الثَّالِثُ، حَضُورُ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، فِى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ، تَنْعَقِدُ بِثَلَاثَةٍ.
فصل: وإذا كان أهلُ المِصْرِ دُونَ الأرْبَعِين، فجاءَهم أهلُ قَرْيَةٍ، فأَقامُوا الجُمُعَةَ في المِصْرِ، لم تَصِحَّ؛ لأنَّ أهلَ القَرْيَةِ غيرُ مُسْتَوْطِنينَ في المِصْرِ، وأهلَ المِصْرِ لا تَنْعَقِدُ بهم الجُمُعَةُ؛ لقلَّتِهم.
وإن كان أهلُ القَرْيَةِ مِمَّن تَجِبُ عليهم الجُمُعَةُ بأنْفُسِهم، لَزِم أهلَ المِصْرِ السَّعْىُ إليهم إذا كان بينهما أقلُّ مِن فَرْسَخٍ؛ [لأنَّ بينَهم وبينَ مَوْضِعِ الجُمُعَةِ أقَلَّ مِن فَرْسَخٍ] (1) فلزمَهم السَّعْىُ إليها، كما يَلْزَمُ أهلَ القَريةِ السَّعْىُ إلى المِصْرِ إذا أُقِيمَتْ به، وكان أهلُ القَرْيَةِ دُونَ الأرْبَعِين، وإن كان في كُلِّ واحِدٍ دُونَ الأَرْبَعِين لم تَجُزْ إقامَةُ الجُمُعَةِ في واحِدٍ منهما.
638 -
مسألة: (الثالثُ، حُضورُ أرْبَعِين مِن أَهْلِ القَرْيَةِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ. وعنه، تَنْعَقِدُ بثَلاثَةٍ)
حُضُورُ أرْبَعِين شَرْطٌ لوُجُوبِ الجُمُعَةِ وصِحَّتِها، في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
رُوِىَ ذلك عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وعُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ.
ورُوِىَ
عن الإِمامِ أحمدَ، أنَّها لا تَنْعَقِدُ إلَّا بخَمْسِين، لِما روَى أبو بكرِ النَّجَّادُ، عن عبدِ الملِكِ الرَّقَاشِىِّ، حدثنا رَجاءُ بنُ سلَمَةَ، حدثنا عَبّادُ بنُ عَبَّادٍ المُهَلَّبِىُّ،1
..................................
عن جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيْرِ، عن القاسِمِ، عن أبى أُمامَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى خمْسِينَ، رَجُلًا، وَلَا تَجِبُ عَلَى مَنْ دُونَ ذَلِكَ» 1. وبإسنادِه عن الزُّهْرىِّ، عن أبى سَلَمَةَ، قال: قُلْتُ لأبى هُرَيْرَةَ: على كم تَجِبُ الجُمُعَةُ مِن رجلٍ؟ قال: لَمّا بَلَغ أصحابُ رسولِ اللَّهِ خَمْسِين جَمَّعَ بهم رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وعنه رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، أنَّها تَنْعَقِدُ بثَلاثَةٍ.
وهو قَوْلُ الأوْزَاعِىِّ؛ لأنَّ اسْمَ الجَمْعِ يتَناوَلُه، فانْعَقَدَتْ به الجُمُعَةُ، كالأرْبَعِين، ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ 2. بصِيغَةِ الجَمْعِ، فيَدْخُلُ فيه الثَّلاثَةُ.
وحَكَى أبو الحارثِ، عن الإِمامِ أحمدَ، إذا كانوا ثَلَاثَةً مِن أهْلِ القُرَى جَمَّعُوا.
فيَحْتَمِلُ أن يَخْتَصَّ ذلك أهلَ القُرَى لقِلَّتِهم.
وقال أبو حنيفةَ: تَنْعَقِدُ بأَرْبَعَةٍ؛ لأنَّه عَدَدٌ زِيدَ على أقَلِّ الجَمْعِ المُطلَقِ، أشْبَهَ الأرْبَعِين.
وقال رَبِيعَةُ: تَنْعَقِدُ باثْنَىْ عَشَرَ؛ لِما رُوِىَ أنَّ
..................................
النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَتَب إلى مُصْعَبِ بنِ عُمَيْر بالمَدِينَةِ، فأمَرَه أن يُصَلِّىَ عندَ الزَّوَالِ رَكْعَتَيْن، وأن يَخْطُبَ فيهما.
فجَمَّعَ مُصْعَبِ بنُ عُمَيْرٍ في بَيْتِ سَعْدِ بنِ خَيْثَمَةَ باثْنَىْ عَشَرَ رَجُلًا 1. وعن جابِرٍ، قال: كُنَّا مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ الجُمُعَةِ فَقَدِمَتْ سُوَيْقَةٌ، فخَرَجَ النّاسُ إليها، فلم يَبْقَ إلَّا اثْنا عَشَرَ رجلًا، أنا فيهم، فأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ 2 الآيةُ.
رواه مسلمٌ 3. وما يُشْتَرَطُ للابْتِداءِ يُشْتَرَطُ للاسْتِدامَةِ.
ولَنا، حديثُ كَعْبٍ الذى رَوَيْناه.
وفى الحديث: قُلْتُ له: كم كُنْتُم يَوْمَئِذٍ؟ قال: أَرْبَعِين.
رواه الدّارَقُطْنِىُّ 4. وقولُ الصَّحابِىِّ: مَضَتِ
فَإِنْ نَقَصُوا قَبْلَ إِتْمَامِهَا، اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا.
السُّنَّةُ.
يَنْصَرفُ إلى سُنَّةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فأمَّا حَدِيثُ مُصْعَبِ بنِ عُمَيْرِ، أنَّهُم كانوا اثْنَىْ عَشَرَ، فلا يَصِحُّ، فإنَّ حديثَ كَعْبٍ أصَحُّ منه، رَواه أصحابُ السُّنَنِ.
والخَبَرُ الآخرُ يَحْتَمِلُ أنَّهم عادُوا فحَضَرُوا القَدْرَ الواجِبَ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم عادُوا قبلَ طُولِ الفَصلِ.
وأمَّا الثَّلاثَةُ والأرْبَعَةُ فتَحَكُّمٌ بالرَّأْىِ فيما لا مَدْخَلَ للرَّأْى فيه؛ لأنَّ التَّقْدِيرَ.
بابُه التَّوقِيفُ، ولَا مَعْنَى لاشْتِراطِ كَوْنِه جَمْعًا، ولا للزِّيادَةِ على الجَمْعِ، إذ لا نصَّ فيه ولا مَعْنَى نَصٍّ، ولو كان الجَمْعُ كافِيًا لاكْتفِىَ باثْنَيْن، لأنَّ الجماعَةَ تَنْعَقِدُ بهما.
639 -
مسألة: (فإن نَقَصُوا قبلَ إتْمامِها، اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا. ويَحْتَمِلُ
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ إِنْ نَقَصُوا قَبْلَ رَكعَةٍ أَتَمُّوا ظُهْرًا.
