الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 5-44

وَإِذَا كَانَتِ الْمَرأةُ مُبْغِضَةً لِلرَّجُلِ، وَتَخْشَى أَنْ لَا تُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ فِى حَقِّهِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تَفْتَدِىَ نَفْسَهَا مِنْهُ.
كِتَابُ الْخُلْعِ

3378 -

مسألة: (وَإذَا كَانَتِ الْمَرأةُ مُبْغِضَةً لِلرَّجُلِ، وَتَخْشَى أَنْ لَا تُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ فِي حَقِّهِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تَفْتَدِىَ نَفْسَهَا مِنْهُ)

وجملةُ ذلك، أنَّ المرأةَ إذا كرِهتْ زَوْجَها، لخَلْقِه، أو خُلُقِه، أو دِينِه، أو كِبَرِه، أو ضَعْفِه، أوْ نحوِ ذلك، وخَشِيَتْ أن لا تُؤدِّىَ حقَّ اللَّهِ في طْاعتِه، جازَ لها أن تُخالِعَه على عِوَضٍ تَفْتَدِى به نَفْسَها منه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ﴾ 1. ورُوِىَ أنَّ

..................................  رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَج إلى الصُّبْحِ، فَوجدَ حَبِيبَةَ بنتَ سَهْلٍ عندَ بابِه في الغَلَسِ، فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ما شَأْنُكِ؟».
قالت: لا أنا ولا ثابِتٌ.
لزَوجِها 1، فلمَّا جاءَ ثابتٌ، قال له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «هذِه حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْل، [قدْ ذكَرَتْ] 2 ما شاءَ اللَّهُ أن تَذْكُرَ».
وقالت حبيبةُ: يارسولَ اللَّهِ، كلُّ ما أعْطانِى عندِى.
فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لثابتِ ابنِ قَيْسٍ: «خُذْ مِنها».
فأخذَ منها، وجلَسَتْ في أهْلِها.
وهذا حديثٌ صحيحٌ، ثابتُ الإِسْنادِ، روَاه الأئِمَّةُ مالكٌ وأحمدُ وغيرُهُما 3، وفى رِوايةٍ للبُخَارِىِّ 4، قال: جاءتِ امرأةُ ثابتِ بنِ قيسٍ إلى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، ما أنْقِمُ على ثابتٍ في دينٍ ولا خُلُقٍ، إلَّا أنِّى أخافُ الكُفْرَ.
فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أتَرُدِّينَ عليه حَدِيقَتَهُ؟».
قالت:

..................................  نعم.
فرَدَّتْ عليه، وأمرَه ففارَقَها.
وفى رِوايةٍ، فقال له: «اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْها تَطْلِيقَةً» 1. ولأَنَّ حاجتَها داعيةٌ إلى فُرْقَتِه، ولا تَصِلُ إليها إلَّا ببَذْلِ العِوَضِ، فأُبِيحَ لها ذلك، كشِرَاءِ المتاعِ.
وبهذا قال جميعُ الفُقَهاءِ بالشَّامِ والحِجازِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 2: لا نعلمُ أحدًا خالفَه، إلَّا بكرَ 3 بنَ عبدِ اللَّهِ المُزَنِىَّ، فإنَّه لم يُجِزْه، وزَعَم أنَّ آيةَ الخُلْعِ مَنْسُوخَةٌ بقولِه سبحانه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ 4 الآية.
ورُوِىَ عن ابنِ سِيرِينَ وأبى قِلَابَةَ أنَّه لا يَحِلُّ الخُلْعُ حَتى يَجِدَ على بَطْنِها رَجُلًا؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ 5. ولَنا، الآيةُ التى تلوناها والخبرُ، ولأنَّه قولُ عمرَ، وعثمانَ، وعلى، وغيرِهم مِنَ الصَّحابةِ، ولم يُعْرَفْ لهم في عَصْرِهم مُخالِفٌ، فيكونُ إجْماعًا، ودَعْوَى النَّسْخِ لا تُسْمَعُ حتَّى يَثْبُتَ تعَذُّرُ الجَمْعِ وأنَّ الآيةَ النَّاسخةَ مُتَأخِّرَةٌ، ولم يَثْبُتْ شىئٌ مِن ذلك.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُسَمَّى خُلْعًا؛ لأَنَّ المرأةَ تَنْخَلِعُ مِن لباسِ زَوْجِها، قال اللَّهُ تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لهُنَّ﴾ 6.

..................................  ويُسَمَّى افْتِداءً؛ لأنَّها تَفْتَدِى نفْسَها بمالٍ 1 تَبْذُلُه، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
فصل: ولا يَفْتَقِرُ الخُلْعُ إلى حاكم.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: يجوزُ الخُلْعُ دونَ السُّلطانِ.
ورَوَى البُخَارِىُّ 2 ذلك عن عمرَ.
وعثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما.
وبه قال شُرَيْحٌ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأهلُ الرَّأْى.
وعن الحسَنِ، وابنِ سِيرينَ: لا يَجوزُ إلَّا عنْدَ السُّلطانِ.
ولَنا، قولُ عمرَ وعثمانَ، ولأنَّه مُعاوَضَةٌ، فلم يَفْتَقِرْ إلى السُّلطانِ، كالبيعِ والنِّكاحِ، ولأنَّه قَطْعُ عَقْدٍ بالتَّراضِى، أشْبَهَ الإِقالةَ.
فصل: ولا بَأْسَ به في الحَيْضِ والطُّهْرِ الَّذى أصابَها فيه 3؛ لأَنَّ المنعَ مِنَ الطَّلاقِ في الحَيْضِ مِن أجْلِ الضَّرَرِ الَّذى يَلْحَقُها بطُولِ العِدَّةِ، والخُلْعُ لإِزالةِ الضَّرَرِ الَّذى يلْحَقُها بسُوءِ العِشْرَةِ والمُقَامِ مع مَن 4

وَإِنْ خَالَعَتْهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ، كُرِهَ، وَوَقَعَ الْخُلْعُ.
وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ.
تَكْرَهُه وتُبْغِضُه، وذلك أعْظَمُ مِن ضَرَرِ طُولِ العِدَّةِ، فجازَ دَفْعُ أعْلاهما بأدْناهما، ولذلك لم يسْألِ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- المُخْتَلِعَةَ عن حالِها، ولأَنَّ ضرَرَ تَطْويلِ العِدَّةِ عليها، والخُلْعُ بسُؤالِها، فيكونُ ذلك رِضًا منها به، ودليلًا على رُجْحانِ مصْلَحَتِها فيه.

3379 -

مسألة: (وإن خالَعَتْه لغيرِ ذلك، كُرِهَ، وَوَقَع الخُلْعُ. وعنه، لا يجوزُ)

أي إن خالَعَتْه مع اسْتِقامَةِ الحالِ، كُرِهَ لها ذلك، ويَصِحُّ الخُلْعُ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ.
وعن أحمدَ ما يدُلُّ على تَحْرِيمِه؛ فإنَّه قال: الخُلْعُ مثلُ حديثِ سَهْلَةَ، تَكْرَهُ الرَّجُلَ فتُعْطِيه المَهْرَ، فهذا الخُلْعُ.
وهذا يدُلُّ على أنَّه لا يكونُ الخُلْعُ صحيحًا إلَّا في هذه الحالِ.
وهذا قولُ ابنِ المُنْذِرِ وداودَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: رُوِى معْنى ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ وكثيرٍ مِن أهلِ العلمِ؛ وذلك لأَنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾.
وهذا صَرِيحٌ في التَّحْرِيمِ إذا لم يخافا ألَّا يُقيمَا حُدودَ اللَّهِ، ثم قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فِلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
فَدَلَّ بمفْهُومِه

