الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 305-344

..................................  فصل: فإن كان المَبِيعُ صَيدًا، فأفْلَسَ المُشْتَرِي، والبائِعُ مُحْرِمٌ، لم يَرْجِعْ فيه؛ لأنَّه تَمَلُّكٌ للصَّيدِ، فلم يَجُزْ في الإِحْرام، كشِرائِه.
وإن كان البائِعُ حَلالًا في الحَرَمِ، والصَّيدُ في الحِلِّ، فأَفْلَسَ المُشْتَرِي؛ فللبائِعِ الرُّجُوعُ فيه؛ لأنَّ الحرمَ، إنَّما يَحْرُمُ الصَّيدُ الَّذي فيه، وهذا ليس مِن صَيدِه، فلا يُحَرِّمُه.
ولو أفْلَسَ المُحْرِمُ وفي مِلْكِه صَيدٌ، بائِعُه 1 حَلالٌ، فله أخْذُه؛ لأنَّ المانِعَ 2 غيرُ مَوْجُودٍ فيه.

..................................  فصل: إذا أفْلَسَ وفي يَدِه عَينٌ دَينُ بائِعها مُؤَجَّلٌ، وقُلْنا: لا يحِلُّ الدَّينُ بالفَلَسِ.
فقال أَحمَدُ، في رِوايَةِ الحَسَنِ بنِ ثَوَابٍ: يكونُ مَوْقُوفًا إلى أنْ يَحِلَّ دَينُه، فيَخْتارُ البائِعُ الفَسْخَ أو التَّرْكَ.
وهو قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعيِّ.
والمَنْصُوصُ عن الشافعيِّ، أنَّه يُباعُ في الدُّيُونِ الحالَّةِ.
ويَتَخَرَّجُ لَنا مِثْلُ ذلك؛ لأنَّها حُقُوق حالَّةٌ، فقُدَّمَتْ على الدَّينِ المُؤجَّلِ، كدَينِ مَن لم يَجِدْ عَينَ مالِه.
والقولُ الأوَّلُ أوْلَى؛ للخَبَرِ، ولأنَّ حَقَّ هذا البائِعِ تَعَلَّقَ بالعَينِ، فَقُدِّمَ على غيرِه وإن كان مُؤْجَّلًا، كالمُرْتَهِنِ والمَجْنِيِّ عليه.

..................................  فصل: قال أحمدُ، في رجلٍ ابْتاعَ طَعامًا نَسِيئَةً ونَظَرَ إليه وقَلَّبَه، وقال: أقْبِضه غَدًا.
فمات البائِعُ وعليه دَيْنٌ، فالطّعامُ للمُشْتَرِي، ويَتْبَعُه الغُرَمَاءِ بالثَّمَنِ، وإن كان رَخِيصًا.
وكذلك قال الثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ؛ لأنَّ المِلْكَ ثَبَت للمُشْتَرِي فيه بالشِّراءِ، وزال مِلْكُ البائِعِ عنه، فلم يُشارِكْه غُرَماءُ البائِعِ 1 فيه، كما لو قَبَضَه.

..................................  فصل: ورُجُوعُ البائِعِ فَسْخٌ للبَيعِ، لا يَحْتَاجُ إلى مَعْرِفَةِ المَبِيعِ، ولا القُدْرَةِ على تَسْلِيمِه، فلو رَجَع في المَبِيعِ الغائِبِ بعدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَغَيَّرُ فيها، ثم وَجَدَه على حالِه لم يَتْلَفْ شيءٌ منه، صَحَّ رُجُوعُه.
وإن رَجَع في العَبْدِ بعدَ إباقِه، أو الجَمَلِ بعدَ شُرُودِه، صَحَّ، وصار ذلك له، فإن قَدَر عليه أخَذَه، وإن ذَهَب كان مِن مالِه.
وإن تَبَيَّن أنَّه كان تالِفًا حال استِرْجاعِه، بَطَل الاسْتِرْجاعُ، وله أن يَضْرِبَ مع الغُرَماءِ في المَوْجُودِ مِن مالِه.
وإن رَجَع في المَبِيعِ، واشْتَبَهَ بغَيرِه، واخْتَلَفا 1 في عَينِه، فالقولُ قولُ المُفْلِسِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ لاسْتِحْقاقِ ما ادَّعاه البائِعُ، والأصْلُ معه.

فَصْلٌ: الْحُكْمُ الثَّالِثُ، بَيْعُ الْحَاكِمِ مَالهُ وَقَسْمُ ثَمَنِهِ، وَيَنْبَغِي أنْ يُحْضِرَهُ وَيُحْضِرَ الْغُرَمَاءَ، وَيَبِيعَ كُلَّ شَيْءٍ في سُوقِهِ،  فصل: قال، رَحِمَه اللهُ تعالى: (الْحُكْمُ الثَّالِثُ، بَيعُ الْحَاكِمِ مَالهُ وَقَسْمُ ثَمَنِهِ، وَيَنْبَغِي أنْ يُحْضِرَهُ وَيُحْضِرَ الْغُرَمَاءَ، وَيَبِيعَ كُلَّ شَيْءٍ في سُوقِهِ) إذا حُجِر على المُفْلِسِ باع الحاكِمُ ماله؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ مُعاذٍ 1. ولأنَّه مَقْصُودُ الحَجْرِ.
ويُسْتَحَبُّ إحْضارُ المُفْلِسِ؛ لمعانٍ أرْبَعَةٍ؛ أحَدُها، إحْصاءُ ثَمَنِه وضَبْطُه.
الثانِي، أنَّه أعْرَفُ بثَمَنِ مَتاعِه وجَيِّدِه ورديئِه، فإذا حَضَر تَكَلَّمَ عليه، وعَرَف الغَبْنَ مِن غيرِه.
الثالثُ، أنَّ الرَّغْبَةَ تَكْثُرُ فيه، فإنَّ شِراءَه مِن صاحِبِه أحَبُّ إلى المُشْتَرِين.
الرَّابِعُ، أنَّه أطْيَبُ لقلبِه.
ويُسْتَحَبُّ إحْضارُ الغُرَماءِ؛ لأمُورٍ أرْبَعَةٍ؛ أحَدُها، أنَّه يُيَاعُ لهم.
الثانِي، أنَّهم رُبَّما رَغِبُوا في شيءٍ 2 فزادُوا في ثَمَنِه، فيكونُ

..................................  أصْلَحَ لهم وللمُفْلِسِ.
الثَّالِثُ، أنَّه أطْيَبُ لقُلُوبِهم، وأَبْعَدُ مِن 1 التُّهمَةِ.
الرَّابِعُ، لَعَلَّ فيهم مَن يَجِدُ عَينَ مالِه فيَأْخُذَها.
فإن باعَه مِن غيرِ حُضُورِهم كُلِّهم جاز؛ لأنَّ ذلك مُفَوَّضٌ إليه ومَوْكُولٌ إلى اجْتِهادِه، فرُبَّما أدّاه اجْتِهادُه إلى خِلافِ ذلك والمُبادَرَةِ إلى البَيعِ قبلَ إحْضارِهم.
ويَأْمُرُهُم الحاكِمُ 2 أن يُقِيمُوا مُنادِيًا يُنادِي على المَتاعِ، فإن تَراضَوْا بثِقَةٍ أمْضاه الحاكِمُ، وإن لم يَكُنْ ثِقَةً رَدَّه.
فإن قِيلَ: لِمَ يَرُدُّه وقد اتَّفَقَ عليه أصْحابُ الحَقِّ، فأشْبَهَ ما لو اتَّفَقَ المُرْتَهِنُ والرَّاهِنُ على أن يَبِيعَ الرَّهْنَ غيرُ ثِقَةٍ، لم يَكُنْ للحاكِمِ الاعْتِراضُ؟ قُلْنا: الحاكِمُ ههُنا له نَظَرٌ واجْتِهادٌ؛ لأنَّه قد يَظْهَرُ غَرِيمٌ آخَرُ، فَيَتَعَلَّقُ حَقُّه به، بخِلافِ الرَّهْنِ، فإنَّه لا نَظَر للحاكِمِ فيه.
فإنِ اخْتارَ المُفْلِسُ رجلًا، واخْتارَ الغُرَماءُ آخَرَ أقَرَّ الحاكِمُ الثِّقَةَ منهما.
فإن كانا ثِقَتَينِ، قَدَّمَ المُتَطَوِّعَ منهما؛ لأنَّه أوْفَرُ، فإن كانا مُتَطَوِّعَين، ضَمَّ أحَدَهما إلى الآخَرِ، وإن كانا بجُعْلٍ، قَدَّمَ أوْثَقَهما وأعْرَفَهما، فإن تَساوَيا، قَدَّمَ مَن يَرَى منهما 3. والأُجْرَةُ مِنِ مالِ المُفْلِسِ؛ لأنَّ البَيعَ حَقٌّ عليه، لكَوْنِه طَرِيقَ وفاءِ دَينِه.
وقيل: يُدْفعُ مِن بَيتِ المالِ؛ لأنَّه مِن المَصالِحِ.
وكذلك الحُكْمُ في أجْرِ مَن يَحْفَظُ المَتاعَ والثَّمَنَ، وأجْرِ الحَمّالِين، ونحوهم.
ويُسْتَحَبُّ بَيعُ كلِّ شيءٍ في