وَإنْ نَقَصُوا بَعْدَ رَكْعَةٍ أَتَمُّوا جُمُعَةً.
أنَّهم إن نَقَصُوا بعدَ رَكْعَةٍ أتَمُّوها جُمُعَةً، وإن نَقَصوا قبلَ رَكْعَةٍ أتَمُّوها ظُهْرًا) المَشْهُورُ في المَذْهَبِ أنَّه يُشْتَرَطُ كَمالُ العَدَدِ في جَمِيعِ الصَّلاةِ.
قال أبو بكرٍ: لا أعْلَمُ خِلافًا عن الإِمام أحمدَ إن لم يَتِمَّ العَدَدُ في الصَّلاةِ والخُطْبَةِ، أنَّهم يُعِيدُون الصلاةَ.
وهذا أَحَدُ قَوْلَى الإِمامِ الشافعىِّ؛ لأنَّه شَرْطٌ للصلاةِ، فاعْتُبِرَ في جَمِيعِها، كالطَّهارةِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّهم إن نَقَصوا بعدَ رَكْعَةٍ أتَمُّوها جُمُعَةً.
وهذا قِياسُ قولِ الخِرَقِىِّ.
وبه قال الإِمامُ مالكٌ.
وقال المُزَنِىُّ: هو أشْبَهُ عندِى؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ أدْرَكَ مِنَ الجُمُعَةِ رَكْعَةً أضَافَ إلَيْها أُخْرَى» 1. ولأنَّهم أدْرَكُوا رَكْعَةً، فصَحَّتْ لهم الجُمُعَةُ، كالمَسْبُوقِ برَكْعَةٍ، وهذا اخْتِيارُ شيخِنا 2. وقال
..................................
أبو حنيفةَ: إن نَقَصُوا بعدَما صَلَّوْا رَكْعَةً بسَجْدَةٍ واحِدَةٍ، أتَمُّوها جُمُعَةً؛ لأنَّهم أدْرَكُوا مُعْظَمَ الرَّكْعَةِ، فأشْبَهَ ما لو أدْرَكُوها بسَجْدَتَيها.
وقال إسحاقُ: إن بَقِىَ معه اثْنا عَشَرَ أتَمَّهَا جُمُعَةً؛ لأنَّ أصحابَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- انْفَضُّوا عنه، فلم يَبْقَ معه إلَّا اثْنا عَشَرَ رجلًا، فأتَمَّها جُمُعَةً.
وقال الإِمامُ الشافعىُّ، في أحَدِ أقْوالِه: إن بَقِىَ معه اثْنان أتَمَّها جُمُعَةً.
وهو قولُ الثَّوْرىِّ؛ لأنَّه أقَلُّ الجَمْعِ.
وحَكَى عنه أبو ثَوْرٍ، إن بَقِىَ معه واحِدٌ أتَمَّها جُمُعَةً، لأنَّ الاثْنَيْن جَماعَةٌ.
ولَنا، أنَّهم لم يُدْرِكُوا رَكْعَةً كامِلَةً بشُرُوطِ الجُمُعَةِ، فأَشْبَهَ ما لو نَقَص الجَمْعُ قبلَ رُكُوعِ الأُولَى.
وقولُهم: أدْرَكَ مُعْظَمَ الرَّكْعَةِ.
يَبْطُلُ بمَن لم يَفُتْه مِن الرَّكْعَةِ الأُولَى إلَّا السَّجْدَتان، فإنَّه قد أدْرَكَ مُعْظَمَها.
وقولُ الإِمام الشافعىِّ: بَقِىَ معه مَن تَنعَقِدُ به الجَماعَةُ.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّ هذا لا يَكْفِىَ في الابتداءِ، فلا يَكفى في الدَّوامِ.
إذا ثَبَت هذا، فكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا: لا يُتِمُّها جُمُعَةً.
فقِياسُ قولِ الخِرَقِىِّ أنَّها تَبْطُلُ، ويَسْتَأْنِفُها ظُهْرًا، إلَّا أن يُمْكِنَهم فِعْلُ الجُمُعَةِ مَرَّةً أُخْرَى،
وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الإِمَامِ مِنْهَا رَكْعَةً، أَتَمَّهَا جُمُعَةً،
فيُعِيدُونَها.
وحَكَاه أبو بكرِ عن الإِمامِ أحمدَ.
وقِيَاسُ قَوْلِ أبى إسْحاقَ ابنِ شاقْلَا أنَّهم يُتِمُّونَها ظُهْرًا.
وهذا قولُ القاضى.
وقال: قد نَصَّ الإِمامُ أحمدُ في الذى زُحِمَ عن أفْعالِ الجُمُعَةِ حتى سَلّمَ الإِمامُ، يُتِمُّها ظُهْرًا.
ووجْهُ القَوْلَين قد تَقَدَّمَ.
640 -
مسألة: (ومَن أَدْرَكَ مع الإِمامِ منها رَكْعَةً أَتَمَّها جُمُعَةً)
وهذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم ابنُ مسعودٍ، وابنُ عمرَ، وأنَسٌ،
وسعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وعَلْقَمَةُ، والأسْودُ، والزُّهرِىُّ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال عَطاءٌ، وطاوسٌ، ومُجاهِدٌ: مَن لمِ يُدْرِكِ الخُطْبَةَ صَلَّى أرْبَعًا؛ لأنَّ الخُطْبَةَ شَرْطٌ للجُمُعَةِ، فلا تكونُ جُمُعَةً في حَقِّ مَن لم يُوجَدْ في حَقِّه شَرْطُها.
ولَنا، ما روَى أبو سَلَمَةَ، عن أبى هُرَيْرَة، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدرَكَ الصَّلَاةَ».
رَواه الأَثْرمُ 1. ورواه ابنُ
وَمَنْ أدْرَكَ أقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، أتَمَّهَا ظُهْرًا، إِذَا كَانَ قَدْ نَوَى الظُّهْرَ فِى قَوْلِ الْخِرَقِىِّ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقْلَا: يَنْوِى جُمُعَةً، وَيُتِمُّهَا ظُهْرًا.
ماجه (1): «فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى».
وعن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدرَكَ الصَّلَاةَ».
مُتَّفَقٌ عليه (2). ولأنَّه قَوْلُ مَن سَمَّيْنَا مِن الصحابَةِ، ولا مُخِالفَ لهم في عَصْرِهم.
641 -
مسألة: (ومَن أدْرَكَ أقَلَّ مِن رَكْعَةٍ أتَمَّهَا ظُهْرًا، إذا كان قد نَوَى الظُّهْرَ في قَوْلِ الْخِرَقِىِّ. وقال أبو إسحاقَ بنُ شَاقْلَا: يَنْوِى جُمُعَةً، ويُتِمُّهَا ظُهْرًا)
أمَّا مَن أدْرَكَ أقَلَّ مِن رَكْعَةٍ، فلا يَكُونُ مُدْركًا للجُمُعَةِ، ويُصَلِّى الظُّهْرَ أرْبَعًا.
