الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 73-112

كِتَابُ الْأَيْمَانِ

صفحات 73-112

..................................  كوَرَقِ الشَّجَرِ، ونُشارَةِ الخشَبِ والتُّرابِ، احْتَمَلَ وَجْهَين؛ أحَدُهما؛ يَحْنَثُ؛ لأنَّه قد أكَلَه، فأَشْبَهَ ما جَرَتِ العادَةُ بأكْلِه، ولأنَّه رُوِيَ عن عُتْبَةَ بنِ غَزْوانَ، أنَّه قال: لقد رأَيتُنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سابِعَ سَبْعَةٍ، ما لَنا طَعامٌ إلَّا وَرَقُ الحُبْلَةِ 1، حتَّى قَرِحَتْ أشْدَاقُنا 2. والثاني، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يَتَناوَلُه اسمُ الطَّعامِ في العُرْفِ.
فصل: وإن حَلَف لا يَأكُلُ قُوتًا، فأكَلَ خبزًا، أو تمرًا، أو زَبِيبًا 3، أو لَحْمًا، أو لَبَنًا، حَنِثَ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِن هذه يُقْتاتُ في بعضِ البُلْدانِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ إلا بما يَقْتاتُه أهْلُ بَلَدِه؛ لأنَّ يَمِينَه تَنْصَرِف إلى القُوتِ المُتَعارَفِ عندَهم وفي بَلَدِهم.
ولأصحابِ الشافعيِّ وَجْهان كَهذَين.
وإن أكَلَ سَويقًا، أو اسْتَفَّ دَقِيقًا، حَنِثَ؛ لأنَّه يُقْتاتُ كذلك.
ولهذا قال بعضُ اللُّصوصِ 4: لا تَخْبِزَا خُبْزًا وبُسَّا بَسَّا ولا تُطِيلَا بمُقامٍ حَبْسَا

وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ شَيئًا، فَلَبِسَ ثَوْبًا، أَوْ دِرْعًا، أَوْ جَوْشَنًا، أو خُفًّا، أو نَعْلًا، حَنِثَ.
وإن أكَلَ حَبًّا يُقْتاتُ خُبْزُه، حَنِثَ، ولذلك رُوِيَ أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَدَّخِرُ قُوتَ عِيالِه سَنَةً (1). وإنّما يُدَّخَرُ (2) الحَبُّ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ؛ لأنّه لا يُقْتاتُ كذلك.
وإن أكلَ عِنَبًا، أو حِصْرِمًا (3)، أو خَلًّا، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه لم يَصِرْ قُوتًا.

4743 -

مسألة: (وإن حَلَف لا يَلْبَسُ شَيئًا، فلَبِسَ ثَوْبًا، أو دِرْعًا، أو جَوْشَنًا، أو خُفًّا، أو نَعْلًا، حَنِثَ)

وكذلك إن لَبِسَ عِمامَةً،123

..................................  أو قَلَنْسُوَةً.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: في الخُفِّ والنَّعْلِ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَحْنَثُ.
ولَنا، أَنه مَلْبُوسٌ حَقِيقَةً وعُرْفًا، فَحَنِثَ به 1، كالثِّيابِ، وفي الحديثِ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أهْدَى إليه النَّجاشِيُّ خُفَّينِ، فلَبِسَهُما 2. وقيل لابنِ عمرَ: إنَّكَ تَلْبَسُ هذه النِّعال؟ فقال: رأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَلْبَسُهُما 3. فإن تَرَكَ القَلَنْسُوَةَ في رِجْلِه، أو أدْخَلَ يَدَه في الخُفِّ أو النَّعْلِ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ ذلك ليس بلُبْسٍ لهما.

وَإنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ حَلْيًا، فَلَبِسَ حِلْيَةَ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو جَوْهَرٍ، حَنِثَ، وَإنْ لَبِسَ عَقِيقًا أو سَبَجًا، لَمْ يَحْنَثْ، وَإن لَبِسَ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ في مُرْسَلَةٍ، فَعَلَى وَجْهَينِ.

4744 - مسألة: (وإن حَلَف لا يَلْبَسُ حَلْيًا، فلَبِس حِلْيَةَ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو جَوْهَرٍ، حَنِثَ، وإن لَبِس عَقِيقًا أو سَبَجًا 1، لم يَحْنَثْ، وإن لَبِسَ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ في مُرْسَلَةٍ، فعلى وَجْهَين) إذا لَبِس 2 حلْيَةَ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، حَنِثَ، فإن لَبِسَ خَاتَمًا مِن فِضَّةٍ، أو مِخْنَقَةً مِن لُؤْلُؤٍ، أو جَوْهَرٍ وَحْدَه، حَنِثَ. وبه قال الشَّافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه ليس بحَلْيٍ وَحْدَه. ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ 3. وقال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاورَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ 4. وجاءَ في الحديثِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو 5، أنَّه قال:

..................................  قال اللهُ تعالى للبَحْرِ الشَّرْقِيِّ: إنِّي جاعِلٌ فيك الحِلْيَةَ والصَّيدَ والطِّيبَ 1. ولأنَّ الفِضَّةَ حَلْيٌ إذا كانت سِوارًا أو خَلْخالًا، فكانتْ حَلْيًا إذا كانت خَاتَمًا، كالذَّهَبِ، والجَوْهَرُ، واللُّوْلُؤُ حَلْيٌ مع غيرِه، فكان حَلْيًا وَحْدَه، كالذَّهَبِ.
وإنْ لَبِسَ عَقِيقًا، أو سَبَجًا، لم يَحْنَثْ.
وقال الشافعيُّ: إن كان مِن أهْلِ السَّوادِ، حَنِثَ 2. وفي غيرِهم وَجْهان؛ لأنَّ هذا حَلْيٌ في عُرْفِهم.
ولَنا، أنَّ هذا ليس بِحَلْيٍ، فلا يَحْنَثُ به، كالوَدَعِ، وخرَزِ الزجاجِ.
وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالوَدَع.
وإن لَبِسَ الدَّراهِمَ والدَّنانيرَ في مُرْسَلَةٍ، فعلى وَجْهَين؛ أحَدُهما، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه ليس بحَلْيٍ إذا لم يَلْبَسْه، فكذلك إذا لَبِسَه.
والثاني، يَحْنَثُ؛ لأنَّه ذَهَبٌ وفِضَّةٌ لَبِسَه، فكان حَلْيًا، كالسِّوارِ والخَاتَمِ.
وإن لَبِسَ سَيفًا مُحَلًّى، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ السَّيف ليس بحَلْيٍ.
وإن لَبِسَ مِنْطَقَةً مُحَلَّاةً، ففيه

..................................  وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ الحِلْيَةَ لها دُونَه، فأشْبَهَتِ السَّيفَ المُحَلَّى.
والثاني، يَحْنَثُ؛ لأنَّها مِن حَلْيِ الرِّجالِ، ولا يُقْصَدُ بلُبْسِها مُحَلَّاةً في الغالِب إلَّا التَّجَمُّلُ بها.
وإن حَلَف لا يَلْبَسُ خاتَمًا، فلَبسَه في غيرِ الخِنْصَرِ مِن أَصابِعِه، حَنِثَ.
وقال الشافعيُّ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ اليَمِينَ تَقْتَضِي لُبْسًا مُعْتادًا، وليس هذا مُعْتادًا، فأشْبَهَ ما لو أدْخَلَ القَلَنْسُوَةَ في رِجْلِه.
ولَنا، أنَّه لابِسٌ لِما حَلَف على تَرْكِ لُبْسِه، فأشْبَهَ ما لو ائْتَزَرَ بالسَّراويلِ، وأمَّا إدْخالُ القَلَنْسُوَةِ في رِجْلِه، فهو عَبَثٌ وسَفَهٌ، بخِلافِ هذا، فإنَّه لا فرْقَ بينَ الخِنْصَرِ وغيرِها، إلَّا مِن حيثُ الاصْطِلاحُ على تَخْصِيصِه بالخِنْصَرِ.

وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ فُلَانٍ، وَلَا يَلْبَسُ ثَوْبَهُ، وَلَا يَدْخُلُ دَارَهُ، فَرَكِبَ دَابَّةَ عَبْدِهِ، وَلَبِسَ ثَوْبَهُ، وَدَخَلَ دَارَهُ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِيمَا اسْتَأْجَرَهُ فُلَانٌ، حَنِثَ، وَإِنْ رَكِبَ دَّابةً اسْتَعَارَهَا، لَمْ يَحْنَثْ.

4745 - مسألة: (وإن حَلَف لا يَرْكَبُ دابَّةَ فُلَانٍ، ولا يَلْبَسُ ثَوْبَه، ولا يَدْخُلُ دَارَه، فرَكِبَ دَابَّةَ عَبْدِه، ولَبِسَ ثَوْبَه، ودَخَل دَارَه، أو فَعَل ذلك فيما اسْتَأجَرَه فُلَانٌ، حَنِثَ، وإن رَكِبَ دَابَّةً اسْتَعارَها، لم يَحْنَثْ)

إذا حَلَف لا يَدْخُلُ دارَ فُلانٍ، فدَخَلَ دارًا مَمْلُوكَةً له، أو دارًا يَسْكُنُها بأُجْرَةٍ أو عارِيَّةٍ أو غَصْبٍ، حَنِثَ.
وبذلك قال أبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال الشافعيُّ: لا يَحْنَثُ إلَّا بدُخولِ دارٍ يَمْلِكُها؛ لأنَّ الإِضافَةَ في الحَقِيقَةِ إلى المالِكِ، بدليلِ أنَّه لو قال: هذه الدَّارُ لفُلانٍ.
كان مُقِرًّا له بمِلْكِها.
ولو قال: إنَّه يَسْكُنُها.
لم يُقْبَلْ.
ولَنا، أنَّ الدَّارَ

..................................  تُضافُ إلى ساكِنِها، كإضافَتِها إلى مالِكِها، قال الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ 1. وأرادَ بُيوتَ أزْواجِهِنَّ اللَّائي يَسْكُنَّها.
وقال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ 2. ولأنَّ الإضافَةَ للاخْتِصاصِ، ولذلك يُضافُ الرجلُ إلى أخِيه بالأُخُوَّةِ، وإلى أُمِّه بالبُنُوَّةِ، وإلى وَلَدِه بالأُبُوَّةِ، وإلى امْرَأتِه بالزَّوْجِيَّةِ، وساكِنُ الدَّارِ مُخْتَصٌّ بها، فكانت إضافَتُها إليه صَحِيحَةً، وهي مُسْتَعْمَلَة في العُرْفِ، فوَجَبَ أن يَحْنَثَ بدُخُولِها، كالمَمْلُوكَةِ له.
وقولُهم: هذه الإِضافَةُ مَجازٌ.
مَمْنُوعٌ، بل هي حَقِيقَةٌ؛ لِما ذَكَرْناه، ولو كانت مَجازًا، لكنَّه مَشْهُورٌ، فيَتَناوَلُه اللَّفْظُ, كما لو حَلَف: لا شَرِبْتُ مِن رَاويَةِ فُلانٍ.
فإنَّه يَحْنَث بالشُّرْبِ مِن مَزادَتِه.
أمَّا الإِقْرارُ، فإنَّه لو قال: هذه دارُ زَيدٍ.
وفَسَّرَ إقْرارَه بسُكْناها، احْتَمَلَ أن نقولَ 3: يُقْبَلُ تَفْسِيرُه.
وإن سَلَّمْنا، فإنَّ قَرِينَةَ الإِقْرارِ تَصْرِفُه إلى المِلْكِ، وكذلك لو حَلَف: لا دَخَلْتُ مَسْكَنَ زَيدٍ.
حَنِثَ بدُخُولِه الدَّارَ التي يَسْكُنُها.
ولو قال: هذا المَسْكَنُ لزَيدٍ.
كان مُقِرًّا له به.
ولا خِلافَ في هذه المسألةِ، وهي نظِيرَةُ مسألتِنا.

..................................  فصل: وإن رَكِب دابَّةَ عَبْدِه، أو لَبِس ثَوْبَه، أو دَخَل دارَه، حَنِثَ؛ لأنَّ ما في يَدِ العَبْدِ لسَيِّدِه، فهو كالذي في يَدِه؛ لأنَّه مالكٌ لمنافِعِها، بخلافِ المُسْتَعِيرِ.

4746 -

مسألة: (وإن حَلَف لا يَرْكَبُ دابَّةَ فُلانٍ، فرَكِبَ دابَّةً اسْتعارَها، لم يَحْنَثْ، وإن رَكِب دابةً اسْتَأْجَرَها، حَنِث)

وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، ولا نَعْلَمُ فيه خلافًا، فيما إذا حَلَف لا يَدْخُلُ دارَ زيدٍ، فدَخَل دارَ عبدِه؛ لأنَّ دارَ العَبْدِ مِلْكٌ للسَّيِّدِ.
فإنْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبَ السَّيِّدِ، ولا يَرْكَبُ دابَّتَه، فلَبِس ثَوْبَ عَبْدِه، ورَكِبَ دابَّتَه، حَنِثَ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ العَبْدَ بهما أخَصُّ.
ولَنا، أنَّهما مَمْلُوكانِ للسَّيِّدِ، فتَناوَلَتْهُما يَمِينُ الحالِفِ، كالدَّارِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالدَّارِ.
وهكذا ذَكَرَه أبو الخطَّابِ.
ولو رَكِب دَابَّةً غَصَبَها فُلانٌ، لم يَحْنَثْ.
وفارَقَ مَسْألَةَ الدَّارِ؛ فإنَّه لم يَحْنَثْ في الدَّارِ لكَوْنِه

وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ عَبْدِهِ، فَرَكِبَ دَابَّةً جُعِلَتْ بِرَسْمِهِ، حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَدَخَلَ سَطْحَهَا، حَنِثَ، وَإِنْ دَخَلَ طَاقَ الْبَابِ، احْتَمَلَ وَجْهَينِ.
اسْتَعارَها ولا غَصَبَها، وإنَّما حَنِثَ [لسُكْناهُ بها] (1)، فأُضِيفَتِ الدَّارُ إليه لذلك.
ولو غَصَبَها أو اسْتَعارَها مِن غيرِ أن يَسْكُنَها، لم تَصِحَّ إضافَتُها إليه، فلا يَحْنَثُ الحالِفُ، فيكونُ كمُسْتَعِيرِ الدَّابَّةِ وغاصِبِها.

