..................................
فلم يُدْرَ أيُّهُما مات قبلَ صاحِبه، فلم تَرِثْه ولم يَرِثْها، وأنَّ أهلَ صِفِّينَ وأهلَ الْحَرَّةِ لم يَتَوارَثُوا.
ولأنَّ شَرْطَ التَّوَارُثِ حياةُ الوارثِ بعدَ موتِ الموْرُوثِ، وليسَ بمعلومٍ، فلا يَثْبُتُ التَّوريثُ مع الشَّكِّ في شَرْطِه، ولأنَّه مَشْكوكٌ في حياتِه حينَ موتِ مَوْرُوثِه، فلم يَرِثْه، كالحملِ إذا وضَعَتْهُ مَيِّتًا، ولأنَّ تَوْرِيثَ كُلِّ واحدٍ منهما خطأٌ قطعًا؛ لأنَّه لا يَخْلُو مِن أن يكونَ مَوْتُهما معًا أو يسبقَ أحَدُهما به، وتَوْريثُ السّابقِ بالموتِ والميِّتِ معه
..................................
خطأ يقينًا مُخالفٌ للإِجْماعِ، فكيفَ يُعْمَلُ به! فإن قيل: ففي قَطْعِ التَّورِيثِ قَطْعُ تَوْريثِ المَسْبوقِ بالموتِ، وهو خَطَأٌ أيضًا.
قُلْنا: هذا غَيرُ مُتَيقَّنٍ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ مَوْتُهُما معًا، فلا يكونُ منهما مَسْبوقٌ.
وقد احتجَّ أصحابُنا لتلك الرِّوايةِ بما روَى إياسُ بنُ عبدٍ 1 المُزَنِيُّ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ عن قوم وَقَع عليهم بيتٌ.
فقال: يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
قال شيخُنا 2: والصَّحيحُ أنَّ هذا إنَّما هو عن إياسٍ نَفْسِه، وأنَّه هو المسئولُ، وليس بروايةٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. هكذا رَواه سعيدٌ في «سُنَنِه».
وحَكاهُ الإِمامُ أحمدُ عنه 3. وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ سُرَيجٍ 4، وطائِفةٌ مِن
فَعَلَى هَذَا لَوْ غَرِقَ أَخَوَانِ، أَحَدُهُمَا مَوْلَى زَيدٍ وَالْآخَرُ مَوْلَى عَمْرٍو، صَارَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَوْلَى الْآخَرِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الأوَّلِ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَوْلَاهُ، وَهُوَ أَحْسَنُ.
البَصْرِيِّينَ: يُعْطَى كُلُّ وارثٍ اليقينَ، ويُوقَفُ المشْكوكُ فيه حتى يَتَبَيَّنَ الأمرُ أو يَصْطَلِحوا.
وقال الخَبْرِيُّ: هذا هو الحُكْمُ فيما إذا عُلِمَ موتُ (1) أحدِهما قبلَ الآخَرِ.
ولم يَذكُرْ فيه خلافًا.
2846 -
مسألة قال: (فلو غَرِقَ أخَوانِ، أحدُهما موْلَى زيدٍ والآخَرُ موْلَى عمرٍو)
فمَن لم يُوَرِّثْ أحدَهما مِن صاحِبِه جعل ميراثَ كُلِّ1
..................................
واحِدٍ لِمَولاه، (هو أحْسَنُ) ومَن وَرَّثَ أحدَهُما مِن الآخَرِ جعل [مال كلِّ] 1 واحِدٍ منهما لموْلَى الآخَرِ، ومَن قال بالوَقْفِ وَقَفَ مالهما.
وإنِ ادَّعَى كُلُّ واحدٍ منهما أنَّ موْلاه آخِرُهما موتًا حَلَف كُلُّ واحِدٍ منهما على إبْطالِ دَعْوَى الآخَرِ وأخذ مال موْلاهُ، على ما ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
وإن كان لهما أختٌ، فمَن وَرَّثَ كُلَّ واحِدٍ منهما مِن صَاحِبِه جعل لها 2 الثُّلُثَين مِن مالِ كُلِّ واحِدٍ منهما، والنِّصفَ على القولِ الثاني.
وإن خَلَّفَ كُلُّ واحِدٍ منهما بنتًا وزَوجَةً، فمَن لم يُورِّثْ بعضَهم مِن بعضٍ صَحَّحها مِن ثمانيةٍ؛ لامرأتِه الثُّمْنُ، ولابنَتِهِ النِّصفُ، والباقي لموْلَاه، ومَن وَرَّثَهُم جعل الباقيَ لأخيهِ، ثم قَسَمَه بينَ ورَثَةِ أَخِيه على ثمانيةٍ، ثم ضَرَبَها في الثمانيةِ الأُولَى، فصَحَّت مِن أربعةٍ وسِتِّين؛ لامرأتِه ثمانيةٌ، ولابْنَتِه اثْنان وثلاثون، ولامرأةِ أخيه ثُمْنُ الباقي ثلاثةٌ، ولابنتِه اثنا عشَرَ، ولموْلاه الباقي تِسْعَةٌ.
أخٌ وأُخْتٌ غَرِقا ولهما أمٌّ وعَمٌّ وزَوْجانِ، فمَن وَرَّثَ كُلَّ واحدٍ منهما مِن صاحبِه جعل ميراثَ الأخِ بينَ امرأتِه وأُمِّه وأُخْتِه على ثَلاثَةَ عشَرَ، فما أصابَ الأُخْتَ منها فهو بينَ زَوْجِها وأُمِّها وعَمِّها على سِتَّةٍ، فصحَّتِ المَسألتان مِن ثَلاثَةَ عَشَرَ؛ لامرأةِ الأخِ ثَلاثَةٌ، ولزوجِ الأخْتِ ثلاتْةٌ، وللأُمِّ أربعةٌ بميراثِها مِن الأخِ، واثْنان بميراثِها مِن الأختِ، وللعَمِّ سهْمٌ،
..................................
وميراثُ الأختِ بينَ زوجِها وأُمِّها وأخيها على سِتَّةٍ، لأخِيها سَهْمٌ بينَ امرأتِه وأُمِّه وعَمِّه على اثنَيْ عَشَرَ، تَضْرِبُها في الأُولَى تكنِ اثنين وسبعين، والضَّرَرُ في هذا القولِ على مَن يَرِثُ مِن أحَدِ الميِّتَينِ دونَ الآخَرِ، والنَّفْعُ لمَنْ يَرِثُ مِنهما.
ثلاثَةُ إخْوَةٍ لأبوَين غَرِقُوا ولهم أُمٌّ وعَصَبَةٌ، فقَدِّرْ موتَ أحَدِهم أوَّلًا، فلأُمِّه السُّدْسُ، والباقي لأخوَيهِ، فتصِحُّ مِن اثْنَيْ عَشَرَ، لكُلِّ واحِدٍ مِن إخْوَتِه خَمْسَةٌ، بينَ أُمِّه وعَصَبَتِه على ثلاثةٍ، فتَضْرِبُها في الأُولَى تكن سِتَّةً وثلاثين، للأُمِّ مِن ميراثِ الأوَّلِ سِتَّةٌ، وممّا وَرِثَه كُلُّ واحدٍ مِن الأخوَين خمسةٌ، فصار لها سِتَّةَ عَشَرَ، والباقي للعَصَبَةِ، ولها مِن مِيراثِ كُلِّ واحِدٍ مِن الأخَوَين مثلُ ذلك.
ذكرَ هذه المسْألَةَ أبو بكرٍ.
ثلاثَةُ إخْوَةٍ مُفْتَرِقين غَرِقُوا وخَلَّفَ كُلُّ واحِدٍ منهم أُخْتَه لِأَبَوَيه، فَقَدِّرْ مَوْتَ الأَخَ مِن الأبوَينَ أوَّلًا عن أُخْتِه مِن أبَوَيه، وإخوتِه مِن أبِيه، وإخوتِه مِن أُمِّه، فصَحَّتْ مسألتُه مِن ثمانِيةَ عَشَرَ، لأخِيهِ مِن أُمِّه مِنها ثَلاثةٌ، بينَ أُخْتِه مِن أبَوَيه وأُخْتِه مِن أُمِّه، على أرْبَعَةٍ، وأصاب الأخَ [مِن الأبِ] 1 منها اثْنان، بينَ أخِيه مِن أربوَيهِ وأُخْتِه مِن أبِيه، على أرْبَعَةٍ، فتَجْتَزِئُ بإحْداهما، وتَضْرِبُها في الأُخْرى تكنِ اثْنَين وسَبْعين، ثم قَدِّرْ مَوْتَ الأخِ مِن الأمِّ عن أُخْتٍ لأبَوَين وأخٍ وأخْتٍ مِن أُمٍّ، فمسألتُه مِن خَمْسَةٍ، مات أخُوه لأُمِّه عن ثلاثِ أخواتٍ مُفْتَرِقاتٍ، وهي مِن خمْسةٍ أيضًا، تَضْرِبُها في
..................................
الأُولَى تكنْ خَمْسَةً وعِشْرِين، ثم قَدِّرْ موتَ الأخِ مِن الأبِ عن أُختِه لأبويه وأخٍ وأُخْتٍ لأبِيه، فهي مِن سِتَّةٍ، ثم مات أُخُوه لأبِيه عن ثلاثِ أخواتٍ مُفْتَرِقاتٍ، فهي مِن خَمْسَةٍ، تَضْرِبُها في الأُولى تكنْ ثلاثين.
فإن خَلَّفَ بنتًا وأَخَوَين، فلم يَقْتَسِموا التَّرِكَةَ حتى غَرِقَ الأخوان وخَلَّفَ أحَدُهما زَوْجَةً وبنتًا وعَمًّا، وخَلَّفَ الآخَرُ ابنين وابنتين؛ الأُولَى مِن أرْبَعَةٍ، مات أحَدُهما عن سَهْمٍ، ومسْألَتُه مِن ثمانيةٍ، لأخيه منها ثَلاثَةٌ بينَ أوْلَادِه على سِتَّةٍ، رَجَعُوا إلى اثْنَين، تَضْرِبُها في ثمانيةٍ تكنْ سِتَّةَ عَشَرَ، وفَرِيضَةُ الآخرِ مِن سِتَّةٍ، يَتَّفِقان بالنصْفِ، فاضْرِبْ نِصْفَ إحْداهما في الأُخْرى تكنْ ثمانِيةً وأرْبَعين، ثم في أرْبَعَةٍ تكنْ مِائةً واثْنَين وتِسْعِينَ؛ للبنتِ نِصْفُها، ولِأوْلادِ الأخِ عن أبيهِم رُبْعُها، وعن عَمِّهم ثَمانِيَةَ عَشَرَ، اجْتَمَعَ لهم سِتَّةٌ وسِتُّون، ولامرأةِ الأخِ سِتةٌ، ولبِنْتِه أرْبَعَةٌ وعِشْرون.
