الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 166-206

كِتَابُ الْبَيْعِ

صفحات 166-206

..................................  مُوسَى فيه رِوايَتَيْن؛ لعُمومِ النَّهْى.
والصَّحِيحُ ما ذَكَرْنَا، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالَى، فإنَّ اللَّهَ تعالى إنَّما نَهَى عن البَيْعِ مَنْ أمَرَهُ بالسَّعْىِ، فغيرُ المُخاطَبِ بالسَّعْىِ لا يَتَناوَلُه النَّهْىُ، ولأنَّ تَحْرِيمَ البَيْعِ مُعَلَّلٌ بما يَحْصُلُ به من الاشْتِغَالِ عن الجُمُعَةِ، وهذا مَعْدُومٌ في حَقِّهم.
فإن كان المُسافِرُ في غيرِ المِصْرِ، أو كان مُقِيمًا بقَرْيَةٍ لا جُمُعَةَ على أَهْلِها، لم يَحْرُمِ البَيْعُ، ولم

وَيصِحُّ النِّكَاحُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ، فِى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
يُكْرَهْ، وَجْهًا واحِدًا.
فإن كان أحَدُهما مُخَاطَبًا بالجُمُعَةِ دونَ الآخَرِ، حَرُمَ غلى المُخاطَبِ، وكُرِهَ للآخَرِ؛ لِما فيه مِن الإِعانَةِ على الإِثْمِ.
ويَحْتَمِلُ أَنْ يَحْرُمَ؛ لقَوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (1).

1582 -

مسألة: (ويَصِحُّ النِّكَاحُ وسائِرُ العُقُودِ، في أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ)

كالإِجارَةِ والصُّلْحِ ونحوِهما.
وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه1

وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَصِيرِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، وَلَا بَيْعُ السِّلَاحِ فِى الْفِتْنَةِ، وَلَا لِأَهْلِ الْحَرْبِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصحَّ مَعَ التَّحْرِيمِ.
يَحْرُمُ ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، أشْبَهَ البَيْعَ.
ولَنا، أنَّ النَّهْىَ مُخْتَصٌّ بالبَيْعِ، وغيرُه لا يُسَاوِيه في الشَّغْلِ عن السَّعْىِ؛ لِقِلَّةِ وجُودِه، فلا يُؤَدِّى إلى ترْكِ الجُمُعَةِ، فلا يَصِحُّ قِياسُه على البَيْعِ.

1583 -

مسألة: (ولا يَصِحُّ بَيْعُ العَصِيرِ لمَن يَتَّخِذُه خَمْرًا، ولا بَيْعُ السِّلاحِ في الفِتْنَةِ، ولا لأَهْلِ الحَرْبِ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ مع التَّحْرِيمِ)

بَيْعُ العَصِيرِ مِمَّن يَعْتَقِدُ أنَّه يَتَّخِذُه خَمْرًا، مُحَرَّمٌ.
وكَرِهَهُ الشافِعِىُّ.
وذَكَرَ بعضُ أَصْحابِه أنَّ البائِعَ إذا اعْتَقَدَ أنَّه يَعْصِرُهُ 1 خَمْرًا، مُحَرَّمٌ، وإنّما يُكْرَهُ إذا شَكَّ فيه.
وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن الحَسَنِ، وعَطاءٍ، والثَّوْرِىِّ، أنَّه لا بَأْسَ بِبَيْعِ التَّمْرِ مِمَّن يَتَّخِذُه مُسْكِرًا.
قال

..................................  الثَّوْرِىُّ: بعِ الحَلالَ مَن شِئْتَ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ 1. ولأنَّ البَيْعَ تَمَّ بأرْكَانِه وشُرُوطِه.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تَعالَى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
وهذا نَهْىٌ يَقْتَضِى التَّحْرِيمَ.
وقد رَوَى ابنُ عَبّاسٍ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أتَاهُ جِبْرِيلُ، فقال: يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الخَمْرَ، وعاصِرَها، ومُعْتَصِرَها، وحامِلَها، والمَحْمُولَةَ إليه، وشارِبَها، وبائِعَها، ومُبْتَاعَها، وسَاقِيَها.
وأشارَ إلى كُلِّ مُعَاوِنٍ عليها ومُسَاعِدٍ فيها.
أَخْرَجَه التِّرْمِذِىُّ 2 من حَدِيثِ أنَسٍ، قال 3: وقد رُوِى هذا الحَدِيثُ عن ابنِ عباسٍ 4، وابنِ عمرَ 5 عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ورَوَى ابنُ بَطَّةَ بإسْنَادِه عن محمدِ بنِ سيرِينَ، أنَّ قَيِّمًا كان لسَعْدِ بنِ أبى وَقّاصٍ في أَرْضٍ له، وأَخبَرَه عن عِنَبٍ أنَّه لا يَصْلُحُ زَبِيبًا، ولا يَصْلُحُ أن يُباعَ إلَّا لمَن يَعْصِرُه، فأمَرَهُ بقَلْعِه، وقال: بِئْسَ الشَّيْخُ أنا إن بِعْتُ

..................................  الخَمْرَ 1. ولأنّه يَعْقِدُ عليها لمَنِ يَعْلَمُ أنّه يُرِيدُها للمَعْصِيَةِ، فأشْبَهَ إِجارَةَ أمَتِه لمَن يَعْلَمُ أنَّه يَسْتَأْجِرُها للزِّنَى بها.
والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بصُوَرٍ كَثِيرَةٍ، فيُخَصُّ منها صُورَةُ النِّزَاعِ بدَلِيينا.
وقَوْلُهم: تمَّ البَيْعُ بشُرُوطِه وأرْكانِه.
قلنا: لكنْ وُجِدَ المانِعُ منه.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّما يَحْرُمُ البَيْعُ إذا عَلِمَ البائِعُ قَصْدَ المُشْتَرِى ذلك، إمّا بقَوْلِه، أو بقَرَائِنَ مُحْتَفَّةٍ به 2 تَدُلُّ عليه.
وإنْ كانَ الأَمْرُ مُحْتَمِلًا، كمَن لا يَعْلَمُ حالَه، أو مَن يَعْمَلُ الخَلَّ والخَمْرَ مَعًا، ولم يَلْفِظْ بما يَدُلُّ على إرادَةِ الخَمْرِ، فالبَيْعُ جائِزٌ.
فإن باعَهَا لِمَن يَتَّخِذُهَا خَمْرًا، فالبَيْعُ باطِلٌ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ.
وهو مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ، لأَنَّ المُحَرَّمَ في ذلك اعْتِقادُه بالعَقْدِ دُونَه، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ العَقْدِ، كما لو دَلَّسَ العَيْبَ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ على عَيْنٍ لمَعْصِيَةِ اللَّهِ تعالى بها، فلم يَصِحَّ، كإِجَارَةِ الأَمَةِ للزِّنَى والغِناءِ.
وأَمَّا التَّدْلِيسُ فهو المُحَرَّمُ دُونَ العَقْدِ.
ولأنَّ التَّحْرِيمَ هنا لِحَقِّ اللَّهِ تعالى، فأفْسَدَ العَقْدَ، كبَيْعِ الرِّبَا، وفارَقَ التَّدْلِيسَ، فإنَّه لِحَقِّ آدَمِىٍّ.
فصل: وهكذا الحُكْمُ في كُلِّ ما قُصِدَ به الحرامُ، كبَيْعِ السِّلاحِ في الفِتْنَةِ، أو لأَهْلِ الحَرْبِ، أو لقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وبَيْعِ الأَمَةِ للغِنَاءِ،