وهذا قَوْلُ جَمِيعِ مَن ذَكَرْنا في المَسْأَلَةِ المُتَقَدِّمَةِ،12
..................................
إلَّا الإِمامَ 1 أبا حنيفةَ، فإنَّه قال: يكونُ مُدْرِكًا للجُمُعَةِ بأَىِّ قَدْرٍ أدْرَكَ مِن الصَّلاةِ مع الإِمام.
وهو قولُ الحَكَمِ، وحَمّادٍ، لأنَّ مَن لَزِمَه أن يَبْنِىَ على صلاةِ الإِمامَ بإدْراكِ رَكْعَةٍ، لَزِمَه بإدْراكِ أقَلَّ منها، كالمُسافِرِ يُدْرِكُ المُقِيمَ، ولأنَّه أدْرَكَ جُزْءًا مِن الصَّلاةِ، فكان مُدْرِكًا لها، كالظُّهْرِ.
ولَنا، قولُه عليه السَّلامُ: «مَنْ أدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدرَكَ الصَّلَاةَ».
فمفْهُومُه أنَّه إذا أدْرَكَ أقَلَّ مِن رَكْعَةٍ لم يُدْرِكْها، ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابةِ والتَّابِعين، رَضىَ اللَّهُ عنهم، ولا مُخِالفَ لهم في عَصْرِهم، فيَكُونُ إجْماعًا.
وقد رَوَى بشرُ بنُ مُعاذٍ الزَّيَّاتُ، عن الزُّهْرىِّ، عن أبى سَلَمَةَ 2، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أَنَّه قال: «مَنْ أَدْرَكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيُضِفْ إِلَيْهَا أُخْرَى، ومَنْ أدْرَكَ دُونَهَا صَلَّى أرْبَعًا» 3. ومَن لم يُدْرِكْ رَكْعَةً، فلا تَصِحُّ له جُمُعَةٌ، كالإِمامِ إذا انْفَضُّوا 4 قبلَ السُّجُودِ.
..................................
وأمّا المُسافِرُ فإدْرَاكُه إدْراكُ إلْزَامٍ، وهذا إدْراكُه إدْراكُ إسْقاطٍ للعَدَدِ، فافْتَرَقا، وكذلك يُتِمُّ المُسافِرُ خلفَ المُقِيمُ، ولا يَقْصُرُ المُقِيمُ خلفَ المُسافِرِ، وأمّا الظُّهْرُ فليس مِن شَرْطِها الجَماعَةُ، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
فصل: وكلُّ مَن أَدْرَكَ مع الإِمام ما لا يَتِمُّ له به جُمُعَةٌ، فإنَّه في قولِ الخِرَقِىِّ يَنْوِى ظُهْرًا، فإن نَوَى جُمُعَةً لم تَصِحَّ في ظاهِرِ كَلامِه.
وكَلامُ
..................................
أحمدَ، في رِوايَةِ صالحٍ وابنِ مَنْصُورٍ، يَحْتَملُ هذا، لقَوْلِه 1 في مَن أحْرَمَ، ثم زُحِمَ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ حتى سَلَّمَ إمامُه، قال: يَسْتَقْبِلُ ظُهْرًا أرْبَعًا، وذلك لأنَّ الظُّهْرَ لا يَتَأَدَّى 2 بنِيَّةِ الجُمُعَةِ ابْتِداءً، فكذلك اسْتِدامَتُه، كالظُّهْرِ مع العَصرِ.
وقال أبو إسحاقَ بنُ شاقْلَا: يَنْوِى جُمُعَةً؛ لِئَلَّا يُخَالِفَ نِيَّةَ إمامِه، ثم يَبْنِى عليها ظُهْرًا.
وهذا ظاهِرُ قولِ قتادَةَ، وأيُّوبَ، ويُونُسَ 3، والشافعىِّ، لأنَّه لا يَجُوزُ أن يَأْتَمَّ بمَن يُصَلِّى جُمُعَةً، فجاز أن يَبْنِىَ صلاتَه على نِيَّتِها، كصلاةِ المُقِيمِ مع المُسافِرِ، وكما يَنْوِى أنَّه مأْمُومٌ، ويُتِمَّ صلاتَه بعدَ مُفارَقَةِ إمامِه مُنْفَرِدًا، ولأنَّه يَصِحُّ أن يَنْوِىَ الظُّهْرَ خلفَ مَن يُصَلِّى الجُمُعَةَ في ابْتِدائِها، فكذلك في انْتِهائِها.
فصل: إذا صَلَّى الإِمامُ الجُمُعَةَ قبلَ الزَّوالِ، فأَدْرَكَ المَأْمُومُ معه دُونَ الرَّكْعَةِ، لم يَكُنْ له الدُّخُولُ معه، لأنَّها في حَقِّه ظُهْر، فلا تَجُوزُ قبلَ
وَمَنْ أَحْرَمَ مَعَ الإِمَامِ، ثُمَّ زُحِمَ عَنِ السُّجُودِ، سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ أوْ رِجْلِهِ،
الزَّوالِ، كغيرِ يَوْمِ الجُمُعَةِ، فإن دَخَل معه كانت نَفْلًا في حَقِّه، ولم تُجْزِئْه عن الظُّهْرِ.
ولو أدْرَكَ معه رَكْعَةً، ثم زُحِمَ عن سُجُودِها، وقُلْنا: تَصِيرُ (1) ظُهْرًا، فإنَّها تَنْقَلِبُ نَفْلًا؛ لئَلَّا تَكُونَ ظُهْرًا قبلَ وَقْتِها.
642 -
مسألة: (ومَن أحْرَمَ مع الإِمام، ثم زُحِمَ عن السُّجُودِ، سَجَد على ظَهْرِ إنْسانٍ أو رِجْلِه)
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، في من أحْرَمَ مع الإِمام، ثم زُحِمَ فلم يَقْدِرْ على الرُّكُوعِ حتى سلَّمَ الإِمامُ، فرُوِىَ أنَّه يكون مُدْرِكًا للجُمُعَةِ.
اخْتارَها الخَلَّالُ.
وهو قولُ الحسنِ، وأصحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه أحْرَمَ بالصَّلاةِ مع إمامِه في أوَّلِها، فأشْبَهَ ما لو رَكَع وسَجَد معه.
ونُقِلَ عنه، أنه يَسْتَقْبِلُ الصلاةَ أرْبَعًا.
اخْتارَه أبو بكرٍ، وابنُ أبى موسى.
وهو قولُ الشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه لم يُدْرِكْ رَكْعَةً كامِلَةً، فلم يَكُنْ مُدْرِكًا للجُمُعَةِ، كالمَسْبُوقِ.
وهذا ظاهِرُ كَلامِ1
..................................
الخِرَقِىِّ.
