الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 430-469

..................................  ولو كانتِ الأمَةُ لشَرِيكَيْنِ، فضَرَبَاها، ثم أعْتَقاها معًا، فولَدَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فعلى قَوْلِ أبى بكر، على كُلِّ واحدٍ منهما نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّه لشَرِيكِه؛ لأَنَّ كُلًّا منهما جَنَى على الجَنِينِ، ونِصْفُه لشَرِيكِه، فسَقَطَ عنه ضَمانُه، ولَزِمَه ضَمانُ نِصْفِه الذى لشَرِيكِه بنِصْفِ عُشْرِ قيمَةِ أُمِّه، اعْتِبارًا بحال الجِنايةِ.
وعلى قوْلِ ابنِ حامدٍ، على كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُ الغُرَّةِ، للأُمِّ منها الثُّلُثُ، وباقِيها للوَرَثَةِ، ولا يَرِثُ القاتِلُ منها شيئًا.
فصل: إذا ضرَب ابن المُعْتَقَةِ الذى أبُوه عبدٌ بَطْنَ امرأةٍ، ثم أُعْتِقَ 1 أَبُوه 2، ثم أسقَطَتْ جَنِينًا وماتَتْ، احْتَمَلَ أن تكونَ دِيَتُهُما في مالِ الجانِى، على ما تَقَدَّمَ ذِكْرُه.
واحْتَمَلَ أن تكونَ الدِّيَةُ على مَوْلَى الأُمِّ وعَصَباتِه، في قياسِ قَوْلِ أبى بكرٍ، اعْتِبارًا بحالِ الجِنايةِ.
وعلى قِياسِ قوْلِ ابنِ حامدٍ، على مَوْلَى الأب وأقاربِه، اعْتِبارًا بحالِ الإِسْقاطِ.
وإن ضرَب ذِمِّىٌّ بطنَ امْرأتِه الذمِّيَّةِ، ثم أَسْلَمَ، ثم أسْقَطَتْ، لمِ تَحْمِلْه عاقِلَتُه، وإن ماتتْ معه فكذلك؛ لأَنَّ عاقِلَتَه المسلمين لا يَعْقِلون عنه؛ لأنَّه كان حينَ الجِنايةِ ذِمِّيًّا، وأهْلُ الذِّمَّةِ لا يَعْقِلُونَ عنه؛ لأنَّه حينَ الإِسْقاطِ مُسْلِمٌ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ عَقْلُه على عاقِلَتِه مِن أَهْلِ الذِّمَّةِ، في قِياسِ قَوْلِ أبى بكرٍ، اعْتِبارًا بحالِ الجِنايةِ، ويكونَ في الجَنِينِ ما يجبُ في الجَنِينِ الكافرِ؛ لأنَّه

وَإِنْ كَانَ الْجَنِينُ مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ، فَفِيهِ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كِتَابِيًّا، وَالْآخَرُ مَجُوسِيًّا، اعْتُبِرَ أَكْثَرُهُمَا،  حينَ الجِنايةِ مَحْكُومٌ بكُفْرِه.
وعلى قياسِ قوْلِ ابنِ حامدٍ، يجبُ فيه غُرَّةٌ كاملةٌ، ويكونُ عَقْلُه وعَقْلُ أُمِّه على عاقِلَتِه المسلمينَ، اعْتِبارًا بحالِ الاسْتِقْرارِ.

4219 -

مسألة: (وإن كان الجَنِينُ مَحْكُومًا بكُفْرِه، ففيه عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ)

وبهذا قال الشَّافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى.
قال ابنُ المُنْذِرِ (1): لم أحْفَظْ عن غيرِهم خِلافَهُم.
لأَنَّ جَنِينَ الحُرَّةِ المسلمةِ مَضْمُونٌ بعُشْرِ دِيَةِ أُمِّه، فكذلك (2) جَنِينُ الكافِرَةِ، إلَّا أنَّ أصْحابَ الرَّأْى يَروْنَ دِيَةَ الكافِرَةِ كدِيَةِ المُسْلمةِ، فلا يتَحَقَّقُ عندَهم بينَهما (3) اخْتِلافٌ.
4220 -

مسألة: (وإن كان أحدُ أبَويه كِتابِيًّا، والآخَرُ مَجُوسِيًّا، اعْتُبِرَ أكْثَرُهما)

دِيَةً، فيَجِبُ عُشْرُ دِيَةِ كِتابِيَّةٍ على كُلِّ حَالٍ؛ لأَنَّ ولدَ المسلمِ من الكافرَةِ يُعْتَبَرُ بأكْثَرِهما دِيَةً، كذا ههُنا، ولأَنَّ123

وَإِنْ سَقَطَ الْجَنِينُ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ، فَفِيهِ دِيَةُ حُرٍّ إِنْ كَانَ حُرًّا، أَوْ قِيمَتُهُ إِنْ كَانَ مَمْلُوكًا، إِذَا كَانَ سُقُوطُهُ لِوَقْتٍ يَعِيشُ  الضَّمانَ إذا وُجِدَ في أحَدِ أبوَيْه ما يُوجِبُ، وفى الآخَرِ ما يُسْقِطُ، غَلبَ الإِيجابُ، بدليلِ ما لو قتَل المُحْرمُ صَيْدًا مُتَوَلِّدًا مِن مأْكُولٍ وغيرِه.
ولا فَرْقَ فيما ذكَرْنا بينَ الذَّكَرِ والأُنْثَى؛ لأَنَّ السُّنَّةَ لم تُفَرِّقْ بينَهما.
وبه يقولُ الشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى، وعامَّةُ أَهْلِ العِلْمَ.
فصل: ولو ضرَب بَطْنَ كِتابِيَّةٍ حاملٍ مِن كِتابِىٍّ، فأسْلَمَ أحدُ أبَوَيْه، ثم أسْقَطَتْه، ففيه الغُرَّةُ، في قولِ ابن حامدٍ والقاضى، وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ، ومذهبُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ الضَّمانَ مُعْتَبَرٌ (1) بحالِ اسْتِقْرَارِ الجنايةِ، والجَنِينُ محْكُومٌ بإسْلامِه عندَ اسْتِقْرارِها.
وفى قولِ أبى بكُرٍ وأبى الخَطَّابِ، فيه عُشرُ دِيَةِ كِتابِيَّةٍ؛ لأَنَّ الجِنايةَ عليه في حالِ كُفْرِه.

4221 -

مسألة: (وإن سقَط الجَنِينُ حَيًّا، ثم مات، ففيه دِيَةُ حُرٍّ إن كان حُرًّا، أو قِيمَتُه إن كان مَمْلُوكًا، إذا كان سُقُوطُه لوَقْتٍ يَعِيشُ

1

مِثْلُهُ، وَهُوَ أَنْ تَضَعَهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرِ فَصَاعِدًا، وَإِلَّا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَيِّتِ،  مثلُه، وهو أن تَضَعَه لسِتَّةِ أشْهُرٍ فصاعِدًا، وإلَّا فحُكْمُه حُكْم المَيِّتِ) هذا قَوْلُ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
قال ابن المُنْذِرِ 1: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، على أنَّ في الجَنِينِ يَسْقُطُ حَيًّا مِن الضَّرْبِ، دِيَةً كاملةً؛ منهم زيدُ بنُ ثابتٍ، وعُرْوَةُ، والزُّهْرِىُّ، والشَّعْبِىُّ، وقَتادَةُ، وابنُ شُبْرُمَةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى؛ وذلك لأنَّه مات مِن جِنايَته بعدَ وِلادَتِه، في وَقْتٍ يَعِيشُ لمثلِه، فأشْبَهَ قَتْلَه بعدَ وَضْعِه.
وفى هذه المسألةِ ثلاثةُ فُصولٍ؛ أحدُها، أنَّه إنَّما يُضْمَنُ بالدِّيَةِ إذا وَضَعَتْه حَيًّا، فمتَى 2 عُلِمَتْ حَياتُه، ثبَت له 3 هذا الحُكْمُ، سواءٌ ثبَت باستهلالِه، أو ارتضاعه، أو بنَفَسِه 4، أو عُطاسِه، أو غيرِ ذلك مما تُعْلَمُ به حياتُه.
هذا ظاهرُ قولِ

..................................  الخِرَقِىِّ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه 1 لا يَثْبُتُ له 2 حُكْمُ الحياةِ إلَّا بأنْ يَسْتَهِلَّ.
وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ، وقَتادةَ، ومالكٍ، وإسْحاقَ.
ورُوِىَ مَعْنَى ذلك عن عمرَ، وابنِ عبَّاسٍ، والحسنِ بنِ علىٍّ، وجابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، رَضِى اللَّهُ عنهم؛ لقَوْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذَا اسْتَهَلَّ المَوْلُودُ، وَرِثَ ووُرِثَ» 3. مَفْهُومُه أنَّه لا يَرِثُ إذا لم يَسْتَهِلَّ.
والاسْتِهْلالُ: الصِّياحُ.
قاله ابنُ عباسٍ، والقاسِمُ، والنَّخَعِىُّ؛ لأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «ما مِن مَوْلُودٍ 4 يُولَدُ إلَّا مَسَّهُ الشَّيْطانُ، فيَسْتَهِلُّ صارِخًا، إلَّا مَرْيَمَ وابْنَها» 5. فلا يجوزُ غيرُ ما قالَه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
والأَصْلُ في تَسْمِيَةِ الصِّياحِ اسْتِهْلالًا، أنَّ مِن عادةِ الناسِ أنَّهم 6 إذا رَأَوا الهِلالَ صاحُوا، وأرَاهُ بعْضُهم بعضًا، فَسُمِّىَ صِياح المَوْلُودِ استِهْلالًا؛ لأنَّه في ظُهُورِه بعدَ خَفائه كالهِلالِ، وصِياحُه كصِياحِ مَن يَتَراءاهُ.
ولَنا، أنَّه

