وَصَلَاحُ بَعْضِ ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ صَلَاحٌ لِجَمِيعِهَا.
وَهَلْ يَكُونُ صَلَاحًا لِسَائِرِ النَّوْعِ الَّذِي فِي الْبُسْتَانِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
1718 - مسألة: (وصَلاحُ بَعْض ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ صَلاح لجَمِيعِها)
لا يَخْتَلِفُ المذهبُ 1 فيه، فيُبَاحُ بَيعُ جَمِيعِها بذلك.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
(وهل يكونُ صَلاحًا لسائِرِ النَّوْعَ الذي في البُسْتَانِ؟ على رِوَايَتَينِ) أظْهَرُهما، أنّه يكونُ صَلاحًا، فيَجُوزُ بَيعُه.
وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، ومُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ، قِياسًا على الشَّجَرَةِ الواحِدَةِ، ولأنَّ اعْتبارَ الصّلاحِ [في الجميعِ] 2 يَشُقُّ، ويُؤدّي إلى الاشْتِرَاكِ واخْتِلافِ الأيدِي، فوَجَبَ أنْ يَتْبَعَ ما لم يَبْدُ صَلاحُه من نَوْعِه لِما بَدَا، كالشَّجَرةِ الواحِدَةِ.
والثانِيَةُ، لا يكونُ صَلَاحًا، ولا يَجُوزُ بَيعُ إلَّا ما بَدا صَلاحُه؛ لأنه لم يَبْدُ صَلاحُه، فلم يَجُزْ بَيعُه؛ لعُمُوم النهْيِ، ولأنه لم يَبْدُ صَلاحُه، فلم يَجُزْ بَيعُه، كالذي في البُسْتَانِ الآخرِ.
..................................
فصل: فأمّا النَّوْعُ الآخَرُ من ذلك الجِنسِ، فقال القاضِي: لا يَجُوزُ بَيعُه.
وهو أحَدُ الوَجْهَينِ لأصْحَابِ الشّافِعِيِّ.
وقال محمّدُ بنُ الحَسَنِ: ما كان مُتَقَارِبَ الإِدْرَاكِ، فبُدُوُّ صَلاحِ بَعْضِ يَجُوزُ به بَيعُ جَمِيعِه، وما يَتَأخَّرُ تَأخُّرًا كَثِيرًا فلا نُجَوِّزُه في الباقِي.
وقال أبو الخَطّابِ: يَجُوزُ بَيعُ ما في البُسْتَانِ من ذلك الجِنْسِ.
وهو الوَجْهُ الثانِي لأصْحابِ الشّافِعِيِّ؛ لأن الجِنْسَ الواحِدَ يُضَمُّ بَعْضُه إلى بَعْض في إكْمالِ النِّصَابِ، فيَتْبَعه في جَوازِ البَيعِ، كالنَّوْعِ الواحِدِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ النَّوْعَينِ قد يَتَبَاعَدُ إدْرَاكُهما، فلم يَتْبَعْ أحَدُهما الآخرَ في بُدُو الصَّلاحِ، كالجِنْسَينِ.
ويُخالِفُ الزَّكَاةَ؛ فإنَّ القَصْدَ هو الغِنَى من جِنْسِ ذلك المالِ، لتَقَارُبِ مَنْفَعَتِه، وقِيامِ كُلِّ نَوْعٍ مَقامَ النَّوْعِ 1 الآخَر في المقْصُودِ.
والمَعْنَى ههُنا هو تَقارُبُ إدْرَاكِ أحَدِهما من الآخَر، ودَفْعُ الضَّرَرِ الحاصِلِ بالاشتِراكِ واخْتِلافِ الأيدِي، ولا يَحْصُلُ ذلك في النَّوْعَينِ، فصارَ في هذا كالجِنْسَينِ.
..................................
فصل: فأمّا النَّوْعُ الواحِدُ من بُسْتانَيْن 1، فلا يَتْبَعُ أحَدُهما الآخَرَ في جَوازِ بَيعِ أحدِهِما بِبُدُوِّ صَلاحِ الآخرِ، سواءٌ كانا مُتَجاورَينِ أو مُتَباعِدَينِ.
وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وحُكِيَ عن أحمدَ، أنَّ بُدُوَّ الصَّلاحِ في شَجَرَةٍ من القَراح 2 صَلَاح له ولِما قارَبَه.
وبهذا قال مالِك، لأنَّهُما يَتَقَارَبَانِ في الصَّلَاحِ، فأشْبَها 3 القَراحَ الواحِدَ، ولأنَّ المَقْصُودَ الأَمْنُ
..................................
من العاهةِ، وقد وُجِدَ.
والأوَّلُ المَذْهَبُ؛ لأنَّه إنَّما جَعَلَ ما لم يَبْدُ صَلاحُه بمَنْزِلَةِ ما بَدَا، دَفْعًا لضرَرِ الاشْتِراكِ واخْتِلافِ الأيدِي، وإلَّا فالأصْلُ اعْتِبارُ كُلِّ شيءٍ بنَفْسِه 1، والذي في القَراحِ الآخَر لا يُوجَدُ فيه هذا الضَّرَرُ، فوَجَبَ أنْ لا يَتْبَعَ الآخَرَ، كما لو تَبَاعَدَا.
فإن بَدَا صَلاحُ النَّوْعِ الواحِدِ، فأفْرَدَ بالبَيعِ ما لم يَبْدُ صَلاحُه من بَقِيَّةِ النَّوْعِ من ذلك البُسْتانِ، لم يَجُزْ؛ لدُخُولِه تَحْتَ عُمُومِ النَّهْي، وتَعَذُّرِ قِيَاسِهِ على الصُّورَةِ المَخْصُوصَةِ من العُمُومِ، وهي إذا باعَه مع 2 مما بَدَا صلاحُه؛ لأنه دخلَ في البَيعِ تَبَعًا، دَفْعًا لمَضَرَّةِ الاشْتِرَاكِ، ولا يُوجَدُ ذلك ههُنا، ولأنَّه قد يَدْخُلُ في البَيعِ تَبَعًا ما لا يَجُوزُ إفْرادُه، كالثَّمَرَةِ تُباعُ مع الأصلِ، والزرْعِ مع 3 الأرْضِ.
ويَحْتَمِلُ الجَوازَ؛ لأنَّ الكُلَّ في حُكْمِ ما بَدَا صَلَاحُه، فأشْبَهَ بَيعَه معه، وكما لو أفْرَدَ بالبَيعِ ما بَدا صَلاحُه.
وَبُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي ثَمَرِ النَّخْلِ أنْ يَحْمَرَّ أوْ يَصْفَرَّ، وَفِي الْعِنَبِ أنْ يَتَمَوَّهَ، وَفِي سَائِرِ الثَّمَرِ أن يَبْدُوَ فِيهِ النُّضْجُ، وَيَطِيبَ أكْلُهُ.
1719 - مسألة: (وبُدُو الصَّلَاحِ في ثَمَرِ النَّخْلِ أنْ يَحْمَرَّ أو يَصْفَرَّ، وفي العِنَبِ أنْ يَتَمَوَّه، وفي سائِرِ الثَّمَرِ أنْ يَبْدُوَ فيه النُّضْجُ، ويَطِيبَ أكلُه)
وجُمْلَةُ ذلك، أنّ ما كانَ من الثَّمَرِ يَتَغَيَّرُ لَوْنُه عندَ صَلاحِه، كثَمَرَةِ
..................................