وَيَتْرُكَ لَهُ مِنْ مَالِهِ مَا تَدْعُو إِلَيهِ حَاجَتُهُ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ.
سُوقِه؛ لأنَّه أحْوَطُ، وأكْثَرُ لطُلابِه، ومَعْرِفَةِ قِيمَتِه.
فإن باع في غيرِ سُوقِه بثَمَنِ المِثْلِ، جاز؛ لأنَّ الغَرَضَ تَحْصِيلُ الثَّمَنِ، ورُبَّما أدَّى الاجْتِهادُ إلى أنَّه أصْلِحُ.
ولهذا لو قال: بعْ ثَوْبِي بثَمَنِ كذا.
في سُوقٍ عَيَّنَهَ، فباعَه بذلك في غيرِه، جازَ.
ويَبِيعُ بنَقْدِ البَلَدِ؛ لأنَّه أصْلَحُ.
فإن كان في البَلَدِ نُقُودٌ باع بغالِبِها، فإن تَساوَتْ باع بجِنْسِ الدَّينِ.
فإن زاد في السِّلْعَةِ أحَدٌ في مُدَّةِ الخِيارِ، لَزِم الأمِينَ الفَسْخُ؛ لأنَّه أمْكَنَه بَيعُه بثَمَنٍ (1)، فلم [يَجُزْ بَيعُه] (2) بدُونِه، كما لو زِيد فيه قبلَ العَقْدِ.
وإن زاد بعدَ لزومِ العَقْدِ، اسْتُحِبَّ للأمِينِ سُؤالُ المُشْتَرِي الإِقالةَ، واسْتُحِبَّ للمُشْتَرِي الإِجابَةُ؛ لتَعَلُّقِه بمَصْلَحَةِ المُفْلِسِ وقَضاءِ دَينِه.

1920 -

مسألة: (ويَتْرُكَ له مِن مالِه ما تَدْعُو إليه حاجَتُه مِن مَسْكَنٍ وخادِمٍ)

لا تُباعُ دارُ المُفْلِسِ التي لا غِنى له 3 عن سُكْناها.
وبه قال أبو حَنِيفةَ، وإسحاقُ.
والخادِمُ في مَعْنَى الدَّارِ إذا كان مُحْتاجًا12

..................................  إليه.
وقال شُرَيحٌ، ومالِكٌ، والشافعيُّ: تُباع، ويُكْتَرَى له بَدَلُها.
اخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال في الَّذي أُصِيبَ في ثِمارٍ ابْتاعَها، فكَثُرَ دَينُه، فقال لغُرَمائِه: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ» 1. وهذا ممّا وَجَدُوه، ولأنَّه عَينُ مالِ المُفْلِسِ، فوَجَبَ صَرْفُه في دَينِه، كسائِرِ مالِه.
ولَنا، أنَّ هذا ممّا لا غِنًى للمُفْلِسِ عنه، فلم يُصْرَفْ في دَينِه، كثِيابِه وقُوتِه، والحَديثُ قَضِيَّةٌ في عَين، يَحْتَمِلُ أنَّه لم يَكُنْ له عَقارٌ ولا خادِمٌ، ويَحْتَمِلُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ».
ممّا تُصُدِّقَ به عليه، والظّاهِرُ أنَّه لم يُتَصَدَّقْ عليه بدارٍ وهو مُحْتاجٌ إلى سُكْناهَا، ولا خادِم وهو مُحْتَاجٌ إلى خِدْمتِه، ولأنَّ الحديثَ مَخْصُوصٌ بثِيابِ المُفْلِسِ وقُوتِه، فنَقِيسُ عليه مَحَلَّ النِّزاعِ، وقِياسُهم مُنْتَقِضٌ بذلك، وبأجْرِ المَسْكَنِ، وسائِرُ مالِه يَسْتَغْنِي عنه، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
فإن كان له داران يَسْتَغْنِي بإحْداهما، بِيعتِ الأُخْرَى؛ لأنَّ به غِنًى عن سُكْنَاها.
وإن كان مَسْكَنُه واسِعًا يَفْضُلُ عن سُكْنَى مِثْلِه، بِيعَ، واشْتُرِيَ له مَسْكَنُ مِثْلِه، ورُدَّ الفَضْلُ 2 على الغُرَماءِ، وكذلك الثِّيابُ التي له، إذا كانت رَفِيعَةً لا يَلْبَسُ مِثْلُه مِثْلَها.

..................................  فصل: فإن كان المَسْكَنُ والخادِمُ الَّذي لا يَسْتَغْنِي عنهما عَينَ مالٍ بعضِ الغُرَماءِ، أو كان جَمِيعُ أمْوالِه 1 أعْيانَ أمْوالٍ أفْلَسَ بأثْمانِها، ووَجَدَها أصْحابُها، فلهم أخْذُها بالشَّرائِطِ المَذْكُورةِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ بعَينِه عَنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ» 2. ولأنَّ حَقَّه تَعَلَّقَ بالعَينِ، فكان أقْوَى سَبَبًا مِن المُفْلِسِ، ولأنَّ الإِعْسارَ بالثَّمَنِ سَبَبٌ يَسْتَحِقُّ به الفَسْخَ، فلم يَمْنَعْ منه تَعَلُّقُ حاجَةِ المُشْتَرِي، كما قبلَ القَبْضِ، وكالعَيبِ، والخِيارِ.
ولأنَّ مَنْعَهم مِن أخْذِ أمْوالِهم يَفْتَحُ باب الحِيَلِ، بأن يَشْتَرِيَ مَن لا مال له في ذمّتِه ثِيابًا يَلْبَسُها، ودارًا يَسْكُنُها، وخادِمًا يَخْدِمُه، وفَرَسًا يَرْكَبُها، وطعامًا له ولعائِلَتِه، ويَمْتَنِعُ على أرْبابِها أخْذُها؛ لتَعَلُّقِ حاجَتِه بها، فتَضِيعُ أمْوالُهم ويَسْتَغْني هو بها.
فعلى هذا، يُؤخَذُ ذلك، ولا يُتْرَكُ له منه شيءٌ؛ لأنَّه أعْيانُ أمْوالِ النَّاسِ فكانُوا أحَقَّ بها منه، كما لو كانت في أيَدِيهم، أو أخَذَها منهم غَصْبًا.

وَيُنْفِقَ عَلَيهِ بِالْمَعْرُوفِ إِلَى أَنْ يَفْرَغَ مِنْ قَسْمِهِ بَينَ غُرَمَائِهِ.