فصل: وإن عُلِمَ أنَّهما ماتا معًا في حالٍ واحِدَةٍ، لم يَرِثْ أحدُهما صاحبَه ووَرِثَ كُلَّ واحدٍ الأحْياءُ مِن وَرَثَتِه؛ لأنَّ تَوْرِيثَه مَشْروطٌ بحياتِه بعدَه، وقد عُلِمَ انْتِفاءُ ذلك.
وإن عُلِمَ أنَّ أحدَهما مات قبلَ صاحبِه بعينِه ثم أَشْكَلَ، أُعْطِيَ كُلُّ وارِثٍ اليقينَ، ووُقِفَ الباقي حتى يَتَبَيَّنَ الأمْرُ أو يصْطَلِحوا عليه 1. قال القاضي: وقياسُ المذهبِ أن يُقْسَمَ على سبيلِ ميراثِ الغَرْقَى الذين جُهِلَ حالُهم.
واللهُ أعلم.
بَابُ مِيرَاثِ أَهْلِ الْمِلَل
لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ،
بابُ ميراثِ أهلِ المللِ
(لا يَرِثُ المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ) أجْمَع أهلُ العلمِ على أنَّ الكافِرَ لا يَرِثُ المسلمَ.
وقال جمهورُ الصحابةِ والفقهاءِ: لا يَرِثُ المسلمُ الكافرَ.
رُوِيَ ذلك عن أبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وأسامةَ بنِ زيدٍ، وجابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وبه قال عمرُو بنُ عثمانَ 1، وعُرْوَةُ، والزُّهْرِيُّ، وعَطاءٌ، وطاوسٌ، والحسنُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وعمرُو بنُ دينارٍ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفَةَ وأصحابُه، ومالكٌ، والشافعيُّ، وعامةُ الفقهاءِ، وعليه العَمَلُ.
ورُوِيَ عن عمرَ، ومُعاذٍ، ومعاويةَ، رَضِيَ الله عنهم، أنَّهم ورَّثُوا المسلمَ مِن الكافِرِ ولم يُوَرِّثُوا الكافِرَ مِن المسلمِ.
حُكِيَ ذلك عن محمدِ بنِ الحنفيةِ، وعليِّ بنِ الحسينِ،
..................................
وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، ومسروقٍ، وعبدِ اللهِ بنِ مَعْقلٍ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، ويحيى بنِ يَعْمُرَ 1، وإسحاقَ.
وليس بموثوقٍ به عنهم، فإنَّ أحمدَ قال: ليس بينَ الناسِ اختلافٌ في أنَّ المسلمَ لا يرثُ الكافِرَ.
ورُوِيَ أنَّ يحيى بنَ يَعْمُرَ احتجَّ لقولِه، فقال: حدَّثَني أبو الأسْودِ، أنَّ مُعاذًا حدَّثه، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الإِسْلَامُ يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ» 2. ولأنَّا نَنْكِحُ نِساءَهم ولا يَنْكِحون نِساءَنا، فكذلك نرِثُهم ولا يَرِثونا.
ولَنا، ما رَوى أسامةُ بنُ زيدٍ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لا يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ، ولَا المسلمُ الكافِرَ».
مُتَّفَقٌ عليه 3. ولأنَّ الولايةَ مُنْقَطِعةٌ بينَ المسلمِ
إلا أنْ يُسْلِمَ قَبْلَ قَسْمِ مِيرَاثِهِ فَيَرِثَهُ.
وَعَنْهُ، لَا يَرِثُ.
والكافرِ فلم يَرِثْه، كما لا يَرِثُ الكافِرُ المسلمَ.
فأمّا حَديثُهم فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّ الإِسلامَ يَزِيدُ بمَن يُسْلِمُ وبما يُفْتَحُ مِن البلادِ لأهلِ الإِسلامِ، ولا يَنْقُصُ بمَن يَرْتَدُّ؛ لقلةِ مَن يَرْتَدُّ وكثْرةِ مَن يُسْلِمُ، وعلى أنَّ حديثَهم مُجْمَلٌ وحديثَنا مُفَسَّرٌ، وحديثُنا أصَحُّ فيَتَعَيَّنُ تَقديمُه.
والصَّحيحُ (1) أنَّه قال: لا نَرِثُ أهلَ المِلَلِ ولا يَرِثُونَنَا.
وقال في عَمَّةِ الأشْعَثِ: يَرِثُها أهلُ دينِها (2).
2847 -
مسألة: (إلَّا أن يُسْلِمَ قبلَ قَسْمِ الميراثِ فيرِثُه. وعنه، لا يَرِثُ)
اختلفتِ الرِّوايةُ في مَن أسْلَمَ قبلَ قَسْمِ ميراثِ مَوْرُوثِه المسلِمِ؛ فنقل الأثْرَمُ، ومحمدُ بنُ الحَكَمِ، أنَّه يَرِثُ.
ورُوِيَ نحوُ هذا عن عمرَ،12
..................................
وعثمانَ، والحسنِ بنِ عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، رَضِيَ الله عنهم.
وبه قال جابرُ بنُ زيدٍ، والحسنُ، ومكحولٌ، وقَتَادةُ، وحُمَيدٌ، وإياسُ بنُ معاويةَ، وإسحاقُ، فعلى هذا، إن أسْلَمَ قَبْلَ قَسْمِ بَعْض المألِ وَرِثَ ممّا بَقِيَ.
وبه قال الحسنُ.
ونَقَل أبو طالبٍ، في مَن أسْلَمَ بعدَ الموتِ: لا يَرِثُ، قدْ وَجَبَتِ المواريثُ لأهْلِها.
وهو المشهورُ عن عليٍّ، رضي اللهُ عنه.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعطاءٌ، وطاوسٌ، والزُّهْرِيُّ، وسليمانُ بنُ يسارٍ، والنَّخَعِيُّ، والحَكَمُ، وأبو الزِّنادِ، وأبو حنيفَةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأكثرُ أهلِ العلمِ؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَرِثُ الكافِرُ المسلِمَ».
ولأنَّ المِلْكَ قد انْتَقَلَ بالموتِ إلى المسلمين، فلم يُشارِكْهم مَن أسلمَ، كما لو اقْتَسَموا.
ولأنَّ المانِعَ مِن الإِرْثِ مُتحَقِّقٌ حال وُجودِ الموتِ، فلم يَرِثْ، كما لوكان رَقِيقًا فأُعْتِقَ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ بَهُ».
رَواه سعيدٌ 1 مِن طَرِيقَين عن عُرْوَةَ،
..................................
وابنِ أبي مُلَيكَةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وروَى أبو داودَ 1 بإسْنادِه، عن ابنِ عباسٍ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُّ قَسْم قُسِمَ في الجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلى مَا قُسِمَ، وكُلُّ قَسْم أدْرَكَهُ الإِسْلَامُ فإنَّهُ علَى قَسْمِ الإسْلَامِ».
وروَى ابنُ عبدِ البرِ في «التَّمْهِيدِ» بإسنادِه، عن زَيدِ بنِ قتادةَ العَنْبَرِيِّ، أنَّ إنْسانًا مِن أهْلِه مات على غَيرِ دينِ 2 الإِسلامِ، فورِثَتْه أُخْتِي دُونِي، وكانت على دينِه، ثم إنَّ جَدِّي أسْلَمَ وشَهِدَ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حُنَينًا فَتُوفِّيَ، فلَبِثْتُ سنةً، وكان تَرَك ميراثًا، ثم إنَّ أُخْتى أسْلَمَتْ، فخاصَمَتْني في الميراثِ إلى عثْمانَ، فحدَّثَه [عبدُ اللهِ] 3 بنُ أرقمَ، أنَّ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، قَضى أنَّه مَنْ أسْلَمَ على مِيراثٍ قبلَ أنْ يُقْسَمَ فله نَصِيبُه، فقَضَى به عُثمانُ، فذَهَبَت بذاك الأوَّلِ، وشارَكَتْني في هذا 4. وهذه قصةٌ اشْتَهَرتْ فلم تُنْكَرْ،
وَإنْ عَتَقَ عَبْدٌ بَعْدَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ وَقَبْلَ الْقَسْمِ لَمْ يَرِثْ، وَجْهًا وَاحِدًا.
فكانت إجماعًا.
ولأنَّه لو تَجَدَّدَ له صَيدٌ بعدَ موتِه وَقَعَ في شَبَكَتِه التي نَصَبَها في حياتِه ثَبَتَ له المِلْكُ فيه، ولو وَقَع إنسان في بِئْرٍ حَفَرَها لتَعلَّقَ ضَمانُه بتَرِكَتِه بعدَ موتِه، فجازَ أن يتجدَّدَ حَقُّ مَن أسْلَمَ مِن وَرَثَتِه؛ ترغيبًا في الإِسلامِ، وحثًّا عليه.
فأمّا إذا قُسِمَتِ التَّرِكَةُ وتعيَّنَ حَقُّ كُلِّ وارثٍ ثم أسْلَمَ فلا شيءَ له، فإنْ كان الوارِثُ واحدًا، فمتى تَصَرَّفَ في التَّرِكَةِ واحْتازَها كان كقَسْمِها.
2848 -
مسألة: (وإن عَتَقَ عبدٌ بعدَ موتِ مَوْروثِه وقبلَ القسمِ لم يَرِثْ، وَجْهًا واحِدًا)
نصَّ عليه أحمدُ في روايةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ، وَفرَّقَ بينَ الإسلامِ والعِتْقِ.
وعلى هذا جمهورُ الفقهاءِ مِن الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم.
ورُوِيَ عن ابنِ مَسْعودٍ، أنَّه سُئِلَ عن رجلٍ مات وتَرَك أباه عَبْدًا
..................................
فأُعْتِقَ قبلَ أن يُقْسَمَ ميراثُه، فقال: له مِيراثُه.