النَّخْلِ، والعِنَبِ غيرِ الأبْيَضِ، والإِجَّاصِ، فبُدُوُّ صَلاحِه بذلك.
وإن كان العِنَبُ أبيَضَ، فصَلَاحُه بتَمَوُّهِهِ؛ وهو أنْ يَبْدُوَ فيه الماءُ الحُلْوُ، ويَلِينَ، ويَصْفُوَ لَوْنُه، وإن كان ممّا لا يَتَلَوَّنُ، كالتُّفَّاحِ ونحوه، فبأنْ يَحْلُوَ ويَطِيبَ، وإنْ كان بِطِّيخًا أو نحوَه، فبأنْ يَبْدُوَ فيه النُّضْجُ.
وإنْ كان ممّا لا يَتَغَيَّرُ لَوْنُه، ويُؤكَلُ طَيِّبًا [صِغَارًا وكِبارًا] 1، كالقِثّاءِ والخِيارِ، فصلَاحُه بلُوغُه أنْ يُؤكَلَ عادَةً.
وقال القاضِي، وأصْحابُ الشّافِعِي: بلُوغُه تَنَاهِي عِظَمِه.
وما قُلْنَاهُ أشْبَهُ بصَلاحِه ممّا قالُوه، فإنّ بُدُوَّ صَلاحِ الشيءِ ابْتِداوه، وتَنَاهِيَ عِظَمِه آخِرُ صَلاحِه.
ولأنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ في الثَّمَرِ يَسْبِقُ حال الجِذَاذِ، فلا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ بُدُوُّ صلاحِه فيما يُقاسُ عليه بسَبْقِه قَطْعَه عادَةً.
وما قُلْنا في هذا الفَصْلِ فهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وكثير من أهلِ العِلْمِ، أو مُقارِبٌ له.
وقال عَطاء: لا يُباعُ حتى يُؤكَلَ مِن الثَّمَرِ قَلِيل أو كَثِير.
ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ، وابنِ عَبّاس.
ولعَلَّهُم أرَادُوا صَلاحَهُ
..................................
للأكلِ، فَيَرْجِعُ مَعْناهُ إلى ما قُلْنَا؛ فإنّ ابنَ عَبّاس قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيعِ النَّخْلِ حتى يَأكلَ منه، أو يُؤكَلَ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وإنْ أرادُوا حَقِيقَةَ الأكْلِ، [كان ما ذَكَرْنا أوْلَى؛ لأنَّ ما رَوَوْه يَحْتَمِلُ صلاحَه للأكلِ] 2، فيُحْمَلُ على ذلك، مُوافَقَة لأكْثَرِ الأخْبارِ، وهو ما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنّه نَهَى عن بَيعِ الثَّمَرِ حتى يَطِيبَ.
مُتَّفَق عليه 3. ونَهَى أنْ يُباعَ الثَّمَرُ حتى يَزْهُوَ.
قيل: وما يَزْهُو؟ قال:
فَصْلٌ: وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِع، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ.
«يَحْمَارُّ أو يَصْفَارُّ».
رَواهُ البُخَارِيُّ (1). ونَهَى عن بَيعِ العِنَبِ حتى يَسْوَدَّ.
رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وابنُ ماجَه (2). والأحَادِيثُ في هذا كَثِيرَة، كُلُّها تَدُلُّ على هذا المَعْنَى.
واللهُ أعلمُ.
1720 -
مسألة: (ومَنْ باعَ عَبْدًا، وله مال، فمالُه للبَائِعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَه المُبْتَاعُ)
إذا باعَ عَبْدَه أو أمَتَهُ، وله مال مَلَّكَهُ إيّاهُ أو خَصَّه به، فهو للبائِعِ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «مَنْ باعَ عَبْدًا وله مالٌ، فمالُه للبائِعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَه المُبْتَاعُ».
رَواهُ مسلمٌ وغيرُه 3. ولأنَّ العَبْدَ ومَاله للبائِعِ، فإذا باعَ العَبْدَ اخْتَصَّ البَيعُ به دُونَ غَيرِه، كما لو كان له عَبْدانِ، فباعَ أحَدَهما.
وإنِ اشْتَرَطَه المُبْتَاعُ كان له؛ للخَبَرِ.
رُوِيَ ذلك عن عمرَ بنِ الخَطّابِ.
وقَضَى به شُرَيحٌ.
وبه قال مالِكٌ، والشّافِعِي، وإسحاقُ.12
فَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ الْمَال، اشْتُرِطَ عِلْمُهُ وَسَائِرُ شُرُوطِ الْبَيع وَإنْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ الْمَال، لَمْ يُشْتَرَطْ.
1721 - مسألة: (فإنْ كان قَصْدُه المال، اشْتُرِطَ عِلْمُه وسائِرُ شُروطِ البَيعِ، وإنْ لم يَكُنْ قَصْده المال، لم يُشْتَرَطْ عِلْمه)
إذا اشْتَرَى عَبْدًا واشْتَرَطَ ماله، وكان المالُ مَقْصُودًا بالشِّراءِ، صَحَّ اشْتِرَاطُه؛ للخَبَرِ، ويُشْتَرَط أنْ يوجَدَ فيه شَرائِطُ البَيعِ، من العِلْمِ به، وألا يكُونَ بَينَه وبينَ الثَّمَنِ رِبًا، كما يعْتَبَر ذلك في العَينَينِ المَبِيعَتَين؛ لأنه مَبِيع مَقْصُودٌ، فأشْبَهَ ما لو ضَمَّ إلى العَبْدِ عَينًا أخْرَى وباعَهُما.
وإنْ لم يكُنْ قَصْدُهُ المال، صَحَّ
..................................
شَرْطُه، وإن كان مَجْهُولًا.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ، والبَتِّيِّ.
وسواء كان المالُ من جِنْسِ الثَّمَنِ أو من غيرِ جنْسِه، عَينًا كان أو دَينًا، وسواءٌ كان مثلَ الثَّمَنِ أو أقلَّ أو أكثَرَ.
قال البَتِّيُّ: إذا باعَ عبدًا بألْفِ دِرْهَم، ومعه ألفُ دِرْهَم، فالبَيعُ جائِز إذا كان رَغْبَةُ المُبْتَاعِ في العَبْدِ، لا في الدَّرَاهِمِ؛ وذلك لأنَّه دَخَلَ في البَيعِ تَبَعًا غيرَ مَقْصُودٍ، فأشْبَهَ أسَاسَاتِ الحِيطانِ، والتَّمْويه بالذَّهَبِ في السُّقُوفِ.
وقال القاضِي: هذا يَنْبَنِي على كَوْنِ العَبْدِ يَمْلِكُ أو لا يَمْلِكُ.
فإن قُلْنا: لا يَمْلِكُ.
فاشْتَرَطَ المُشْتَرِي مَالهُ، صارَ مَبِيعًا معه، فاشْتُرِطَ فيه ما يُشْتَرَطُ
..................................
في سائِرِ المَبِيعاتِ.
وهو مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ.
وإنْ قُلْنا: يَمْلِكُ.
احْتَمَلَتْ فيه الجَهالةُ وغَيرُها ممّا ذَكَرْنا مِن قبلُ، أنّه بِيعَ تَبَعًا، فهو كطَيِّ الآبارِ.
وهذا خِلافُ نَصِّ أحمدَ، والخِرَقيِّ، فإنَّهُما جَعَلَا الشَّرْطَ الذي يَخْتَلِفُ الحُكْمُ به قَصْدَ المُشْتَرِي دونَ غيرِه.
