الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 15-54

وَيَجُوزُ أنْ يَكْتُبَ إلَى قَاضٍ مُعَيَّنٍ، وَإلَى مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ كِتَابِى هَذَا مِنْ قُضَاةِ المُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ.
وَلَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ، يُحْضِرُهُمَا القَاضِى الكَاتِبُ فَيَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ يَقُولُ: أُشْهِدُكُمَا أن هَذَا كِتَابِى إِلَى

4930 - مسألة: (ويجوزُ أن يَكْتُبَ إلى قاضٍ مُعَيَّنٍ، وإلى مَن يَصِلُ إليه كِتابى هذا مِن قُضاةِ المسلمين وحكّامِهم)

مِن غيْرِ تَعْيِينٍ، ويَلْزَمُ مَن وَصَلَه قَبُولُه.
وبهذا قال أبو ثَوْرٍ.
واسْتَحْسَنَه أبو يُوسُفَ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ أن يَكْتُبَ إلى غيرِ مُعَيَّنٍ.
ولَنا، أنَّه كتابُ حاكمٍ مِن وِلايتِه، وَصَل إلى حاكمٍ، فلَزِمَه قَبُولُه، كما لو كان الكتابُ إليه بعَيْنِه.
4931 -

مسألة: (ولا يُقْبَلُ الكِتابُ إلَّا أن يَشْهَدَ به شاهِدانِ، يُحْضِرُهما القاضى الكاتبُ، فيَقْرَؤُه عليهما، ثم يقولُ: اشْهِدُ كما أنَّ هذا

فُلانِ بْنِ فُلانٍ.
وَيَدْفَعُهُ [334 و] إلَيْهِمَا، فَإذَا وَصَلَا إلَى المَكْتُوبِ إلَيْهِ، دَفَعَا إِلَيْهِ الكِتَابَ وَقَالَا: نَشْهَدُ أنَّ هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ إلَيْكَ، كَتَبَهُ مِنْ عَمَلِهِ، وَأشْهَدَنَا عَلَيْهِ.
وَالاحْتِيَاطُ أَنْ يَشْهَدَا عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ، وَيَخْتِمَهُ.
وَلَا يُشْتَرَطُ خَتْمُهُ.
كتابى إلى فُلانِ بنِ فُلانٍ.
ويَدْفَغه إليهما، فإذا وَصَلا إلى المكْتُوبِ إليه، دَفَعا إليه الكتابَ وقالا: نَشْهَدُ أنَّ هذا كِتابُ فُلانٍ إليك، كَتَبَه مِن عَمَلِه، وأشْهَدَنا عليه.
والاحْتِياطُ أن يَشْهَدا عليه بما فيه، ويَخْتِمَه.
ولا

وَإِنْ كَتَبَ كِتَابًا وَأَدْرَجَهُ وَخَتَمَهُ، وَقَالَ: هَذَا كِتَابِى إِلَى  يُشْتَرَطُ خَتْمُه.
وإن كَتَب كِتابًا وأدْرَجَه وخَتَمَه، وقال: هذا كِتابى إلى

فُلَانٍ، اشْهَدَا عَلَىَّ بِمَا فِيهِ.
لَمْ يَصِحَّ؛ لِأنَّ أحْمَدَ قَالَ فِى مَنْ كَتَبَ وَصِيَّةً وَخَتَمَهَا، ثُمَّ أَشْهَدَ عَلَى مَا فِيهَا: فَلَا، حَتَّى يُعْلِمَهُ مَا فِيهَا.
وَيَتَخَرَّجُ الْجَوَازُ لِقَوْلِهِ: اذَا وُجِدَتْ وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةً عِنْدَ رَأْسِهِ، مِنْ غَيْرِ أنْ يَكُونَ أشْهَدَ، أوْ أعْلَمَ بِهَا أحَدًا عِنْدَ مَوْتِهِ، وَعُرِفَ خَطُّهُ وَكَانَ مَشْهورًا، فَإنَّهُ يَنْفُذُ مَا فِيهَا.
وَعَلَى هَذَا، إذَا عَرَفَ المَكْتُوبُ الَيْهِ أَنَّهُ خَطُّ القَاضِى الكَاتِبِ وَخَتْمُهُ، جَازَ قَبُولُهُ.
وَالعَمَلُ عَلَى الأَوَّلِ.
فُلانٍ، اشْهَدَا عَلَىَّ بما فيه.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ أحمدَ قال في مَن كَتَب وصيةً وخَتَمَها، ثم أشْهَدَ على ما فيها: فلا حتى يُعْلِمَه ما فيها.
ويَتَخَرَّجُ الجَوازُ لقولِه: إذا وُجِدَتْ وصيةُ الرجلِ مَكْتُوبَةً عندَ رَأْسِه، مِن غيرِ أن يكونَ أشْهَدَ، أو أعْلَمَ أحَدًا بها عندَ مَوْتِه، وعُرِف خَطُّه وكان مشْهُورًا، فإنَّه يَنْفُذُ ما فيها.
فعلى هذا، إذا عَرَف المكْتُوبُ إليه أنَّه خَطُّ القاضى الكَاتِبِ وخَتْمُه، جاز قَبُولُه.
والعَمَلُ على الأوَّلِ) وجملةُ ذلك، أنَّه يُشْتَرَطُ لقبولِ

..................................  كتابِ القاضى شُرُوطٌ ثَلاَثَةٌ؛ أحدُها، أن يَشْهَدَ به شاهِدان عَدْلان، ولا يَكْفى مَعْرفةُ المكتوبِ إليه خَطَّ الكاتِبِ وخَتْمَه، ولا يجوزُ له قَبولُه بذلك، في قولِ الجُمْهورِ.
وحُكِىَ عن الحسنِ، وسَوّارٍ، والعَنْبَرِىِّ، أنَّهم قالوا: إذا كان يَعْرِفُ خَطَّه وخَتْمَه، قَبِلَه.
وهو قولُ أبى ثَوْرٍ، والإِصْطَخْرِىِّ.
ويتَخَرَّجُ لَنا مِثْلُ ذلك؛ لأنَّه تحْصلُ به غَلَبَةُ الظَّنِّ، فأشْبَهَ شَهادةَ الشّاهِدَيْن.
ولَنا، أنَّ ما أمْكَنَ إثْباتُه بالشَّهادةِ، لم يَجُزْ الاقْتصارُ فيه 1 على الظَّاهِرِ، كإثْباتِ العُقودِ، ولأنَّ الخَطَّ يُشْبِهُ الخَطَّ، والخَتْمَ يُمْكِنُ التَّزْويرُ عليه، ويُمْكِنُ الرُّجوعُ إلى الشهادةِ، فلم يُعَوَّلْ على الخَطِّ، كالشّاهِدِ لا يُعَوِّلُ في الشَّهادةِ على الخَطِّ، وفى هذا انْفِصال عمّا ذَكَرُوه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ القاضىَ إذا كَتَب الكتابَ، دَعا رَجُلَيْن يَخْرُجان إلى البَلَدِ الذى فيه القاضى المكتوبُ إليه، فيَقْرأْ عليهما الكتابَ، أو يَقْرَؤُه غيرُه عليهما، والأحْوَطُ أن يَنْظُرا 2 معه فيما يَقْرَؤُه، فإن لم يَنْظُرا (2)، جاز؛ لأنَّه لا يُسْتَقْرأً إلَّا ثِقَةٌ، فإذا قَرَأَ عليهما، قال: اشْهَدا علىَّ أنَّ هذا كتابى إلى فُلانٍ.
وإن قال: اشْهَدا علىَّ بما فيه.
كان أوْلَى، فإنِ اقْتَصَرَ على قولِه: هذا كتابى إلى فُلانٍ.
فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه لا يُجْزِئُ؛ لأنَّه يُحَمِّلُهما