..................................  على أنَّ الجُناحَ لاحِقٌ بهما [إذا افتدت به] 1 مِن غيرِ خوفٍ، ثم غَلَّظَ بالوعيدِ، فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
ورَوَى ثَوْبانُ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أَيَّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَها الطَّلاقَ مِن غيرِ ما بَأْس، فحرامٌ عليها رَائِحَةُ الْجَنَّةِ».
روَاه أبو داود 2. وعن أبى هريرةَ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «الْمُخْتَلِعَات والمتَبَرِّجات 3 هُنَّ المُنافِقات».
روَاه أبو حفص، وأحمدُ في «المُسْنَدِ» 4، وذكَرَه مُحْتَجًّا به.
وهذا يدلُّ على تحْريمِ المُخالعَةِ

فَأَمَّا إِنْ عَضَلَهَا لِتَفْتَدِىَ نَفْسَهَا مِنْهُ، فَفَعَلَتْ، فَالْخُلْعُ بَاطِلٌ، وَالْعِوَضُ مَرْدُودٌ، وَالزَّوْجِيَّةُ بِحَالِهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا، فَيَكُونُ  لغيرِ حاجةٍ، ولأنَّه إضْرارٌ [بها وبزَوْجِها، وإزالةٌ لمصالحِ النِّكاحِ مِن غيرِ حاجَةٍ، فحَرُمَ؛ لقولِه عليه السلامُ: «لا ضَرَرَ ولا إضْرَارَ] (1). واحْتَجَّ مَن أجازَه بقولِه سبحانه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيَئًا مَّريَئًا﴾ (2). قال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَلْزَمُ مِن الجوازِ في غيرِ عَقْدٍ، الجوازُ في المُعاوَضَةِ، بدليلِ الرِّبا، حَرَّمَه اللَّه في العَقْدِ وأجازَه في الهِبَةِ.
قال شَيْخُنَا (3): والحُجَّةُ مع مَن حَرَّمَه، وخُصوصُ الآيةِ في التَّحْرِيمِ يَجِبُ تَقْديمُها على (4) عُمُومِ آيةِ الجوازِ، مع ما عَضَدَها مِن الأخْبارِ.

3380 -

مسألة: (فَأمَّا إِنْ عَضَلَهَا لِتَفْتَدِىَ نَفْسَهَا مِنْهُ، فَفَعَلَتْ، فَالْخُلْعُ بَاطِلٌ، وَالْعِوَضُ مَرْدُودٌ، وَالزَّوْجِيَّةُ بِحَالِهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا،

1234

رَجْعِيًّا.
فيَكونُ رَجْعِيًّا) يعنى [بعَضْلِها مُضارًّا] 1 بها بالضَّرْبِ والتَّضْيِيقِ عليها، أو مَنْعِها حُقُوقَها مِن النَّفَقةِ والقَسْمِ ونحوِ ذلك، لتَفْتَدِىَ نَفْسَها، فإن فعَلَتْ، فالخُلْعُ باطلٌ، والعِوَضُ مرْدودٌ.
رُوِى نحوُ ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والقاسمِ بنِ محمدٍ، وعُرْوَة، وعمرِو بنِ شُعَيْبٍ، وحُمَيْدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، والزُّهْرِىِّ.
وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ.
وقال أبو حنيفةَ: العَقْدُ صحيحٌ، والعِوَضُ لازِمٌ، وهو آثِمٌ عاصٍ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾.
وقال اللَّهُ تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ 2. ولأنَّه عِوَضٌ أُكْرِهَتْ على بَذْلِه بغيرِ حقٍّ، فلم يُسْتَحَقَّ، كالثَّمَنِ في البيعِ، والأجْرِ في الإِجارةِ.

..................................  وإذا لم يَمْلِكِ العِوَضَ وقُلْنا: الخُلْعُ طَلاقٌ.
وَقَع 1 الطَّلاقُ بغيرِ عِوَضٍ، فإن كان أقلَّ مِن ثلاثٍ، فله رَجْعَتُها؛ لأَنَّ الرَّجْعةَ إنَّما سَقطَتْ بالعِوَض، فإذا سقَطَ العِوَضُ، ثَبَتتِ الرَّجْعةُ.
وإن قُلْنا: هو فَسْخٌ.
ولم يَنْوِ به الطَّلاقَ، لم يقَعْ شئٌ؛ لأَنَّ الخُلْعَ بغيرِ عِوَضٍ لا يقَعُ على إِحْدَى الرِّوايتَيْنِ، وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى، إنَّما رَضِىَ بالفَسْخِ ههُنا بالعِوَضِ، فإذا لم يحْصُلِ العِوَضُ [لا يَحْصُلُ المُعَوَّضُ] 2. وقال مالكٌ: إن أَخَذَ منها شيئًا على هذا الوَجْهِ، ردَّه، ومَضَى الخُلْعُ عليه.
ويتَخَرَّجُ لنا مثلُ ذلك إذا قُلْنا: يَصِحُّ الخُلْعُ بغيرِ عِوَضٍ.
فأمَّا إن ضَرَبَها على نُشُوزِها، أو مَنَعَها حقَّها، لم يَحْرُمْ خُلْعُها لذلك؛ لأَنَّ ذلك لا يَمْنَعُهما أن لا يخافا أن لا يُقيما حُدودَ اللَّهِ.
وفى بعضِ حديثِ حَبِيبَةَ، أنَّها كانت تحتَ ثابتِ بنِ قَيْسٍ، فضرَبَها، فكَسَر ضِلَعَها، فأتَتِ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فدَعَا النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثابِتًا، فقال: «خُذْ بعضَ مَالِها وفارِقْها».
فَفعَلَ.
رَواه أبو داودَ 3. وهكذا لو ضربَها ظُلْمًا؛ لسُوءِ خُلُقِه أو غيرِه، لا يُرِيدُ بذلك أن تَفْتَدِىَ نفْسَها، لم يَحْرُمْ عليه مُخالَعَتُها؛ لأنَّه لم يَعْضُلْها ليَذْهَبَ ببعضِ 4 الَّذى آتاها، ولكنْ عليه إثمُ الظُّلْمِ.

..................................  فصل: فإن أتَتْ بفاحِشَةٍ، فعَضَلَها لتفْتَدِىَ نفْسَها منه، ففَعَلَتْ، صَحَّ الخُلْعُ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.
والاسْتِثْناءُ مِنَ النَّهْى إباحةٌ.
ولأنَّها متى زَنَتْ، لم يأْمَنْ أن تُلْحِقَ به ولدًا مِن غيرِه، وتُفْسِدَ فِراشَه، فلا تُقِيمَ حُدودَ اللَّهِ في حقِّه، فتَدخلُ في قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
وهذا أحدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
والقولُ الآخَرُ، لا يجوزُ؛ لأنَّه عِوَضٌ أُكْرِهَتْ عليه، أشْبَهَ ما لو لم تَزْنِ.
والعمَلُ بالنَّصِّ أوْلَى.

وَيَجُوز الْخلْعُ مِنْ كلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا، فَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، دُفِعَ الْمَالُ إِلَى وَلِيِّهِ،

3381 - مسألة-: (ويَصِحُّ الخُلْعُ مِن كُلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلاقُهُ، مُسْلِمًا كان أو ذِمِّيًّا)

لأنَّه إذا مَلَك الطَّلاق، وهو مُجَردُ إِسْقَاطٍ مِن غيرِ تَحْصِيلِ شئٍ، فَلَأَن يَمْلِكَه مُحَصِّلًا للعِوَضِ أولَى.
3382 -

مسألة: (فإن كان مَحْجُورًا عليه، دُفِعَ المالُ إلى وَلِيِّهِ)

لأَنَّ وَلِىَّ المَحْجُورِ عليه هو الَّذى يَقْبِضُ حُقُوقَه وأموَالَه، وهذا مِن حُقُوقِه.

وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، دُفِعَ إِلَى سَيِّدِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِى: يَصِحُّ الْقَبْضُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَصِحُّ خُلْعُهُ.

