَفَا فِي أصْلِ الْجُعْلِ، أوْ قَدْرِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجاعِلَ.

2496 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا في أصْلِ الجُعْلِ، أو قَدْرِه، فالقَوْلُ قَوْلُ الجاعِلِ)

مع يَمِينه؛ لأنه مُنْكِر، والأصْلُ بَراءَةُ ذِمَّتِه.
ويَحْتَمِلُ أن يَتَحالفا إذا اختَلَفا في قدْرِ العِوَضِ، كالأجِيرِ والمُستَأجِرِ إذا اخْتَلَفا في قدْرِ الأجْرَةِ.
فإذا تَحالفا، فُسِخَ العَقْدُ، ووَجَب أجْرُ المِثْلِ.
وكذلك الحُكْمُ إذا اخْتَلَفا في المَسافَةِ، فقال: جَعَلْتُ لك الجُعْلَ على رَدِّها مِن حَلَبَ.
قال: بل على رَدِّها مِن حِمْصٍ.
وإذا اخْتَلَفا في عَينِ العَبْدِ الذي جُعِل الجُعْلُ في رَدِّه، فقال: رَدَدْت العَبْدَ الذي شرَطْتَ ليَ الجُعْلَ فيه.
فأنْكَرَ الجاعِلُ، وقال: بل شَرَطْتُه في العَبْدِ الذي لم تَرُده.
فالقولُ قولُ المالِكِ؛ لأنه أعْلَمُ بشَرْطِه، ولأنه ادعَى عليه شَرْطًا فأنْكَرَه، والأصْلُ عَدَمُه.

وَمَنْ عَمِلَ لِغَيرِهِ عَمَلًا بِغَيرِ جُعْل، فَلَا شَيْءَ لَهُ، إلا فِي رَدِّ الآبِقِ،

2497 - مسألة: (ومَن عَمِل لغيرِه عَمَلًا بغيرِ جُعْل، فلا شيءَ له، إلا في رَدِّ الآبِقِ)

لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا؛ لأنه عَمَل يَسْتَحِق به العِوَضَ

..................................  مع المُعاوَضَةِ، فلا يَسْتَحِقُّ 1 مع عَدَمِها، كالعَمَلِ في الإجارَةِ.

فَإِنَّ لَهُ بِالشَّرْعِ دِينَارًا أو اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا.

2498 - مسألة: فأمّا رَد الآبِقِ، فإنه يَسْتَحِق الجُعْلَ برَدِّه وإن لم يَشرُطْ له.

رُويَ ذلك عن عُمَرَ، وعليّ، وابنِ مسعودٍ، وبه قال شُرَيح، وري بنُ عبدِ العزِيزِ، ومالك، وأصحابُ الرأي.
ورُويَ عن

وَعَنْهُ، إنْ رَدَّهُ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ فَلَهُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
أحمدَ، أنَّه لم يَكُنْ يُوجِبُ ذلك.
قال ابنُ مَنْصُور: سئل أحمدُ 1 عن جعْل الآبِقِ؟ فقال: لا أدْرِي، قد تَكَلمَ الناسُ فيه.
لم يَكُنْ عندَه فيه حَدِيث صَحِيح.
فظاهِر هذا أنه لا جعْلَ له فيه.
وهو ظاهِر قَوْلِ الخِرَقِيِّ، فإنه قال: وإذا أبَقَ العَبْد فلِمَن جاءَ به إلى سَيِّدِه ما أنْفَقَ عليه.
ولم يَذْكُرْ جعْلًا.
وهذا قول النخَعِيِّ، والشافعيِّ 2، وابنِ المنْذِرِ؛ لأنه عَمِل لغيرِه عَمَلًا مِن غيرِ أن يَشْرطَ له عِوَضًا، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا، كما لو رَدَّ جَمَلَه الشارِدَ.
ووجْهُ الرِّوايَةِ الأولَى، ما روَى عَمْرو 3 بن دينارٍ، وابنُ أبي ملَيكَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَل في رَدِّ الآبِقِ، إذا جاءَ به خارِجًا مِن الحَرَمِ، دِينارًا 4. وأيضًا فإنه قول مَن سَمَّينا مِن الصحابَةِ، ولم نَعْرفْ لهم في زَمَنِهم مخالِفًا، فكان إجْماعًا.
ولأن في شَرْطِ الجعْلِ في رَدِّهم حَثًّا على رَدِّ الأُبَّاق 5 وصِيانَةً لهم عن الرجوعِ إلى دارِ الحَرْبِ ورِدَّتِهم عن دِينهم وتَقْويَةِ أهْلِ الحَرْبِ بهم، فيَنْبَغِي أن يكونَ مَشْروعًا؛ لهذه المَصْلَحَةِ.

..................................  وبهذا فارَقَ الشّارِدَ، فإنه لا يُفْضِي إلى ذلك.
قال شَيخُنا 1: والرِّوايَةُ الأخْرَى أقْرَبُ إلى الصِّحةِ؛ لأن الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ، والخَبَرُ المَروي في هذا مُرْسَلٌ، وفيه مَقال، ولم يَثْبُتِ الإجْماعُ فيه ولا القِياسُ، فإنه لم يَثْبُتِ اعْتِبارُ الشرْعِ لهذه المَصْلَحَةِ المَذْكُورَةِ فيه، ولا تَحَققَتْ أيضًا، فإنه ليس الظاهِرُ هَرَبَهم إلى دارِ الحَرْبِ إلا في المَجْلُوبِ منها، إذا كانت قَرِيبةً، وهذا بَعِيد فيهم.
فأمّا عنه الرِّوايَةِ الأولَى، فقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في قَدْرِ الجُعْلِ، فرُوىَ عنه، أنه عَشَرَةُ دَراهِمَ، أو دِينَار، إن رَده مِن

..................................  المِصْرِ، وإن رَده مِن خارِجِه، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَلْزَمُه دِينارٌ، أو اثْنا عَشَرَ دِرْهَمًا؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ، ولأن ذلك يُرْوَى عن عمرَ، وعليّ، رَضِيَ الله عنهما.
والثانيةُ، له 1 أرْبَعُونَ دِرْهَمًا إذا رَده مِن خارِجِ المِصْرِ.
اخْتارَهَا الخَلالُ.
وهو قولُ ابنِ مسعودٍ، وشُرَيح، فرَوَى أبو عمرو الشيباني، قال: قُلْتُ لعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: إنِّي أصَبْتُ عَبِيدًا أبَّاقًا.
فقال: لك أجْرٌ وغَنِيمة.
فقلتُ: هذا الأجْرُ، فما الغَنِيمةُ؟ فقال: مِن كلِّ رَأس أرْبَعون 2 دِرْهَمًا 3. وقال أبو إسحاقَ: أعْطَيتُ الجُعْلَ في زَمَنِ مُعاويَةَ أرْبَعِينَ دِرْهَمًا.
وهذا يَدُلُّ على أنه مُسْتَفِيض في العَصْرِ الأولِ.
قال الخَلَّالُ: حَدِيثُ ابنِ مسعودٍ أصَحُّ إسْنادًا.
ورُوِيَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزنرِ، أنه قال: إذا وَجَدَه على