قال شَيخُنا 1: وهو أصحُّ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، واحْتِمالُ الجَهالةِ فيه؛ لكَوْنِه غيرَ مَقْصُودٍ، كاللَّبَنِ في الضَّرْعِ، والحَمْلِ في البَطْنِ، وأشْباهِ ذلك، فإنّه مَبِيع، ويَحْتَمِلُ فيه الجَهالةَ وغيرَها؛ لما ذَكَرْنا.
وقد قيلَ: إنّ المال ليس بمَبِيع ههُنا، وإنّما اسْتَبْقَاهُ المُشْتَرِي علي مِلْكِ العَبْدِ، لا يَزُولُ عنه إلى البائِعِ.
وهو قَرِيب من الأولِ.
فصل: وإذا اشْتَرَطَ مال العَبْدِ في الشِّرَاءِ، ثم رَدَّه بإقَالةٍ [أو خِيَار] 2 أو عَيب، رَدّ ماله.
وقال دَاوُدُ: يَردُّه دونَ مالِه؛ لأنَّ مَالهُ لم يَدْخُلْ [في البَيعِ] 3، فأشْبَهَ النَّماءَ الحادِثَ عندَه.
ولَنا، أنّه عَينُ مالٍ أخَذَها
..................................
المُشْتَرِي، لا تَحْصُلُ بدُونِ البَيعِ، فيَرُدُّها بالفَسْخِ، كالعَبْدِ، ولأنَّ العَبْدَ إذا كان ذا مالٍ كانت قِيمَتُه أكثرَ، فأخذُ مالِه يَنْقُصُ قِيمَتَه، فلم يَمْلِكْ رَدَّهُ حتى يَدْفَعَ ما يُزِيلُ نَقْصَه.
فإن تَلِفَ مالُه، فأرادَ رَدَّه، فهو بمَنْزِلَةِ العَيبِ الحادِثِ، هل يَمْنَعُ الرَّدَّ؟ على رِوَايَتَينِ.
فإن قُلْنا بالرَّدِّ، فعليه قِيمَةُ ما تَلِفَ عندَه.
قال أحمدُ في رجُلٍ اشترَى أمَةً معها قِنَاعٌ، فاشترَطَه، وظَهَرَ على عَيبٍ، وقد تلف القِنَاعُ: غَرِمَ قِيمَتَه بحِصَّتِه من
فَإِنْ كَانَ عَلَيهِ ثِيَابٌ، فَقَال أحْمَدُ: مَا كَانَ للْجَمَالِ، فَهُوَ لِلْبَائِع وَمَا كَانَ لِلُّبْسِ الْمُعْتَادِ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي.
الثَّمَنَ.
1722 -
مسألة: (فإنْ كان عليه ثِيابٌ، فقال أحمدُ: ما كَانَ للجَمالِ، فَهُوَ للبائِعِ، وما كان لِلُّبْسِ المُعْتَادِ، فهو للمُشْتَرِي)
إذا كان على العَبْدِ أو الجارِيَةِ حَلْيٌ، فهو بمَنْزِلَةِ مالِه، على ما ذَكَرْنا.
فأمّا الثيابُ، فقال أحمدُ: ما كان يَلْبَسُه عندَ البائِعِ، فهو للمُشْتَرِي، وإنْ كانت ثِيابًا يَلْبَسُها فوقَ ثِيابِه، أو شَيئًا يُزَينه به، فهو للبائِعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَه المُبْتَاعُ.
وإنّما كان كذلك؛ لأنَّ ثِيابَ البِذْلَةِ جَرَتِ العادَةُ بِبَيعِها معه، ولأنها تَتَعَلَّقُ بها [حاجَتُه ومَصْلَحَتُه، فَجَرَت مَجْرَى مَفَاتِيحِ الدَّارِ، بخِلافِ ثيابِ الجَمَالِ، فإنَّها زِيَادَةٌ على العَادَةِ، ولا تَتَعَلَّقُ بها] 1 حاجَةُ العَبْدِ، وإنَّما يُلْبِسُها إيَّاه لِيُنْفِقَه بها، وهذه حاجَةُ السَّيِّدِ لا حاجَةُ العَبْدِ، ولم تَجْرِ
..................................
العادَةُ بالمُسامَحَةِ فيها، فجَرَتْ مَجْرَى السُّتُورِ في الدّارِ، والدَّابَّةِ التي يُرْكِبُهُ عليها.
وقال ابنُ عمرَ: من باعَ وَلِيدَةً زَيَّنَهَا بثيَابٍ، فللذي اشْتَراها ما عليها، إلَّا أنْ يَشتَرِطَه الذي باعَها 1. وبه قال الحَسَنُ، والنَّخعِيُّ.
ولَنا، الخَبَرُ المَذْكُورُ، ولأن الثيابَ لم يَتَناوَلْها لفظُ البَيعِ، ولا جَرَتِ العادَةُ بِبَيعِها معه، أشبَهَ سائِرَ مالِ البائِعِ.
ولأنه زِينَةٌ للمَبِيعِ، أشبَهَ ما لو زَيَّنَ الدّارَ ببُسُطٍ أو سُتُور، والله أعْلَمُ.
بَابُ السَّلَمِ
وَهوَ نَوْعٌ مِنَ الْبَيعِ، يَصِحُّ بِأَلْفَاظِهِ وبِلَفْظِ السَّلَمِ وَالسَّلَفِ.
باب السَّلَمِ
وهو أنْ يُسْلِفَ 1 عَينًا حاضِرَةً في عِوَضٍ مَوْصوفٍ في الذِّمة إلى أجلٍ، ويُسَمَّى سَلَفًا، وسَلَمًا.
يقالُ: أسلَمَ، وأسْلَفَ.
(وهو نوْعٌ منِ البَيعِ) [يَنْعَقِدُ بما يَنْعَقِدُ به البَيعُ] 2، ويَنْعَقِدُ بلَفْظِ السَّلَفِ والسَّلَمِ؛ لأنها 3 حَقِيقَةٌ فيه.
ويُشْتَرُط له ما يُشْتَرَطُ للبَيعِ، إلَّا أنّه يَجُوزُ في المَعْدومِ.
والأصْلُ في جَوازِه الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمّا الكِتابُ،
وَلَا يَصِحُّ إلا بِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ؛ أحَدُهَا، أن يَكُونَ فِيمَا يُمْكِنُ ضَبْطُ
فقَوْلُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (1). قال ابنُ عَبّاس: أشْهَدُ أنَّ السَّلَفَ المَضْمُونَ إلى أجَل مُسَمًّى قد أحَلَّهُ اللهُ في كِتابِه وأذِنَ فيه.
ثم قَرَأ هذه الآيَةَ.
رَواهُ سَعِيد (2). وأنّ اللَّفْظَ يَشْمَلُه بعُمُومِه.
وأمّا السُّنَّةُ، فرَوَى ابنُ عَبّاس، أنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَدِمَ المَدِينَةَ وهم يُسْلِفُونَ في الثِّمارِ السَّنَتَينِ والثَّلاثَ، فقال: «مَنْ أسْلَفَ في شيء فلْيُسْلِفْ فِي كَيل مَعْلُوم، وَوَزْنٍ مَعْلُوم، إلى أجَل مَعْلُوم».
مُتَّفَق عليه (3). وأمّا الإِجْماعُ، فقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ على أنَّ السَّلَمَ جائِز.
1723 -
مسألة: (ولا يَصِحُّ إلَّا بشُرُوطٍ سَبْعَةٍ، أحَدُها، أنْ
123
صِفَاتِهِ، كَالْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ، وَالْمَذْرُوعِ.