3383 - مسألة: (وإن كان عَبْدًا، دُفِعَ إلى سَيِّدِه)

لأنَّهُ للسَّيِّدِ؛ لكَوْنِه مِن أكسَاب عَبْدِه، وأكْسَابُهُ له.
وإن كان مُكاتَبًا، دُفِعَ العِوَضُ إليه؛ لأنَّه يَمْلِكُ أكْسَابَه، وهو الَّذى يتَصَرَّفُ لنفْسِه (وقال القاضى: يصِحُّ القَبْضُ مِن كلِّ مَن يَصِحُّ خُلْعُه) فعلى قولِه: يَصِحُّ قَبْضُ العَبْدِ والمَحْجُورِ عليه؛ لأنَّ مَن صَحَّ خُلْعُه صَحَّ قَبْضُه للعِوَضِ، كالمحْجُورِ عليه لفَلَسٍ.
واحْتَجَّ بقولِ أحمدَ: ما مَلَكَه العَبْدُ مِن خُلْعٍ فهو لسَيِّدِه، وإنِ اسْتَهْلَكَه لم يَرْجِعْ على الواهبِ والمُخْتَلِعةِ بشئٍ.
والمحْجورُ عليه في معنى العبدِ.
والأَولَى أنَّه لا يجوزُ؛ لأَنَّ العِوَضَ في الخُلْعِ لسَيِّدِ العبدِ،

وَهَلْ لِلأَبِ خُلْعُ زَوْجَةِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ طَلَاقُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فلا يجوزُ دَفْعُه إلى غيرِ مَن هو له بغيرِ (1) إذْنِ مالِكِه، والعِوَضُ في خُلْعِ المَحْجورِ عليه مِلْكٌ له، إِلَّا أنَّه لا يجوزُ تَسْلِيمُه إليه؛ لأَنَّ الحَجْرَ أفادَ مَنْعَه مِن التَّصَرُّفِ، وكلامُ أحمدَ محْمولٌ على ما أَتْلَفَه العبدُ قبلَ تَسْليمِه، وعلى أنَّ عَدَمَ الرُّجوعِ عليها لا يَلْزَمُ منه جوازُ الدَّفْعِ إليه، فإنَّه لو رجَعَ عليها لرجَعتْ على العبدِ، وتعلَّقَ حقُّها برقبَتِه، وهى مِلْكٌ للسَّيِّدِ، فلا فائدةَ في الرُّجوعِ عليها بما يُرْجَعُ به [في مالِه] (2). وإن سلَّمَتِ العِوَضَ إلى المَحْجورِ عليه، لم تَبْرَأْ (3)، فإن أخَذَه الوَلِىُّ منه، بَرِئَتْ، وإن أتْلفَه أو تَلِفَ، كان لوَلِيِّه الرُّجوعُ عليها به.

3384 -

مسألة: (وهل للأبِ خُلْعُ زَوْجةِ ابْنِه الصَّغيرِ أو طَلاقُها؟

123

..................................  على رِوايَتَيْنِ) إحْداهما، له ذلك.
قال أحمدُ في رَجُلَين زوَّجَ أحدُهما ابْنَه بابنَةِ الآخَرِ، وهما صَغِيرانِ، ثم إنَّ الأبوَيْنِ كَرِها، هل لهما أن يَفْسَخا؟ قال: قد اخْتُلِفَ في ذلك.
وكأنَّه رآه.
قال أبو بكرٍ: لم يَبْلُغْنى عن أبى عبدِ اللَّهِ في هذه المسألةِ إلَّا هذه الرِّوايةُ.
فتُخَرَّجُ على قوْلَيْنِ؛ أحدُهما، يَمْلِكُ ذلك.
وهو قولُ عَطاءٍ، وقَتادَةَ؛ لأنَّها وِلاية يَسْتَفِيدُ بها تَمْلِيكَ البُضْعِ، فجازَ أن يَمْلِكَ بها إزالَتَه إذا لم يَكُنْ مُتَّهَمًا، كالحاكمِ يَمْلِكُ الطَّلاقَ على الصَّغيرِ والمَجْنونِ بالإِعْسارِ، وتَزْوِيجَ الصَّغيرِ.
والقولُ الآخَرُ، لا يَمْلِكُ ذلك.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ، ومالكٍ؛ لقولِ

..................................  النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّما الطَّلاقُ لمَن أخذَ بالسَّاقِ».
روَاه ابنُ ماجه 1. وعن عمرَ أنَّه قال: إنَّما الطَّلاقُ [بيَدِ الَّذى] 2 يَحِلُّ له الفَرْجُ 3. ولأنَّه إسْقاطٌ لحقِّه، فلم يَمْلِكْه، كالإِبراءِ مِن الدَّيْنِ وإسْقاطِ القِصاصِ، ولأَنَّ طَرِيقَه الشَّهْوَةُ، فلم يدْخُلْ في الولايةِ 4. والقولُ في زَوْجَةِ عبدِه الصَّغيرِ، كالقولِ في زوجةِ ابنِه الصَّغْيرِ؛ لأنَّه في مَعْناه.
فأمَّا غيرُ الأبِ، فليس له 5 تَطْليقُ امرأةِ المُوَلَّى عليه، سواءٌ كان ممَّن يَمْلِكُ التَّزْويجَ،

وَلَيْسَ لَهُ خُلْعُ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ بِشَىْءٍ مِنْ مَالِهَا.
كَوَصِىِّ (1) الأبِ والحاكِمِ، على قولِ ابنِ حامِدٍ، أو لا يَمْلِكُه.
لا نَعْلَمُ في هذا خلافًا.

3385 -

مسألة: (وليس له خُلْعُ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ بشئٍ مِن مالِها)

لأنَّه إنَّما يَمْلِكُ التصرُّفَ بما لَها فيه الحَظُّ، وليس في هذا حَظٌّ، بل فيه إسْقاطُ نفَقَتِها وكُسْوَتِها وبَذْلُ مالِها.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ ذلك إذا رأى الحظَّ فيه، فإنَّه يجوزُ أن يكونَ لها الحظُّ فيه بتَخْلِيصِها ممَّن يُتْلِفُ مالَها، وتَخافُ منه على نفْسِها وعَقْلِها، ولذلك لم يُعَدَّ بذْلُ 2 المالِ في الخُلْعِ1

وَيَصِحُّ الْخُلْعُ مَعَ الزَّوْجَةِ وَمَعَ الأَجْنَبِىِّ،  تَبْذِيرًا ولا سَفَهًا، فيجوزُ له بَذْلُ مالِها لتَحْصيلِ حَظِّها ولحِفْظِ (1) نفْسِها ومالِها، كما (2) يجوزُ له (3) بذْلُه في مُداواتِها وفَكِّها مِن الأسْرِ.
وهذا مذهبُ مالكٍ.
والأبُ وغيرُه مِن أوْليائِها [في هذا] (4) سواءٌ، إذا خالَعوا في حَقِّ المجْنونةِ والمَحْجُورِ عليها للسَّفَهِ والصِّغَرِ.
فأمَّا إن خالعَ بشئٍ مِن مالِه، جازَ؛ لأنَّه يَجوزُ مِن الأجْنَبِىِّ، فمِن الوَلِىِّ أوْلَى.