..................................  أو إجارَتِهَا لذلك، فهو حَرَامٌ، والعَقْدُ باطِلٌ، لِما قَدَّمْنَا.
قال ابنُ عَقِيلٍ: وقد نَصَّ أحمدُ على مسائِلَ نَبَّهَ بها على ذلك، فقال في القَصّابِ والخَبَّازِ إذا عَلِمَ أنَّ مَن يَشْتَرِى منه يدعو عليه مَن يَشرَبُ المُسكِرَ: لا يَبِيعُه، ومَن يَخْرطُ الأَقْدَاحَ لا يَبِيعُها لمَن يَشْرَبُ فيها.
ونَهَى عن بَيْعِ الدِّيباجِ للرِّجالِ، ولا بَأْسَ ببَيْعِه للنِّساءِ.
ورُوِىَ عنه: لَا يَبِيعُ الجَوْزَ مِن الصِّبْيَانِ للقِمارِ.
وعلى قِياسِهِ البَيْضُ، فيكونُ بَيْعُ ذلك كُلِّه باطِلًا.
فصل: قال أحمدُ في رَجُلٍ ماتَ وخَلَّفَ جاريةً مُغَنَيةً، ووَلَدًا يَتِيمًا، وقد احْتَاجَ إلى بَيْعِها، قال: يَبِيعُها على أَنَّها ساذِجَةٌ.
فقيلَ له: إنَّها تُسَاوِى ثلاثِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ، فإذا بيعَتْ ساذِجَةً تُسَاوِى عِشْرِين دِينارًا.
فقال: لا تُبَاعُ إلَّا على أنَّها ساذِجَةٌ.
وَوَجْهُهُ ما روَى أبو أُمامَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لا يَجُوِزُ بَيْعُ المُغَنِّيَاتِ ولا أَثْمانُهُنَّ وَلا كَسْبُهُنَّ».
قال التِّرْمِذِىُّ 1: لا نعْرِفُه إلَّا مِن حَدِيثِ عَلِىِّ بن يَزِيدَ، وقد تَكَلَّمَ فيه بعضُ أَهْلِ العِلْمِ.
وَرواهُ ابنُ ماجه 2. وهذا يُحْمَلُ على بَيْعِهِنَّ لأجْلِ الغِناءِ، فأمّا مالِيَّتُهُنَّ الحاصِلةُ بغيرِ الغِناءِ فلا تَبْطُلُ، كبَيْعِ العصيرِ لمَن لا يَتَّخِذُه

..................................  خَمْرًا، فإنَّه لا يَحْرُمُ لصَلَاحِيَتِه للخَمْرِ.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ الخَمْرِ، ولا التَّوَكُّلُ في بَيْعِه ولا شِرَائِه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ أهل العِلْمِ على أنَّ بَيْعَ الخَمْرِ غيرُ جائِزٍ.
وعندَ أبى حَنِيفَةَ، يَجُوزُ للمُسْلِم أَنْ يُوَكِّلَ ذِمِّيًّا في بَيْعِها وشِرَائِها.
ولا يَصِحُّ، فإنَّ عائِشَةَ رَوَتْ أنّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «حُرِّمَتِ التِّجَارَةُ فِى الخَمْرِ» 1. وعن جابِرٍ أنَّه سَمِعَ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عامَ الفَتْحِ، وهو بمَكَّةَ يقولُ: «إنَّ اللَّهَ ورَسُولَه حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ والمَيْتَةِ والخِنْزِيرِ والأَصْنَامِ».
فقيل: يا رسولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فإنَّه تُطْلَى بها السُّفُنُ، وتُدْهَنُ بها الجُلُودُ، ويَسْتَصْبِحُ بها النّاسُ؟ فقال: «لا، هو حَرامٌ».
ثم قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «قاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ، إنَّ اللَّهَ تَعالَى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَها، فجَمَلُوهُ، ثم

وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، فيَصِحُّ فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
باعُوهُ، وأَكَلُوا ثَمَنَه».
مُتَّفَقٌ عليه (1). ومَن وَكَّلَ في بَيْعِ الخَمْرِ، وأَكَلَ ثَمَنَه، فقد أَشْبَهَهُم في ذلك، ولأنَّ الخَمْرَ نَجِسَةٌ مُحَرَّمَةٌ، فحَرُمَ بَيْعُها والتَّوْكِيلُ فيه، كالمَيْتَةِ والخِنْزِيرِ.

1584 -

مسألة: (ولا يَصِحُّ بَيْعُ العَبْدِ المُسْلِمِ لكافِرٍ، إلَّا أن يكونَ مِمَّن يَعْتِقُ عليه، فيَصِحُّ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)

لا يَصِحُّ شراءُ الكافِرِ مُسْلِمًا.
وهذا إحْدَى الرِّوَايَتَيْن عن مالِكٍ، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ، ويُجْبَرُ على إزالَةِ مِلكِه؛ لأنَّه يَمْلِكُ المُسْلِمَ بالإِرْثِ، ويَبْقَى مِلْكُه عليه إذا أسْلَمَ في يَدِه، فصَحَّ أن يَشْتَرِيَه، كالمُسْلِمِ.
ولَنا، أنَّه يُمْنَعُ اسْتِدامَةَ مِلْكِه عليه، فَمُنِعَ ابْتِداءَه،1

..................................  كالنِّكَاحِ، ولأنَّه عَقْدٌ يُثْبِتُ المِلْكَ للكافِرِ على المُسْلِمِ، فلم يَصِحَّ، كالنِّكَاحِ، وإنّما مَلَكَه بالإِرْثِ، وبَقِىَ مِلْكُه عليه إذا أسْلَمَ في يَدِه، لأنَّ الاسْتِدَامَةَ أَقْوَى مِن الابْتِداءِ بالفِعْلِ والاخْتِيَارِ، بدَلِيلِ ثُبُوتِه بهما [للمُحْرِمِ في الصَّيْدِ] 1 مع مَنْعِه مِن ابْتِدائِه، فلا يَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ الأَقْوَى ثُبُوتُ ما دُونَه، مع أنّا نَقْطَعُ الاسْتِدَامَةَ عليه بإِجْبَارِه على إزالَتِها.
فإن كان مِمَّن يَعْتِقُ عليه بالقَرَابَةِ، صَحَّ، في إحدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وعَتَقَ عليه.
وهذا قولُ بعضِ الأَصْحَابِ.
والأُخْرَى، لا يَصِحُّ، ولا

وَإِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ الذِّمِّىِّ، أُجْبِرَ عَلَى إِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ، وَلَيْسَ لَهُ كِتَابَتُهُ.
يَعْتِقُ؛ لأَنَّه شِراءٌ يَمْلِكُ به المُسْلِمَ، فلم يَصِحَّ، كالذى لا يَعْتِقُ عليه، ولأَنَّ ما مُنِعَ مِن شِرائِه لم يُبَحْ له شِراؤُه، وإِنْ زالَ مِلْكُه عَقِيبَ الشِّراءِ، كشِرَاءِ المُحْرِمِ الصَّيْدَ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى أنَّ المِلْكَ لا يَسْتَقِرُّ عليه، وإنَّما يَعْتِقُ بمُجَرَّدِ المِلْكِ في الحالِ، ويَزُولُ المِلْكُ عنه بالكُلِّيَّةِ، ويَحْصُلُ له من نَفْعِ الحُرِّيَّةِ أَضْعافُ ما حَصَلَ مِن الإِهانَةِ (1) بالمِلْكِ في لَحْظَةٍ يَسيرَةٍ.
ويُفارِقُ مَن لا يَعْتِقُ عليه، فإنَّ مِلْكَه لا يَزُولُ إلَّا بإزَالَتِه، وكذلك شِراءُ المُحْرِم الصَّيْدَ.

1585 -

مسألة: (وإنْ أسْلَمَ عبدُ الذِّمِّىِّ، أُجْبرَ على إزالَةِ مِلْكِه عنه)

لأنَّه لا يَجُوزُ اسْتِدَامَة المِلكِ للكافِرِ على المُسْلِمِ إجْماعًا.
(وليس له كِتابَتُه) لأنَّ الكِتَابَةَ لا تُزِيلُ مِلْكَ السَّيِّدِ عنه، ولا يَجُوزُ إقْرارُ مِلْكِ1

وَقَالَ الْقَاضِى: لَهُ ذَلِكَ.
الكافِرِ عَليه.
(وقال القاضِى: له ذلك) لأنَّه يُزِيلُ يدَه عنه، فأَشْبَهَ بَيْعَه.
والأَوَّلُ أَوْلَى.

وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ؛ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِعَشَرَةٍ: أَنَا أُعْطِيكَ مِثْلَهَا بِتِسْعَةٍ.
وَلَا شِرَاؤُهُ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ؛ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِتِسْعَةٍ: عِنْدِى فِيهَا عَشَرةٌ.

1586 - مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ الرجُلِ على بَيْعِ أَخِيهِ؛ وهو أَنْ يقولَ لمَن اشْتَرَى سِلْعَةً بعَشَرَةٍ: أَنَا أُعْطِيكَ مِثْلَها بتِسْعَةٍ.
ولا شِراؤُهُ على شِراءِ أخِيه؛ وهو أنْ يقولَ لِمَنْ باعَ سِلْعَةً بتِسْعَةٍ: عِنْدِى فيها عَشَرَةٌ.

لِيَفْسَخَ البَيْعَ وَيَعْقِدَ مَعَهُ.
فَإِنْ فَعَلَ، فَهَل يَصِحُّ الْبَيْعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ.
ليَفْسَخَ البَيْعَ ويَعْقِدَ معه.
فإنْ فَعَلَ، فهل يَصِحُّ البَيْعُ؟ على وَجْهَيْنِ) أمَّا البَيْعُ فهو مُحَرَّمٌ، لقَوْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا يَبعْ بَعْضُكُم على بَيْعِ بَعْضٍ» 1. ومَعْنَاهُ ما ذَكَرْنَا.
ومِثْلُه أَنْ يَقُولَ: أَبِيعُكَ خَيْرًا منها بثَمَنِها.
أو يَعْرِضَ عليه 2 سِلْعَةً يُرَغِّبُ المُشْتَرِىَ، ليَفْسَخَ البَيْعَ ويَعْقِدَ معه، فلا يَجُوزُ ذلك؛ للنَّهْى عنه، ولِما فيه مِن الإِضْرَارِ بالمُسْلِمِ

..................................  والإِفْسَادِ عليه.
وفى مَعْنى ذلك شِراؤُه على شِراءِ أخيه؛ لأَنَّه في مَعْنَى المَنْهِىِّ عنه، ولأَنَّ الشِّراءَ يُسَمَّى بَيْعًا، فَيَدْخُلُ في عُمُوم النَّهْى، ولأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ على خِطْبَةِ أَخِيهِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وهو في مَعْنَى الخاطِبِ.
فإنْ خالَفَ، وفَعَلَ، فالبَيْعُ باطِلٌ، للنَّهْى عنه، والنَّهْىُ يَقْتَضِى الفَسادَ.
وفيه وَجْهٌ، أنَّه يَصِحُّ؛ لأَنَّ المُحَرَّمَ هو عَرْضُ سِلْعَتِه على المُشْتَرِى، أو قَوْلُه الذى فُسِخَ البَيْعُ مِن أَجْلِه، وذلك سابِقٌ على البَيْعِ،

..................................  ولأنَّه إذا صَحَّ الفَسْخُ الذى حَصَلَ به الضَّرَرُ، فالبَيْعُ المُحَصِّلُ للمَصْلَحَةِ أوْلَى، ولأنَّ النَّهْىَ لحَقِّ آدَمِىٍّ، فأشْبَهَ بَيْعَ النَّجْشِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافِعِىِّ.
فصل: ورَوَى مُسْلِمٌ 1، عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لا يَسُمِ الرَّجُلُ على سَوْمِ أَخِيهِ».
ولا يَخْلُو مِن أَرْبَعَةِ أَقْسَام؛ أحَدُها، أَنْ يُوجَدَ مِن البائِعِ تَصْرِيحٌ بالرِّضَا بالبَيْعِ.
فهذا يُحَرِّمُ السَّومَ على غيرِ ذلك المُشْتَرِى، وهو الذى تَناوَلَه النَّهْىُ.
الثَّانِى، أَنْ يَظْهَرَ منه ما يَدُلُّ على عَدَمِ الرِّضَا، فلا يَحْرُمُ السَّوْمُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- باعَ في مَن يَزِيدُ، فرَوَى أنَسٌ أنَّ رَجُلًا مِن الأنْصارِ شَكَا إلى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الشِّدَّةَ

..................................  والجَهْدَ، فقال له: «أمَا تَبَقَّى لَكَ شَئٌ؟» قال: بَلَى، قَدَحٌ وحِلْسٌ 1. قال: «فائْتِنِى بِهِمَا».
فأَتَاهُ.
بهما، فقال: «مَنْ يَبْتَاعُهُمَا؟».
فقال رجلٌ: أخَذْتُهُما بدِرْهَمٍ.
فقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ يَزِيدُ عَلَى درْهَمٍ؟ [مَن يَزِيدُ عَلَى درْهَمٍ؟] 2. فأَعْطَاهُ رَجُلٌ دِرْهَمَيْنِ، فَبَاعَهُما منه.
رواه التِّرْمِذِىُّ 3، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وهذا أيضًا إجْماعٌ؛ فإنَّ المُسْلِمِينَ يَبِيعُونَ في أَسْوَاقِهِم بالمُزَايَدَةِ.
الثالِثُ، أَنْ لا يُوجَدَ منه ما يَدُلُّ على الرِّضَا ولا عَدَمِه، فلا يَحْرُمُ السَّوْمُ أيْضًا ولا الزِّيَادَةُ؛ اسْتِدْلَالًا بحَدِيثِ فاطِمَةَ بنتِ قَيْسٍ، حينَ ذَكَرَت له أنَّ مُعَاوِيَةَ وأبا جَهْمٍ خَطَبَاها، فأَمَرَها أَنْ تَنْكِحَ أُسامَةَ 4. وقد نَهَى عن الخِطْبَةِ على خِطْبَةِ أخِيه، كما نَهَى عن السَّوْمِ على سَوْمِ أخِيهِ، فما أُبِيحَ

..................................  في أَحَدِهما أُبيحَ في الآخَرِ.
الرابِعُ، أَنْ يَظْهَرَ منه ما يَدُلُّ على الرِّضَا مِن غيرِ تَصْرِيحٍ.
فقال القاضِى: لا تَحْرُمُ المُسَاوَمَةُ.
وذَكَرَ أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه في الخِطْبَةِ؛ اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ فاطِمَةَ.
ولأنَّ الأَصْلَ إباحَةُ السَّوْمِ والخِطْبَةِ، فَحَرُمَ منه ما وُجِدَ فيه التَّصْرِيحُ بالرِّضَا، وما عَدَاهُ يَبْقَى على الأصْلِ.
قال شَيْخُنا 1: ولو قيلَ بالتَّحْرِيمِ ههُنا، لكانَ وَجْهًا حَسَنًا، فإنَّ النَّهْىَ عامٌّ، خَرَجَتْ منه الصُّورَةُ المَخْصوصَةُ بأَدِلَّتِها، فتَبْقَى هذه الصُّورَةُ على مُقْتَضَى العُمُومِ.
ولأنَّه وُجِدَ منه دَلِيلٌ على الرِّضَا، أشْبَهَ ما لو صَرَّحَ به، ولا يَضُرُّ اخْتِلافُ الدَّلِيلِ بعدَ التَّسَاوِى في الدَّلَالَةِ.
وليس في حَدِيثِ فاطِمَةَ ما يَدُلُّ على الرِّضَا؛ لأَنَّها جاءَتْ مُسْتَشِيرَةً للنَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وليس ذلك دَلِيلًا على الرِّضَا، وكيف تَرْضَى وقد نَهاهَا النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بقَوْلِه: «لا تَفُوتِينَا بنَفْسِكِ».
فلم تكُنْ تَفْعَلُ شَيْئًا قبلَ مُراجَعَةِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
والحُكْمُ في الفَسَادِ كالحُكْمِ في البَيْعِ على بَيْعِ أَخِيه، في المَوْضِعِ الذى حَكَمْنا بالتَّحْرِيمِ فيه.