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن زُحِمَ عن السُّجُودِ في الجُمُعَةِ سَجَد على ظَهْرِ إنْسانٍ أو رِجْلِه إذا أمْكَنَه ذلك، وأجْزَأَه.
قال أحمدُ، في رِوايَةِ أحمدَ ابنِ هاشمٍ 1: يَسْجُدُ على ظَهْرِ الرَّجُلِ والقَدَمِ، ويُمَكِّنُ الجَبْهَةَ والأنْفَ، في العِيدَيْن والجُمُعَةِ.
وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، ومالِكٌ: لا يَفْعَلُ.
فإن فَعَل، فقال مالِكٌ: تَبْطُلُ الصَّلاةُ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ مِنَ 2 الْأرْضِ» 3. ولَنا، ما رُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: إذا اشْتَدَّ الزِّحامُ فَلْيَسْجُدْ على ظَهْرِ أَخِيهِ.
رَواه سعيدٌ في سُنَنِه 4. وهذا قاله بمَحْضَرِ مِن الصحابَةِ وغيرِهم في يَوْمِ جُمُعَةٍ، ولم
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ سَجَدَ إِذَا زَالَ الزِّحَامُ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ الثَّانِيَةِ، فَيُتَابِعَ الْإِمَامَ فِيهَا، وَتَصِيرُ أُولَاهُ، وَيُتِمُّهَا جُمُعَةً،
يَظْهَرْ له مُخالِفٌ، فكان إجْماعًا.
ولأنَّه أَتَى بما يُمْكِنُه حالَ العَجْزِ، فصَحَّ، كالمَرِيضِ يَسْجُدُ على المِرْفَقَةِ، والخَبَرُ لم يَتَناوَلِ العاجِزَ، لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (1).
643 -
مسألة: (فإن لم يُمْكِنْه سَجَد إذا زال الزِّحامُ، إِلَّا أن يَخافَ فَواتَ الثَّانِيَةِ، فَيُتَابِعَ الْإِمَامَ فِيهَا، وَتَصِيرُ أُولَاهُ، وَيُتِمُّهَا جُمُعَةً)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن زُحِمَ في إحْدَى الرَّكْعَتَيْن، فإمّا أن يُزْحَمَ في الأُولَى، أو الثَّانِيَةِ، فإن كان في الأُولَى، ولم يَتَمَكَّنْ مِن السُّجُودِ على ظَهْرِ ولا قَدَمٍ، انْتَظَرَ1
..................................
حتَّى يَزُولَ الزِّحامُ، ثم يَسْجُدُ ويتْبَعُ إِمامَه؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ أصحابَه بذلك في صلاةِ الخوْفِ بعُسْفانَ للعُذْرِ، والعُذْرُ مَوْجُودٌ.
فإذا قَضَى ما عليه، وأدْرَكَ إِمامَه قبلَ رَفْعِ رَأْسِه مِن الرُّكُوعِ، اتَّبَعَه، وصَحَّت له الرَّكْعَةُ، وهكذا لو تَعَذَّرَ عليه السُّجُودُ مع إمامِه، لمرَضٍ، أو نَوْمٍ، أو
..................................
نِسْيانٍ؛ لأنَّ ذلك عُذْرٌ، أشْبَهَ المَزْحُومَ.
فإن خاف أنَّه إن تشاغَلَ بالسُّجُودِ فاتَه الرُّكُوعُ مع الإِمامِ في الثَّانِيَةِ ولَزِمَه مُتابَعَتُه، وتَصِيرُ الثَّانِيةُ أُولَاه.
وهذا قولُ مالكٍ.
وقال أبو حنيفةَ: يَشُّتَغِلُ بالسُّجُودِ؛ لأنَّه قد رَكَع مع الإِمامِ، فيَجِبُ عليه السُّجودُ بعدَه؛ لو زال الزِّحامُ والإِمامُ قائِمٌ.
وللشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن.
ولَنا، قَولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا» 1. فإن قِيلَ: فقد قال: «فَإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا».
قُلْنا: قدْ سَقَط الأمْرُ بالمُتابَعَةِ في السُّجُود عن هذا للْعُذْرِ، وبَقِىَ الأمْرُ بالمُتابَعَةِ في الرُّكُوعِ لإِمْكانِه، ولأنَّه خائِفٌ فَواتَ الرُّكُوعِ، فلَزِمَتْه مُتابَعَةُ إمامِه فيه 2، كالمَسْبُوقِ، أمَّا إذا كان الإِمامُ قائِمًا فليس هذا اخْتِلافًا كَثِيرًا.
إذا ثَبَت أنَّه يُتابعُ الإِمامَ فِى الرُّكُوعِ، فإن أدْرَكَهُ رَاكِعًا صَحَّتْ له الثَّانِيَةُ، وتَصِيرُ الثَّانِيَةُ أُولَاهُ، وتَبْطُلُ الأُولَى في قِياسِ المَذْهَبِ؛
..................................
لكَوْنِه تَرَك منها رُكْنًا وشَرَع في الثَّانِيةِ، فبَطَلَتِ الأُولَى على ما ذَكَرْنا في سُجُودِ السَّهْوِ، ويُتِمُّها جُمُعَةً، لأنَّه أدْرَكَ منها رَكْعَةً مع الإِمامِ، فإن لم يَقُمْ، ولكن يَسْجُد السَّجْدَتَيْن مِن غيرِ قِيامٍ تَمَّتْ رَكْعَتُه.
وإن فاتَه الرُّكُوعُ وسَجَد معه، فإن سَجَد السَّجْدَتَيْن معه، فقال القاضى: يُتِمُّ بها الرَّكْعَةَ الأُولَى.
وهذا مَذْهَبُ الإِمامِ الشافعىِّ.
رَحِمَه اللَّه تعالى.
وقال أبو الخَطَّابِ: إذا سَجَد مُعْتَقِدًا جَوازَ ذلك اعْتُدَّ له به، وتَصِحُّ له الرَّكْعَةُ، كما لو سَجَد وإمامُه قائِمٌ، ثم إن أدْرَكَ الإِمامَ في رُكوعِ الثَّانِيَةِ صَحَّتْ له الرَّكْعَتان، وإن أدْرَكَه بعدَ رَفْعِ رَاسِه مِن رُكُوعِها، فَينْبَغى أن يَرْكَعَ ويَتْبَعَه، لأنَّ هذا سَبْقٌ يَسِيرٌ.
ويَحْتَمِلُ أن تَفُوتَه الثَّانِيةُ بفَواتِ الرُّكُوعِ، كالمَسْبُوقِ.
فَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإنْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ فَسَجَدَ ثمَّ أدْرَكَ الإمَامَ فِى التَّشَهُّدِ، أُتَى بِرَكْعَةٍ أُخْرَى بَعْدَ سَلَامِهِ، وَصَحَّتْ جُمُعَتُهُ.
وَعَنْهُ، يُتِمُّهَا ظُهْرًا.