3386 -

مسألة: (وَيَصِحُّ الخُلْعُ مع الزَّوْجَةِ)

وقد ذكَرْناه (و) يَصِحُّ (مع الأجْنَبِىِّ) بغيرِ إذْنِ المرأةِ، مثلَ أن يقولَ الأجْنَبِىُّ للزَّوْجِ: طَلِّقِ امْرأتَكَ بألْفٍ علَىَّ.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وقال أبو ثَوْرٍ:1234

..................................  لا يَصِحُّ، لأنَّه سَفَهٌ، فإنَّه يبْذُلُ عِوَضًا في مُقابلَةِ ما لَا مَنْفَعَةَ له فيه، فإنَّ المِلْكَ لا يَحْصُلُ له، فأَشْبَهَ ما لو قال: بعْ عَبْدَكَ لزيدٍ بألْفٍ علىَّ.
ولَنا، أنَّه بذْلُ مالٍ 1 في إسْقاطِ حَقٍّ عن غيرِه، فصَحَّ، كما لو قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ وعلىَّ ثَمَنُه.
ولأنَّه لو قال: ألْقِ مَتاعَكَ في البَحْرِ وعلىَّ ثَمَنُه.
صَحَّ ولَزِمَه ثَمَنُه، مع أنَّه لا يُسْقِطُ حَقًّا عن أحَدٍ، فههُنا أوْلَى، ولأنَّه حَقٌّ على المرأةِ، يجوزُ أن يُسْقِطَه عنها بعِوَض، فجازَ لغيرِها، كالدَّيْنِ، وفارَقَ البيعَ؛ فإنَّه تَمْلِيكٌ، فلا يجوزُ بغيرِ رِضَا مَنْ يَثْبُت 2 له المِلْكُ.
وإن قال: طَلِّقِ امْرأَتَكَ بمَهْرِها وأنا ضَامِنٌ له.
صَحَّ، ويَرْجِعُ 3 عليه بمَهْرِها.

وَيَصِحُّ بَذْلُ الْعِوَضِ فِيهِ مِنْ كُلِّ جَائِزِ التَّصَرُّفِ.

3387 - مسألة: (ويَصِحُّ بذلُ العِوَضِ فيه مِن كلِّ جائزِ التَّصَرُّفِ)

لأنَّه بذلُ عِوَضٍ في عَقْدِ 1 مُعاوَضَةٍ، أشْبَهَ الْبَيْعَ.
فصل: إذا قالتْ له امرأتُه: طَلِّقْنِى وضَرَّتِى بأَلْفٍ.
وطَلَّقَهما، وقعَ الطَّلاقُ بهما بائنًا، واسْتَحَقَّ الألْفَ على باذِلَتِه؛ لأَنَّ الخُلْعَ مِن الأجْنَبِىِّ جائزٌ.
وإن طَلَّقَ إحْداهما، فقال القاضى: تَطْلُقُ طلاقًا بائِنًا، ويَلْزَمُ الباذِلَةَ بحِصَّتِها مِن الألْفِ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ، إلَّا أنَّ بعضَهم قال: يَلْزَمُها مَهْرُ مِثلِ المُطَلَّقَةِ.
وقياسُ قولِ أصْحابِنا فيما إذا قالت: طَلِّقْنِى ثلاثًا بألْفٍ.
فطَلَّقَها واحدةً، لم يَلْزَمْها شئٌ، ووَقَعَتْ بها التَّطْليقَةُ، أن 2 لا يَلْزَمَ الباذلةَ ههُنا شئٌ؛ لأنَّه لم يُجِبْها إلى ما سألتْ، فلم يَجِبْ عليها ما بذَلَتْ، ولأنَّه قد يكونُ غَرَضُها في بَيْنُونَتِهما حميعًا منه، فإذا طَلَّق إحْداهما لم يحْصُلْ غَرَضُها، فلا يَلْزَمُها عِوَضُها.
فصل: فإن قالت: طلِّقْنِى بألْفٍ على أنَّ تُطَلِّقَ ضَرَّتِى -[أو- على أن لا تُطَلِّقَ ضَرَّتى] 3. فالخُلْعُ صحيحٌ، والشَّرطُ والبَذْلُ لازِمٌ.
وقال الشافعىُّ: الشَّرطُ والعِوَضُ باطلانِ، ويَرْجِعُ إلى مَهْرِ المِثْلِ؛ لأَنَّ الشَّرطَ

وَإِنْ خَالَعَتِ الْأَمَةُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهَا عَلَى شَىْءٍ مَعْلُومٍ، كَانَ فِى ذِمَّتِهَا تُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ.
سَلَفٌ في الطَّلاقِ، والعِوَضُ بعضه (1) في مُقابَلَةِ الشَّرطِ الباطلِ، فيكونُ الباقى مجهولًا.
وقال أبو حنيفةَ: الشَّرطُ باطلٌ والعِوَضُ صحيحٌ؛ لأَنَّ العَقْدَ يسْتَقِلُّ بذلك العِوَضِ.
ولَنا، أنَّها بذَلَتْ عِوَضًا في طَلاقِها وطَلاقِ ضَرَّتِها، فصَحَّ، كما لو قالت: طَلِّقْنِى وضَرَّتِى بألْفٍ.
فإن لم يَفِ لها بشَرْطِها، فعليه الأَقَلُّ مِنَ المُسَمَّى أو الألْفِ الذى شَرَطَتْه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَسْتَحِقَّ شيئًا مِن العِوَضِ؛ لأنَّها إنَّما بَذَلَتْه بِشَرْطٍ لم يُوجَدْ، فلم يسْتَحِقَّه، كما لو طَلَّقَها بغيرِ عِوَضٍ.

3388 -

مسألة: (فإن خَالَعَتِ الأمَةُ على شئٍ معْلُوم بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها، كان فِى ذِمَّتِها، تُتْبَعُ به بعدَ الْعِتْقِ)

الخُلْعُ مع الأمَةِ صحيحٌ، سواءٌ كان بإذْنِ سَيِّدِها أو بغيرِ إذْنِه؛ لأَنَّ الخُلْعَ يَصِحُّ مع الأجْنَبِى، فمع الزَّوْجَةِ أَوْلَى، ويكونُ طلاقُها على عِوَضٍ بائنًا، والخُلْعُ معها كالخُلْعِ مع الحُرَّةِ سَواءً.
فإن كان الخُلْعُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها على شئٍ في ذِمَّتِها،1

..................................  فإنَّه يَتْبَعُها إذا عتَقَتْ؛ لأنَّه رَضِىَ بذِمَّتِها.
وإن كان على عَيْنٍ، فقال الخِرَقِىُّ: إنَّه يَثْبُتُ في ذِمَّتِها مِثْلُه، أو قِيمتُه إن لم يكُنْ مِثْلِيًّا؛ لأنَّها لا تَمْلِكُ العَيْنَ، وما في يَدِها مِن شئٍ فهو لسَيِّدِها، فيَلْزَمُها بَدَلُه 1، كما لو خالَعَها على عبدٍ فخرجَ حُرًّا أو مُستَحَقًّا.
وقياسُ المذهبِ أنَّه لا شئَ له؛ لأنَّه إذا خالَعَها على عَيْنٍ وهو يَعْلَمُ أنَّها أمَةٌ، فقد عَلِمَ أنَّها لا تَمْلِكُ العَيْنَ، فيكونُ راضِيًا بغيرِ عِوَضٍ، فلا يكونُ له شئٌ، كما لو قال: خالَعْتُكِ على هذا المغْصُوبِ -أو- هذا الحُرِّ.
وكذلك ذَكَر القاضى في «المُجَرَّدِ»، قال: هو كالخُلْعِ على المغْصوبِ؛ لأنَّها لا تَمْلِكُها.
وهذا قولُ مالكٍ.
وقال الشافعىُّ: يَرْجِعُ عليها بمَهْرِ المِثْلِ.
كقولِه في الخُلْعِ على الحُرِّ والمغْصوبِ.
ويُمْكِنُ حملُ كلامِ الْخِرَقِىِّ على أنَّها ذَكرَت