وحُكِيَ عن مَكْحولٍ، وقَتادةَ، أنَّهما وَرَّثا مَن أُعْتِقَ قبلَ القِسْمَةِ، لأنَّ المانِعَ مِن الميراثِ زال قبلَ القِسْمَةِ، أشْبَهَ ما لو أسْلَمَ.
وقال أبو الحسنِ التَّمِيمِيُّ: يُخَرَّجُ على قولِ مَن ورَّثَ المسلمَ أن يُوَرَّثَ العبدُ إذا أُعْتِقَ.
وليسَ بصحيحٍ، فإنَّ الإِسلامَ قُرْبَةٌ، وهو أعْظَمُ الطَّاعاتِ، والقُرَبُ وَرَد الشَّرْعُ بالتأليفِ عليها، فوَرَد الشَّرْعُ بتَوْريثِه؛ تَرْغِيبًا له في الإِسلامِ وحثًّا عليه، والعِتْقُ لا صُنْعَ له فيه، ولا يُحْمَدُ عليه، فلم يَصِحَّ قِياسُه عليه، ولولا ما وَرَد مِن الأثَرِ في تَوْريثِ مَن أَسْلَمَ لَكان النَّظَرُ يَقْتَضِي أن لا يَرِثَ مَن لم يكنْ مِن أهلِ الميراثِ حينَ الموتِ؛ لأنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ به إلى الوَرَثَةِ، فيَسْتَحِقُّونَه، فلا يَبْقَى لمن حَدَث شيءٌ، وإنَّما خالفْناه في الإِسلامِ للأَثَرِ، وليس في العِتْقِ أثَر يَجِبُ التَّسْلِيمُ له، ولا هو في معنَى ما فيه الأثرُ، [فيَبْقَى على مُوجِبِ القياسِ] 1.
وَيَرِثُ أهْلُ الذِّمَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِنِ اتَّفَقَتْ أدْيَانُهُمْ.
وَهُمْ ثَلَاثُ
فصل: ولو مَلَك ابنَ عَمِّه فدَبَّرَه، فعَتَق بموتِه، لم يَرِثْ؛ لأنَّه رقِيقٌ حينَ الموتِ.
فإن قال: أنتَ حُرٌّ في آخِر حياتي.
عَتَق ووَرِثَ؛ لأنَّه حُرٌّ حينَ الموتِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَرِثَ؛ لأنَّ عِتْقَه وصِيَّةٌ له، فيُفْضِي إلى الوصِيَّةِ للوارثِ.
2849 -
مسألة: (ويَرِثُ أهْلُ الذِّمَّةِ بعضُهم بعضًا إنِ اتَّفَقَتْ أَدْيانُهم)
وجملةُ ذلك، أنَّ الكُفارَ يَتَوارَثون إذَا كان دِينُهم واحدًا، لا نَعْلَمُ بينَ أهْلِ العِلْمِ فيه خِلافًا.
ولا فَرْقَ في ذلك بينَ أهْلِ الذِّمَّةِ وغيرهم مِن الكُفارِ؛ لأنَّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَرِثُ المسْلِمُ الكَافِرَ، ولا الكَافِرُ المسْلِمَ» 1. دليلٌ على أنَّ بعضَهم يَرِثَ بعضًا.
[وكذلك قولُه: «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَين شَتَّى» 2. دليل على أنَّ أهْلَ المِلَّةِ الواحدةِ يَرِثُ
مِلَل؛ الْيَهُودِيَّةُ، وَالنَّصْرَانِيَّةُ، وَدِينُ سَائِرِهِمْ.
بعضُهم بعضًا] (1). وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وهل تَرَك لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دارٍ» (2). دليلٌ عَلى أنَّ عَقِيلًا وَرِثَ أبا طالبٍ دُونَ جَعْفَرٍ وعَلِيٍّ؛ لأنَّهما كانا مُسلِمَين، وكان عَقِيل على دينِ أبيه مُقيمًا بمكةَ، فكذلك لمّا قيل للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أينَ تَنْزِلُ غدًا؟ قال: «وهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ».
وقال عمرُ في عَمَّةِ الأشْعَثِ بنِ قَيسٍ: يَرِثُها أهْلُ دينِها.
2850 -
مسألة: (وهم ثلاثُ مِلَلٍ؛ اليهوديَّةُ، والنَّصرانيَّةُ، ودينُ سائِرِهم)
اخْتَلَفَتِ الروايةُ عن أحمدَ، رحمهُ الله، في ذلك، فرَوَى عنه حَرْبٌ أَنَّ الكُفْرَ كُلَّه ملةٌ واحِدَةٌ.
اخْتارَها الخَلَّالُ.
وبه قال حَمادٌ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وأبو حنيفَةَ، والشافعيُّ، وداودُ؛ لأنَّ توْريثَ الآباءِ مِن الأبناءِ والأبناءِ مِن الآباءِ، مذكورٌ في كتابِ الله تعالى ذِكْرًا عامًّا، فلا يُتْرَكُ إلَّا فيما اسْتَثْناه الشَّرْعُ، وما لم يسْتَثْنِه يَبْقَى على العُموم.
ولأنَّ قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ 3. عامٌّ في جميعِهم.
ورُوِيَ عن أحمدَ أنَّ الكُفْرَ مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
وهو قولُ كثيرٍ مِن أهْلِ العلمِ؛ لأنَّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَينِ شَتَّى».
ينْفي تَوارُثَهما ويَخُصُّ عمومَ الكتابِ، ولم نَسْمَعْ عن أحمدَ تصريحًا بذكرِ أقْسامِ المِلَلِ.
وقال القاضي: الكفرُ ثَلاثُ مِلَلٍ؛ اليهوديَّةُ،12
..................................
والنَّصرانيَّةُ، ودينُ مَن عَدَاهم؛ لأنَّ مَن عَداهم يجْمَعُهم أنَّه لا كتابَ لهم.
وهذا قولُ شُرَيحٍ، وعطاءٍ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والضَّحَّاكِ، والحَكَمِ، والثَّوْرِيِّ، واللَّيثِ، وشَرِيكٍ، ومُغِيرَةَ الضَّبيِّ، وابنِ أبي لَيلَى، والحسنِ بنِ صالحٍ، ووَكيعٍ.
ورُوِيَ ذلك عن مَالِكٍ.
وعن النَّخَعِيِّ والثَّوْرِيِّ، القَوْلانِ معًا.
وما رُوِيَ عن أحمدَ أنَّه قال: الكُفْرُ مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ.
يَحْتَمِلُ أن يكونَ مِلَلًا كثِيرَةً تَزيدُ على ثَلاثٍ، فتكونُ المجوسِيَّةُ مِلَّةً، وعبدةُ الأوْثانِ ملةً، وعُبَّادُ الشمسِ ملَّةً، فلا يَرِثُ بعضُهم بعضًا.
يُرْوَى ذلك عن عليٍّ.
وبه قال الزُّهْرِيُّ، ورَبيعَةُ، وطائِفَةٌ مِن أهْلِ المدينةِ، وأهْل البَصْرةِ، وإسحاقُ.
وهو أصَحُّ الأقوالِ، إن شاء الله.
اخْتارَه شيخُنا 1؛ لقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَين شَتَّى».
رَواه أبو داودَ.
ولأنَّ كلَّ فريقَين منهم لا مُوَالاةَ بينَهم ولا اتِّفاقَ في دينٍ، فلم يَرِثْ
وَإنِ اخْتَلَفَتْ لَمْ يَتَوَارَثُوا.
وَعَنْهُ، يَتَوَارَثُونَ.
بعضُهم بعضًا، كالمسلمين والكُفَّارِ.
والعُموماتُ في التَّوريثِ مخْصُوصَةٌ، فيُخَصُّ منها مَحَلُّ النِّزاعِ بالخبرِ والقياسِ.
ولأنَّ مُخالفينا قَطَعوا التَّوْريثَ بينَ أهْلِ الحرْب وأهلِ دارِ الإِسلامِ، فمع اخْتِلافِهم في الملَّةِ أوْلَى.
وقولُ مَن خَصَّ المِلَّةَ بعَدَمِ الكتابِ، لا يصِحُّ؛ لأنَّه وصفٌ عَدَمِيٌّ لا يَقْتَضِي حُكْمًا ولا جَمْعًا، ثم لا بُدَّ لهذا الضّابِطِ مِن دليل يَدُلُّ على اعْتبارِه، وقد افْتَرَقَ حُكْمُهم، فإنَّ المَجُوسَ يُقَرُّونَ بالجِزْيَةِ، وغيرُهم لا يُقَرُّون بها، وهم مُخْتَلِفُون في مَعْبوداتِهم ومُعْتَقداتِهم وآرائِهم، يَسْتَحِلُّ بعْضُهم دماءَ بعضٍ، ويُكَفِّرُ بعْضُهم بعضًا، فكانوا مِلَلًا كاليهودِ والنَّصارَى.
ولأنَّه قد روَى الشَّعْبِيُّ عن عَليٍّ، رَضِيَ الله عنه، أنَّه جعلَ الكُفْرَ مِلَلًا مختَلِفةً.
ولم نعْرِفْ له مخالفًا في الصَّحابةِ، فيكونُ إجماعًا.
2851 -
مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَتْ أدْيانُهم لم يَتَوارَثُوا)
لما روَى عبدُ اللهِ بنُ عمرَ قال: قال رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَين شَتَّى».
رَواه أبو داودَ.
(وعنه، يَتَوارَثُون) لأنَّ مفْهومَ قولِه عليه
وَلَا يَرِثُ ذِمِّيٌّ حَرْبِيًّا، وَلَا حَرْبِيٌّ ذِمِّيًّا.
ذَكَرهُ الْقَاضِي.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَتَوَارَثَا.
السلامُ: «لا يَرِثُ الكَافِرُ المسْلِمَ».
يدلُّ على أنَّهم يَتَوارَثون.
وهذا يَجِئُ عَلى قوْلِنا: إِنَّ الكُفْرَ ملَّةٌ واحدةٌ.
عَلى ما تَقَدَّم.
وهو قول أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
2852 -
مسألة: (ولا يَرِثُ حَرْبِيٌّ ذميًّا، ولا ذِمِّيٌّ حَرْبِيًّا. ذكَرَه القاضي)
لأنَّ المُوالاةَ مُنْقَطِعَةٌ بينَهم (ويَحْتَمِلُ أن يَتَوارَثَا) لأنَّهم مِن أهْلٍ ملَّةٍ واحدةٍ.