1921 - مسألة: (ويُنْفِقَ عليه بالمَعْرُوفِ إلى أنْ يَفْرَغَ مِن قَسْمِهِ بينَ غُرَمائِه)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا حُجِر على المُفْلِسِ، فإن كان ذا كَسْبٍ يَفِي بنَفَقَتِه ونَفَقَةِ مَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، فهي في كَسْبِه، فإنَّه لا حاجَةَ إلى إخْراجِ مالِه مع غِناه بكَسْبِه، فلم يَجُزْ، كالزِّيادَةِ على النَّفَقَةِ.
وإن كان كَسْبُه دُونَ نَفَقَتِه كُمِّلَتْ مِن مالِه.
وإن لم يكنْ ذا كسبٍ أُنْفِقَ عليه مِن مالِه مُدَّةَ الحَجْرِ وإن طال؛ لأنَّ مِلْكَه باقٍ، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ابْدَأ بنَفْسِكَ ثُم بِمَنْ تَعُولُ» 1. ومَعْلُومٌ أنَّ في مَن يَعُولُه مَن تَجِبُ نَفَقَتُه عليه، ويكونُ دَينًا عليه، وهي زَوْجَتُه، فإذا قَدَّمَ نَفَقَةَ نَفْسِه على نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، فكذلك على حَقِّ الغُرَماءِ، ولأنَّ تَجْهِيزَ المَيِّتِ يُقَدَّمُ على دَينِه بالاتِّفاقِ، والحَيُّ آكَدُ حُرْمَةً مِن المَيِّتِ؛ لأنَّه مَضْمُونٌ بالإتْلافِ.
ويُقَدَّمُ

..................................  أَيضًا نَفَقَةُ مَن تَلْزَمُه نَفَقَتُه مِن أقارِبِه؛ مثلَ الوالِدِ 1 والوَلَدِ، وغَيرِهم ممَّن تَجِبُ نَفَقَتُه؛ لأنَّهم يَجْرُون مَجْرَى نفسِه، في كَوْنِ ذوي رَحِمِه منهم، يَعْتِقُون إذا مَلَكَهم، كما يَعْتِقُ إذا مَلَك نَفْسَه، فكانت نَفقَتُهُم كنَفَقَتِه، وكذلك نَفَقَةُ زَوْجَتِه، لأنَّ نَفَقَتَها آكَدُ مِن نَفَقَةِ الأقَارِبِ، [لأنَّها تَجِبُ مِن طَرِيقِ المُعاوَضَةِ، وفيها مَعْنَى الإِحْياءِ، كما في الأقارِبِ] 2. ومِمَّن أوْجَبَ الإِنْفاقَ على المُفْلِسِ وزَوْجَتِه وأوْلادِه؛ أبو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وتَجبُ كُسْوَتُهم؛ لأنَّ ذلك ممّا لا بُدَّ منه.
والواجبُ مِن النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ أَدْنَى ما يُنْفقُ على مِثْلِه بالمَعْرُوفِ، وأدْنَى ما يَكْتسِي مِثْلُه، وكذلك كُسْوَتُه مِن جِنْسِ ما يَكْتَسِيه 3 مِثْلُه، وكُسْوَةُ امْرأْتِه ونَفَقَتُها مثلُ ما يُفْرَضُ على مِثْلِه.
وأقَلُّ ما يَكْفِيه مِن اللِّباسِ قَمِيصٌ وسَراويلُ، وشيءٌ يَلْبَسُه على رَأْسِه؛ قَلَنْسُوَةٌ، أو عِمامَةٌ، أو غيرُها 4 ممَّا جَرَتْ عادَتُه به 5، ولرِجْلِه حِذاءٌ، إن كان يَعْتادُه، وجُبَّةٌ أو فَرْوَةٌ في الشِّتاءِ لدَفْعِ البَرْدِ.
فإن كانت له ثِيابٌ لا يَلْبَسُ

..................................  مِثْلُه مِثْلَها، بِيعَتْ، واشْتُرِيَ له كُسْوَةُ مِثْلِه، ورُدَّ الفَضْلُ على الغُرَماءِ، فإن كانت إذا بِيعَتْ واشْتُرِيَ له كُسْوَةُ مثلِه لا يَفْضُلُ منها شيءٌ، تُرِكَتْ؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ في بَيعِها.
فصل: وإن مات المُفْلِسُ، كُفِّنَ مِن مالِه؛ لأنَّ نَفَقَتَه كانت واجِبَةً مِن مالِه في حالِ حَياتِه، فوَجَبَ تَجْهِيزُه منه بعد المَوْتِ، كغيرِه.
وكذلك يَجِبُ كَفَنُ مَنْ يَمُونُه؛ لأنَّهم بمَنْزِلَتِه.
ولا يَلْزَمُ كَفَنُ زَوْجَتِه؛ لأنَّ نَفَقَتَها تَجبُ في مُقابلَةِ الاسْتِمْتاعِ، وقد فات بمَوْتِها، فسَقَطَتْ، بخِلافِ الأَقارِبِ؛ فإنَّ قَرابَتَهم باقِيَةٌ.
ويَلْزَمُه تَكْفِينُ مَن مات مِن عَبِيدِه وتَجْهِيزُه؛ لأنَّ نَفَقَتَه ليست في مُقابَلَةِ الانْتِفاعِ به، بدَلِيلِ وُجُوبِ نَفَقَةِ الصَّغِيرِ، والمَبِيعِ قبلَ التَّسْلِيمِ.
ويُكَفَّنُ في ثَلاثَةِ أثْوَابٍ، كما كان يَلْبَسُ في حَياتِه.
ويَحْتَمِلُ أن يُكَفَّنَ في ثَوْبٍ يَسْتُرُه؛ لأنَّه يَكْفِيه، فلا حَاجَةَ إلى الزِّيادَةِ.
وفارَقَ حال الحَياةِ؛ لأنَّه لابُدَّ مِن تَغْطِيَةِ رَأْسِه، وكَشْفُه يُؤْذِيه، بخِلافِ المَيِّتِ.
ويَمْتَدُّ الإِنْفاقُ المَذْكُورُ إلى حينِ فَراغِه مِن القِسْمَةِ بينَ الغُرَماءِ؛ لأنَّه لا يَزُولُ مِلْكُه إلَّا بذلك.
ومَذهَبُ الشافعيِّ قَرِيبٌ ممَّا ذَكَرْنا في هذا الفَصْلِ.
فصل: وإن كان المُفْلِسُ ذا صَنْعَةٍ، يَكْسِبُ ما يَمُونُه ويَمُونُ مَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، أو كان يَقْدِرُ على أن يَكْسِبَ 1 مِن المُباحَاتِ ما يَكْفِيه، أو يُؤْجِرَ

..................................  نَفْسَه، أو يَتَوَكَّلَ لإنْسانٍ 1 بجُعْلٍ يَكْفِيه، لم يُتْرَكْ له شيءٌ مِن مالِه للنَّفَقَةِ.
وإن لم يَقْدِرْ على شيءٍ ممَّا ذَكَرْناه، تُرِك له مِن مالِه قَدْرُ ما يَكْفِيه.
قال أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، في رِوايَةِ أبي داودَ: يُتْرَكُ له قُوتٌ يَتَقَوَّتُه، وإن كان له عِيالٌ تُرِك له قِوامٌ.
وقال، في رِوايَةِ المَيمُونِيِّ: يُتْرَكُ له قَدْرُ ما يَقُومُ به مَعاشُه، ويُباعُ الباقِي.
وهذا في حَقِّ الشَّيخِ الكَبِيرِ وذوي الهَيئاتِ الذين لا يُمْكِنُهم التَّصَرُّفُ بأبْدانِهم.
ويَنْبَغِي أن يُجْعَلَ ممّا لا يَتَعَلَّقُ به حَقُّ بَعْضِهم بعَينِه؛ لأنَّ مَن تَعَلَّقَ حَقُّه بالعَينِ أقْوَى سَبَبًا مِن غيرِه، كما ذَكَرْنا في الدَّارِ والخادِمَ.
فصل: وإذا تَلِف شيءٌ مِن [مالِ المُفْلِسِ] 2 تَحْتَ يَدِ الأمِينِ، أو بِيعَ شيءٌ مِن مالِه وأُودِعَ ثَمَنُه، فتَلِفَ عندَ المُودَعِ، فهو مِن ضَمانِ المُفْلِسِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال مالِكٌ: العُرُوضُ مِن مالِه، والدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ مِن مالِ الغُرَماءِ.
وقال المُغِيرَةُ: الدَّنانِيرُ مِن مالِ أصْحابِ الدَّنانِيرِ، والدَّراهِمُ مِن مالِ أصْحابِ الدَّراهِمِ.
ولَنا، أنَّه مِن مالِ المُفْلِسِ 3، ونماؤُه له 4، فكان تَلَفُه مِن (4) مالِه، كالعُرُوضِ.