..................................  قد عُلِمَتْ حياتُه، فأشْبَهَ المُسْتَهِلَّ، والخَبَرُ يدُلُّ بمَعْناه وتَنْبِيهِه على ثُبُوتِ الحُكْمِ في سائرِ الصُّوَرِ، فإنَّ شُرْبَه اللَّبَنَ أدَلُّ على حَياتِه مِن صِياحِه، وعُطاسَه ضَرْبٌ منه، فهو كصِياحِه.
وأمَّا الحَرَكَةُ والاخْتِلاجُ المُنْفَرِدُ، فلا يَثْبت به حُكْم الحياةِ؛ لأنَّه قد يتَحَرَّكُ بالاخْتِلاجِ وبسَبَبٍ آخَرَ، وهو خُروجُه مِن مَضِيقٍ، فإنَّ اللَّحْمَ يخْتَلِجُ، سِيَّما إذا عُصِرَ ثم تُرِكَ، فلم تَثْبت بذلك حَياتُه.
الفصل الثانى: أنَّه إنَّما يَجِبُ ضَمانُه إذا عُلِمَ مَوْتُه بسبَب الضَّرْبَةِ، ويَحْصُلُ ذلك بسُقوطِه في الحالِ أو مَوْتِه، أو بَقائه مُتَأَلِّمًا إلى أنَ يَمُوتَ، أو بقاءِ أُمِّه مُتَأَلِّمةً إلى أن تُسْقِطَه، فيُعْلَمُ بذلك مَوْتُه بالجِنايةِ، كما لو ضرَب رَجُلًا فمات عَقِيبَ ضَرْبِه، أو بَقِىَ ضَمِنًا حتى مات.
وإن ألْقَتْه حَيًّا، فجاء آخَرُ فقَتَلَه، وكانت فيه حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فعلى الثانى القِصاصُ إذا كان عَمْدًا، أو الدِّيَةُ كاملةً، وإن لم تَكُنْ فيه حياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، بل كانت حَرَكَتُه كحرَكَةِ المَذْبُوحِ، فالقاتلُ هو الأَوَّلُ، وعليه الدِّيَةُ كاملةً، ويُؤَدَّبُ الثانِى.
وإن بَقِىَ الجَنِينُ حَيًّا، وبَقِيَ زَمَنًا سالمًا لا ألَمَ به، لم يَضْمَنْه الضَّارِبُ؛ لأَنَّ الظاهرَ أنَّه لم يَمُت مِن جِنايَتِه.
الفصل الثالث: أنَّ الدِّيَةَ إنَّما تجبُ فيه إذا كان سُقوطُه لسِتَّةِ أشْهُرٍ فصاعِدًا، فإن كان لدُونِ ذلك، ففيه غُرَّةٌ، كما لو سقَط مَيِّتًا.
وبهذا قال المُزَنِىُّ.
وقال الشافعىُّ: فيه دِيَةٌ كاملةٌ؛ لأنَّنا عَلِمْنا حَياتَه، وقد تَلِفَ

وَإِنِ اخْتَلَفَا في حَيَاتِهِ وَلا بَيِّنَةَ، فَفِى أيِّهِمَا يُقَدَّمُ قَوْلُهُ وَجْهَانِ.
مِن جِنايَتِه.
ولَنا، أنَّه لم تُعْلَمْ فيه حياةٌ يُتَصَوَّرُ بقَاؤُه بها، فلم تَجِبْ فيه دِيَةٌ، كما لو ألْقَتْه مَيِّتًا، وكالمذْبُوحِ.
وقولُهم: إنَّا عَلِمْنا حياتَه.
قُلْنا: وإذا سقَط مَيِّتًا وله سِتَّةُ أشْهُرٍ، فقد عَلِمْنا حياتَه أَيضًا.

4222 -

مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في حَياتِه، ولا بَيِّنَةَ)

لهما (ففى أيِّهِما يُقَدَّمُ قولُه وَجْهانِ) أحدُهما، يُقدَّمُ قولُ الوَلِىِّ؛ لأَنَّ الأَصْلَ حَياتُه، فإنَّ الجَنِينَ إذا بلَغ أرْبعةَ أشْهُرٍ، نُفِخَ فيه الرُّوحُ.
والثانى، قولُ الجانِى؛ لأَنَّ الأَصْلَ براءَةُ ذِمَّتِه مِن الدِّيَةِ الكاملةِ.

فصل

: إذا ادَّعَتِ امرأةٌ على إنسانٍ 1 أنَّه ضَرَبَها، فأسْقَطَ جَنِينَها، فأنْكَرَ الضَّرْبَ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَم الضَّرْبِ.
وإن أقَرَّ بالضَّرْبِ أو قامَتْ به بَيِّنَةٌ، وأنْكَرَ أن تكونَ أسْقَطَتْ، فالقولُ قولُه أَيضًا مع يَمِينِه أنَّه 2 لا يَعْلَمُ أنَّها أسقَطَتْ، ولا تَلْزَمُه اليمِينُ على البَتِّ؛ لأنَّها يَمِينٌ على نَفْىِ فِعْلِ الغَيْرِ، والأَصْلُ عَدَمُه.
وإن ثبَت الإِسْقاطُ والضَّرْبُ ببَيِّنَةٍ أو إقْرارٍ، فادَّعَى أنَّها أسْقَطته مِن غيرِ ضَرْبِه؛ فإن كانت أسْقَطَتْه عَقِيبَ ضَرْبِها 3، فالقولُ قولُها؛ لأَنَّ الظاهرَ أنَّه منه، لوُجودِه

..................................  عَقِيبَ شئٍ يَصْلُحُ أن يكونَ سَبَبًا له.
وإنِ ادَّعَى أنَّها ضَرَبَتْ نَفْسَها، أو شَرِبَتْ دواءً، أو فَعَلَ ذلك غيرُها، فحَصَلَ الإِسْقاطُ، فأنْكَرَتْه، فالقولُ قولُها مع يَمينها؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ ذلك.
وإن أسْقَطَتْه بعدَ الضَّرْبِ بأيَّامٍ، وكانت مُتَأَلِّمةً إلى حينِ الإسْقاطِ، فالقولُ قولُها، وإن لم تَكُنْ مُتَأَلِّمةً، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، كما لو ضرَب إنْسانًا فلم يَبْقَ مُتَأَلِّمًا ولا ضَمِنًا، ومات بعدَ أيَّامٍ.
وإنِ اخْتَلَفا في وُجودِ التَّأَلُّمِ، فالقولُ قولُه؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُه.
وإن كانتْ مُتَأَلِّمةً في بعْضِ المُدَّةِ، فادَّعَى أنَّها بَرَأَتْ وزَالَ أَلَمُها، وأنْكَرَتْ ذلك، فالقولُ قولُها؛ لأَنَّ الأَصْلَ بقاؤُه.
وإن ثبَت إسْقاطُها مِن الضَّرْبَةِ، فادَّعَتْ سُقُوطَه حَيًّا، وأنْكَرَها، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، إلَّا أن تَقُومَ لها بَيِّنَةٌ باسْتِهْلالِه؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ ذلك.
وإن ثَبَتَتْ حَياتُه، فادَّعَتْ أنَّه لوَقْتٍ يَعِيشُ مِثْلُه، فأنْكَرَها، فالقولُ قولُها مع يَمِينِها؛ لأَنَّ ذلك لا يُعْلَمُ إلَّا مِن جِهَتِها, ولا يُمْكِنُ إقامةُ البَيِّنَةِ عليه، فقُبِلَ قولُها فيه، كانْقِضاء عِدَّتِها، ووُجودِ حَيْضِها وطُهْرِها.
وإن أقامَتْ بَيِّنةً باسْتِهْلالِه، وَأقامَ الجانِى بَيِّنَةً بخِلافِها، قُدِّمَتْ بَيِّنَتُها؛ لأنَّها مُثْبِتَة، فقُدِّمَتْ على النَّافيةِ؛ لأَنَّ المُثْبِتةَ معها زِيادَةُ عِلْمٍ.
وإنِ ادَّعَتْ أنَّه مات عَقِيبَ إسْقاطِه، وادَّعَى أنَّه عاش مُدَّةً، فالقولُ قولُها؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ حَياتِه.
وإن أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيِّنَةً بدَعْواه، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الجانِى؛ لأَنَّ

..................................  معَها زِيادةَ عِلْمٍ.
وإن ثبَت أنَّه عاش مُدَّةً، فادَّعَتْ أنَّه بَقِىَ مُتَأَلِّمًا حتَّى مات، فأنْكَرَ، فالقولُ قولُه؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَم التَّأَلُّمِ، فإن أقامَا بَيِّنتَيْنِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَتُها؛ لأَنَّ معها زِيادةَ عِلْمٍ 1. ويُقْبَلُ في اسْتِهلالِ الجَنِينِ، وسُقُوطِه، وبَقائه مُتَأَلِّمًا، وبقاء أُمِّه مُتَأَلِّمةً، قولُ امرأةٍ واحدةٍ؛ لأنَّه ممَّا لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ غالِبًا، لأَنَّ الغالِبَ أنَّه لا يَشْهَد الوِلادةَ إلَّا النِّساءُ، والاسْتِهْلالُ يتَّصِلُ بها، وهُنَّ يَشْهَدْنَ حالَ المرأةِ ووِلادَتَها، وحالَ الطِّفْلِ، ويَعْرِفْنَ عِلَلَه وأمْراضَه، وقُوَّتَه وضَعْفَه، دُونَ الرِّجالِ.
وإنِ اعْتَرَفَ الجانِى باسْتِهْلالِه، أو ما يُوجِبُ فيه دِيَةً كاملةً، فالديةُ في مالِ الجانِى لا تَحْمِلُه العاقلةُ؛ لأنَّها لا تَحْمِلُ اعْتِرافًا.
وإن كانتْ ممَّا تَحْمِلُ العاقلةُ فيه الغُرَّةَ، فهى على العاقلةِ، وباقى الدِّيَةِ في مالِ القاتلِ.
فصل: وإنِ انْفَصَلَ منها جَنِينانِ، ذَكَرٌ وأُنْثَى، فاسْتَهَلَّ أحَدُهما، واتَّفَقُوا على ذلك، واخْتَلَفُوا في المُسْتَهِلِّ، فقال الجانِى: هو الأُنْثَى.
وقال وارِثُ الجَنِينِ: هو الذَّكَرُ.
فالقولُ قول الجانِى مع يَمِينِه؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءةُ ذِمَّتِه مِن الزَّائدِ على دِيَةِ الأُنْثَى، فإن كان لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ بها، وإن كان لهما بَيِّنَتانِ، وجَبَتْ دِيَةُ الذَّكَرِ؛ لأَنَّ البَيِّنةَ قد قامتْ باسْتِهلالِه، والبَيِّنَةُ المُعارِضَةُ لها نافية له، والإِثْباتُ مُقَدَّمٌ على النَّفْى.
فإن