..................................  الشَّهادةَ، فاعْتُبِرَ أن يقولَ: اشْهَدا علىَّ.
كالشَّهادةِ على الشَّهادةِ.
وقال القاضى: يُجْزِئُ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
ثم إن كان ما في الكتاب قليلًا، اعْتَمَدا على حِفْظِه، وإن كَثُرَ 1 فلم يَقْدِرا على حِفْظِه، كَتَب كلُّ واحدٍ منهما مَضْمُونَه، وقابَلَ بها لتكونَ معه، يَذْكُرُ بها ما يَشْهَدُ به، ويَقْبِضان الكِتابَ قبلَ أن يَغِيبا؛ لئلَّا يَدْفَعَ إليهما غيرَه، فإذا وَصَل الكِتابُ معهما إليه، قرَأه الحاكمُ أو غيرُه عليهما، فإذا سَمِعاه، قالا: نَشْهَدُ أنَّ هذا كتابُ فُلانٍ [القاضى إليك، أشْهَدَنا على نفسِه بما فيه؛ لأنَّه قد يكونُ كتابُه غيرَ الذى أشْهَدَهما عليه.
قال أبو الخَطَّاب: ولا يُقْبَلُ إلَّا 2 أن يقولا: نَشْهَدُ أنَّ هذا كتابُ فُلانٍ] 3؛ لأنَّها أداءُ شَهادةٍ، فلا بُدَّ فيها مِن لَفْظِ الشَّهادةِ.
ويجبُ أن يقولا: مِن عَمَلِهْ؛ لأنَّ الكتابَ لا يُقْبَلُ إلَّا إذا وَصَل مِن مَجْلِسِ عَمَلِه.
وسواءٌ وَصَل الكتابُ مَخْتُومًا أو غيرَ مَخْتُومٍ، مَقبولًا أو غيرَ مَقْبُولٍ؛ لأنَّ الاعْتِمادَ على شَهادَتِهما، لا على الخَطِّ والخَتْمِ.
فإنِ امْتَحَى الكتابُ، وكانا يَحْفَظان ما فيه، جاز لهما أن يَشْهَدا بذلك، وإن لم [يَحْفَظا ما فيه] 4، لم يُمْكِنْهما الشَّهادةُ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ: لا يُقْبلُ الكتابُ 5 حتى يَشْهَدَ شاهِدَان على خَتْمِ القاضى.
ولَنا،

..................................  أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كَتَب كِتابًا إلى قَيْصَرَ، ولم يَخْتِمْه، فقيل له: إنَّه لا يَقْرأُ كتابًا غيرَ مَخْتُومٍ.
فاتَّخَذَ الخاتَمَ (1). واقْتِصارُه على الكتابِ دُونَ الخَتْمِ، دليلٌ على أنَّ الخَتْمَ ليس بشَرْطٍ في القَبولِ، وإنَّما فَعَلَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - ليَقْرَءُوا كِتابَه.
ولأنَّهما (2) شَهِدَا بما في الكتابِ، وعَرَفا ما فيه، فوَجَبَ قَبولُه، كما لو وَصَل مَخْتُومًا وشَهِدا بالخَتْمِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إنَّما يُعْتَبَرُ (3) ضَبْطُهما لمعنَى الكتابِ وما يتَعَلَّقُ به الحكمُ.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْت أبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن قومٍ شَهِدُوا على صحيفةٍ، وبعضُهم يَنْظُرُ فيها، وبعضُهم لا يَنْظُرُ؛ قال: إذا حَفِظَ فلْيَشْهَدْ.
قيل: كيف، وهو كلامٌ كثيرٌ! قال: يَحْفَظُ ما كان عليه الكلامُ والوَضْعُ.
قلتُ: يَحْفَظُ المعنَى؟ قال: نعم.
قيل له: والحدودَ والثَّمَنَ وأشْباهَ ذلك؟ قال: نعم.

4932 -

مسألة: (ولو أدْرَجَ الكِتابَ وخَتَمَه، وقال: هذا خَطِّى، اشْهَدا علىَّ بما فيه)

أو: قد أشْهَدْتُكما على نفسِى بما فيه (لم يَصِحَّ)123

..................................  هذا التَّحَمُّلُ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وقال أبو يُوسفَ: إذا خَتَمَه بخَتْمِه وعَنْوَنَه، جاز أن يتَحَمَّلا الشَّهادةَ عليه مُدْرَجًا، فإذا وَصَل الكتابُ شَهِدا عندَه أنَّه كتابُ فُلانٍ.
ويَتَخَرَّجُ لَنا مثلُ هذا؛ فإنَّهما شَهِدا بما في الكتابِ، فجاز وإن لم يَعْلَما تَفْصِيلَه، كما لو شَهِدا بما في هذا الكِيسِ مِن الدَّراهِمِ، جازَتْ شَهادَتُهما وإن لم يَعْرِفا قَدْرَها.
ولَنا، أنَّهما شَهِدا بمَجْهُولٍ لا يَعْلَمانِه، فلم تَصِحَّ شَهادَتُهما، كما لو شَهِدا أنَّ لفُلانٍ على فُلانٍ مالًا.
وفارَقَ ما ذَكَرَه، فإنَّ تَعْيينَه الدَّراهِمَ التى في الكِيسَ أغْنَى عن معرفةِ قَدْرِها، وههُنا الشهادةُ على ما في الكتابِ دُونَ الكتابِ، وهما لا يَعْرِفانِه.

..................................  الشَّرْطُ الثانى، أن يَكْتُبَه القاضى مِن مَوْضِعِ عَمَلِه ووِلَاِيَتِه، فإن كَتَبَه مِن غيرِ وِلاِيَتِه، لم [يَسُغْ قَبولُه] 1، لأنَّه لا يَسُوغُ له في غيرِ وِلاِيَتِه حُكمٌ، فهو فيه كالعامِّىِّ.

..................................  الشَّرْطُ الثالثُ، أن يَصِلَ الكتابُ إلى المكتوبِ إليه في مَوْضِعِ وِلايَتِه، فإن وَصَله في غيرِه، لم يكنْ له قبولُه حتى يصيرَ إلى مَوْضِعِ وِلايَتِه.
ولو تَرافَعَ إليه خَصْمانِ في غيرِ محَلِّ وِلايَتِه، لم يكنْ له الحُكْمُ بينَهما بحُكْمِ وِلايَتِه، إلَّا أن يتَراضَيا به 1، فيكون حُكْمُه حكْمَ غيرِ القاضى إذا تَراضَيا به.
وسواء كان الخَصْمان مِن أهلِ عَمَلِه أو لم يكونا.
ولو تَرافَعَ إليه خَصْمان، وهو في مَوْضِعِ وِلايَتِه، مِن غيرِ أهلِ وِلايَتِه، كان له الحُكْمُ بينَهما؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بمَوْضِعِهما، إلَّا أن يَأْذَنَ الإِمامُ لقاضٍ أن يَحْكُمَ بينَ أهلِ وِلايَتِه حيثُ كانوا، ويَمْنَعَه مِن الحكمِ بينَ غيرِ أهلِ وِلايَتِه حيثُما كان، فيكونَ الأمرُ على ما أذِنَ فيه ومَنع منه؛ لأنَّ الوِلايَةَ بتَوْلِيَتِه، فيكونُ الحُكْمُ على وَفْقِها.