وَيَبْدَأُ بِبَيعِ مَا يُسْرِعُ إِلَيهِ الْفَسَادُ، ثُمَّ بِالحَيَوانِ، ثُمَّ بِالْأَثَاثِ، ثُمَّ بِالْعَقَارِ.
وَيُعْطِي الْمُنَادِيَ أُجْرَتَهُ مِنَ الْمَالِ.

1922 - مسألة: (ويَبْدَأُ بِبَيعِ ما يُسْرِعُ إليه الفَسَادُ)

مِن الطَّعامِ الرَّطْبِ؛ لأنَّ بَقاءَه يُتْلِفُه بيَقِينٍ (ثم) ببَيعِ (الحَيَوانِ) لأَنَّه مُعَرَّضٌ للإِتْلَافِ، ويَحْتاجُ إلى مُؤْنَةٍ في بَقائِه (ثم) ببَيعِ (الأثاثِ) لأنَّه يُخافُ عليه، وتَنالُه اليَدُ (ثم) ببَيعِ (العَقارِ) آخِرًا؛ لأنَّه لا يُخافُ تَلَفُه، وبَقاؤُه أشْهَرُ له، وأكْثَرُ لطُلَّابِه.
1923 -

مسألة: (ويُعْطِي المُنادِيَ أُجْرَتَه مِن المالِ)

لأَنَّ البَيعَ حَقٌّ على المُفْلِسِ؛ لكَوْنِه طَرِيقَ وَفاءِ دَينِه.
وقِيلَ: هو مِن بَيتِ المالِ؛ لأنَّه مِن المَصالِحَ.

وَيَبْدأُ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيهِ، فَيَدْفَعُ إِلَيهِ الْأَقَلَّ مِنَ الْأرْشِ أَوْ ثَمَنِ الْجَانِي، ثُمَّ بِمَنْ لَهُ رَهْنٌ، فَيُخَصُّ بِثَمَنِهِ، فَإنْ فَضَلَ لَهُ فَضْلٌ، ضَرَبَ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ فَضْلٌ، رُدَّ عَلَى الْمَالِ.

1924 - مسألة: (وَيَبْدأُ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيهِ، فَيَدْفَعُ إِلَيهِ الْأَقَلَّ مِنَ الْأرْشِ أَوْ ثَمَنِ الْجَانِي)

وقد ذَكَرْنا ذلك (1) في الرَّهْنِ، هذا إذا كان عَبْدُه الجانِيَ.
فعلى هذا، يَبْدَأُ ببَيعِه، وما فَضَل مِن ثَمَنِه صُرِف إلى الغُرَماء.
فإن كان المُفْلِسُ هو الجانِيَ، فالمَجْنِيُّ عليه أُسْوَةُ الغُرَماءِ؛ لأنَّ حَقَّه يَتَعلَّقُ بالذِّمَّةِ، بخِلافِ جِنايَةِ العَبْدِ، وقد ذَكَرْناه.
1925 -

مسألة: (ثم بمَن له رَهْنٌ، فيُخَصُّ بثَمَنِه)

يُباعُ 2 الرَّهْنُ ويَخْتَصُّ المُرْتَهِنُ بثَمَنِه، إن كان ثَمَنُه بقَدْرِ دَينِه أو أقَلَّ منه، سَواءٌ كان المُفْلِسُ حَيًّا أو مَيِّتًا؛ لأنَّ حَقَّه مُتَعَلِّقٌ بعَينِ الرَّهْنِ وذِمَّةِ الرَّاهِنِ معًا،1

..................................  وسائِرُهم يَتَعَلَّقُ حَقُّه 1 بالذِّمَّةِ دُونَ العَينِ، فكان حَقُّه أقْوَى.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأْي.
فإن كان في 2 ثَمَنِ الرَّهْنِ فَضْلٌ عن دَينِ المُرْتَهِنِ، أُعْطِيَ قَدْر دَينه، ورُدَّ الباقِي على الغُرَماءِ.
وإن فَضَل شَيْءٌ مِن دَينِه، ضَرَب بالفاضِلِ مع الغُرَماءِ.
فصلِ: ولو باع شيئًا أو باعَه وَكِيلُه، وقَبَض الثَّمَنَ، فتَلِفَ وتَعَذَّرَ رَدُّه، وخرَجَتِ السِّلْعَةُ مُسْتَحَقَّةً، ساوَى المُشْتَرِي الغُرَماءَ؛ لأنَّ حَقَّه لم يَتَعَلَّقْ بعَينِ المالِ، فهو بمَنْزِلَةِ أَرْشِ جِنايَةِ المُفْلِسِ.
وذَكَر القاضي احْتِمالًا، أنَّه يُقَدَّمُ على الغُرَماءِ؛ لأنَّه لم يَرْضَ بمُجَرَّدِ الذِّمَّةِ، فكان أوْلَى، كالمُرْتَهِنِ، ولأنَّه لو لم يُقَدَّمْ على الغُرَماءِ، لامْتَنَع النّاسُ مِن شراءِ مالِ المُفْلِسِ، خوْفًا مِن ضَياعِ أمْوالِهم، فتَقِلُّ الرَّغَباتُ فيه، ويَقِلُّ ثَمَنُه، فكان تَقْدِيمُ المُشْتَرِي بذلك على الغُرَماءِ أنْفَعَ لهم.
وهذا وَجْهٌ لأصْحابِ الشافعيِّ.
ولَنا، أنَّ هذا حَقٌّ لم يَتَعَلَّقْ بعَينِ المالِ، فلم يُقَدَّمْ، كالذي جَنَى عليه المُفْلِسُ.
وفارَقَ المُرْتَهِنَ، فإنَّ حَقَّه تَعَلَّقَ بالعَينِ، وما ذَكَرُوهُ مِن المَعْنَى الأوَّلِ مُنْتَقِضٌ بأْرْشِ جِنايَةِ المُفْلِسِ، والثانِي مَصْلَحَةٌ لا أصْلَ

..................................  لها، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ بها 1. فإن كان 2 الثَّمَنُ مَوْجُودًا يُمْكِنُ رَدُّه، وَجَب رَدُّه، ويَنْفَرِدُ به (2) صاحِبُه؛ لأنَّه عَينُ مالِه، لم يَتَعَلَّقْ به حَقُّ أحَدٍ مِن النّاسِ، وكذلك صاحِبُ السِّلْعَةِ المُسْتَحَقَّةِ يَأْخُذُها.
ومتى باع وَكِيلُ المُفْلِسِ أو العَدْلُ، أو باع الرَّهْنَ، وخَرَجَتِ السِّلْعَةُ مُسْتَحَقَّةً، فالعُهْدَةُ على المُفْلِسِ، ولا شيءَ على العَدْلِ؛ لأنَّه أمِينٌ.
فصل: ومَن اسْتَأْجَرَ دارًا أو بَعِيرًا بعَينِه، أو شيئًا غيرَهما بعَينِه، ثم أفْلَسَ المُؤجرُ، فَالمُسْتَأْجِرُ أحَقُّ بالعَينِ التي اسْتَأْجَرَها مِن الغُرَماءِ حتى يَسْتَوْفِيَ حَقَّه؛ لأنَّ حَقَّه مُتَعَلِّقٌ بعَينِ المالِ، والمَنْفَعَةُ مَمْلُوكَةٌ له في هذه المُدَّةِ، فكان أحقَّ بها، كما لو اشْتَرَى منه شيئًا.
فإن هَلَك البَعيرُ، أو انْهَدَمَتِ الدّارُ قبلَ انْقِضاءِ المدةِ، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ، ويَضْرِبُ مع الغُرَماءِ ببقِيَّةِ الأجْرَةِ.
وإنِ اسْتَاجَرَ جَمَلًا في الذِّمَّةِ ثم أفْلَسَ المُؤجِرُ، فالمُسْتَأجِرُ أُسْوَةُ الغُرَماءِ؛ لأنَّ حَقَّه لم يَتَعَلَّقْ بالعَينِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
فإن أجَرَ دارًا، ثم أفْلَسَ، فاتَّفَقَ الغُرَماءُ والمُفْلِسُ على