وَفِى بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِى رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، يَصِحُّ.
وَالأُخْرَى، لَا يَصِحُّ بِخَمْسَةِ شُرُوطٍ؛ أَنْ يَحْضُرَ الْبَادِى لِبَيْعِ  فصل: وبَيْعُ التَّلْجِئَةِ باطِلٌ.
وبه قال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِىُّ: هو صَحِيحٌ، لأنَّ البَيْعَ تمَّ بأَرْكانِه وشُرُوطِه، خَالِيًا عن مُقَارَنَةٍ مُفْسِدَةٍ، فصَحَّ، كما لو اتَّفَقَا على شَرْطٍ فاسِدٍ، ثم عَقَدَا البَيْعَ بغَيْرِ شَرْطٍ.
ولَنا، أنَّهما ما قَصَدَا البَيْعَ، فلم يَصِحَّ منهما، كالهازِلَيْنِ.
ومَعْنَى بَيْعِ التَّلْجِئَةِ، أَنْ يخافَ أَنْ يأْخُذَ السُّلْطانُ أو غيرُه مِلْكَه، فيُواطِئَ رَجُلًا على أَنْ يُظْهِرَ أنَّه اشْتَراهُ منه؛ ليَحْتَمِىَ بذلك، ولا يُرِيدَانِ بَيْعًا حَقِيقِيًّا.

1587 -

مسألة: (وفى بَيعِ الحاضِرِ للبادِى رِوَايَتانِ، إحْدَاهُما، يَصِحُّ. والأُخْرَى، لا يَصِحُّ بخمْسَةِ شُرُوطٍ، أَنْ يَحْضُرَ البادِى لِبَيْعِ

سِلْعَتِهِ، بسِعْرِ يَوْمِهَا، جَاهِلًا بِسِعْرِهَا، وَيَقْصِدَهُ الْحَاضِرُ، وَيَكُونَ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ إلَيْهَا.
فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا، صَحَّ الْبَيْعُ.
سِلْعَتِه، بسِعْرِ يَوْمِها، جاهِلًا بسِعْرِها، ويَقْصِدَه الحاضِرُ، وبالنّاسِ حاجَةٌ إليها.
فإن اخْتَلَّ شَرْطٌ منها، صَحَّ البَيْعُ) البَادِى ههُنا مَنْ يَدْخُلُ البَلَدَ مِن غيرِ أهْلِها، سواءٌ كان بَدَوِيًّا، أو مِن قَرْيَةٍ، أو مِن بَلْدَةٍ أُخْرَى.
ولا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الحاضِرُ للبادِى، لقَوْلِ ابنِ عباسٍ: نَهَى النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وأَنْ يَبِيعَ حاضِرٌ لِبَادٍ.
قال: فَقُلْتُ لابنِ عباسٍ: ما قَوْلُه: «حاضِرٌ لِبادٍ؟» قال: لا يكونُ له سِمْسَارًا.
مُتَّفَقٌ

..................................  عليه 1. وعن جابِرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا يَبيعُ حَاضِرٌ لبادٍ، دَعُوا النّاسَ يَرْزُقِ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ».
رَواهُ مُسْلِمٌ 2. والمَعْنَى في ذلك أنّه مَتَى تَرَكَ البَدَوِىَّ يَبِيعُ 3 سِلْعَتَه، اشْتَراهَا النَّاسُ بِرُخْصٍ، ويُوَسِّعُ عليهم السِّعْرَ، وإذا تَوَلَّى الحاضِرُ بَيْعَها، وامْتَنَعَ مِن بَيْعِها إلَّا بسِعْرِ البَلَدِ، ضاقَ على أَهْلِ البَلَدِ.
وقد أشارَ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في تَعْلِيلِه إلى هذا.
وممَّنْ كَرِهَ بَيْعَ الحاضِرِ للبادِى؛ طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وابنُ عمرَ، وأبو هُرَيْرَةَ، وأنَسٌ، وعمرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، والشّافِعِىُّ.
ونَقَلَ أبو إسحاقَ ابنُ شَاقْلَا، أنَّ الحَسَنَ بنَ عَلِىٍّ المصرِىَّ سَألَ

..................................  أَحْمَدَ عن بَيْعِ حاضِرٍ لبادٍ، فقال: لا بَأْسَ به.
قال له: فالخَبَرُ الذى جَاءَ بالنَّهْىِ؟ قال: كان ذلك مَرَّةً.
فظاهِرُ هذا أنَّ النَّهْىَ اخْتَصَّ بأَوَّلِ الإِسْلَامِ؛ لِما كان عليهم مِن الضِّيقِ في ذلك.
وهذا قولُ مُجاهِدٍ، وأبى حَنِيفَةَ، وأصحابِه.
والمَذْهَبُ الأَوَّلُ، لعُمُومِ النَّهْى، وما ثَبَت في حَقِّهِم ثَبَتَ في حَقِّنَا، ما لمِ يَقُمْ على اخْتِصاصِهِم به دَلِيلٌ 1. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنّه يَحْرُمُ بثَلَاثَةِ شُرُوطٍ؛ أحَدُها، أَنْ يكونَ الحاضِرُ قَصَدَ البادِىَ لِيَتَوَلَّى البَيْعَ له، فإنْ كان هو القاصِدَ للحاضِرِ، جازَ؛ لأَنَّ التَّضْيِيقَ حَصَلَ منه لا مِن الحاضِرِ.
الثَّانِى، أَنْ يكونَ البادِى جاهِلًا بالسِّعْرِ.
قال أحمدُ في رِوايَةِ أبى طَالِبٍ: إذا كان البادِى عارِفًا بالسِّعْرِ لم يحرُمْ؛ لأَنَّ التَّوْسِعَةَ لا تَحْصُلُ بِتَرْكِه يَبِيعُها؛ لأنَّه لا يَبِيعُها إلَّا بسِعْرِها ظاهِرًا.
الثالثُ، أَنْ يكونَ قد جَلَبَ السِّلْعَةَ للبَيْعِ.
فأمّا إنْ جَلَبَهَا لِيَأْكُلَها، أو يُخَزِّنَها، فليس في بَيْعِ الحاضِرِ له تَضْيِيقٌ، بل تَوْسِعَةٌ.
وذَكَرَ القاضِى شَرْطَيْنِ آخرَيْنِ؛ أحَدُهما، أَنْ يكونَ مُرِيدًا لبَيْعِها بسِعْرِ يَوْمِها.
فأمّا إن كانَ أَحْضَرَها وفى

..................................  نَفْسِه أَنْ لا يَبِيعَها رَخِيصَةً، فليس في بَيْعِه تَضْيِيقٌ.
الثَّانِى، أَنْ يكونَ بالنّاسِ حاجَةٌ إليها وضَرَرٌ في تَأْخِيرِ بَيْعِها، كالأَقْواتِ ونحوِها.
وقال أصحابُ الشّافِعِىِّ: إنَّما يَحْرُمُ بشُرُوطٍ أرْبَعَةٍ.
وهى ما ذَكَرْنَا، إلَّا حاجَةَ الناسِ إليها.
فمَتَى اخْتَلَّ شَرْطٌ منها، لم يَحْرُمِ البَيْعُ.
وإِنِ اجْتَمَعَتْ هذه الشُّرُوطُ، فالبَيْعُ حَرَامٌ.
وظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه باطِلٌ.
نصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ إسماعيلَ بنَ سَعِيدٍ.
[وذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
وعن أحمدَ] 1 رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّ البَيعَ صَحِيحٌ.
وهو مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّ النَّهْىَ لمَعْنًى في

وَأَمَّا شِرَاؤُهُ لَهُ، فَيَصِحُّ، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
غيرِ المَنْهِىِّ عنه، فلم يبْطُلْ، كتَلَقِّى الرُّكْبانِ.
ولَنا، أنَّه مَنْهِىٌّ عنه، والنَّهْىُ يَقْتَضِى الفسادَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