..................................  مَسِيرَةِ ثَلاثٍ، فله ثَلاثةُ دَنانِيرَ.
وقال أبو حنيفةَ: إن رَده مِن مَسِيرَةِ ثلاثةِ أيام، فله أرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وإن كان مِن دُونِ ذلك، يرْضخُ له على قَدْرِ المَكانِ الذي تَعَنَّى إليه.
ولا فَرْقَ عندَ إِمامِنا بينَ أن يَزِيدَ الجُعْلُ على قِيمَةِ العَبْدِ أو لا يَزِيدَ.
وبهذا قال أبو يُوسُف، ومحمد.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان قَليِلَ القِيمَةِ، نَقَص الجُعْلُ عن قِيمَتِه دِرْهَمًا؛ لئلا يَفُوتَ عليه العَبْدُ جَمِيعُه.
ولَنا، عُمُومُ الدلِيلِ؛ ولأنه جُعْلٌ يُسْتَحَقُّ في رَدِّ الآبِقِ، فاسْتَحَقَّه

وَيَأخذ مِنْه مَا أنْفقَ عَلَيهِ فِي قُوتِهِ، وإنْ هَرَبَ مِنْه فِي طَرِيقِهِ.
وإن زادَ على قِيمَتِه، كالذي جَعَلَه صاحِبُه.

2499 -

مسألة: (ويَأخُذُ منه ما أنْفَقَ)

على الآبِقِ في قُوتِه، سَواء رَدَّه أو هَرَب منه في طَرِيقِه؛ لأن نَفَقَتَه على مَميِّدِه، وقد قامَ الذي جاءَ به مَقامَ السَّيِّدِ في أداءِ الواجِبِ عليه، فرَجَعَ به، كما لو أذِن له.
وقال أبو حنيفةَ، والشافع: لا يَرْجِعُ؛ لانه أنْفَقَ بغيرِ إذْنِ سيِّدِه، أشْبَهَ غيرَ الآبِقِ.
ولَنا على أبي حنيفةَ، أنه إنما اسْتَحَق الجُعْلَ؛ لِما في رَدِّه مِن المَصْلَحَةِ؛ لأنه لا يُؤْمَن أن يَرْتَد ويَلْحَقَ بدارِ الحَرْبِ، وهذا المَعْنَى مَوْجُود في النَّفَقَةِ، ولأن هذه مَصْلَحَة لجماعَةِ المُسْلِمِين، وهو مِن جُمْلَتِهم، فيَجِبُ أن يُحْتَسَبَ له بذلك، كما لو أعارَ رجلًا عَبْدًا ليَرْهَنَه، فرَهَنَه، وامْتَنَعَ المُسْتَعيرُ مِن فَكاكِه، فافْتَكَّه مالِكُه، احْتُسِبَ له بما وَرِثَه عنه؛ لأن له فيه مَصلَحَةً.
وقد وافَقَ الشافعيُّ على ذلك.

فَإنْ مَاتَ السَّيِّدُ، اسْتُحِقَّ ذَلِك فِي تَرِكَتِهِ.

2500 - مسألة: (وإن ماتَ السَّيِّد، اسْتحِقَّ ذلك في تَرِكَتِه)

يَعْنِي الجعْلَ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال أبو يُوسُفَ: إن كان الذي رَدَّه مِن وَرَثَةِ المَوْلَى، سَقَط الجعْل.
ولَنا، أن هذا عِوَض عن عَمَلِه، فلا يَسْقط بالمَوْتِ، كالأجْرِ في الإجارَةِ، وكما لو كان مِن غيرِ وَرَثَةِ المَوْلَى.
أن اثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بينَ كَوْنِ مَن رَدَّه مَعْروفًا برَدِّ الأُبَّاق أو لم يَكنْ.
وبهذا قال أصْحابُ الرأي.
وقال مالك.
إذا كان مَعْروفًا، اسْتَحَقَّ الجعْلَ، وإلا فلا.
ولَنا، الخَبَر، والأثر المَذْكور مِن غيرِ تَفرِيق، ولأنَّه رَدَّ آبِقا، فاستَحَقَّ الجعْلَ، كالمَعْرُوفِ برَدِّهم.

..................................  فصل: ويَجُوزُ أخْذُ الآبِقِ لمَن وَجَده.
وبه قال مالكٌ، والشافعي، وأصحابُ الرأي.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأن العَبْدَ الآبِقَ لا يُؤْمَنُ لَحاقُه بدارِ الحَرْبِ وارْتدادُه، واشْتِغالُه بالفَسادِ في البِلادِ، بخِلافِ الضوالِّ التي تَحْفَظُ نَفْسَها.
فإذا أخَذَه، فهو أمانَةٌ في يَدِه، وإن تَلِف بغيرِ تَفْرِيطِه، فلا ضَمانَ عليه، وإن وَجَد صاحِبَه، دَفَعَه إليه إذا اعْتَرَفَ العَبْدُ أنه سَيِّدُه، أو أقامَ به بَينةً.
فإن لم يَجِدْ سَيِّدَه، دَفَعَه إلى الإمامِ أو نائِبِه، فيَحْفَظُه لصاحِبِه، أو بَبِيعُه إن رأى المَصْلَحَةَ فيه.
ونحوُه قولُ مالك، وأصحابِ الرأي.
ولا نَعْلَمُ لهم مُخالِفًا.
وليس للمُلْتَقِطِ بَيعُه ولا تَمَلُّكُه بعدَ تَعْرِيفِه؛ لأن العَبْدَ يَنْحَفِظُ بنَفْسِه، فهو كضَوالِّ الإبِلِ.
وإن باعَه، فالبَيعُ فاسِدٌ

..................................  في قولِ عامةِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وان باعَه الإمامُ لمَصْلَحَةٍ رآها في بَيعِه، فجاءَ سَيِّدُه فاعْترَف أنه كان أعْتَقَه، قُبِلَ منه؛ لأنه لا يَجُرُّ إلى نَفْسِهْ نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ عنها ضَرَرًا.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ؛ لأنه مِلْك لغيرِه، فلم يُقْبَلْ إقْرارُه بعِتْقِه، كما لو باعَه السَّيِّدُ ثم أقَر بعِتْقِه.
فعلى هذا، ليس لسَيِّدِه أخْذُ ثَمَنِه؛ لأنه يُقِرُّ أنَّه حُر، لا يَسْتَحِقُّ ثَمَنَه، ولكنْ يُؤخَذُ إلى بَيتِ المالِ؛ لأنه لا يُسْتَحَقُّ له، فهو كتَرِكةِ مَن لا وارِث له.
فإن عادَ السيِّدُ فأنْكَرَ العِتْقَ، وطَلَب المَال، دُفِع إليه؛ لأنه لا مُنازِعَ له فيه.