..................................  البَيْعِ قبلَ انْقِضاءِ مُدَّةِ الإِجارَةِ، فلهم ذلك، ويَبيعُونَها مُسْتَأْجَرَةً، فإنِ اخْتَلَفُوا، قُدِّمَ قولُ مَن طَلَب البَيعَ في الحالِ؛ لأَنَّه أحْوَطُ مِن التَّأْخِيرِ، فإذا اسْتَوْفَى المُسْتَأْجِرُ، تَسَلَّمَ المُشْتَرِي.
وإنِ اتَّفَقُوا على تَأْخيرِ البَيعِ حتى تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الإجارَةِ، فلهم ذلك؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَخْرُجُ عنهم.
فصل: ولو باع سِلْعَةً، ثم أفْلَسَ قبلَ تَقْبِيضِها، فالمُشْتَرِي أحَقُّ بها مِن الغُرَماءِ، سَواءٌ كانت مِن المَكِيلِ والمَوْزُونِ أو لم تَكُنْ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ قد مَلَكَها وثَبَت مِلْكُه فيها، فكان أحَقَّ بها، كما لو قَبَضَها، ولا فَرْقَ بينَ ما قبلَ قَبْضِ الثَّمَنِ وبعدَه.
وإنْ كان عليه سَلَمٌ، فوَجَدَ المُسْلِمُ الثَّمَنَ قائِمًا، فهو أحَقُّ به؛ لأنَّه وَجَد عَينَ مالِه، وإن لم يَجِدْه فهو أُسْوَةُ الغُرَماءِ؛ لأنَّه لم يَتَعَلَّقْ حَقُّه بعَينِ مالٍ 1 ولا ثَبَت مِلْكُه فيه، ويَضْرِبُ مع الغُرَماءِ بالمُسْلَمِ فيه؛ لأنَّه الذي يَسْتَحِقُّه دُونَ الثَّمَنِ.
فإن كان في المالِ جِنْسُ حَقِّه، أخَذَ منه بقَدْرِ ما يَسْتَحِقُّه، وإن لم يَكُنْ فيه جِنْسُ حَقِّه، عُزِل له قَدْرُ حَقِّه، فيَشْتَرِي به المُسْلَمَ فيه، فيَأْخُذُه.
وليس له أن يَأْخُذَ المَعْزُولَ بعَينِه؛ لِئَلَّا يكونَ بَدَلًا عمّا في الذِّمَّةِ مِن المُسْلَمِ فيه، وذلك لا يَجُوزُ؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «مَنْ أسْلَفَ في شَيْءٍ، فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى

ثُمَّ بِمَنْ لَهُ عَينُ مَالٍ يَأْخُذُهَا، ثُمَّ يَقْسِمُ الْبَاقِي بَينَ بَاقِي الْغُرَمَاءِ عَلَى قَدْرِ دُيُونِهِمْ.
غَيرِه» (1). فإنْ أمْكَنَ أن يَشْتَرِيَ بالمَعْزُولِ أكْثَرَ ممّا قُدِّرَ له؛ لرُخْص المُسْلَمِ فيه، اشْتُرِيَ له بِقَدْرِ حَقِّه، ورُدَّ الباقي على الغُرَماءِ.
مِثالُه؛ رجلٌ أفْلَسَ وله دِينارٌ، وعليه لرجلٍ دِينارٌ، ولآخَرَ قَفِيزُ حِنْطَةٍ مِن سَلَمٍ قِيمَتُه دِينارٌ، فإنّه يُقْسَمُ دِينارُ المُفْلِسِ نِصْفَينِ؛ لصاحِبِ السَّلَم نِصْفه، فإن رَخُصَتِ الحِنْطَةُ، فصار قِيمَةُ القَفِيزِ نِصْف دِينارٍ، تَبَيَّنَّا أنَّ حَقَّه مِثْلُ نِصْفِ حَقِّ صاحِبِ الدِّينارِ، فلا يَسْتَحِقُّ مِن دِينارِ المُفْلِسِ إلَّا ثُلُثَه، يُشتَرَى له به ثُلُثا قَفِيزٍ، فيَأْخُذُه، ويُرَدُّ سُدْسُ الدِّينارِ على الغَرِيمِ الآخَرِ.
وإن غَلا المُسْلَمُ فيه، فصار قِيمَةُ القَفِيزِ دِينارَينِ، تَبَيَّنَّا أنَّه يَسْتَحِقُّ مِثْلَيْ ما يَسْتَحِقُّه صاحِبُ الدِّينارِ، فيكونُ له مِن دينارِ المُفْلِسِ ثُلُثاه، فيُشتَرَى له بالنِّصْفِ المَعْزُولِ، ويُرْجَعُ على الغَرِيمِ بسُدْسِ دِينارٍ، يُشْتَرَى له به أيضًا؛ لأنَّ المَعْزُولَ مِلْكٌ للمُفْلِسِ، وإنَّما للغَرِيمِ قَدْرُ حَقِّه، فإن زاد فللمُفْلِسِ، وإن نقَص فعليه.

1926 -

مسألة: (ثم بمَن له عَينُ مالٍ يَأْخُذُها)

بالشُّرُوطِ المَذْكُورَةِ، وقد ذَكَرْنا ذلك (ثم يَقْسِمُ الباقِيَ بينَ باقِي الغُرَماءِ على قدْرِ دُيُونِهم) لتَساويهم في الاسْتِحْقاقِ.
فإن كانت دُيُونُهم مِن جِنْسِ1

فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، لَمْ يَحِلَّ.
وَعَنْهُ، أنَّهُ يَحِلُّ، فَيُشَارِكُهُمْ.
الأثْمانِ، أخَذُوها؛ [لأنَّ ذلك هو المَقْصُودُ مِن بَيعِ مالِه، فلو قَضَى المفلس والحاكِمُ بَعْضَهم وَحْدَه، لم يَصِحَّ، لأنَّهم شُركاؤُه، فلم يَجُزِ اخْتِصاصُه (1) دُونَهم] (2)، وإن كان فيهم مَن دَينُه مِن غيرِ جِنْسِ الأثْمانِ، كالقَرْضِ لغيرِ الأثْمانِ، فرَضِيَ أن يَأْخُذَ عِوَضَ حَقِّه مِن الأثْمانِ، جاز، وإنِ امْتَنَعَ وطَلَب جِنْسَ حَقِّه، اشْتُرِيَ له بحِصَّتِه مِن الثَّمَنِ مِن جِنْسِ دَيْنِه.
ولو أراد الغَرِيمُ الأخْذَ مِن المالِ المَجْمُوعِ، وقال المُفْلِسُ: لا أقْضِيك إلَّا مِن جِنْسِ دَينِك.
قُدِّمَ قولُ المُفْلِسِ؛ لأنَّ هذه مُعاوَضَةٌ، فلا تَجُوزُ إلَّا بتَراضِيهما.