4747 -

مسألة: (وإن حَلَف لَا يَرْكَبُ دابَّةَ عَبْدِه، فرَكِب دابَّةً جُعِلَتْ برَسْمِه، حَنِثَ)

وكذلك إن حَلَف لا يَدْخُلُ دارَ هذا العَبْدِ، ولا يَلْبَسُ ثَوْبَه.
وعندَ الشافعيِّ لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ شيئًا مِن ذلك، والإِضافَةُ تَقْتَضِي المِلْكَ.
وقد قَدَّمْنا الكلامَ معه فيما مَضَى.
ونَخُصُّ هذا الفَصْلَ (2) بأنَّ المِلْكِيَّةَ لَا تُمْكِنُ ههُنا، فلا تَصِحُّ الإِضافَةُ بمَعْناها، فتَعَيَّنَ حَمْلُ الإِضافَةِ ههُنا على إضافَةِ الاخْتِصاصِ دونَ المِلْكِ.
4748 -

مسألة: (وإن حَلَف لَا يَدْخُلُ دَارًا، فدَخَلَ سَطْحَها، حَنِثَ، وإن دخلَ طاقَ البابِ، احْتَمل وَجْهَين)

إذا حَلفَ لا يَدخلُ دارًا12

..................................  فَرَقِي فوقَ 1 سطحِها، حَنِثَ.
وبه قال مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي.
وقال الشافعيُّ: لا يَحْنَثُ.
ولأصْحابِه فيما إذا كان السَّطْحُ مُحَجَّرًا وَجْهان، واحْتَجُّوا بأنَّ السَّطْحَ يَقِيها الحَرَّ والبَرْدَ، ويُحْرِزُها، فهو كحِيطانِها.
ولَنا، أنَّ سَطْحَ الدَّارِ منها، وحُكْمُه حُكْمُها، فحَنِثَ بدُخولِه، كالمُحَجَّرِ، أو كما لو دَخَل بينَ حِيطانِها، ودَليلُ ذلك، أنَّ الاعْتِكافَ يَصِحُّ في سَطْحِ المَسْجِدِ ويُمْنَعُ الجُنُبُ من اللُّبْثِ فيه، ولو حَلَف ليَخْرُجَنَّ مِن الدَّارِ، فصَعِدَ سَطْحَها, لم يَبَرَّ، ولو حَلَف أن لا يَخْرُجَ منها، فصَعِدَ سَطْحَها، لم يَحْنَثْ، ولأنَّه داخِلٌ في حُدودِ الدَّارِ، ومَمْلُوكٌ لصاحِبِها، ويُمْلَكُ بشِرائِها، ويَخْرُجُ مِن مِلْكِ صاحِبِها ببَيعِها، والبائِتُ عليه، يقالُ: باتَ في دارِه.
وبهذا يُفارِق ما وراءَ حائِطِها.
فإن كان في

..................................  اليَمِينِ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ أو حالِيَّةٌ تَقْتَضِي اخْتِصاصَ الإِرادَةِ بداخِلِ الدَّارِ، مثلَ أن يكونَ سَطْحُ 1 الدَّارِ طَرِيقًا، وسَبَبُ يَمِينِه يَقْتَضِي تَرْكَ وُصْلَةِ أهْلِ الدَّارِ، لم يَحْنَثْ بالمُرُورِ على سَطْحِها، وكذلك إن نَوَى بيَمِينِه باطِنَ الدَّارِ، تَقَيَّدَتْ يَمِينُه بما نَوَاه؛ لأنَّه ليس للمَرءِ إلَّا ما نَوَى.
وإن دَخَل طاقَ البابِ، احْتَمَلَ وَجْهَين؛ أحَدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّه دَخَل في حَدِّها.
والثاني، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى داخِلًا.
وقال القاضي: إذا قامَ على العَتَبَةِ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ البابَ إذا أُغْلِقَ حصَلَ خارِجًا منها، ولا يُسَمَّى داخِلًا فيها.
فصل: فإن تَعَلَّقَ بغُصْنِ شَجَرَةٍ في الدَّارِ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه لم يَدْخُلْها، فإن صَعِدَ حتى صارَ في مُقابَلَةِ سَطْحِها بينَ حِيطانِها، حَنِثَ.

..................................  وإن لم يَنْزِلْ بينَ حِيطانِها، احْتَمَلَ أن 1 يَحْنَثَ؛ لأنَّه في هَوائِها، وهَواؤُها مِلْكٌ لصاحِبِها، فأشْبَهَ ما لو قامَ على سَطْحِها، واحْتَمَلَ أن لا يَحْنَثَ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى داخلًا، ولا هو على شيءٍ مِن أجْزائِها، وكذلك لو كانتِ الشَّجَرَةُ في غيرِ الدَّارِ, فتَعَلَّقَ بفرْعٍ مَادَ على الدَّارِ في مُقابَلَةِ سَطْحِها.
وإن قامَ على حائِطٍ، احْتَمَلَ وَجْهَين؛ أحَدُهما، يَحْنَث.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّه داخِلٌ في حَدِّها، فأشْبَهَ القائِمَ على سَطْحِها.
والثاني، لا يَحْنَث؛ لأنَّه لا يُسَمَّى دُخُولًا.
فصل: وإن حَلَف لا يَضَعُ قَدَمَه في الدَّارِ، فدَخَلها راكِبًا أو ماشِيًا، أو حافِيًا أو مُنْتَعِلًا، حَنِثَ, كما لوَ حَلَف لا يَدْخُلُها.
وبهذا قال أصحابُ الرَّأْي.
وقال أبو ثَوْرٍ: إن دَخَلها راكِبًا، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه لم يَضَعْ قَدَمَه فيها.
ولَنا، أنَّه قد دَخَل الدَّارَ, فَحَنِثَ 2, كما لو دَخَلها ماشِيًا، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لم يَضَع قَدَمَه فيها، فإنَّ قَدَ مَوْضُوعَةٌ على الدَّابَّةِ فيها، فأشْبَهَ ما لو دَخَلها مُنْتَعِلًا.
وعلى أنَّ هذا في العُرْفِ عِبارَةٌ عن اجْتِنابِ الدُّخُولِ، فتُحْمَلُ عليه يَمِينُه.
فإن قيلَ: هذا مَجازٌ لا تُحْمَلُ اليَمِينُ عليه.
قُلْنا: المَجازُ إذا اشْتَهَرَ، صارَ مِن الأسْماءِ العُرْفِيَّةِ فيَنْصَرِفُ اللَّفْظُ بإطْلاقِه إليه، كلفظِ الرَّاويَةِ والدّابَّةِ وغيرِهما.

وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ إِنْسَانًا، حَنِثَ بِكَلَامِ كُلِّ إِنْسَانٍ.
وَإِنْ زَجَرَهُ فَقَال: تَنَحَّ، أَو: اسْكُتْ.
حَنِثَ.

4749 - مسألة: (وإن حَلَف لا يُكَلِّمُ إنْسَانًا، حَنِثَ بكَلَامِ كلِّ إنسانٍ)

لأنَّه فَعَل المَحْلُوفَ عليه (فإن زَجَرَه، فقال: تَنَحَّ، أو: اسْكُتْ.
حَنِثَ) لأنَّه كَلَّمه.
وقال أصحابُ أبي حنيفةَ: لا يَحْنَثُ بالقَليلِ؛ لأنَّ هذا تَمامُ الكلامِ الأوَّلِ، والذي يَقْتَضِيه يَمِينُه أن لا يُكَلِّمَه كَلامًا مُسْتَأْنَفًا.
ولَنا، أنَّ هذا القليلَ كَلامٌ منه له حَقِيقَةً، وقد وُجِدَ بعدَ يَمِينِه، فيَحْنَثُ به, كما لو فَصَله، ولأنَّ ما يَحْنَثُ به إذا فَصَلَه، [يَحْنَثُ به إذا وَصَلَه] 1، كالكثيرِ 2. وقِوْلُهم: إنَّ اليَمِينَ تَقْتَضِي خِطابًا مُسْتَأْنَفًا.
قُلْنا: هذا الخِطابُ مُسْتَأْنَفٌ، وهو غيرُ الأوَّلِ، بدَليلِ أنَّه لو قَطَعه حَنِث به.
قال شيخُنا 3: وقياسُ المذهبِ أنَّه لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ قَرِينَةَ صِلَتِه هذا الكلامَ بيَمِينِه، تدُلُّ على إرادَةِ كلام يَسْتَأْنِفُه بعدَ انْقِضاءِ هذا الكلامِ المُتَّصِلِ، فلا يَحْنَثُ, كما لو وُجِدَتِ النِّيَّةُ حَقِيقَةً.
وإن نَوَى كلامًا غيرَ هذا، لم يَحْنَثْ بهذا في المَذْهَبَين.