بَابُ اللُّقَطَةِ

وَهِيَ الْمَالُ الضائِعُ مِنْ رَبهِ.
بابُ اللُّقَطَةِ (وهي المالُ الضّائِعُ مِن رَبِّه) يَلْتَقِطُه غيرُه.
قال الخَليلُ بنُ أحمدَ: اللقَطَةُ، بفَتْحِ القافِ: اسْم للمُلْتَقِطِ؛ لأنَّ ما جاءَ على فُعَلَةٍ، فهو اسم للفاعِلِ، كالصُّحَلَةِ والصُّرَعَةِ، واللُّقْطَةُ، بسُكُونِ القافِ: المالُ المَلْقُوطُ، مِثلُ الضُّحْكةِ، الذي يُضْحَكُ منه، والهُزْأةُ الذي يُهْزأ به.
وقال الأصْمَعِي، وابنُ الأعْرابِيِّ، والفَرّاءُ: هي بفَتْحِ القافِ، اسْمُ المالِ المَلْقُوطِ أيضًا.
والأصْلُ فيها ما روَي زَيدُ بنُ خالِدٍ الجُهَنِي، قال: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن لُقَطَةِ الذَّهَبِ والوَرِقِ، فقال: «اعْرِفْ وكَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْها سَنَةً، فَإنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، ولتَكنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإنْ جَاءَ طَالِبُها يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَادْفَعْهَا إلَيهِ».
وسَأله عن ضالَّةِ الإبِلِ، فقال: «مَالكَ وَلَهَا، دَعْهَا فَإنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأكلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا».
وسَألهُ عن الشّاةِ فقال:

..................................  «خُذْهَا، فَإنَّمَا هِيَ لَكَ أوْ لأخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ».
مُتَّفَق عليه 1. الوكَاءُ: الخَيطُ الذي يُشَدُّ به المالُ في الخِرْقَةِ.
والعِفاصُ: الوعاءُ الذي هي فيه؛ مِن خِرْقَةٍ أو قِرْطاس أو غيرِه.
قاله أبو عُبَيدٍ.
والأصْلُ في العِفاصِ أنَّه الجِلْدُ الذي يُلْبِسُه رَأسَ القارُورَةِ.
وقَوْلُه: «مَعَهَا حِذَاءَهَا».
يَعْنِي خُفَّها؛ لأنَّه لقُوتِه وصَلابَتِه يَجْرِي مَجْرَى الحِذاءِ.
وسِقاؤها: بَطْنُها تَأخُذُ فيه ماءً كَثِيرًا، فيَبْقَى معها يَمْنَعُها العَطَشَ.
والضّالّةُ: اسْم للحَيَوانِ خاصَّةً دُونَ سائِرِ اللُّقَطَةِ، والجَمْعُ ضَوال.
ويُقالُ لها أيضًا: الهوامِي والهَوامِلُ.

وَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أقْسَامٍ: أحدُهَا، مَا لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ، كَالسَّوْطِ، وَالشِّسْعِ، وَالرَّغِيفِ، فَيُمْلَكُ بِأخْذِهِ بِلَا تَعْرِيفٍ.

2501 - مسألة: (وتَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أقْسام؛ أحذها: ما لا تَتْبَعُه الهِمَّةُ؛ كالسَّوْطِ، والشِّسْعِ 1، والرَّغِيفِ، فيَمْلِكُه بأخْذِه. بلا تَعْرِيفٍ) لِما روَى جابِر، قال: رَخَّصَ لنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في العَصا والسَّوْطِ والحَبْلِ وأشباهِه، يَلْتَقِطُه الرجلُ فيَنْتَفِعُ به. رَواه أبو داودَ 2. وكذلك التَّمْرَةُ، والكِسْرَةُ، والخِرْقَةُ، وما لا خَطر له، يَجُوزُ الانْتِفاعُ به مِن غيرِ تَعْرِيفٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُنْكِرْ على واجِدِ التَّمْرَةِ حيث أكلَها، بل قال له: «لَوْ لَمْ تَأتِهَا لأتتْكَ» 3. ورأى النبي - صلى الله عليه وسلم - تَمْرَةً فقال: «لَوْلَا أنِّي أخشَى أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ، لأكَلْتُهَا» 4. ولا نَعْلَمُ خِلافًا بين أهلِ العِلمِ في إباحَةِ اليَسِير والانْتِقاعِ به. رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وعَلِي، وابنِ عُمَرَ، وعائشةَ. وبه قال عَطاء، وجابرُ بنُ زَيد،

..................................  وطاوس، والنَّخَعِيُّ، ويحيى بنُ أبي كثير، ومالك، والشافعي، وأصحابُ الرأي.
قال شيخُنا 1: وليس عن أحمدَ تحديدُ اليَسِيرِ الذي يُباحُ.
وروَى عن أحمدَ أبو بكرِ بنُ صَدَقَةَ: إذا أخَذَ دِرْهَمًا عَرّفه سَنة.
وقال، في رِوايةِ عبدِ اللهِ: ما كان نحوَ التَّمْرَةِ، والكِسْرَةِ، والخِرْقَةِ، وما لا خَطَرَ له، فلا بَأسَ.
ونحوُ ذلك قولُ الشافعيِّ.
وذَكَرَ القاضِي ذلك في كتابِ «الخِلافِ».
ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ تَعرِيفُ 2، ما لا يُقْطَعُ به السّارِقُ.
[ذَكَرَه شيخُنا في كِتابِ «الكافِي».
وقال مالك، وأبو حنيفةَ: لا يَجِبُ تَعْرِيفُ ما لا يُقْطَعُ به السّارِقُ] 3. وهو رُبْعُ دِينارٍ عندَ مالكٍ، وعَشَرَةُ دَراهِمَ عندَ أبي حنيفةَ؛ لأن ما دونَ ذلك تافِهٌ، فلا يَجِبُ تَعْرِيفُه، كالكِسْرَةِ والتَّمْرَةِ؛ بدَليلِ قولِ عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها: كانوا لا يَقْطَعُون في الشيءِ التّافِهِ.
ورُوِيَ عن علي، رَضِيَ الله