..................................  لزَوْجِها أنَّ سَيِّدَها أَذِنَ لها في ذلك، ولم تكُنْ صادِقَةً، أو جَهِلَ أنَّها لا تَمْلِكُ العَيْنَ، أو يكونُ اخْتِيارُه فيما إذا خالَعَها على مغْصوبٍ؛ أنَّه يَرْجِعُ عليها بقِيمَتِه.
ويكونُ الرُّجوعُ عليها في حالِ عِتْقِها؛ لأنَّه الوقتُ الذى تَمْلِكُ فيه، فهى 1 كالمُعْسِرِ يُرْجَعُ عليه في حالِ يَسارِه، ويُرْجَعُ بقِيمَتِه أو مِثْلِه؛ لأنَّه مُسْتَحَقٌّ تَعَذَّرَ 2 تَسْليمُه مع بقاءِ سَبَبِ الاسْتِحْقاقِ، فَوجبَ الرُّجوعُ بمِثْلِه أو قِيمَتِه، كالمغْصُوبِ.
فصل: فإن كان الخُلْعُ بإذْنِ السَّيِّدِ، تعَلَّقَ العِوَضُ بذِمَّتِه، في قياسِ المذهبِ، كما لو أذِنَ لعَبْدِه في أنَّ يَسْتَدِينَ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يتعَلَّقَ برَقَبَةِ الأمَةِ، بِناءً على اسْتِدانَتِها 3 بإذْنِ سَيِّدِها.
وإن خالَعَتْ على مُعَيَّنٍ بإذْنِ السَّيِّدِ

وَإِنْ خَالَعَتْهُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهَا، لَمْ يَصِحَّ الْخُلْعُ، وَوَقَعَ طَلَاقُهُ رَجْعِيًّا.
فيه، مَلَكَه.
وإن أَذِنَ في قَدْرٍ مِن المالِ فخالَعَتْ بأكثرَ منه، فالزِّيادةُ في ذِمَّتِها.
وإن أطْلَقَ الإِذْنَ، اقْتَضَى الخُلْعَ بالمُسَمَّى لها، فإن خالعَتْ به أو بما دُونَه، لَزِمَ السَّيِّدَ (1)، وإن كان بأكثرَ منه تعلَّقَتِ الزِّيادةُ بذِمَّتِها، كما لو عَيَّنَ لها قَدْرًا فخالَعَتْ بأكثرَ منه.
وإن كانت مأْذونًا لها في التِّجارةِ، سَلَّمَتِ العِوَضَ ممَّا في يَدِها.
فصل: والحُكْمُ في المُكاتَبةِ (2)، كالحُكْمِ في الأمَةِ القِنِّ سَواءً؛ لأنَّها لا تَمْلِكُ التَّصرُّفَ فيما في يَدِها بتَبَرُّع وما لا حَظَّ فيه، وبَذْلُ المالِ في الخُلْعِ لا فائدةَ فيه مِن حيثُ تحْصيلُ المالِ، بل فيه ضَرَرٌ بسُقوطِ نَفَقَتِها، وبعْضِ مَهْرِها إن كانت غيرَ مَدْخُولٍ بها.
وإذا كان الخُلْعُ بغيرِ إذْنِ السَّيِّدِ، فالعِوَضُ في ذِمَّتِها، يَتْبَعُها به بعدَ العِتْقِ، وإن كان بإذْنِ السَّيِّدِ، سَلَّمَتْه ممّا (3) في يَدِها، وإن لم يَكُنْ في يَدِها شئٌ، فهو على سَيِّدِها.

3389 -

مسألة: (وإن خالَعَتْه المَحْجُورُ عليها، لم يَصِحَّ الخُلْعُ، ووَقَع طَلاقُه رَجْعِيًّا)

أمَّا المَحْجُورُ عليها للفَلَسِ، فَيَصِحُّ خُلْعُها وَبَذْلُها123

..................................  للعِوَضِ؛ لأَنَّ لها ذِمَّةً يَصِحُّ تَصرُّفُها فيها، ويَرْجِعُ عليها بالعِوَضِ إذا أيْسرَتْ وفُكَّ الحَجْرُ عنها، وليس له مُطالبَتُها في حالِ حَجْرِها، كما لو اسْتَدانَتْ منه، أو باعَها شيئًا في ذِمَّتِها.
وأمَّا المَحْجُورُ عليها لِسَفَهٍ أو صِغَر أو جُنُونٍ، فلا يَصِحُّ بَذْلُ العِوَضِ منها في الخُلْعِ؛ لأنَّه تَصرُّفٌ في المالِ، وليس هى مِن أهلِه، وسواءٌ أَذِنَ فيه الوَلِى أو لم يَأْذَنْ؛ لأنَّه ليس له الإِذْنُ في التَّبَرُّعاتِ، وهذا كالتَّبَرُّعِ.
وفَارقَ الأمةَ؛

وَالْخُلْعُ طَلَاقٌ بَائِنٌ إِلَّا أَنْ يَقَعَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ أوِ الْفَسْخِ أَوِ الْمُفَادَاةِ، وَلَا يَنْوِىَ بِهِ الطَّلَاقَ، فَيَكُونُ فَسْخًا لَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ، فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَفِى الأُخْرَى، هُوَ طَلَاقٌ بَائِنٌ بِكُلِّ حَالٍ.
لأنَّها أهْلٌ للتَّصرُّفِ، تَصِحُّ منها الهِبَةُ وغيرُها مِن التبَّرُّعاتِ بإذْنِ سَيِّدِها، ويُفارِقُ المُفْلِسَةَ؛ لأنَّها مِن أهلِ التَّصرُّفِ.
فإن خالعَ المحجورَ عليها بلَفْظٍ يكونُ طَلاقًا، فهو طلاقٌ رَجْعِىٌّ، ولا يَسْتَحِقُّ عِوَضًا، وإن لم يَكُنِ اللَّفْظُ ممَّا يَقَعُ به الطَّلاقُ، كان كالخُلْعِ بغيرِ عِوَض.
ويَحْتَمِلُ أن لا يقعَ الخُلْعُ 1 ههُنا؛ لأنَّه إنَّما رَضِىَ به بعِوَضٍ، ولم يحْصُلْ له، ولا أمْكَنَ الرُّجوعُ ببَدَلِه 2.

3390 -

مسألة: (والخُلْعُ طَلاقٌ بائنٌ، إلَّا أنَّ يَقَعَ بلَفْظِ الخُلْعِ أو الفَسْخِ أو المُفادَاةِ، ولا يَنْوِىَ به الطَّلاق، فيَكُونُ فَسْخًا لا يَنْقصُ بِه عَدَدُ الطَّلاقِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ.
والأُخْرَى، هو طَلاقٌ بائنٌ بكلِّ حالٍ)

اخْتلفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في الخُلعِ إذا لم يَنْوِ به الطَّلاقَ؛ فرُوِىَ

..................................  عنه أنَّه فَسْخٌ.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ، وطاوُسٍ، وعِكْرِمَةَ، وإسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ.
وهو أحدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
ورُوِىَ عنه أنَّه طَلْقةٌ بائنةٌ بكلِّ حالٍ.
رُوِى ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، والحسَنِ، وقَبِيصَةَ، وشُرَيْحٍ، ومُجاهِدٍ، وأبى سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرِحمنِ، والنَّخَعِىِّ، [والشَّعْبِىِّ] 1، والزُّهْرِىِّ، ومَكْحُولٍ، وابنِ أبى نجِيحٍ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى.
وقد رُوِى عن عثمانَ، وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، لكنْ ضَعَّفَ أحمدُ الحديثَ عنهم 2، وقال: ليس لنا في البابِ شئٌ أصَحَّ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّه فَسْخٌ.
واحْتَجَّ ابنُ عبَّاس بقولِه تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ 3. ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ 4. فذكرَ تطْليقتَيْنِ والخُلْعَ وتَطْلِيقةً بعدَها،