644 - مسألة: (فَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإنْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ فَسَجَدَ ثمَّ أدْرَكَ الإمَامَ فِى التَّشَهُّدِ، أُتَى بِرَكْعَةٍ أُخْرَى بَعْدَ سَلَامِ الإِمامِ، وَصَحَّتْ جُمُعَتُهُ.
وَعَنْهُ، يُتِمُّهَا ظُهْرًا)
وجُمْلَتُه أنَّ مَن زُحِمَ عن السُّجُودِ في الرَّكْعَةِ الأُولَى، وخَاف فَواتَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مع الإِمامِ إنِ اشْتَغَلَ بالسُّجُودِ، لَزِمَه مُتابَعَتُه في رُكُوعِ الثَّانِيةِ؛ لِما ذَكَرْنا.
فإن تَرَك مُتابَعَةَ إمامِه عالِمًا بتَحْرِيمِ ذلك بَطَلَتْ صلاتُه؛ لأنَّه تَرَك الواجِبَ فيها عَمْدًا، وفَعَل ما لا يَجُوزُ فِعْلُه.
وإنِ اعْتَقَدَ جَوازَ ذلك فسَجَد، لم يُعْتَدَّ بسُجُودِه، لأنَّه سَجَدَ في مَوْضِعِ الرُّكوعِ جَهْلًا، أشْبَهَ السَّاهِىَ.
ؤقال أبو الخَطَّابِ: يُعْتَدُّ له به، فإن أدْرَكَ الإِمامَ في التَّشَهُّدِ تابَعَه، وقَضَى رَكْعَة بعدَ سلامِه، كالمَسْبُوقِ، ويَسْجُدُ للسَّهْوِ.
قال شيخُنا 1: ولا وَجْهَ للسُّجُودِ هنا؛ لأنَّ المأْمُومَ 2 ليس عليه سُجُودُ
..................................
سَهْوٍ.
وإن زُحِمَ عن سَجْدَةٍ واحِدَةٍ، أو عن الاعْتِدالِ بينَ السَّجْدَتَيْن، أو بينَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في ازْدِحامٍ عن السُّجُودِ.
فصل: فأمَّا إن زُحِمَ عن السُّجُودِ في الثَّانِيةِ، فزالَ الزِّحامُ قبلَ سَلامَ الإِمام، سَجَدَ وتَبِعَه، وصَحَّتْ له الرَّكْعَةُ.
وإن لم يَزُلْ حتَّى سَلَّمَ، فإن كان أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الأُولَى، فقد أَدْرَكَ الجُمُعَةَ، ويَسْجُدُ للثَّانِيَةِ بعدَ سَلامِ الإِمامِ، ويَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ، فقد تَمَّتْ جُمُعَتُه.
وإن لم يَكُنْ أدْرَكَ الأُولَى، فإنَّه يَسْجُدُ بعدَ سلامِ إمامِه، وتَصِحُّ له رَكْعَةٌ.
وهل يَكُونُ مُدْرِكًا للجُمُعَةِ بذلك؟ على رِوايَتَيْن.
فصل: وإذا أدْرَكَ مع الإِمامِ رَكْعَةً، فلمَّا قام ليَقْضِىَ الأُخْرَى ذَكَر أنَّه لم يَسْجُدْ مع إمامِه إلَّا سَجْدَةً واحِدَةً [أو شَكَّ] 1 في ذلك؛ فإن لم يَكُنْ شَرَع في قِراءَةِ الثَّانيةِ، رَجَع فَسَجَدَ للأُولَى، فأَتَمَّهَا، وقَضَى الثَّانِيَةَ، وأتمَّ الجُمُعَةَ.
نَصَّ عليه الإِمامُ أحمدُ، في رِوايَةِ الأثْرَمِ.
وإن كان شَرَع في قِراءَةِ الثَّانيةِ، بَطَلَتِ الأُولَى، وصارَتِ الثَّانِيَةُ أُولَاهُ، ويُتِمُّها جُمُعَةً،
..................................
على ما نَقَلَه الأثْرَمُ.
وقِياسُ الرِّوايَةِ الأُخْرَى في المَزْحُومِ، أنَّه يُتِمُّها ههُنا ظُهْرًا، لأنَّه لم يُدْرِكْ رَكْعَةً كامِلَةً.
ولو قَضَى الرَّكْعَهً الثَّانِيَةَ، ثم عَلِم أنَّه تَرَك سَجْدَةً مِن إحْدَاهما، لا يَدْرِى مِن أَيُّهما تَرَكَها، فالحُكْمُ واحِدٌ، ويَجْعَلُها مِن الأُولَى، ويَأْتِى برَكْعَةٍ مَكانَها.
وفى كَوْنِه مُدْرِكًا 1 للجُمعَةِ وَجْهان.
فأمَّا إن شَكَّ في إدْراكِ الرُّكُوع مع الإِمامِ؛ مثلَ أن كَبَّرَ والإِمامُ راكِعٌ، فرَفَعَ إمَامُه رَأْسَه، فشَكَّ هل أدْرَكَ المُجْزَئَ مِن الرُّكوعِ مع الإِمامِ أوْ لا؟ لم يَعْتَدَّ بتلك الرَّكْعَةِ، ويُصَلِّى ظُهْرًا، قَوْلًا واحِدًا، لأنَّ الأصْلَ أنَّه ما أتَى بها معه وفى كلِّ مَوْضِعٍ لا يَكُونُ مُدْرِكًا للجُمُعَةِ، فعلى قَولِ الخِرَقِىِّ، يَنْوى ظُهْرًا، فإن نوَى جُمُعَةً لَزِمَه اسْتِئْنَافُ الظُّهْرِ.
ويَحْتَمِلُه كلامُ الإِمام أحمدَ، في رِوايَةِ صالِحٍ وابن مَنْصُورٍ وعلى قَوْلِ أبى 2 إسحاقَ بنِ شَاقْلَا: [يَنْوى جُمُعَةً] 3، لِئَلَّا يُخالِفَ إِمامَه، ويُتِمُّها ظُهْرًا.
وقد ذَكَرْنا وَجْهَ القَوْلَيْن.
الرَّابعُ، أنْ يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ، وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِمَا حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَقِرَاءَةُ آيَةٍ، وَالْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَحُضُورُ الْعَدَدِ الْمُشْتَرَطِ.
فصلْ: ولو صَلَّى مع الإِمام رَكْعَةً، ثم زُحِمَ في الثَّانِيَةِ، فأُخْرِجَ مِن الصَّفِّ فصارَ فَذًّا، فَنَوى الانْفِرادَ عن الإِمامِ، قِياسُ المَذْهَبِ أنَّه يُتِمُّها جُمُعَةً؛ لأنَّه أدْرَكَ منها رَكْعَةً مع الإِمامِ، أشْبَهَ ما لو أدْرَكَ الثَّانِيَةَ.