فَإِذَا وَصَلَ الكِتَابُ، فَأَحضَرَ المَكْتُوبُ الَيْهِ الْخَصْمَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ فِى الْكِتَابِ، فَقَالَ: لَسْتُ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، إلَّا أَنْ تَقُومَ بِهِ بَيِّنَةٌ، فَإنْ ثَبَتَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ،

4933 - مسألة: (فإذا وَصَل الكِتابُ، فأحْضَرَ المكْتُوبُ إليه الخَصْمَ المَحْكُومَ عليه في الكِتاب، فقال: لستُ فُلانَ بنَ فُلانٍ.
فالقولُ قولُه مع يمينِه، إلَّا أن تقومَ به بَيِّنَةٌ، فإن ثَبَت أنَّه فُلانُ بنُ فُلانٍ ببَيِّنةٍ أو

فَقَالَ: المَحْكُومُ عَلَيْهِ غَيْرِى.
[334 ظ] لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةَ تَشْهَدُ أَنّ فِى الْبَلَدِ مَنْ يُسَاوِيهِ فِيمَا سُمِّىَ وَوُصِفَ بِهِ، فَيَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ حَتَّى يَعْلَمَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا.
إقْرَارٍ، فقال: المحكُومُ عليه غيرِى.
لم يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أنَّ في البَلَدِ مَن يُساوِيه فيما سُمِّىَ ووُصِفَ به، فيَتَوَقَّفُ حتى يَعْلَمَ المَحْكُومَ عليه منهما) وجملةُ ذلك، [أنَّ القاضىَ المكتوبَ إليه إذا وَصَل إليه الكتابُ في مَوْضِع يَلْزَمُه قَبولُه، فإنَّه يَأْخُذُ المحكومَ عليه بالحقِّ الذى حُكِم عليه فيَسْتَدْعِيه، فإنِ اعْتَرَفَ بالحقِّ ألْزَمَه أدَاءَه، وإن قال: لستُ المُسَمَّى في هذا الكتابِ.
فالقولُ قولُه مع يمينه، إلَّا أن يُقِيمَ المُدَّعِى بينةً أنَّه المسمَّى في الكتابِ.
وإنِ اعْتَرفَ أن الاسمَ اسمُه، والنَّسبَ نسبُه، والصفةَ صفتُه، إلَّا أنَّ الحقَّ ليس هو عليه، وإنَّما هو على آخرَ يُشارِكُه في الاسمِ والنسبِ والصفةِ، فالقولُ قولُ المُدَّعِى في نفىِ ذلك؛ لأنَّ الظاهرَ عدمُ المشاركةِ في هذا كلِّه، فإن أقام المُدَّعَى عليه بينةً بما ادَّعاه بوجودِ مشاركٍ له في هذا كلِّه، أحْضَرَه الحاكمُ وسألَه عن الحقِّ، فإنِ اعْتَرَف به، ألْزَمَه به، ويَخلُصُ الأوَّلُ، وإن أنْكَرَه] 1، وَقَفَ الحاكمُ، ويَكْتُبُ إلى الحاكِمِ الكاتِبِ يُعْلِمُه الحالَ، وما وَقعَ مِن الإِشْكالِ، حتى يُحْضِرَ الشَّاهِدَيْن،

..................................  فيَشْهَدا عندَه 1 بما يَتَمَيَّزُ به المَشْهُودُ عليه منهما.
فإنِ ادَّعَى المُسَمَّى أنَّه كان في البلدِ مَن يُشارِكُه في الاسْمِ والصِّفَةِ، وقد ماتَ، نَظَرْنا؛ فإن كان مَوْتُه قبلَ وُقُوعِ المُعامَلَةِ التى وَقَع الحُكْمُ بها، أو كان ممَّن لم يُعاصِرْه 2 المحكومُ عليه، أو المحكومُ له، لم يَقَعِ الإِشكالُ، وكان وُجُودُه كعَدَمِه.
وإن كان مَوْتُه بعدَ الحُكْمِ، أو بعدَ المُعامَلَةِ، وكان ممَّن أمكَنَ أن تَجْرِىَ بينَه وبينَ المحكومِ له معاملَةٌ، فقد وَقَع الإِشْكالُ، كما لو كان حَيُّا؛ لجواز أن يكونَ الحقُّ على الذى مات.
فصل: وإذا كَتَبَ 3 الحاكمُ 4 بثُبوتِ بيِّنةٍ، أو إقْرارٍ بدَينٍ، جاز، وحَكَم به المكتوبُ إليه، وأخَذَ المحكومَ عليه به (4)، وإن كان ذلك عَيْنًا؛ كعَقارٍ مَحْدودٍ، أوْ عَيْن مَشْهُورَةٍ لا تَشْتَبهُ بغيرِها، كعبدٍ معروفٍ مشهورٍ، أو دابَّةٍ كذلك، حَكَم به (4) المكتوبُ إليه أيضًا، وأُلزِمَ تَسْلِيمَه

..................................  إلى المحكومِ له به.
وإن كان عَيْنًا لا تَتَمَيَّزُ إلَّا بالصِّفَةِ، كعبدٍ غيرِ مَشْهورٍ، أو غيرِه مِن الأعْيانِ التى لا 1 تَتَمَيَّزُ إلَّا بالوَصْفِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَقْبَلُ كتابَتَه به.
وِهو قولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ الوَجْهَيْن لأصحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّ الوَصْف لا يَكْفِى، بدليلِ أنَّه لا يجوزُ أن يَشْهَدَ لرجلٍ بالوَصْفِ والتَّحْلِيَةِ، كذلك المشْهودُ به.
والثانى، يجوزُ؛ لأنَّه يَثْبُتُ في الذمَّةِ بالعقْدِ على هذه الصِّفَةِ، فأشْبَهَ الدَّيْنَ، ويُخالِفُ المشهودَ له، فإنَّه لا حاجَةَ إلى ذلك فيه، فإنَّ الشَّهادَةَ له لا تَثْبُتُ إلَّا بعدَ دَعْواه، ولأنَّ المشْهودَ عليه يَثْبُت بالصِّفَةِ والتَّحْلِيَةِ، فكذلك المشْهودُ به.
فعلى هذا الوَجْهِ، يُنْفِذُ العَيْنَ مَختومَةً، وإن كان عبدًا أو أمَةً خَتَم في عُنُقِه، وبَعَثَه إلى القاضى الكاتبِ؛ ليَشْهَدَ الشاهدان على عَيْنِه، فإن شَهِدا عليه، دُفِع 2 إلى المشْهودِ له به، وإن لم يَشْهَدا على عَيْنِه، أو 3 قالا: المشْهودُ به غيرُ هذا.
وَجَب على آخِذِه رَدُّه إلى صاحِبِه، ويكونُ حُكْمُه حكمَ المغْصوبِ في ضَمانِه، وضَمانِ نَقْصِه ومنفعتِه، فيَلْزَمُه أجْرُه إنْ كان

وَإنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ القَاضِى الكَاتِبِ بِعَزْلٍ، أوْ مَوْتٍ، لَمْ يَقْدَحْ في كِتَابِهِ، وَإنْ تَغَيَّرَتْ بِفِسْقٍ، لَمْ يَقْدَحْ فِيمَا حَكَمَ بِهِ، وَبَطَلَ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِيَحْكُمَ بهِ، وَإنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ المَكْتُوبِ إلَيْهِ، فَلِمَنْ قَامَ مَقَامَهُ قَبُولُ اَلكِتَابِ، وَالعَمَلُ بِهِ.
له أجْرٌ مِن يومِ أخَذَه، إلى أن يَصِلَ إلى صاحِبِه؛ لأنَّه أخَذَه مِن صاحِبِه قَهْرًا بغيرِ حَقٍّ.