..................................  فصل: فإن صَلَّى بالمَحْلوفِ إمامًا، ثم سَلَّم من الصلاةِ، لم يَحْنَثْ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: يَحْنَثُ؛ لأنَّه شُرِعَ له أن يَنْويَ السَّلامَ على الحاضِرِين.
ولَنا، أنَّه قَوْلٌ مَشْرُوعٌ في الصلاةِ، فلم يَحْنَث به، كتَكْبِيرِها، وليست نِيَّةُ الحاضِرِين بسَلامِه واجِبَةً في السَّلامِ.
وإن أُرْتِجَ في الصلاةِ، ففَتَح عليه الحالِفُ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ ذلك كلامُ اللهِ تعالى، وليس بكلامِ الآدَمِيِّين.

وَإِنْ حَلَفَ لَا يَبْتَدِئُهُ بِكَلَامٍ فَتَكَلَّمَا مَعًا، حَنِثَ.

4750 - مسألة: (وإن حَلَف لا يَبْتَدِئُه بكَلامٍ، فتَكَلَّما معًا، حَنِثَ)

لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما مُبْتَدِئٌ، إذ لم يتَقَدَّمْ كلامُه كلامَ سِوَاه.
فصل: وإن كاتَبَه، أو أرْسَلَ إليه رَسُولًا، حَنِثَ، إلَّا أن يكونَ أرادَ أن لا يُشافِهَه.
وهذا قول أكثرِ 1 الأصحاب، ومذهبُ مالكٍ، والشَّافعيِّ في القَدِيمِ.
وقد رَوَى الأثْرَمُ وغيرُه عن أَحمدَ، في رجلٍ حَلَف أن لا يُكَلِّمَ رجلًا، فكَتَب إليه كِتابًا؟ قال: وأيُّ شيءٍ كان سَبَبَ ذلك؟ إنَّما نَنْظُرُ إلى سَبَبِ يَمِينِه، ولِمَ حَلَف؟ إنَّ الكِتابَ يَجْرِي مَجْرَى الكلامِ، وقد يكونُ بمَنْزِلَةِ الكلامِ في بعضِ الحالاتِ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّه لا

..................................  [يَحْنَثُ بالكتابِ، إلَّا أن تكونَ نِيَّتُه أو سَبَبُ يَمِينِه يَقْتَضِي هِجْرَانَه، وتَرْكَ صِلَتِه، فإن لم يَكُنْ كذلك، لم] 1 يَحْنَثْ بكِتابٍ ولا رَسُولٍ؛ لأنَّ ذلك ليس بتَكْلِيمٍ في الحَقِيقَةِ، ولهذا 2 يَصِحُّ نَفْيُه، فيُقالُ: ما كَلَّمْتُه، إنَّما كاتَبْتُه، أو: راسَلْتُه.
ولذلك قال اللهُ تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ 3. وقال: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلَامِي﴾ 4. وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ 5. ولو كانتِ الرِّسالةُ تَكْلِيمًا، لشارَك 6 مُوسى غيرُه من الرُّسُلِ، ولم يَخْتَصَّ بكَوْنِه كَلِيمَ اللهِ ونَجيَّه.
وقد قال أحمدُ، حينَ ماتَ بِشْرٌ الحافِي: لقد كان فيه أُنْسٌ، وما كَلَّمْتُه قَطُّ.
وقد كانت بينهما مُراسَلَةٌ.
وممَّن قال: لا يَحْنَثُ بهذا.
الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، وابنُ المُنْذِرِ، والشافعيُّ في الجَدِيدِ.
واحْتَجَّ أصحابُنا بقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ 7. فاسْتَثْنَى الرسولَ التَّكْلِيم 8، والأصْلُ أن يكون

..................................  المُسْتَثْنَى مِن جِنْسِ المُسْتَثْنَى منه، ولأنَّه وُضِعَ 1 لإِفْهامِ الآدَمِيِّين، أشْبَهَ الخِطابَ.
والصَّحِيحُ أنَّ هذا ليس بتَكْلِيمٍ، وهذا الاسْتِثْناءُ [في هذا] 2 مِن غيرِ الجِنْسِ، كما قال في الآيةِ الأُخْرَى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾ 3. والرَّمْزُ ليس بتَكْلِيمٍ.
لكن إن نَوَى تَرْكَ مُواصَلَتِه، أو كان سَبَبُ يَمِينِه يَقتَضِي هِجْرانَه، حَنِثَ، ولذلك قال أحمدُ: إنَّ الكتابَ يَجْرِي مَجْرَى الكلامِ، وقد يكونُ بمَنْزِلَةِ الكلامِ.
فلم يَجْعَلْه كَلامًا، إنَّما قال هو بمَنْزِلَتِه في بعضِ الحالاتِ إذا كان السَّبَبُ يَقْتَضِي ذلك.
وإذا أطْلَقَ، احْتَمَلَ أن لا يَحْنَثَ؛ لأنَّه لم يُكَلِّمْه.
واحْتَمَلَ أن يَحْنَثَ؛ لأنَّ الغالِبَ من الحالِفِ بهذه اليَمِينِ تَرْك 4 قَصْدِ المُواصَلَةِ، فتَتَعَلَّقُ يَمِينُه بما يُرادُ في الغالِبِ.
فصل: وإن أشارَ إليه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَحْنَثُ.
قاله القاضي؛ [لأنَّه في مَعْنى المُكاتَبَةِ والمُراسَلَةِ في الإِفْهامِ.
والثاني، لا يَحْنَثُ، ذَكَرَه أبو الخطابِ] 5؛ لأنَّه ليس بكَلامٍ 6، قال اللهُ تعالى لمريمَ

..................................  عليها السَّلامُ: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾.
إلى قولِه: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيهِ﴾ 1. وقال في زكَرِيَّا: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾.
إلى قولِه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ 2. ولأنَّ الكلامَ حروفٌ وأصْواتٌ، ولا يُوجَد في الإِشارَةِ، ولأنَّ الكلامَ شيءٌ مَسْمُوعٌ، وتَبْطُلُ به الصلاةُ، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَام النَّاسِ» 3. والإِشارَةُ بخِلافِ هذا.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾.
قُلْنا: هذا اسْتِثْناءٌ من غيرِ الجنْسِ، بدِليل ما ذَكَرْنا، ولصِحَّةِ نفْيِه عنه، فيقالُ: ما كَلَّمَه وإنَّما أَشارَ إليه.
فصل: فإن ناداهُ بحيثُ يَسْمَعُ، فلم يَسْمَعْ، لتَشاغُلِه، أو غَفْلَتِه، حَنِثَ.
نَصَّ عليه أحمدُ، فإنَّه سُئِلَ عن رجلٍ حَلَف أن لا يُكَلِّمَ إنْسانًا، فنَاداهُ، والمحلوفُ عليه لا يَسْمَعُ؟ قال: يَحْنَثُ.
وهذا لكَوْنِ ذلك يُسَمَّى تَكْلِيمًا، يقالُ: كَلَّمْتُه فلم يَسْمَعْ.
فصل: وإن سَلَّمَ على المَحْلُوفِ عليه، حَنِثَ؛ لأنَّ السَّلامَ كلامٌ تَبْطُلُ

وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ حِينًا، فَذَلِكَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ.
نَصَّ عَلَيهِ.
به الصلاةُ، فحَنِثَ به، كغيرِه من الكلامِ.