..................................  عنه، أَنه وَجَدَ دِينارًا فتَصَرَّف فيه 1. وروَى الجُوزْجانِي، عن سَلْمَى بنتِ كَعْبٍ، قالت: وَجَدت خاتَمًا مِن ذَهَبٍ في طَرِيقِ مَكةَ، فسألْتُ عائشةَ عنه، فقالت: تَمَتَّعِي به 2. ورَخصَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الحَبْلِ، في حَدِيثِ جابر، وقد تكونُ قيمتُه دَراهِمَ.
وعن سُوَيدِ بنِ غَفَلَةَ قال: خَرجْتُ مع سلمانَ بنِ رَبيعَةَ، وزَيدِ بنِ صُوحانَ حتى إذا كُنّا بالعُذَيبِ، الْتَقَطْتُ سَوْطًا، فقال لي: ألْقِه.
فأبَيت، فلمّا قَدِمْنا المدينةَ، أتَيتُ أبيَّ بنَ كَعْبٍ، فذَكَرْتُ ذلك له، فقال: أصَبْتَ 3. قال التِّرْمِذِي: هذا حَديث حسن صَحيح.
وللشافعيَّةِ ثلاثةُ أوْجُهٍ كالمذاهِبِ الثَّلاثة.
ولَنا على إبْطالِ تَحْدِيدِه بما ذَكَروه، عُمُومُ حديثِ زَيدِ بنِ خالدٍ في كُلِّ لُقَطَةٍ، فيَجبُ إبْقاؤه على عُمومِه إلَّا ما خرَج منه بالدَّلِيلِ، ولم يَرِدْ بما ذَكَرُوه نَص، ولا هو في مَعْنَى ما ورَدَ به النَّصُّ.
ولأنَّ التَّحْدِيدَ لا يُعْلَمُ بالقِياسِ، وإنَّما يُؤْخَذُ مِن نَص أو إجْماع، وليس فيما ذَكَرُوه

..................................  نَصٌّ ولا إجْماعٌ.
فأمّا حَدِيثُ عليّ، فهو ضَعِيفٌ، رَواه أبو داودَ وقال: طرُقُه كُلُّها مُضْطَرِبَة، ثم هو مُخالِفْ لمَذهَبِهِم ولسائِرِ المذاهِبِ، فتَعَينَ حَمْلُه على وَجْهٍ مِن الوُجوهِ غيرِ اللُّقَطَةِ، إمّا لكَوْنِه مضْطَرًّا إليه، أو غيرِ ذلك.
وحَدِيثُ عائِشةَ قَضِيَّة في عَين، لا يُدْرَى كم قَدْرُ الخاتَمِ، ثم هو قولُ صحابي، وهم لا يَرَوْنَ ذلك حُجةً، وسائِرُ الأحادِيثِ ليس فيها تَقْدِير، لكن يباحُ ما ذَكَرَه النبي - صلى الله عليه وسلم - ورَخصَ فيه مِن السَّوْطِ والعَصا والحَبْلِ، وما قِيمَتُه كقِيمَةِ ذلك.

..................................  فصل: والذي يَجُوزُ التِقاطُه والانْتِفاعُ به مِن غيرِ تَعْرِيفٍ، كالكِسْرَةِ، والتَّمْرَةِ، والعصا، ونحو ذلك، إذا التَقَطَه إنْسان وانْتَفَعَ به وتَلِف، فلا ضَمانَ فيه.
ذَكَرَه صاحِبُ المُستوعِبِ.
وكذلك ما قِيمَتُه كقِيمَةِ ذلك؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ فيه، ولم يَذْكُرْ عليه ضَمانًا، ولا يَجُوزُ تَأخِيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجَةِ، وكذلك يُخَرَّجُ في السَّوْطِ والحَبْلِ وشِبْهِه، المَذْكُورِ في حديثِ جابِر.
وقَدرَه الشيخُ أبو الفَرَجِ 1 بما دونَ القيراطِ.
ولا يَصِحُّ تَحْدِيدُه؛ لِما ذَكَرْناه.
وذَكَرَ القاضِي، أنَّه لا يَجِبُ تعريفُ الدّانِقِ.

الثَّانِي، الضوالُّ الَّتِي تَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، كَالْإبِل، وَالْبَقَرِ، وَالْخَيلِ، وَالْبِغَالِ، وَالظِّبَاءِ، وَالطَّيرِ، وَالفُهُودِ، وَنحْوهَا، فَلَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا، وَمَنْ أخذَهَا ضَمِنَهَا، فَإنْ دَفَعَهَا إِلَى نَائِبِ الإمَامِ زَال عَنْهُ الضَّمَانُ.
القِسمُ (الثاني، الضَّوالُّ التي تَمْتَنِعُ مِنْ صِغارِ السِّباعِ؛ كالإِبِلِ، والبَقَرِ، والخَيلِ، والبِغالِ، والظِّباءِ، والطَّيرِ، والفُهودِ، ونحوها، لا يَجوزُ التِقاطُها) كُلُّ حَيَوانٍ يَقْوَى على الامْتِناعِ مِن صِغارِ السِّباعِ، ووُرُودِ الماءِ، لا يَجُوزُ التِقاطُه، سَواءٌ كان لكِبَرِ جُثَّتِه؛ كالإبِلِ، والخَيلِ، أو لطيرانِه؛ كالطّيورِ كُلِّها، أو لعَدْوه؛ كالظِّباءِ، أو بنابِهِ، كالكِلابِ، والفُهودِ.
قال عُمر، رَضِي الله عنه: مَن أخَذَ الضّالَّةَ فهو ضالّ.
أي مُخْطِئٌ.
وبهذا قال الشافعيّ، وأبو عُبَيدٍ.
وقال مالك، واللَّيثُ، في ضالَّةِ الإبِلِ: مَن وَجَدَها في الصَّحْراءِ لا يَقْرَبُها.
ورَواه المُزَنِيُّ عن الشافعيِّ.
وكان الزُّهْرِيُّ يقولُ: مَن وَجَدَ بَدَنَةً فليعَرِّفْها، فإن لم يَجِدْ صاحِبَها فلْيَنْحَرْها قبلَ أن تَنْقَضِيَ الأيامُ الثّلاثةُ.
وقال أبو حنيفةَ: يُباحُ التِقاطُها؛ لأنها لُقَطَةٌ، أشْبَهَتِ الغَنَمَ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لمّا سُئِلَ عنها: «مَا لكَ وَلَهَا؟ دَعْهَا فَإِن مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ

..................................  وَتَأكل الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» 1. وسُئِلَ - صلى الله عليه وسلم - فقِيلَ: يا رسولَ اللهِ إنّا نُصِيبُ 2 هَوامِيَ الإبِلِ.
فقال: «ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النارِ» 3. وعن جَرِير بن، عبدِ اللهِ، أنَّه أمَرَ بطَرْدِ بَقَرَةٍ لَحِقَتْ ببَقَره حتى تَوَارَتْ، وقال سمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «لَا يُؤْوي الضَّالَّةَ إلا ضَال».
رَواه أبو داودَ بمعناه 4. وقِياسُهُم يُعارِضُ صَرِيحَ النَّصِّ، وكيف.
يَجُوزُ تَرْكُ نَصِّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وصَرِيحِ قولِه بقِياسِ نَصِّه في مَوْضِعٍ آخَرَ! على أن الإبِلَ تُفارِقُ الغَنَمَ؛ لضَعْفِها، وقِلَّةِ صَبْرِها عن الماءِ، والخَوْفِ عليها مِن الذِّئبِ.