قال شيخُنا 1: قياسُ المِذْهبِ عِنْدي أنَّ المِلَّةَ الواحِدَةَ
..................................
يَتَوَارَثون وإنِ اخْتَلَفَتْ ديارُهم؛ لأنَّ العُموماتِ مِن النُّصوصِ تَقْتَضِي توريثَهم، ولم يَرِدْ بتخْصِيصِهم نَصٌّ ولا إجْماعٌ، ولا يصِحُّ فيهم قياسٌ، فيجبُ العملُ بعُمومِها.
ومفهومُ قولِه - عليه السلام -: «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَينِ شَتَّى».
أنَّ أهْلَ المِلَّةِ الواحدةِ يَتَوارَثُون.
وضبطُه التوريثَ بالملَّةِ والكُفْرِ والإِسلامِ دليلٌ على أنَّ الاعتبارَ به دُونَ غيرِه، ولأنَّ مُقْتَضِي التَّوْريثِ موجودٌ، فيَجِبُ العَمَلُ به ما لم يَقُمْ دليلٌ على تَحَقُّقِ المانِع.
وقد نَصَّ أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، في مَن دَخَل إلينا بأمانٍ فقُتلَ، أنَّه يُبْعَث بدِيَتِه إلى مَلِكِهم حتَّى يَدْفَعَها إلى وَرَثَتِه.
ورُوِيَ أنَّ عمرَو بنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ كان مع أهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ، فسَلِمَ ورَجَع إلى المدينةِ، فوجَدَ رَجُلَين في طَرِيقِه مِن الحَيِّ الذين قَتَلُوهم، وكانا أتَيا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في أمانِه، ولم يَعْلَمْ عمرٌو، فقتَلَهما، فوَدَاهُما النبي - صلى الله عليه وسلم - 1. ولا شَكَّ أنَّه بعثَ بدِيَتِهما إلى أهْلِهما.
فصل: فأمَّا المُسْتَأْمَنُ فَيَرِثُه أهلُ الحرْبِ وأهْلُ دارِ الإِسْلامِ.
وبهذا
وَالْمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ أحَدًا، إلا أن يُسْلِمَ قَبْلَ قَسْمِ الْمِيرَاثِ.
قال الشافعيُّ.
قال القاضي: ويَرِث أهْل الحربِ بعضُهم بعضًا، سواءٌ اتَّفَقَتْ ديارُهم أو اخْتَلَفَتْ.
وقال أبو حنيفَةَ: إذا اختلفتْ ديارُهم بحيثُ كان لكلِّ طائفةٍ مَلِكٌ ويرَى بعضُهم قَتْلَ بعضٍ، لم يَتَوارَثا؛ لأنَّه لا مُوالاةَ بينَهم.
فجعلوا اتِّفاقَ الدَّارِ واخْتِلافَها ضابطًا للتَّوْريثِ وعدمِه.
ولا يُعْلَمُ في هذا حُجَّةٌ مِن كتابٍ ولا سُنَّةٍ، مع مُخالفتِه لعمومِ النُّصوصِ المُقْتَضِي للتَّورْيثِ، ولم يَعْتَبروا الدِّينَ في اتِّفاقِه ولا اخْتِلافِه مع وُرودِ الخبرِ فيه وصِحَّةِ العِبْرَةِ بها، فإنَّ المسلمين يَرِثُ بعضُهم بعضًا وإنِ اخْتَلَفَتِ الدَّارُ بهم، فكذلك الكُفَّارُ.
2853 -
مسألة: (والمُرْتَدُّ لا يَرِث أحَدًا، إلَّا أن يُسْلِمَ قبلَ قَسْم الميراثِ)
لا نعلمُ خلافًا بينَ أهلِ العلمِ أنَّ المُرْتدَّ لا يَرِثُ
وَإنْ مَاتَ فِي رِدَّتِهِ فَمَالُهُ فَيْءٌ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ لِوَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ لِوَرَثَتِهِ مِنْ أهْلِ الدِّينِ الَّذِي اخْتَارَهُ.
أحدًا.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي؛ وذلك أنَّه لا يَرِثُ المسلمَ، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَرِثُ الكافِرُ المسْلِمَ (1)».
ولا يَرِثُ الكافِرَ؛ لأنَّه يُخالِفُه في حُكْمِ الدينِ، لأنَّه لا يُقَرُّ عَلى كُفْرِه، فلم يَثْبُتْ له حُكْمُ الدِّينِ الذي انْتَقَلَ إليه، ولهذا لا تَحِلُّ ذَبيحَتُه، ولا نِكَاحُ نسائِهم وإنِ انْتَقلوا إلى دينِ أهلِ الكِتابِ.
ولأنَّ المُرْتَدَّ تزولُ أمْلاكُه الثَّابِتَةُ له أو اسْتِقْرارُها، فلأَن لا يثْبُت له مِلْكٌ أوْلَى.
ولو ارتَدَّ مُتَوارِثان فمات أحدُهما لم يَرِثْه الآخرُ؛ لأنَّ المُرْتَدَّ لا يَرِثُ ولا يُورَثُ.
فإن أسْلَمَ قبلَ قَسْمِ الميراثِ وَرِثَ؛ لما ذكرْنا مِن الحديثِ، وقد ذكرناه والخلافَ فيه.
فصل: والزِّنْدِيقُ كالمُرْتَدِّ فيما ذكرنا.
والزِّنْدِيقُ الذي يُظْهِرُ الإسلامَ ويَسْتَسِرُّ الكُفْرَ، وهوْ الذي كان يُسَمَّى منافِقًا في عَصْرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ويُسَمَّى اليومَ زِنْديقًا.
قال أحمدُ: مالُ الزِّنْديقِ في بَيتِ المالِ.
2854 -
مسألة: (وإن مات على رِدَّتِه فمالُه فَيْءٌ. وعنه، أنَّه لِوَرَثَتِه مِن المسلمين. وعنه، أنَّه لوَرَثَتِه مِن أهْلِ الدينِ الذي اخْتَارَه)
1
..................................
اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رحمه اللهُ، في مالِ المُرْتَدِّ إذا مات أو قُتِلَ على رِدَّتِه، فرُوىَ عنه أنَّه يكونُ فَيئًا في بيتِ مالِ المسْلِمين.
قال القَاضي: وهو الصحيحُ في المذْهَبِ.
وبه قال ابنُ عباسٍ، ورَبيعَةُ، ومالِكٌ، وابنُ أبي لَيلَى، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المنذرِ.
وعن أحمدَ ما يدُلُّ على أنَّه لوَرَثَتِه مِن المُسْلمين.
يُرْوَى ذلك عن أبي بكرٍ الصِّديقِ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وبه قال سعيدُ بنُ المسيَّب، وجابِرُ بنُ زيدٍ، والحسنُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وعطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وأهْلُ العراقِ، وإسْحاقُ.
إلَّا أنَّ الثَّوْرِيَّ، وأبا حنيفَةَ، واللُّؤْلُؤِيَّ، وإسْحاقَ، قالوا: ما اكْتَسَبه في رِدَّتِه يكونُ فَيئًا.
ولم يُفَرِّقْ أصْحابُنا بين تِلادِ مالِه وطَارِفِه.
ووجْهُ ذلك، أنَّه قَوْلُ الخليفَتَين الراشدَين، فإنَّه يُرْوَى عن زيدِ بنِ ثابتٍ قال: بَعَثَنِي أبو بكرٍ عِنْدَ رجوعِهِ إلى أهْلِ الرِّدَّةِ أن أقْسِمَ مالهم بينَ وَرَثَتِهم المُسْلِمين.
ولأنَّ رِدَّتَه يَنْتَقِلُ بها مالُه، فوجَبَ أنْ يَنْتَقِلَ إلى وَرَثَتِه مِن المُسْلمين، كما لو انْتَقَلَ بالموتِ.
ورُوِيَ عنه رِوايةٌ ثالِثَةٌ، أنَّه يكونُ لأهْلِ الدِّينِ الذي
..................................
اخْتارَه إن كان منهم مَن يَرِثُه وإلَّا فهو فَيْءٌ.
وبه قال داودُ.
ورُوِيَ ذلك عن عَلْقَمَةَ، وسعيدِ بنِ أبي عَرُوبَةَ 1؛ لأنَّه كافِر، فَوَرِثَه.
أهْلُ دينِه، كالحَرْبِيِّ وسائِرِ الكفَّارِ.
والمشهورُ الأوَّلُ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكافِرَ، ولا الكافِرُ المسْلِمَ».
وقولِه: «لا يَتَوَارَثُ أهْلُ مِلَّتَينِ شَتَّى».
ولأنَّه كافِرٌ، فلا يَرِثُه المسْلِمُ، كالكافِرِ الأصْلِيِّ، ولأنَّ ماله مالُ مُرْتَدٍّ، فأشْبَهَ الذي كَسَبَه في رِدَّتِه، ولا يُمْكِنُ جَعْلُه لأهْلِ دينِه؛ لأنَّه لا يَرِثُهم، فلا يَرِثُونَه، كغيرِهم مِن أهْلِ الأدْيانِ، [ولأنَّه يُخالِفُهم في حُكْمِهم، فإنَّه لا يُقَرُّ على ما انْتَقَلَ إليه، ولا تُؤْكَلُ ذبِيحتُه، ولا يَحِل نِكاحُه إن كان امْرَأةً، فأشْبَهَ الحرْبِيَّ مع الذِّمِّيِّ] 2. فإن قيل: إذا جَعَلْتُموه فَيئًا فقد ورَّثْتُموه للمسلمين.
قلنا: لا يأْخُذُونه ميراثًا، بل يأْخُذُونَه فَيئًا، كما يُؤْخَذُ 3 مالُ الذِّمِّيِّ الذي لم يُخَلِّفْ وارِثًا، وكالعُشورِ.
فصل: قد ذكرنا أنَّ الزِّنْدِيقَ كالمُرْتَدِّ، لا يَرِثُ ولا يُورَثُ.
وقال
..................................
مالكٌ في الزِّنْدِيقِ الذي يُتَّهَمُ بزَيِّ 1 وَرَثَتِه عندَ موتِه: مالُه لوَرَثَتِه مِن المُسْلمين، مثل مَن يَرْتَدُّ إذا حضَرَه الموتُ.