4934 -

مسألة: (وإن تَغَيَّرَتْ حالُ القاضى الكاتِبِ بعَزْلٍ أو مَوْتٍ، لم يَقْدَحْ في كتابه، وإن تَغَيَّرَتْ بفِسْقٍ، لم يَقدَحْ فيما حَكَم به، وبَطَلَ فيما ثَبَت عندَه ليَحْكُمَ به، وإن تَغَيَّرَتْ حالُ المكتوبِ إليه، فلمَن قامَ مَقامَه قَبولُ الكتاب والعملُ به)

وجملةُ ذلك، أنَّه لا يَخْلُو مِن أن تَتَغَيَّرَ حالُ القاضى الكاتبِ أَو المكتوب إليه، أو حالُهما معًا، فإن تَغيَّرت حالُ الكاتبِ بموتٍ أو عَزْلٍ، بعدَ أن كَتَب الكِتابَ، وأشْهَدَ على نفسِه، لم يَقْدَحْ في كِتابِه، وكان على مَن وَصَلَه الكتابُ قبولُه، والعملُ به، سَواءٌ

..................................  تَغَيَّرَتْ حالُه قبلَ خُروجِ الكِتابِ من يدِه 1 أو بعدَه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُعْمَلُ به في الحالَيْن.
وقال أبو يُوسُفَ: إن مات قبلَ خُروجِه مِن يَدِه، لم يُعْمَلْ به، وإن مات بعدَ خُروجِه مِن يَدِه، عُمِل به؛ لأنَّ كِتابَ الحاكمِ بمنزلةِ الشَّهادةِ على الشَّهادةِ، لأنَّه يَنْقُلُ شَهادةَ شاهِدَىِ الأصْلِ، فإذا مات قبلَ وُصولِ الكِتابِ، صار بمنزلةِ موتِ شاهِدَىِ الفَرْعِ قبلَ أداءِ شَهادَتِهما.
ولَنا، أنَّ المُعَوَّلَ في الكِتابِ على الشَّاهِدَين اللَّذَيْن يَشْهَدان على الحاكمِ، وهما حَيّانِ، فيجبُ أن يُقْبَلَ 2 كِتابُه، كما لو لم يَمُتْ، ولأنَّ كِتابَه إن كان فيما حَكَمَ به، فحُكْمُه لا يَبْطُلُ بموتِه وعَزْلِه، وإن كان فيما ثَبَت عندَه بشَهادةٍ، فهو أصْل، واللَّذان شَهِدا عليه فَرْعٌ، ولا تَبْطُلُ شَهادَةُ الفَرْعِ بموتِ شاهِدَىِ الأصْلِ، وما ذَكَرُوه حُجَّةٌ عليهم؛ لأنَّ الحاكمَ قد أشْهَدَ على نفسِه، وإنَّما يَشْهَدُ عندَ المكتوبِ إليه شاهِدَان عليه، وهما حَيّان، وهما شاهِدا الفَرْعِ، وليس 3 موتُه مانِعًا مِن شَهادَتِهما، فلا يَمْنَعُ قَبولَها، كموتِ شاهِدَىِ الأصْلِ.
وإن تَغَيَّرَتْ بفِسْقٍ قبلَ الحُكْمِ بكِتابِه، لم يُحْكَمْ به، لأنَّ حُكْمَه [به بعدَ فسقِه] 4 لا يَصِحُّ، فكذلك لا يجوزُ الحكمُ بكتابِه، ولأنَّ بقاءَ

..................................  عدالَةِ شاهِدَىِ الأصْلِ شَرْطٌ في الحُكْمِ بشاهِدَىِ الفَرْعِ، فكذلك بَقاءُ عَدالةِ الحاكمِ؛ لأنَّه بمَنزلةِ شاهِدَىِ الأصْلِ.
وإن فسَق بعدَ الحُكْمِ بكتابه لم يَتَغَيَّرْ، كما لو حَكَم بشئ ثمِ بان فِسْقُه، فإنَّه لا يُنْقضُ ما مَضَى مِن أَحْكامِه، كذا ههُنا.
وأمَّا إن تغَيَّرَتْ حالُ المكتوبِ إليه بأىِّ حالٍ كان؛ مِن مَوْتٍ، أو عَزْلٍ، أو فِسْقٍ، فلمَن وَصَل إليه الكتابُ ممّن قام مَقامَه، قَبولُ الكتابِ، والعملُ به.
وبه قال الحسنُ.
وحُكِىَ عنه أنَّ قاضِىَ الكوفةِ كَتَب إلى إيَاسِ بنِ مُعاويةَ قاضى البصرةِ كتابًا، فوصَلَ وقد عُزِل، ووَلِىَ الحسنُ، فعَمِلَ به 1. وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَعْمَلُ به؛ لأنَّ كتابَ القاضى بمنزلةِ الشَّهادةِ على الشَّهادةِ عندَ المكتوبِ إليه، وإذا شَهِد شاهِدان عندَ قاضٍ، لم يَحْكُمْ بشَهادَتِهما غيرُه.
ولَنا، أنَّ المُعَوَّلَ على شَهادةِ الشَّاهِدَيْن بحُكْمِ الأوَّلِ 2، أو ثُبُوتِ الشَّهادةِ عندَه، وقد شَهِدا عندَ الثانى، فوَجَبَ أن يقْبَلَ كالأوَّلِ.
وقولُهم: إنَّها شَهادَة عندَ الذى مات.
ليس بصحيحٍ؛ فإنَّ الحاكمَ الكاتِبَ ليس بفَرْعٍ، [ولو كان فرعًا، لم يُقْبَلْ وَحْدَه، وإنَّما الفَرْعُ الشَّاهِدان اللَّذان شَهِدا عليه] 3، وقد أدَّيا الشَّهادةَ عندَ المجددِ 4، ولو ضاع الكِتابُ، فشَهِدَا بذلك عندَ الحاكمِ المكتوبِ إليه،

فَصْلٌ: وَإذَا حَكَمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ إلَى الحَاكِمِ  قَبِلَ، فدَلَّ 1 ذلك على أنَّ الاعْتِبارَ بشَهادَتِهما دُونَ الكتابِ.
وقياسُ ما ذَكَرْنا، أنَّ الشاهِدَيْن إذا حَمَلا الكتابَ إلى غيرِ المكتوبِ إليه في حالِ حَياتِه، وشَهِدا عندَه، عَمِل به؛ لِما بَيَّنَّاه.
فإن كان المكْتوبُ إليه خليفةً للكاتبِ، فمات الكاتِبُ أو عُزِل، انْعَزَلَ المكتوبُ إليه؛ لأنَّه نائبٌ عنه، فيُعْزَلُ بعَزْلِه ومَوْتِه، كَوُكَلائِه.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعىِّ: لا يَنْعَزِلُ خليفتُه، كما لا يَنْعَزِلُ القاضي الأصْلى بموتِ الإِمامَ ولا عَزْلِه.
ولَنا، ما ذَكَرْناه، ويُفارِقُ الإِمامَ؛ لأنَّ الإِمامَ يَعْقِدُ القَضاءَ والإِمارةَ للمسلمين، فلم يَبْطُلْ ما عَقَدَه لغيرِه، كوِلَايةِ النِّكاحِ، [فإنَّه إذا] 2 مات الولِىُّ، لم يَبْطُل النِّكاحُ، بخِلافِ نائبِ الحكمِ، فإنَّه تَنْعَقِدُ وِلايتُه لنفسِه نائِبًا عنه، فيَمْلِكُ عَزْلَه، ولأنَّ القاضىَ لو انْعَزَلَ بموتِ الإِمامِ، لدَخَلَ الضَّرَرُ على المسلمين؛ لأنَّه يُفْضِى إلى عَزْل 3 القُضاةِ في جميعِ بلادِ الإِسْلامِ، وتَتَعَطَّلُ الأحْكامُ.
فإذا ثَبَت أنَّه يَنْعَزِلُ، فليس له قَبولُ الكتابِ؛ لأنَّه حِينَئِذٍ ليس بقاضٍ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وإذا حَكَم عليه، فقال له: اكْتُبْ

الْكَاتِبِ أَنَّكَ حَكَمْتَ عَلَيَّ، حَتَّى لَا يَحْكُمَ عَلَيَّ ثَانِيًا.
لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ مَحْضَرًا بِالْقَضِيَّةِ.
وَكُلُّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ عِنْدَ حَاكِمٍ حَقٌّ، أَوْ ثَبَتَتْ بَرَاءَتُهُ، مِثْلَ أَنْ أَنْكَرَ وَحَلَّفَهُ الحَاكِمُ، فَسَأَلَ الحَاكِمَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا  إلى الحاكمِ الكاتِبِ أنَّك حَكَمْتَ علىَّ، حتَّى لا يَحْكُمَ علىَّ ثانِيًا.
لم يَلْزَمْه ذلك، ولكنَّه يَكْتُبُ له مَحْضَرًا بالقَضِيَّةِ) لأنَّ المحْكُومَ عليه إذا اسْتُوفِىَ الحقُّ منه، فقال للحاكمِ: اكْتُبْ لى مَحْضَرًا بما جَرَى؛ لئلَّا يَلْقانِى خَصْمِى في مَوْضِعٍ آخَرَ، فيُطالِبَنِى ثانِيًا.
ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَلْزَمُه إجابَتُه؛ ليَتَخَلَّصَ مِن المحْذُورِ الَّذي يَخافُه.
والثانى، لا تَلْزَمُه؛ لأنَّ الحاكمَ إنَّما يَكْتُبُ بما ثَبَت عندَه، أو حَكَم به، فأمَّا اسْتِئنافُ ابْتِداءٍ، فيَكْفِى فيه الإشْهادُ، فيُطالِبُه أن يَشْهَدَ على نفسِه بقَبْضِ الحقِّ، لأنَّ الحقَّ ثَبَت عليه بالبينةِ (1).