1588 -

مسألة: (فأمَّا شِراؤُه له، فيَصِحُّ، روايَةً واحدَةً)

وهو قولُ الحسنِ.
وكَرِهَتْ طائِفَةٌ الشِّراءَ لهم أيضًا، كما كَرِهَتِ البَيْعَ.
فرُوِىَ عن 1 أنَسٍ، قال: كان يُقالُ: هى كَلِمَةٌ جامِعَةٌ، يقولُ: لا تَبِيعَنَّ له شَيْئًا، ولا تَبْتَاعَنَّ له شَيْئًا 2. وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْن عن مالِكٍ.
ولَنا، أنَّ النَّهْىَ غيرُ مُتَنَاوِلٍ للشِّراءِ بلَفْظِه، ولا هو في مَعْناهُ، فإنَّ النَّهْىَ عن البَيْعِ للرِّفْقِ بأَهْلِ الحَضَرِ ليَتَّسِعَ عليهم السِّعْرُ، ويَزُولَ عنهم الضَّرَرُ، وليس ذلك في الشِّراءِ لهم، إذ لا يَتَضَرَّرُونَ؛ لعَدَمِ الغَبْنِ للبادِينَ، بل هو دَفْعُ الضَّرَرِ عنهم، والخَلْقُ في نَظَرِ الشَّارِعِ على السَّواءِ، فكما شَرَعَ ما يَدْفَعُ الضَّرَرَ عن أَهْلِ الحَضَرِ، لا يَلْزَمُ أَنْ يَلْزَمَ أهْلَ البَدْوِ الضَّرَرُ.
فأمّا إنْ أشارَ الحاضِرُ على البادِى مِن غيرِ أَنْ يُباشِرَ البَيْعَ له، فقد رَخَّصَ فيه طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، والأوْزَاعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وكَرِهَهُ مالِكٌ، واللَّيْثُ.
وقَوْلُ الصَّحَابِىِّ أوْلَى.
فصل: وليس للإِمَامِ أَنْ يُسَعِّرَ على الناسِ، بل يَبِيعُ النّاسُ أمْوَالَهُم على ما يَخْتارُونَ.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
وكان مالِكٌ يقولُ: يُقالُ لمَن

..................................  يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَ أقلَّ ما يَبِيعُ النّاسُ: بِعْ كما يَبِيعُ النّاسُ، وإلَّا فاخْرُجْ عنَّا.
واحْتَجَّ بما رَوَى الشّافِعِىُّ، وسَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ، عن داودَ بنِ صالِحٍ التَّمّارِ، عن القاسِمِ بنِ محمدٍ، عن عمرَ، أنّه مَرَّ بحاطِبٍ 1 في سوقِ المُصَلَّى، وبينَ يَدَيْه غِرارَتانِ فيهما زَبِيب، فَسَألَه عن سِعْرِهِما، فسَعَّرَ له مُدَّيْنِ بكُلِّ دِرْهَمٍ، فقال له عمرُ: قد حُدِّثْتُ بِعِيرٍ مُقْبِلَةٍ مِن الطّائِفِ تَحْمِلُ زَبِيبًا، وهم يَعْتَبِرُونَ بسِعْرِكَ، فَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ في السِّعْرِ، وإمَّا أَنْ تُدْخِلَ زَبيبَكَ، فتَبِيعَهُ كيفَ شِئْتَ 2. ولأنَّ في ذلك إضْرارًا بالناسِ، إذا زاد [تَبِعَهُ أصحابُ المَتاعِ] 3، وإذا نَقَصَ أضَرَّ بأصْحَابِ المَتَاعِ.
ولَنا، ما روَى أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ، وابنُ ماجَه 4، عن أنَسٍ، قال: غَلَا السِّعْرُ على عَهْدِ رسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، غَلَا السِّعْرُ، فَسَعِّرْ لَنَا.

..................................  فقال: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ المُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ، إنِّى لأرْجُو أَنْ ألْقَى اللَّهَ ولَيْسَ أحَدٌ يَطْلُبُنِى يمَظْلِمَةٍ، في دَمٍ، ولا مالٍ».
قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وعن أبى سَعِيدٍ مِثْلُه 1. فوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِن وَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، أنَّه لم يُسَعِّرْ، وقد سَأَلُوه ذلك، وِلو جازَ لأجَابَهُم إليه.
الثانى، أنَّه عَلَّلَ بكَوْنِه مَظْلِمَةً، والظُّلْمُ حَرَامٌ.
ولأنَّه مَالُه، فلم يَجُزْ مَنْعُه مِن بَيْعِه بما تَرَاضَى عليه المُتَبَايِعَانِ، كما لو اتَّفَقَ الجماعَةُ عليه.
والظّاهِرُ أنَّه سَبَبُ الغَلَاءِ؛ لأنَّ الجالِبِينَ إذا بَلَغَهُم ذلك، لم يَقْدَمُوا بسِلْعَتِهم بَلَدًا يُكْرَهُونَ عك بَيْعِها فيه بغيرِ ما يُرِيدُونَ، ومَن عندَه البِضَاعَةُ يَمْتَنِعُ مِن بَيْعِها، ويَكْتُمُها، ويَطْلُبُها المحتاجُ إليها، ولا يَجِدُها إلَّا قَلِيلًا، فَيَرْفعُ في ثَمَنِها ليُحَصِّلَهَا، فَتَغْلُو الأسْعارُ، ويَحْصُلُ الإِضْرَارُ بالجَانِبَيْنِ، جانِبِ المُلَّاكِ في مَنْعِهِم من بَيعِ أَمْلَاكِهِم، وجانِبِ المُشْتَرِى في مَنْعِه مِن الوُصُولِ إلى غرَضِه، فيكونُ حَرَامًا.
فأمّا حَدِيثُ عمرَ، فقد رَوَى فيه سعيدٌ، والشافعىُّ، أنَّ عمرَ لَمَّا رَجَعَ حاسَبَ نَفْسَهُ، ثم أَتَى حاطِبًا في دَارِه، فقال: إنَّ الذى قلتُ لك ليس بعَزِيمَةٍ مِنِّى، ولا قَضاءٍ، وإنَّما هو شئٌ أَرَدْتُ به الخَيْرَ لأَهْلِ البَلَدِ، فحيثُ شِئْت فبعْ كيف شِئتَ.

وَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِنَسِيئَةٍ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهَا نَقْدًا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ تَغَيَّرَتْ صِفَتُهَا.
وَإِنِ اشْتَرَاهَا أَبُوهُ أَو ابْنُهُ، جَازَ.
وهذا رُجُوعٌ إلى ما قُلْنا.
وما ذَكَرُوه مِن الضَّرَرِ مَوْجُودٌ فيما إذا باعَ في بَيْتِه، ولا يُمْنَعُ منه.