وإن لم يَنْوِ الانْفِرادَ، وأتَمَّها مع الإِمامِ، ففية رِوايَتان؛ إحْدَاهُما، لا يَصِحُّ، لأنَّه قد فَذَّ في رَكْعَةٍ كامِلَةٍ، أشْبَهَ ما لو فَعَل ذلك عَمْدًا.
والثَّانيةُ، يَصِحُّ؛ لأنَّه قد يُعْفَى في البِناءِ عن تَكْمِيلِ الشُّرُوطِ كما لو خَرَج الوَقْتُ وقد صَلَّوْا رَكْعَةً، وكالمَسْبُوقِ.
645 -
مسألة: (الرَّابعُ، أنْ يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ، وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِما حَمْدُ اللَّه تِعَالَى، وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَقِرَاءَةُ آيَةٍ، وَالْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللَّهِ
..................................
تَعَالَى، وَحُضُورُ الْعَدَدِ الْمُشْتَرَطِ.) الخُطْبَةَ.
وبه قال غطَاءٌ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَةُ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال الحسنُ: تُجْزِئُهم الجُمُعَةُ مِن غيرِ خُطْبَةٍ؛ لأنَّها صلاةُ عِيدٍ، فلم تُشْتَرَطْ لها الخُطْبَةُ، كصلاةِ الأضْحَى.
ولَنا، قولُ اللَّهِ سُبْحَانَه وتعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾.
والذِّكْرُ هو الخُطْبَةُ، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَتْرُكِ 1 الخُطْبَةَ، وقَد قال: «صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِى أُصَلِّى» 2. وعن عمرَ، رَضِى اللَّهُ عنه، أنَّه قُصِرَ في الصَّلاةِ لأجْلِ الخُطْبَةِ 3. وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، نَحْوُ هذا.
فصل: ويُشْتَرَطُ لها خُطْبَتَانِ.
وهذا مَذْهَبُ الإِمامِ الشافعىِّ.
وقال مالكٌ، والأوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصَحابُ الرَّأْى:
..................................
تُجْزِئُه خُطْبَةٌ واحِدَةٌ.
وعن الإمام أحمدَ ما يَدُلُّ عليه، فإنَّه قال: لا تَكُونُ الخُطْبَةُ إِلَّا؛ خَطَب النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أو خُطْبَةٌ تَامَّةٌ.
ووَجْهُ الأوَّلِ ما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَخْطُبُ خُطْبَتَيْن وهو قائِمٌ، يَفْصِلُ بينَهما بجُلُوسٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وقد قال: «صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِى أُصَلِّى».
ولأنَّ الخُطْبَتَيْن أُقِيمَتَا مَقامَ الرَّكْعَتَيْن، فكلُّ خُطْبَةٍ مَكانَ رَكْعَةٍ، فالإِخْلالُ بإحْدَاهُما إخْلَالٌ بإحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ.
فصل: ويُشْتَرَطُ لكلِّ واحِدَةٍ منهما حَمْدُ اللَّهِ تعالى، والصلاةُ على رسولِه -صلى اللَّه عليه وسلم- لأنَّ النَّبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «كُلُّ كَلَامٍ ذِى بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» 2. وقال جابِرٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: كان رسولُ اللَّهِ
.................................. - صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ النَّاسَ، يَحْمَدُ اللَّهَ ويُثْنِى عليه بما هو أهْلُه، ثم يَقُولُ: «مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَهُ» 1. وإذا وَجَب ذِكْرُ اللَّهِ، وَجَب ذِكْرُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، كالأَذانِ، ولأنَّه قد رُوِىَ في تَفْسِير قولِه تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ 2. قال: لا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِى 3. ويَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ الصلاةُ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَذْكُرْ ذلك في خُطْبَتِه.
..................................
فصل: والقِراءَةُ في كلِّ واحِدَةٍ مِن الخُطتَيْنِ شَرْطٌ، وهو ظاهِرُ كَلامِ الخرَقِىِّ؛ لأنَّ الخُطْبَتَيْن أُقِيمَتا مَقامَ الرَّكْعَتَيْن، فكانتِ القِراءَةُ فيهما شَرْطًا، كالرَّكْعَتَيْن.
ولأنَّ ما وَجَب في إحْداهما وَجَب في الأُخْرَى، كسائِرِ الفُرُوضِ.
ويَحْتَمِلُ أن تُشْتَرَطَ القِراءَةُ في إحْداهما؛ لِما روَى الشَّعْبِىُّ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا صَعِدَ المِنْبَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ، وقال: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ».
ويَحْمَدُ اللَّهَ، ويُثْنِى عليه، ويَقْرَأُ
..................................
سُورَةً، ثم يَجْلِسُ، ثم يَقُومُ فيَخْطُبُ، ثم يَنْزِلُ، وكان أبو بكرٍ وعمرُ يَفْعَلَانِه.
رَواه الأثْرَمُ 1. والظَّاهِرُ أنَّه إنَّما قَرَأ في الخُطْبَةِ الأُولَى.
فصل: وتَجِبُ المَوْعِظَةُ؛ لأنَّها المَقْصُودَةُ مِن الخُطْبَةِ، فلم يَجُزِ الإِخْلالُ بها، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَعِظُ.
وفى حديثِ جابرِ بنِ سَمُرَةَ، أنَّه كان يُذَكِّرُ النَّاسَ 2. وتَجِبُ في الخُطْبَتَيْنِ جَمِيعًا؛ لأَنَّ ما وَجَب في إحْداهما وَجَب في الأخْرَى، كسائِرِ الشُّرُوطِ.
وهذا قَوْلُ القاضى.
..................................
وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ أنَّ المَوْعِظةَ إنَّما تَكُونُ في الخُطْبَةِ الثَّانِيةِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حدِيثِ الشَّعْبِىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لو أتَى بِتَسْبِيحَةٍ أجْزَأَ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
فأجْزَأَ ما يَقَعُ عليه الذِّكْرُ، ولأنَّ اسْمَ الخُطبَةِ يَقَعُ على دونِ ما ذَكَرْتُمْ، بدَلِيلِ أنَّ رجلًا جاء إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وقال: عَلِّمْنِى عَمَلًا أدْخُلُ به الجَنَّةَ؟ فقال: «[لئِنْ كُنْتَ] 1 أَقْصَرْتَ مِنَ الخُطْبَةِ لَقَدْ أعْرَضْتَ فِى المَسْأَلةِ» 2. وعن مالِكٍ كالمَذْهَبَيْنِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَسَّرَ الذِّكْرَ بفِعْلِه.
قال جابِرُ بنُ سَمُرَةَ: كانت صلاةُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَصْدًا، وخُطْبَتُه قَصْدًا، يَقْرَأْ آيَاتٍ مِن القُرْآنِ، ويُذَكِّرُ
..................................
النَّاسَ.
رَواه أبو دَاود، والتِّرْمِذِىُّ 1. وقد ذَكَرْنا حديثَ جابِرِ بنِ سَمُرَة.
