الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 333-372

كِتَابُ الْمَنَاسِكِ

صفحات 333-372

..................................  ورُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه.
وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطاء، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحاب الرَّأْيِ.
فصل: ومتى كان قبلَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ فَسَد الحَجُّ؛ سَواءٌ كان قبلَ الوُقُوفِ، أو بعدَه في قولِ الأكْثَرِين.
وقال أبو حنيفةَ، وأصْحابُ الرَّأْيِ: إن جامَعَ قبلَ الوُقُوفِ فَسَد حَجُّه، وإن جامَعَ بعدَه لم يَفسُدْ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» 1. ولأنَّه مَعْنًى يأمَنُ به الفَواتَ، فأمِنَ به الإفْسادَ، كَالتَّحلُّلِ.
ولَنا، قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابَةِ، فإنَّ قَوْلَهم مُطْلَقٌ (في مَن) 2 جامَعَ وهو مُحْرِمٌ، ولأنَّه جِماعٌ صادَفَ إحْرامًا تامًّا، فأفْسَدَه، قبلَ الوُقوفِ.
وقَوْلُه عليه السّلامُ:، «الْحَجُّ عَرَفَةُ».
يَعْنِي: مُعْظَمُه، أو أنَّه رُكْنٌ مُتَأكَّدٌ فيه.
ولا يَلْزَمُ مِن أمْنِ الفَواتِ أمْنُ الفَسادِ؛ بدَلِيلِ العُمْرَةِ.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ الوَطْءِ في القُبُلِ والدُّبُرِ، مِن آدَمِيٍّ أو بَهِيمَةٍ.
وبه قال الشافعىُّ، وَأبو ثَوْرٍ.
ويَتَخَرَّجُ في 3 وَطْءِ البَهِيمَةِ أنَّه لا يُفْسِدُ الحَجَّ، إذا قُلْنا: لا يَجِبُ به الحَدُّ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبِي حنيفةَ؛ لأنَّه

..................................  لا يُوجِبُ الحَدَّ، أشْبَهَ الوَطْءَ دُونَ الفَرْجِ.
وحَكَى أبو ثَوْرٍ عن أبِي حنيفةَ، أن اللِّواطَ والوَطْءَ في دُبُرِ المَرْأةِ لا يُفْسِد الحَج؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ به الإحْصانُ، أشبهَ الوَطْءَ دُونَ الفَرْجِ.
ولَنا، أنَّه وَطْءٌ في فرْج يُوجِبُ الغُسْلَ، فأفْسَدَ الحَجَّ، كالوَطْءِ في قُبُلِ الآدَمِيَّةِ، ويُفارِق الوَطْءَ دُونَ الفَرْجِ، فإنَّه ليس مِن الكَبَائرِ في الأجْنَبِيَّةِ, ولا يُوجِبُ مَهْراً, ولا عِدَّةً، ولا حَداً, ولا غُسْلاً، وإن أنزلَ به، فهو كمسألتِنا، في رِوايةٍ.
فصل: والعَمْدُ والنِّسْيانُ فيما ذَكَرْنا سَواء.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقالَ: إذا جامَعَ أهْلَه بَطَل حَجُّهُ؛ لأنَّه شيءٌ لا يَقْدِرُ على رَدِّهِ، والشَّعَرُ إذا حَلَقَه فقد ذَهَب، لا يَقْدِرُ على رَدِّه، والصَّيْدُ إذا قَتَلَه فقد ذَهَب، لا يَقْدِرُ على رَدِّه، فهذه الثَّلاثةُ العَمْدُ والنِّسْيانُ فيها سَواء.
والجاهِلُ بالتَّحْرِيمِ والمُكْرَهُ في حُكْمِ النّاسِي؛ لأنَّه مَعْذُورٌ، ومِمّن قال: إنَّ عَمْدَ الوَاطِئ 1 ونِسْيانَه سَواءٌ.
أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ في القَدِيمِ، وقال في الجَدِيدِ: لا يَفْسُد الحَجُّ، ولا يَجِبُ عليه مع النِّسْيانِ شيءٌ.
وحَكَى ابنُ عَقِيل في الفُصُولِ رِوايَة، لا يَفْسُدُ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «عُفِيَ لِأُمَتى عَنِ الخَطَإِ وَالنِّسْيانِ» 2. والجَهْلُ في مَعْناه؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَجِبُ بإفْسادِها الكَفَّارَةُ،

..................................  فافْتَرَقَ فيها وَطْءُ العامِدِ والسّاهِي، كالصَّوْمِ.
ولَنا، أنَّ الصَّحابَةَ، رَضىَ الله عنهم، لم يَستفْصِلُوا السّائِلَ عن العَمْدِ والنسْيانِ، حينَ سَألهم عن حُكْمِ الوَطْءِ، ولأنَّه سَبَب يَتَعَلَّقُ به وُجُوبُ القَضاءِ في الحَجِّ، فاسْتَوَى عَمْدُه وسهْوُه، كالفَواتِ.
والصومُ مَمْنُوعٌ.
فصل: ويَجِبُ به بَدَنَةٌ، رُوِيَ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، وطاوسٍ، ومُجاهِدٍ، ومالكٍ، والشافعيِّ.
وقال الثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ: عليه بَدَنَةٌ، فإن لم يَجِدْ فشاةٌ.
وقال أصْحابُ الرَّأْيِ: إن كان قبلَ الوُقُوفِ، فَسَد حَجُّه، وعليه شاةٌ، وإن كان بعدَه، فحَجُّه صَحِيحٌ؛ لأنَّه قبلَ الوُقُوفِ مَعْنًى يُوجِبُ القَضاءَ، فلم يَجِبْ به بَدَنَةٌ، كالفَواتِ.
ولَنا، أنَّه جِماعٌ صادَفَ إحْرامًا تامًّا، فوَجَبَتْ به البَدَنَةُ، كبَعدِ الوُقُوفِ، ولأنَّه قولُ مَن سَميْنا مِن الصَّحابَةِ، ولم يُفَرِّقُوا بينَ ما قبلَ الوُقُوفِ وبعدَه.
أمّا الفَواتُ، فهو مُفارِقٌ للجِماعِ، وأمّا فَساد الحَجِّ، فلا فَرْقَ فيه بينَ حالِ الإكْراهِ والمُطاوَعَةِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّهُم لا يُوجِبُون فيه الشاةَ، بخِلافِ الجِماعِ.
فصل: وحُكْمُ المَرْأةِ حُكْمُ الرَّجُلِ في فَسادِ الحَجِّ؛ لأنَّ الجِماعَ وُجِدَ

وَعَلَيْهِمَا الْمُضِيُّ في فَاسِدِهِ، وَالْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ مِنْ حَيْث أحرَمَا اوَّلاً.
وَنَفَقَةُ الْمَرأةِ في الْقَضَاءِ عَلَيْهَا إِنْ طَاوَعَتْ، وَإنْ أُكْرِهَتْ فَعَلَى الزَّوَجِ.
منهما، فاستَوَيا فيه، وحُكْمُ المُكْرَهَةِ (1) والنّائمَةِ حُكْمُ المُطاوِعَةِ، ولا فَرْقَ فيما بعدَ يَوْمِ النَّحْرِ وقبلَه؛ لأنَّه وَطْءٌ قبلَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ، أشْبَهَ قبلَ يوم النَّحْرِ.