..................................  قيل: فيَنْبَغِى أن تَجِبَ دِيَتُهما.
قُلْنا: لا تَجِبُ دِيَةُ الأُنْثَى؛ لأن المُسْتَحِقَّ لها لم يَدَّعِها، وهو مُكَذِّبٌ للبَيِّنةِ الشاهِدَةِ بها.
فإنِ ادَّعَى الاسْتِهلالَ منها، ثبَت ذلك بالبَيِّنَتَيْنِ.
وإن لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فاعْتَرَفَ الجانِى باسْتِهْلالِ الذَّكَرِ، فأنْكَرَتِ العاقلةُ، فالقولُ قولُهم مع أيْمانِهِم، فإذا حَلَفُوا، كان عليهم دِيَةُ الأُنْثَى وغُرَّةٌ، إن كانت تَحْمِلُ الغُرَّةَ، وعلى الضَّارِبِ تَمامُ دِيَةِ الذَّكَرِ، وهو نِصْفُ الدِّيَةِ، لا تَحْمِلُه العاقلةُ؛ لأنَّه ثبَت باعْتِرافِه.
وإنِ اتَّفَقُوا على أن أحَدَهُما اسْتَهَلَّ، ولم يُعْرَفْ بعَيْنِه، لَزِمَ العاقلةَ دِيَةُ أُنْثَى؛ لأنَّها مُتَيَقَّنَةٌ، وتَمامُ دِيَةِ الذَّكَرِ مَشْكُوك فيه.
والأَصْلُ بَراءةُ الذِّمَّةِ منه، فلم يَجب بالشَّكِّ، وتَجِبُ الغُرَّةُ في الذى لم يَسْتَهِلَّ.
فصل: إذا ضَرَبَها فأَلْقَتْ يَدًا، ثم ألْقَتْ جَنِينًا، فإن كان إلْقاؤُهما مُتَقارِبًا، أو بَقِيَتِ المرأةُ مُتَأَلِّمةً إلى أن ألْقَتْه، دَخَلَتِ اليَدُ في ضَمانِ الجَنِينِ؛ لأن الظاهِرَ أنَّ الضَّرْبَ قطَعِ يَدَه، فسَرَى إلى نَفْسِه، فأَشْبَهَ ما لو قطَع يَدَ رَجُلٍ، فسَرَى القَطْعُ إلى نفْسِه، ثم إن كان الجَنِينُ سقَط مَيِّتًا، أو حَيًّا لوَقْتٍ لا يَعِيشُ لمِثْلِه 1، ففيه غُرَّةٌ، وإن ألْقَتْه حَيًّا لوَقْتٍ يَعِيشُ لمِثْلِه، ففيه دِيَةٌ كاملةٌ، وإن بَقِىَ حَيًّا فلم يَمُتْ، فعلى الضَّارِبِ ضَمانُ اليَدِ بدِيَتِها، بمَنْزِلَةِ مَن قطَع يدَ رَجُلٍ فانْدَمَلَتْ.
وقال القاضى، وبعضُ أصْحابِ الشافعىِّ: يُسْأَلُ القَوابِلُ، فإن قُلْنَ: إنَّها يَدُ مَن لم تُخْلَقْ فيه

..................................  الحياةُ.
ففيها نِصْفُ الغُرَّةِ.
وإنْ قُلْنَ: يَدُ مَن خُلِقَتْ فيه الحياةُ.
ففيها نِصْفُ الدِّيَةِ.
ولَنا، أنَّ الجَنِينَ إنَّما يُتَصَوَّرُ بقَاءُ الحياةِ فيه إذا كان حَيًّا قبلَ وِلادَتِه بمُدَّةٍ طويلةٍ، أقَلُّها شَهْرانِ، على ما دَلَّ عليه حديثُ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ، في أنَّه يُنْفَخُ فيه الرُّوحُ بعدَ أرْبعةِ أشْهُرٍ 1، وأقَلُّ ما يَبْقَى بعدَ ذلك شَهْرانِ؛ لأنَّه لا يَحْيَى إذا وَضَعَتْه لأَقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، والكلامُ مَفْروضٌ 2 فيما إذا لم يَتَخَلَّلْ بينَ الضَّرْبَةِ والإِسْقاطِ مُدَّةٌ 3 تُزيلُ ظَنَّ سُقُوطِه بها، فيُعْلَمُ حِينَئِذٍ أنَّها كانت بعدَ وُجُودِ الحياةِ فيه.
وأمَّا إن ألْقَتِ اليَدَ، وزالَ الألَمُ، ثم ألْقَتِ الجَنِينَ، ضَمِنَ اليَدَ وحدَها، بمَنْزِلةِ مَن قطَع يَدًا فانْدَمَلتْ، ثم مات صاحِبُها، ثم يُنْظَرُ؛ فإن ألْقَتْه مَيتا، أو لوَقْتٍ لا يَعِيشُ لمِثْلِه، ففى اليَدِ نِصْفُ غُرَّةٍ؛ لأَنَّ في جَمِيعِه غُرَّةً، ففى يَدِه نِصْفُ دِيَتِه، وإن ألْقَتْه حَيًّا [لوَقْتٍ يَعِيشُ لمِثْلِه، ثم مات، أو عاشَ، وكان بينَ إلْقاءِ اليَدِ وبينَ [إلْقائه مُدَّةٌ] 4 يَحْتَمِلُ أن تكونَ الحياةُ] 5 لم تُخْلَقْ فيه قبلَها، أُرِىَ القَوابِلَ ههُنا، فإن قُلْنَ: إنَّها يَدُ مَن لم تُخْلَقْ فيه الحياةُ.
وجَبَ نِصْفُ غُرَّةٍ، وإن قُلْنَ: إنَّها يَدُ مَن خُلِقَتْ فيه الحياةُ.
ولم يَمْضِ له سِتَّةُ أشْهُرٍ، وجَب فيه نِصْفُ الغُرَّةِ؛ لأنَّها يَدُ مَن لا 6 يَجِبُ فيه أكْثَرُ مِن غُرَّةٍ،

..................................  فأَشْبَهَتْ يَدَ مَن لم تُنْفَخْ فيه الرُّوحُ، وإن أشْكَلَ الأمْرُ علَيْهِنَّ، وجَب نِصْفُ الغُرَّةِ؛ لأنَّه اليَقِينُ، وما زادَ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ.
فصل: وإذا شَرِبَتِ الحَامِلُ دَواءً، فأَلْقت جَنِينًا، فعليها غُرَّةٌ، لا تَرِثُ منها شيئًا، لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ في ذلك؛ لأنَّها أسْقَطَتِ الجَنِينَ بفِعْلِها وجِنايَتِها، فلَزمَها ضَمانُه بالغُرَّةِ، كما لو جَنَى عليه غيرُها, ولا تَرِثُ مِن الغُرَّةِ شيئًا؛ لأَنَّ القاتِلَ لا يَرِثُ [مِن ديةِ] 1 المقْتُولِ، ويَرِثُها سائِرُ وَرَثَتِه، فإن كان الجانِى المُسْقِطُ للجَنِينِ أباهُ أو غيرَه، فعليه غُرَّة، لا يرَثُ منها شيئًا؛ لِما ذكَرْنا.
فصل: وإن جَنَى على بَهِيمَةٍ، فألْقَتْ جَنِينَها، ففيه ما نَقَصَها، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن أبى بكرٍ أنَّ فيه عُشْرَ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لأنَّها جِنايَة على حَيوانٍ يَمْلِكُ بَيْعَه، أسْقَطَتْ جَنِينَه، أشْبَهَ جَنِينَ الأمَةِ.
وهذا لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الجِنايةَ على الأمَةِ تُقَدَّرُ مِن قِيمَتِها في ظاهرِ المذهبِ، ففى يَدِها نِصْفُ قِيمَتِها، وفى مُوضِحَتِها نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِها، وقد وافَقَ أبو بكرٍ على ذلك، فقُدِّرَ جَنِينُها مِن قِيمَتِها، كبَعْضِ أعْضائها، والبَهِيمَةُ إنَّما يَجِبُ بالجِنايةِ عليها قَدْرُ نَقْصِها، فكذلك في جَنِينها, ولأَنَّ الأمَةَ آدَمِيَّةٌ، الحِقَتْ بالأحْرارِ في تَقْدِيرِ أعْضائها مِن قِيمَتِها، بخِلافِ البَهِيمَةِ.

..................................  فصل: وَدِيَةُ الأعْضاءِ كدِيَةِ النَّفْسِ، فإن كان الواجِبُ مِن الذَّهَبِ والوَرِقِ، لم يَختلفْ بعَمْدٍ ولا خَطَأ، وإن كان مِن الإِبِلِ، وجَبَ في العَمْدِ أرْباعًا، على إحْدَى الرِّوايتَيْنِ، وفى الأُخْرَى يَجِبُ خُمْسٌ [وعُشْرٌ منها حِقاقٌ] 1، وخُمسٌ [وعُشْرٌ جِذَاعٌ] 2، وخُمْساها خَلِفاتٌ، وفى الخطأ يَجِبُ أخْماسًا، فإن لم يُمْكِنْ قسْمتُه 3، مثلَ أن يُوضِحَه عَمْدًا، فإنَّه يَجِبُ أربعةٌ أرْباعًا، والخامسُ مِن أحَدِ الأجْناسِ الأرْبعةِ، قِيمَتُه رُبْعُ قِيمَةِ الأرْبعِ.
وإن قُلْنا بالرِّوايةِ الأُخْرَى، وجَبَ خَلِفَتانِ، وحِقَّةٌ، وجَذَعَةٌ، وبَعِيرٌ 4 قِيمَتُه نِصْفُ قِيمَةِ حِقَّةٍ ونصفُ قِيمَةِ جَذَعَةٍ.
وإن كانتْ خَطَأً، وجَبَ الخَمْسُ مِن الأجْناسِ الخَمْسَةِ، مِن كلِّ جنْسٍ 5 بَعيرٌ.
وإن كان الواجِبُ دِيَةَ أُنْمُلَةٍ، وقُلْنا: تَجِبُ مِن ثَلاثةِ أَجْناسٍ.
وجَب بَعِيرٌ وثُلُثٌ مِن الخَلِفاتِ، وحِقَّةٌ، وجَذَعَةٌ.
وإن قُلْنا: أرْباعًا.
وجَب ثَلاثةٌ وثُلُثٌ، قِيمَتُها نِصْفُ قِيمَةِ الأرْبعةِ وثُلُثِها.
وإن كان خَطَأً، فقِيمَتُها ثُلُثا قِيمَةِ الخَمْسِ.
وعندَ أَصْحابِنا، أنَّ قِيمَةَ كُلِّ بَعِيرٍ مائةٌ وعشرونَ دِرْهَمًا، أو عَشَرةُ دنَانيرَ، فلا فائدةَ في تَعْيِينِ