1927 -

مسألة: (فإن كان فيهم مَن له دَينٌ مُؤجَّلٌ، لم يَحِلَّ. وعنه، أنَّه يَحِلُّ، فيُشارِكُهم)

لا يَحِلُّ الدَّينُ المُؤجَّلُ بفَلَسِ مَن هو عليه.12

..................................  ذَكَرَه القاضِي، رِوايَةً واحِدَةً.
وحَكَى أبو الخَطّابِ فيه رِوايَةً أُخْرَى، أنَّه يَحِلُّ.
وهو قولُ مالِكٍ.
وعن الشافعيِّ كالمَذْهَبَين.
واحْتَجُّوا بأنَّ الإِفْلاسَ يَتَعَلَّقُ به الدَّينُ بالمالِ، فأسْقَطَ الأجَلَ، كالموْتِ.
ولَنا، أنَّ الأجَلَ حَقٌّ للمُفْلِسِ، فلا يَسْقُطُ بفَلَسِه، كسائِرِ حُقُوقِه، ولأنَّه لا يُوجِبُ حُلُولَ مالِه، فلا يُوجِبُ حُلُولَ ما عليه، كالجُنُونِ والإِغْماءِ، ولأنَّه دَينٌ مُؤَجَّلٌ على حَيٍّ، فلم يَحِلَّ قبلَ أجَلِه، كغَيرِ المُفْلِسِ.
والأصْلُ المَقِيسُ عليه مَمْنُوعٌ، وإن سُلِّمَ، فالفَرْقُ بينهما أنَّ ذِمَّتَه خَرِبَتْ،

وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيهِ دَيْنٌ مُؤجَّلٌ، لَمْ يَحِلَّ إِذَا وَثَّقَ الْوَرَثَةُ.
وَعَنْهُ، يَحِلُّ.
بخِلافِ المُفْلِسِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا حُجر على المُفْلِسِ، فقال أصْحابُنا: لا يُشَارِكُ أصْحابُ الدُّيُونِ المُؤَجَّلَةِ أَصْحابَ الدُّيُونِ الحالَّةِ، ويَبْقَى المُؤَجَّلُ في الذِّمَّةِ إلى وَقْتِ حُلُولِه، فإنْ لم يَقْسِمِ الغُرَماءُ حتى حَلَّ الدَّينُ، شارَكَ الغُرَماءَ، كما لو تَجَدَّدَ على المُفْلِسِ دَينٌ بجِنايَتِه، فإنْ أدْرَكَ بعضَ المالِ قبلَ قِسْمَتِه شارَكَهم فيه، [يَضْرِبُ فيه] (1) بجَمِيعِ دَينِه، ويَضْرِبُ (2) باقِي الغُرَماءِ ببَقِيَّةِ دُيُونِهم.
وإن قُلْنا: يَحِلُّ الدَّينُ.
فهو كأصْحابِ الدُّيُونِ الحالَّةِ سَواءٌ.

1928 -

مسألة: (ومَن مات وعليه دَينٌ مُؤجَّلٌ، لم يَحِلَّ إذا وَثَّقَ الوَرَثَةُ. وعنه، أنَّه يَحِلُّ)

3 اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في حُلُولِ الدَّينِ بالمَوْتِ على مَن هو عليه، فرُويَ أنّه لا يَحِلُّ.
اخْتارَه الخِرَقِيُّ، بشَرْطِ أن يُوَثِّقَ12

..................................  الوَرَثَةُ.
وهو قولُ ابنِ سِيرِينَ، وعُبَيدِ اللهِ بنِ الحَسَنِ، وإسْحاقَ، وأبي عُبَيدٍ.
والروايَةُ الأُخْرَى، أنَّه يَحِلُّ بالمَوْتِ.
وبه قال الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وسَوّارٌ 1، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي؛ لأنَّه لا يَخْلُو إمّا أن يَبْقَى في ذِمَّةِ المَيِّتِ أو الوَرَثَةِ، أو يَتَعَلَّقَ بالمالِ.
لا يَجُوزُ بَقاؤُه في ذِمَّةِ المَيِّتِ؛ لخَرابِها وتَعَذُّرِ مُطالبَتِه بها، ولا ذِمَّةِ

..................................  الوَرَثَةِ؛ لأنَّهم لم يَلْتَزِمُوها، ولا رَضِيَ صاحِبُ الدَّينِ بذِمَمِهم، وهي مُخْتَلِفَةٌ مُتَباينَةٌ، ولا يَجُوزُ تَعْلِيقُه على الأعْيانِ وتَأْجِيلُه؛ لأنَّه ضَرَرٌ بالمَيِّتِ وصاحِبِ الدَّينِ، ولا نفْعَ للوَرَثَةِ فيه.
أمّا المَيِّتُ فلأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «المَيِّتُ مُرْتَهَنٌ بِدَينِهِ، حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» 1. وأمّا صاحِبُه، فيَتأخَّرُ حَقُّه، وقد تَتْلَفُ العَينُ فيَسْقُطُ حَقُّه.
وأمّا الوَرَثَةُ، فإنَّهُم لا 2 يَنْتَفِعُون

..................................  بالأعْيانِ ولا يَتَصَرَّفُون فيها، وإن حَصَلَتْ لهم مَنْفَعَةٌ، فلا يَسْقُطُ حَظُّ المَيِّتِ وصاحِب الدَّينِ لمَنْفَعَةٍ لهم.
ولَنا، ما ذَكَرْنا في المُفْلِسِ، ولأنَّ المَوْتَ ما جُعِلَ 1 مُبْطلاً للحُقُوقِ، وإنَّما هو مِيقاتٌ للخِلافَةِ، وعَلامَةٌ على الوراثَةِ، وقد قال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَرَكَ حَقًّا أوْ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ» 2.

..................................  وما ذَكَروه إثْبات حُكْمٍ بالمَصْلَحَةِ المُرْسَلَةِ، لم يَشْهَدْ لها شاهِدُ الشَّرْعِ باعْتِبارٍ.
فعلى هذا، يَبْقَى الدَّيْن في ذِمَّةِ المَيِّتِ.
كما كان، ويَتَعَلَّق بعَينِ مالِه، كتَعَلُّقِ حُقُوقِ الغرَماءِ بمالِ المُفْلِسِ عندَ الحَجْرِ عليه.
فإن أحَبَّ الوَرَثَة الْتِزامَ أداءِ الدَّينِ، ويَتَصَرَّفونَ في المالِ، لم يكنْ لهم ذلك، إلَّا أن

..................................  يَرْضَى الغَرِيمُ، أو يُوَثِّقُوا الحَقَّ بضَمِينٍ مَلِئٍ، أو رَهْنٍ يَثِقُ به لوَفاءِ حَقِّه، فإنَّهم قد لا يَكُونُون أمْلِياءَ، ولم يَرْضَ بهم الغَرِيمُ، فيُؤَدِّي إلى فَواتِ الحَقِّ.
وذَكَر القاضي أنَّ الحَقَّ يَنْتَقِلُ إلى ذِمَمِ الوَرَثَةِ بمَوْتِ مَوْرُوثِهمِ مِن غيرِ أنْ يُشْتَرَطَ الْتِزامُهم له.
ولا يَنْبَغِي أنْ يَلْزَمَ الإِنْسان دَينٌ لا

..................................  يَلْتَزِمُه، ولم يَتَعاطَ سَبَبَه، ولو لَزِمَهم ذلك لمَوْتِ مَوْرُوثِهم للَزِمَهم وإن لم يُخَلِّفْ وَفاءً.
فإن قُلْنا: إنَّ الدَّينَ يَحِلُّ بالمَوْتِ.
فأحَبَّ الوَرَثَةُ القَضاءَ مِن غيرِ التَّرِكَةِ، فلهم ذلك، وإنِ اخْتارُوا القَضاءَ منها، فلهم ذلك، وإنِ امْتَنَعُوا مِن القَضاءِ، باع الحاكِمُ مِن التَّرِكَةِ ما يُقْضَى به الدَّينُ.
وإن مات

..................................  مُفْلِسٌ وله غُرَماءُ بعضُ دُيُونِهم مُؤجَّلَةٌ، وقُلْنا: يَحِلُّ المُؤجَّلُ بالمَوْتِ.
اقْتَسَمُوا التَّرِكَةَ على قَدْرِ دُيُونِهم.
وإنْ قُلْنا: لا يَحِلُّ.
[فإن وَثَّقَ] 1 الوَرَثَةُ لصاحِبِ المُؤجَّلِ، اخْتَصَّ أصْحابُ الحالِّ بالتَّرِكَةِ، وإنِ امْتَنَع الوَرَثَةُ مِن التَّوْثِيقِ، حَلَّ دَينُه، وشارَكَ أصْحابَ الحالِّ؛ لئَلَّا يُفضِيَ إلى إسْقاطِ دَينِه بالكُلِّيَّةِ.