قال: وتَرِثُه زوجَتُه سواءٌ انْقَضَتْ عِدَّتُها أو لم تَنْقَضِ، كالذي يُطَلِّقُها زوجُها في مَرَضِ موتِه ليَحْرِمَها الميراثَ؛ لأنَّه فارٌّ مِن ميراثِ مَن 2 انْعَقَدَ سَبَبُ 3 ميراثِه، فوَرِثَه، كالمُطَلَّقَةِ 4 في مرضَ الموتِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الكافِرَ».
قال شيخُنا 5: وقياسُ المذهبِ أنَّ أحدَ الزوجَين إذا ارْتَدَّ في مَرَضِ موتِه ورِثَه الآخَرُ؛ لأنَّه فعَل ما يَفْسَخُ النِّكاحَ في مَرَضِ موتِه، أشْبَه الطَّلاقَ، وفِعْلُ المرْأةِ ما يفْسَخُ نِكاحَها لا يُسْقِطُ مِيراثَ زَوْجِها.
ويُخَرَّجُ في ميراثِ سائِرِ الورثَةِ مثلُ ما في الزَّوْجَين، فيكونُ مثلَ مذهبِ مالكٍ.
وقال أبو يوسفَ: إذا ارتَدَّتِ المَريضةُ فماتت في عِدَّتِها أو لحِقَتْ بدارِ الحربِ، ورِثَها زوجُها.
وروَى اللَّؤْلُؤيُّ عن أبي حنيفَةَ:
..................................
إذا ارْتَدَّ الرجلُ فقُتِلَ على رِدَّتِه أو لَحِقَ بدارِ الحربِ بانَتْ منه امْرَأتُه، فإن كانت مدْخولًا بها ورِثَتْه في عِدَّتِها، وإن كانت غيرَ مدْخولٍ بها بانَت ولم تَرِثْه.
وإنِ ارتَدَّتِ المرْأةُ في غيرِ مَرَضٍ فماتَتْ لم يَرِثْها زوجُها؛ لأنَّها عندَهم لا تُقْتَلُ، فلم تكنْ فارَّةً مِن ميراثِه، بخلافِ الرَّجُلِ.
فصل: وارْتِدادُ الزوجَين معًا كارْتِدادِ أحَدِهما، في فَسْخِ نكاحِهما، وعَدَمِ مِيراثِ أحَدِهما مِن الآخَرِ، سواءٌ لَحِقا بدارِ الحربِ أو أقَاما بدارِ الإِسْلامِ.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا ارتدَّا معًا لم يَنْفَسِخِ النِّكاحُ، ولم يتَوارَثا؛ [لأنَّ المُرْتَدَّ لا يَرِثُ المُرْتَدَّ ما داما في دارِ الإِسلامِ، فإن لَحِقا بدارِ الحربِ توارثا] 1. ولَنا، أنَّهما مُرْتَدَّان، فلم يَتَوارَثا، كما لو كانا في دارِ الإِسْلامِ.
ولو ارْتدَّا جميعًا ولهما أولادٌ صغارٌ، لم يَتْبَعوهم في رِدَّتِهم، ولم يَرِثُوا منهم شيئًا، ولم يَجُزِ اسْتِرْقاقُهم، سواء ألحَقُوهم بدارِ الحربِ أو لا.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: مَن ألْحَقُوه بدارِ الحرْبِ منهم يصيرُ مُرْتَدًّا يجوزُ سَبْيُه،
فَصْلٌ: وَإنْ أَسْلَمَ الْمَجُوسُ أوْ تَحَاكَمُوا إِلَينَا وُرِّثُوا بِجَميِعِ قَرَابَاتِهِمْ.
ومَن لم يُلْحِقُوه بدارِ الحرْبِ فهو في حُكْمِ الإِسْلامِ.
فأمَّا مَن وُلِدَ بعدَ الرِّدَّةِ بستةِ أشْهُرٍ، فذكرَ الخِرَقِيُّ ما يدلُّ على أنَّه يجوزُ اسْتِرْقاقُه.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأحدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
والقولُ الثَّانِي، لا يُسْبَوْنَ.
وهو منصوصُ الشافعيِّ.
فصل: قال الشَّيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه؛ (وإن أسْلَمَ المجُوسُ أو تَحاكَمُوا إلينا وُرِّثُوا بجميعِ قَراباتِهم) إن أمْكَنَ ذلك.
نصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ عمرَ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وزيدٍ في الصَّحيحِ عنه.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وقَتَادَةُ، وابنُ أبي لَيلَى، وأبو حنيفَةَ وأصحابُه، ويحيى بنُ آدمَ، وإسحاقُ، وداودُ، والشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيه.
واختارَه ابنُ اللَّبَّانِ.
وعن زيدٍ، أنَّه وَرَّثَه بأقْوَى القرابَتَينِ، وهي التي لا تَسْقُطُ بحالٍ.
وبه قال الحسَنُ، والزُّهْرِيّ، والأوْزَاعِيُّ، ومالِكٌ، واللَّيثُ، وحَمّادٌ.
وهو الصَّحِيحُ عن الشافعيِّ.
وعن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، ومَكْحولٍ، والشَّعْبِيِّ، القولان جميعًا، واحْتَجُّوا بأنَّهما قَرابتان لا يُورَثُ بهما في الإِسلامِ، فلا يُورَثُ بهما في غيرِه، كما لو أسْقَطَتْ إحْداهما
..................................
الأُخْرَى.
ولَنا، أنَّ الله تعالى فَرَض للأُمِّ الثُّلُثَ وللأُخْتِ النِّصْفَ، فإذا كانتِ الأُمُّ أُخْتًا وَجَب إعْطاؤُها ما فَرَض اللهُ تعالى لها في الآيَتَين 1، كالشَّخصين، ولأنَّهما قَرابتان تَرِثُ بِكُلِّ واحدةٍ منهما مُنْفَرِدةً، لا تَحْجُبُ إحداهما الأُخْرَى ولا تُرَجَّحُ بها، فتَرِثُ بهما مُجْتمِعتَين، كَزَوْجٍ هو ابنُ عَمٍّ، أو ابنِ عَمٍّ هو أخٌ لأُمٍّ، وكذَوي 2 الأرْحامِ المُدْلِين بقرابَتَين.
وقياسُهم فاسدٌ؛ لأنَّ القرابتَينِ في الأصْلِ تُسْقِطُ إحْداهما الأُخْرى إذا كانا في شخصين، فكذلِك إذا كانا في شخصٍ واحدٍ.
وقولُهم: لا يُورَثُ بهما في الإِسْلامِ.
ممنوعٌ، فإنَّه إذا وُجِدَ ذلك مِن وَطْءِ شبْهةٍ في الإِسلامِ وَرِثَ بهما، ثم إن امْتِناعَ الإِرْثِ بهما في الإسلامِ لعَدَمِ وجودِهما، فلو تُصُوِّرَ وجودُهما وَرِثَ بهما، بدليلِ أنَّه قد وَرِثَ بنَظِيرِهما في ابنِ عَمٍّ هو زَوجٌ أو أخٌ مِن أُمٍّ.
قال ابنُ اللَّبَّانِ: واعتبارُهم عندي فاسِدٌ مِن قِبَلِ أنَّ الجَدَّةَ تكونُ أُخْتًا لأبٍ، فإن وَرَّثُوها بكونِها جَدَّةً لكونِ الابنِ يُسْقِطُ الأُخْتَ دونَها، لَزِمَهم تَوْرِيثُها بكَوْنِها أُخْتًا، لكَوْنِ الأُمِّ تُسْقِطُ الجدَّةَ دونَها، وخالفوا نَصَّ الكتابِ في فَرْضِ الأُختِ، وورَّثُوا الجَدّةَ التي لا نَصَّ للكتابِ في فرْضِها، وهو مُخْتَلَفٌ فيه 3، فمنهم مَن قال: هو طُعْمَةٌ
..................................
وليس بفَرْضٍ مُسَمًّى ويَلْزَمُهَم أنَّ الميِّتَ إذا خَلَّف أُمَّه وأمَّ أُمٍّ هي أُخْتٌ أن لا يُؤْتوها شيئًا؛ لأن الجُدودَةَ محْجوبَةٌ، وهي أقْوَى القرابتين.
[وإن قالوا: نُوَرِّثُها مع الأم بكونِها أختًا.
نقضوا اعتبارَهم بكونِها أقوى القرابتين] 1، وجعلوا الأُخوَّةَ تارةً أقْوى وتارةً أضْعَفَ.
وإن قالوا: أقْوَى القرابتين الأخُوَّةُ؛ لأنَّ ميراثَها أوْفَرُ.
لَزِمَهم في أُمٍّ هي أخْتٌ جَعْلُ الأُخوَّةِ أقْوَى مِن جِهَةِ الأُمومَةِ، ويَلْزَمُهم في إسْقاطِ ميراثِها 2 مع الابنِ والأخِ مِن الأبَوين ما لَزِمَ القائلين بتَقْديمِ الجُدودَةِ مَع الأُمِّ.
فإن قالوا: تَوْرِيثُها بالقَرابتَينِ يُفْضِي إلى حَجْبِ الأمِّ بنَفْسِها إذا كانت أُخْتًا وللميِّتِ أُختٌ أُخْرَى.
قلنا: وما المانِعُ مِن هذا؟ فإنَّ اللهَ تعالى حَجَب الأُمَّ بالأُختين بقولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ 3. مِن غيرِ تَقْيِيدٍ بغيرِها، ثم هم قد 4 حَجَبُوها عن ميراثِ الأُختِ بنَفْسِها، فقد دَخَلوا فيما أنْكَرُوه، بل هو أعْظَمُ؛ لأنَّهم فَرُّوا مِن حَجْبِ التَّنْقِيصِ إلى حَجْبِ الإِسْقاطِ، فأسْقَطوا الفَرْضَ الذي هو أوْكَدُ بالكُلِّيَّةِ مُحافَظةً على بعضِ الفَرْضِ 5 الأدْنَى، وخالفوا مَدْلُولَ أرْبَعَةِ نُصوصٍ مِن كتابِ اللهِ
..................................
تعالى؛ لأنَّهم أعْطَوُا الأُمَّ الثُّلُثَ، وإنَّما فَرَض اللهُ تعالى لها مع الأُختين السُّدْسَ.
والثَّاني، أنَّ اللهَ تعالى إنَّما فَرَض لِكُلِّ واحِدَةٍ مِن الأُختين ثُلُثًا، فأعْطَوْا إحداهما النِّصْفَ كامِلًا.