..................................  فصل: فإن كانتِ الصُّيُودُ مُسْتَوْحِشَةً إذا تُرِكَتْ رَجَعَتْ إلى الصَّحْراءِ وعَجَزَ عنها صاحِبُها، جاز التقاطُها؛ لأنَّ تَرْكَها أضْيَعُ لها مِن سائِرِ الأمْوالِ.
والمَقْصُودُ حِفْظُها لصاحِبِها، لا حِفْظُها في نَفْسِها، ولو كان المقصودُ حِفْظَها في نَفْسِها، لمَا جازَ الْتِقاطُ الأثْمانِ، فإنَّ الدِّينارَ دِينار حيث كان.

..................................  فصل: والبَقَرُ كالإبِلِ.
نَص عليه أحمدُ.
وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي عُبَيدٍ.
وحُكِيَ عن مالكٍ، أن البَقَرةَ كالشّاةِ.
ولَنا، خبَرُ جَرِير فإنه طَرَد البَقَرَةَ ولم يَأخُذْها، ولأنها تَمْتَنِعُ مِن صِغارِ السِّباعِ، وتُجْزِئ في الأضْحِيَةِ عن سَبْعَةٍ، فأشْبَهَتِ الإبِلَ.
وكذلك الحُكْمُ في الخَيلِ والبِغالِ.
فأمّا الحُمُرُ، فجَعَلَها أصْحَابُنا مِن هذا القِسْمِ الذي لا يَجُوزُ الْتِقاطُه؛ لكِبرِ أجْسامِها، فأشْبَهَتِ الخَيلَ والبِغال.
قال شَيخُنا 1: والأوْلَى إلْحاقُها بالشّاةِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَّلَ الإبِلَ بأنَّ معها سِقاءها، يُرِيدُ شِدَّةَ صَبْرِها عن الماءِ؛ لكَثْرَةٍ ما تُوعِي في بُطُونِها منه، وقُوتِها على وُرُودِه، وفي إباحَةِ ضالَّةِ الغَنَمِ بأنها مُعَرَّضَة لأخْذِ الذِّئْب إيّاها، [بقولِه: «هِيَ لَكَ أوْ لأخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ] 2. والحُمُرُ مُساويِة للشّاةِ في عِلَّتِها، فإنَّها لا تَمْتَنِعُ مِن الذِّئْبِ، وتُفارقُ الإبِلَ في علَّتِها؛ لكَوْنِها لا صَبْرَ لها عن الماءِ، ولهذا يُضْرَبُ المَثَلُ بقِلَّةِ صَبْرِها عن الماءِ، فيُقالُ: ما بَقِيَ من مُدَّتِه إلَّا ظمْء 3 حِمار.
وإلْحاقُ الشيءِ بما ساواه في عِلَّةِ الحُكْمِ وفارَقَه في الصُّورَةِ أوْلَى مِن إلْحاقِه بما قَارَبَه في الصُّورَةِ وفارَقَه في العِلَّةِ.

..................................  فصل: فأمّا غيرُ الحَيَوانِ، فما كان منه يَنْحَفِظُ بنَفْسِه، كأحْجارِ الطَّواحِينِ، والكَبِيرِ مِن الخَشَب، وقُدُورِ النُّحاسِ، فهو كالإِبِلِ في تَحْرِيمِ أخْذِه، بل أوْلَى منه؛ لأنَّ الإِبِلَ مُعَرَّضَة للتَّلَفِ في الجُمْلَةِ بالأسَدِ وبالجُوعِ والعَطَشِ، وغيرِ ذلك، وهذه بخِلافِ ذلك، ولأنَّ هذه لا تَكادُ تَضِيعُ عن صاحِبِها ولا تَبْرَحُ مِن مكانِها، بخِلافِ الحَيوانِ، فإذا حُرِّمَ أخْذُ الحَيَوانِ، فهذه أوْلَى.

..................................  فصل: فإن أخَذَ الحَيَوانَ الذي لا يَجوزُ أخْذُه على سَبِيلِ الالْتِقاطِ، ضَمِنَه، إمامًا كان أو غيرَه؛ لأنَّه أخَذَ مِلْكَ غيرِه بغير إذْنِه ولا إذْنِ الشّارِعِ له، فهو كالغاصِب.
فإن رَدَّه إلى مَوْضِعِه، لم يَبْرأ مِن الضّمانِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال مالك: يَبرأ؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، قال: أرْسِلْه إلى المَوْضِعِ الذي أصَبتَه فيه 1. وجَرِير طَرَد البَقَرَةَ التي لَحِقَتْ ببَقَرِه.
ولَنا، أنَّ ما لَزِمَه ضَمانُه لا يَزُولُ عنه إلَّا بِرَدة إلى صاحِبِه أو نائِبِه، كالمَسْرُوقِ والمَغْصُوبِ.
وأمّا حَدِيثُ جَرِير، فإنَّه لم يَأخُذِ البَقَرَةَ، إنَّما لَحِقَتْ بالبَقَرِ فطَرَدَها، فأشْبَهَ ما لو دَخَلَتْ دارَه فأخْرَجَها.
وأمّا عُمَرُ، فهو كان الإِمامَ، فأمْرُه برَدِّها إلى مَكانِها كأخْذِها.
فعلى هذا، متى لم يَأخُذْها بحيثُ تَثْبُتُ يَدُه عليها لا يَلْزَمُه ضَمانُها، سواء طَرَدَها أو لم يَطْرُدْها.
فإن دَفَعَها إلى نائِبِ الامامِ، زال عنه الضّمانُ؛ لأنَّ له نَظَرًا في ضَوالِّ النّاسِ، بدَلِيلِ أنَّ له أخْذَها، فكان نائِبًا عن أصْحابِها فِيها.

..................................  فصل: وللإمامِ أو نائِبِه أخْذُ الضّالَّةِ ليَحْفَظَها لصاحِبِها؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، حَمَى مَوْضِعًا يُقالُ له النَّقِيعُ لخَيلِ المُجاهِدِين والضَّوَالِّ، ولأنَّ للإِمامِ نَظَرًا في حِفْظِ مال الغائِبِ، وفي أخْذِ هذه حِفْط لها عن الهَلاكِ.
ولا يَلْزَمُه تَعْرِيفُها؛ لأَنَّ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، لم يَكُنْ يُعَرِّف الضَّوالَّ، ولأَنه إذا عُرِفَ ذلك، فمَن كانت له ضالة فإنَّه يَجِئُ إلى مَوْضِعِ الضَّوالِّ، فإذا عَرَف ضالَّتَه، أقامَ البَينةَ عليها وأخَذَها، ولا يُكْتَفَى فيها بالصِّفَةِ؛ لأنَّها ظاهِرَة بينَ النّاسِ، فيَعْرِفُ صِفَاتِها مَن رَآها مِن غيرِ أهْلِها، فلم تَكُنِ الصِّفَةُ دَلِيلًا على مِلْكِه لها.
ولأنَّ الضَّالَّةَ كانت ظاهِرَةً للنَّاسِ حين كانت في يَدِ مالِكِها، فلا يَخْتَصُّ هو بمَعْرِفَةِ صِفاتِها دُونَ غيرِها، فلم يَكُنْ ذلك دَلِيلًا، ويُمْكِنُه إقامَةُ البَينةِ عليها لظُهُورِها للنّاسِ، ومَعْرِفَةِ خُلَطائِه وجيِرانِه تَمَلكَه إيّاها.
فصل: وإن أخَذَها غيرُ الإِمامِ أو نائِبه ليَحْفَظَها لصاحِبِها، لم يَجُزْ