..................................  فلو كان الخُلْعُ طلاقًا لَكانَ أَرْبَعًا.
ولأنَّها فُرْقَةٌ خَلَتْ عن صَرِيحِ الطَّلاقِ ونِيَّتِه، فكانت فَسْخًا، كسائرِ الفُسُوخِ.
ووَجْهُ الرِّوايةِ الثَّانيةِ أنَّها بذَلَتِ العِوَضَ للفُرْقَةِ، والفُرْقَةُ التى يَمْلِكُ الزَّوْجُ إيقاعَها هى الطَّلاقُ دُونَ الفَسْخِ، فَوجبَ أنَّ يكونَ طلاقًا، ولأنَّه أتَى بكِنايةِ الطَّلاقِ قاصِدًا فِراقَها، فكان طلاقًا، كغيرِ الخُلْعٍ.
وفائدةُ الخلافِ أنَّا إذا قُلْنا: إنَّها 1 طَلْقَةٌ.
فخالَعها مَرَّةً، حُسِبَتْ طَلقةَ، فنَقَصَ بها عَدَدُ طَلاقِه، وإن خالَعَها ثلاثًا، لم تَحِلَّ له حتى تَنْكِحَ زوْجًا غيرَه.
وإن قُلْنا: هو فَسْخٌ.
لم تَحْرُمْ عليه 2 وإن خالعَها مائةَ مَرَّةٍ.
وهذا الخِلافُ فيما إذا خالَعَها

..................................  بغيرِ لَفْظِ الطَّلاقِ ولم يَنْوِه.
فأمَّا إن بذَلَتْ له 1 العِوَضَ على فِراقِها، فطَلَّقَها، فهو طلاقٌ لا اخْتِلافَ فيه، وكذلك إن وقعَ بغيرِ لَفْظِ الطَّلاقِ، مثلَ كِناياتِ الطَّلاقِ و 2 لفظِ الخُلْعِ أوْ المُفَاداةِ، ونَوَى به الطَّلاقَ، فهو طَلاقٌ أيضًا 3؛ لأنَّه كِناية نَوَى بها الطَّلاقَ، فكانت طلاقًا، كما لو كان بغيرِ عِوَضٍ، وإن لم يَنْوِ به الطَّلاقَ، فهو الذى فيه الرِّوايتانِ 4. فصل: وألْفاظُ الخُلْعِ تَنْقَسِمُ إلى صريحٍ وكِنايةٍ؛ فالصَّرِيحُ ثلاثةُ ألْفاظٍ: خالعْتُكِ؛ لأنَّه ثَبَتَ له العُرْفُ 5. والمُفاداةُ؛ لأنَّه وَرَد به في القرآنِ، بقولِه سبحانه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.

..................................  وفَسَخْتُ نِكاحَكِ؛ لأنَّه حَقِيقة فيه.
فإذا أتَى بأحَدِ هذه الألْفاظِ، وقعَ مِن غيرِ نِيَّةٍ، وما عدَا هذه، مثل: بارَأْتُكِ، [وأَبْرَأْتُكِ] 1، وأبَنْتُكِ.
فهو كِنايَةٌ؛ لأنّ الخُلْعَ أحَدُ نَوْعَى الفُرْقَةِ، فكان له صَرِيحٌ وكنايةٌ،

..................................  كالطَّلاقِ.
وهذا قولُ الشافعىِّ، إلَّا أنَّ له في لَفْظِ الفَسْخِ وَجْهَيْنِ.
فإذا

..................................  طلَبَت وبذَلَتِ العِوَضَ، فأجابَها بصَرِيحِ الخُلْعِ أو كنايَتِه، صَحَّ مِن غيرِ نِيَّةٍ؛ لأَنَّ دَلالةَ الحالِ مِن سُؤالِ الخُلْعِ وبَذْلِ العِوَضِ صارِفَةٌ إليه، فأغْنَى عَنِ النِّيَّةِ فيه، وإن لم تكُنْ دَلالةُ حالٍ، فأَتَى بصَريحِ الخُلْعِ، وقعَ مِن غيرِ نِيَّةٍ، سواءٌ قُلْنا: هو فَسْخٌ أو طلاقٌ.
ولا يَقَعُ بالكِنايةِ إلَّا بنِيَّةٍ ممَّن تَلفَّظَ به منهما، ككِناياتِ الطَّلاقِ مع صَريحِه.
فصل: ولا يحْصُلُ الخُلْعُ بمُجَرَّدِ بَذْلِ المالِ وقَبُولِه، مِن غيرِ لَفْظٍ مِن الزَّوْجِ.
قال القاضى: هذا الذى عليه شُيُوخُنا البَغْدادِيُّونَ، وقد أَوْمَأَ إليه أحمدُ.
وذهبَ أبو حَفْص العُكْبَرِىُّ، وابنُ شِهابٍ، إلى وُقوعِ الفُرْقَةِ بقَبُولِ الزَّوجِ للعِوَضِ.
وأفْتَى بذلك ابنُ شِهابٍ بعُكْبَرا 1، واعْترَضَ عليه أبو الحُسَيْنِ ابنُ هُرْمُزَ 2، واسْتَفْتَى، عليه مَن كان ببغدادَ مِن

..................................  أصْحابِنا، فقال ابنُ شِهَابٍ: المُخْتَلِعَةُ على وَجْهَيْنِ؛ مُسْتَبْرِئَةٌ، ومُفْتَدِيَةٌ، فالمُفْتَدِيَةُ هى التى تقولُ: لا أنا ولا أنت، ولا [أبَرُّ لكَ] 1 قَسَمًا، وأنا أفْتَدِى نَفْسِى منك.
فإذا قَبِلَ الفِديَةَ، وأخذَ المالَ، انْفَسَخَ النِّكاحُ؛ لأَنَّ إسْحاقَ بنَ مَنْصورٍ رَوَى 2، قال: قلتُ لأحمدَ: كيف الخُلْعُ؟ قال: إذا أخذَ المالَ، فهى فُرْقَة.
وقال إبراهيمُ النَّخَعِىُّ: أخْذُ المالِ تَطْليقةٌ بائنةٌ.
ونحوُ ذلك عن الحسَن.
وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهُ: مَن قَبِلَ مالًا على فِراقٍ، فهى تَطْليقةٌ بائنةٌ، لا رَجْعةَ فيها.
واحْتَجَّ بقولِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أَتَرُدِّينَ عليهِ حَدِيقَتَهُ؟» قالت: نعمَ.
ففَرَّق رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بينَهما.
وقال: «خُذْ ما أَعْطَيْتَها ولا تَزْدَدْ» 3. ولم يَسْتَدْعَ منه لَفْظًا.
ولأَنَّ دَلالةَ الحالِ تُغْنِى عن اللَّفْظِ؛ بدليلِ ما لو دَفَع ثَوْبَه 4 إلى قَصَّارٍ أو خيَّاطٍ مَعْروفَيْن بذلك، فعَمِلاه، اسْتَحَقَّا الأجْرَ وإن لم يَشْتَرِطا عِوَضًا.
ولَنا، أنَّ هذا أحَدُ نَوْعَى الخُلْعِ، فلم يَصِحَّ بدُونِ لَفْظٍ، كما لو سأَلَتْه أنَّ 5 يُطَلِّقَها بعِوَض، ولأنَّه تَصَرُّفٌ في البُضْعِ بعِوَضٍ، فلم يَصِحَّ بدُونِ اللَّفْظِ، كالنِّكاحِ والطَّلاقِ، ولأَنَّ أخْذَ المالِ

وَلَا يَقَعُ بِالْمُعْتَدَّةِ مِنَ الْخُلْعِ طَلَاقٌ وَلَوْ وَاجَهَهَا بِهِ.
قَبْضٌ لعِوَضٍ (1)، فلم يقُمْ بمُجَرَّدِه مَقامَ الإِيجابِ، كقَبْضِ أحَدِ العِوَضَيْنِ في البيعِ، ولأَنَّ الخُلْعَ إن كان طلاقًا، فلا يقعُ بدُونِ صَرِيحِه أو كِنايَتِه، وإن كان فَسْخًا فهو أحدُ طَرَفَىْ عَقْدِ النِّكاحِ، فيُعْتَبَر فيه اللَّفْظُ، كابْتِداءِ العَقْدِ.
فأمَّا حديث جَمِيلةَ، فقد روَاه البُخَارِىُّ (2): «اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْها تَطْلِيقَةً».
وهذا صَرِيحٌ في اعْتِبارِ اللَّفْظِ.
وفى رِوايةٍ: فأمَرَه فَفارَقَها.
ومَن لم يذْكرِ الفُرْقةَ، فإنَّما اقْتَصرَ على بعضِ القِصَّةِ، بدليلِ رِوايةِ مَن رَوَى الفُرْقةَ والطَّلاقَ، فإنَّ القصَّةَ واحدةٌ، والزِّيادةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، ويدلُّ على ذلك أنَّه قال: ففرَّقَ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بينَهما، وقال: «خذْ ما أَعْطَيْتَها».
فجعلَ التَّفْريقَ [قَبْلَ العِوَضِ] (3)، ونسَب التَّفْريقَ إلى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومعْلْومٌ أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يُباشِرُ التَّفْريقَ، فدَلَّ على أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرَ به، ولعلَّ الرَّاوِىَ اسْتَغْنَى بذِكْرِ العِوَضِ عن ذِكْرِ اللَّفْظِ؛ لأنَّه مَعْلومٌ منه.
وعلى هذا يُحْمَلُ كلامُ أحمدَ وغيرِه مِن الأئِمَّةِ، ولذلك لم يذْكُروا مِن جانِبِها لَفْظًا ولا دَلالةَ حالٍ، ولا بُدَّ منه اتِّفاقًا.