والثَّالثُ، أنَّ اللهَ تعالى فَرَض للأُختين الثُّلُثَين، وهاتان أُخْتان، فلم يَجْعلوا لهما الثُّلُثَينِ.
الرَّابع، أنَّ مُقْتَضى الآيَةِ أن يكونَ لِكُل واحِدَةٍ مِن الأُختينِ الثُّلُثُ، وهذه أُخْتٌ، فلم يُعْطُوها بكونِها أُخْتًا شَيئًا.
هذا كُلُّه معنى كلامِ ابنِ اللَّبَّانِ.
فصل: والمسائِلُ التي يَجْتَمِعُ فيها قَرابَتان ويَصِحُّ الإِرْثُ بهما سِتٌّ؛ إحْداهُنَّ في الذُّكورِ، وهو عَمٌّ هو أخٌ لأُمٍّ، وخَمْسٌ في الإناثِ، وهي بنتٌ هي أخْتٌ، أو بنتُ ابنٍ، وأُمٌّ هي أُخْتٌ، وأمُّ أُمٍّ هي أَخْتٌ لِأبٍ، وأُمُّ أبٍ هي أُخْت لأُمٍّ، فمَن وَرَّثَهم بأقْوَى القَرابتين، وَرَّثَهم بالبُنُوَّةِ والأُمُومَةِ دُونَ الأُخوةِ وبُنُوَّةِ الابنِ.
واخْتَلفوا في الجَدَّةِ إذا كانت أُخْتًا؛ فمنهم مَن قال: الجُدودةُ أقْوَى؛ لأنَّها جِهَةُ ولادَةٍ لا تَسْقُطُ بالوَلَدِ.
ومنهم مَن قال: الأُخُوَّةُ أقْوَى؛ لأنَّها أكْثَرُ مِيراثًا.
وقال ابنُ سُرَيجٍ 1 وغيرُه: هو الصّحيحُ.
ومَن وَرَّثَ بأقْوى القرابَتَينِ لَم يَحْجُبِ الأُمَّ بأُخُوَّةِ نفسِها، إلَّا ما حَكاه سَحْنُونُ عن مالكٍ، أنَّه حَجَبها بذلك.
والصَّحِيحُ عنه الأوَّلُ.
ومَن وَرَّثَ بالقرابتينِ حَجَبَها بِذلك.
ومتى كانتِ البنتُ أُخْتًا، والميِّتُ
فَإِذَا خَلَّفَ أُمَّهُ، وَهِيَ أُخْتُهُ مِنْ أَبِيهِ، وَعَمًّا، وَرِثَتِ الثُّلُثَ بِكَوْنِهَا أُمًّا، وَالنِّصْفَ بِكَوْنِهَا أُخْتًا، وَالْبَاقِي لِلْعَمِّ.
فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا أُخْتٌ أُخْرَى لَمْ تَرِثْ بِكَوْنِهَا أُمًّا إلا السُّدْسَ؛ لِأنَّهَا انْحَجَبَتْ بِنَفْسِهَا وَبِالأُخْرَى.
وَلَا يَرِثونَ بِنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، وَلَا بِنِكَاحٍ لَا يُقَرُّونَ عَلَيهِ لَوْ أسْلَمُوا.
رَجُلٌ، فهي أخْتٌ لأُمٌ، ومتى (1) كان امرأَةً فهي أخْتٌ لأبٍ.
فإن قيل: أُمٌّ هي أخْت لأُمٍّ، أو أُمُّ أُمٍّ هي اخْت لأُمٍّ، أو أُمُّ أَبٍ هي أخْتٌ لأبٍ.
فهو محالٌ.
2855 -
مسألة: (إذا خَلَّف أُمَّه، وهي أخْتُه مِن أبيهِ، وعَمًّا)
فمَن وَرَّثَها بقرابتينِ، جعل لها (الثُّلُثَ بكونِها أُمًّا، والنِّصْفَ بكونِها أخْتًا لأبٍ، والباقيَ للعَمِّ.
فإن كان معهما أخْتٌ أخْرى لم تَرِثْ بكَونِها أُمًّا إلَّا السُّدْسَ؛ لأنَّها انْحَجَبَتْ بنَفْسِها) وبالأُخْتِ (الأُخْرى) ومَن ورَّثها بأقْوَى القَرابتين، وَرَّثَها الثُّلُثَ بكونِها أُمًّا، ولم يَحْجُبْها بنَفْسِها.
2856 -
مسألة: (ولا يَرِثون بنِكاحِ ذَواتِ المَحارِمِ، ولا بنِكاحٍ لا يُقَرُّونَ عليه لو أسْلَمُوا)
المجوسُ ومَن جَرَى مَجْرَاهُم ممَّن يَنْكِحُ1
..................................
ذَواتَ المَحارمِ، إذا أسْلَموا وتَحاكَمُوا إلَينا، قال شيخُنا 1: لا نَعْلَمُ خلافًا في أنَّهم لا يَرِثون بنكاحِ ذَواتِ المحارمِ، فأمَّا غيرُه مَن الأنْكِحَةِ، فكُلُّ نِكاحٍ اعتقدُوا صِحتَه وأُقِرُّوا عليه بعدَ إِسْلامِهم تَوارَثُوا به، سواءٌ وُجِدَ بِشُروطِه المُعْتَبرةِ في نكاحِ المسلمين أو لا، وما لا يُقَرُّون عليه بعدَ إسْلامِهم لا يَتَوارَثُون به، والمجوسُ وغيرُهم في هذا سواءٌ.
فلو طلَّقَ الكافرُ امْرَأتَه ثم نكَحَها، ثم أسْلَما، لم يُقَرَّا عليه وإن مات أحَدُهما لم يَرِثْه الآخَرُ، وكذلك إن ماتَ أحَدُهما قبلَ إسْلامِهما لم يتَوارَثَا، في قولِ الجميعِ.
وأصلُ الاختِلافِ في الميراثِ الاختلافُ فيما يُقَرَّان عليه إن أسْلَما أو تَحاكَما إلينا، ونذكرُ ذلك في نكاحِ الكُفَّارِ، إن شاءَ الله تعالى.
فصل: وإذا مات ذمِّيٌّ لا وارِثَ له كانَ مالُه فَيئًا، وكذلك ما فَضَل مِن مالِه عن وارِثِه، كمَنَ ليس له وارِثٌ إلَّا أحَدَ الزَّوجينِ؛ لأنَّه مالٌ ليس له مُسْتَحِقٌّ معيَّنٌ، فكان فَيئًا، كمالِ الميتِ المسلمِ الذي هو كذلك.
مسائلُ مِن هذا الباب: مَجُوسِيٌّ تَزَوَّجَ ابْنتَه فأوْلَدها بنتًا، ثم مات عنهما، فلهما الثُّلُثان؛ لأنَّهما ابْنَتان، ولا ترِثُ الكُبْرَى بالزَّوْجِيَّةِ في قولِ الجميعِ.
فإن ماتَتِ الكُبْرَى بعدَه، فقد تَرَكَتْ بِنْتًا هي أخْتٌ لأبٍ، فلها النِّصْفُ بالبُنُوَّةِ، والباقي بالأُخُوَّةِ.
وإن ماتَتِ الصُّغْرى أولًا، فقد تَرَكَتْ أُمًّا هي أُخْتٌ لأبٍ، فلها النِّصْفُ والثُّلُثُ بالقَرابتينِ.
ومَن وَرَّثَ بأَقْوَى
..................................
القرابتين لم يُوَرِّثْها بالأخوَّةِ شيئًا في المسألتين.
وقال ابنُ سُرَيجٍ 1: يَحْتَمِلُ قولُ الشافعيِّ تَوْرِيثَها بالقَرابتين في المسألَةِ الأولَى؛ لأنَّه لم يمْنَعْ تَوْرِيثَ الشخصِ بفرْض وتَعْصِيبٍ، لتوْرِيثِه ابنَ العَمِّ إذا كان زَوْجًا أو أَخًا لأُمٍّ، وإنَّما مَنَعَ الإِرْث بفَرْضَين.
فإن كان المجُوسِيُّ أوْلَدَها بِنْتَين ثم مات وماتتِ الكُبْرَى بعدَه، فقد تَرَكَتْ بِنْتَينِ، هما أُخْتان لأبٍ، وإن لم تَمُتِ الكُبْرى بل ماتتْ إحْدَى الصَّغيرَتَين، فقد تَرَكَتْ أُخْتًا لأبَوَينِ وأُمًّا هي أُخْتٌ لِأبٍ؛ فلأُمِّها السُّدْسُ بكوْنِها أُمًّا والسُّدْسُ بكونِها أُخْتًا لأبٍ، وانْحَجَبَتْ بنَفْسِها وأُخْتِها عن السُّدْسِ، وللأخْتِ النِّصْفُ.
وعلى القولِ الآخر، لها الثُّلُثُ بالأُمومَةِ، ولا شيءَ لها بالأُخُوَّةِ، ولا تَنْحَجِبُ بها، وللأُخْتِ النِّصْفُ، فقد اسْتَوى الحُكْمُ في القولين وإنِ اخْتَلَفَ طريقُهما.
وعلى ما حكاه سَحْنُونُ، لها السُّدْسُ وتَنْحَجِبُ بنَفْسِها وأُخْتِها.
وإن أوْلَدَها المجوسِيُّ ابنًا وبِنْتًا ثم ماتَ، وماتَتِ الصُّغْرَى بعدَه، فقد خلَّفَتْ أُمًّا هي أختٌ لأبٍ، وأخًا لأبٍ وأُمٍّ؛ فلأُمِّها السُّدْسُ، والباقي للْأَخِ، ولا شيءَ للأُمِّ بالأُخُوَّةِ، لأنَّ الأخِ للأَبوَين يَحْجُبُها.
وعلى القولِ الآخرِ؛ للأمِّ الثُّلُثُ كامِلًا.
إذا تَزَوَّجَ.
المجوسِيُّ أُمَّه فأوْلَدَها بِنْتًا ثم مات، فلأُمِّه السُّدْسُ، ولابْنَتِه النِّصْفُ، ولا تَرِثُ أُمُّه بالزَّوْجِيَّةِ، ولا ابنتُه بكونِها أُخْتًا لأُمٍّ شيئًا.
وإن ماتَتِ الكُبْرَى بعدَه، فقد خَلَّفَت بِنْتًا هي بِنْتُ ابنٍ، فلها الثُّلُثان بالقرابتين.