فَصْلٌ: وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ الْقَتْلَ تُغَلَّظُ دِيَتُهُ بِالْحَرَمِ، وَالإِحْرَامِ، وَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَالرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، فَيُزَادُ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ الْحُرُمَاتُ الْأَرْبَعُ، وَجَبَ دِيَتَانِ وَثُلُثٌ.
أسْنَانِها.
وإنِ اخْتَلَفَتْ قِيمَةُ الدَّنانيرِ والدَّراهِمِ، مثلَ أن كانَتِ العشَرةُ الدَّنانيرِ تُساوِى مائةَ درهم، فقِياسُ قَوْلِهم أنَّه (1) إذا جاءَ بما قِيمَتُه عشرةُ دنانِيرَ، لَزِمَ المَجْنِىَّ عليه قَبولُه؛ لأنَّه لو جاءَه بالدَّنانيرِ، لَزِمَه قَبُولُها، فلَزِمَه قَبولُ ما يُساوِيها.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: (وذكَر أصْحابُنا أنَّ القَتْلَ تُغَلَّظُ دِيَتُه بالحَرَمِ، والإِحْرامِ، والأشْهُرِ الحُرُمِ، والرَّحِمِ المَحْرَمِ، فيُزادُ لكلِّ واحدٍ ثلُثُ الدِّيَةِ، فإذا اجْتَمَعَتِ الحُرُماتُ الأرْبَعُ، وجَب دِيتانِ وثُلُثٌ) وجملةُ ذلك، أنَّ الدِّيَةَ تُغَلَّظُ بثلاثةِ أشياءَ؛ إذا قتَل في الحَرَمِ، والأشْهُرِ الحُرُمِ، وإذا قتَل مُحْرِمًا.
ونَصَّ أحمدُ على التَّغْلِيظِ فيما إذا قتَل مُحْرِمًا1

..................................  في الحَرَم وفى الشَّهْرِ الحَرامِ.
فأمَّا إن قتَل ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فقال أبو بكرٍ: تُغَلَّظُ دِيَتُه.
وقال القاضى: ظاهرُ كلامِ أحمدَ أنَّها لا تُغَلَّظُ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: تُغَلَّظُ بالحَرَمِ، والأَشْهُرِ الحُرُمِ، وذِى 1 الرَّحِمِ، وفى التغليظِ بالإِحْرامِ وَجْهان.
وممَّن رُوِىَ عنه التَّغْليظُ؛ عُثمانُ، وابنُ عباسٍ، والسَّعِيدانِ 2، وعَطاءٌ، وطاوسٌ، ومُجاهِدٌ، وسليمانُ بنُ يَسَارٍ، وجابرُ بنُ زَيْدٍ، وقَتادةُ، والأوْزَاعِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ.
واخْتَلَفَ القائلونَ بالتَّغْلِيظِ في صِفَتِه، فقال أصْحابُنا: يُغَلَّظُ لكلِّ واحدٍ مِن الحُرُماتِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، فإذا اجْتَمَعَتِ الحُرُماتُ الأرْبعُ، وجَبَتْ دِيتَانِ وثُلُث.
قال أحمدُ في رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ، في مَن قتَل مُحْرِمًا في الحَرَمِ في الشَّهْرِ الحَرامِ: فعليه أرْبَعةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا.
وهذا قولُ التَّابِعينَ القائِلينَ بالتَّغْليظِ.
وقال أصْحابُ الشافعىِّ: صِفَةُ التَّغْلِيظِ، إيجابُ دِيَةِ العَمْدِ في الخَطَأ، ولا يُتَصَوَّر التَّغْلِيظُ في غيرِ الخَطَأ،

..................................  ولا يُجْمَعُ بينَ تَغْلِيظَيْنِ.
وهذا قولُ مالكٍ، إلَّا أنَّه يُغَلِّظُ في العَمْدِ، فإذا قَتَلَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَمْدًا، فعليه ثلاثونَ حِقَّةً، وثلاثونَ جَذَعَةً، وأرْبعونَ خَلِفَةً، وتَغْلِيظُها في الذَّهَبِ والفِضَّةِ أن يَنْظُرَ 1 قِيمَةَ أسْنانِ الإِبِلِ غيرَ مُغَلَّظَةٍ، وقِيمَتَها مُغَلَّظَةً، ثم يَحْكُمَ بزِيادةِ ما بينَهما، كَأنَّ 2 قِيمَتَها مُخَفَّفَةً سِتُّمائةٍ، وفى العَمْدِ ثَمانمائةٍ، وذلك ثُلُثُ الدِّيَةِ المُخَفَّفَةِ.
وعندَ مالكٍ تُغَلَّظُ في الأبِ والأُمِّ والجَدِّ، دُونَ غيرِهم.
واحْتَجَّا على صِفَةِ التَّغْلِيظِ بما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه أخَذَ مِن قَتادَةَ المُدْلِجىِّ دِيَةَ ابْنِه حينَ حَذَفَه بالسَّيْفِ ثلاثينَ حِقَّةً، وثلاثينَ جَذَعَةً، وأربعين خلِفَةً 3، ولم يَزِدْ عليه في العَدَدِ شيئًا 4. وهذه قِصَّة اشْتَهَرَتْ فلمِ تُنْكَرْ، فكانتْ إجْماعًا, ولأَنَّ ما أوْجَبَ التَّغْلِيظَ أوْجَبَه في الأسْنانِ دُون القَدْرِ، كالضَّمانِ، ولا يُجْمَعُ بينَ تَغْلِيظَيْنِ؛ لأَنَّ ما أوْجَبَ التَّغْلِيظَ بالضَّمانِ إذا اجْتَمَعَ سَببانِ تَداخلا، كالحَرَمِ والإِحْرَامِ في قَتْلِ الصَّيْدِ، وعلى أنَّه لا يُغَلَّظُ بالإِحْرامِ؛ لأَنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بتَغْلِيظِه.
واحْتَجَّ أصْحابُنا

..................................  بما رَوَى ابنُ أبى نَجيحٍ [عن أَبيه] 1، أنَّ امرأةً وُطِئتْ 2 في الطَّوَافِ، فقَضَى عثمانُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فيها بسِتَّةِ آلافٍ وألْفَيْنِ تَغْلِيظًا للحَرَمِ 3. وعن ابنِ عمرَ، أنَّه قال: مَن قتَل في الحَرَمِ، أو ذَا رَحِمٍ، أو في الشَّهْرِ الحَرامِ، فعليه دِيَةٌ وثُلُثٌ 4. وعن ابنِ عباسٍ، أنَّ رَجُلًا قتَل رَجُلًا في الشَّهْرِ الحَرامِ، في البَلَدِ الحرامِ، فقال: دِيَتُه اثْنَا عَشَرَ ألْفًا، وللشَّهْرِ الحرامِ أرْبَعَةُ آلافٍ، وللبَلَدِ الحرامِ أرْبَعةُ آلافٍ 5. وهذا ممَّا

وَظَاهِرُ كَلامِ الْخِرَقِىِّ، أَنَّهَا لَا تُغَلَّظُ بِذَلِكَ.
وَهُوَ ظَاهِرُ الآيَةِ وَالْأَخْبَارِ.
يَظْهَرُ ويَنْتَشِرُ، ولم يُنْكَرْ، فثَبَتَ إجْماعًا.
وهذا فيه الجَمْعُ بينَ تَغْلِيظاتٍ ثلاثٍ، ولأنَّهُ قولُ التابِعينَ القائلِينَ بالتَّغْلِيظِ.
واحْتَجُّوا على التَّغْليظِ في العَمْدِ، أنَّه إذا غُلِّظَ الخَطَأُ مع العُذْرِ فيه، ففى العَمْدِ مع عَدَمِ العُذْرِ أَوْلَى.
وكلُّ مَن غَلَّظَ الدِّيَةَ، أوْجَبَ التَّغْلِيظَ في بَدَلِ الطَّرَفِ بهذه الأسْبابِ؛ لأَنَّ ما أوْجَبَ تَغْلِيظَ دِيَةِ النَّفْسِ، أوْجَبَ تغْلِيظَ دِيَةِ الطَّرَفِ، كالعَمْدِ (1).

4223 -

مسألة: (وظاهرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ أنَّ الدِّيَةَ لا تُغَلَّظُ لشئٍ مِن ذلك)

وهو قولُ الحَسَنِ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وأبى حَنيفَةَ، وابْن المُنْذِرِ.
ورُوِىَ ذلك عن الفُقَهاءِ السَّبْعَةِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ،1

..................................  وغيرِهم؛ لأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «في النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مِائةٌ مِنَ الإِبِلِ» 1. لم يَزِدْ على ذلك.
«وعلى أهْلِ الذَّهَبِ ألْفُ مِثْقَالٍ» 2. وفى حديثِ أبى شُرَيْحٍ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «وَأَنْتُمْ يَا خُزاعَةُ قدْ قَتَلْتُمْ هذا القَتِيلَ مِن هُذَيْلٍ، وأنا واللَّهِ عَاقِلُه، فمَن قُتِلَ له قَتِيل بعدَ ذلِكَ، فأهْلُه بينَ خِيَرَتَيْنِ؛ إن أحَبُّوا قَتَلُوا، وإن أحَبُّوا أخَذُوا الدِّيَةَ» 3. وهذا القَتِيلُ كان بمَكَّةَ في حَرَمِ اللَّهِ تعالى، ولم يَزِدِ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على الدِّيَةِ، ولم يُفَرِّق بينَ الحَرَمِ وغيرِه.
وقال اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ 4. وهذا يقْتَضِي أن تكونَ الدِّيَةُ واحدةً في كلِّ مكانٍ، وكلِّ حالٍ، ولأَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أخَذ مِن قَتادَةَ المُدْلِجِىِّ دِيَةَ ابْنِه، لم يَزِدْ على مائةٍ.
ورَوَى الجُوزْجَانِىُّ، بإسْنادِه، عن أبى الزِّنادِ، أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، كان