4935 -

مسألة: (وَكُلُّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ عِنْدَ حَاكِمٍ حَقٌّ، أَوْ ثَبَتَتْ بَرَاءَتُهُ، مِثْلَ أَنْ أَنْكَرَ وَحَلَّفَهُ الحَاكِمُ، فَسَأَلَ الحَاكِمَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا

1

بِمَا جَرَى، لِيُثْبِتَ حَقَّهُ أَوْ بَرَاءَتَهُ، لَزِمَهُ إجَابَتُهُ.
بما جَرَى، لِيُثْبِتَ حَقَّه أو بَراءَتَه، لَزِمَتْه إجابَتُه) أمَّا إذا ثَبَت له حَقٌّ بإقْرارٍ، فسَأله المُقَرُّ له أن يُشْهِدَ على نَفْسِه شاهِدَيْن، لَزِمَه ذلك؛ لأنَّ الحاكمَ لا يحْكمُ بعِلْمِه، فرُبَّما جَحَد المُقِرُّ، فلا يُمْكِنُه الحكمُ عليه، ولو قُلْنا: يَحْكمُ بعِلْمِه.
احْتَمَلَ أن يَنْسَى، فإنَّ الانسانَ عُرْضَةُ النِّسيانِ، فلا يُمْكِنُه الحكمُ بإقرارِه.
وإنْ ثبتَ عندَه 1 حَقُّ بنُكُولِ المُدَّعَى عليه، أو بيمينِ المُدَّعِى بعد النُّكُولِ، فسَألَه المُدَّعِى أن يُشْهِدَ على نفسِه، لَزِمَه ذلك؛ لأنَّه لا حُجَّةَ للمُدَّعِى سِوَى 2 الإِشْهادِ فأمَّا إن ثَبَت عندَه بِبَيِّنَةٍ [فسأله الإِشْهادَ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ [بالحَقِّ] 3 بينةً] 4، فلا يَجِبُ جَعْلُ بِبَيِّنَةٍ أُخرَى.
والثاني، يجبُ؛ لأنَّ في الإشْهادِ

..................................  فائدةٌ جديدةٌ، وهو إثْباتُ تَعْديلِ بَيِّنَتِهِ، وإلْزامُ خَصْمِه.
وإن حَلَف المُنْكِرُ، وسألَ الحاكمَ الإِشْهادَ على بَراءَتِه، لَزِمَه؛ ليكونَ حُجَّةٌ له في سُقُوطِ المُطالَبَةِ مَرَّةً أُخرَى.
وفى جميعِ ذلك، إذا سألَه أن يَكْتُبَ له مَحْضَرًا بما جَرَى، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُه ذلك؛ لأنَّه وَثِيقَةٌ له، فهو كالإِشْهادِ؛ لأنَّ الشَّاهِدَيْن رُبَّما نَسِيا الشَّهادةَ، أو نَسِيا الخَصْمَيْنِ، فلا يُذَكِّرُهما إلَّا رُؤْيَةُ خَطِّهما.
والثانى، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ الإشْهادَ رُبَّما 1 يَكْفِيه.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الشُّهودَ تَكثُرُ عليهم الشَّهاداتُ، ويَطُولُ عليهم الأمَدُ، فالظاهِرُ أنَّهما لا يَتَحَقَّقان الشَّهادةَ تَحَقُّقًا يَحْصُلُ به أداؤُها، فلا يُفِيدُ 2 إلَّا بالكتابِ.

وَإنْ سَأَلَ مَنْ ثَبَتَ مَحْضَرُهُ عِنْدَ الحَاكِمِ، أَنْ يُسَجِّلَ بِهِ، فَعَلَ ذَلِكَ، وَجَعَلَهُ نُسْخَتَيْنِ؛ نُسْخَةً يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ، وَالأُخْرَى يَحْبِسُهَا عِنْدَهُ، وَالْوَرَقُ مِنْ بَيْتِ المَالِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ، فَمِنْ مَالِ المَكْتُوبِ لَهُ.
وَصِفَةُ المَحْضَرِ: بِسْمِ الله اِلرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،

4936 - مسألة: (وَإنْ سَأَلَ مَنْ ثَبَتَ مَحْضَرُهُ عِنْدَ الحَاكِمِ، أَنْ يُسَجِّلَ بِهِ، فَعَلَ ذَلِكَ، وَجَعَلَهُ نُسْخَتَيْنِ؛ نُسْخَةً يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ، ونُسْخَةً يَحْبِسُهَا عِنْدَهُ، وَالْوَرَقُ مِنْ بَيْتِ المَالِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ، فَمِنْ مَالِ المَكْتُوبِ لَهُ)

يَنْبَغِى أن يُجْعَلَ مِن بيتِ المالِ شيءٌ برَسْمِ الكاغَدِ الَّذي يُكْتَبُ فيه المَحاضِرُ والسِّجِلَّاتُ؛ لأنَّه مِن المصالِحِ، فإنَّه يُحْفَظُ به الوَثائِقُ، ويُذَكِّرُ الحاكمَ حُكْمَه، والشّاهِدَ شَهادَتَه، ويُرْجَعُ بالدَّرَكِ على مَن يَرْجِعُ عليه.
فإن أعْوَزَ ذلك، لم يَلْزَمِ الحاكمَ ذلك، ويقولُ لصاحِبِ الحقِّ: إن شِئْتَ جئتَ بكاغَدٍ، أكْتُبُ لكَ فيه، فإنَّه حُجَّة لكَ، ولستُ أُكْرِهُكَ عليه.
فإنِ اخْتارَ أن يَكْتُبَ له مَحْضَرًا (فصفتُه: بِسْمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ،

حَضَرَ [335 و] القَاضِىَ فُلَانَ بْنَ فُلانٍ الفُلَانِىَّ، قَاضِىَ عَبْدِ اللهِ الإِمَامِ، عَلَى كَذَا وَكَذَا.
وَإِنْ كَانَ نَائِبًا، كَتَبَ: خَلِيفَةُ القَاضِى فُلانٍ، قَاضِى عَبْدِ اللهِ الإِمَامِ، في مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ، بِمَوْضِعِ كَذَا، مُدَّعٍ، ذَكَرَ أنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَأحْضَرَ مَعَهُ مُدَّعَى عَلَيْهِ، ذَكَرَ أنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، فَادَّعَى عَلَيْهِ كَذَا، فَأقَرَّ لَهُ،  حضرَ القاضىَ فُلانَ بنَ فُلانٍ، قاضىَ.
عبدِ اللهِ الإِمامِ) فلانٍ (على كذا وكذا.
وإن كان خليفةَ القاضي، قال: خليفةُ القاضي فُلانِ) بنِ فُلانٍ الفلانِيِّ 1 (قاضى الإِمامِ بِمجْلِسِ حُكْمِه وقَضائِه بكذا) فإن كان يَعْرِفُ المُدَّعِىَ والمُدَّعَى عليه بَأسْمائِهما وأنْسابِهما، قال: فلانُ بنُ فلانٍ الفلانِىُّ، حَضَر معه فُلانُ بنُ فُلانٍ الفُلانِىُّ.
ويَرْفَعُ في 2 نَسَبِهما [حتَّى يَتَمَيَّزَ، ويُسْتَحَبُّ ذكْرُ حِلْيتِهما، وإن أخَلَّ به، جاز؛ لأنَّ ذكْرَ نَسَبِهما إذا رَفَع فيه، أَغْنَى عن ذكرِ الحِلْيَةِ.
وإن كان الحاكمُ لا يَعْرَفُ الخَصْمَيْن، قال: (مُدَّعٍ، ذَكَر أنَّه فُلانُ بنُ فلانٍ) الفلانيُّ (وأحْضرَ معه مُدَّعًى عليه، ذَكَر أنَّه فُلانُ بنُ فلانٍ) الفلانيُّ، ويَرْفَعُ في نَسَبِهما] 3 ويَذْكُرُ حِلْيَتَهما؛، لأنَّ الاعْتِمادَ عليها، فرُبَّما اسْتعارَ النَّسَبَ (فادَّعَى عليه كذا) وكذا (فأقَرَّ له) ولا يَحْتاجُ أن يقولَ: بمَجْلِسِ حُكْمِه؛ لأنَّ