وعلى القولِ الآخرِ، لها النِّصْفُ.
وإن ماتتِ الصُّغْرَى بعدَه، فقد تَرَكَتْ أُمًّا هي
..................................
أُمُّ أبٍ، فلها الثُّلُثُ بالأُمومَةِ لا غيرُ، على القولين جميعًا.
وإن تَزَوَّجَ ابْنَتَه فأوْلَدَها بِنْتًا، ثم تزوَّج الصُّغْرَى، فأوْلَدَها بِنْتًا، ثم مات، وماتَتِ الكُبْرى بعدَه، فقد تَرَكَتْ أُخْتَيها لأبيها، إحْداهما بِنْتُها، والأُخْرَى بِنْت بِنْتِها، فلبِنتِها النِّصْفُ، والباقي بينَهما.
وعلى القولِ الآخرِ، لبِنْتِها النِّصْفُ، والباقي للصُّغْرى.
وإن ماتَتِ الوُسْطى بعدَه، فقد تَرَكَتْ أُخْتَيها، إحْداهُما أُمُّها، والأُخْرَى بِنْتُها، فلأُمِّها السُّدْسُ، ولبِنْتِها النّصْفُ، والباقي بينَهما.
وعلى القَوْلِ الآخَرِ، الباقي للعَصَبَةِ.
وإن ماتتِ الصُّغْرى بعدَه، فقد خَلَّفَتْ أُخْتَيها، إحداهما أُمُّها، والأُخْرى جَدَّتُها، فلأُمِّها السُّدْسُ، والثُّلُثان بينَهما، وقد انْحَجَبَتِ الأُمُّ بنَفْسِها وبأُمِّها عن السُّدْسِ.
وعلى القولِ الآخَرِ، مَن جعل الأُخُوّةَ أقْوَى، فللكُبْرَى النِّصْفُ، وللوُسْطى الثُّلُثُ، والباقي للعَصَبَةِ.
ومَن جعل الجُدودَةَ أَقْوَى، لم يُوَرِّثِ الكُبْرَى شَيئًا، لأنَّها لا تَرثُ بالأُخُوَّةِ، لكونِها ضَعيفةً، ولا بالجُدودَةِ، لكونِها مَحْجُوبَةً بالأُمومَةِ.
وإن ماتتِ الصُّغْرى بعدَ الوُسْطى، فقد خَلَّفَتْ جَدَّةً هي أُخْتٌ لأبٍ، فلها الثُّلُثان بالقَرَابتين، ومَن وَرَّثَ بإحْداهما، فلها السُّدْسُ عندَ قَوْمٍ.
وعندَ ابنِ سُرَيجٍ 1 ومَن وافَقَه لها النِّصْفُ.
وهي اخْتِيارُ الخَبْرِيِّ.
مجوسِيٌّ تَزَوَّجَ أُمَّه فأوْلَدَها بِنْتًا، ثم تَزَوَّجَ بِنْتَه فأوْلَدَها ابْنًا، ثم تَزَوَّجَ الابنُ جَدَّتَه فأَولَدَها
..................................
بِنْتًا، ثم مات الْمَجُوسِيُّ، ثم ماتَتْ أُمُّه 1، فقد خَلّفَتْ بِنْتًا هي بِنتُ ابنٍ، وبِنْتًا أُخْرَى هي بنتُ ابنِ ابنٍ، وخَلَّفَتِ ابنَ ابنٍ هو زَوْجُها، فلابنَتيها الثُّلُثان، والباقي بينَ الكُبْرى وابَنِها على ثَلاثةٍ، وتصِحُّ مِن تِسْعَةٍ؛ للكُبْرى أرْبَعَةٌ، وللصُّغْرى ثلاثةٌ، وللذَّكرِ سَهْمان.
وعلى القولِ الآخَرِ، الباقي للذَّكَرِ وَحْدَه.
فإن ماتت بعدَه بِنْتُه، فإنَّ الكُبْرى جَدَّتُها أُمُّ أبيها، وهي أُخْتُها مِن أُمِّها، فلها السُّدْسان بالقرابتين، وفي الثَّاني، لها سُدْسٌ بإحْداهما.
فصل: وإن وَطِئ مُسْلِمٌ بعْضَ مَحارِمِه بشُبْهةٍ، أو اشْتراها وهو لا يعْرِفُها، فوَطِئها، وولَدتْ له، واتّفَقَ مِثلُ هذه الأنْسابِ 2، فالحكمُ فيها مِثلُ هذا سواءً.
فصل في التَّزْوجِ في المرضِ والصِّحةِ: حُكْمُ النِّكاحِ في الصِّحَّةِ والمرضِ سواءٌ في صِحَّةِ العَقْدِ وتَوْريثِ كُلِّ واحدٍ منهما مِن صاحبِه، في قولِ الجمهورِ؛ وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال مالكٌ: أيُّ الزَّوْجَينِ كان مريضًا مَرَضًا مَخُوفًا حال عقدِ النِّكاحِ فالنِّكاحُ فاسدٌ، لا يَتوارَثان به، إلَّا أن يُصِيبَها، فيكونُ لها المُسَمَّى في ثُلُثِه 3، مُقَدَّمًا على الوَصِيَّةِ.
وعن الزُّهْرِيِّ، ويحيى بنِ سعيدٍ، مثلُه.
واخْتَلَفَ أصحابُ
..................................
مالكٍ في نِكاحٍ مَن لا يَرِثُ، كالأمَةِ والذِّمِّيَّةِ، فقال بعضُهم: يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يُتَّهَمُ بقصْدِ تَوْرِيثها.
ومنهم مَن أبْطَله؛ لجوازِ أن تكونَ وارثةً.
وقال رَبِيعةُ، وابنُ أبي لَيلَى: الصَّداقُ والميراثُ مِن الثُّلُثِ.
وقال الأوْزَاعِيُّ: النِّكاحُ صحيحٌ، ولا ميراثَ بينَهما.
وعن القاسِمِ بنِ محمدٍ، والحسنِ، إن قَصَد الإضرارَ بورثثِه فالنِّكاحُ باطلٌ وإلَّا فهو صحيحٌ.
ولَنا، أنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ يَصِحُّ في الصِّحَّةِ، فصَحَّ في المرضِ، كالبَيعِ، ولأنَّه نِكاحٌ صَدَرَ مِن أهْلِه في مَحَلِّه بشَرْطِه، فصَحَّ، كحالِ الصِّحَّةِ.
وقد روينا أنَّ عبدَ الرحمن ابنَ أُمِّ الحَكَمِ تَزَوَّجَ في مَرَضِه ثلاثَ نِسْوةٍ، أصْدَقَ كلَّ واحدةٍ ألفًا؛ ليُضَيِّقَ بهنَّ على امْرَأتِه ويَشْرَكْنَها في مِيراثِها، فأُجِيزَ ذلك 1. وإذا ثَبَت صِحَّةُ النِّكاحِ ثَبَت الميراثُ بعُمُومِ الآيةِ.
فصل: ولا فَرْقَ في ميراثِ الزَّوْجَين بينَ ما قبلَ الدُّخولِ وبعدَه؛ لعمُومِ الآية، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى في بَرْوَعَ بنتِ وَاشقٍ، أنَّ لها الميراثَ، وكان زوجُها مات عنها قبلَ الدُّخولِ بها، ولم يكنْ فَرَض لها صَداقًا 2. ولأنَّ النِّكاحَ صحيحٌ ثابتٌ، فيُوَرَّثُ به، كما بعدَ الدُّخولِ.
..................................
فصل: فأمَّا النِّكاحُ الفاسِدُ فلا يَثْبُتُ به التَّوارثُ بينَ الزوجين؛ لأنَّه ليس بنكاحٍ شرعيٍّ.
ومتى اشْتَبَه مَن نِكاحُها فاسدٌ بمَن نكاحُها صحيحٌ، فالمنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّه قال في مَن تَزَوَّجَ أُخْتين لا يَدْرِي أيَّتَهما تَزَوَّجَ أوَّلَ، أنَّه يُفَرَّق بينَهما، وتَوَقَّفَ عن أن يقولَ في الصَّداقِ شيئًا.
قال أبو بكرٍ: يَتَوَجَّهُ على قولِه أن يُقْرَعَ بينَهما.
فعلى هذا الوجهِ، يُقْرَعُ بينَهما في الميراثِ إذا مات عنهما.
وعن النَّخعِيِّ، والشَّعْبِيِّ، ما يَدُلُّ على أنَّ الميراثَ يُقسَمُ بينَهنَّ على حَسَبِ الدَّعاوَى والتَّنْزيلِ، كميراثِ الخَنَاثَى.
وهو قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِه.
وقال الشافعيُّ: يُوقَفُ المشْكوكُ فيه مِن ذلك حتى يَصْطَلِحْنَ عليه أو يَتَبَيَّنَ الأمرُ.
فلو تَزَوّجَ امرأةً في عَقْدٍ، وأربعًا في عقدٍ، ثم مات وخَلَّفَ أَخًا، ولم يُعلمْ أيُّ العَقْدينِ سَبَقَ، ففي قولِ أبي حنيفةَ، كلُّ واحدةٍ تَدَّعِي مَهْرًا كاملًا يُنْكِرُه الأخُ، فَتُعْطَى 1 كلُّ واحدةٍ نِصْفَ مَهْرٍ، ويُؤْخَذُ رُبْعُ الباقي تَدَّعِيه الواحدةُ والأرْبَعُ، فيُقْسَمُ نِصْفه للواحدةِ، ونِصْفُه للأرْبَعِ.
وعندَ الشافعيِّ، أكثرُ ما يَجِبُ عليه أرْبَعَةُ مُهُورٍ، فيُؤْخَذُ 2 ذلك، يُوقَفُ منها مَهْرٌ بينَ النساءِ الخَمْسِ، ويَبْقَى ثلاثةٌ، = الطلاق.
المجتبى 6/ 164. وابن ماجه، في: باب الرجل يتزوج ولا يفرض لها فيموت على ذلك، من كتاب النكاح.
سنن ابن ماجه 1/ 609. والدارمي، في: باب الرجل يتزوج المرأة فيموت...، من كتاب النكاح.
سنن الدارمي 2/ 155. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 447، 4/ 280. وإسناده صحيح.
وانظر الإرواء 6/ 357، 358.
..................................