..................................  يَجْمَعُ الفُقَهاءَ، فكان ممَّا أحْيَى مِن تلك السُّنَنِ بقولِ فُقَهاءِ المدينةِ السَّبْعَةِ ونُظَرائهم، أنَّ نَاسًا كانوا يقولون: إنَّ الدِّيَةَ تُغَلَّظُ في الشَّهْرِ الحَرامِ أرْبَعةَ آلافٍ، فتكونُ سِتَّةَ عشرَ ألْفًا.
فألْغَى عمرُ ذلك بقَوْلِ الفُقَهاءِ، وأثْبَتَها اثْنَى عَشَرَ ألْفَ دِرْهمٍ في الشَّهْرِ الحرامِ، والبَلَدِ الحَرامِ، وغيرِهما.
قال ابن المُنْذِرِ 1: وليس بثابِتٍ ما رُوِىَ عن الصَّحابةِ في هذا.
ولو صَحَّ، ففِعْلُ عمرَ في حديثِ قَتادةَ أَوْلَى، وهو مُخالِفٌ لغيرِه، فيُقَدَّمُ على قولِ مَن خالَفَه، وهو أَصَحُّ في الرِّوايةِ، مع مُوافَقَتِه الكِتابَ والسُّنَّةَ والقِياسَ.
فصل: ولا تُغَلَّظُ الدِّيَةُ بموضِع غيرِ حَرَمِ مَكَّةَ.
وقال أصْحابُ الشافعىِّ: تُغَلَّظُ الدِّيَةُ بالقَتْلِ في المدينةِ.
على قولِه القَديم؛ لأنَّها مكان يَحْرُمُ صَيْدُه، فأشْبَهَتْ حَرَمَ مَكَّةَ.
ولا يَصِحُّ القِياسُ؛ لأنَّها ليست مَحَلًّا للمَناسِكِ، فأشْبَهَت سائرَ البُلْدانِ، ولا يَصِحُّ قِياسُها على الحَرَمِ؛ لأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «أىُّ بَلَدٍ هذَا؟ أَلَيْسَتِ البَلْدَةَ؟».
قال: «فَإنَّ دِمَاءَكُم وأمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرام، كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذَا، في

وَإِنْ قَتَلَ الْمُسْلِمُ كَافِرًا عَمْدًا، أُضْعِفَتِ الدِّيَةُ؛ لإِزَالَةِ القَوَدِ، كَمَا  بَلَدِكُمْ هذَا» (1). وهذا يَدُلُّ على أنَّه أعْظَم البِلادِ حُرْمَةً.
وقال النَّبىّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ أعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ، رَجُلٌ قتَل في الحَرَمِ، ورَجُلٌ قتَل غيرَ قاتِلِه، ورَجُل قتَل بِذَحْلٍ (2) في الجاهِلِيَّةِ» (3). وتَحْرِيم الصَّيْدِ ليس هو العِلَّةَ في التَّغْلِيظِ، وإن كان مِن جُمْلَةِ المُؤثِّرِ، فقد خالَفَ تَحْرِيمُه تَحْرِيمَ الحَرَمِ، فإنَّه لا يَجِبُ الجَزاءُ على مَن قتَل فيه صَيْدًا, ولا يَحْرُم الرَّعْىُ فيه، ولا الاحْتِشاشُ منه، ولا ما يُحْتاجُ إليه مِن الرَّحْلِ والعارِضَةِ والقائمةِ وشِبْهِه.

4224 -

مسألة: (وإن قتَل المسْلِمُ كَافِرًا عَمْدًا، أُضْعِفَتِ الدِّيَةُ)

123

حَكَمَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ.
[على قاتِلِه] 1 (لإِزالَةِ القَوَدَ، كما حكَم عُثْمَانُ بنُ عفَّانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه) روَى أحمدُ، عن عبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَر، عن الزُّهْرِىِّ، عن سالم، عن أَبِيه، أنَّ رَجُلًا قتَل رَجُلًا مِن أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَرفِعَ إلى عُثمانَ، فلم يَقْتُله، وغَلَّظَ عليه ألْفَ دِينارٍ 2. فذهبَ إليه أَحْمد، رَحِمَه اللَّهُ.
وله نَظائر في مَذْهَبِه، فإنَّه أوْجَبَ على الأَعْوَرِ إذا قلَع عَيْنَ صَحِيحٍ مماثِلَةً لعَيْنه دِيَةً كاملةً، لَمَّا دَرَأ عنه القِصاصَ، وأوْجَبَ على سارِقِ التَّمْرِ المعَلَّق مِثْلَىْ قِيمَتِه، لَمَّا دَرَأَ عنه القَطْعَ.
وذهبَ جُمهورُ العُلماءِ إلى أنَّ ديةَ الذِّمِّىِّ في العَمْدِ والخَطَأ واحدٌ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ فيها، وكما لو قتَل حُرٌّ عَبْدًا عَمْدًا 3، فإنَّه لا تُضَعَّفُ القِيمَةُ عليه، ولأنَّه بَدَلُ مُتْلَفٍ، فلم يتَضاعَفْ بالعَمْدِ، كسائرِ الأبْدَالِ.

فَصْلٌ: وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ خَطَأً، فَسَيِّدُهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ فِدَائهِ بِالأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ أو أَرْشِ جِنَايَتِه، أَوْ تَسْلِيمِهِ ليُبَاعَ في الْجِنَايَةِ.
وَعَنْهُ، إِنْ أَبَى تَسْلِيمَهُ، فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ كُلِّهِ.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: (وإن جَنَى العَبْدُ خَطَأً، فسَيِّدُه بالخِيارِ بينَ فِدائه بالأقَلِّ مِن قِيمتِه أو أَرْشِ جِنايتُه، أو تَسْلِيمِه ليُباعَ في الجِنايةِ) وجملةُ ذلك، أنَّ جِنايةَ العَبْدِ إذا كانت مُوجِبةً للمالِ، أو كانت مُوجِبةً للقِصاصِ، فعَفا عنها إلى المالِ، تتَعَلَّقُ برَقَبَتِه؛ لأنَّه لا يَخْلُو مِن أن تَتَعَلَّقَ برَقَبَتِه، أو ذِمَّتِه، أو ذِمَّةِ سَيِّدِه، أو لا يَجِبَ شئٌ، ولا يُمْكِنُ إلْغاؤها؛ لأنَّها جِنايةُ آدَمِىٍّ، فوَجَبَ اعْتِبارُها كجنايةِ الحُرِّ، ولأَنَّ جِنايةَ الصَّغيرِ والمجْنونِ غيرُ مُلْغاةٍ، مع عُذْرِه وعَدَمِ تَكْلِيفِه، فالعَبْدُ أَوْلَى، ولا يُمْكِنُ تَعْلِيقُها بذِمَّتِه؛ لأنَّه يُفْضِى إلى إلْغائِها، أو تَأخِيرِ حَقِّ المَجْنِىِّ عليه إلى غيرِ غايةٍ، ولا بذِمَّةِ السَّيِّدِ؛ لأنَّه لم يَجْنِ، فتَعَيَّنَ تَعَلُّقُها برَقبَةِ العَبْدِ،

..................................  ولأَنَّ الضَّمانَ مُوجَبُ جِنايَتِه، فتَعَلَّقَ برَقَبَتِه، كالقِصاصِ.
ثم لا يَخْلُو أَرْشُ الجِنايةِ مِن أن يكونَ بقَدْرِ قِيمَتِه أو أقَلَّ أو أكْثَرَ؛ فإنْ كان بقَدْرِها فما دُونَ، فالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بينَ أن يَفْدِيَه بأَرْشِ جِنايَتِه أو يُسَلِّمَه إلى وَلِىِّ الجِنايةِ فيَمْلِكَه.
وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، ومحمدُ بن الحسنِ، وإسْحاقُ.
ورُوِىَ ذلك عن الشَّعْبىِّ، وعَطاء ومُجاهِدٍ، وعُرْوَةَ، والحسنِ، والزُّهْرِىِّ، وحَمَّادٍ؛ لأنَّه إن دَفعَ أَرْشَ الجِنايةِ، فهو الذى وجَب للمَجْنِىِّ عليه، فلم يَمْلِك المُطالَبَةَ بأكْثَرَ منه، وإن سلَّمَ العَبْدَ، فقد أدَّى المَحَلَّ الذى تعَلَّقَ الحَقُّ به، ولأَنَّ حَقَّ المَجْنِىِّ عليه لا يتَعَلقُ بأكْثَرَ مِن الرَّقَبَةِ، وقد أدَّاها.
وإن طالبَ المَجْنِىُّ عليه السَّيِّدَ بتَسْلِيمِه إليه، لم يُجْبَرْ عليه السَّيِّدُ؛ لِما ذكَرْنا.

..................................

4225 - مسألة: وان كانتِ الجِنايَةُ أكثرَ مِن قِيمَتِهِ،

فَفِيهِ رِوايتانِ؛ إحْداهما، هى كالتى قبلَها، يُخَيَّرُ بينَ تَسْلِيمِه، أو أن يَفْدِيَه بقِيمَتِه أو أَرْشِ جِنايَتِه؛ لأنَّه إذا أدَّى قِيمَتَه، فقد أدَّى قَدْرَ الواجِبِ عليه، فلم يَلْزَمْه أكْثَرُ مِن ذلك، كما لو كانتِ الجِنايةُ بقَدْرِ قِيمَتِه.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يَلْزَمُه تَسْلِيمُه، أو أن يَفْدِيَه بأَرْشِ الجنايَةِ بالِغَةً ما بَلَغَتْ.
وهذا قولُ مالكٍ؛ لأنَّه إذا عُرِضَ للبَيْعِ رُبَّما رَغِبَ فيه راغِبٌ بأكثرَ مِن قِيمَتِه، فإذا أمْسَكَه فقد فَوَّتَ تلك الزِّيادةَ على المَجْنِىِّ عليه.
وللشافعىِّ قَوْلانِ كالرِّوايتَيْنِ.
ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، أنَّ الشَّرْعَ قد جعَل له فِداءَه، فكان

فَإِنْ سَلَّمَهُ وَأَبَى وَلِىُّ الْجِنَايَةِ قَبُولَهُ، وَقَالَ: بِعْهُ أَنْتَ.
فَهَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ.
الواجبُ قَدْرَ قِيمَتِه، كسائرِ المُتْلَفاتِ.