3391 -

مسألة: (ولا يَقَعُ بالمعْتَدَّةِ مِن الخُلْعِ طَلاقٌ ولو واجَهَها

123

..................................  به) وجملةُ ذلك، أنَّ المُخْتَلِعَةَ لا يَلْحَقُها طلاقٌ بحالٍ.
وبه قال ابنُ عبَّاسٍ، وابنُ الزُّبَيْرِ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرُ بنُ زيدٍ، والحسَنُ، والشَّعْبِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ أنَّه يَلْحَقُها الطَّلاقُ الصَّرِيحُ المُعَيَّنُ، دونَ الكِنايةِ والطَّلاقِ المُرْسَلِ، وهو أن يَقولَ: كُلُّ امْرأةٍ لى طالقٌ.
ورُوِىَ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٍ، وطاوُسٍ، والنَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، والحَكَمِ، وحَمَّادٍ، والثَّوْرِىِّ؛ لِما رُوِى عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «المُخْتَلِعَةُ يَلْحَقُها الطَّلاقُ ما دَامَتْ في العِدَّةِ» 1. ولَنا، أنَّه قولُ ابنِ عبَّاسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، ولا نَعْرِفُ لهما مُخالِفًا في عَصْرِهما.
ولأنَّها لا تَحِلُّ له إلَّا بنِكاحٍ جديدٍ، فلم يَلْحَقْها طَلاقُه، كالمُطَلَّقَةِ قبلَ الدُّخولِ.
أو المُنْقَضِيَةِ عِدَّتُها، ولأنَّه لا يَمْلِكُ بُضْعَها، فلم يَلْحَقْها طَلاقُه، كالأجْنبِيَّةِ، ولأنَّها لا يقعُ بها الطَّلاقُ المُرْسَلُ، ولا تَطْلُقُ بالكِنَايةِ، فلم يَلْحَقْها الصَّرِيحُ، كما قبلَ الدُّخولِ.
ولا فَرْقَ بينَ أنَّ يُواجِهَها به، فيقولَ: أنتِ طالقٌ.
أو لا يُواجِهَها به، مثلَ أن يقولَ: فلانةُ طالقٌ.
وحدِيثُهم لا نَعْرِفُ له أصْلًا،

وَإِنْ شَرَطَ الرَّجْعَةَ فِى الْخُلْعِ، لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَفِى الْآخَرِ، يَصِحُّ الشَّرْطُ وَيَبْطُلُ الْعِوَضُ.
ولا ذَكَرَه أَصْحابُ السُّنَنِ.

فصل

: ولا يَثْبُتُ في الخُلْعِ رَجْعةٌ، سواءٌ قُلْنا: هو فسخٌ أو طَلاقٌ.
في قَوْلِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسَنُ، وعَطاءٌ، وطاوسٌ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ.
وحُكِىَ عن الزُّهْرِىِّ وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ أنَّهما قالَا: الزَّوجُ بالخيارِ بينَ إمْساكِ العِوَضِ ولا رَجْعةَ له، وبينَ رَدِّه وله الرَّجْعةُ.
وقال أبو ثَوْرٍ: إن كان الخُلْعُ بلفظِ الطَّلاقِ، فله الرَّجْعةُ؛ لأَنَّ الرَّجعةَ مِن حُقوقِ الطَّلاقِ، فلا تَسْقُطُ بالعِوَضِ، كالوَلاءِ مع العِتْقِ.
ولنا (1)، قولُه سبحانه وتعالى: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
وإنَّما يكونُ فداءً إذا خَرجَتْ به (2) عن قَبْضَتِه وسُلْطانِه، وإذا كانت له الرَّجعةُ، فهى تحتَ حُكْمِه، ولأَنَّ القَصْدَ إزالةُ الضَّرَرِ عن المرأةِ، فلو جازَ ارْتجاعُها لَعادَ الضَّرَرُ، وفارَقَ الوَلاءَ؛ فإنَّ العِتْقَ لا يَنْفَكُّ منه، والطَّلاقُ ينْفَكُّ عنِ الرَّجْعةِ فيما قبلَ الدُّخولِ وإذا أكملَ العَدَدَ.

3392 -

مسألة: (وَإن شرَط الرَّجْعَةَ في الخُلْعِ، لم يَصِحَّ الشَّرْطُ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ. وفى الْآخرِ، يَصِحُّ الشَّرْطُ ويَبْطُلُ العِوَضُ)

12

..................................  إذا شرَط في الخُلْعِ الرَّجْعةَ، فقال ابنُ حامدٍ: يبْطُلُ الشَّرْطُ ويَصِحُّ الخُلْعُ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، وإحْدَى الرِّوايتَيْن عن مالكٍ؛ لأَنَّ الخُلْعَ لا يفْسُدُ بكَوْنِ عِوَضِه فاسدًا، فلا يفْسُدُ بالشَّرْطِ الفاسدِ، كالنِّكاحِ، ولأنَّه لفْظٌ يَقْتَضِى البَيْنُونَةَ، فإذا شَرَط الرَّجْعةَ معه، بطَل الشَّرْطُ، كالطَّلاقِ الثَّلاثِ.
والوَجْهُ الثَّانِى، يصِحُّ الشرْطُ 1 ويَبْطُلُ العِوَضُ، فتَثْبُتُ الرَّجْعةُ.
وهو مَنْصوصُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ شَرْطَ العِوَضِ والرَّجْعةِ يتَنافَيانِ، فإذا شَرطَاهما سقَطا، وبَقِىَ مُجَرَّدُ الطَّلاقِ، فنُثْبِتُ الرَّجْعةَ بالأصلِ لا بالشَّرْطِ، ولأنَّه شرَط في العَقْدِ ما يُنافِى مُقْتَضاه، فأبْطَلَه، كما لو شرَط أن لا يتَصَرَّفَ في المَبِيعِ.
وإذا حَكَمْنا بالصِّحَّةِ، فقال القاضى: يسْقُطُ المُسَمَّى في العِوَضِ؛ لأنَّه لم يَرْضَ به عِوَضًا حتى ضَمَّ إليه الشَّرْطَ، فإذا سقَط الشَّرْطُ، وجَب ضَمُّ النُّقْصانِ الذى نقَصَه مِن أجْلِه إليه، فيصيرُ مَجْهولًا، فيسْقُطُ، ويجِبُ المُسَمَّى في العَقْدِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يجبَ المُسَمَّى في الخُلْعِ؛ لأنَّهما تَراضَيا به عِوَضًا، فلم يجبْ غيرُه، كما لو خَلا عن شَرْطِ الرَّجْعةِ.