يَكُونَ ممّا يُمكِنُ ضَبْطُ صِفَاتِه) التي يَخْتَلِف الثمَنُ باخْتِلافِها ظاهِرًا (كالمَكِيل) من الحُبُوبِ [وغيرِها] 1 (والمَوْزُونِ) كالقُطْنِ، والإِبرِيسَمِ، والكَتَّانِ، والعِنَبِ 2، والصُّوفِ، والشعَرِ 3، والكاغدِ 4، والحَدِيدِ، والصُّفْرِ، والنُّحاسِ، والطِّيبِ، والأدهانِ، والخُلُولِ، وكُلِّ مَكِيل أو مَوْزُونٍ، (و) كذلك (المذرُوعُ) 5 كالثِّيابِ، وقد جاءَ الحَدِيثُ في الثِّمارِ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ السَّلَمَ في الطَّعامِ جائِزٌ.
فأمَّا الْمَعْدُودُ الْمُخْتَلِفُ؛ كَالْحَيَوَانِ، وَالْفَوَاكِهِ، وَالْبُقُولِ، وَالْجُلُودِ، وَالرُّءُوسِ، وَنَحوها، فَفِيه رِوَايَتَانِ.
1724 - مسألة: (فأمّا المَعدُودُ المُخْتَلِفُ؛ كالحَيَوانِ، والفَواكِهِ، والبُقُولِ، والجُلُودِ، والرُّءُوسِ، ونحوها، ففيه رِوَايَتَان)
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في السَّلَمِ في الحَيَوانِ، فرُويَ، أنّه لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه.
وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرّأي.
ورُوِيَ ذلك عن عمرَ، وابنِ مَسْعُودٍ، وحُذَيفَةَ، وسَعِيدِ جُبَير، والشَّعبِيِّ.
قال عمرُ، رضيَ اللهُ عنه: إنَّ من الرِّبَا أبوابًا لا تَخْفى، وإنَّ منها السَّلَمَ في السِّنِّ 1. ولأنَّ الحَيَوانَ يَخْتَلِف خْتِلافًا مُتَبايِنًا، فلا يُمكِنُ ضَبْطُه.
وإنِ اسْتَقْصَى صِفاتِه التي يَخْتَلِفُ بها الثمَنُ، مثلَ: أزَجُّ الحاجِبَينِ 2، أكْحَلُ العَينَينِ، أقْنَى الأنْفِ 3، أهْدَبُ الأشْفَارِ 4، ألْمَى الشَّفَةِ 5. تَعَذَّرَ تَسْلِيمُه؛ لنُدرَةِ
..................................
وجُودهِ على تلك الصِّفَة، وإنْ لم يَذْكُرها اخْتَلَفَ بها الثَّمَنُ ظاهِرًا.
والمَشْهُورُ في المَذْهبِ صِحَّةُ السَّلَمِ فيه.
نصّ عليه أحمدُ في رِوَايَةِ الأثرَمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: وممَّنْ رَوَينَا عنه أنَّه لا بَأسَ بالسَّلَمِ في الحَيَوانِ؛ ابنُ مَسْعُودٍ، وابنُ عَبّاسٍ، وابنُ عمرَ، وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحَسَنُ، والشَّعبِيُّ، ومُجاهِدٌ، والزُّهْريُّ، والأوْزاعِيُّ، والشّافِعِيُّ، وإسحاق، وأبو ثَوْرٍ.
لأنَّ أبا رافِع قال: اسْتَسْلَفَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ رَجُل بَكْرًا.
رَواهُ مُسْلِمٌ 1. وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ، قال: أمَرَنِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنْ أبتَاعَ البَعِيرَ بالبَعِيرَينِ وبالأبعِرَةِ إلى مَجِئِ الصَّدَقَةِ 2. رَواهُ أبو
..................................
دَاوُدَ 1. ولأنّه يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ صَدَاقًا، فيَثْبُتُ في السَّلَمِ، كالثِّيابِ.
فأمّا حَدِيثُ عمرَ، فلم يَذْكُرهُ أصحابُ الاخْتِلافِ، ثمّ هو مَحمُول على أنَّهم يَشْتَرِطُونَ من ضِرَابِ فَحلِ بَنِي فُلانٍ.
قال الشَّعبِيّ: إنّما كَرِه ابنُ مَسْعُودٍ السَّلَفَ في الحَيَوانِ؛ لأنهُم اشْتَرَطُوا نِتَاجَ فحل مَعلُوم.
رَواهُ سَعِيد 2. وقد رُوِيَ عن عَلِى أنّه باعَ جَمَلًا له يُدعَى عُصَيفِيرًا بعِشْرِينَ بَعِيرًا إلى أجَل 3. ولو ثَبَتَ قَوْلُ عمرَ في تَحرِيمِ السَّلَمِ في الحَيَوانِ، فقد عارَضَه قولُ مَنْ سَمَّينَا ممَّنْ وافَقَنَا.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في السَّلَمِ في غيرِ 4 الحَيَوانِ، ممّا لا يُكَالُ ولا يُوزَنُ ولا يُذْرَعُ، فنَقَلَ إسْحاقُ بنُ إبراهِيمَ، عن أحمدَ، أنّه قال: لا أرَى السَّلَمَ إلَّا فيما يُكالُ، أو يُوزَنُ، أو يُوقف عليه -قال
..................................
أبو الخطّابِ: معناه يُوقَفُ عليه بحدٍّ معلوم لا يَخْتَلِفُ، كالذّرعِ- فأمّا الرُّمّانُ والبيضُ، فلا أرى السَّلَمَ فيه.
وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عنه وعن إسْحاقَ، أنَّه لا خَيرَ في السَّلَمِ في الرُّمَّانِ، والسَّفرجَلِ، والبِطيخِ، والقِثّاءِ، والخِيَارِ، لأنَّه لا يُكَالُ ولا يُوزَنُ، ومنه الصَّغِيرُ والكَبِيرُ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ، لا يَصِحُّ السَّلَمُ في كُلِّ مَعدُودٍ مُخْتَلِفٍ، كالذي سَمَّينَا، وكالبُقولِ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ، ولا يُمكِنُ تَقْدِيرُه بالحَزْمِ؛ لأنَّ الحَزْمَ يمكِنُ في الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، فلم يَصِحَّ السَّلَمُ فيه، كالجَواهِرِ.
ونَقَلَ إسماعِيلُ بنُ سَعِيدٍ، وابنُ مَنْصُور، جَوَازَ السَّلَمِ في الفَواكِهِ، والمَوْزِ، والخَضْرَاوَاتِ، ونحوها؛ لأنَّ كثِيرًا من ذلك يَتَقارَبُ ويَنْضَبِطُ بالكبرِ والصِّغَرِ، وما لا يَتَقَارَبُ يَنْضَبِطُ بالوَزْنِ، كالبُقُولِ ونَحوها، فيَصِحُّ السَّلَمُ فيه، كالمَذْرُوعِ.
وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، والأوْزَاعِيُّ.
وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن الشّافِعِيِّ المَنْعَ من السَّلَمِ في البَيضِ والجَوْزِ.
ولَعَلَّ هذا قول آخرُ، فيكونُ له قَوْلانِ.
..................................
فصل: وفي السَّلَمِ في الرُّءُوسِ من الخلافِ ما ذَكَرنَاهُ، وكذلك الأطْرَافُ.
وللشَّافِعِيِّ فيها قَوْلانِ؛ أحَدُهما، يَجُوزُ.