4226 -

مسألة: (وإن سَلَّمَه)

إليه 1 السَّيِّدُ (فَأبَى وَلِىُّ الجِنايَةِ قَبُولَه، وقال: بِعْه أنت) وادْفَعْ ثَمَنَه إلَىَّ (فهلْ يَلْزَمُ السَّيِّدَ ذلك؟ على رِوايَتَيْنِ) إحْداهما، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّه إذا سَلَّمَ العَبْدَ، فقد أدَّى المَحَلَّ الذى تَعَلَّقَ الحَقُّ به، ولأَنَّ حَقَّ المَجْنِىِّ عليه لا يتَعَلَّقُ بأكْثَرَ مِن الرَّقَبَةِ، وقد أدَّاها.
والثانيةُ، يَلْزَمُه؛ لأَنَّ الجِنايةَ تَقْتَضِى 2 وُجُوبَ أَرْشِها، وأَرْشُها هو قِيمَةُ العَبْدِ.

وَإِنْ جَنَى عَمْدًا، فَعَفَا الْوَلِىُّ عَنِ الْقِصَاصِ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَهَلْ يَمْلِكُهُ بِغَيْرِ رِضَا السَّيِّدِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْن.

4227 - مسألة: (وإن جَنَى عَمْدًا، فَعَفا الوَلِىُّ عن القِصاصِ على رَقَبَتِه، فَهلْ يَمْلِكُه بغيرِ رِضَا السَّيِّدِ؟ على رِوايَتَيْنِ)

إحداهما، لا يَمْلِكُه؛ لأنَّه إذا لم يَمْلِكْه بالجنايةِ، فلَأن لا يَمْلِكَه بالعَفْوِ أَوْلَى، ولأنَّه أحَدُ مَن عليه قِصاصٌ، فلا يَمْلِكُ بالعَفْوِ، كالحُرِّ، ولأنَّه إذا عَفَا عن القِصاصِ، انْتَقَلَ حَقُّه إلى المالِ، فصارَ كالجانِى جنايةً مُوجِبَةً للمالِ.
والثانيةُ، أنَّه يَمْلِكُه؛ لأنَّه مملوكٌ اسْتَحَقَّ إتْلافَه، فاسْتَحَقَّ إبْقاءَه على مِلْكِه، كعَبْدِه الجانِى عليه.
فصل: قال أبو طالبٍ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يقولُ: إذا أَمَرَ غُلامَه فجَنَى، فعليه ما جَنَى، وإن كان أكْثَرَ مِن ثَمَنِه، وإن قطَع يدَحُرٍّ، فعليه

وَإِنْ جَنَى عَلَى اثْنَيْنِ خَطَأً، اشْتَرَكَا فِيهِ بِالْحِصَصِ،  دِيةُ (1) يَدِ الحُرِّ، وإن كان ثَمَنُه أقَلَّ، وإن أمَرَه سَيِّدُه أن يَجْرَحَ رَجُلًا، فما جَنَى فعليه قِيمَةُ جنايَتِه، وإن كانت أكثرَ مِن ثَمَنِه؛ لأنَّه بأَمْرِه.
وكان علىٌّ وأبو هُرَيْرَةَ يقولَان: إذا أَمَرَ عَبْدَه أن يَقتُلَ، فإنَّما هو سَوْطُه، يُقْتَلُ المَوْلَى، ويُحْبَسُ العَبْدُ (2). وقال أحمدُ: ثنا بَهْزٌ، ثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، ثنا قتادةُ، عن خِلاسٍ، أنَّ عَلِيًّا قال: إذا أَمَرَ الرجلُ عَبْدَه فَقَتلَ، إنَّما هو كَسَوْطِه، أو كسَيْفِه، يقْتَلُ المَوْلَى، والعَبْدُ يسْتَوْدَعُ السِّجْنَ (3). ولأنَّه فَوَّتَ شيئًا بأمْرِه، فكان على السَّيِّدِ ضَمانُه, كما لو اسْتَدانَ بأمْرِه.

4228 -

مسألة: (وَإن جَنَى على اثْنَيْنِ خَطَأً، اشْتَرَكا فيه بالحِصَصِ)

وإن كان بعضها بعدَ بعضٍ.
وبهذا قال الحسنُ، وحَمَّادٌ، ورَبِيعَةُ، وأصْحَابُ الرَّأْى، والشافعىُّ.
وعن شُرَيْحٍ أنَّه قال: يُقضَى لآخِرِهم.
وبه قال الشَّعْبِىُّ، وقَتادةُ؛ لأنَّها جِنايةٌ ورَدَتْ على مَحَلٍّ مُسْتَحَقٍّ، فقُدِّمَ صاحِبُها على المُسْتَحِقِّ قبلَه، كجِنايةِ المَمْلُوكِ الذى لم يَجْنِ.
وقال شُرَيْحٌ في عَبْدٍ شَجَّ رَجُلًا، ثم آخَرَ، ثم آخَرَ، فقال شُرَيْحٌ:123

فَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمَا، أَو مَاتَ الْمَجْنِىُّ عَلَيْهِ، فَعَفَا بَعْضُ وَرَثَتِهِ، فَهَلْ يَتَعَلَّقُ حَقُّ الْبَاقِينَ بِجَمِيعِ الْعَبْدِ أَو بِحِصَّتِهِمْ مِنْهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
يُدْفَعُ إلى الأَوَّلِ، إلَّا أن يَفْدِيَه مَوْلاه، ثم يُدْفَعُ إلى الثَّانى، ثم يُدْفَعُ إلى الثالثِ.
ولَنا، أنَّهم تَساوَوْا في سَبَبِ تعَلُّقِ الحَقِّ به (1)، فتَساوَوْا في الاسْتِحْقاقِ، كماَ لو جَنَى عليهم دَفْعةً واحدةً، بل لو قُدِّمَ بعضُهم، كان الأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأَنَّ حَقَّه أسْبَقُ.

4229 -

مسألة: (فإن عَفَا أحدُهما، أو مات المَجْنِىُّ عليه، فَعَفَا بَعْضُ وَرَثَتِه، فهلْ يَتَعَلَّقُ حَقُّ الباقِينَ بجميعِ العبدِ أو بحِصَّتِهم منه؟ على وَجْهَيْنِ)

أحَدُهما، يَسْتَحِقُّ جميعَ العَبْدِ؛ لأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقاقِه مَوْجُودٌ، وإنَّما امْتَنَعَ ذلك لمُزاحَمةِ الآخَرِ له، وقد زالَ المُزاحِمُ، فثَبَتَ له الحَقُّ جميعُه؛ لوُجودِ المُقْتَضِى وزَوالِ المانِعِ، فهو كما لو جَنَى على إنْسانٍ فَفَداه سَيِّدُه، ثم جَنَى على آخَرَ.
والثانى، لا يَسْتَحِقُّ إلَّا حِصَّتَه؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ له قَبلَ العَفْوِ إلَّا حِصَّتُه، فكذلك [بعدَه؛ لأَنَّ] 2 العَفْوَ عمّا يَلْزَمُ السيدَ 3، عَفْوٌ عنه لا عن غيرِه.
فصل: فإن أعْتَقَ السَّيِّدُ عبدَه الجانِىَ، عَتَقَ، وضَمِنَ ما تَعَلَّقَ به مِن1

وَإِنْ جَرَحَ حُرًّا، فَعَفَا عَنْهُ، ثُمَّ مَاتَ مِنَ الْجِرَاحَةِ وَلَا مَالَ لَهُ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ عُشْرُ دِيَتهِ، وَاخْتَارَ السَّيِّدُ فِدَاءَهُ، وَقُلْنَا: يَفْدِيهِ بِقِيمَتِهِ.
الأَرْشِ؛ لأنَّه أتْلَفَ مَحَلَّ الجِنايةِ على مَن تَعَلَّقَ حَقُّه به، فلَزِمَه غَرامَتُه، كما لو قَتَلَه.
ويَنْبَنِى قَدْرُ الضَّمانِ على الرِّوايتَيْن فيمَا إذا اخْتارَ إمْساكَه بعدَ الجِنايةِ؛ لأنَّه مَنَع مِن تَسْلِيمِه بإعْتاقِه، فهو بمنزلةِ امْتِناعِه مِن تَسْلِيمِه باخْتِيارِ فِدائِه.
ونَقَلَ ابنُ مَنْصورٍ عن أحمدَ، أنَّه إن أعْتَقَه عالِمًا بجنايَتِه، فعليه دِيَةُ المَقْتُولِ، وإن لم يَكُنْ عالِمًا بها، فعليه قِيمَةُ العبدِ؛ لأنَّه إذا أعْتَقَه مع العِلْمِ، كان مُخْتارًا لفِدائِه، بخِلافِ ما إذا لم يَعْلَمْ، فإنَّه لم يَخْتَرِ الفداءَ؛ لعَدَمِ عِلْمِه به، فلم يَلْزَمْه أكثرُ مِن قِيمَةِ ما فَوَّتَه.
فصل: وإن باعَه، أو وَهَبَه (1)، صَحَّ؛ لِمَا ذكَرْنا في البَيْعِ، ولم يَزُلْ تَعَلُّقُ الجِنايةِ عن رَقَبَتِه، فإن كان المُشْتَرِى عالِمًا بحالِه، فلا خِيارَ له؛ لأنَّه دَخَلَ على بَصِيرَةٍ، ويَنْتَقِلُ الخِيارُ في فِدائِه وتَسْلِيمِه إليه، كالسَّيِّدِ الأَوَّلِ، وإن لم يَعْلَمْ، فله الخِيارُ بينَ إمْساكِه ورَدِّه، كسائرِ المَعِيباتِ.