1589 -

مسألة: (ومَن باعَ سِلْعَةً بنَسِيئَةٍ، لم يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَها بأقَلَّ مِمّا باعَها نقدًا 1، إلَّا أَنْ تكونَ قد تَغَيَّرَتْ صِفَتُها. وإنِ اشْتَرَاهَا أبوه أو ابنُه، جازَ) مَن باعَ سِلْعَةً بثَمَنٍ مُؤجَّل، ثم اشْتَرَاها بأَقَلَّ منه نَقْدًا، لم يَجُزْ. رُوِى ذلك عن ابنِ عَبّاسٍ، وعائِشةَ، والحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبىِّ، والنَّخَعِىِّ. وبه قال الثَّوْرىُّ، والأَوْزَاعِىُّ، ومالِكٌ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْى. وأجازَهُ الشافِعِىُّ؛ لأنَّه ثمَنٌ يَجوزُ بَيْعُها به مِن غير بائِعِها، فجازَ مِن بائِعِها، كما لو باعَها بمثلِ ثَمَنِها. ولَنا، ما رَوَى غُنْدَرٌ، عن شعْبَةَ، عن أبى إسحاقَ السَّبيعِىِّ، عن امْرَأتِه العالِيَةِ بنتِ أيْفَعَ بنِ شُرَحْبِيل، أنَّها قالت: دَخلت أنا وأُمُّ ولدِ زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ وامْرَأَتُه

..................................  على عائِشَةَ، فقالت أُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بنِ أرْقَمَ: إنِّى بعْتُ غُلامًا مِن زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ بثمانِمائَةِ دِرْهَمٍ إلى العطاءِ، ثم اشْتَرَيْتُه منه بستِّمائَةِ دِرْهَم.
فقالت لها: بِئْسَ ما شَرَيْتِ، وبئْسَ ما اشْتَرَيْتِ، أبْلِغِى زَيْدَ بنَ أرْقَمَ أَنَّه قد أَبْطَلَ جِهادَهُ مع رسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، إلَّا أَنْ يَتُوبَ.
رَواهُ أحمدُ 1، وسَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ.
والظَّاهِرُ أنَّها لا تَقُولُ مثلَ هذا التَّغْلِيظِ، وتُقْدِمُ عليه، إلَّا بتَوْقِيفٍ مِن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فجَرَى مَجْرَى رِوايَتِها ذلك عنه.
ولأنَّ ذلك ذَرِيعَةٌ إلى الرِّبَا، فإنَّه يُدْخِلُ السِّلْعَةَ ليَسْتَبِيحَ بَيْعَ أَلْفٍ بِخَمْسِمائَةٍ إلى أجَلٍ.

..................................  وكذلك قال ابنُ عَباسٍ في مثلِ هذه المسألةِ: أرَى مائَةً بِخَمْسِينَ بينَهما حَرِيرَةٌ 1. يَعْنى خِرْقَةَ حَرِير جَعَلَاها في بَيْعِهما، والذَّرَائِعُ مُعْتَبَرَةٌ.
فأَمّا إنْ باعَها بمثلِ الثَّمَنِ أو أَكْثَرَ، جازَ؛ لأنَّه لا يكونُ ذَرِيعَةً، وهذا إذا كانتِ السِّلْعَة لم تنقُصْ عن حالَةِ البَيْعِ، فإنْ نَقَصَتْ، مثلَ أَنْ هَزَلَ العَبْدُ، أو نَسِىَ صِناعةً 2، أو تَخَرَّقَ الثَّوْبُ، ونحوِه، جازَ له شِراؤُها بما شاءَ؛ لأنَّ نَقْصَ الثَّمَنِ لِنَقْصِ المَبِيعِ، لا للتَّوَسُّلِ إلى الرِّبَا.
فصل: فإنِ اشْتَرَاها بعَرْضٍ، أو كان بَيْعُها الأَوَّلُ بعَرْضٍ، فاشْتَرَاها بنَقْدٍ، جازَ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما كان لشُبْهَةِ الرِّبَا، ولا رِبًا بينَ الأثْمانِ والعُرُوضِ.
فإنْ باعَها بنَقْدٍ، ثم اشْتَرَاها بنَقْدٍ آخَرَ،

..................................  فقال أصْحَابُنا: يَجُوزُ؛ لأَنَّهما جِنْسَانِ لا يَحْرُمُ التَّفَاضُل بينهما، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَاها بِعَرْضٍ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ اسْتِحْسانًا؛ لأنَّهما كالشئِ الواحِدِ في مَعْنَى الثَّمَنِيَّةِ، ولأنَّ ذلك يُتَّخَذُ وَسِيلَةً إلى الرِّبا، فهو كما لو بَاعَها بجِنْسِ الثَّمَنِ الأَوَّلِ.
قال شَيْخُنا 1: وهذا أصَحُّ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالَى.
وهذه المَسألةُ تُسَمَّى مسألةَ العِينَةِ.
قال الشاعِرُ 2: أنَدَّانُ أَمْ نَعْتَانُ أمْ يَنْبَرِى لَنَا … فَتًى مِثْلُ نَصْلِ السَّيْفِ مِيزَتْ مَضَارِبُه 3 ومَعْنى نَعْتَانُ: أى نَشْتَرِى عِينَةً كما وَصَفْنا.
وقد رَوَى أبو داودَ 4، بإِسْنادِه، عن ابنِ عمرَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يقولُ: «إذا تَبَايَعْتُمْ بالْعِينَةِ، وأَخَذْتُمْ أذنَابَ الْبَقَرِ، ورَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وتَرَكْتُمُ الجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إلى دِينِكُم».
وهذا وَعِيدٌ يدُلُّ على التَّحْرِيمِ.
وقد رُوِى عن أحمدَ، أنَّه قال: الْعِينَةُ أَنْ يكونَ

..................................  عندَ الرجلِ المَتاعُ، فلا يَبِيعُه إلَّا بنَسِيئَةٍ، فإنْ باعَ بنَقْدٍ ونَسِيئَةٍ فلا بَأْسَ.
وقال: أَكْرَهُ للرجلِ أَنْ لا يكونَ له تِجارَةٌ غيرَ الْعِينَةِ، لا يَبِيعُ بنَقْدٍ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: إنَّما كَرِهَ النَّسِيئَةَ لِمُضَارَعَتِه الرِّبَا، فإنَّ البائِعَ بنَسِيئَةٍ يَقْصِدُ الزِّيادَةَ بالأَجَلِ غَالِبًا.
ويجوزُ أَنْ تكونَ العِينَةُ اسْمًا لهذه المسألةِ وللبَيعِ نَسِيئَةً.
جميعًا، لكنَّ البَيْعَ بنَسِيئَةٍ مُبَاحٌ اتِّفاقًا، ولا يُكْرَهُ إلَّا أَنْ لا يكونَ له تِجارَةٌ غيره فصل: فإنْ باعَ سِلْعَةً بنَقْدٍ، ثم اشْتَراهَا بأَكْثَرَ منه نَسِيئَةً، فقال أحمدُ، في رِوايَةِ حَرْبٍ: لا يجُوزُ، إلَّا ان تَتَغَيَّرَ السِّلْعَةُ؛ لأنَّ ذلك يُتَّخَذُ وَسِيلَةً إلى الرِّبَا، فهى كَمسْألةِ العينَةِ.
فإنِ اشْتَرَاها بسِلْعَةٍ أُخْرَى، أو بأَقَلَّ مِن ثَمَنِها، أو بمِثْلِه نَسِيئَةً، جازَ؛ لِما ذَكَرْنا في مسألةِ العِينَةِ.
وإنِ اشْتَرَاها بنَقْدٍ آخَرَ بأكْثَرَ من ثَمَنِها، فهو كمسألةِ العِينَةِ، على ما ذَكَرْنَا مِن

وَإِنْ بَاعَ مَا يَجْرِى فِيهِ الرِّبَا نَسِيئَةً، ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ بِثَمَنِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِهِ نسِيئَةً، لَمْ يَجُزْ.
الْخِلافِ.
قال شَيْخُنا (1): ويَحْتَمِلُ أَنْ يجوزَ (2) له شِراؤُها بجِنْسِ الثَّمَنِ بأكْثَرَ منه، إذا لم يَكُنْ ذلك عن مُواطَأَةٍ، ولا حِيلَةٍ، بل وَقَعَ اتفاقًا مِن غيرِ قَصْدٍ؛ لأنَّ الأَصْلَ حِلُّ البَيْعِ، وإنَّما حُرِّمَ في مسألَةِ العِينَةِ للْأَثَرِ الوارِدِ فيه، وليس هذا في مَعْناهُ؛ لأَنَّ التَّوَسُّلَ بذلك أكْثَرُ، فلا يُلْحَقُ به ما دُونَه.
فصل: وفى كُلِّ مَوْضِعٍ قُلْنا: لا يَجُوزُ له أَنْ يَشْتَرِىَ.
لا يَجُوزُ ذلك لوَكِيلِه؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامَهُ، ويجُوزُ لغَيْرِه مِن النّاسِ، سواءٌ كان أرباه أو ابْنَه أو غيرَهما؛ لأنَّه غيرُ البائِعِ اشْتَرَى لنَفْسِهِ، أشْبَهَ الأَجْنَبِىَّ.