..................................  فصل: نقلَ مُهَنَّا في رجلٍ قالتْ له امْرأتُه: اجْعَلْ أمْرِى بيَدِى وأُعْطِيكَ عبْدِى هذا.
فقَبَضَ العبدَ، وجعَل أمرَها بيَدِها، وباعَ العبدَ قبلَ أن تقولَ المرأةُ شيئًا: هو له، إنَّما قالتْ: اجْعَلْ أمْرِى بيَدِى وأُعْطِيكَ.
فقيل له: متى شاءتْ تخْتارُ؟ قال: نعم، ما لم يَطَأها أو ينقُض.
فجعَل له الرُّجوعَ ما لم تُطَلِّقْ.
وإذا رجَع فيَنْبَغى أنَّ تَرْجِعَ عليه بالعِوَضِ؛ لأنَّه اسْتَرْجَعَ ما جعَلَ لها، فتَسْترجِعُ منه ما أعْطَتْه.
ولو قال: إذا جاءَ رأسُ الشَّهْرِ فأمْرُكِ بيَدِكِ.
مَلَك إبْطالَ هذه الصِّفَةِ؛ لأَنَّ هذا يجوزُ الرُّجوعُ فيه لو لم يكُنْ مُعَلقًا، فمع التَّعْليقٍ أوْلَى، كالوَكالةِ.
قال أحمدُ: ولو جعَلَتْ له امرأتُه ألْفَ درْهَمٍ على أنَّ يُخَيِّرَها، فاخْتارَتِ الزَّوْجَ، لا [يَرُدُّ عليها] 1 شيئًا.
ووَجْهُهَ أنَّ الأَلْفَ في مُقابَلَةِ تَمْليكِه إيَّاها الخِيارَ، وقد فعَل، فاسْتَحَق الألْفَ، وليس الأَلْفُ في مُقابَلَةِ الفُرْقَةِ.
فصل: إذا قالتِ امْرأتُه: طلِّقْنِى بدِينارٍ.
فطَلَّقَها، ثم ارْتَدَّتْ، لزِمَها الدِّينارُ، ووَقَعَ الطلاقُ بائنًا، ولا تُؤثِّرُ الرِّدَّةُ؛ لأنَّها وُجِدَتْ بعدَ البَيْنُونةِ.
وإن طَلَّقَها بعدَ رِدَّتِها قبلَ دُخولِه بها، بانَتْ بالرِّدَّةِ، ولم يقَعِ الطَّلاقُ؛

فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ الْخُلْعُ إِلَّا بِعِوَض فِى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِنْ خَالَعَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، لَمْ يَقَعْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا، فَيَقَعُ رَجْعِيًّا.
وَالأُخْرَى، يَصِحُّ بِغَيْرِ عِوَضٍ.
اخْتَارَهَا الْخِرَقِىُّ.
لأنَّه صادَفَها بائنًا.
فإن كان بعدَ الدُّخولِ، وقلْنا: إنَّ الرِّدَّةَ ينْفَسِخُ بها النِّكاحُ في الحالِ.
فكذلك.
وإن قُلْنا: تَقِف على انْقِضاء العِدَّةِ.
كان الطَّلاقُ مُرَاعًى.
فإن أقامَتْ على رِدَّتِها حتى انْقَضتْ عِدَّتُها، تَبَيَّنَّا أنَّها لم تكُنْ زَوْجَه (1) حينَ طَلَّقَها، فلم يقَع، ولا شئَ له عليها، وإن عادتْ إلى الإِسْلامِ، بانَ (2) أنَّ الطَّلاقَ صادَف زَوْجه (1)، فَوقعَ، واسْتَحَقَّ عليها العِوَضَ.

فصل

: قَالَ الشيخُ، رحِمَه اللَّهُ: (ولا يَصِحُّ الخُلْعُ إلَّا بعِوَضٍ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ، فإن خالَعَها بغيرِ عِوَضٍ، لم يَقَعْ، إلَّا أنَّ يَكُونَ طَلاقًا، فَيَقَعُ رَجْعِيًّا.
والأُخْرَى، يَصِحُّ بغيرِ عِوَضٍ.
اخْتارَها الخِرَقِىُّ) اخْتلَفتِ الرِّوايةُ [عن أحمدَ] 3 في هذه المسألةِ، فرَوى عنه ابْنُه عبدُ اللَّهِ، قال: قلتُ لأبى: رجلٌ عَلِقَتْ به امْرأتُه تقولُ: اخْلَعْنِى.
قال: قد خَلَعْتُكِ.
قال:12

..................................  يَتَزَوَّجُ بها، ويُجَدِّدُ نِكاحًا جديدًا، وتكونُ عندَه على ثِنْتَيْنِ 1. فظاهرُ هذا صِحَّةُ الخُلْعِ بغيرِ عِوَضٍ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّه قَطْعٌ للنِّكاحِ، فصَحَّ مِن غيرِ عِوَضٍ، كالطَّلاقِ، ولأَنَّ الأَصْلَ في مَشْرُوعِيَّةِ الخُلْعِ أنَّ يُوجَدَ مِنَ المرْأةِ رَغْبَةٌ عن زَوْجِها، أو حاجَة إلى فِراقِه، فتَسْألَه فِراقَها، فإذا أجابَها، حصَل المَقْصودُ مِن الخُلْعِ، فيَصِحُّ، كما لو كان بعِوَضٍ.
قال أبو بكرٍ: لا خِلافَ عن أبى عبدِ اللَّهِ، أنَّ الخُلْع ما كان مِن قِبَلِ النِّساءِ، فإذا كان مِن قِبَلِ الرِّجالِ، فلا نِزاعَ في أنَّه طَلاق يَمْلِكُ به الرَّجْعةَ، ولا يكونُ فَسْخًا.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يكونُ خُلْعٌ إلَّا بعِوَضٍ.
رَوَى عنه مُهَنَّا، إذا قال لها: اخْلَعِى نَفْسَكِ.
فقالتْ: خلَعْتُ نَفْسِى.
لم يكُنْ خُلْعًا إلَّا على شئٍ، إلَّا أنَّ يكونَ نَوَى الطَّلاقَ، فيكونُ ما نَوَى.
فعلى هذه الرِّوايةِ، لا يصِحُّ الخُلْعُ إلَّا بعِوَضٍ، فإن تَلفَّظَ به بغيرِ عِوَضٍ ونوَى الطَّلاقَ،

..................................  كان طلاقًا رَجْعِيًّا؛ لأنَّه يصْلُحُ كِنايةً عن الطَّلاقِ.
وإن لم يَنْوِ به الطَّلاقَ، لم يكُنْ شيئًا.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأَنَّ الخُلْعَ إن 1 كان فَسْخًا، فلا يَمْلِكُ الزوجُ فَسْخَ النِّكاحِ إلَّا لِعَيْبِها.
ولذلك لو قال: فسَخْتُ النِّكاحَ.
ولم يَنْوِ به الطَّلاقَ، لم يَقَعْ شئٌ، بخلافِ ما إذا دخلَه العِوَضُ، فإنَّه يَصيرُ مُعاوَضَةً، فلا يجْتَمِعُ له العِوَضُ والمُعَوَّضُ.
وإن قُلْنا: الخُلْعُ طَلاقٌ.
فليس بصَريح فيه اتفاقًا، وإنَّما هو كِنايةٌ، والكنايةُ لا يَقَعُ بها الطلاقُ إلَّا بنِيةٍ، أو بَذْلِ العِوَضِ، فيَقُومُ مَقامَ النِّيَّةِ، وما وُجِدَ واحدٌ منهما.
ثم إن وَقَع الطَّلاقُ، فإذا لم يكُنْ بعِوضٍ، لم يَقْتَضِ البَيْنُونةَ إلَّا أن تَكْمُلَ الثَّلاثُ.
فصل: فإن قالت: بِعْنِى عَبْدَكَ هذا وطلِّقْنِى بألْفٍ.
ففَعَلَ، صَحَّ، وكان بيْعًا وخلعًا بعِوَضٍ واحدٍ؛ لأنَّهما عَقدانِ يصِحُّ إفرادُ كلِّ واحدٍ منهما

جارٍ التحميل