..................................  فصل: ذكَر بعضُ أصْحابِنَا في مَن مات وعليه دَين، هل يَمْنَعُ الدَّينُ نَقْلَ التَّركَةِ إلى الوَرَثَةِ؟ رِوَايَتَين؛ إحْداهما، لا يَمْنَعُه؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ، ولأنَّ تَعَلُّقَ الدَّينِ بالمالِ لا يُزِيلُ المِلْكَ في العَبْدِ الجانِي والرَّهْنِ والمُفْلِسِ،

..................................  فلم يَمْنَعْ نَقْلَه.
فعلى هذا، إن تَصَرَّفَ الوَرَثَةُ في التَّرِكَةِ ببيعٍ أو غيرِه، صَحَّ تصَرُّفُهم، ولَزِمَهم أداءُ الدَّينِ، فإن تَعَذَّرَ وَفاؤُه، فُسِخ تَصَرُّفُهم 1، كما لو باع السَّيِّدُ عَبْدَه الجانِيَ.
والثانيةُ، يَمْنَعُ نَقْلَ التَّرِكَةِ إليهم؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ 2

..................................  فجَعَلَ التَّرِكَةَ للوارِثِ بعدَ الدَّينِ والوَصِيَّةِ، فلا يَثْبُتُ لهم المِلْكُ قبلَهما.
فعلى هذا، لا يَصِحُّ تَصرُّفُ الوَرَثَه، لأنَّهم تَصرَّفُوا في غيرِ مِلْكِهم، إلَّا أنْ يَأْذَنَ لهم الغُرَماءُ، وإن تَصرَّفَ الغُرَماءُ، لم يَصِحَّ إلَّا بإذْنِ الوَرَثَةِ.

وَإنْ ظَهَرَ غَرِيمٌ بَعْدَ قَسْمِ مَالِهِ رَجَعَ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِقِسْطِهِ.

1929 - مسألة: (وإن ظَهَر غَرِيمٌ بعدَ قَسْمِ مالِه، رَجَع على الغُرَماءِ بقِسْطِه)

وبهذا قال الشافعيُّ.
وحُكِيَ عن مالِكٍ.
وحُكِيَ عنه: لا يُحاصُّهم؛ لأنَّه نَقْضٌ لحُكْمِ الحاكِمِ.
ولَنا، أنَّه غَرِيمٌ يُقاسِمُهم لو كان حاضِرًا، فإذا ظَهَر بعدَ ذلك قَاسَمَهم، كغَرِيمِ المَيِّتِ يَظْهَرُ بعدَ قَسْمِ مالِه، وليس قَسْمُ الحاكِمِ ماله حُكْمًا، إنَّما هو قِسْمَةٌ بأن الخَطَأُ فيها، فأشْبَهَ ما لو قَسَم أرْضًا بينَ شُرَكاءَ، ثم ظَهَر شَرِيكٌ آخَرُ، أو قَسَم المِيراثَ، ثم ظَهَر وارِثٌ سِواه.
فصل: ولو أفْلَسَ وله دارٌ مُسْتَأْجَرَةٌ، فانْهَدَمَتْ بعدَ قَبْضِ المُفْلِسِ الأُجْرَةَ، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ فيما بَقِيَ مِن المُدَّةِ، وسَقَط مِن الأُجْرَةِ بقَدْرِ

..................................  ذلك، ثم إن وَجَد عَينَ مالِه، أخَذَ منه بقَدْرِ ذلك، وإن لم يَجِدْه، ضَرَب مع الغُرَماءِ بقَدْرِه.
وإن كان ذلك بعدَ قَسْمَ مالِه، رَجَع على الغُرَماءِ بحِصَّتِه؛ لأنَّ سَبَبَ وُجُوبِه قبلَ الحَجْرِ، وكذلك 1 يُشارِكُهم إذا وَجَب قبلَ القِسْمَةِ.
ولو باع سِلْعَةً وقَبَض ثَمَنَها ثم أفْلَسَ، فوَجَدَ بها المُشْتَرِي عَيبًا، فرَدَّها به، أو رَدَّها بخيارٍ أو اخْتِلافٍ في الثَّمَنِ ونحوه، ووَجَد عَينَ مالِه، أخَذَها؛ لأنَّ البَيعَ لَمّا انْفَسَخَ زال مِلْكُ المُفْلِسِ عن الثَّمَنِ، كزَوالِ مِلْكِ المُشْتَرِي عن المَبِيعِ، وإن كان بعدَ تَصَرُّفِه فيه، شارَكَ [المُشْتَرِي الغُرَماءَ] 2.

وَإنْ بَقِيَتْ عَلَى الْمُفْلِسِ بَقِيَّةٌ، وَلَهُ صَنْعَةٌ، فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى إيجَارِ نَفْسِهِ لِقَضَائِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

1930 - مسألة: (وإنْ بَقِيَتْ على المفْلِسِ بَقِيَّةٌ، وله صَنْعَةٌ، فهل يُجْبَرُ على إيجارِ نَفْسِه لقَضائِها؟ على رِوايَتَين)

إحْداهُما، لا يُجْبَرُ.
وهو قولُ مالِكٍ، والشافعيِّ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ 1. ولِما روَى أبو سعيدٍ، أنَّ رجلًا أُصِيبَ في ثِمارٍ ابْتَاعَها، فكَثُرَ دَينُه، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «تَصَدَّقُوا عَلَيهِ».
فتَصدَّقُوا عليه، فلم يَبْلُغْ وَفاءَ دَينِه، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ».
رَواه مسلمٌ 2. ولأنَّه تَكَسُّبٌ للمالِ، فلم يُجْبَرْ عليه، كقَبُولِ الهِبَةِ

..................................  والصَّدَقَةِ، وكما لا تُجْبَرُ المرأةُ على التَّزْويجِ لتَأْخُذَ المَهْرَ.
والثانيةُ، يُجْبَرُ على الكَسْبِ.
وهو قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ، [وسَوّارٍ العَنْبَرِيِّ] 1، وإسحاقَ؛ لِما رُويَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - باع سُرَّقًا 2 في دَينِه، وكان سُرَّق دَخَل المَدِينَةَ وذَكَر أنَّ وراءَه مالًا، فدايَنَه النّاسُ، فرَكِبَتْه دُيُونٌ، ولم يَكُنْ وراءَه مالٌ، فسَمّاه سُرَّقًا، وباعَه بخَمْسَةِ أبْعِرَةٍ.
رَواه الدّارَقُطْنِي بمَعْناه 3 مِن رِوايَةِ [مُسْلِمِ بنِ خالِدٍ الزَّنْجِيِّ] 4، إلَّا أنَّ فيه كَلامًا.
والحُرُّ لا يُباعُ، ثَبَت أنَّه باعَ مَنافِعَه.
ولأنَّ المَنافِعَ تَجْرِى مَجْرَى الأعْيانِ في صِحَّةِ العَقْدِ عليها وتَحْرِيمِ أخْذِ الزكاةِ وثُبُوتِ الغِنَى بها، فكذلك في وَفاءِ الدَّينِ منها.
ولأنَّ الإِجارَةَ عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فجاز إجْبارُه عليه، كبَيعِ مالِه.
ولأنَّها إجارةٌ لِما يَمْلِكُ إجارَتَه، فيُجْبَرُ عليها

..................................  لوَفاءِ دَينِه، كإجارَةِ أُمِّ وَلَدِه.
فإن قِيلَ: حديثُ سُرَّقٍ مَنْسُوخٌ، لأنَّ الحُرَّ لا يُباعُ، والبَيعُ وَقَع على رَقَبَتِه، بدَلِيلِ أنَّ في الحديثِ أنَّ الغُرَماءَ قالُوا لمُشْتَرِيه: ما تَصْنَعُ به؟ قال: أعْتِقُه.
قالوا: لَسْنا بأزْهَدَ منك في إعْتاقِه.
فأعْتَقُوه.
قُلْنا: هذا إثْباتُ نَسْخٍ بالاحْتِمالِ، ولا يَجُوزُ، ولم يَثْبُتْ أنَّ بَيعَ الحُرِّ كانَ جائِزًا في شَرِيعَتِنا، وحَمْلُ بَيعِه على بيعِ مَنافِعِه أسْهَلُ مِن حَمْلِه على بَيعِ رَقَبَتِه المُحَرَّمِ، فإنَّ.
حَذْفَ المُضافِ وإقامَةَ المُضافِ إليه كَثيرٌ في القُرْآنِ، وفي كَلام العَرَبِ، كقَوْلِه تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ 1. ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ 2. وغيرِ ذلك.
وكذلك قَوْلُه: أعْتِقُه.
أي من حَقِّي عليه.
يَدُلُّ على ذلك قَوْلُه: فأعْتَقُوه.
يَعْنِي الغُرَماءَ، وهم لا يَمْلِكُون إلَّا الدَّينَ الذي عليه.
وأمّا قَوْلُه تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾.
فيُمْكِنُ مَنْعُ دُخُولِه تحتَ عُمُومِها، لِما ذَكَرْنا مِن أنَّه في حُكْمِ الأغْنِياءِ 3 في حِرْمانِ الزكاةِ، وسُقُوطِ نَفَقَتِه عن قَرِيبِه، ووُجُوبِ نَفَقَةِ قَرِيبِه عليه.
وحَدِيثُهم قَضِيَّةُ عَين لا يَثْبُتُ حُكْمُها إلَّا في مِثْلِها،