1210 -

مسألة: (وعليهما المُضِيُّ في فاسِدِه، والقَضاءُ على الفَوْرِ مِن حيثُ أحْرَما أوَّلاً. ونَفَقَةُ المَرْأةِ في القَضاءِ عليها إن طاوَعَتْ، وإن أُكْرِهَتْ فعلى الزَّوْجِ)

لا يَفْسُد الحَجُّ بغيرِ الجِماعِ، فإذا فَسَد فعليه إتْمامُه، وليس له الخُرُوجُ منه.
رُوِيَ ذلك عن عُمرَ، وعليّ، وأبى هُرَيرةَ، وابنِ عباسٍ، رَضِيَ الله عنهم.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال الحسنُ، ومالكٌ: يَجْعَلُ الحَجَّةَ عُمْرَةً، ولا يُقيمُ على حَجَّةٍ فاسِدَةٍ.
وقال داودُ: يَخْرُجُ بالإفْسادِ مِنِ الحَجِّ والعُمْرَةِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْس عَلَيْهِ أمْرُنَا فهُوَ رَدُّ» 2. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه تعالى:1

..................................  ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ 1. ولأَّنه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفاً ولأنَّه مَعْنًى يَجِبُ به القَضاءُ، فلم يَخْرُجْ منه، كالفَوات.
والخَبَرُ لا يُلْزِمُنا, لأن المُضِيَّ 2 فيه بأمْرِ اللهِ، وإنَّما وَجَب القَضاءُ؛ لأنَّه لم يَأتِ به على الوَجْهِ الذي يَلْزَمُه بالإحْرامِ.
ونَخُصُّ مالكًا بأنَّها حَجَّةٌ لا يُمْكِنُه الخُرُوجُ منها بالإِخْراجِ 3، فلا يَخْرُجُ منها إلى عُمْرَةٍ، كالصَّحِيحَةِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَجِبُ عليه أن يَفْعَلَ بعدَ الإفْسادِ كما يَفْعَلُ قبلَه، مِن الوُقُوفِ، والمَبِيتِ بمُزْدَلِفَةَ، والرَّمْيِ، ويَجْتَنِبُ بعدَ الفَسادِ ما يَجْتَنِبُه قبلَه، مِن الوَطْءِ ثانِيًا، وقَتْلِ الصَّيْدِ، والطِّيبِ، = من كتاب الصلح، وفي: باب إذا اجهد العامل....، من كتاب الاعتصام.
صحيح البخارى 3/ 91، 241، 9/ 132. ومسلم، في: باب نقض الأحكام....، من كتاب الأقضية.
صحيح مسلم 3/ 1343، 1344.، وأبو داود، في: باب في لزوم السنة، من كتاب السنة.
سنن أبي داود 2/ 506. وابن ماجه، في: باب تعظيم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -....، من المقدمة.
سنن ابن ماجه 1/ 7. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 146، 180، 256.

..................................  واللِّباس، ونحوِه، وعليه الفِدْيَة بالجِنايَةِ على الإِحْرامِ الفاسِدِ، كالإِحْرامِ الصَّحِيحِ.
ويَلْزَمه القَضاء مِن قابِلٍ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه قول ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباس، وعبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، رَضِيَ الله عنهم.
فإن كانَتِ الحَجَّةُ التي أفْسَدَها واجِبَةً بأصْلِ الشَّرعِ، أو بالنَّذْرِ، أو قَضاءً، كانَتِ الحَجَّةُ مِن قابِلٍ مُجْزِئةً؛ لأنَّ الفاسِدَ إذا انْضَمَّ إليه القَضاء أجْزَأ عمّا يُجْزِئُّ عنه الأوَّلُ لولم يُفْسِدْه، وإن كانَتْ تَطَوُّعًا وَجَب قَضاؤها أيْضًا؛ لأنَّه بالدُّخولِ في الإحْرامِ صارَ الإحْرام عليه واجِبًا، فإذا أفْسَدَه وَجَب قَضاؤه، كالمَنْذُورِ.
ويَكُون القَضاء على الفَوْرِ.
ولا نَعْلَمُ فيه مخالِفًا؛ لأنَّ الحَجَّ الأَصْليُّ 1 يَجبُ على الفَوْرِ، فهذا أوْلَى؛ لأنَّه قد تَعَيَّنَ بالدُّخولِ فيه، والواجِب بأصْلِ الشَّرْعِ لم يَتَعَيَّن بذلك.
فصل:، ويُحْرِمُ بالقَضاءِ مِن أُبعَدِ المَوْضعَيْن؛ المِيقاتِ، أو مَوْضِع إحْرامِه الأوَّلِ؛ لأنَّه إن كان المِيقات أبعَدَ، فلا يَجوز تَجاوُزُ المِيقاتِ بغيرِ إحْرامٍ، وإن كان مَوْضِع إحْرامِه أبْعَدَ، فعليه الإحْرامُ بالقَضاءِ

وَيَتَفَرَّقَانِ في الْقَضَاءِ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أصَابَهَا فِيهِ إلَى أنْ يَحِلَّا.
وَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ أوْ مُسْتَحَبٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
منه.
نَصَّ عليه أحمدُ، رَحِمَه الله؛ ليَكُونَ القَضاءُ على صِفَةِ الأداءِ.
ولأنَّه قولُ ابنِ عباسٍ.
وبه يَقُولُ سعيدُ بن المُسَيَّبِ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وابن المُنْذِرِ.
وقال النَّخَعِيُّ: يُحْرِمُ مِن مَوْضِع الجِماعِ؛ لأنَّه مَوْضِعُ الإفسادِ.
ولَنا، أنَّها عِبادَةٌ، فكانَ قَضاؤها على حَسَبِ أدائُها، كالصلاةِ.
فصل: ونَفَقَةُ المَرْأةِ في القَضاءِ عليها إن طاوَعَتْ؛ لأنَّها أفْسَدَتْ حَجَّتَها مُتَعَمِّدَةً، فكانتْ نَفَقَةُ القَضاء عليها، كالرجلِ، وإن كانَتْ مُكْرَهَةً فعلى الزَّوْجِ؛ لأنَّه الذي أفْسَدَ حَجًّتَها، فكانَتِ النَّفَقَةُ عليه، كنَفَقَةِ حَجِّه (1)

1211 -

مسألة: (ويَتَفَرَّقان في القَضاءِ مِن الموضِع الذي أصابَها فيه إلى أن يَحِلَّا. وهل 2 هو واجِبٌ أو مُسْتَحبٌّ؟ على وَجْهَيْن) إذا1

..................................  قَضَيَا يُفَرَّقان مِن مَوْضِع الجِماعِ، حتى يَقْضِيا حَجَّهما.
رُوِيَ هذا عن عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، رَضِيَ اللهُ عنهما، فرَوَى سعيدٌ والأثرمُ 1، بإسْنادِهما، أنَّ عُمَرَ سُئِلَ عن رجل وَقَع بامْرَأتِه وهما مُحْرِمان، فقالَ: أتِمَّا حَجَّكما، فإذا كان عامٌ قابِلٌ، فحُجّا، وأهْدِيا، حتى إذا بَلَغْتُما المَكانَ الذي أصبْتُما فيه ما أصَبْتُما، فتَفَرَّقا حتى تَحِلَّا.
ورُوِيَ عن ابنِ عباس مثلُ ذلك 2. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرأيِ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، رَضِيَ الله عَنه، انَهما يَتَفَرَّقان مِن حيثُ يُحْرِمان إلى أن يَحِلَّا.
رَواه مالك في

..................................  المُوطَّإ 1 عن علىٍّ رَضِيَ اللهُ عنه.
ورُوِيَ عن ابنِ عباس.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّ التَّفْرِيقَ بينَهما خَوْفًا مِن مُعاوَدَةِ المَحْظُورِ، وهو يُوجَدُ في جَمِيع إحْرامِهما 2. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ ما قبلَ مَوْضِع الإفْسادِ كان إحْرامُهما فيه صَحِيحًا، فلم يَجِبِ التَّفْرِيقُ فيه، كالذى لم يَفْسُدْ، وإنَّما اخْتَصَّ التَّفْرِيقُ بمَوْضِع الجِماعِ؛ لأنَّه رُبَّما يَذْكُرُه برُؤْيَةِ مَكانِه، فيَدْعُوه ذلك إلى فِعْلِه.
ومَعْنَى التَّفْرِيقِ أن لا يَرْكَبَ معها في مَحْمِلٍ، ولا يَنْزِلَ معها في فُسْطاطٍ ونحوِه.
قال أحمدُ: يَفْتَرِقان في النُّزُوِل، وفي المَحْمِلِ، والفُسْطاطِ 3، ولكن يَكُونُ بقُرْبِها.
وهل يَجبُ التَّفْرِيقُ، أو يُسْتَحَبُّ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَجِبُ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه لا يَجِبُ التَّفْرِيقُ في قَضاءِ رمضانَ إذا أفْسَدَه، كذلك الحَجُّ.
والثَّانى، يَجِبُ؛ لأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابَةِ.
وقد