..................................  له ذلك، ولَزِمَه ضَمانُها؛ لأنَّه لا ولايةَ له على صاحِبِها.
وهذا ظاهِر مَذْهَبِ الشافعيِّ.
ولأصْحابه وَجْه، أنَّ له أخْذَها لحِفْظِها، كالإمامِ أو نائِبِه، [ولا يَصِحُّ] 1؛ [لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - منَع أخْذَها مِن غير تَفْرِيقٍ بين قاصِدِ الحِفْظِ وقاصِدِ الالْتِقاطِ، ولا يَصِحُّ] 2 القِياس على الإمامِ؛ لأنَّ له ولَايةً، وهذا لا ولايةَ له.
فإن وَجَدها في مَوْضِع يَخَاف عليها به، كأرْضِ مَسْبَعَةٍ، يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّ الأسَدَ يَفتَرِسُها إن تُرِكَتْ به، أو قَرِيبًا مِن دارِ الحَرْبِ، يَخافُ عليها مِن أهْلِها، أو بمَوْضِع يَسْتَحِل أهْلُه أمْوال المُسْلِمِين، أو في بَرِّيَّةٍ لا ماءَ بها ولا مَرْعَى، فالأوْلَى جَواز أخْذِها للْحِفْظِ، ولا ضَمانَ على آخِذِها؛ لأن فيه إنْقاذَها مِن الهَلاكِ، فأشْبَهَ تَخْلِيصَها مِن غَرَقٍ أو حَرِيق، وإذا أخَذَها سَلمها إلى نائِبِ الإمامِ، وبَرِئ مِن ضَمانِها، ولا يَمْلِكُها بالتَّعْرِيفِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بذلك فيها.
فصل: ويَسِم الإِمامُ ما يَحْصُلُ عنده مِن الضَّوَال بأنها ضالَّة، ويُشْهِدُ عليها، ثم إن كان له حِمى تَرْعَى فيه تَرَكَها فيه إن رَأى ذلك، وإن رأى المَصْلَحَةَ في بَيعِها، أو لم يَكُنْ له حِمي، باعَها بعدَ أن يَحْلِيَها ويَحْفَظَ صِفاتِها، ويَحْفَظُ ثَمَنَها لصاحِبِها، فإن ذلك أحْفَظُ لها؛ لأنَّ تَرْكَها يفْضِي إلى أن تَأكُلَ جَمِيعَ ثَمَنِها.

..................................  فصل: ومَنْ ترك دابَّةً بمَهْلَكَةٍ، فأخَذَها إنْسان فأطْعَمَها وسَقاها وخَلصَها، مَلَكَها.
وبه قال اللَّيثُ، والحَسَنُ بنُ صالِح، وإسحاقُ، إلَّا أن يكونَ تَرَكَها لتَرْجِعَ إليه، أو ضَلَّتْ منه.
وقال مالك: هي لمالِكِها، ويَغْرَمُ ما أنْفَقَ عليها.
وقال الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: هي لمالِكِها، والآخَرُ مُتَبَرِّع بالنَّفَقَةِ، لا يَرْجِعُ بشيءٍ؛ لأنَّه مِلْكُ غيرِه، فلم يَمْلِكْه بغيرِ عِوَض مِن غيرِ رِضاه، كما لو كانت في غيرِ مَهْلَكَةٍ، ولا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ بما أنْفَقَ، لأنَّه أنْفَقَ على مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَرجعْ به، كما لو بَنَى دارَه.
ولَنا، ما روَى الشّعْبِيُّ، أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ وَجَدَ دَابَّةً قَدْ عَجَز عَنْهَا أهلُها فَسَيبوهَا، فأخَذهَا فَأحيَاهَا، فَهِيَ لَهُ».
قال [عُبَيد اللهِ بنُ حُمَيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ] 1: فقلتُ -يعني للشَّعْبِيِّ-: مَنْ حَدَّثَكَ بهذا؟ قال: غيرُ واحدٍ مِن أصحابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. رَوَاهُ أبو داودَ 2. وفي لَفْظٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ تَرَكَ دَابَّةً بمَهْلَكَة، فَأحيَاهَا رَجُل، فَهيَ لِمَنْ أحْيَاهَا».
ولأنَّ في الحُكْمِ بملْكِها إحياءَها وإنْقاذَها مِن الهَلَاكِ، ومُحافَظَةً على حُرْمَةِ الحَيَوانِ، وفي القَوْلِ بأنَّها لا تُمْلَكُ تَضْيِيعٌ لذلك كلِّه مِن غيرِ مَصْلَحَةٍ تَحْصُلُ، ولأنه نُبِذَ رَغْبَةً عنه وعَجْزًا عن أخْذِه، فمَلَكَه آخِذُه، كالساقِطِ مِن السُّنْبُلِ، وسائِرِ ما يَنْتَبِذُه الناسُ رَغْبَةً عنه.
فأمّا إن تَرَكَ مَتاعًا، فخَلَّصَه إنْسان، لم يَمْلِكْه؛ لأنَّه لا حُرْمَةَ له في نَفْسِه،

..................................  ولا يُخْشَى عليه التَّلَفُ كالخَشْيَةِ على الحَيَوانِ؛ فإنَّ الحَيَوانَ يَمُوتُ إذا لم يُطْعَمْ ويُسْقَى، وتَأكلُه السِّباعُ، والمَتَاعُ يَبْقَى حتى يَرْجعَ إليه صاحِبُه.
وإن كان المَتْرُوكُ عَبْدًا، لم يَأخُذْه؛ لأنَّ العَبْدَ في العادَةِ يُمْكِنُه التَّخَلُّصُ إلى الأماكِنِ التي يَعِيشُ بها، بخِلافِ البَهِيمَةِ.
وله أخْذُ العَبْدِ والمَتَاعِ ليُخَلِّصَه لِصاحِبِه، وله أجْرُ مِثْلِه في تَخْلِيصِ المَتَاعِ.
نَصَّ عليه، وكذلك العَبْدُ على قِيَاسِه.
قال القاضِي: يَجِبُ أن يُحْمَلَ قولُه في وُجُوبِ الأجْرِ، على أنَّه جَعَل له ذلك أو أمَرَه به، فأمّا إن لم يَجْعَلْ له شيئًا، فلا شيءَ له؛ لأنَّه عَمِلَ في مال غيرِه بغيرِ جُعْل، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا، كالمُلْتَقِطِ، وهذا خِلاف ظاهِرِ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه لو جَعَل له جُعْلًا لَاسْتَحَقَّه، ولم يَجْعَلْ له أجْرَ المِثْلِ.
ويُفارِقُ هذا المُلْتَقِطَ، فإنه لم يُخَلِّصِ اللُّقَطَةَ مِن الهَلاكِ، ولو تَرَكَها أمكنَ أن يَرْجِعَ صاحِبُها فيَطْلُبَها في مَكانِها فيَجِدَها، وههُنا إن لم يُخْرِجْه هذا ضاع وهَلَك، ولم يَرْجِعْ إليه صاحِبُه، فَفِي جَعْلِ الأجْرِ فيه حِفْظُ الأمْوالِ مِن الهَلاكِ مِن غيرِ مَضَرَّةٍ، فجازَ، كالجُعْلِ في الآبِقِ.
ولأنَّ اللُّقَطَةَ جَعَل فيها الشارِع ما يَحُثُّ على أخْذِها، وهو مِلْكها إن لم يَجيء صاحِبُها، فاكْتَفَى به عن الأجْرِ، فَيَنْبَغِي أن يُشْرَحَ في هذا ما يَحُثُّ على تَخْلِيصِه بطَرِيقِ الأوْلَى، وليس إلَّا الأجْرُ، كَرَدِّ لآبِقِ.
فصل: فأمّا ما ألقاه رُكّابُ البَحْرِ فيه خَوْفًا مِن الغَرَقِ، فلم أعْلَمْ لأصْحابِنا فيه قَوْلًا، سِوَى عُمُومِ قَوْلِهم الذي ذَكَرْناه.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ

..................................  هذا مَنْ أخَذَه.
وهو قولُ اللَّيثِ.
وبه قال الحَسَنُ، فيما أخْرَجه، قال: وما نَضَبَ عنه الماءُ فهو لأهْلِه.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: يَرُدُّه على أصْحابِه، ولا شيءَ له.
ويَقْتَضِيه قولُ الشافعيِّ، والقاضِي؛ لِما تَقَدَّمَ في الفَصْلِ قَبلَه.
ويَقْتَضِي قولُ الإِمامِ أبي عبدِ اللهِ، أنَّ لمَن أنْقَذَه أجْرَ مِثْلِه؛ لِما ذَكَرْنا.
قال شَيخُنا 1: ووَجْهُ ما ذَكَرْنا مِن الاحْتِمالِ أنَّ هذا مال ألْقَاهُ أصْحابُه فيما يتلَفُ ببَقائِه فيه اخْتِيارًا منهم، فمَلَكَه مَن أخَذَه، كالذي ألْقَوْه رَغْبَةً عنه، ولأنَّ فيما ذَكَرُوه تَحْقِيقًا لإتْلافِه، فلم يَجُزْ، كمُباشَرَتِه بالاتْلافِ.
فأمّا إن انْكَسَرتِ السَّفِينَة، فأخرَجَه قوم.
فقال مالِك: يَأخُذُ أصحابُ المَتاعِ مَتاعَهُم، ولا شيءَ للذين أصابُوه.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ، والقاضِي.
وعلى قِياسِ نَصِّ أحمدَ يكونُ لمُسْتَخْرِجِه ههُنا أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ ذلك وَسيلة إلى تَخْلِيصِه وحِفْظِه لصاحِبه وصِيانَتِه عن الغَرَقِ، فإنَّ الغَوّاصَ إذا عَلِمَ أنَّه يُدْفَعُ إليه الأَجْرُ، بادَرَ إلى التَّخْلِيصِ ليُخَلِّصَه، وإن عَلِمَ أنَّه يُؤْخَذُ منه بغيرِ شيءٍ، لم يُخاطِرْ بنَفسِه في اسْتِخْراجِه، فيَنْبَغِي أن يُقْضَى له بالأجْرِ، كجُعْلِ رَدِّ الآبِقِ.
فصل: ذَكَرَ القاضِي فيما إذا الْتَقَطَ عَبْدًا صَغِيرًا، أو جارِيَةً، أنَّ قِياسَ المَذْهَبِ أَنه لا يُمْلَكُ بالتَّعْرِيفِ.
وقال الشافعيّ: يُمْلَكُ العَبْدُ دونَ الجارِيَةِ؛ ولأن التَّمَلكَ بالتَّعْرِيفِ عندَه اقْتِراض، والجاريَةُ عندَه لا تُمْلَكُ بالقرْضِ.
قال شيخُنا (1): وهذه المسألةُ فيها نَظَر؛ فإنَّ اللَّقِيطَ مَحْكُوم

الثَّالِثُ، سَائِرُ الْأمْوَالِ؛ كَالْأثْمَانِ، وَالْمَتَاعِ وَالْغَنَم وَالفصْلَانِ، وَالْعَجَاجِيلِ، وَالأفْلَاءِ.
بحُرِّيته، وإن كان مِمّن يُعَبِّرُ 1 عن نَفْسِه، فأقَرَّ بأنه مَمْلُوك، لم يُقْبَلْ إقْرارُه؛ لأنَّ الطِّفْلَ لا قَوْلَ له، ولو اعْتُبِرَ قَوْلُه في ذلك، لاعْتُبِرَ في تعْرِيفِه لسَيِّدِه.
(الثالثُ، سائِرُ الأمْوالِ؛ كالأثْمانِ، والمَتاعِ، والغَنَمِ، والفُصْلان، والعَجاجِيلِ، والأفْلاءِ) 2 فيجوزُ الْتِقاطُها لمَن يَقْصِدُ تَعْرِيفَها وتَمَلُّكَها بعدَه؛ لحَدِيثِ زَيدِ بنِ خالِدٍ في لُقَطَةِ الذَّهَبِ والوَرِقِ، وقولِه في الشّاةِ: «خُذْهَا فَإنَّما هِيَ لَكَ أوْ لأخِيكَ أو للذِّئْبِ» 3. ثَبَت في الذّهَبِ والفِضَّةِ، وقِسْنَا عليه المَتاعَ، وقِسْنا على الشّاةِ كلَّ حَيَوانٍ

..................................  لا يَمْتَنِعُ بنَفْسِه مِن صِغارِ السباعِ، وهي الثَّعْلَبُ، وابنُ آوَى، والذِّئْبُ، وَوَلَدُ الأسَدِ، ونحوُها، ومنه الدَّجَاجُ، والإوَزُّ، ونحوُها، يجوزُ الْتِقاطُها.
ورُوِيَ عن أحمدَ رِواية أخْرَى، ليس لغيرِ الإِمامِ الْتِقاطُها، يَعْنِي الشّاةَ ونحوَها مِن الحَيَوانِ.
وقال اللَّيثُ بنُ سعدٍ: لا أخْتارُ أن يَقْرَبَها، إلَّا أن يُحْرِزَها لصاحِبِها؛ لقولِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُؤْوي الضَّالَّةَ إلَّا ضَالٌّ» 1. ولأنَّه حيَوان، أشْبَهَ الإبِلَ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الشّاةِ: «خُذْهَا، فَإنَّمَا هِيَ لَكَ أوْ لأخِيك أوْ للذِّئْبِ».
مُتَّفق عليه.
ولأنَّه يُخْشَى عليه التَّلَفُ والضَّياعُ، أشْبَهَ لُقَطَةَ غيرِ الحَيوانِ، وحَدِيثُنا