وهو قَوْلُ مالِكٍ، والأوْزَاعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه لَحم فيه عَظْم يَجُوزُ شِراوه، فجازَ السَّلَمُ فيه، كبَقِيَّةِ اللَّحمِ.
والأخْرَى، لا يَجُوزُ.
وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّ أكْثَرَهُ العِظَامُ والمَشافِرُ، واللَّحمُ فيه قَلِيلٌ، وليس بمَوْزُونٍ، بخِلافِ اللَّحمِ.
فإنْ كانَ مَطْبُوخًا، أو مَشْويًّا، فقال الشّافِعِيُّ: لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه.
وهو قِياسُ قَوْلِ القاضِي؛ لأنَّه 1 يَتَناثَرُ 2 ويَخْتَلفُ.
وعلى قَوْلِ أصحابِنَا غيرِ القاضِي، حُكْمُ ما مَسَّتْهُ النارُ حُكْمُ غَيرِه وبه قال مالِك، والأوْزَاعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
والعَقْدُ يَقْتَضِيه سَلِيمًا من التَّنَاثُرِ 3، والعادَةُ في طَبْخِه تَتَقَارَبُ، فأشْبَه غَيرَه.
وفي الجُلُودِ من الخِلافِ ما في الرءُوسِ والأطْرَافِ.
وقال الشّافِعِيُّ: لا يَصِحُ السَّلَمُ فيها؛ لأنَّها تَخْتَلِفُ، فالوَرِك
..................................
ثَخِينٌ قَويٌّ، والصَّدرُ ثَخِينٌ رِخْوٌ، والبَطْنُ رَقِيقٌ ضَعِيفٌ، والظَّهْرُ أقْوَى، فيَحتاجُ إلى وَصفِ كُلِّ مَوْضِعٍ منه، ولا يمكِنُ ذَرعُه؛ لاخْتِلافِ أطْرَافِه.
ولَنا، أنّ التَّفاوُتَ في ذلك مَعلُومٌ، فلم يَمنَع صِحَّةَ السَّلَمِ فيه، كالحَيَوانِ، فإنّه يَشْتَمِلُ على الرَّأسِ والجِلْدِ والأطْرَافِ والشَّحمِ وما في البَطْنِ، وكذلك الرَّأسُ يَشْتَمِلُ على لَحمِ الخَدَّينِ والأذُنينِ والعَينَينِ، ويَخْتَلِف، ولم يمنع صِحَّةَ السَّلَمِ فيه، كذلك ههُنا.
فصل: ويَصِحُّ السَّلَمُ في اللَّحمِ.
وبه قال مالِكٌ، والشّافِعِيّ.
وقال أبو حنِيفَةَ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ.
ولَنا، قَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أسْلَمَ فَلْيُسْلِم في كَيل معلُوم، و 1 وَزْنٍ مَعلُوم» 2. ظاهِرُه إباحَةُ السَّلَمِ في كُلِّ مَوْزُونٍ.
ولأنَّا قد بَيَّنَّا جَوازَ السَّلَمِ في الحَيَوانِ، فاللحمُ أوْلَى.
وَفِي الْأَوَانِي الْمُخْتَلِفَةِ الرُّءُوسِ وَالأوْسَاطِ؛ كَالْقَمَاقِمِ، وَالأسْطَالِ الضَّيِّقَةِ الرُّءُوسِ، وَمَا يَجْمَعُ أخْلاطًا مُتَمَيِّزَةً؛ كَالثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ مِنْ نَوْعَينِ، وَجْهانِ.
1725 - مسألة: (وفي الأوانِي المُخْتَلِفَةِ الرُّءُوسِ والأوْساطِ؛ كالقَماقِمِ 1، والأسْطَالِ الضَّيِّقَةِ الرّءُوسِ، وما يَجْمَعُ أخْلاطًا مُتَمَيِّزَةً؛ كالثيابِ المَنْسُوجَةِ من نَوْعَينِ، وَجهانِ) لا يَصِحُّ السَّلَمُ في الأوانِي المُخْتَلِفَةِ الرّءُوسِ والأوْسَاطِ؛ لأنَّ الصِّفَةَ لا تأتِي عليها. وفيه وَجْه آخَرُ، أنَّه يَصِحُّ إذا ضُبِطَ بارتِفاعِ حائِطِه ودوْرِ أسْفَلِه وأعلاه؛ لأنّ
..................................
التَّفَاوُتَ في ذلك يَسِيرٌ.
فأمّا الثيابُ المَنْسُوجَةُ من نَوْعَينِ، كالقُطْنِ والكَتَّانِ، [والقُطْنِ] 1 والإِبريسَمِ، فالصَّحِيحُ جَوازُ السَّلَمِ فيها؛ لأنَّ ضَبْطَها ممكِن.
وفيه وَجْه آخر، أنّه لا يَجُوزُ، كالمَعاجِينِ.
فصل: ويَصِحُّ السَّلَمُ في اللِّبَأ، والخُبْزِ، وما أمكَنَ ضَبْطُه ممَّا مَسَّتْهُ النّارُ.
وقال الشَّافعِيُّ: لا يَصِحُّ السَّلَمُ في كُلِّ مَعمُولٍ بالنّارِ؛ لأنَّ النّارَ تَخْتَلِفُ، ويَخْتَلِف الثمَنُ بها 2، ويَخْتَلِفُ عَمَلُها.
ولَنا، أنَّه مَوْزُونٌ، فجازَ السَّلَمُ فيه، كسائِرِ المَوْزُونَاتِ، ولعُموم الحَدِيثِ، ولأنَّ عملَ النَّارِ فيه مَعلُومٌ بالعادَةِ، ممكِنٌ ضَبْطُه بالنَّشَافَةِ والرُّطُوبَةِ، فأشْبَه المُجَفَّفَ بالشّمسِ.
فأمَّا اللَّحمُ المَطْبُوخُ، والمَشْويُّ، فقال القاضِي: لا يَصِحُّ السَّلَمُ 3 قيه.
وهو مَذْهب الشّافِعِيِّ؛ لأنّه يَتَفَاوَتُ كَثِيرًا، وعادات النّاسِ فيه مُخْتَلِفَةٌ، فلا يُمكِنُ ضَبْطُه.
وقال بعضُ أصحَابِنا: يَصِحُّ السَّلَمُ فيه؛ لِما ذَكَرنا في الخُبْزِ واللِّبَأ.
..................................
فصل: ويَصِحُّ السَّلَمُ في النُّشَّابِ والنبلِ.
وقال القاضِي: لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيهما.
وهو مَذْهبُ الشّافِعِي؛ لأنَّه يَجْمَعُ أخْلاطًا من خَشَبٍ وعَقَبٍ 1 ورِيش ونَصْلٍ، فجَرَى مَجْرَى أخْلَاطِ الصَّيَادِلَةِ، ولأنَّ فيه رِيشًا نَجِسًا؛ لأنَّه من جوارِحِ الطَّيرِ.
ولَنا، أنَّه ممّا يَصِحُّ بَيعُه، ويمكنُ ضَبْطُه بالصِّفَاتِ التي لا يَتَفَاوَتُ الثَّمَنُ معها غالِبًا، فَصَحَّ السَّلَمُ فيه،
.................................. كالقَصَبِ، والخَشَبِ، وما فيه من غيرِه مُتَمَيِّزٌ، يمكنُ ضَبْطُه والإِحاطَةُ به، ولا يَتَفاوَتُ كثِيرًا، فلا يُمنَعُ، كالثِّيابِ المَنْسُوجَةِ من جِنْسَينِ، وقد يكونُ الرِّيشُ طاهِرًا، وإنْ كان نَجِسًا لكن يَصِحُّ بَيعُه، فلا يُمنَعُ السَّلَمُ فيه، كنَجاسَةِ البَغْلِ والحِمَارِ.