أو فَأَنْكَرَ، فَقَالَ القَاضِى لِلْمُدَّعِى: أَلَكَ بَيِّنَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
فَأَحْضَرَهَا، وَسَأَلَهُ سَمَاعَهَا، فَفَعَلَ، أَوْ فَأَنكَرَ، وَلَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَسَأَلَ إِحْلَافَهُ، فَأَحْلَفَهُ.
وَإنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ، ذَكَرَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِ بِنُكولِهِ.
وَإِن رَدَّ اليَمِينَ فحَلَّفَهُ، حَكَى ذَلِكَ.
الإِقْرارَ يَصِحُّ في غيرِ مَجْلِسِ الحُكْمِ.
وإن كَتَب أنَّه شَهِدَ على إقْرارِه شاهدان، كان آكَدَ.
ويَكْتُبُ الحاكمُ على رَأَسِ المَحْضَرِ: الحمدُ لله رِبِّ العالمين.
أو ما أحَبَّ.
فأمَّا إن أنْكَرَ المُدَّعَى عليه، وشَهِدَتْ عليه بَيِّنَةٌ؟ قال: فادَّعَى عليه كذا وكذا، فأنْكَرَ، فسئلَ الحاكمُ المُدَّعِىَ: ألكَ بَيِّنَةٌ؟ فأحْضَرَها، وسأل الحاكمَ سَماعَها ففَعَل، وسألَه أن يَكْتُبَ له مَحْضَرًا بما جَرَى، فأجابه إليه، وذلك في وَقْتِ كذا.
ويَحْتاجُ ههُنا أن يَذكُرَ مَجْلِسَ حُكْمِه وقَضائِه.
بخلافِ الإِقْرارِ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ لا تسْمَعُ إلَّا في مَجْلِسِ الحُكْمِ، والإِقْرارُ بخِلافِه.
ويكْتُبُ الحاكمُ 1 في آخِرِ المَحْضَرِ: شَهِدا عندِى بذلك.
ويَكْتُبُ علامتَه في رَأَسِ المَحْضَرِ، وإنِ اقْتَصَرَ على ذلك دُونَ المَحْضَرِ، جازَ.
[فأمّا إن لم يكنْ للمُدَّعِى بَينةٌ، فاسْتَحْلَفَ المُنْكِرَ، ثم سأل المُنْكِرُ الحاكمَ مَحْضَرًا] 2 لِئلَّا يُحْلَفَ ثانيًا،

وَسَأَلهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى، فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ، في يَوْمِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا.
وَيُعْلِمُ فِي الإِقْرَارِ وَالإِحْلَافِ: جَرَى الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ.
وَفِى الْبَيِّنَةِ: شَهِدَ عِنْدِى بذَلِكَ.
وَأمَّا السِّجِلُّ، فَهُوَ لانْفَاذِ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، وَالْحُكْمِ بِهِ.
كَتَب له مثلَ ما تَقَدَّمَ، إلَّا أنَّه يقولُ (1): فأنْكَرَ، فسألَ الحاكمُ المُدَّعِىَ: ألك بينةٌ؟ قال: لا.
قال: فلكَ يمينُه (وسألَ إحْلافَه، فأحْلَفَه) في مَجْلِسِ حُكْمِه وقَضائِه، في وَقْتِ كذا وكذا.
ولابُدَّ مِن ذِكْرِ تَحْلِيفِه؛ لأنَّ الاسْتِحْلاف لا يكونُ إلَّا بمَجْلِسِ الحُكْمِ، ويُعْلَمُ في أوَّلِه خاصَّةً (ويُعْلِمُ في الإِقْرارِ والإِحْلافِ) على رَأْسِ المَحْضَرِ: (جَرَى الأمْرُ على ذلك) فإن نَكَل المُدَّعَى عليه عن اليمينِ، قال: فعُرِضَ اليمينُ على المُدَّعَى عليه، فنَكَل عنها، فسأل خَصْمُه الحاكمَ أن يَقْضِىَ عليه بالحقِّ في وقتِ كذا.
وإن رَدَّ اليمينَ على المُدَّعِى، فحلَفَ وحكمَ له بذلك، ذَكَره.
ويُعْلِمُ في آخِره، ويَذْكُرُ أنَّ ذلك في [مَجْلِسِ حُكْمِه] (2) وقَضائِه.
وهذه صِفَةُ المَحْضَرِ.

4937 -

مسألة: (وأمَّا السِّجِلُّ، فهو لإِنْفاذِ ما ثَبَت عندَه،

12

وَصِفَتُهُ أَنْ يَكْتُبَ: هَذَا مَا أَشْهَدَ عَلَيْه القَاضِى فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ - وَيَذْكُرُ مَا تَقَدَّمَ - مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الشُّهُودِ، [335 ظ] أَشْهَدَهُمْ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَقَدْ عَرَفَهُمَا بِمَا رَأى مَعَهُ قَبُولَ شَهَادَتِهِمَا، بِمَحْضَر مِنْ خَصْمَيْنِ.
ويَذْكُرُهُمَا إِنْ كَانَا مَعْرُوفَيْنِ، وَإلَّا قَالَ: مُدَّع وَمُدَّعًى عَلَيْهِ، جَازَ حُضُورُهُمَا، وَسَمَاعُ الدَّعْوَى مِنْ أحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ، مَعْرِفَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ.
وَيَذْكُرُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، وَإقْرَارَهُ طَوْعًا في صِحَّةٍ مِنْهُ، وَسَلَامَةٍ، وَجَوَازِ أمْرٍ بِجَمِيعِ مَا سُمَىَ وَوُصِفَ بِهِ، في كِتَابٍ نسَخْتُهُ.
وَيَنْسَخُ الْكِتَابَ المُثْبَتَ،  والحُكْمِ به، وصفتُه أن يَكْتُبَ): بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ (هذا ما أشْهَدَ عليه القاضي فُلانُ بنُ فُلانٍ - ويَذْكُرُ ما تقَدَّمَ) في أوَّلِ المَحْضَرِ (مَن حَضَرَه مِن الشُّهودِ أشْهَدَهم أنَّه ثَبَت عندَه بشَهادةِ فُلانٍ وفلانٍ، وقد عَرَفَهما بما رَأْى معه قَبولَ شَهادَتِهما، بمَحْضَرٍ مِن خَصْمَيْن.
ويَذْكُرُهما إن كانا مَعْرُوفَيْن، وإلَّا قال: مُدَّعٍ ومُدَّعًى عليه، جاز حُضُورُهما، وسماعُ الدَّعْوى مِن أحدِهما على الآخرِ، معرفةُ فلانِ بنِ فُلانٍ.
ويَذْكُرُ المشهودَ عليه، وإقْرارَه طَوْعًا في صِحَّةٍ منه، وجوازِ أمرٍ، بجميعِ ما سُمِّىَ ووُصف به، في كتابٍ نَسَخْتُه.
ويَنْسَخُ الكتابَ المُثْبَتَ،