..................................  أمَرُوا به، ولأنَّ الاجْتِماعَ في ذلك المَوْضع يُذَكِّر الجِماعَ، فيَكُون مِن دَواعِيهِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ حِكْمَةَ التفْرِيقِ؛ للصِّيانَةِ عمّا يُتَوَهَّمُ مِن مُعاوَدَةِ الوِقاعِ عندَ تَذَكُّرِه برُؤْيَةِ مَكانِه، وهذا وَهْمٌ بَعِيدٌ لا يَقْتَضِي الإيجابَ.
والعُمْرَةُ فيما ذَكَرْناه كالحَجِّ؛ لأنَّها أحَد النُّسُكَيْن، فأشْبَهَ الآخَرَ.
فإن كان المُعْتَمِرُ مَكِّيًّا قد أحْرَمَ بها مِن الحِلِّ، أحْرَمَ للقَضاءِ مِن الحِلِّ.
وإن كان أحْرَمَ بها مِن الحَرَمِ، أحْرَمَ للقَضاءِ مِن الحِلِّ؛ لأنَّه مِيقاتُها.
ولا فرقَ بينَ المَكِّيِّ ومَن حَصَل بها مِن المُجاوِرِين.
وإن أفْسَدَ المُتَمَتِّع عُمْرَتَه، ومَضَى في فاسِدِها، فأتَمَّها، فقالَ أحمد: يَخْرج إلى المِيقاتِ، فيحْرِم منه للحَجِّ، فإن خَشِيَ الفَواتَ أحْرَمَ مِن مَكَّةَ، وعليه دَمٌ، فإذا فَرَغ مِن حَجِّهِ، خَرَج إلى المِيقاتِ، فأحْرَمَ منه بعُمْرَةٍ مَكانَ التي أفْسَدَها، وعليه هَدْىٌ يَذْبَحه إذا قَدِم مَكَّةَ لِما أفْسَدَ مِن عُمْرَتِه.
ولو أفْسَدَ المفْرِدُ حَجَّتَه، وأتمَّ، فله الإحْرام بالعُمْرَةِ مِن أدْنَى الحِلِّ، كالمَكِّيِّين.
فصل: وإذا أفْسَدَ القارِنُ نسُكَه، فعليه فِداءٌ واحِدٌ.
وبه قال عَطاءٌ،

..................................  وابنُ جُرَيْجٍ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال الحَكَمُ: عليه هَدْيان.
ويَتَخَرَّجُ لَنا أن يَلْزَمه بَدَنَةٌ للحَجِّ، وشاةٌ للعمْرَةِ، إذا قُلْنا: يَلْزَمُه طَوافان وسَعْيان.
وقال أصْحابُ الرَّأْيِ: إن وَطِئَ قبلَ الوقُوفِ، فَسَد نُسُكُه، وعليه شاتان للحَجِّ والعُمْرَةِ.
ولَنا، أنَّ الصَّحابَةَ الذين سُئلُوا عمَّن أفْسَدَ نُسكَه، لم يَأْمُرُوه إلَّا بفِداءٍ واحِدٍ، ولم يفَرِّقوا، ولأنَّه أحَد الأنْساكِ الثَّلاثةِ، فلم يَجِبْ في إفْسادِه أكْثَرُ مِن فِدْيةٍ واحِدَةٍ، كالآخَرَيْن.
وسائر مَحْظُوراتِ الإحْرامِ، واللُّبْسُ، والطِّيبُ، وغيرُهما، لا يَجِبُ في كلِّ واحِدٍ منهما أكْثَر مِن فِدْيةٍ واحِدَةٍ،؛ لو كان مُفْرِدًا.
فصل: وحكْم العُمْرَةِ حُكْم الحَجِّ في فَسادِها بالوَطْءِ قبلَ الفَراغِ مِن السَّعْيِ، ووُجُوبِ المُضِيِّ في فاسِدِها، ووجُوبِ القَضاءِ، قِياسًا على الحَج، إلَّا أنَّه لا يَجِب؛ بإفْسادِها إلَّا شاةٌ.
وقال الشافعيُّ: عليه القَضاءُ وبَدَنَةٌ، كالحَجِّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن وَطِئ قبلَ أن يَطُوفَ أرْبَعَةَ أشْواطٍ، كقَوْلِنا، وإن وَطِئَ بعدَ ذلك لم تَفْسُدْ عُمْرَتُه، وعليه شاةٌ.
ولَنا على الشافعيِّ، أنَّها عِبادَةٌ لا وقوفَ فيها، فلم تَجبْ فيها بَدَنَةٌ، كما لو قَرَنَها بالحَجِّ، ولأنَّ العُمْرَةَ دُونَ الحَجِّ، فيَجِبُ أن يكونَ حُكْمُها دُونَ حُكْمِه.

..................................  ولَنا على أبي حنيفةَ، أنَّ الجِماعَ مِن مَحْظُوراتِ الإحْرامِ، فاسْتَوَى فيه ما قبل الطَّوافِ وبعدَه، كسائِرِ المَحْظُوراتِ، ولأنَّه وَطْءٌ صادَفَ إحْرامًا تامًّا، فأفْسَدَه، كما قبلَ الطَّوافِ.
فصل: إذا أفْسَدَ القارِنُ والمُتَمَتِّعُ نُسُكَهما، لم يَسْقُطِ الدَّمُ عنهما.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَسْقُطُ.
وعن أحمدَ، رَحِمَه الله، مِثْلُه؛ لأنَّه لم يَحْصُلِ التَّرفُّهُ بسُقُوطِ أحَدِ السَّفَرَيْن.
وقال القاضي في القارِنِ: إذا قُلْنا: إنَّ عليه للإفْسادِ دَمَيْن، سَقَط 1 دَمُ القِرانِ.
ولَنا، أنَّ ما وَجَب في النُّسُكِ الصَّحِيحِ وَجَب في الفاسِدِ، كالأفْعالِ، ولأنَّهُ دَمٌ وَجَب عليه، فلم يَسْقُط بالإفْسادِ، كالدَّمِ الواجِبِ لتَرْكِ المِيقاتِ.
فإن أفْسَدَ القارِنُ نُسُكَه، ثم قَضَى مُفْرِدًا، لم يَلْزَمْه في القَضاءِ دَمّ.
وقال الشافعيُّ: يَلزَمُه؛ لأنَّه يَجِبُ في القَضاءِ ما يَجِبُ في الأداءِ.
ولَنا، أنَّ الإفْرادَ أفْضَلُ مِن القِرانِ مع الدَّمِ، فإذا أتَى به فقد أتَى بما هو

وَإنْ جَامَعَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ،  أوْلَى، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كمَن لَزِمَتْه الصلاةُ بتَيَمُّم، فقَضَى بوُضُوءٍ.

1212 -

مسألة: (وإن جامَعَ بعدَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ لم يَفْسُدْ نُسُكُه،

وَيَمْضِى إلَى التَّنْعِيمِ فَيُحْرِمُ؛ لِيَطُوفَ وَهُوَ مُحْرِمٌ.
وَهَلْ يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ أوْ شَاةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ويَمْضِى إلى التَّنعِيمِ فيُحْرِمُ؛ ليَطوفَ وهو مُحْرِم.
وهل يَلْزَمُه بَدَنَةٌ أو شاةٌ؟ على رِوايَتَيْن) في هذه المسألة ثَلاثَةُ فُصُول؛ أحَدُها، أنَّ الوَطْءَ بعدَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ لا يُفْسِدُ الحَجَّ.
وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، والشعْبِىِّ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ.
وقال النَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وحَمّاد: عليه حَجٌّ مِن قابِل؛ لأنَّ الوَطْءَ صادَفَ إحْرامًا تامًّا بالحَجِّ، فأفْسَدَه، كالوَطْءِ قبلَ الرَّمْىٍ.
ولَنا، قولُ النبىٍّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ شَهِدَ صَلَاَتنَا هَذه، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتى نَدْفعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» 1. ولأنَّ

..................................  ابنَ عباس قال، في رجل أصابَ أهْلَه قبلَ أن يُفيضَ يومَ النَّحْرِ: يَنْحَران جَزُورًا بينَهما, وليس عليه الحَجُّ مِن قابِلٍ 1. ولا نَعْرِفُ له في الصَّحابَةِ مُخالِفًا.
ولأنَّها عِبادَة لها تَحَلُّلان، فوُجُود المُفْسِدِ بعدَ تَحَلُّلِها الأوَّلِ لا يُفْسِدُها، كما بعدَ التَّسْلِيمَةِ الأولَى في الصلاةِ، وبهذا فارَقَ ما قبلَ التَّحَلُّلِ الأولِ.
الفصل الثّانِي، أن يَفْسُدَ الإحْرامُ بالوَطْءِ بعدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، فيَلْزَمُه أن يُحْرِمَ مِن الحِلِّ.
وبذلك قال عِكْرِمَةُ، ورَبِيعَةُ، وإسْحاقُ.
وقال ابنُ عباسٍ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، والشافعيُّ: حَجُّه صَحِيح، ولا يَلْزَمُه إحْرام؛ لأنَّه إحْرامٌ لم يَفْسُدْ جَمِيعُه، فلم يَفْسُدْ بَعْضُه، كما بعدَ التَّحَلُّلِ الثّانِي.
ولَنا، أنَّه وَطْءٌ صادَفَ إحْرامًا، فأفْسَدَه، كالإحْرام التّامِّ.
وإذا فَسَد إحْرامُه، فعليه أن يُحْرِمَ؛ ليَأتىَ بالطّوافِ في إحْرامٍ صَحِيحٍ؛ لأنَّ