وَلَا يَصِحُّ فِيمَا لَا يَنْضَبِطُ، كَالْجَوَاهِرِ كُلِّها، وَالْحَوَامِلِ مِنَ الْحَيَوانِ، وَالْمَغْشُوشِ مِنَ الأَثْمَانِ وَغَيرِها، وَمَا يَجْمَعُ أخْلَاطًا غَيرَ مُتَمَيِّزَةٍ، كَالْغَالِيَةِ، وَالنَّدِّ، وَالْمَعَاجِينِ.
وَيَصِحُّ فِيمَا يُتْرَكُ فِيهِ شَيْءٌ غيرُ مَقْصُودٍ لِمَصلَحَتِهِ، كَالْجُبْنِ، وَالْعَجِينِ، وَخَلِّ التَّمرِ، والسّكَنْجَبِينِ، وَنَحوها.
1726 - مسألة: (ولا يَصِحُّ فيما لا يَنْضَبِطُ كالجَواهِرِ كُلِّها، والحَوامِلِ من الحَيَوانِ، والمَغْشُوشِ من الأثْمَانِ وغيرِها، وما يَجْمَعُ أخْلاطًا غيرَ مُمَيَّزَةٍ، كالغَالِيَةِ 1، والنَّدِّ 2، والمَعاجِينِ. ويَصِحُّ فيما يُتْرَكُ فيه شيءٌ غيرُ مَقْصُودٍ لمَصلَحَتِه، كالجُبْنِ 3، والعَجِينِ، وخَلِّ التَّمرِ، والسكنْجَبِينِ، ونحوه) لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيما لا يَنْضَبِطُ بالصِّفَةِ، كالجَواهِرِ 4 من اللّولُؤِ، والياقُوتِ، والزَّبَرجَدِ، والفَيرُوزَجِ 5
..................................
والبَلُّورِ؛ لأنَّ أثْمَانَها تَخْتَلِف اخْتِلافًا مُتَبايِنًا بالصِّغَرِ، والكِبَرِ، وحُسْنِ التَّنويرِ، وزِيادَةِ ضَوْئِها، وصَفائِها، ولا يمكِنُ تَقْدِيرُها بشيءٍ مُعَيَّن، لأنَّ ذلك يَتْلَفُ.
وهذا قولُ الشّافِعِيِّ، وأصحابِ الرَّأي.
وحُكِيَ عن مالِكٍ صِحَّةُ السَّلَمِ فيها، إذا اشْتَرَطَ منها شَيئًا مَعلُومًا، إنْ كان وَزْنًا، فبِوَزْنٍ مَعرُوفٍ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرنا.
ولا يَصِحُّ في الحَوامِلِ من الحَيَوانِ؛ لأنَّ الصِّفَةَ لا تَأتِي عليها، ولأَنَّ الوَلَدَ مَجْهُول غيرُ مُتَحَقِّقٍ.
وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه يَصِحُّ، لأَنَّ الحَملَ لا حُكْمَ له مِع الأُمِّ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ بَيعِ الحامِلِ وإنِ اشْتَرَطَ الحَملَ، ولا نَقُولُ بأن الجَهْلَ بالحملِ مُبْطِلٌ للبَيعِ، لكن إن لم تكُنْ حامِلًا فله الرَّدُّ، وإذا صَحَّ البَيعُ صَحَّ السَّلَمُ؛ لأنَّهُ بَيعٌ.
ولا يَصِحُّ في المَغْشُوشِ من الأثْمانِ؛ لأنّه مَجْهُولٌ لا يَنْضَبِطُ بالصِّفَةِ، ولا فيما يَجْمَعُ أخْلَاطًا غيرَ مُمَيَّزَةٍ، كالغالِيَةِ، والنَّدِّ،
..................................
والمعاجِينِ التي يُتَدَاوَى بها؛ للجَهْلِ بها.
والذي يَجْمَعُ أخْلاطًا على أرْبَعَةِ أضْرُبٍ؛ أحدُها، مُخْتَلِطٌ مَقْصُودٌ مُتَمَيِّز، كالثِّيابِ المَنْسُوجَةِ من نَوْعَينِ، فالصَّحِيحُ جَوازُ السَّلَمِ فيها.
الثاني، ما خَلْطُهُ لمَصلَحَتِه، وليس بمَقْصودٍ في نَفْسِه، كالإِنْفَحَّةِ في الجُبْنِ، والمِلْحِ في العَجِينِ والخُبْزِ، والماءِ في خَلِّ التَّمرِ، والخَلِّ في السَكَنْجَبِينِ، فيَصِحُّ السَّلَمُ فيه 1؛ لأنَّه يَسِيرٌ لصلَحَتِه.
الثالثُ، أخْلاطٌ مَقْصُودَةٌ غيرُ مُتَمَيِّزَةٍ، كالغالِيَةِ، والنَّدِّ، والمَعاجِينِ، فلا يَصِحُّ السَّلَمُ فيها؛ لأنَّ الصِّفَةَ لا تَأتِي عليها.
الرابعُ، ما خَلْطُه غيرُ مَقْصُودٍ، ولا مَصلَحَةَ فيه، كاللَّبَنِ المَشُوبِ بالماءِ، فلا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه؛ لأنَّ غشَّهُ يَمْنَعُ العِلْمَ بقَدرِ المَقْصُودِ منه، فيَكُونُ مَجْهُولًا، ولا يَصِحُّ السَّلَمُ في القِسِيِّ المُشْتَمِلَةِ على الخَشَبِ، والقَرنِ 2، والعَقَبِ 3 والتُّوزِ 4، إذْ لا يُمكِنُ ضَبْطُ مَقادِيرِ ذلك وتَميِيزُ ما فيه منها.
وقيل: يَجُوزُ السَّلَمُ فيها، كالثِّياب المَنْسُوجَةِ من نَوْعَينِ، وكالنُّشَّابِ المُشْتَمِلِ على الخَشَبِ والعَقَبِ والرِّيشِ والنُّصولِ.
والأوْلَى ما ذَكَرناه.
فصل: الشَّرطُ الثَّانِي، أنْ يَصِفَهُ بِمَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ ظَاهِرًا، فَيَذْكُرَ جِنْسَهُ، وَنَوْعَهُ، وَقَدْرَهُ، وَبَلَدَهُ، وَحَدَاثَتَهُ، وَقِدَمَهُ، وَجَوْدَتَهُ، وَرَدَاءَتَهُ.
وَمَا لا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ لَا يَحتَاجُ إِلَى ذِكْرِهِ.
فصل: (الثاني، أنْ يَصِفَه بما يَخْتَلِف به الثَّمَنُ ظاهِرًا، فيَذْكُرَ جِنْسَهُ، ونَوْعَه، وقَدرَه، وبَلَدَه، وحَداثَتَه، وقِدَمَه، وجَوْدَتَه، وَرَداءَتَه.
وما لا يَخْتَلِفُ به الثَّمَنُ لا يَحتَاجُ إلى ذِكْرِه) إنَّما اشْتَرَطَ ذلك؛ لأنَّ المُسْلَمَ فيه عِوَض في الذِّمَّةِ، فلا بُدَّ من العِلْمِ به، كالثَّمَنِ، ولأنَّ العِلْمَ شَرطٌ
..................................