..................................  أخَصُّ مِن حَدِيثهم، فنَخُصُّه به، ولو قُدِّرَ التَّعارضُ قُدِّم حَدِيثُنا؛ لأنَّه أصَحُّ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الإبِلِ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَّلَ مَنْعَ الْتِقاطِها بأنَّ مَعَها حِذاءَها وسِقاءَها، وهذا مَعْدُوم في الغَنم، ثم قد فَرقَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بينَهما في خَبَر واحدٍ، فلا يجوزُ الجَمْعُ بين ما فرَّقَ الشّارِعُ بينَهما، ولا قِياسُ ما أمَر بالْتِقاطِه على ما مَنَع منه.
فصل: ولا فَرْقَ بين أن يَجِدَها بمِصْرٍ أو مَهْلكةٍ وقال مالك، وأبو عبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ، في الشّاةِ تُوجَدُ في الصَّحْراء: اذْبَحْها وكُلْها.
وفي المِصْرِ: ضُمَّها حتى يَجِدَها صاحِبُها؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «هِيَ لَكَ أوْ لأخِيكَ أوْ للذِّئْبِ» 1. ولا يكونُ الذِّئْبُ في المِصْرِ.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر بأخْذِها، ولم يفَرِّقْ ولم يَسْتَفْصِلْ، ولو افْتَرَقَ الحالُ لاسْتَفْصَلَ، ولأنَّها لُقَطَة، فاسْتَوَى فيها المِصْرُ وغيرُه، كسائِرِ اللُّقَطاتِ.
وقَوْلُهم: لا يكونُ الذِّئْبُ في المِصْرِ.
قُلْنا: كونُها للذِّئْبِ في الصَّحْرَاءِ، لا يَمْنَعُ كَوْنَها لغيرِه في المِصْرِ.
ومَتى عَرَّفَها حَوْلًا مَلَكَها.
وذَكَر القاضِي، وأبو الخَطّابِ، عن أحمدَ رِوَايَةً: أنَّه لا يَمْلِكُها.
ولَعَلَّها الرِّوايَةُ التي مَنَع مِن الْتِقاطِها فيها.
ولَنا، قولُه - عليه السلام -: «هِيَ لَكَ».
أضافَها إليه بلامِ التَّمْلِيكِ، ولأنَّ الْتِقاطَها مُباحٌ، فمُلِكَتْ بالتَّعْرِيفِ، كالأثْمانِ.
وقد حكَاهُ ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا.

فَمَنْ لَا يَأمَنُ نَفْسَهُ عَلَيهَا، لَيس لَهُ أخْذُهَا، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهَا وَلَمْ يَمْلِكْهَا وَإنْ عَرَّفَهَا.
وَمَنْ أمِنَ نفْسَهُ عَلَيهَا.
وَقَوىَ عَلَى تَعْرِيفِهَا، فَلَهُ أخدهَا، وَالْأفْضَلُ تَرْكُهَا.

2502 - مسألة: (فمَن لا يَأمَنُ نَفْسَه عليها، ليس له أخْذُها)

فإن أخَذُها، لَزِمَه ضَمانُها (ولا يَمْلِكُها وإن عَرَّفَها) إذا الْتَقَطَ لُقَطَةً، عازِمًا على تَمَلُّكِها بغيرِ تَعْرِيفٍ، فقد فَعَل مُحَرَّمًا، ولا يَحِلُّ له أخْذُها بهذه النِّيةِ، فإن أخَذَها، لَزِمَه ضَمانُها، سواءٌ تَلِفَتْ بتَفْرِيطٍ، أو بغيرِ تَفْرِيطٍ، ولا يَملِكُها وإن عَرَّفَها؛ لأنَّه أخَذَ مال غيرِه على وَجْه ليس له أخْذُه، فهو كالغاصِبِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَها؛ لأنَّ مِلْكَها بالتَّعْرِيف والالْتِقاطِ، وقد وُجدا، فيَمْلِكُها بذلك، كالاصْطِيادِ، والاحْتِشاشِ، إذا دَخَل مِلْكَ غيرِه بغيرِ إذْنِه فاصْطَادَ أو احْتَشَّ منه، مَلَك الصَّيدَ والحَشِيشَ، وإن كان دُخُولُه مُحَرَّمًا، كذا ههُنا.
ولأنَّ عمُومَ النَّصِّ يَتَناوَلُ هذا المُلْتَقَطَ، فيَثْبُتُ حُكْمُه فيه، ولأنَّنا لو اعْتَبَرْنا نِيَّةَ التَّعْرِيف وَقْتَ الالْتِقاطِ، لافْتَرَقَ الحالُ بينَ العَدْلِ والفاسِقِ، والصَّبِيِّ والسَّفِيهِ؛ لأنَّ الغالِبَ على هَؤُلاءِ الالْتِقاطُ للتَّمْلِيكِ لا للتَّعْرِيفِ.
2503 -

مسألة: (ومَن أمِن نَفْسَه عليها، وقَوىَ على تَعْرِيفِها، فله أخْذُها)

لِما ذَكَرْنا (والأفْضَلُ تَرْكُها) قاله أحمدُ.
رُوِيَ مَعْنَى ذلك عن ابنِ عَبّاس، وابنِ عُمَرَ.
وبه قال جابرُ بنُ زَيدٍ، والرَّبِيعُ بنُ خثَيم،

وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: إن وَجَدَهَا بمَضْيَعَةٍ فَالْأفْضَلُ أخْذُهَا.
وعَطَاء.
وقال أبو الخَطّابِ: إذا وَجَدَها بمَضْيَعَةٍ وأمِنَ نَفْسَه عليها (فالأفْضَلُ أخْذُها).
وهذا قولٌ للشافعيِّ 1 وعنه، أنَّه يَجِبُ أخْذُها، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ 2. وإذا كان وَلِيَّه، وَجَب عليه حِفْظُ مالِه، كوَلِيِّ اليَتيمِ.
ومِمَّن رأى أخْذَها سَعِيد بنُ المُسَيَّبِ، والحَسَنُ بنُ صالح، وأبو حنيفةَ.
وأخَذَها أبيُّ بنُ كَعْبٍ، وسُوَيدُ بنُ غَفَلَةَ.
وقال مالك: إن كان شيئًا له بال، يأخذُه أحَبُّ إلَيَّ ويُعَرِّفُه، لأن 3 فيه حِفْظَ مالِ المُسْلِمِ عليه، فكان أوْلَى مِن تَضْيِيعِه، كتَخْلِيصِه مِن الغَرَقِ.
ولَنا، قولُ ابنِ عُمَرَ، وابنِ عبّاس، ولا يُعْرَفُ لهما مُخالِفٌ في الصَّحابةِ، ولأنَّه يُعَرِّضُ نَفْسَه لأكْلِ

جارٍ التحميل