4751 -

مسألة: (وإن حَلَف لا يُكَلِّمُه حِينًا، فذلك سِتَّةُ أَشْهُرٍ. نَصَّ عليه)

وجملةُ ذلك، أنَّه إذا حَلَف لا يُكَلِّمُه حِينًا، فقَيَّد 1 ذلك بلَفْظِه أو نِيَّتِه بزَمَنٍ، تَقَيَّدَ به، وإنْ أطْلَقَه 2 انْصَرفَ إلى سِتَّةِ أشْهُرٍ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عباسٍ 3. وبه قال أصحابُ الرَّأْي.
وقال مُجاهِدٌ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ: هو سَنَةٌ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ 4. أي كُلَّ عام.
وقال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ: ليس هو مُقَدَّرًا، ويَبَرُّ بأدْنَى زَمَنٍ؛ لأنَّ الحِينَ اسْمٌ مُبْهَمٌ يَقَعُ على الكثيرِ والقَليلِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ 5. قيل: أرادَ يومَ القِيامَةِ.
وقال: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ 6.

وَإِنْ قَال: زَمَنًا، أَوْ: دَهْرًا، أَوْ: بَعِيدًا، أو: مَليًّا، أَو: الزَّمَانَ.
وقال: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ (1). وقال: ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (2). ويُقالُ: جِئتُ مُنْذُ (3) حِينٍ.
وإن كان أتاه من ساعَةٍ.
ولَنا، أنَّ الحِينَ المُطْلَقَ في كلامِ الله تعالى أقَلُّه سِتَّةُ أشْهُرٍ.
[قال عِكْرِمَةُ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وأبو عُبَيدٍ، في قولَهُ تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾: إنَّه سِتَّةُ أشْهُرٍ] (4). فيُحْمَلُ مُطْلَقُ كلامِ الآدَمِيِّ على مُطْلَقِ كلامِ اللهِ تعالى، ولأنَّه قولُ ابنِ عباسٍ، ولا نعلمُ له في الصحابَةِ مُخالِفًا، وما اسْتَشْهَدُوا به مِن المُطْلَقِ في كلامِ الله تعالى، فما ذكَرْناه أقَلُّه، فيُحْمَلُ عليه؛ لأنَّه اليَقِينُ.

4752 -

مسألة: (وإن قال: زَمَنًا، أو: دَهْرًا، أو: بَعِيدًا، أو: مَلِيًّا،

1234

رُجِعَ إِلَى أَقَلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ.
أو: الزَّمَانَ.
رُجِعَ إلى أقَلِّ ما يَتَنَاوَلُه اللَّفْظُ) وكذلك: وَقْتًا، أو: طَويلًا، أو بَعِيدًا، أو: قَرِيبًا، في قول أبي الخَطَّابِ، وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ هذه الأشياءَ لا حَدَّ لها في اللُّغَةِ، وتَقَعُ على القَليلِ والكَثيرِ، فوَجَب حَمْلُه على أقَلِّ ما تَناوَلَه اسْمُه، وقد يكونُ القَريبُ بَعِيدًا بالنِّسْبَةِ 1 إلى ما هو أقْرَبُ منه، وقَرِيبًا بالنِّسْبَةِ إلى ما هو أبْعَدُ منه، ولا يَجُوزُ التَّحْديدُ بالتَّحَكُّمِ، وإنَّما يُصارُ إليه بالتَّوْقيفِ، ولا تَوْقِيفَ ههُنا، فيَجِبُ حَمْلُه على اليَقِينِ، وهو أقَلُّ ما تَناوَلَه الاسْمُ.
وقال ابنُ أبي موسى: الزَّمانُ ثلاثةُ أشْهُرٍ.
وقيل: هو كالأبدِ والدَّهْرِ.
وهو أقْيَسُ؛ لأنَّه بالألِفِ واللَّامِ، فهو في 2 مَعْناهُما.
وقال طَلْحَةُ العَاقُولِيُّ: الحِينُ والعمرُ والزَّمانُ واحِدٌ؛ لأنَّهم لا يُفَرِّقُونَ في العادَةِ بينَها، والناسُ يَقْصِدُونَ بذلك التبعيدَ، فلو حُمِلَ على القَليلِ، حُمِلَ على خِلافِ قَصْدِ الحالِفِ.
و «دَهْرٌ» يَحْتَمِلُ أنَّه كالحِينِ أيضًا لهذا المَعْنَى.
وقال في «بعيدٍ» و «طويلٍ» و «مَلِيٍّ»: هو على أكْثَرَ مِن شَهْرٍ.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ ذلك ضِدُّ القليلِ، فلا يجوزُ حَمْلُه على ضِدِّه.

وَإِنْ قَال: عُمْرًا.
احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ.
وَاحتَمَلَ أَنْ يَكونَ أَرْبَعِينَ عَامًا.
وَقَال الْقَاضِي: هَذهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا مِثْلُ الْحِينِ، إلا بَعِيدًا وَمَلِيًّا، فَإِنَّهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ.

4753 - مسألة: (وإن قال: عُمْرًا. احْتَمَلَ أن يكونَ كذلك)

كالوَقْتِ في قولِ أبي الخَطابِ.
واحْتَمَلَ أن يكونَ كالحِينِ وهو قولُ طلحةَ العاقُولِيِّ (واحْتَمَلَ أن يَكُونَ أرْبَعِينَ عامًا) لقولِ الله تعالى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ 1. وكان ذلك أرْبَعِين سَنَة، فيَجِبُ حَمْلُ الكلامِ عليه، ولأنَّ العُمرَ في الغالِبِ لا يكونُ إلَّا مُدةً طويلَةً، فلا يُحْمَلُ على خِلافِ ذلك.
وهذا قولٌ حَسَنٌ، قاله شَيخُنا 2 (وقال القاضي: هذه الألْفاظُ كلُّها مثلُ الحِينِ) قياسًا عليه 3 (إلَّا بَعِيدًا، ومَلِيًّا، فإنَّه على أكْثَرَ من شَهْرٍ) لأنَّه يَقْتَضِي البَعِيدَ.

وَإِنْ قَال: الْأَبَدَ، وَالدَّهْرَ، فَذَلِكَ عَلَى الزَّمَانِ كُلِّهِ.
وَالْحُقْبُ ثَمَانُونَ سَنَةً.

4754 - مسألة: (وإن قال: الأبدَ، والدَّهْرَ. فَذَلِكَ على الزَّمَانِ كلِّه)

لأنَّ الألِفَ واللَّامَ للاسْتِغْراقِ، تَقْتَضِي الدَّهْرَ كلَّه.
وكذلك الزمانُ، في الصَّحِيحِ، وقد ذَكَرْناه.
4755 -

مسألة: (والحُقْبُ ثَمَانُونَ سنةً)

وقال مالكٌ: أَرْبَعُونَ

..................................  عَامًا 1؛ لأنَّ ذلك يُرْوَى عن ابنِ عباسٍ.
وقال القاضي، وأصحابُ الشافعيِّ: هو أدْنَى زَمانٍ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ عن أهْلِ اللُّغَةِ فيه تَقدِيرٌ.
ولَنا، ما رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنَّه قال في تَفْسيرِ قولِه تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ 2: الحُقْبُ ثمانون سَنَةً 3. وما ذَكَرَه القاضي وأصحابُ الشافِعِيِّ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ قولَ ابنِ عباسٍ حُجَّةٌ، ولأنَّ ما ذَكَرُوه يُفْضِي إلى حَمْلِ كلامِ اللهِ تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾.
وقولِ موسى: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ 4. إلى اللُّكْنَةِ؛ لأنَّه أخْرَجَ ذلك مَخْرَجَ التَّكْثيرِ، فإذا صارَ مَعْنَى ذلك: لابِثِينَ فِيهَا ساعاتٍ أو لَحَظاتٍ، أو أمْضِيَ لَحَظاتٍ أو سَاعاتٍ، صارَ مُقْتَضَى ذلك التَّقْليلَ، وهو ضِدُّ مما أرادَ اللهُ تعالى بكلامِه، وضِدُّ المفْهُومِ منه، ولم يَذْكُرْه أحَدٌ من المُفَسِّرِين فيما نَعْلَمُ، فلا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الحُقْبِ به.

وَالشُّهُورُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا عِنْدَ الْقَاضِي.
وَعنْدَ أَبي الْخَطَّابِ ثَلَاثةٌ، كَالْأَشْهُرِ.
وَالْأيَّامُ ثَلَاثَةٌ.

4756 - مسألة: (والشُّهُورُ اثْنا عَشَرَ عندَ القاضي. وعندَ أبي الخَطَّاب ثَلَاثةٌ، كالأَشْهُرِ)

أما الأَشْهُرُ، فهي ثَلاثةٌ؛ لأنَّها أقَلُّ الجَمْعِ.
وأمَّا الشَّهورُ، فاخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّها ثلاثةٌ أيضًا؛ لذلك، ولأنَّ جَمْعَ الكَثْرَةِ (1) يُسْتَعْمَلُ بمَعْنَى القِلَّةِ، كقَوْلِه تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (2). وقال القاضي وغيرُه: هي اثْنا عَشَرَ شَهْرًا؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾.
ولأنَّ الشُّهورَ جَمْعُ الكَثْرَةِ، وأقَلُّه عَشَرَةٌ، فلا يُحْمَلُ على ما يُحْمَلُ عليه جَمْعُ القِلَّةِ.
4757 -

مسألة: (والأَيَّامُ ثَلَاثَةٌ)

لأنَّها أقَلُّ الجَمْعِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ 3. وهي أيَّامُ التَّشْرِيقِ12

..................................  فصل: وإن حَلَف لا يَتَكَلَّمُ ثلاثَ ليالٍ، أو ثلاثةَ أيَّامٍ، لم يَكُنْ له أن يَتَكَلَّمَ في الأيَّامِ التي بينَ اللَّيالِي، ولا في اللَّيالي التي بينَ الأيَّامِ، إلَّا أن يَنْويَ، قال الله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾ 1. وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾ 2. فكان كلُّ واحدٍ من اللَّفْظَينِ عِبارَةً عن الزَّمانين جميعًا.
وقال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ 3. فدخلَ فيه اللَّيلُ والنَّهارُ.

وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَابَ هَذِهِ الدَّارِ، فَحُوِّلَ وَدَخَلَهُ، حَنِثَ.

4758 - مسألة: (وإن حَلَف لا يَدْخُلُ بابَ هذه الدَّارِ، فحُوِّلَ ودَخَلَه، حَنِثَ)

إذا حَلَف لا يَدْخُلُ هذه الدَّارَ من بابِها، فدَخَلَها من غيرِ البابِ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ يَمِينَه لم تَتَناوَلْ غيرَ البابِ.
ويَتَخَرَّجُ أن يَحْنَثَ إذا أرادَ بيَمِينِه اجْتِنابَ الدَّارِ، ولم يَكُنْ للبَابِ 1 سَبَبٌ هَيَّجَ يَمِينَه, كما لو حَلَف لا يَأْوي مع زَوْجَتِه في دارٍ، فأوَى معها في غيرِها.
وإن حُوِّلَ بابُها إلى مكانٍ آخَرَ، فدَخَلَ منه، حَنِثَ؛ لأنَّه دَخَلَها من بابِها.
وهذا أحَدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ.
وإن حَلَف: لا دَخَلْتُ من بابِ هذه الدَّارِ.
فكذلك.
وإن جُعِلَ لها بابٌ آخَرُ، مع بَقاءِ الأوَّلِ، فدَخَلَ منه، حَنِثَ؛ لأنَّه دَخَل من بابِ الدَّارِ.
وإن قُلِعَ البابُ، ونُصِبَ في دارٍ أُخْرَى، وبَقِيَ المَمَرُّ، حَنِثَ بدُخُولِه، ولم يَحْنَثْ بالدُّخولِ من المَوْضِعِ الذي نُصِبَ فيه البابُ؛ لأنَّ الدُّخولَ في المَمَرِّ لا مِن المِصْراعِ.

وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ إِلَى حِينِ الْحَصادِ، انْتَهَتْ يَمِينُهُ بِأَوَّلِهِ.
وَيَحْتَملُ أَنْ يَتَنَاوَلَ جَمِيعَ مُدَّتِهِ.

4759 - مسألة: (وإن حَلَف لا يُكَلِّمُه إلى حينِ الحَصادِ، انْتَهَتْ يَمِينُه بأوَّلِه)

لأنَّ «إلى» لانْتِهاءِ الغايَةِ، فتَنْتَهِى عندَ أوَّلِ الغايَةِ، كقَوْلِه سبحانَه: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ 1 (ويَحْتَمِلُ أن يَتَناوَلَ جميعٍ مُدَّتِه) لأنَّ «إلى» تُسْتَعْمَلُ بمعنى «مع» كقولِه تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ 2. وقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ 3. وقولِه: ﴿وَأَيدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ 4.

وَإِنْ حَلَفَ لَا مَال لَهُ، وَلَهُ مَالٌ غَيرُ زَكَويٍّ، أَوْ دَينٌ عَلَى النَّاسِ، حَنِثَ.

4760 - مسألة: (وإن حَلَف لا مال له، وله مالٌ غيرُ زَكَويٍّ، أو دَينٌ على النَّاسِ، حَنِثَ)

إذا حَلَفَ لا يَمْلِكُ مالًا، حَنِثَ بمِلْكِ كلِّ ما يُسَمَّى مالًا، سَواءٌ كان من الأثْمانِ، أو غيرِها من العقارِ والأثاثِ والحَيوانِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وعن أحمدَ، أنَّه إذا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بجميعِ مالِه، إنَّما يَتَناوَلُ نَذْرُه الصَّامِتَ 1 من مالِه.
ذَكَرَها ابنُ أبي موسى؛ لأنَّ إطْلاقَ المالِ يَنْصَرِفُ إليه.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ إلَّا أن يَمْلِكَ مالًا زَكَويًّا، اسْتِحْسانًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ 2. فلم يَتَناوَلْ إلَّا الزَّكَويَّ.
ولَنا، أنَّ غيرَ الزَّكَويَّةِ 3 أمْوالٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ 4. وهي

..................................  ممَّا يجوزُ ابْتِغاءُ النِّكاحِ يها.
وقال أبو طَلْحَةَ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إنَّ أحَبَّ أمْوالِي إليَّ بِيرُحَاءَ.
يُريدُ حَدِيقَةً 1. وقال عمرُ: أصَبْتُ أرْضًا بخَيبَرَ، لم أُصِبْ مالًا قَطُّ هو أنْفَسَ عندِي منه 2. وقال أبو قَتادَةَ: اشْتَرَيتُ مَخْرَفًا 3، فكان أوَّلَ مالٍ تَأَثَّلْتُه 4. وفي [الحديثِ «خَيرُ] 5 المَالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ 6، أو مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ» 7. ويقالُ: خيرُ المالِ عَينٌ خَرَّارَةٌ، في أرْضٍ خَوَّارَةٍ.
ولأنَّه يُسَمَّى مالًا، فحَنِثَ به، كالزَّكَوي.
وأمَّا قولُه تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾.
فالحَقُّ ههُنا غيرُ الزَّكاةِ؛ لأنَّ هذه الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، نزَلَتْ قبلَ فَرْضِ الزَّكاةِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ إنَّما فُرِضَتْ بالمدينةِ، ثم لو كان