في المَبِيعِ 1، وطَريقُه الرُّؤيَةُ أو الوَصف، والرُّؤيَةُ مُتَعَذِّرَةٌ ههُنا، فَتَعَيَّنَ الوصفُ.
والأوْصافُ على ضَربَينِ؛ مُتَّفَقٌ على اشْتِراطِها، ومُخْتَلَفٌ فيها.
فالمُتَّفَقُ عليها ثَلاثَةُ أوْصَافٍ؛ الجِنْسُ، والنَّوْعُ، والجَوْدَةُ أو 2 الرَّدَاءَةُ.
فهذه لا بُدّ منها في كُلِّ مُسْلَم فيه.
وكذلك [معرِفةُ قَدرِه] 3، وسَنَذْكُرُها.
وهذا قَوْلُ أبي حَنِيفةَ، ومالِكٍ، والشافعيِّ.
ولا نَعلَمُ عن غَيرِهِم فيه خِلافًا.
الضّربُ الثانِي، ما يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ ياخْتِلافِه غيرَ هذه الأوْصَافِ، فيَنْبَغِي أنْ يكونَ ذِكْرُها شرطًا، قِياسًا على المُتَّفَقِ عليها، ونَذْكُرُها عندَ ذِكْرِه.
وهذا مَذْهبُ الشافعيِّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يَكْفِي ذِكْرُ الأوْصَافِ الأوَلِ؛ لأنَّها تَشْتَمِلُ على ما وَراءَها من الصِّفاتِ.
ولَنا، أنّه يَبْقَى من الصِّفَاتِ، من اللَّوْنِ والبَلَدِ ونحوهما،
..................................
ما يَخْتَلِف الثَّمَنُ والعِوَضُ 1 لأجلِه، فَوَجَبَ ذِكْرُه، كالنَّوْعِ.
ولا يَجِبُ اسْتِقْصَاءُ كُلِّ الصِّفَاتِ؛ لأنَّه يَتَعَذَّرُ، وقد يَنْتَهِي الحالُ فيها إلى أمرٍ يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُ المُسْلَمِ فيه، فيَجِبُ الاكْتِفَاءُ بالأوْصَافِ الظَّاهِرَةِ التي يَخْتَلِفُ بها الثَّمَنُ ظاهِرًا.
ولو اسْتَقْصَى الصِّفاتِ حتى انْتَهى إلى حالٍ يَنْدُرُ 2 وجُودُ المُسْلَمِ فيه بتِلْكَ الأوْصَافِ، بَطَلَ، لأنّ من شُرُوطِ السَّلَمِ أنْ يكُونَ المُسْلَمُ فيه عَامَّ الوُجُودِ [عندَ المحلِّ] 3، واستِقْصاءُ الصِّفَاتِ يَمنَعُ منه.
فصل: ولو أسْلَمَ في جارِيَةٍ وابْنَتِها، أو أخْتِها، أو عَمَّتِها، أو خَالتِها،
.................................. أو بنْتِ عَمِّها، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا بُدَّ أنْ يَضْبِطَ كُلَّ واحِدَةٍ منهما بصفاتٍ، ويَتَعَذَّرُ وجُودُ تِلْكَ الصِّفَاتِ في جارِيَةٍ وبِنْتِها 1. ولو أسْلَمَ في ثَوْبٍ، على صِفَةِ خِرقةٍ مُعَيَّنَةٍ 2، لم يَجُزْ؛ لأنها قد تهْلِكُ، وهذا غرَرٌ، فهو كما لو شَرَطَ مِكْيَالًا بعَينه غيرَ مَعلُوم.
.................................. فصل: والجِنْسُ والجَوْدَةُ والقدرُ، شَرط فِي كُلِّ مُسْلَم فيه، فلا حاجَةَ إلى تَكْرِيرِ ذِكْرِ ذلك، ويَذْكُرُ ما سِواها، فيَصِف التَّمرَ بأربَعَةِ أوْصَافٍ؛ النَّوْعُ، بَرنِيٌّ [أو مَعقِلِيٌّ] 1، والبَلَدُ إنْ كان يَخْتَلِفُ،
..................................
فيقولُ: بَغْدَاديٌّ -أو- بَصرِيٌّ.
فإنَّ البَغْدَادِيَّ أحلَى وأَقَلُّ بقاءً، لعُذُوبَةِ الماءِ، والبَصرِيُّ بخِلافِه.
والقَدرُ، كِبارٌ أو صِغارٌ، و 1 حَدِيثٌ أو عَتِيقٌ.
فإن أطْلَقَ العَتِيقَ؛ أجْزأ أيُّ عَتِيقٍ كان، ما لم يكنْ مُسَوّسًا ولا حَشَفًا ولا مُتَغَيِّرًا.
وإن شرطَ عَتِيقَ عام أو عامَينِ، فهو على ما شَرَطَ.
فأمّا اللَّوْنُ، فإن كان النَّوْعُ الواحِدُ يَخْتَلِفُ، كالطبرزدِ 2، يكونُ أحمَرَ أو 3 أسْوَدَ، ذَكَرَه، وإلَّا فَلَا.
والرُّطَبُ كالتَّمر في هذه الأوْصَافِ، إلَّا الحَدِيثَ والعَتِيقَ، وليس له من الرُّطَبِ إلَّا ما أرطَبَ كُلُّه.
ولا يَأخُذُ مُشَدَّخًا 4، ولا ما قارَبَ أنْ يُتْمِرَ، وهكذا ما يُشبِهُهُ من العِنَبِ والفَواكِهِ.
فصل: ويَصِف البُرَّ بأربَعَةِ أوْصَافٍ، النَّوْعُ، فيَقُولُ 5: سَلَمُونِي 6. والبَلَدُ، حَوْرَانِيٌّ 7 أو شِمَالِيٌّ 8. وصِغارُ الحَبِّ أو كِبارُه، وحَدِيثٌ أو عَتِيقٌ.
وإنْ كان النَّوْعُ الواحِدُ يَخْتَلِفُ
..................................
لَوْنُه، ذَكَره، ولا يُسَلَّمُ إليه إلَّا مُصَفًّى.
وهكذا الحُكْمُ في الشَّعِيرِ وسائِرِ الحُبُوبِ.
ويَصِفُ العَسَلَ بثَلاثَةِ أوْصَافٍ، بالبَلَدِ، ويُجْزِيء ذلكٍ عن النَّوْعِ.
والزَّمانِ، رَبِيعِيٌّ أو صَيفِيٌّ.
واللَّوْنِ، وليس له إلَّا مُصَفًّى.
فصل: ولابدَّ في الحَيَوانِ من ذِكْرِ النَّوْعِ، والسِّنِّ، والذُّكُورِيَّةِ، أو 1 الأنوثِيَّةِ، ويَذْكُرُ اللَّوْنَ إنْ كان النَّوْعُ الواحِدُ يَخْتَلِفُ، ويُرجَعُ في سِنِّ الغُلامِ إليه 2 إنْ كان بالِغًا، وإلَّا فالقَوْلُ قولُ سَيِّدِه، وإنْ لم يعلم، رَجَعَ في ذلك إلى أهْلِ الخِبْرَةِ، على ما يَغْلِبُ على ظُنُونِهم تَقْرِيبًا.