..................................  الطَّوافَ رُكْنٌ، فيَجِبُ أن يَأْتِيَ به في إحْرامٍ صَحِيحٍ، كالوُقُوفِ.
ويَلْزَمُه الإحْرامُ مِن الحِلِّ؛ لأنَّ الإحْرامَ يَنْبَغِي أن يَجْمَعَ فيه بينَ الحِلِّ والحَرَمِ، فلو أبحْنا له الإحْرامَ مِن الحَرَمِ، لم يَجْمَعْ بينَهما؛ لأنَّ أفْعالَه كلَّها تَقَعُ في الحَرَمِ، أشبهَ المُعْتَمِرَ.
وإذا أحْرَمَ، طافَ للزِّيارَةِ، وسَعَى إن لم يَكُنْ سَعَى، وتَحَلَّل؛ لأنَّ الذي بَقِيَ عليه بَقِيَّةُ أفْعالِ الحَجِّ.
وإنَّما وَجَب عليه الإحْرامُ ليَأتِيَ بها في إحْرام صَحِيحٍ، هذا ظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ.
والمَنْصُوصُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، ومَن وافَقَه مِن الأئمَّةِ، أنَّه يَعْتَمِرُ، فيَحْتَمِلُ، أنَّهم أرادُوا هذا أَيضًا، وسَمُّوْه عُمْرَةً؛ لأنَّ هذه أفْعالُ العُمْرَةِ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم أرادُوا عُمْرَةً حَقِيقَةً، فيَلْزَمُه سَعْىٌ وتَقْصِيرٌ.
والأوَّلُ أصَحُّ.
وقَوْلُه: يُحْرِمُ مِن التَّنعِيمِ.
لم يَذْكُرْه لوُجُوبِ الإحْرامِ منه، بل لأنَّه حِلٌّ، فمَن أتى الحِلَّ وأحْرَمَ، جاز، كالمُعْتَمِرِ.

..................................  فصل: ومتى وَطِيء بعدَ رَمْيِ الجَمْرَةِ لم يَفْسُدْ حَجُّه؛ حَلَق أو لم يَحْلِقْ.
هذا ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، والخِرَقِيِّ، ومَن سَمَّيْنا مِن الأئمَّةِ؛ لتَرْتِيبِهم هذا الحُكْمَ على الوَطْءِ بعدَ مُجَرَّدِ الرَّمْيِ، مِن غيرِ اعْتِبارِ أمْرٍ زائدٍ.
فصل: فإن طاف للزِّيارَةِ، ولم يَرْمِ، ثم وَطِيء، لم يَفْسُدْ حَجُّه بحالٍ؛ لأنَّ الحَجَّ قد تَمَّتْ أرْكانُه كلُّها, ولا يَلْزَمُه إحْرامٌ مِن الحِلِّ؛ فإنَّ الرمْىَ ليس برُكْنٍ، ولا يَلْزَمُه دَمٌ؛ لِما ذَكَرْنا.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه؛ لأنَّه وَطِيء قبلَ وُجُودِ ما يَتمُّ به التَّحَلُّل، أشْبَهَ مَن وَطِيء بعدَ الرَّمْيِ، قبلَ الطَّوافِ.
فصل: والقارِنُ كالمُفْرِدِ، في أنَّه إذا وَطِيء بعدَ الرَّمْيِ لم يَفْسُدْ حَجُّه ولا عُمْرَتُه؛ لأنَّ الحُكْمَ للحَجِّ، ألا تَرَى أنَّه لا يَحِلُّ مِن عُمْرَتِه قبلَ الطَّوافِ، ويَفْعَلُ ذلك إذا كان قارِنًا, ولأنَّ التَّرتِيبَ للحَجِّ دُونَها، والحَجُّ لا يَفْسُدُ قبلَ الطَّوافِ، كذلك العُمْرَةُ.
وقال أحمدُ، في مَن وَطِيء بعدَ الطَّوافِ يَوْمَ النَّحْرِ، قبلَ أن يَرْكَعَ: ما عليه شيءٌ.
قال أبو طالِبٍ: سَألْتُ أحمدَ عن الرجلِ يُقَبِّلُ بعدَ رَمْيِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، قبلَ أن يَزُورَ البَيْتَ؟ قال:

..................................  ليس عليه شيءٌ، قد قَضَى المَناسِكَ.
فعلى هذا ليس في غيرِ الوَطْءِ في الفَرْجِ شيءٌ.
الفصلُ الثّالِثُ، فيما يَجِبُ عليه فِدْيَةً للوَطْءِ، وهو شاةٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ.
وهو قولُ عِكْرمَةَ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ، وإسْحاقَ.
وفيه رِوايَة أخْرَى، أنَّ عليه بَدَنَةً.
وهو قولُ ابنِ عباس 1، وعَطاءٍ، والشَّعبِيِّ، والشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأيِ؛ لأنَّه وَطْءٌ في الحَجِّ، فوَجَبَتْ به بَدَنَةٌ، قبلَ رَمْيِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ.
ووَجْهُ الأُوْلَى، أنَّه وَطْءٌ لم يُفْسِدِ الحَجَّ، فلم يُوجِبْ بَدَنَةً، كالوَطْءِ دُونَ الفَرْجِ، إذا لم يُنْزِلْ، ولأنَّ حُكْمَ الإحْرامِ خَفَّ بالتَّحَلُّلِ الأولِ، فيَنْبَغِي أن يَنْقُصَ مُوجِبُه عن الإحْرامَ التّامِّ.

فَصْلٌ: التَّاسِع، الْمُبَاشَرَةُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لِشَهْوَةٍ، فَإِنْ فَعَلَ فَأَنْزَلَ، فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ.
فصل: وإذا أفْسَدَ القَضاءَ لم يَجِبْ عليه قَضاؤه، وإنَّما يَقْضِي عن الحَجِّ الأولِ، كما لو أفْسَدَ قَضاءَ الصلاةِ والصيامِ، وَجَب القَضاءُ للأصْلِ دُونَ القَضاءِ، كذا ههُنا.
وذلك لأنَّ الواجِبَ لا يَزْدادُ بفَواته، وإنَّما يَبْقَى ما كان واجِبًا في الذِّمَّةِ على ما كان عليه، فيَعُودُ 1 به القَضاءُ.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (التّاسِعُ، المُباشَرَةُ فيما دُونَ الفَرْجِ لشَهْوَةٍ، فإن فَعَل فأنزلَ، فعليه بَدَنَةٌ.
وهل يَفْسُدُ

وَهَلْ يَفْسُدُ نُسُكُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإنْ لَمْ يُنْزِلْ، لَمْ يَفْسُدْ.
نُسُكُه؟ على رِوايَتَيْن.
وإن لم يُنْزِلْ، لم يَفْسُدْ) إذا وَطِيء فيما دُونَ الفَرْجِ، أو قَبَّلَ، أو لَمَس بشَهْوَةٍ، فأنْزَلَ، فعليه بَدَنَةٌ.
وبذلك قال الحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال الشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، وابن المُنْذِرِ: عليه شاةٌ؛ لأنَّه مُباشَرَةٌ دُونَ الفرْجِ، أشْبَهَ ما لو لم يُنْزِلْ.
ولَنا، أنَّها مُباشَرَةٌ أوْجَبَتِ الغُسْلَ، فأوْجَبت بَدَنَةً، كالوَطْءِ في الفَرْجِ.
فصل: وفي فسادِ النُّسُكِ به رِوايَتان؛ إحْداهما، يَفْسُدُ.
اخْتارَها أبو بَكْرٍ، والخِرَقِيُّ، فيما إذا وَطِيء دُونَ الفَرْجِ فأنزلَ.
وهو قولُ الحسنِ، وعَطاءٍ، والقاسِمِ بنِ محمدٍ، ومالكٍ، وإسْحاقَ؛ لأنَّها عِبادَةٌ يُفْسِدُها الوَطْءُ، فأفْسَدَها الإِنْزالُ عن مُباشَرَةٍ، كالصيامِ.
والثّانِيَةُ، لا يَفْسُدُ.