وأمَّا التَّسْبِيحُ فلا يُسَمَّى خُطْبَةً.
والمُرادُ بالذِّكْر الخُطْبَةُ، وما رَوَوْه مجازٌ؛ فإنَّ السُّؤالَ لا يُسَمَّى خُطْبَةً، بدَلِيلِ أنَّه لو ألْقَى مَسْألَةً على الحاضِرِين لم يَكْفِ ذلك اتِّفاقًا.
..................................
فصل: ولا يَكْفِى في القِراءَةِ أقَلُّ مِن آيَةٍ.
هكذا ذكَرَه الأصحابُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَقْتَصِرْ على أقَلَّ مِن ذلك، ولأنَّ الحُكْمَ لا [يَتَعَلَّقُ بما دُونَها] 1، بدلِيلِ مَنْعِ الجُنُبِ مِن قِراءَتِها.
فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّه لا يَشْتَرِطُ ذلك؛ فإنَّه قال، في القِراءَةِ في الخُطْبَةِ: ليس فيه شئٌ مُوَقَّتٌ، ما شاءَ قَرَأ.
وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ.
قال شَيْخُنا 2: ويَحْتمِلُ أن لا يَجِبَ سِوَى حَمْدِ اللَّهِ والمَوْعِظَةِ؛ لأنَّ ذلك يُسَمَّى خُطْبَةً، ويَحْصُلُ به المَقصُودُ، وما عَداهما ليس على اشْتِراطِه دَلِيل؛ لأنَّه لا يَجِبُ أن يَخْطُبَ على صِفَةِ خُطْبَةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالاتِّفاقِ؛ لأنَّه رُوِىَ أنَّه كان يَقْرأ آيَاتٍ، ولا يَجبُ قِراءَةُ آيَاتٍ بالاتِّفاقِ، لكن يُسْتَحَبُّ ذلك؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ الشَّعْبِىِّ.
وقالَتْ أُمُّ هِشامٍ بنتُ حارِثَةَ بنِ النُّعْمانِ: ما أخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾.
إلَّا مِن فِي رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، كان يَخْطُبُ بها كلَّ جُمُعَةٍ.
رَواه مسلمٌ 3.
..................................
فصل: ويُشْتَرَطُ للْخُطْبَةِ حُضورُ العَدَدِ المُشْتَرَطِ في القَدْرِ الواجِبِ مِن الخُطْبَتَيْنِ.
وقال أبو حنيفةَ، في رِوايَةٍ عنه: لا يُشْتَرَطُ؛ لأنَّه ذِكْرٌ يَتَقَدَّمُ الصَّلاةَ، فلم يُشْتَرَطْ له العَدَدُ، كالأذَانِ.
ولَنا، أنَّه ذِكْرٌ مِن شَرائِطِ الجُمُعَةِ، فكان مِن شَرْطِه العَدَدُ، وكتَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ، وتُفارِقُ الأذانَ، فإنَّه ليس بِشَرْطٍ، وإنَّما مَقْصُودُه الإِعْلامُ، والإِعْلامُ للغَائِبينَ، والخُطْبَةُ مَقْصُودُها المَوْعِظَةُ، فهى لِلحاضِرِينَ.
فعلى هذا إنِ انْفَضُّوا في أثْناءِ الخُطْبَةِ، ثم عادُوا فحَضَرُوا القَدْرَ الواجِبَ، أجْزاهم، وإلَّا لم يُجْزِئْهم، إلَّا أن يَحْضُرُوا القَدْرَ الواجِبَ، ثم يَنْفَضُّوا ويَعُودُوا قبلَ شُرُوعِه في الصَّلاةِ، مِن غيرِ طُولِ الفَصْلِ، فإن طالَ الفَصْلُ لَزِمَه إعادَةُ الخُطْبَةِ، إن كان الوَقْتُ مُتَّسِعًا، وإن ضاقَ الوَقْتُ صَلَّوْا ظُهْرًا.
والمَرْجِعُ في طُولِ الفَصْلِ وقِصَرِه إلى العادَةِ.
..................................
فصل: ويُشْتَرَطُ لهما 1 الوَقْتُ، فلو خَطَب قبلَ الوَقْتِ لم تَصِحَّ خُطْبَتُه، قِياسًا على الصَّلاةِ.
ويُشْتَرَطُ لهما المُوَالاةُ، فإن فَرَّقَ بينَ الخُطْبَتَيْنِ، أو بينَ أجْزاءِ 2 الخُطْبَةِ الواحِدَةِ بكَلام طَويلٍ، أو سُكُوتٍ طَوِيلٍ مِمَّا يَقْطَعُ المُوَالاةَ، اسْتَأْنَفَها.
وكذلك يُشْتَرَطُ المُوَالَاةُ بينَ الخُطْبَةِ والصَّلاةِ أيضًا.
فإن فَرَّقَ بينَهما تَفْرِيقًا كَثِيرًا بَطَلَتْ، ولا تَبْطُلُ باليَسِيرِ؛ لأنَّ الخُطْبَتَيْنِ مع الصَّلاةِ كالمَجْمُوعَتَيْنِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ المُوَالَاةَ لا تُشْتَرَطُ؛ لأنَّه ذِكْرٌ يَتَقَدَّمُ الصلاةَ، فلم تُشْتَرَطِ المُوَالَاةُ بينَهما،
وَهَلْ يُشْتَرَطُ لَهُمَا الطَّهَارَةُ، وَأَنْ يَتَوَلَّاهُمَا مَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
كالأَذَانِ والإِقامَةِ.
والمَرْجِعُ في طُولِ الفَصْلِ وقِصَرِه إلى العُرْفِ.
وإنِ احْتاجَ إلى الطهارَةِ تَطَهَّرَ وبَنَى على خُطْبَتِه.
وكذلك تُعْتَبَرُ سائِرُ شُروطِ الجُمُعَةِ لِلْقَدْرِ الوَاجِب مِن الخُطْبَتَيْنِ.
646 -
مسألة: (وهل يُشْتَرَطُ لهما الطهارةُ، وأن يَتَولَّاهُما مَن يَتَولَّى الصلاةَ؟ على رِوايَتَيْن)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في اشْتِراطِ الطهارةِ لِلخُطْبَةِ، وللشافعىِّ قَوْلان، كالرِّوايَتَيْنِ.
وقد قال أحمدُ في مَن
..................................
خَطَب وهو جُنُبٌ، ثم اغْتَسَل وَصلَّى بهم، تُجْزِئُه.
قال شيْخُنا 1: والأشْبَهُ بأُصُولِ المَذْهَبِ اشْتِرَاطُ الطهارَةِ الكُبْرَى؛ لكونِ قِراءَةِ آيَةٍ شَرْطًا للخُطْبَةِ.
ولا يَجُوزُ ذلك للجُنُبِ.