..................................  الحقُّ 1 الزَّكاةَ، فلا حُجَّةَ فيها، فإنَّ الحَقَّ إذا كان في بعضِ المالِ، كان في المالِ, كما أنَّ مَن هو في بَيتٍ [في دارٍ] 2 أو 3 بَلْدَةٍ، فهو في الدارِ 4 وفي البَلْدَةِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ 5. ولا يَلْزَمُ أن يكونَ في جميعِ أقْطارِها.
ثم لو اقْتَضَى هذا العُمومَ، لوَجَبَ تَخْصِيصُه، فإنَّ ما دونَ النِّصابِ مالٌ، ولا زَكاةَ فيه.
وإن كان له دَينٌ، حَنِثَ.
وهكذا ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يُنْتَفَعُ به.
ولَنا، أنَّه يَنْعَقِدُ عليه حَوْلُ الزَّكاةِ، ويَصِحُّ إخْراجُها عنه، ويَصِحُّ التَّصَرُّفُ فيه بالإِبْراءِ، والحَوَالةِ، والمُعَاوَضَةِ عنه لمَن هو في ذِمَّتِه، والتَّوْكِيل في اسْتِيفائِه، فيَحْنَثُ به، كالمُودَعِ.
فصل: وإن كان له مالٌ مَغْصُوبٌ، حَنِثَ؛ لأنَّه باقٍ على مِلْكِه.
وإن

وَإِذَا حَلَفَ لَا يَفعَلُ شَيئًا، فَوَكَّلَ منْ يَفْعَلُهُ، حَنِثَ، إلا أَنْ يَنْويَ.
كان له مالٌ ضائِعٌ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاؤُه على مِلْكِه.
والثاني، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ بَقاؤُه.
فإن ضاعَ على وَجْهٍ قد أَيِسَ من عَوْدِه، كالذي سَقَط في بَحْرٍ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ وُجودَه كعَدَمِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ في كُلِّ مَوْضِعٍ لا يَقْدِرُ على أخْذِ مالِه، كالمَجْحُودِ، والمَغْصُوبِ، والدَّينِ على غيرِ مَلِئٍ؛ لأنَّه لا نَفْعَ فيه، وحُكْمُه حُكْمُ المَعْدُومِ، في جَوازِ الأخْذِ من الزَّكاةِ، وانْتِفاءِ وُجوبِ أدَائِها عنه.
وإن تَزَوَّجَ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ ما مَلَكَه ليس بمالٍ.
وكذلك إن وَجَب له حَقُّ شُفْعَةٍ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ له المِلْكُ به.
وإنِ اسْتَاجَرَ عَقارًا أو غيرَه، لم يَحْنَثْ؟ لأنَّه لا يُسَمَّى مالِكًا لمالٍ.

4761 -

مسألة: (وإن حَلَف لا يَفْعَلُ شَيئًا، فوَكَّلَ مَن يَفْعَلُه، حَنِثَ، إلَّا أن يَنْويَ)

لأنَّ الفِعْلَ يُنْسَبُ إلى المُوَكِّلِ كما يُنْسَبُ إلى الوَكيلِ، فيَحْنَثُ به, كما لو حَلَف لا يَحْلِقُ رَأْسَه، فأمَرَ بحَلْقِه 1، فإنَّه

فَصْلٌ: فَأمَّا الْأَسْمَاءُ الْعُرْفِيَّةُ، فَهِيَ أَسْمَاءٌ اشْتَهَرَ مَجَازُهَا حَتَّى غَلَبَ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ كَالرَّاويَةِ، وَالظَّعِينَةِ، وَالدَّابَّةِ، وَالْغَائِطِ،  يَحْنَثُ؛ لأنَّ الفِعْلَ مَنْسُوبٌ إليه، ولذلك تجِبُ الفِدْيَةُ على مَن حُلِقَ رَأْسُه بإذْنِه في الإِحْرامِ.
وإن كانت نِيَّتُه أن لا يُباشِرَ بنَفْسِه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ الأيمانَ مَبْناها على النِّيَّةِ.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (فأمَّا الأسْماءُ العُرْفِيَّةُ، فهي أسماءٌ اشْتَهَرَ مَجازُها حتى غَلَب على الحَقِيقَةِ؛ كالرَّاويَةِ، والظَّعِينَةِ، والدَّابَّةِ،

وَالْعَذِرَةِ، ونَحْوها، فَتَتَعَلَّقُ الْيَمِينُ بِالْعُرْفِ دُونَ الْحَقِيقةِ.
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى وَطْءِ امْرَأَةٍ، تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِجِمَاعِهَا،  والغائِطِ، والعَذِرَةِ، ونحوها، فتَتَعَلَّقُ اليَمِينُ بالعُرْفِ دونَ الحَقِيقَةِ) لأنَّ الحَقِيقَةَ صارتْ فيها مَغْمُورَةً (1)، لا يَعْرِفُها أكثرُ الناسِ، كالرَّاويَةِ، للمَزادَةِ في العُرْفِ، وفي الحَقِيقَةِ الجَمَلُ الذي يُسْتَقَى عليه، والغائِطُ والعَذِرَةُ في العُرْفِ الخارِجُ المُسْتَقْذَرُ، وفي الحَقِيقَةِ الغائِطُ المكانُ المُطْمَئِنُّ [مِن الأرضِ] (2)، والعَذِرَةُ فِناءُ الدَّارِ، والظَّعِينَةُ في العُرْفِ للمَرْأة، وفي الحَقِيقَةِ النَّاقَةُ التي (3) يُظْعَنُ عليها، والدَّابَّةُ في الحَقِيقَةِ لكُلِّ ما يَدِبُّ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَينِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ (4). وفي العُرْفِ اسْمٌ للبِغالِ والخَيلِ والحَمِيرِ.
فلهذا قُلْنا: اليَمِينُ تَنْصَرِفُ إلى العُرْفِ دونَ الحَقِيقَةِ؛ لأنَّه يُعْلَمُ أنَّ الحالِفَ لا يُرِيدُ غيرَه، فصارَ كالمُصَرَّحِ به.

4762 -

مسألة.: (وإن حَلَف على وَطْءِ امرأةٍ، تَعَلَّقَتْ يَمِينُه بجِمَاعِها)

لأنَّه الذي يَنْصَرِفُ اللَّفْظُ في العُرْفِ إليه، وكذلك إذا حَلَف1234

وَإِنْ حَلَفَ عَلَى وَطْءِ دَارٍ، تَعَلَّقَتْ بدُخُولِهَا، رَاكبًا أَوْ مَاشِيًا، أَوْ حَافِيًا أَوْ مُنْتَعِلًا.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشَمُّ الرَّيحَانَ، فَشَمَّ الْوَرْدَ وَالْبَنَفْسَجَ وَالْيَاسَمِينَ، أَوْ لَا يَشَمُّ الْوَرْدَ وَالْبَنَفْسَجَ، فَشَمَّ دُهْنَهُمَا، أَوْ مَاءَ الْوَرْدِ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ.
وَقَال بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَحْنَثُ.
على تَرْكِ (1) وَطْءِ زَوْجَتِه، صارَ مُولِيًا منها.

4763 -

مسألة: (وإن حَلَف على وَطْءِ دَارٍ، تَعَلَّقَتْ)

يَمِينُه (بدُخُولِهَا، راكِبًا أو مَاشِيًا، أو حافِيًا أو مُنْتَعِلًا) لأنَّ هذا في العُرْفِ عبارَةٌ عن اجْتِنابِ الدُّخولِ، فتُحْمَلُ اليَمِينُ عليه بإطْلاقِه، كلَفْظِ الرَّاويَةِ والدَّابَّةِ وغيرِهما.
4764 -

مسألة: (وإن حَلَف لا يَشَمُّ الرَّيحانَ، فشَمَّ الوَرْدَ والبَنَفْسَجَ واليَاسَمِينَ، أو لا يَشَمُّ الوَرْدَ والبَنَفْسَجَ، فشَمَّ دُهْنَهما، أو ماءَ الوَرْدِ، فالقِياسُ أنَّه لا يَحْنَثُ.
وقال بعضُ أصحابِنا: يَحْنَثُ)