أَوِ الْمَحْضَرَ جَمِيعَهُ، حَرْفًا بِحَرْفٍ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ قال: وَإنَّ القَاضِىَ أَمْضَاهُ، وَحَكَمَ بِهِ عَلَى مَا هُوَ الوَاجِبُ عَلَيْهِ في مِثْلِهِ، بَعْدَ أَنْ سَأَلَهُ ذَلِكَ وَالإِشْهَادَ بِهِ، الْخَصْمُ المُدَّعِى - وَيَذْكُرُ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ - وَلَمْ يَدْفَعْهُ الْخَصْمُ الحَاضِرُ مَعَهُ بِحُجَّةٍ، وَجَعَلَ كُلَّ ذِى حجَّةٍ عَلَى حجَّتِهِ، وَأَشْهَدَ القَاضِى فُلَانٌ عَلَى إِنْفَاذِهِ وَحُكْمِهِ وَإمْضَائِهِ، مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الشُّهُودِ في مَجْلِسِ حُكْمِهِ، في الْيَوْمِ المُؤَرَّخِ في أعْلَاهُ، وَأَمَرَ بِكَتْبِ.
هَذَا السِّجلِّ نُسْختَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ.
يُخَلِّدُ نُسْخَةً مِنْهُمَا دِيوانَ الْحُكْمِ، وَيَدْفَعُ الأُخْرَى إِلَى مَنْ كَتَبَهَا لَهُ، وَكُلُّ  أو المَحْضَرَ جميعَه، حَرْفًا بحَرْفٍ، فإذا فَرَغ منه قال: وإنَّ القاضىَ أمْضاهُ، وحَكَم به على ما هو الواجِبُ في مِثْلِه، بعدَ أن سأَلَه ذلك والإِشْهادَ به، الخَصْمُ المُدَّعِى - ويَذْكُرُ اسْمَه ونَسَبَه - ولم يَدْفَعْه الخَصْمُ الحاضِرُ بحُجَّةٍ، وجَعَل كُلَّ ذِى حُجَّةٍ على حُجَّتِه، وأشْهَدَ القاضي فُلانٌ على إنفاذِه وحُكْمِه وإمضائِه، مَن حَضَرَه مِن الشُّهودِ في مَجْلِسِ حُكْمِه، في اليومِ المُؤَرَّخِ في أعْلاه، وأمَرَ بكَتْبِ هذا السِّجِلِّ نُسْخَتَيْن مُتَساوِيَتَيْن.
يُخَلِّدُ نُسْخةً منهما دِيوانَ الحُكْمِ، والأُخْرَى يَدْفَعُها إلى مَن كَتَبَها له، وكلُّ

وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حُجَّةٌ وَوَثِيقَة فِيمَا أَنْفَذَهُ فِيهِمَا.
وَهَذَا يُذْكَرُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ.
وَلَوْ قَالَ: إِنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ مَا في كِتَابٍ نُسْخَتُه كَذَا.
وَلَمْ يَذْكُرْ: بِمَحْضَرٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ، سَاغَ ذَلِكَ؛ لِجَوَازِ القَضَاءِ عَلَى الغَائِبِ.
وَمَا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ مِنَ الْمَحَاضِرِ والسِّجِلَّاتِ في كُلِّ أُسْبُوعٍ، أَوْ شَهْرٍ، عَلَى قِلَّتِهَا وَكَثْرتِهَا، يَضُمُّ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَيَكْتُبُ عَلَيْهَا: مَحَاضِرُ وَقْتِ كَذَا، في سَنَةِ كَذَا.
واحدَةٍ منهما حُجَّةٌ ووثيقةٌ فيما أنْفَذَه منهما.
وهذا يُذْكَرُ ليَخْرُجَ مِن الخِلافِ.
ولو قال: إنَّه ثَبَت عندَه بشَهادةِ فُلانٍ وفُلانٍ ما في كتابٍ نُسْخَتُه كذا.
ولم يَذْكُرِ) والمُدَّعَى عليه، جازَ، و (ساغ ذلك؛ لجَوازِ القضاءِ على الغائِبِ.
وما يَجْتَمِعُ عندَه مِن المَحاضِرِ والسِّجِلَّاتِ في كلِّ أُسبوعٍ, أو شهرٍ، يَضُمُّ بعْضَها إلى بعْضٍ، ويَكْتُبُ عليها: مَحاضِرُ وقتِ كذا، في سَنةِ كذا).
فصلٌ فِى صِفَةِ الكِتابِ إلى القاضي: بِسْمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، سببٌ هذه المُكاتَبَةِ، أطال اللهُ بقَاءَ مَن يَصِلُ إليه مِن قُضاةِ المسلمين وحُكّامِهم، أنَّه ثَبَت عندِى في مَجْلِسِ حُكْمِى وقَضائِى، الَّذي أتَوَلَّاه بمكانِ كذا - وإن كان نائِبًا، قال: الَّذي أنُوبُ فيه عن القاضي فلانٍ - بمَحْضَرٍ مِن خَصْمَيْن، مُدَّعٍ، ومدَّعًى عليه، جاز

..................................  استِماعُ الدَّعْوَى منهما 1، وقَبولُ البينةِ مِن أحدِهما على الآخرِ، بشَهادَةِ فُلانٍ وفلانٍ، وهما مِن الشُّهودِ المُعَدَّلِين عندِى، عَرَفْتُهما، وقَبِلْتُ شَهادَتَهما، بما رَأيْتُ معه قَبولَها، مَعْرِفَةُ فُلانِ بنِ فلانٍ الفُلانِىِّ، بعينِه واسْمِه ونَسَبِه.
فإن كان في إثْباتِ أسْرِ أسيرٍ، قال: وإنَّ الفِرِنْجَ، خَذَلَهم اللهُ، أسَرُوه مِن مكانِ كذا، في وقتِ كذا، وحَمَلُوه إلى موضعِ 2 كذا، وهو مُقِيمٌ تحتَ حَوْطَتِهم، أبادَهم اللهُ، وإنَّه فقيرٌ مِن فقَراءِ المسلمين، ليس له شيءٌ مِن الدُّنيا، لا يَقْدِرُ على فَكاكِ نفسِه، ولا شيءٍ منه، وإَّنه مُسْتَحِقٌّ للصدَقَةِ، على ما يقْتَضِيه كِتابُ المَحْضَرِ المُشارُ إليه، المُتَّصِلُ أوَّلُه بآخرِ كِتالى، المُؤَرَّخُ بكذا.
وإن كان في إثْباتِ دَيْنٍ، قال: وإنَّه يَسْتَحِقُّ في ذِمَّةِ فُلانِ بنِ فُلانٍ الفُلانِىِّ - ويَرْفَعُ في نَسَبِه، ويَصِفُه بما يَتَمَيَّزُ به - مِن الدَّين كِذا وكذا، دَيْنًا عليه حالًّا، وحَقُّا واجِبًا لازِمًا، وإنَّه يَسْتَحِقُّ مُطالَبَتَه به 3 واسْتِيفاءَه منه.
وإن كان في إثْباتِ عَيْنٍ 4، كَتَب: وإنَّه مالكٌ لِما في يَدِ فُلانٍ مِن الشَّئِ الفُلانِىِّ - ويَصِفُه صِفَةً يَتَمَيَّزُ بها - مُسْتَحِقُّ لأخْذِه وتَسَلُّمِه، على ما يَقْتَضِيه كتابُ المَحْضَر المُتَّصِلُ بآخرِ كتابِى هذا (3)، المُؤَرَّخُ بتاريخِ كذا، وقَال الشًّاهِدان المَذْكُوران: إنَّهما بما شَهِدا به عالِمان، وله مُحَقِّقان، وإنَّهما لا يَعْلمان