4230 -

مسألة: (وإن جَرَحَ)

العَبْدُ (حُرًّا، فَعَفا عنه، ثم مات مِن الجِراحَةِ ولا مالَ له، وقِيمَةُ العَبْدِ عُشْرُ دِيَةِ الحُرِّ، واخْتَارَ السَّيِّدُ1

صَحَّ الْعَفْوُ في ثُلُثِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَفْدِيهِ بالدِّيَةِ.
صَحَّ الْعَفْوُ في خَمْسَةِ أسْدَاسِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ سُدْسُهُ؛ لأَنَّ الْعَفْوَ صَحَّ في شَئٍ مِنْ قِيمَتِهِ، وَلَهُ بِزِيَادَةِ الْفِدَاءِ تِسْعَةُ أَشْيَاءَ، بَقِىَ لِلْوَرَثَةِ أَلْفٌ إِلَّا عَشَرَةَ أَشْيَاءَ، تَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، اجْبُرْ وَقَابِلْ، يَخْرُجِ الشَّىْءُ نِصْفَ سُدْس الدِّيَةِ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ، فَتَعْدِلُ السُّدْسَ.
فِداءَه، وقُلْنَا: يَفْدِيه بقِيمَتِه.
صَحَّ العَفْوُ في ثُلُثِه) لأنَّه ثُلُثُ ما ماتَ عنه، ويَبْقَى الثُّلُثان للوَرَثَةِ (وإن قُلْنا: يفْدِيه بدِيَتِه.
صَحَّ العَفْوُ في خَمْسَةِ أَسْداسِه، وللوَرَثَةِ سُدْسُه؛ لأَنَّ العَفْوَ صَحَّ في شئٍ مِن قِيمَتِه، وله بزِيادةِ الفِداءِ تِسْعةُ أشْياءَ، بَقِىَ للورثَةِ ألْفٌ إلَّا عَشَرةَ أشْياءَ، تَعْدِلُ شيْئَيْن، اجْبُرْ وقابِلْ) يَصِرْ ألْفٌ، يَعْدِلُ اثْنَىْ عَشَرَ شيئًا، فالشئُ إذًا يَعْدِلُ (نِصْفَ سُدْسِ الدِّيَةِ، وللوَرَثَةِ شيْئان، فتَعْدِلُ السُّدْسَ) واللَّهُ أعلمُ.
فصل في الجِنايةِ على العَبْدِ: إذا قَتَلَ عَبْدٌ مِثْلَه عَمْدًا، فسَيِّدُ المقْتُولِ مُخَيَّرٌ بينَ القِصاصِ والعَفْوِ، فإن عَفَا إلى مالٍ، تعَلَّقَ المالُ برَقَبَةِ القاتلِ؛ لأنَّه وجَبَ بجنايَتِه، وسَيِّدُه مُخَيَّرُ بينَ فِدائِه وتَسْلِيمِه؛ فإنِ اخْتارَ فِداءَه 1 فَدَاه بأَقَلِّ الأَمْرَيْن مِن قِيمَتِه أو قِيمَةِ المقْتُولِ؛ لأنَّه إن كان الأقَلُّ قيمَتَه، لم يَلْزَمْه أكْثَرُ منها؛ لأنَّها بَدَلٌ عنه، وإن كان الأقَلُّ قيمةَ المقْتُولِ، فليس لسَيِّدِه أكْثَرُ منها؛ لأنَّها بَدَلُ عَبْدِه.
وعنه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ سَيِّدَه إنِ اخْتارَ فِداءَه، فَدَاه بأَرْشِ الجِنايةِ بالِغًا ما بَلَغَ، وقد ذكَرْناه.

..................................  فصل: فإن قَتَلَ عَشَرةُ أعْبُدٍ عَبْدًا عَمْدًا، فعليهم القِصاصُ، فإنِ اخْتارَ السَّيِّدُ قَتْلَهُم، فله ذلك، وإن عَفَا إلى مالٍ، تعَلَّقَتْ قِيمَةُ عَبْدِه برِقابِهِم، على كُلِّ واحدٍ منهم عُشْرُها، يُباعُ منه بقَدْرِها، أو يَفْدِيه سَيِّدُه، وإنِ اخْتارَ قَتْلَ بعْضِهم والعَفْوَ عن البعضِ، فله ذلك؛ لأَنَّ له قَتْلَ الجميعِ والعَفْوَ عنهم.
وإن قَتَلَ عَبْدٌ عبْدَيْن لرَجُلٍ واحدٍ، فله قَتْلُه والعَفْوُ عنه، فإن قَتَلَه، سَقَطَ حَقُّه، وإن عَفَا إلى مالٍ، تعَلَّقَتْ قِيمَةُ العَبْدَيْنِ برقَبَتِه، فإن كانا لرَجُلَيْنِ فكذلك، إلَّا أنَّ القاتلَ يُقْتَلُ بالأوَّلِ منهم؛ لأَنَّ حَقَّه أسْبَقُ، فإن عَفَا عنه الأَوَّلُ، قُتِلَ بالثانِى، وإن قَتَلَهُما دَفْعَةً واحدةً، أُقْرِعَ بينَ السَّيِّدَيْن، فمَن وقَعَتْ له القُرْعَةُ، اقْتَصَّ، وسَقَطَ حَقُّ الآخَرِ، وإن عَفَا عن القِصاصِ، أو عَفَا سَيِّدُ القَتِيلِ الأَوَّلِ إلى مالٍ، تَعَلَّقَ برَقَبَةِ العَبْدِ، وللثانى أن يَقْتَصَّ؛ لأَنَّ تَعَلُّقَ المالِ بالرَّقَبَةِ لا يُسْقِطُ حَقَّ القِصاصِ, كما لو جَنَى العَبْدُ المَرْهُونُ، فإن قَتَلَه الآخَرُ، سَقَطَ حَقُّ الأَوَّلِ مِن القِيمَةِ؛ لأنَّه لم يَبْقَ مَحَلٌّ يَتَعَلَّقُ به، وإن عَفَا الثَّانِى، تَعَلَّقَتْ قِيمَةُ القتيلِ الثَّانِى برَقَبَتِه أيضًا، ويُباعُ فيهما، ويُقْسَمُ ثَمَنُه على قَدْرِ القِيمَتَيْن، ولم يُقَدَّمِ الأَوَّلُ بالقِيمَةِ كما قَدَّمْناه بالقِصاصِ؛ لأَنَّ القِصاصَ لا يَتَبَعَّضُ بينَهما، والقِيمَةُ يُمْكِنُ تَبْعِيضُها.
فإن قيل: فحَقُّ الأَوَّلِ أسْبَقُ.
قُلْنا: لا يُراعَى السَّبْقُ, كما لو أتْلَفَ أمْوالًا لجَماعةٍ، واحِدًا بعدَ واحدٍ.
فصل: فإن قتَلَ العَبْدُ عَبْدًا بينَ شَرِيكَيْن، كان لهما القِصاصُ والعَفْوُ، فإن عَفَا أحَدُهما، سَقَطَ القِصاصُ، ويَنْتَقِلُ حَقُّهما إلى القِيمةِ؛ لأَنَّ

..................................  القِصاصَ لا يَتَبَعَّضُ.
وإن قَتَلَ عَبْدَيْن لرَجُلٍ واحدٍ، فله أن يَقْتَصَّ منه لأحَدِهما، أيِّهما كان، ويسْقُطُ حَقُّه مِن الآخرِ، وله أن يَعْفُوَ عنه إلى مالٍ، وتَتَعَلَّقُ قِيمَتُهما جميعًا برَقَبَتِه.

بَابُ دِيَاتِ الْأَعْضَاءِ وَمَنَافِعِهَا

وَمَنْ أَتْلَفَ مَا في الإِنْسَانِ مِنْهُ شَىْءٌ وَاحِدٌ، فَفِيهِ الدِّيَةُ؛ وَهُوَ الذَّكَرُ، وَالْأَنْفُ، وَاللِّسَانُ النَّاطِقُ، وَلِسَانُ الصَّبِىِّ الَّذِى يُحَرِّكُهُ بِالْبُكَاءِ.
1 بابُ دِياتِ الأعضاءِ ومنافِعِها وهى نوعان؛ أحَدُهما، الشِّجاجُ، وهى ما كان في الرَّأْسِ والوَجْهِ، وسنَذْكُرُها في بابِها.
الثَّانى، ما كان في سائرِ البَدَنِ، وينْقَسِمُ قِسْمَيْن؛ أحَدُهما، قَطْعُ عُضْوٍ.
والثانى، قَطْعُ لَحْمٍ.
والمضْمُونُ في الآدَمِىِّ ضَرْبان؛ أحَدُهما، ما ذكَرْنا.
والثانى، تَفْوِيتُ مَنْفَعَةٍ، كإذْهابِ السَّمْعِ والبَصَرِ والشَّمِّ والذَّوْقِ والعَقْلِ ونحوِ ذلك.
(مَن أتْلَفَ ما في الإِنْسانِ منه شئٌ واحدٌ، ففيه الدِّيَةُ؛ وهو الذَّكَرُ، والأنْفُ، واللِّسانُ النَّاطِقُ، ولِسانُ الصَّبِىِّ الذى يُحَرِّكُه بالبُكاءِ) وجملةُ ذلك، أنَّ كُلَّ عُضْوٍ لم يَخْلُقِ اللَّهُ سُبْحانه منه إلَّا واحدًا، كالأنْفِ، واللِّسانِ، [والذَّكَرِ] 2 ففيه دِيَةٌ كاملةٌ؛ لأَنَّ في إتْلافِه إذْهابَ مَنْفَعَةِ

وَمَا فِيهِ مِنْهُ شَيْئَانِ، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَفِى أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا؛ كَالْعَيْنَيْنِ، وَالأُذُنَيْنِ، وَالشَّفَتَيْنِ، وَاللَّحْيَيْنِ، وَثَدْيَىِ الْمَرْأَةِ, وَثَنْدُوَتَىِ الرَّجُلِ, وَالْيَدَيْنِ, وَالرِّجْلَيْنِ, وَالْأَلْيَتَيْنِ, وَالأُنْثَيَيْنِ، وَإِسْكَتَى الْمَرْأَةِ.
الجِنْسِ، وإذْهابُها [كإتلافِ النَّفْسِ] 1.