1590 -

مسألة: (وإنْ باعَ ما يَجْرِى فيه الرِّبَا نَسِيئةً 3، ثم اشْتَرى منه بثَمَنِه قبلَ قَبْضِه مِن جِنْسِه، أو ما لا يجوزُ بَيْعُه به نَسِيئَةً، لم يَجُزْ)12

..................................  رُوِى ذلك عن ابنِ عمرَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وطاوُسٍ.
وبه قال مالِكٌ، وإسحاقُ.
وأجازَهُ جابِرُ بنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وعَلِىُّ بنُ حُسَيْنٍ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِر، وأَصْحابُ الرَّأْى.
وقال عَلِىُّ بنُ حُسَيْنٍ: إذا لم يكُنْ لك في ذلك رَأْىٌ.
ورَوَى محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ ابنُ أبى مَرْيَمَ، قال: بِعْتُ تَمْرًا مِن التَّمّارِينَ، كُلَّ سَبْعَةِ آصُعٍ بدِرْهَمٍ، ثم وَجَدْتُ عندَ رَجُلٍ منهم تَمْرًا يَبِيعُه أرْبَعَةَ آصُع بدِرْهَمٍ، فاشْتَرَيْت منه، فَسَأَلْتُ عِكْرِمَةَ عن ذلك، فقال: لا بَأْسَ، أَخذْتَ أَنقَصَ مِمَّا بِعْتَ.
ثم سَأَلْتُ سَعِيدَ بنَ المُسَيَّبِ عن ذلك، وأَخْبَرْتُه بقَوْلِ عِكْرِمَةَ، فقال: كذَبَ، قال عبدُ اللَّهِ بنُ عَباسٍ: ما بِعْتَ مِن شئٍ مِمّا يُكالُ بمِكْيَالٍ، فلا تَأْخُذْ منه شَيْئًا مِمّا يُكالُ بمِكْيالٍ إلَّا وَرِقًا أو ذَهَبًا، فإذا أخَذْتَ ذلك فابْتَعْ مِمَّن شِئْتَ منه أو مِن غيرِه.
فرَجَعْتُ، فإذا عِكْرِمَةُ قد طَلَبَنِى، فقال: الذى قُلْتُ لَكَ هو حَلالٌ هو حَرَامٌ.
فقُلْتُ لسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ:

..................................  إنْ فَضَلَ لى عندَه فَضْلٌ، قال: فأعْطِهِ أنْتَ الكَسْرَ، وخُذْ منه الدَّرَاهِمَ.
ووَجْهُ تَحْرِيمِ ذلك، أنَّه ذَرِيعَة إلى بَيْعِ الطَّعَامِ بالطَّعَامِ نَسِيئَةً، فحَرُمَ كمسألةِ العِينَةِ.
وقد نَصَّ أحمدُ على ما يَدُلُّ على هذا.
قال شيخُنا 1: والذى يَقْوَى عندى جَوازُ ذلك إذا لم يَفْعَلْه حِيلَةً، ولا قَصَدَ ذلك في ابْتِداءِ العَقْدِ، كما قال علىُّ بنُ الحُسَيْنِ، فيما رَوَى عنه عبدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ 2، قال: قَدِمْتُ على عَلِىِّ بنِ الحُسَيْنِ، فقُلْتُ له: إنِّى أجُذُّ نَخْلِى وأَبِيعُ مِمَّن 3 حَضَرَنِى التَّمْرَ 4 إلى أَجلٍ، فَيقْدَمُونَ بالحِنْطَةِ، وقد حَلَّ الأَجَلُ، فيُوقِفُونَها بالسُّوقِ، فأبْتَاعُ منهم وأُقاصُّهم.
قال: لا بَأْسَ بذلك إذا لم يكُنْ منك على رَأْىٍ.
وذلك لأنَّه اشْتَرَى الطّعامَ بالدَّرَاهِمِ التى في الذِّمَّةِ بعدَ لُزومِ العَقْدِ الأَوَّلِ، فَصَحَّ، كما لو كانَ المَبِيعُ الأَوَّلُ حَيَوانًا أو

..................................  ثِيَابًا، ولِما ذَكَرْنا في الفَصْلِ الذى قَبْلَ هذا.
فإنْ لم يَأْخُذْ بالثَّمَنِ طَعامًا، لكنِ اشْتَرَى مِن المُشْتَرِى طَعامًا بدَراهِمَ وسَلَّمَها إليه، ثم أخَذَها منه وَفاءً، أو لم يُسَلِّمْها إليه، لكنْ قاصَّه بها، جازَ، كما في حَدِيثِ عَلِىِّ بنِ الحُسَيْنِ.
فصل: والاحْتِكَارُ حَرَامٌ؛ لِما روَى أبو أُمَامَةَ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، نَهَى أَنْ يُحْتَكَرَ الطَّعامُ 1. وعن سَعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنِ احْتَكَرَ فهو خاطِئٌ» 2. رَواهُما الأَثْرَمُ.
ورُوِىَ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «الجالِبُ مَرْزُوقٌ، والمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ» 3. والاحْتِكَارُ المُحَرَّمُ ما جَمَعَ ثلَاثَةَ شرُوطٍ؛ أحَدُها، أَنْ يَشتَرِى.
فلو جَلَبَ شَيْئًا،

..................................  أو أدْخَلَ عليه مِن غَلَّتِه شَيْئًا، فادَّخَرَه، لم يكُنْ مُحْتَكِرًا.
رُوِى ذلك عن الحَسَنِ، ومالِكٍ.
قال الأَوْزَاعِىُّ: الجالِبُ ليس بمُحْتَكِرِ؛ لقَوْلِه: «الجالِبُ مَرْزُوقٌ، والمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ».
ولأنَّ الجالِبَ لا يُضَيِّقُ على أحَدٍ، ولا يَضُرُّ، بل يَنْفَعُ، فإنَّ النَّاسَ إذا عَلِمُوا عِندَه طَعامًا مُعَدًّا للبَيْعِ، كان أَطْيَبَ لقُلُوبِهِم.
الثانى، أَنْ يكونَ قُوتًا.
فأمَّا الإِدامُ والعَسَلُ والزَّيْتُ وعَلَفُ البَهائِمِ، فليس احْتِكارُه بمُحَرَّم.
قال الأَثْرَمُ: سُئِلَ أبو عبدِ اللَّهِ، عن أىِّ شئٍ الاحْتِكارُ؟ قال: إذا كان مِن قُوتِ النّاسِ، فهذا الذى يُكْرَهُ.
وهذا قولُ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو.
وكان سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ يَحْتَكِرُ الزَّيْتَ 1. وهو رَاوِى حديثِ الاحْتِكَارِ.
قال أبو داودَ: وكان يَحْتَكِرُ النَّوَى والخَيْطَ والبَزْرَ.
ولأنَّ هذه الأَشْياءَ لا تعُمُّ الحاجَةُ إليها، أشْبَهَتِ الثِّيَابَ والحَيَوانَ.
الثالثُ، أَنْ يُضَيِّقَ على النَّاسِ بشِرائِه.
ولا يَحْصُلُ ذلك إلَّا بأمْرَيْنِ؛ أحَدُهما، أَنْ يكونَ في بَلَدٍ يُضَيِّقُ بأهْلِه الاحْتِكارُ، كالحَرَمَيْنِ، والثُّغُورِ.
قاله أحمدُ.
فظاهِرُ هذا أنَّ البِلادَ الواسِعَةَ الكَبِيرَةَ، كبَغْدَادَ، والبَصْرَةِ، ومِصْرَ، ونَحْوِها، لا يَحْرُمُ فيها الاحْتِكَارُ؛ لأنَّ ذلك لا يُؤَثِّرُ فيها غالِبًا.
الثّانى، أَنْ يكونَ في حالِ الضِّيقِ،