تَدَّعِي الواحدةُ رُبْعَها ميراثًا، ويَدَّعِي الأخُ ثلاثةَ أرْباعِها، فيُوقَفُ منها ثلاثةُ أرْباعِ مَهْرٍ بينَ النِّساءِ الخَمْسِ، وباقِيها وهو مُهْران ورُبْعٌ بينَ الأرْبعِ والأخِ، ثم يُؤْخَذُ رُبْعُ ما بَقِيَ فيُوقَفُ بينَ النِّساءِ الخَمْسِ، والباقِي للأخِ.
فصل: فإن تَزَوّجَ امرأةً في عَقْدٍ، واثْنَتَين في عَقْدٍ، وثلاثًا في عَقْدٍ، ولم يُعْلَمِ السَّابقُ، فالواحدةُ نِكاحُها صحيحٌ، فلها مَهْرُها، ويَبْقَى الشَّكُّ في الخَمْسِ، فعلى قولِ أهلِ العراقِ، لهنَّ مَهْران بيَقِينٍ، والثالثُ لهنَّ في حالٍ دون حالٍ، فيكونُ لَهُنَّ نِصْفُه، ثم يُقْسَمُ ذلك بينهنَّ، لكلِّ واحدةٍ نِصْفُ مَهْر، ثم يُؤْخَذُ رُبْعُ الباقِي لَهُنَّ ميراثًا، فللواحدةِ رُبْعُه يَقِينًا، وتَدَّعِي نِصْفَ سُدْسِه، فتُعْطى نِصْفَه، فيصيرُ لها مِن الرُّبْعِ سُدْسُه وثُمْنُه، وذلك سَبْعَةٌ مِن أرْبَعةٍ وعِشْرينَ، والاثْنَتانِ تَدَّعِيان ثُلُثَيهِ، وهو سِتَّةَ عَشَرَ سهمًا، فيُعْطَين نِصْفَه، وهو ثمانيةُ أسْهُم، والثلاثُ يَدَّعِين ثلاثةَ أرباعِه، وهو ثمانيةَ عَشَرَ سهمًا، فيُعْطَين تِسْعَةً 1. وهذا قولُ محمدِ بنِ الحسنِ.
وعلى قول أبي حنيفةَ، وأبي يوسفَ، تُقْسَمُ السَّبْعَةَ عَشَرَ 2 بين الثَّلاثِ والاثْنَتَين نِصْفَينِ، فيَصِيرُ الرُّبْعُ مِن ثمانيةٍ وأربعين، ثم تَضْرِبُ الاثْنَين في الثلاثِ، ثم في ثمانيةٍ وأرْبعين، تكُنْ مائَتَين وثمانيةً وثمانين، فهذا رُبْعُ المالِ.
وعندَ الشافعيِّ، تُعْطَى الواحدةُ مَهْرَها، ويُوقَفُ ثلاثةُ مُهُورٍ، مَهْران منها بينَ الخَمْسِ، ومَهْرٌ تَدَّعِي الواحدةُ والاثْنَتانِ رُبْعَه
..................................
مِيراثًا، وتَدَّعِيه الثّلاثُ مَهْرًا، وثلاثةُ أرباعِه يَدَّعِيه الأخ ميراثًا وتَدَّعِيه الثلاثُ مهرًا، ويُؤْخَذُ رُبْعُ ما بَقِيَ فيُدْفَعُ رُبْعُه إلى الواحدةِ، ونِصْفُ سُدْسِه بينَ الواحدةِ والثلاثِ موقوفٌ، وثُلُثاه بينَ الثَّلاثِ والاثْنَتَين موقوفٌ، فإن طَلَبَتْ واحدةٌ مِن الخَمْسِ.
شيئًا مِن الميراثِ الموقوفِ لم يُدْفَعْ إليها شيءٌ، وكذلك إن طَلَبَه أحدُ الفريقينِ لم يُدْفَعْ إليه شيءٌ، وإن طَلَبَ واحدةٌ مِن الثلاثِ وواحدةٌ مِن الاثْنَتَين دُفِعَ إليهما رُبْعُ المِيراثِ.
وإن طَلَبَه واحدةٌ مِن الاثْنَتَين واثْنتانِ مِن الثَّلاثِ أو الثلاثُ كلُّهنَّ دُفِعَ إليهنَّ ثُلُثُه.
وإن عَيَّنَ الزَّوْجُ المَنْكوحاتِ أوَّلًا، قُبِلَ تعْيِينُه وثَبَت.
وإن وَطِئَ واحدةً منهنَّ، لم يكُنْ ذلك تَعْيِينًا لها.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وللمَوْطوءةِ الأقَلُّ؛ مِن المُسَمَّى أو مَهْرِ المِثْلِ، ويكونُ الفضلُ بينَهما مَوْقُوفًا.
وعلى قول أهلِ العراقِ، يكونُ تَعْيِينًا.
فإذا كانتِ الموْطُوءَةُ مِن الاثْنَتَين، صَحَّ نكاحُها، وبَطَل نِكاحُ الثلاثِ، وإن كانت مِن الثَّلاثِ، بَطَل نِكاحُ الاثنَتَينِ، وإن وَطِئَ واحدةً مِن الاثْنَتَين وواحدةً مِن الثَّلاثِ، صَحَّ نِكاحُ الفَرِيقِ المَبْدُوء بوَطْءِ واحدةٍ منه، وللمَوْطُوءةِ التي لم يَصِحَّ نِكاحُها مَهْرُ مِثْلِها، فإن أَشْكَلَ أيضًا، أُخِذَ منه اليقينُ وهو مَهْرَان مُسَمَّيان ومَهْرُ مِثلٍ، ويَبْقَى مَهْرٌ مُسَمًّى تَدَّعِيه النِّسْوةُ ويُنْكِرُه الأخُ فيُقْسَمُ بينهما، فيَحْصُلُ للنِّسْوةِ مَهْرُ مِثْلٍ ومُسَمَّيان ونِصْفٌ، منها مَهْرٌ مُسَمًّى، ومَهْرُ مِثْل يُقْسَمُ بينَ المَوْطُوءتَين نصْفَين، ويَبْقَى مُسَمًّى ونصفٌ بينَ الثّلاثِ الباقياتِ، لكلِّ واحدةٍ نِصْف مُسَمى، والميراثُ على ما تقدَّم.
وعندَ الشافعيِّ، لا حُكْمَ للوَطْءِ في التَّعْيِين.
وهل يَقُومُ تَعْيِينُ الوارثِ مَقامَ تَعْيينِ الزوجِ، فيه قولان.
فعلى
..................................
قولِه، يُؤْخَذُ مُسَمًّى ومَهْرُ مِثْلٍ للمَوْطوءَتَين، تُعْطَى كلُّ واحدةٍ 1 الأقَلَّ؛ مِن المُسمَّى أو مَهْرِ المِثْلِ، ويَقِفُ الفضلُ بينَهما، ويَبْقَى مُسَمَّيان ونصفٌ، يَقِفُ أحَدُهما بينَ الثلاثِ اللاتِي لم يُوطَأْنَ، وآخرُ بينَ الثلاثِ والاثْنَتَين، والميراثُ على ما تقدَّم.
وحُكِيَ عن الشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، في مَن له أرْبَعُ نِسْوةٍ أبَتَّ طلاقَ إحْداهُنَّ، ثم نَكَح خامسةً، ومات ولم يُدْرَ أيَّتُهنَّ طَلَّقَ، فللخامسةِ رُبْعُ الميراثِ، وللأرْبَعِ ثلاثةُ أرباعِه بينَهُنَّ.
وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ، إذا كانت نكاحُ الخامسةِ بعدَ انْقضاءِ عِدَّةِ المُطَلَّقَةِ.
ولو أنَّه قال بعدَ نكاحِ الخامسةِ: إحدى نسائِي طالِقٌ.
ثم نَكَح سادسةً، ثم مات قبلَ أن يُبَيِّنَ، فللسَّادسةِ رُبْعُ الميراثِ، وللخامسةِ رُبْعُ ثلاثةِ الأرْباعِ الباقِيةِ، وما بَقِيَ بينَ الأرْبَعِ الأُوَلِ أرْباعًا.
وفي قولِ الشافِعيِّ، ما أشْكَلَ مِن ذلك موقوفٌ على ما تقدَّم.
بَابُ مِيرَاثِ الْمُطَلَّقَةِ
إِذَا طَلَّقَهَا في صِحَّتِهِ، أَوْ في مَرَضٍ غَيرِ مَخُوفٍ أو غَيرِ مَرَض الْمَوْتِ طَلَاقًا بَائِنًا قُطِعَ التَّوَارُثُ بَينَهُمَا.
بابُ ميراثِ المُطَلَّقَةِ
(إذا طَلَّقَها في صِحَّتِه أو مَرَضٍ غيرِ مَخُوفٍ طلاقًا بائِنًا قُطِعِ التَّوارُثُ بَينَهما) وجملة ذلك، أنَّ الرجلَ إذا طلَّقَ امرأتَه في صِحَّتِه طلاقًا بائِنًا، أو رجْعِيًّا فبانتْ بانْقِضاءِ عدَّتِها، لم يَتوارَثا إجْماعًا؛ لزوالِ الزَّوْجِيةِ التي هي سَبَبُ الميراثِ، وكذلك إن طَلَّقها في مرضٍ غيرِ مَخُوفٍ، لأنَّ حُكْمَ الطَّلاقِ فيه حُكْمُ الطلاقِ في الصِّحَّةِ.
فإت طَلَّقَها في المرضِ المَخُوفِ فصحَّ مِن مَرَضِه ذلك ومات بعدَه، لم تَرِثْهُ في قولِ الجمهورِ.
ورُوِيَ عن النَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وزُفَرَ، أنَّها تَرِثُه؛ لأنَّه طلاقٌ في مرضٍ مَخُوفٍ قُصِدَ به الفرارُ مِن الميراثِ، فلم يَمْنَعْه، كما لو لم يَصِحَّ.
ولَنا، أنَّ هذه بائنٌ بطَلاقٍ في غيرِ مَرَضِ الموتِ، فلم تَرِثْه، كالمُطَلَّقةِ في الصِّحَّةِ، ولأنَّ حُكْمَ هذا المرضِ حُكْمُ الصِّحَّةِ في العَطَايا والعَتاق والإِقْرارِ، فكذلك في الطلاقِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بما إذا قَصَدَ الفِرارَ في الصِّحَّةِ.