..................................  ولم يَثْبُتْ أنَّ لذلك الغَرِيمِ كَسْبًا يَفْضُلُ عن قدْرِ نَفَقَتِه.
أمّا قَبُولُ الهَدِيَّةِ والصَّدَقَةِ، فمَضَرَّةٌ تَأْباها قُلُوبُ ذَوى المُرُوءَاتِ؛ لِما فيهِا مِن المِنَّةِ.
فعلى هذا، لا يُجْبَرُ على الكَسْبِ إلَّا مَن كَسْبُه يَفْضُلُ عن نفَقَتِه ونَفَقَةِ مَن تَلْزَمُه نَفَقَتُه؛ لِما تَقَدَّمَ.
فصل: ولا يُجْبَرُ على قَبُولِ صَدَقَةٍ، ولا هَدِيَّةٍ، ولا وَصِيَّةٍ، ولا قَرْضٍ، ولا المَرأةُ على التَّزْويجَ؛ ليَأْخُذَ مَهْرَها؛ لأنَّ في ذلك ضَرَرًا؛ للُحُوقِ 1 المِنَّةِ في الهَدِيَّةِ والصَّدَقَةِ والوَصِيَّةِ، والعِوَضِ في القَرْضِ، ومِلْكِ الزَّوْجِ للمرأةِ في النِّكاحِ، ووُجُوبِ حُقُوقِه عليها.
ولو باع بشَرْطِ الخِيارِ، ثم أفْلَسَ، فالخِيارُ بحالِه، ولا يُجْبَرُ على ما فيه الحَظُّ مِن الرَّدِّ والإِمْضاءِ؛ لأنَّ الفَلَسَ يَمْنَعُه مِن إحْداثِ عَقْدٍ، أمّا مِن إمْضائِه وتَنْفِيذِ عُقُودِه فلا.
فصل: وإن جُنِىَ على المُفْلِسِ جِنَايَةٌ تُوجِبُ المال، ثَبَت، وتَعَلَّقَتْ حُقُوقُ الغُرَماءِ به، ولا يَصِحُّ عَفْوُه، فإن كانت مُوجِبَةً للقِصاصِ، فهو مُخَيَّرٌ بينَ القِصاصِ والعَفْو، ولا يُجْبَرُ على العَفْو على مالٍ؛ لأنَّ ذلك يُفَوِّتُ القِصاصَ الذي يَجِبُ لمَصْلَحَةِ الزجرِ.
فإنِ اقْتَصَّ، لم يَجِبْ للغُرَماءِ شيءٌ، وإن عَفا على مالٍ، ثَبَت، وتَعَلَّقَ به حُقُوقُ الغُرَماءِ.
وإن عَفا مُطْلَقًا، انْبَنَى على الروايَتَين في مُوجَبِ العَمْدِ، إن قُلْنا: القِصاصُ

وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ إلا بِحُكْمِ حَاكِمٍ،  خاصَّةً.
لم يَثْبُتْ شيءٌ.
وإن قُلْنا: أحَدُ أمْرَينِ.
وَجَبتِ (1) الدِّيَةُ، وتَعَلَّقَتْ بها حُقُوقُ الغُرَماءِ.
وإنْ عَفا على غيرِ مالٍ، وقُلنا: القِصاصُ هو الواجِبُ عَيْنًا.
لم يَثْبُتْ شيءٌ.
وإنْ قُلْنا: أحَدُ الأمْرَينِ.
ثَبَتَتِ الدِّيَةُ، ولم يَصِحَّ إسْقاطُه؛ لأنَّ عَفْوَه عن القِصاصِ يُثْبِتُ له الدِّيَةَ، ولا يَصِحُّ إسْقاطُها.
وإن وَهَب هِبَةً بشَرْطِ الثَّوابِ، ثم أفْلَسَ، فبُذِل له الثَّوابُ، لَزِمَه قَبُولُه، ولم يكُنْ له إسْقَاطُه، لأنَّه أخَذَه على سَبِيلِ العِوَضِ عن المَوْهُوبِ، [فلَزِمَه قَبُولُه] (2)، كالثَّمَنِ في المَبِيعِ.
وليس له إسْقاطُ شيءٍ مِن ثَمَنِ مَبِيعٍ، أو أُجْرَةٍ في (3) إجارَةٍ، ولا قَبْضُه رَدِيئًا، ولا قَبْضُ المُسْلَمِ فيه دُونَ صِفاتِه، إلَّا بإذْنِ (4) غُرَمائِه.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلَ على نحو ما ذَكَرْنا.

1931 -

مسألة: (ولا يَنْفَكُّ عنه الحَجْرُ إلَّا بحُكْمِ حاكِمٍ)

لأنَّه ثَبَت بحُكْمِه، فلا يَزُولُ إلَّا بحُكْمِه، كالمَحْجُورِ عليه لسَفَهٍ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَزُولُ بقِسْمَةِ مالِه؛ لأنَّه حُجِر عليه لأجْلِه، فإذا زال مِلْكُه عنه،1234

..................................  زال سَبَبُ الحَجْرِ، فزال الحَجْرُ، كزَوال حَجْرِ المَجْنُونِ لزوالِ جُنُونِه.
والأوَّلُ أوْلَى، وفارَقَ الجُنُونَ، فإنَّه يَثْبُتُ 1 بنَفْسِه، فزال بزَوالِه، بخِلافِ هذا، ولأنَّ فَراغَ مالِه يَحْتَاجُ إلى مَعْرِفَةٍ وبَحْثٍ، فوَقَفَ ذلك على الحاكِمِ، بخِلافِ الجُنُونِ.
فصل: وإذا فُكَّ الحَجْرُ عنه، فليس لأحَدٍ مُطَالبَتُه، ولا مُلازَمَتُه، حتى يَمْلِكَ مالًا، فإن جاء الغُرَماءُ عَقِيبَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، فادَّعَوْا أنَّ له مالًا، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنةٍ، فإن جاءُوا بعدَ مُدَّةٍ، فادَّعَوْا أنَّ في يَدِه مالًا، أو ادَّعَوْا ذلك عَقِيبَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، وبَيَّنُوا سَبَبَه، أحْضَرَه الحاكِمُ وسَألَه، فإن أنْكَرَ، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه؛ لأنَّه ما فُكَّ الحَجْرُ عنه حتى لم يَبْقَ له شيءٌ، وإن أقَرَّ، وقال: هو لِفلانٍ وأنا وَكِيلُه.
أو مُضَارِبُه.
وكان المُقَرُّ له حَاضِرًا، سَألَه الحَاكِمُ، فإن صَدَّقَه، فهو له، ويَسْتَحْلِفُه الحاكمُ؛ لجَوازِ أن يكونا تَواطَآ على ذلك؛ ليَدْفَعَ المُطالبَةَ عن المُفْلِسِ.
وإن لم يُصَدِّقْه عَرَفْنا كَذِبَ المُفْلِسِ، فيَصِيرُ كأنَّه أقَرَّ أنَّ المال له 2، فيُعادُ الحَجْرُ عليه إن طَلَب الغُرَماءُ ذلك.
فإن أقَرَّ لغائِبٍ، أُقِرَّ في يَدَيه حتى يَحْضُرَ الغائِبُ، ثم يُسْألَ، كما حَكَمْنا في الحاضِرِ.

جارٍ التحميل