..................................  وهو قولُ الشافعيِّ، وأصْحابِ الرأيِ، وابنِ المُنْذِرِ، وهو الصَّحِيحُ، إن شاء الله تعالى؛ لأنَّه اسْتِمْتاع لا يَجِبُ بنَوْعِه الحَدُّ، فلم يُفْسِدِ الحَجَّ، كما لو لم يُنزِلْ، ولأنَّه لا نَصَّ فيه ولا إجْماعَ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على المَنْصُوص عليه؛ لأنَّ الوَطْءَ في الفَرْجِ يَجِبُ بنَوْعِه الحَدُّ، ولا يَفْتَرِقُ الحالُ فيه بينَ الإنْزالِ وعَدَمِه، بخِلافِ المُباشَرَةِ.
والصيامُ بخِلافِ الحَجِّ في المُفْسِداتِ، ولذلك يَفْسُدُ إذا أنْزَلَ بتَكْرَارِ النَّظرَ وسائرِ مَحْظُوراتِه، والحجُّ لا يَفْسُدُ بشئٍ مِن مَحْظوراتِه غيرِ الجِماعِ، فافْتَرَقا.
والمَرْأةُ كالرجلِ في هذا، إذا كانَتْ ذاتَ شَهْوَةٍ، وإلَّا فلا شئَ عليها، كالرجلِ إذا لم يَكُنْ له شَهْوةٌ.
وإن لم يُنْزِلْ لم يَفْسُدْ حَجُّه بذلك.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّها كلُ مباشَرَةٌ دُونَ الفَرْجِ عَرِيَتْ عن الإنْزالِ، فلم يَفْسُدْ بها الحَجُّ، قِياسًا عليه.
وقد رُوِيَ عن ابنِ عباس، رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّه قال لرجل قبَّلَ زَوْجَتَهَ: أفْسَدْتَ حَجَّكَ.
ورُوِيَ ذلك عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ.
وهو مَحْمُولٌ على ما إذا أنْزَلَ.

فصْلٌ: وَالْمَرْأةُ إحْرَامُهَا في وَجْهِهَا، وَيَحْرُمُ [66 و]، عَلَيْهَا مَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ، إِلَّا في اللِّبَاس، وَتَظْلِيلِ الْمَحْمَلِ.
فصل: فإن كَرَّرَ النَّظَرَ، فأنْزَلَ أو لم يُنْزِلْ، لم يَفْسُدْ حَجُّه.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عباس.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
وروىَ عن الحسنِ، وعَطاءٍ، ومالكٍ، في مَن رَدَّدَ النَّظَرَ حتى أمْنَى، عليه حَجٌّ قابِلٌ؛ لأنَّه أنزل بفِعْلٍ مَحْظُورٍ، أشْبَهَ الإنْزالَ بالمُباشَرَةِ.
ولَنا، أنَّه إنْزالٌ مِن غيرِ مُباشَرَةٍ، أشْبَهَ الإْنزالَ بالفِكْرِ والاحْتِلام، والأصْلُ الذي قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ.
ثم إن المُباشَرَةَ أبلَغُ في اللَّذَّةِ، وَآ كَدُ في اسْتِدْعاءِ الشَّهْوَةِ، فلا يَصِح القِياسُ عليها.
وإن لم يُنْزِلْ لم يَفْسُدْ حَجُّه.
لا نَعْلَمُ أحَدًا قال بخِلافِ ذلك؛ لأنَّه لا يُمْكِن التَّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ الفِكْرَ، واللهُ أعْلَمُ.
فصل: قال،، رَضِيَ اللهُ عنه: (والمَرْأةُ إحْرامُها في وَجْهِها، ويَحْرُمُ عليها ما يَحْرُمُ على الرجلِ، إلَّا في اللِّباسِ، وتَظْلِيلِ المَحْمَلِ) يَحْرُمُ على المَرْأةِ تَغْطَيةُ وَجْهِها في إحْرامِها.
لا نَعْلَمُ في هذا

..................................  خِلافًا، إلَّا ما رُوِيَ عن أسماءَ، رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّها كانَتْ تُغَطِّي وَجْهَها 1. فيَحْتَمِلُ أنَّها كانَتْ تُغَطِّيه بالسُّدْلِ 2 عندَ الحاجَةِ، ولا يَكُون اخْتِلافًا.
قال ابن المُنْذِرِ: كَراهِيَةُ البرقُع ثابِتَةٌ عن سعدٍ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وعائشَةَ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ فيه.
والأصْلُ فيه ما روَى البخاريُّ وغيرُه 3، أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «وَلا تَنْتَقِبُ الْمَرْأةُ، وَلا تَلْبَس القُفَّازَيْنِ».
ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «إحْرَام الرَّجُل في رَأسِهِ، وإحْرَام المَرْأةِ في وَجْهِهَا» 4.

..................................  فصل: فإن احْتاجَتْ إلى سَتْرِ وَجْهِها؛ لمُرُورِ الرجالِ قَرِيبًا منها، فإنَّها تَسْدِلُ الثَّوْبَ فوقَ رَأسِها على وَجْهِها.
رُوِيَ ذلك عن عثمانَ، وعائشَةَ، رَضِيَ اللهُ عنهما.
وبه قال عَطاء، ومالك، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، ومحمدُ بن الحسنِ، ولا نَعْلَم فيه خِلافًا؛ لِما رُوِيَ عن عائشَةَ، رَضِيَ الله عنها، قالَتْ: كان الرُّكْبانُ يَمُرُّون بِنا، ونحن مُحْرِمات مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فإذا حاذَوْنا سَدَلَتْ إحْدانا جِلْبابَها علي وَجْهِها، فإذا جاوَزُونا كَشَفْناه.
رَواه أبو داودَ، والأثْرَمُ 1. ولأن بالمَرْأةِ حاجَةً إلى سَتْرِ وَجْهِها، فلم يَحْرُمْ عليها.
سَتْرُه على الإطْلاقِ، كالعَوْرَةِ.
وذَكَر القاضي: أنَّ الثَّوْبَ يَكُونُ مُتجافِيًا عن وَجْهِها، بحيثُ لا يُصِيبُ البَشَرَةَ، فإن أصابَها ثم زال أو أزالَتْه بسرعَةٍ، فلا شئَ عليها، كما لو أطارَتِ الرِّيحُ الثَّوْبَ عن عَوْرَةِ المُصَلِّي ثم عاد بسُرْعَةٍ، لا تَبْطُلُ الصلاةُ.
وإن لم تَرْفعْه مع القُدْرَةِ، فَدَتْ؛ لأنَّها اسْتَدامَتِ السَّتْرَ.
قال شيخُنا 2: ولم أُر هذا الشَّرْطَ عن أحمدَ، ولا هو في الخَبَرِ، مع أنَّ الظاهِرَ

..................................  خِلافه، فإنَّ الثَّوْبَ المَسْدولَ لا يَكاد يَسْلَمُ مِن إصابَةِ البَشَرَةِ، فلو كان هذا شَرْطًا لبُيِّنَ.
وإنَّما مُنِعَتِ المَرْأة مِن البُرْقُعِ والنِّقابِ ونحوِه، ممّا يعَدُّ لسَتْرِ الوَجْهِ.
قال أحمد: إنَّما لها أن تَسْدِلَ على وَجْهِها مِن فوق، وليس لها أن تَرْفَعَ الثَّوْبَ مِن أسفلَ.
كأنه يَقول: إن النِّقابَ مِن أسفلَ على وَجْهِها.
فصل: ويَجْتَمِع في حَقِّ المُحْرِمَةِ وُجوبُ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، وتَحرِيمُ تَغْطِية الوَجْهِ.
ولا يُمْكِن تَغْطِيَة جَمِيع الرَّأْسِ إلَّا بجُزْءٍ مِن الوَجْهِ، ولا كَشْفُ جَمِيع الوَجْهِ إلَّا بكَشْفِ جزْءٍ مِن الرَّأْسِ، فعندَ ذلك سَتْرُ الرَّأْسِ كلِّه أوْلَى؛ لأنَّه آكَدُ، إذ هو عَوْرَةٌ، ولا يَخْتَصُّ بحالَةِ الإحْرامِ، وكَشْفُ الوَجْهِ بخِلافِه، وقد أَبحْنا سَتْرَ جُمْلَتِه للحاجَةِ، العارِضَةِ، فسَتْرُ جُزْءٍ منه لسَتْرِ العَوْرَةِ أوْلَى.
فصل: ولا بَأْسَ للمَرْأةِ أن تَطوفَ منْتَقِبَةً، إن لم تَكنْ مُحْرِمَةً.
فَعَلَتْه عائشَة، رَضىَ الله عنها.
وكَرِه ذلك عَطاءٌ، ثم رَجَع عنه، وذَكَر أبو عبدِ اللهِ حديثَ ابنِ جُرَيْجٍ، أنَّ عَطاءً كان يَكْرَهُ لغيْرِ المُحْرِمَةِ أن تَطُوفَ منْتَقِبَةً، حتى حَدَّثْتُه عن الحسنِ بنِ مسلمٍ، عن صَفِيَّةَ بنتِ شَيْبَةَ، أنَّ عائشَةَ طافَتْ وهي مُنْتَقِبَةٌ.
فأخَذَ به.