4231 -

مسألة: (وما فيه منه شَيْئان، ففيهما الدِّيَةُ، وفى أحَدِهما نِصْفُها؛ كالعَينيْنِ، والأُذُنَيْنِ، والشَّفَتَيْنِ، واللَّحْيَيْنِ، وثَدْيَىِ المَرْأَةِ، وثَنْدُوَتَىِ الرَّجُلِ، واليَدَيْنِ، والرِّجْلَيْنِ، والخُصْيَتَيْنِ، والألْيَتَيْنِ)

لأَنَّ في إتْلافِهما إذْهابَ مَنْفَعَةِ الجِنْسِ، فكان فِيهما الدِّيَةُ، وفى أحَدِهما نِصْفُها.
وهذه الجملةُ مذهبُ الشافعىِّ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
وقد روَى الزُّهْرِىُّ، عن أبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حَزْمٍ، عن

وَعَنْهُ، في الشَّفَةِ السُّفْلَى ثُلُثَا الدِّيَةِ، وَفِى الْعُلْيَا ثُلُثُهَا.
أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كَتَب له، وكان في كِتابِه: «وفِى الأَنْفِ إذا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَة، وفى اللِّسانِ الدِّيَةُ، وفى الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِى البَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وفِى الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وفى الصُّلْبِ الدِّيَةُ، وفى العَيْنَيْن الدِّيَةُ، وفى الرِّجْلِ الواحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ».
رواه النَّسَائِىُّ [وغيرُه] 1. ورواه ابنُ عبدِ البَرِّ 2، وقال: كِتابُ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ مَعْرُوفٌ عندَ العُلَماءِ، وما فيه مُتَّفَقٌ عليه إلَّا قليلًا (وعن أحمدَ، في الشَّفَةِ السُّفْلَى ثُلُثَا الدِّيَةِ، وفى العُلْيا ثُلُثُها) يُرْوَى هذا عن زَيْدِ بنِ ثابتٍ؛ لأَنَّ النَّفْعَ بالسُّفْلَى أعْظَمُ، لأنَّها تَدورُ وتَتَحَرَّكُ، وتَحْفَظُ الرِّيقَ والطَّعامَ.
والأُولَى أصَحُّ؛ [لأنَّه قولُ] 3 أبى بكرٍ الصِّديقِ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، ولأَنَّ كلَّ شَيْئَيْنِ وجَبَتِ الدِّيَةُ فيهما، وَجَبَ نِصْفُها في أحَدِهما، كاليَدَيْن، ولا عِبْرَةَ بزيادةِ النَّفْعِ، كاليُمْنَى مع اليُسْرَى.

..................................

4232 - مسألة: وفى الثَّدْيَيْن الدِّيَةُ. ولا نعلمُ خِلافًا في أنَّ في ثَدْيَىِ المرأةِ الدِّيَةَ، وفى الواحدِ منهما نِصْفَ الدِّيَةِ. قال ابنُ المُنْذِرِ

(1): أجْمعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أَهْلِ العلمِ على أنَّ في ثَدْىِ المرأةِ نِصْفَ الدِّيَةِ، وفى الثَّدْيَيْن الدِّيَةَ، وممَّن حَفِظْنا عنه ذلك؛ الحسنُ، والشَّعْبِىُّ، والزُّهْرِىُّ، ومَكْحُولٌ، وقَتادةُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
لأَنَّ فيهما جَمالًا ونَفْعًا، فأشْبَها اليدَيْن والرِّجْلَيْن.
4233 -

مسألة: وفى قَطْعِ حَلَمَتَىِ الثَّدْيَيْنِ دِيَتُهُما.

نَصَّ عليه أحمدُ.
ورُوِىَ نَحْوُ هذا عن الشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والشافعىِّ.
وقال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ: إن ذَهَبَ اللَّبَنُ، وَجَبَتْ دِيَتُهما، وإلَّا وجَبَتْ حُكومةٌ بقَدْرِ شَيْنِه.
ونحوَه قال قَتادةُ: إذا ذهبَ الرَّضاعُ بقَطْعِهما، ففيهما الدِّيَةُ.
ولَنا، أنَّه ذهبَ منهما ما تذْهَبُ المَنْفَعَةُ بذهابِه، فوجَبَتْ دِيَتُهما، كالأصابعِ مع الكَفِّ، وحَشَفَةِ الذَّكَرِ، وبيانُ ذَهابِ المَنْفَعَةِ أنَّ بهما يشْرَبُ الصَّبِىُّ ويرْتَضِعُ، فهما كالأصابعِ في الكَفِّ.
وإن قَطَعَ الثَّدْيَيْن كِلَيْهما، فليس فيهما إلَّا دِيَةٌ, كما لو قَطَعَ الذَّكَر كُلَّه.
وإنْ حَصَلَ مع قَطْعِهما جائِفَةٌ، وجَبَ فيها ثُلُثُ الدِّيَةِ مع دِيَتِهما.
وإن ضَرَبَهُما فأَشَلَّهما، ففيهما الدِّيَةُ, كما لو أشَلَّ يَدَيْه.
وإن جَنَى عليهما مِن صغيرةٍ1

..................................  ثم وَلَدَتْ، فلم يَنْزِلْ لها لَبَنٌ، سُئِلَ أهلُ الخِبْرَةِ، فإن قالوا: إنَّ الجِنايةَ سَبَبُ قَطْعِ اللَّبَنِ.
فعليه ما على مَن ذهَبَ باللَّبَنِ بعدَ وُجُودِه.
وإن قالوا: يَنْقَطِعُ بغيرِ 1 الجنايةِ.
لم يجبْ عليه.
أَرْشُه؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءةُ ذِمَّتِه، فلا يجبُ فيها شئٌ بالشَّكِّ.
وإن جَنَى عليهما فنَقَصَ لبَنُهما، أو جَنَى على ثَدْيَيْن ناهِدَيْنِ فكسَرَهما، أو صارَ بهما مَرَضٌ، ففيه حُكومةٌ لنَقْصِه الذى نَقَصَهما.

4234 -

مسألة: وفى ثَدْيَىِ الرَّجُلِ -وهما الثَّنْدُوَتان- الدِّيَةُ.
وبه قال إسْحاقُ.
وحَكَى ذلك قَوْلًا للشافعىِّ.
[وقال النَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ: فيهما حُكُومةٌ.
وهو ظاهرُ مَذْهَبِ الشافعىِّ]

2؛ لأنَّه ذَهَبَ بالجَمال مِن غيرِ 3 مَنْفَعَةٍ، فلم تَجبْ دِيَةٌ, كما لو أتْلَفَ العَيْنَ القائمةَ واليَدَ الشَّلَّاءَ.
وقال الزُّهْرِىُّ: في حَلَمةِ 4 الرَّجُلِ خمسٌ مِن الإِبلِ 5. وعن زيدِ بنِ ثابتٍ: فيه ثُمْنُ الدِّيَةِ 6. ولَنا، أنَّ ما وجبَ فيه الدِّيَةُ مِن المرأةِ، وجبَ فيه مِن الرَّجُلِ، كسائرِ الأعْضاءِ، ولأنَّهما عُضْوان في البَدَنِ، يحْصُلُ بهما الجَمالُ،

..................................  وليس في البَدَنِ غيرُهما مِن جِنْسِهما، فوَجَبَتْ فيهما الدِّيَةُ، كاليَدَيْن، ولأنَّه أذْهَبَ الجَمالَ على الكمالِ، فوجَبَتْ فيهما الدِّيَةُ، كالشُّعورِ الأرْبَعةِ عندَ أبى حنيفةَ، وكأُذُنَىِ الأصَمِّ وأنْفِ الأخْشَمِ عندَ الجميعِ، ويُفارِقُ العَيْنَ القائمةَ؛ لأنَّه ليس فيها جمالٌ كاملٌ، ولأنَّهما عُضْوٌ قد ذهبَ منه ما تجِبُ فيه الدِّيَةُ، فلم تَكْمُلْ دِيَتُه، كاليَدَيْنِ إذا شَلَّتا، بخلافِ مَسْأَلَتِنا.

4235 -

مسألة: وفى العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ. أجْمعَ أهلُ العلمِ على ذلك، وعلى أنَّ في العَيْنِ الواحدةِ نِصْفَها؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وفِى العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ»

1. ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «وفِى العَيْنِ الواحِدَةِ خَمْسُونَ مِنَ الإِبِلِ».
رواه مالكٌ في «المُوَطَّأَ» 2. ولأَنَّ العَيْنَيْن مِن أعْظَمِ الجَوارِحِ نَفْعًا، فكانتْ فيهما الدِّيَةُ، وفى إحداهما نِصْفُها كاليَدَيْن.
إذا ثَبَتَ هذا، فيَسْتَوِى في ذلك الصَّغِيرَتان والكَبِيرَتان، والمَلِيحَتان والقَبِيحَتان، والصَّحِيحَتان والمَرِيضَتان، والحَوْلاءُ وِالرَّمْضَاءُ.
فإن كان فيهما بَياضٌ لا يَنْقُصُ البَصَرَ، لم تَنْقُصِ الدِّيَةُ، وإن نقَصَ مِن البَصَرِ، نقَصَ مِن الدِّيَةِ بقَدْرِه.
فصل: وفى أجْفانِ العَيْنَيْن الدِّيَةُ، وفى أحدِها 3 رُبْعُ الدِّيَةِ، لأَنَّ كلَّ

..................................  عَدَدٍ تجبُ في جمِيعِه الدِّيَةُ، يجبُ في الواحدِ منها بحِصَّتِه، كالأصابعِ.
وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى.
وعن مالكٍ، أنَّه لا مُقَدَّرَ (1) فيها، بلِ يُرجعُ فيه إلى اجْتِهادِ الحاكمِ.
ولَنا، أنَّها أعْضاءٌ فيها جَمالٌ ظاهرٌ، ونفْعٌ كاملٌ، فإنَّها تُكِنُّ العَيْنَ وتَقِيها، وتَحْفَظُها مِن الحَرِّ والبَرْدِ، ولولاها لقَبُحَ مَنْظَرُها، فوجَبَتْ فيها الدِّيَةُ كاليَدَيْن.
وعن الشَّعْبِىِّ، أنَّه يجبُ في الأعْلَى ثُلُثا الدِّيَةِ، وفى الأسْفَلِ ثُلُثُها؛ لأنَّه أكْثَرُ نَفْعًا.
ولَنا، أنَّ كُلَّ ذى (2) عَدَدٍ تَجِبُ الدِّيَة في جَميعِه، تجبُ بالحِصَّةِ في الواحدِ منه، كالأصابعِ.
فإن قَلَعَ العَيْنَيْنِ بأشْفارِهما، وجَبَتْ دِيَتان؛ لأنَّهُما جِنْسان تجبُ الدِّيَةُ (3) بكلِّ واحدٍ منهما مُنْفَرِدًا، فوجبَتْ بإتْلافِهِما جُمْلَةً دِيَتان، كاليدَيْن والرِّجْلَيْن.
وتجبُ الدِّيَةُ في أشْفارِ عَيْنِ الأعْمَى، وهى الأجْفانُ؛ لأَنَّ ذَهابَ بصَرِه عَيْبٌ في غيرِ الأجْفانِ، فلم يَمْنَعْ وُجُوبَ الدِّيَةِ فيهما، كذَهابِ الشَّمِّ، لا يَمْنَعُ وُجوبَ الدِّيَةِ في الأنْفِ.

4236 -

مسألة: وفى الأُذُنَيْن الدِّيَةُ.

رُوِى ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ.
وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والحسنُ، وقَتادةُ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى، ومالكٌ في إحْدَى الرِّوايتَيْن عنه.
وقال في123

جارٍ التحميل