وإذا ذَكَرَ النَّوْعَ في الرَّقِيقِ، وكان مُخْتَلِفًا، مثلَ التُركِيِّ؛ فهم الجِكِلِيُّ 3، والخَزَرِيُّ 4، فهل يَحتَاجُ إلى ذِكْرِه، أو يَكْفِي ذِكرُ النَّوْعِ؟ يَحتَمِلُ وَجْهينِ، أوْلاهُما، أنّه يَحتَاجُ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ به الثَّمَنُ.
ولا يَحتَاجُ في الجارِيَةِ إلى ذِكْرِ الجُعُودَةِ والسُّبُوطَةِ؛ لأنَّ ذلك لا يَخْتَلِفُ به الثَّمَنُ اخْتِلافًا
..................................
بَيِّنًا، ومثل ذلك لا يُراعَى، كما لا تُرَاعَى صِفَاتُ الحُسْنِ 1 والمَلاحَةِ، فإن ذَكَر شَيئًا من ذلك لَزِمَه.
ويَذْكُرُ الثيوبَةَ والبَكَارَةَ؛ لأنَّ الثَّمَنَ يَخْتَلِفُ بذلك، ويَتَعَلَّقُ به الغَرَضُ.
ويَذْكُرُ القَدَّ؛ خُمَاسِيٌّ أو سُداسِيٌّ، يَعنِي خَمسَةَ أشْبارٍ أو سِتَّةَ أشْبارٍ.
قال أحمدُ: يقولُ.
خماسِيٌّ سُدَاسِيٌّ، أسْوَدُ بيض، أعجَمِيٌّ أو فصِيحٌ.
فأمّا الإِبِل، فيَضْبِطها بأربَعَةِ أوْصَافٍ، فيقولُ: من نِتَاجِ بَنِي فُلانٍ.
والسِّنُّ، بِنْتُ مَخاضٍ، أو بِنْتُ لبون.
واللَّوْنُ، بَيضَاءُ أو حَمرَاءُ أو ورقَاءُ 2، وذَكَر أو أنْثَى.
فإنِ اخْتَلَفَ النِّتَاجُ، فكان فيه مَهْرِيَّةٌ 3 وأرحَبِيَّةٌ 4، فهل يَحتَاجُ إلى ضَبْطِ ذلك؟ يَحتَمِلُ وَجهينِ.
ولا يَفْتَقِرُ إلى ذِكرِ ما زادَ على هذه الأوْصافِ، وإنْ ذَكَرَ بعضَه كان تأكيدًا ولَزِمَه.
وأوصَاف الخَيلِ كأوْصَافِ الإِبِلِ.
وأمّا البِغَالُ والحُمُرُ، فلا نِتَاجَ لها، فيَجْعَلُ بدَلَ ذلك نِسْبَتَها إلى بَلَدِها.
وأمّا البَقَرُ والغَنَمُ، فإنْ عُرِف لها نِتاجٌ، فهي كالإِبِلِ، وإلَّا فهي كالحُمُرِ.
ولا بدَّ من ذِكْرِ النَّوْعِ في هذه الحَيَوانَاتِ، فيقولُ في الإبِلِ: بُخْتِيَّة -أو- عِرَابِيَّة 5. وفي الخَيلِ: عَرَبِيَّةٌ أو هجِينٌ أو بِرذَوْن، وفي الغَنَمِ: ضَأنٌ أو مَعزٌ.
إلَّا الحَمِيرَ والبِغَال، فلا أنْواعَ فيها.
..................................
فصل: ويَذْكُرُ في اللَّحمِ السِّنَّ، والذُّكُوريَّةَ والأنوثِيَّة، والسِّمَنَ والهُزَال، ورَاعِيًا أو مَعلُوفًا، ونَوْع الحَيَوانِ، ومَوْضِعَ اللَّحمِ منه.
ويَزِيدُ في الذَّكَرِ: فَحلًا أو خَصِيًّا.
وإنْ كان لَحمَ صَيدٍ، لم يَحتَجْ إلى ذِكْرِ العَلَفِ والخِصاءِ، ويَذْكُرُ الآلةَ التي يُصادُ بها، من جَارِحَةٍ أو أحبُولَةٍ.
وفي الجارِحَةِ يَذْكُرُ صَيدَ فَهْدٍ، أو كَلْبٍ، أو صَقْر، فإنَّ الأحبُولَةَ، يُؤخَذُ الصَّيدُ منها سَلِيمًا.
وصَيدُ الكَلْبِ خَير من صَيدِ الفَهْدِ؛ لكَوْنِ الكَلْبِ أطْيَبَ نَكْهةً من الفَهْدِ، لكَوْنِه مَفْتُوحَ الفَمِ فِي أكْثَرِ الأوقَاتِ.
والصَّحِيحُ إنْ شاءَ الله أنّ هذا ليس بشَرطٍ؛ لأنّ التَّفَاوُتَ فيه يَسِير، ولا يكادُ الثَّمَنُ يَتَبَايَنُ باخْتِلافِه، ولا يَعرِفُه إلَّا القَلِيلُ من النّاسِ.
وإذا لم يَحتَجْ يكاد الرَّقِيقِ إلى ذِكْرِ السِّمَنِ، والهُزَالِ وأشْباهِها مما يَتَبايَنُ بها الثَّمَنُ وتَتَعَلَّقُ بها الرَّغَبَاتُ ويَعرِفُها النّاسُ، فهذا أوْلَى.
ويَلْزَمُ قَبُولُ اللَّحمِ بعِظَامِه؛ لأنَّه هكذا يُقْطَعُ، فهو كالنَّوَى في التّمرِ.
فإن كان السَّلَمُ في لَحمِ طَير، لم يَحتَجْ إلى ذِكْرِ الذُّكُورِيَّةِ والأنوثِيَّةِ، إلَّا أنْ يَخْتَلِفَ بذلك، كَلَحمِ
..................................
الدَّجَاجِ، ولا إلى ذِكْرِ مَوْضِعِ اللَّحمِ، إلَّا أنْ يكُونَ كَثِيرًا 1 يأخُذُ منه بَعضَه، ولا يَلْزَمُه قَبُولُ الرَّأسِ والسَّاقَينِ؛ لأنّه لا لحمَ عليها.
ويَذْكُرُ في السَّمَكِ النَّوْعَ؛ بَرَدِيٌّ 2 أو غيرُه، والكِبَرَ والصِّغَرَ، والسِّمَنَ والهُزَال، والطرَّيَّ والمِلْحَ، ولا يَقْبَلُ الرّأسَ والذَّنَبَ، وله ما بَينَهُما، وإنْ كان كَثِيرًا يأخُذُ بَعضَه، ذَكَرَ مَوْضِعَ اللَّحمِ منه.
فصل: ويَضْبِطُ السَّمنَ بالنَّوْعِ، من ضَأنٍ، أو مَعز، أو بَقر، واللَّوْنِ، أبيَضَ أو أصْفَرَ.
قال القاضِي: ويَذْكُرُ المرعَى.
ولا يَحتَاجُ إلى ذِكْرِ حَدِيثٍ أو عَتِيقٍ؛ لأنَّ الإِطْلاقَ يَقْتَضِي الحَدِيثَ، ولا يَصِحُّ السَّلَمُ في عَتِيقِه؛ لأنّه عَيبٌ، ولا يَنْتَهِي إلى حَدٍّ يُضْبَطُ به.
ويَصِف الزُّبْدَ بأوْصَافِ السَّمنِ، ويَزِيدُ، زُبْدُ يَوْمِه أو أمسِه.
ولا يَلْزَمُه قَبُولُ مُتَغيِّرٍ