..................................  فصل: ويَحْرُمُ عليها ما يَحْرُمُ على الرجلِ؛ مِن قَطْع الشَّعَرِ، وتَقْلِيمِ الأظْفارِ، والطِّيبِ، وقَتْلِ الصَّيْدِ، وسائرِ المَحْظُوراتِ، إلَّا لُبْسَ المَخيطِ، وتَظْلِيلَ المَحْمَلِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ المَرْأةَ مَمْنُوعَةٌ ممّا مُنِعَ منه الرجالُ، إلَّا بعضَ اللِّباس.
وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ، على أن للمُحْرِمَةِ لُبْسَ القُمُصِ 1 والدرُوعِ والسَّراوِيلاتِ والخُمُرِ والخِفافِ.
وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ أمْرَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - المُحْرِمَ بأمْرٍ وحُكْمَهُ عليه، يدخلُ فيه الرِّجالُ والنِّساءُ، إنَّما اسْتَثْنَى منه اللِّباسَ للحاجَةِ إلى سَتْر المَرْأةِ؛ لكَوْنِها عَوْرَةً، إلَّا وَجْهَها، فتَجَرُّدُها يُفْضِي إلى انْكِشافِها، فأُبِيحَ لها اللِّباسُ للسَّترِ، أبِيحَ للرجلِ عَقْد الإزارِ؛ كيلا يَسْقُطَ، فتَنْكَشِفَ عَوْرَتُه، ولم يُبِحْ عَقْدَ الرِّداءِ.
وقد روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنهما، أنَّه سَمِع رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى النِّساءَ في إحْرامِهِنّ عن القُفازَيْن والنِّقابِ، وما مَس الوَرْسَ والزَّعْفَرانَ مِن الثِّيابِ ولْتَلْبَس بعدَ ذلك ما أحَبَّتْ مِن ألْوانِ الثِّيابِ؛ مِن مُعَصْفَرٍ أو خَزٍّ أو حَلْى أو سَراوِيلَ أو قَمِصٍ أو خُفٍّ 2. وهذا صَرِيحٌ.
والمرادُ باللِّباسِ ههُنا المَخِيطُ مِن القُمُصِ والدُّرُوعِ والسَّراوِيلاتِ والخِفافِ، وما يَسْتُرُ الرَّأْسَ، ونَحْوَه.

وَلَا تَلْبَسُ الْقُفازَيْنِ وَالْخَلْخَالَ وَنَحْوَهُ، وَلَا تَكْتَحِلُ بِالإِثْمِدِ.
فصل: ويُستحَبُّ للمَرْأةِ عندَ الإحْرامِ ما يُسْتَحَبُّ للرجلِ؛ مِن الغُسْلِ، والطِّيبِ.
قالَتْ عائِشَةُ رَضِىَ اللهُ عنها، كُنّا نَخْرُجُ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَنُضَمِّدُ جِباهَنا بالمِسْكِ والطِّيبِ عندَ الإحْرامِ، فإذا عَرِقَتْ إحْدانا، سال على وَجْهِها، فيراها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فلا يُنْكِرُ عليها (1). والشّابَّةُ والكَبِيرَةُ سَواءٌ في هذا، فإنَّ عائِشَةَ كانَتْ شابَّةً.
فإن قِيلَ: أليس قد كُرِهَ ذلك في الجُمُعَةِ؟ قُلْنا: لأنَّها في الجُمُعَةِ تَقْرُبُ مِن الرِّجالِ، فيُخافُ الافْتِتانُ بها، بخِلافِ مَسْألَتِنا، ولهذا يَلْزَمُ الحَجُّ النِّساءَ، ولا تَلْزَمُهُنَّ الجُمُعَةُ.
وكذلك يُسْتَحَبُّ لها قِلَّةُ الكَلامِ، إلا فيما يَنْفَعُ، والاشْتِغالُ بالتَّلْبِيَةِ وذِكْرِ اللهِ تعالى.

1213 -

مسألة: (ولا تَلْبَسُ القُفَّازَيْن، ولا الخَلْخالَ، ولا تَكْتَحِلُ بالإِثمِدِ)

القُفّازان شئٌ يُعْمَلُ لليَدَيْن، يُدْخِلُهما فيهما مِن1

..................................  خَرْقٍ، يَسْتُرُهما مِن الحَرِّ، مثْلَ ما يُعْمَلُ للبُزاةِ، يَحْرُمُ على المَرْأةِ لُبْسُه في حالِ إحْرامِها.
هذا قولُ ابنِ عُمَرَ.
وبه قال عَطاءٌ، وطاوسٌ، ومُجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وإسْحاقُ.
وكان سعدُ بنُ أبِى وَقّاصٍ يُلْبِسُ بَناتِه القُفّازَيْن وهُنَّ مُحْرِماتٌ.
ورَخَّصَ فيه علىٌّ، وعائِشَةُ، وعَطاءٌ.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، وللشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن.
واحْتَجُّوا بما رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «إحْرَامُ الْمَرْأةِ فِى وَجْهِهَا» 1. ولأنَّه عُضْوٌ يَجُوزُ سَتْرُه بغيرِ المَخِيطِ، فجاز سَتْرُه به، كالرِّجْلَيْن.
ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأةُ، وَلَا تَلْبَسُ القُفَّازَيْنِ».
رَواه البخاريُّ 2. وحديثُهم المُرادُ به الكَشْفُ، فأمّا السَّتْرُ بغيرِ المَخِيطِ، فيَجُوزُ للرجلِ، ولا يَجُوزُ بالمَخِيطِ.

..................................  فصل: فأمّا الخَلْخالُ، وما أشْبَهَه مِن الحَلْىِ، كالسِّوارِ، فظاهِرُ كَلامِ شيخِنا ههُنا أنَّه لا يَجُوزُ لُبْسُه.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ.
وقد قال أحمدُ: المُحْرِمَةُ، والمُتوَفَّى عنها زَوْجُها، يَتْرُكان الطِّيبَ والزِّينَةَ، ولهما ما سِوَى ذلك.
ورُوِىَ عن عَطاءٍ، أنَّه كان يَكْرَهُ للمُحْرِمَةِ الحَرِيرَ والحَلْىَ.
وكَرِهَه الثَّوْرِيُّ.
ورُوِىَ عن قَتادَةَ، أنَّه كان لا يَرَى بَأْسًا أن تَلْبَسَ المَرْأةُ الخاتِمَ والقُرْطَ وهى مُحْرِمَةٌ، وكَرِهَ السِّوارَيْن والخَلْخالَيْن والدُّمْلُجَيْن 1. وظاهِرُ المَذْهَبِ الرُّخْصَةُ فيه.
وهو قولُ ابنِ عُمَرَ، وعائِشَةَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ.
وهو الصَّحِيحُ.
قال أحمدُ، في رِوايةِ حَنْبَلٍ: تَلْبَسُ المُحْرِمَةُ الحَلْىَ والمُعَصْفَرَ.
وقال: عن نافِعٍ، كان نِساءُ ابنِ عُمَرَ وبَناتُهُ يَلْبَسْنَ الحَلْىَ والمُعَصْفَرَ وهُنَّ مُحْرِماتٌ، لا يُنْكِرُ عبدُ اللهِ ذلك.