فأمَّا الطهارةُ الصُّغْرَى، فالصَّحِيحُ أنَّها لا تُشْتَرطُ؛ لأنَّه ذِكْرٌ، يَتَقَدَّمُ الصلاةَ، فلم تَكُنِ الطهارةُ فيه شَرْطًا، كالأذَانِ، ولأنَّه لو اشْتُرِطَتْ لهما الطهارةُ لاشْتُرِطَ الاسْتِقْبالُ، كالصلاةِ.
.................................. وعنه، أنَّها تُشْتَرَطُ لهما، كتَكْبِيرَةِ الإِحْرام، ولكنْ يُسْتَحَبُّ أن يكونَ مُتَطَهِّرًا مِن الحَدَثِ والنَّجَسِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصَلِّى عَقِيبَ الخُطْبَةِ، لا يَفْصِلُ بينَهما بطهارةٍ، فيَدُلُّ على أنَّه كان مُتَطَهِّرًا، والاقْتِدَاءُ به إن لم يَكُنْ واجِبًا فهو سُنَّةٌ.
..................................
فصل: ويُشْتَرَطُ أن يَتَولَّاهُما مَن يَتَوَلَّى الصلاةَ، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْن؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَفْعَلُه، وقد قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيتُمُونِى أُصَلِّى» 1. ولأنَّ الخُطْبَةَ أُقِيمَتْ مَقامَ رَكْعَتَيْن، لكن يَجُوزُ الاسْتِخْلافُ لعُذْرِ، ففى الخُطْبَةِ والصلاةِ أوْلَى.
وعنه، يَجُوزُ الاسْتِخْلافُ لغيرِ عُذْرٍ، فإنَّه قال في الإِمامِ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ويُصَلِّى الأميرُ بالنَّاسِ: لا بَأْسَ إذا حَضَر الأمِيرُ الخُطْبَةَ؛ لأنَّ الخُطْبَةَ مُنْفَصِلَةٌ عن الصَّلاةِ، فأَشْبَها الصلاتَين.
وهل يُشْتَرَطُ أن يكونَ المُصَلِّى مِمَّن حَضَر الخُطْبَةَ؟ فيه
..................................
رِوايتان، إحْداهما، يُشْتَرَطُ.
وهو قولُ الثَّوْرِىِّ وأصحابِ الرَّأْىِ، لأنَّه إمامٌ في الجُمُعَةِ، فاشْتُرِطَ حُضُورُ الخُطْبَةِ كما لو لم يَسْتَخْلِفْ.
والثَّانيةُ، لا يُشْتَرَطُ.
وهو قولُ الأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ؛ لأنَّه مِمَّن تَنْعَقِدُ به الجُمُعَةُ، فجاز أن يَؤُمَّ فيها كما لو حَضَر الخُطْبَةَ.
وقد روَى الإِمَامُ أحمدُ رَحِمَه اللَّهُ، أنَّه لا يَجُوزُ الاسْتِخْلافُ مع العُذْرِ أيضًا، فإنَّه قال، في الإِمَامِ إذا أحْدَثَ بعدَ ما خَطَب فَقَدَّمَ 1 رجلًا يُصلِّى بهم: لم يُصَلِّ إلَّا أرْبَعًا، إلَّا أن يُعِيدَ الخُطْبَةَ، ثم يُصلِّى بهم رَكْعَتَيْنِ.
وذلك لأنَّ هذا لم يُنْقَلْ عن النبىِّ
..................................
- صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا عن أحَدٍ مِن خُلَفائِه.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ.
وهل يَجُوزُ أن يَتَوَلَّى الخُطْبَتَيْن اثْنان، يَخْطُبُ كلّ واحدٍ خُطْبَةً؟ فيه احْتمالان؛ أحَدُهما، يَجُوزُ، كالأذانِ والإِقَامَةِ.
والثَّانِى، لا يَجُوزُ؛ لِما ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ.
وَمِنْ سُنَنِهِمَا أنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَرٍ، أوْ مَوْضِعٍ عَالٍ،
647 - مسألة: (ومِن سُنَنِهما أن يَخْطُبَ على مِنْبرٍ، أو مَوْضِعٍ عالٍ)
لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَخْطُبُ النَّاسَ على مِنْبَرٍ.
قال سَهْلُ بنُ سَعْدٍ: أرْسَلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى فُلانَةَ: «أنْ مُرِى غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلْ لِى أعْوَادًا أجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ».
مُتَّفَق عليه 1. ولأنَّه أَبلَغُ في الإِعْلامِ.
وليس ذلك واجِبًا، فلو خَطَب على الأرْضِ، أو رَبْوَةٍ، أو راحِلةٍ، أو غيرِ ذلك، جاز، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَقُومُ على الأرْضِ قبلَ أن يُصْنَعَ له المِنْبَرُ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَكُونَ المِنْبَرُ عن يَمِينِ القِبْلَةِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- هكذا صَنَع.
وَيُسَلِّمَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ إِذَا أقْبَلَ عَلَيْهِمْ،
648 - مسألة: (ويُسَلِّمَ على المَأْمُومِينَ إذا أقْبَلَ علَيْهِم)
ويُسْتَحَبُّ للإِمامِ إذا خَرَج أن يُسَلِّمَ على النَّاسِ، ثم إذا صَعِدَ المِنْبَرَ فاسْتَقْبَلَ الحاضِرِينَ سَلَّم عليهم.
يُرْوَى ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، وبه قال الأوزاعِىُّ، والشافعىُّ.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يُسَنُّ السَّلامُ عَقِيبَ الاسْتقْبال؛ لأنَّه سَلَّمَ حالَ خُرُوجِهْ.
ولَنا، ما روَى جابِرٌ، قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا صَعِدَ المِنْبَرَ سَلَّمَ عليهم.
رَواه ابنُ ماجه 1. وعن ابنِ عمرَ، قال: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا دَخَل المَسْجِدَ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَلَّمَ على مَن عندَ المِنْبَرِ جالِسًا، فإذا صَعِدَ المِنْبَرَ [واسْتَقْبلَ النَّاسَ] 2 سَلَّمَ عليهم.
رَواه أبو بكرٍ، بإسْنادِه 3. ومتى سَلَّمَ رَدَّ عليه النَّاسُ؛ لأنَّ رَدَّ السَّلامِ آكَدُ مِن ابْتِدائِه.
ثُمَّ يَجْلِسَ إِلَى فَرَاغِ الْأذَانِ، وَيَجْلِسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ،
649 - مسألة: (ثم يَجْلِسَ إلى فَراغِ الأذَانِ، ويَجْلِسَ بينَ الخُطْبَتَيْن)؛
لِما روَى ابنُ عمرَ، قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَجْلِسُ إذا صَعِد حتَّى يَفْرَغَ الأذَانُ، ثم يَقُومُ فيَخْطُبُ [ثم يَجْلِسُ] 1 [فلا يتَكَلَّمُ، ثم يَقُومُ فيَخْطُبُ] 2. رَوَاه أبو داودَ 3. وتَكُونُ الجَلْسةُ بينَ الخُطْبَتَيْن