إذا حَلَف1

..................................  لا يَشَمُّ الرَّيحانَ، فإنَّه في العُرْفِ اسمٌ يَخْتَصُّ الرَّيحانَ الفَارِسِيَّ، وفي الحَقِيقَةِ اسمٌ لكلِّ نَبْتٍ أو زَهْرٍ طَيِّبِ الرِّيحِ، مثلَ الوَرْدِ والبَنَفْسَجِ والنَّرْجِسِ.
وقال القاضي: لا يَحْنَثُ إلَّا بشَمِّ الرَّيحانِ الفارِسِيِّ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الحالِفَ لا يُرِيدُ بيَمِينِه في الظَّاهِرِ سِوَاه.
وقال أبو الخَطَّابِ: يَحْنَثُ بشَمِّ ما يُسَمَّى في الحَقِيقَةِ رَيحانًا، [لأنَّ الاسمَ] 1 [يَتَناولُه حَقِيقَةً] 2، ولا يَحْنَثُ بشَمِّ الفاكِهَةِ، وَجْهًا واحِدًا.
وإن حَلَف لا يَشَمُّ وَرْدًا ولا بَنَفْسَجًا، فَشَمَّ دُهْنَهُما، أو ماءَ الوَرْدِ، فقال القاضي: لا يَحْنَثُ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه لم يَشَمَّ وَرْدًا ولا بَنَفْسَجًا.
وقال أبو الخطَّابِ: يَحْنَثُ؛ لأنَّ الشَّمَّ إنَّما هو للرَّائِحَةِ دونَ الذاتِ، ورَائِحَةُ الوَرْدِ والبَنَفْسَجِ مَوْجُودَةٌ فيهما.
وقال أبو حنيفةَ: يَحْنَثُ بشَمِّ دُهْنِ البَنَفْسَجِ؛ لأنَّه يُسَمَّى بَنَفْسَجًا 3، [ولا يَحْنَثُ بشَمِّ ماءِ الوردِ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى وردًا] 4. والأوَّلُ أقْرَبُ إلى الصِّحَّةِ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
فإن شَمَّ الوَرْدَ والبَنَفْسَجَ اليابِسَ، حَنِثَ.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ: لا يَحْنَثُ, كما لو حَلَف لا يَأْكُلُ رُطَبًا، فأَكَلَ تَمْرًا.
ولَنا، أنَّ هذا اسْمُه،

وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، فَأَكَلَ سَمَكًا، حَنِثَ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ، وَلَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ ابْنِ أَبِي مُوسى.
وحَقِيقَتَه باقِيَةٌ، فيَحْنَثُ به (1), كما لو حَلَف لا يَأْكُلُ لحْمًا، فأكَلَ قَدِيدًا، وفارَقَ ما ذَكَرُوه؛ فإنَّ التَّمْرَ ليس برُطَبٍ، ولا يُسمَّى رُطَبًا.

4765 -

مسألة: (وإن حَلَف لا يَأْكُلُ لَحْمًا، فأكَلَ يسمَكًا، حَنِث عندَ الخِرَقِيِّ، ولم يَحْنَثْ عندَ ابنِ أبي مُوسَى)

إذا حَلَف لا يَأْكُلُ لحْمًا، ولم يُرِدْ لحمًا بعَينِه، فأكَلَ من لَحْم 2 الأنْعامِ أو الصَّيدِ أو الطَّيرِ، حَنِثَ، في قولِ عامَّةِ عُلَماءِ الأمْصارِ.
وأمَّا السَّمَكُ، فظاهِرُ المذْهَبِ أنَّه يَحْنَثُ بأَكْلِه.
وبهذا قال قَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ، وأبو يوسفَ.
وقال ابنُ أبي موسى في «الإِرْشَادِ»: لا يَحْنَثُ، إلَّا أن يَنْويَه.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشَّافِعِيِّ، [وأبي ثورٍ] 3؛ لأنَّه لا يَنْصَرِفُ إليه إطْلاقُ اسْمِ اللَّحْمِ، ولو وَكَّلَ وَكِيلًا في شِراءِ اللَّحْمِ،1

..................................  فاشْتَرَى له سَمَكًا، لم يَلْزَمْه، ويَصِحُّ أن يَنْفِيَ عنه الاسْمَ، فيقولَ: ما أَكَلْتُ لَحْمًا، إنَّما أكَلْتُ سَمَكًا.
فلم يَتَعَلَّقْ به الحِنْثُ عندَ الإِطْلاقِ، كما لو حَلَفَ: لاقَعَدْتُ تحتَ سَقْفٍ.
فإنَّه لا يَحْنَثُ بقُعُودِه تحتَ السَّماءِ, وقد سمَّاها اللهُ تعالى سَقْفًا مَحْفُوظًا؛ لأنَّه مَجازٌ، كذا ههُنا.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ 1. ولأنَّه من جِسْمِ حَيوانٍ، ويُسَمَّى لحْمًا، فَحَنِثَ بأكْلِه، كلَحْمِ الطَّيرِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بلَحْمِ الطَّائِرِ.
وأمَّا السَّماءُ، فإنَّ الحالِفَ لا يَقْعُدُ تحتَ سَقْفٍ لا 2 يُمْكِنُه التَّحَرُّزُ مِن القُعُودِ تحتَها، فيُعْلَمُ أنَّه لم (2) يُرِدْها بيَمِينِه، ولأنَّ التَّسْمِيَةَ ثَمَّ مَجازٌ، وههُنا حَقِيقَةٌ؛ لكَوْنِه من جِسْمِ حَيوانٍ يَصْلُحُ للأكْلِ، فكان الاسمُ فيه حَقِيقَةً، كلَحْمِ الطَّيرِ، حيثُ قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ 3.

وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رَأْسًا وَلَا بَيضًا، حَنِثَ بِأَكْلِ رُءُوسِ الطُّيُورِ وَالسَّمَكِ، وَبَيضِ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ، عِنْدَ الْقَاضِي.
وَعنْدَ أَبي الْخَطَّابِ، لَا يَحْنَثُ إلا بِأَكْلِ رَأْسٍ جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ مُنْفَرِدًا، أَوْ بَيضٍ يُزَايِلُ بَائِضَهُ حَال الْحَيَاةِ.

4766 - مسألة: (وإن حَلَف لا يَأْكُلُ رأْسًا ولا بَيضًا، حَنِثَ بِأكْلِ رُءُوسِ الطَّيرِ والسَّمَكِ، وبيضِ السمكِ والجَرَادِ، عندَ القاضي.
وعندَ أبي الخَطَّابِ، لا يَحْنَثُ إلَّا بأَكْلِ رَأْسٍ جَرَتِ العَادَةُ بأَكْلِهِ مُنْفَرِدًا، أو بَيضٍ يُزَايِلُ بائِضَه حال الحَيَاةِ)

إذا حَلَف لا يَأْكُلُ رأْسًا، فإنَّه يَحْنَثُ بأكْلِ رَأْسِ كُلِّ 1 حَيوانٍ من الإِبِلِ والصُّيودِ والحِيتَانِ والجَرادِ.
ذَكَره القاضِي.
وقال أبو الخطَّابِ: لا يَحْنَثُ إلَّا بأَكْلِ رَأْسٍ جَرَتِ العادَةُ ببَيعِه للأكْلِ مُنْفَرِدًا.
وقال الشافعيُّ: لا يَحْنَثُ إلَّا بأَكْلِ رُءُوسِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ دونَ غيرِها، إلَّا أن يكونَ ببَلَدٍ تَكْثُرُ فيه الصُّيودُ، وتُمَيَّزُ رُءُوسُها، فيَحْنَثُ بأكْلِها.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ بأكْلِ رُءُوسِ الإِبلِ؛ لأنَّ العادَةَ لم تَجْرِ ببَيعِها للأكْلِ مُنْفَرِدَةً.
وقال صاحِباه: لا يَحْنَثُ إلَّا بأكْلِ رُءُوسِ الغَنَمِ؛ لأنَّها التي تُباعُ في الأسْواقِ دونَ غيرِها، فيَمِينُه تَنْصَرِف

جارٍ التحميل