..................................  وقد ذَكَرْنا حديثَ ابنِ عُمَرَ 1، وفيه: «وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أحَبَّتْ مِن ألْوانِ الثِّيَابِ؛ مِنْ مُعَصْفَرٍ، أوْ خَزٍّ، أوْ حَلْيٍ» قال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَجُوزُ المَنْعُ منه بغيرِ حُجَّةٍ.
ويُحْمَلُ كَلامُ أحمدَ في المَنْعِ على الكَراهَةِ؛ لِما فيه مِن الزِّينَةِ، وشِبْهِه بالكُحْلِ بالإِثْمِدِ.
ولا فِدْيَةَ فيه، كما لا فِدْيَةَ في الكُحْلِ.
فأمّا لُبْسُ القُفّازَيْن، ففيه الفِدْيَةُ؛ لأنَّها لَبِسَتْ ما نُهِيَتْ عن لُبْسِه في الإحْرامِ، فَلزِمَتْها الفِدْيَةُ، كالنِّقابِ 2. وقال القاضى: يَحْرُمُ عليها شَدُّ يَدَيْها بخِرْقَةٍ؛ لأنَّة سَتْرٌ ليَدَيْها بما يَخْتَصُّ بها، أشْبَهَ القُفّازَيْن، وكما لو شَدَّ الرجلُ على جَسَدِه شَيئًا.
وإن لَفَّتْ يَدَيْها مِن غيرِ شَدٍّ، فلا فِدْيَةَ؛ لأنَّ المُحَرَّمَ هو اللُّبْسُ، لا تَغْطتُهما، كبَدَنِ الرجلِ.
فصل: والكُحْلُ بالإِثْمِدِ في الإِحْرامِ مَكْرُوهٌ للمَرْأةِ والرجلِ، وإنَّما

..................................  خُصَّتِ المَرْأةُ بالذِّكْرِ؛ لأنَّها مَحَلُّ الزِّينَةِ، والكراهَةُ في حَقِّها أكْثَرُ مِن الرجلِ.
يُرْوَى هذا عن عطاءٍ، والحسنِ، ومُجاهِدٍ.
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّه قال: يَكْتَحِلُ المُحْرِمُ بكلِّ كُحْلٍ ليس فيه طِيبٌ.
ورَخّصَ فيه مالكٌ في الحَرِّ يَجِدُه 1 المُحْرِمُ.
ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: يَكْتَحِلُ المُحْرِمُ بما لم يُرَدْ به الزِّينَةُ.
قِيلَ له: الرجالُ والنِّساءُ؟ قال: نعم.
وَوَجْهُ كَراهَتِه ما رُوِىَ عن جابرٍ، أنَّ عليًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، قَدِم مِن اليَمَنِ، فوَجَدَ فاطِمَةَ ممَّن حَلَّ، فلَبِسَتْ ثِيابًا صَبِيغًا، واكْتَحَلَتْ، فأنْكَرَ ذلك عليها، فقالَتْ: أبِى أمَرَنى بهذا.
فقالَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «صَدَقَتْ، صَدَقَتْ».
رَواه مسلمٌ وغيرُه 2. وهذا يَدُلُّ على أنَّها كانَتْ مَمْنُوعَةً مِن ذلك.
ورُوِىَ عن عائِشَةَ أنَّها قالَتْ لامْرَأةٍ: اكْتَحلِى

..................................  بأىِّ كُحْلٍ شِئْتِ، غيرَ الِإثْمِدِ أو الأسْوَدِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الكُحْلَ بالإثْمِدِ مَكْرُوهٌ، ولا فِدْيَةَ فيه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
ورَوَتْ شُمَيْسَةُ، عن عائِشَةَ، قالَتْ: اشْتَكَيْتُ عَيْنَىَّ وأنا مُحْرِمَة، فسَألْتُ عائِشَةَ، فقالَتْ: اكْتَحِلِى بأىِّ كُحْلٍ شِئْتِ، غيرَ الإثْمِدِ 1. أما إَّنه ليس بِحَرام، ولكنَّه زِينَةٌ، [فنحنُ نكرَهُه] 2. قال الشافعيُّ: إن فَعَلا فلا أعْلَمُ عليهما فيه فِدْيَةً بشئٍ.
فصل: فأمّا الكحْلُ بغيرِ الإثْمِدِ والأسْوَدِ، فلا كَراهَةَ فيه، إذا لم يَكُنْ مُطَيَّبًا؛ لِما ذَكَرْنا من حديثِ عائِشَةَ، وقولِ ابنِ عُمَرَ.
وقد روَى مسمٌ 3، عن نُبَيْهِ بنِ وَهْبٍ، قال: خَرَجْنا مع أبان بنِ عثمان، حتى إذا كُنّا بِمَلَلٍ 4، اشْتَكَى عُمَرُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ عَيْنَيْه، فأرْسَلَ إلى أبانَ بنِ عثمانَ لِيَسْألَه، فقالَ: اضْمِدْهما بالصَّبِرِ، فإنَّ عثمانَ حَدَّثَ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،

وَيَجُوزُ لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ وَالْكُحْلِىِّ، وَالْخِضَابُ بِالْحِنَّاءِ، وَالنَّظَرُ فِى الْمِرْآةِ لَهُمَا جَمِيعًا.
في الرجلِ إذا اشْتَكَى عَيْنَيْه وهو مُحْرِمٌ، يُضَمِّدُهما بالصَّبِرِ.
ففيه دَلِيلٌ على إباحَةِ ما أشْبَهَه، ممّا ليس فيه زِينَة ولا طِيبٌ.
وكان إبراهيمُ لا يَرَى بالذَّرُورِ (1) الأحْمَرِ بأْسًا.
فصل: وإذا أحْرَمَ الخُنْثَى المُشْكِلُ، لم يَلْزَمْهُ اجْتِنابُ المَخِيطِ؛ لأنَّا لا نَتَيَقَّنُ كَوْنَه رجلًا.
وقال ابنُ المُبارَكِ: يُغَطِّى رَأْسَه ويُكَفِّرُ.
قال شيخُنا (2): والصَّحِيحُ أنَّه لا شئَ عليه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ، فلا يَجِبُ بالشُّكِّ، فإن غَطَّى وَجْهَهُ وجَسَدَه، لم يَلْزَمْه فِدْيَةٌ لذلك.
وإن جَمَع بينَ تَغْطِيَة وَجْهِه بنِقابٍ أو بُرْقُعٍ، وغَطَّي رَأْسَه، أو لَبِس المَخِيطَ، لَزِمَتْه الفِدْيَةُ؛ لأنُّه لا يَخْلُو أن يَكُونَ رَجُلًا أو امْرأةً، واللهُ أعْلَمُ.

1214 -

مسألة: (ويَجُوزُ لُبْسُ المُعَصْفَرِ والكُحْلِيِّ، والخِضابُ بالحِنّاءِ، والنَّظَرُ في المِرْآةِ لهما جَمِيعًا)

لا بَأسَ بما صُبغَ بالعُصْفُرِ؛ لأنَّه12

..................................  ليس بطِيبٍ، ولِا بَأسَ باسْتِعْمالِه وشَمِّه.
هذا قولُ جابِرٍ، وابنِ عُمَرَ، وعبدِ اللهِ بنِ جَعْفرٍ، وعَقِيلِ بنِ أبِى طالِبٍ، رَضِىَ اللهُ عنهم.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وكَرِهَه مالكٌ، إذا كان يَنْتَفِضُ 1 في جَسَدِه، ولم يُوجِبْ فيه فِدْيَةً.
ومَنَع منه الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدٌ، وشَبَّهُوه بالمُوَرَّسِ والمُزَعْفَرِ؛ لأنَّه صِبْغٌ طيِّبُ الرّائِحَةِ.
ولَنا، أنَّ في حديثِ ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال في المُحْرِمَةِ: «وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أحَبَّتْ مِنْ ألْوَانِ الثِّيابِ؛ مِن مُعَصْفرٍ، أوْ خَزٍّ، أوْ حَلْىٍ».
رَواه أبو داودَ 2. وعن عائِشَةَ، وأَسماءَ، وأزْواجِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَهُنَّ كُنَّ يُحْرِمْنَ في المُعَصْفَراتِ 3. ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِف لهم مُخالِفًا، ولأنَّه ليس بطِيبٍ، فلم يُكْرَهِ المَصْبُوغُ به، كالسَّوادِ.