..................................  بأَنْ يَدْخُلَ البَلَدَ قافِلَةٌ فَيَتَبادَرُ ذَوُو الأَمْوالِ فَيَشْتَرُونَهَا، ويُضَيِّقُونَ على النّاسِ.
وأمّا إنِ اشْتَرَاهُ في حالِ الاتِّسَاعِ والرُّخْصِ على وَجْهٍ لا يُضَيِّقُ على أحَدٍ، لم يَحْرُمْ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ الإِشْهادُ في البَيْعِ، لقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ 1. وأَقَلُّ أحْوالِ الأَمْرِ النَّدْبُ.
ولأنَّه أَقطَعُ للنِّزاعِ، وأَبْعَدُ مِن التَّجاحُدِ.
ويَخْتَصُّ ذلك ما له خَطَرٌ، فأَمَّا ما لا خَطَرَ له، كَحوائِجِ البَقّالِ والعَطَّارِ وشِبْهِها، فلا يُسْتَحَبُّ ذلك فيها، لأَنَّها تَكْثُرُ، فيَشُقُّ الإِشْهادُ عليها، وتَقْبُحُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عليها والتَّرافُعُ إلى الحاكِمِ، بخِلافِ الكَثِيرِ.
وليس ذلك بواجِبٍ في واحِدٍ منها، ولا شَرْطًا له.
رُوِى ذلك عن أبى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ.
وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى، وإسحاقَ.
وقال قَوْمٌ: هو فَرْضٌ لا يَجُوزُ تَرْكُه.
رُوِى ذلك عن ابنِ

..................................  عَبّاسٍ، ومِمَّن رَأْى الإِشْهادَ في البَيْعِ؛ عَطاءٌ، وجابِرُ بنُ زَيْدٍ، والنَّخَعِىُّ؛ لظاهِرِ الأمْرِ، [وقِياسًا] 1 على النِّكَاحِ.
ولَنا، قولُه تَعالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ 2. قال أبو سَعِيدٍ: صاَر الأَمْرُ إلى الأمانَةِ.
وتَلَا هذه الآيَةَ.
ولأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اشْتَرَى مِن يَهُودِىٍّ طَعامًا، ورَهَنَه دِرْعَه 3، ومِن رَجُل سَراوِيلَ 4، ومِن أَعْرَابِىٍّ فَرَسًا، فَجَحَدَه الأَعْرَابِىُّ حتى شَهِدَ له خُزَيْمَةُ بنُ ثابِتٍ 5. ولم يُنْقَلْ أنَّهُ أَشْهَدَ في شئٍ مِن ذلك، وكان الصَّحَابَةُ يَتَبَايَعُونَ في عَصْرِه في الأسْواقِ، فلم يَأْمُرْهُم بالإِشْهادِ، ولا نُقِلَ عنهم فِعْلُه، ولم يُنْكِرْ عليهم النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ولو كانُوا يُشْهِدُونَ في كُلِّ بِياعَاتِهم لنُقِلَ.
وقد أمَرَ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عُرْوَةَ بنَ الجَعْدِ البارِقِىَّ أَنْ يَشْتَرِىَ له أُضْحِيَةً 6. ولم يَأْمُرْه بالإِشْهادِ.

..................................  ولأَنَّ المُبايَعَةَ تَكْثُرُ بينَ الناسِ في أسْواقِهِم وغيرِها، فلو وَجَبَ الإِشْهادُ في كُلِّ ما يَتَبَايَعُونَه، أَفْضَى إلى الحَرَجِ المَحْطُوطِ عَنّا بقَوْلِه تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ 1. والآيَةُ المرادُ بها الإِرْشادُ إلى حِفْظِ الأَمْوَالِ والتَّعْلِيمُ، كما أمَرَ بالرَّهْنِ والكاتِبِ، وليس بواجِبٍ، وهذا ظاهِر إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.
فصل: ويُكْرَهُ البَيْعُ والشِّرَاءُ في المَسْجِدِ؛ لِما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «إذا رَأيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أو يَبْتَاعُ في المَسْجِدِ، فقُولُوا: لا أرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ».
رَواهُ التِّرْمِذِىُّ 2، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وقال قومٌ: لا بَأْسَ به.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ للحَدِيثِ المَذْكوُرِ.
فإنْ باعَ، فالبَيْعُ صَحِيحٌ؛ لأَنَّه تَمَّ بأَركَانِه وشُرُوطِه، ولم يَثْبُتْ وجُودُ مُفْسِدٍ له، وكَراهَةُ ذلك لا تُوجبُ الفَسَادَ، كالغِشِّ في البَيْعِ والتَّدْلِيس والتَّصْرِيَةِ.
وفى قولِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «قُولُوا: لا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ».
مِن غيرِ إخْبارٍ بفَسَادِ البَيْعِ دَلِيلٌ على صِحَّتِه.
واللَّهُ أَعْلَمُ.

بَابُ الشُّرُوطِ فِى الْبَيْعِ

وَهِىَ ضَرْبَانِ؛ صَحِيحٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ؛ أَحَدُهَا، شَرْطُ مُقْتَضَى الْبَيْعِ؛ كَالتَّقَابُضِ، وَحُلُولِ الثَّمَنِ، وَنَحْوِهِ، فَلَا يُؤثِّرُ فِيهِ.
الثَّانِى، شَرْطٌ مِنْ مَصْلَحَةِ العَقْدِ، كَاشْتِرَاطِ صِفةٍ فِى الثَّمَنِ، كَتَأْجِيلِهِ، أَوِ الرَّهْنِ، أوِ الضَّمِينِ بِهِ، أَوْ صِفَةٍ فِى  بابُ الشُّرُوطِ في البَيْعِ (وهى ضَرْبان؛ صَحِيحٌ، وهو ثَلَاثَةُ أنْواعٍ؛ أحَدُها، شَرْطُ مُقْتَضَى البَيْعِ، كالتَّقَابُضِ، وحُلُولِ الثَّمَنِ ونحوِه، فَلَا يُوثِّرُ فِيهِ) لأنَّه بَيَانٌ وتَأْكِيدٌ لمُقْتَضَى العَقْدِ، فوُجُودُه كعَدَمِه.
(الثانى، شَرْطٌ مِن مَصْلَحَةِ العَقْدِ، كاشْتِرَاطِ صِفَةٍ في الثَّمَنِ، كتَأْجِيلِه، أو الرَّهْنِ، أو الضَّمِينِ) والشَّهادَةِ (أو صِفَةٍ في المَبِيعِ) مَقْصُودَةٍ (نَحْوَ كَوْنِ العَبْدِ كاتِبًا، أو

الْمَبِيعِ؛ نَحْوَ كَوْنِ الْعَبْدِ كَاتِبًا، أَوْ خَصِيًّا، أَوْ صَانِعًا، أَوْ مُسْلِمًا، وَالأَمَةِ بِكْرًا، وَالدَّابَّةِ هِمْلَاجَةً، وَالْفَهْدِ صَيُودًا، فَيَصِحُّ.
فَإِنْ وَفَّى بِهِ، وَإِلَّا فَلِصَاحِبِهِ الْفَسْخُ.
خصِيًّا 1، أو صانِعًا، أو مُسْلِمًا، والأَمَةِ بِكْرًا، والدَّابَّةِ هِمْلَاجَةً 2، والفَهْدِ صَيُودًا) فهو شَرْط صَحِيحٌ يَلْزَمُ الوَفاءُ به، فإنْ لم يَفِ به، فللمُشْتَرِى الفَسْخُ والرُّجُوعُ بالثَّمَنِ، أو الرِّضَا به؛ لأنَّه شَرَطَ وَصْفًا مَرْغُوبًا فيه، فصَارَ الشَّرْطُ مُسْتَحَقًّا؛ لقَوْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «المُؤْمِنُونَ عندَ شُرُوطِهم» 3. ولا نَعْلَمُ في صِحَّةِ هذَيْنِ القِسْمَيْنِ خِلافًا.

جارٍ التحميل