..................................  وأمّا الوَرْسُ والزَّعْفرانُ، فإنَّه طِيبٌ.
ولا بَأسَ بالمُمَشَّقِ، وهو المصْبُوغُ بالمَغْرَة 1؛ لأنَّه مَصْبُوغٌ بطِينٍ، وكذلك سائِرُ الأصْباغِ، سِوَى ما ذَكرْنا؛ لأنَّ الأصْلَ الإباحَةُ إلَّا ما وَرَد الشَّرْعُ بتَحْرِيمِه، أو ما كان في مَعْناه.
وليس هذا كذلك.
فأمّا المصْبُوغُ بالرَّياحِينِ، فهو مَبْنىٌّ على الرَّياحِينِ في نَفْسِها، فما مُنِعَ المُحْرِمُ مِن اسْتِعْمالِه مُنِعَ لُبْسَ المصْبُوغِ به، إذا ظَهَرَتْ رائِحَتُه، وإلَّا فلا.
إلَّا أنَّه يُكْرَهُ للرجلِ لُبْسُ المُعَصْفَرِ في غيرِ الإحْرامِ، فكذلك فيه، وقد ذَكَرْنا ذلك في الصلاةِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ للمَرْأةِ أن تَخْتَضِبَ بالحِنّاءِ عندَ الإحْرامِ؛ لِما رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه قال: مِن السُّنَّةِ أن تَدْلُكَ المَرْأةُ يَدَيْها في حِنّاءٍ 2. ولأنَّه مِن الزِّينَةِ، فاسْتُحِبَّ عندَ الإِحْرامِ، كالطِّيبِ، ولا بَأْسَ بالخِضابِ في حالِ إحْرامِها.
وقال القاضى: يُكْرَهُ؛ لكَوْنِه مِن الزِّينَةِ، فأشْبَهَ الكُحْلَ بالإثْمِدِ.
فإن فَعَلَتْ، ولم تَشُدَّ يَدَيْها بالخِرَقِ، فلا فِدْيَةَ عليها.
وبه قال

..................................  الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وكان مالكٌ، ومحمدُ بنُ الحسنِ يَكْرهان الخِضابَ للمُحْرِمَةِ، وألْزَماها الفِدْيَةَ.
ولَنا، ما روَى عِكْرِمَةُ، أنَّه قال: كانَتْ عائِشَةُ، وأزْواجُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، يَخْتَضِبْن بالحِنّاءِ، وهُنَّ حُرُمٌ.
ولا بَأْسَ بذلك للرجلِ فيما لا تَشَبُّهَ فيه بالنِّساءِ؛ لأنَّ الأصْلَ الإباحَةُ، وليس ههُنا دَلِيلق يَمْنَعُ، مِن نَصٍّ، ولا إجْماعٍ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ.
فصل: ولا بَأْسَ بالنَّظرَ في المِرْآةِ للحاجَةِ، كمُداواةِ جُرْح، أو إزالةِ شَعَرةٍ نَبَتَتْ في عَيْنِه، ونحوِ ذلك ممّا أباحَ الشَّرْعُ له فِعْلَه.
وقد رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ، أنَّهما كانا يَنْظران في المِرْآةِ وهما

..................................  مُحْرِمان.
ويُكْرَهُ أن يَنظرُ فيها لإزالَةِ شَعَثٍ، أو تَسْوِيَةِ شَعَرٍ، أو شئٍ مِن الزِّينَةِ.
ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
قال أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: لا بَأْسَ أن يَنْظُرَ في المِرْآةِ، ولا يُصْلِحُ شَعرًا، ولا يَنْفُضُ عنه غُبارًا.
وقال أيضًا: إذا كان يُرِيدُ زِينَةً، فلا.
قِيلَ: فكيف يُرِيدُ زِينَةً؟ قال: يَرَى شَعَرَةً فَيُسَوِّيها.
رُوِىَ نحوُ ذلك عن عَطاءٍ؛ لأنَّه قد رُوِىَ في حديثٍ: «إنَّ المُحْرِمَ الأشْعَثَ الأغْبَرَ».
وفى آخَرَ: «إنَّ اللهَ يُبَاهِى بِأهْلِ عَرَفَةَ مَلَائِكَتَهُ، فَيَقُولُ: يَا مَلَائِكَتِى، انْظُرُوا إلَى عِبَادِى، قَدْ اتُوْنِى شُعْثًا غُبْرًا، ضَاحِينَ» 1. أو كما جاء.
ولا فِدْيَةَ بالنَّظَرَ في المِرْآةِ بحالٍ، وإنَّما ذلك أدَبٌ لا شئَ على فاعِلِه.
لا نَعْلَمُ أحَدًا أوْجَبَ في ذلك شيئًا.
فصل: وللمُحْرِمِ أن يَحْتَجِمَ، ولا فِدْيَةَ عليه، إذا لم يَقْطَعْ شَعَرًا، في قولِ الجُمْهُورِ؛ لأنَّه تَداوٍ بإخْراجِ دَمٍ، أشْبَهَ الفَصْدَ، وَبَطَّ الجُرْحِ 2. وقال مالكٌ: لا يَحْتَجِمُ إلَّا مِن ضَرُورَةٍ.
وكان الحسنُ يَرَى في الحِجامَةِ

..................................  دَمًا.
ولَنا، أنَّ ابنَ عباسٍ روَى أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، احْتَجَمَ وهو مُحْرِمٌ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولم يَذْكُرْ فِدْيَةً.
ولأنَّه لا يَتَرَفَّهُ بذلك، أشْبَهَ شُرْبَ الأدْوِيَةِ.
وكذلك الحُكْمُ في قَطْعِ العُضْوِ عندَ الحاجَةِ، والخِتانِ، كلُّ ذلك مُباحٌ مِن غيرِ فِدْيَةٍ، فإن احْتَاجَ في الحِجامَةِ إلى قَطْع شَعَرٍ، فله قَطْعُه؛ لِما روَى عَبْدُ اللهِ اينُ بُحَيْنَةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - احْتَجَمَ بِلَحْىِ جَمَلٍ 2، في طَرِيقِ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَسَطَ رَأسِه.
مُتَّفَقٌ عليه 3. ومِن ضَرُورَةِ

..................................  ذلك قَطْعُ الشَّعَرِ.
ولأنَّه يُباحُ حَلْقُ الشَّعَرِ لِإزَالَةِ أذَى القَمْلِ، فكذلك هذا، وعليه الفِدْيَةُ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَتَصَدَّقُ بشَئٍ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ﴾ 1 الآية.
ولأنَّه حَلَق شَعَرًا لإِزالَةِ ضَرَرٍ غيرِه، فَلَزِمَتْه الفِدْيَةُ، كما لو حَلَقَه لإِزالَةِ قَمْلِهِ.
فصل: ويَجْتَنِبُ المُحْرِمُ ما نَهاه اللهُ تَعالى عنه، بقَوْلِه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ 2. وهذا صِيغَتُه صِيغَةُ النَّفْىِ، والمُرادُ به النَّهْىُ، كقَوْلِه تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ 3. والرَّفَثُ الجِمَاعُ.
رُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ.
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: الرَّفَثُ، غِشْيانُ النِّساءِ، والتَّقْبِيلُ، والغَمْزُ، وأن يَعْرِضَ لها بالفُحْشِ مِن الكَلامِ.

..................................  وقال أبو عُبَيْدَةَ: الرَّفَثُ لَغا الكَلامِ.
وأنْشَدَ قولَ العَجَّاجِ 1: عَنِ اللَّغا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ وقِيلَ: الرَّفَثُ هو ما يُكْنَى عنه مِن ذِكْرِ الجِماعِ.
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه أنْشَدَ بَيْتًا فيه التَّصرِيحُ بما يُكْنَى عنه مِن الجِماعِ وهو مُحْرِمٌ 2، فقِيلَ له في ذلك، فقالَ: إنَّما الرَّفَثُ ما رُوجِعَ به النِّساءُ.
وفى لَفْظٍ: ما قِيلَ مِن ذلك عندَ النِّساءِ.
وفى الجُمْلَةِ، كلُّ ما فُسَر به الرَّفَثُ يَنْبَغِى للمُحْرِمِ أن يَجْتَنِبَه، إلَّا أنَّه في الجِماعِ أظْهَرُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن تَفْسِيرِ الأئِمَّةِ، ولأنَّه قد جاء في مَوْضعٍ آخَرَ، وأُرِيدَ به الجماعُ، وهو قَوْلُه تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ 3. أمّا الفُسُوقُ: فهو السِّبابُ؛ لقولي النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -. «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ».مُتَّفَقٌ عليه 4. وقِيلَ: الفُسُوقُ المعاصِى.
رُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ،

جارٍ التحميل