..................................  خِلافَ ما شَهِدا به إلى حينَ أقاما الشَّهادةَ عندِى، فأمْضَيْتُ ما ثَبَت عندِى مِن ذلك، وحَكَمْتُ بمُوجِبه بسُؤالِ مَن جازَت مَسْألتُه، وسألَنى مَن جاز سُؤالُه، وسَوَّغَتِ الشَّريعةُ المُطَهَّرَةُ إجابتَه المُكاتَبةَ إلى القُضاةِ والحُكّامِ، فأجَبْتُه إلى مُلْتَمَسِه 1؛ لجوازِه شَرْعًا، وتَقَدَّمْتُ بهذا فكُتِبَ، وبإلْصاقِ المَحْضَرِ [المُشارِ إليه] 2 فأُلْصِقَ، فمَن وَقَف عليه منهم، وتأمَّلَ ما ذَكَرْتُه، وتصَفَّحَ ما سَطَّرْتُه 3، واعْتَمَد في إنْفاذِه والعملِ بمُوجِبِه ما يُوجبُه الشَّرْعُ المُطَهّرُ، أحْرَزَ مِن الأجْرِ أجْزَلَه، وكَتَب في مَجْلِسِ الحُكْمِ المَحْروسِ، مِن مكانِ كذا، في وقتِ كذا.
ولا يُشْتَرَطُ أن يَذْكُرَ القاضي اسْمَه في العُنوانِ، ولا ذِكْرُ المكتوبِ إليه في باطِنِه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا لم يَذْكُرِ اسْمَه، فلا يَقْبَلُه؛ لأنَّ الكتابَ ليس إليه، ولا يَكْفِى ذِكْرُ اسْمِه في العُنوانِ دُونَ باطِنِه؛ لأنَّ ذلك لم يَقَعْ على وَجْهِ المُخاطَبَةِ.
ولَنا، أنَّ المُعَوَّلَ فيه على شَهادةِ الشاهِدَيْن على الحاكمِ الكاتِبِ 4 بالحُكْمِ، وذلك 5 لا يَقْدَحُ، ولو ضاع الكتابُ أو 6 امْتَحَى، سُمِعَتْ شَهادَتُهما، وحُكِم بها.
واللهُ أعلمُ.

بَابُ القِسْمَةِ

وَقِسْمَةُ الأَمْلَاكِ جَائِزَةٌ.
وَهِىَ نَوْعَانِ؛ قِسْمَةُ تَرَاضٍ  بابُ القِسْمَةِ (وَقِسْمَةُ الأَمْلَاكِ جَائِزَةٌ) الأصْلُ في القِسمةِ قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ (1). وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى﴾ (2) الآية.
وقولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ» (3). وقَسَم النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - خَيْبَرَ (4)، وكان يَقْسِمُ الغَنائِمَ.
وأجْمَعَتِ الُأمَّةُ على جَوازِ القِسْمةِ، ولأنَّ بالنَّاسِ حاجَةً إلى القِسْمَةِ؛ ليَتَمَكَّنَ كلُّ واحدٍ مِن الشُّركاءِ مِن التَّصَرُّفِ على إيثارِه، ويَتَخَلَّصَ مِن سُوءِ (5) المُشارَكَةِ وكَثْرةِ الأيدِى.

4938 -

مسألة: (وَهِىَ نَوْعَانِ؛ قِسْمَةُ تَرَاضٍ

12345

وَهِىَ نَوْعَانِ؛ قِسْمَةُ تَرَاضٍ، وَهِىَ مَا فِيهَا ضَرَرٌ، أَوْ رَدُّ عِوَضٍ مِنْ أحَدِهِمَا؛ كَالدُّورِ الصِّغَارِ، وَالحَمَّامِ، والعَضَائِدِ المُتَلَاصِقَةِ اللَّاتِى لَا يُمْكِنُ قِسْمَةُ كُلِّ عَيْنٍ مُفْرَدَةٍ، والأرْضِ الَّتِى في بَعْضِهَا بِئْرٌ أَوْ بِنَاءٌ وَنَحْوُهُ، لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ بِالأَجْزَاءِ وَالتَّعْدِيلِ، إِذَا رَضُوا بِقِسْمَتِها أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ، جَازَ.
وَهَذِهِ جَارِيَةٌ مَجْرَى البَيْعِ، فِي أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا المُمْتَنِعُ مِنْهَا، وَلَا يَجُوزُ فِيهَا إلَّا مَا يَجُوزُ فِي البَيْعِ.
وهي ما فيها ضَرَرٌ، أو رَدُّ عِوَضٍ مِن أحدِهما؛ كالدُّورِ الصِّغارِ، والحَمّامِ، والعَضائِد 1 المُتَلاصقةِ اللاتى لا يُمْكِنُ قِسْمَةُ كلِّ عَيْنٍ مُنْفَرِدَةٍ، والأرْضِ التي في بعضِها بِئْرٌ أو بِناءٌ ونحْوُه، لا يُمْكِنُ قِسْمَتُه بالأجْزاءِ والتَّعْدِيلِ، إذا رَضُوا بقِسْمَتِها أعْيَانًا بالقِيمَةِ، جاز) لأنَّ الحَقَّ لهم، لا يَخْرُجُ عنهم، وقد رَضُوا بقِسْمَتِه (وهذه جارِيَةٌ مَجْرَى البَيْعِ، لا يُجْبَرُ عليها المُمْتَنِعُ منها، [ولا] 2 يَجُوزُ فيها إلَّا ما يَجُوزُ في البَيْعِ)

..................................  وجملةُ ذلك، أنَّ الشَّريكَيْن والشُّركاءَ في شيءٍ، رَبْعًا كان أو غيرَه - والرَّبْعُ هو العَقارُ مِن الدُّورِ ونحوِها - إذا طَلَبَا مِن الحاكمِ أن يَقسِمَه بينَهما، أجابَهما إليه وإن لم يَثْبُتْ عندَه مِلْكُهما.
وبهذا قال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان عَقارًا نَسَبُوه إلى ميراثٍ، لم يَقْسِمْه حتَّى يَثْبُتَ الموتُ والوَرَثَةُ؛ لأنَّ المِيراثَ باقٍ على حُكْمِ مِلْكِ الميِّتِ، فلا يَقْسِمُه احْتِياطًا للمَيِّتِ، وماعَدا العَقارَ يَقْسِمُه وإن كانَ مِيراثًا؛ لأنَّه يَثْوِى ويَهْلِكُ، وقِسْمَتُه تَحْفَظُه، وكذلك العقارُ الَّذي لا يُنْسَبُ إلى الميراثِ.
وظاهِرُ قولِ الشافعىِّ، أنَّه لا يُقْسَمُ، عقارًا كان أو غيرَه، ما لم يَثْبُتْ مِلْكُهما؛ لأنَّ قَسْمَه بقولِهم لو رُفِع 1 بعدَ ذلك إلى حاكمٍ آخرَ سَهُل 2 أن يَجْعَلَه حُكْمًا لهم، ولعلَّه أن يكونَ لغيرِهم.
ولَنا، أنَّ اليَدَ تَدُلُّ على الملكِ، ولا مُنازِعَ لهم، فيَثْبُتُ لهم من طريقِ الظاهرِ، ولهذا يجوزُ لهم التَّصَرُّفُ فيه، ويجوزُ شِراؤُه منهم، واتِّهابُه، واسْتِئْجارُه.
وما ذَكَرَه الشافعىُّ يَنْدَفِعُ إذا أثْبَتَ في القضيةِ 3: إنِّى قَسَمْتُه بينَهم بإقْرارِهم، لا

..................................  عن بَيَّنةٍ شَهِدَتْ لهم أنَّه مِلْكُهم، وكلُّ ذى حُجَّةٍ على حُجَّتِه.
وما ذَكَرَه أبو حنيفةَ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الظّاهِرَ تَمَلُّكُهم، ولا حَقَّ للمَيِّتِ فيه، إلَّا أن يكونَ عليه دَيْنٌ، وما ظَهَر، والأصْلُ عَدَمُه، ولهذا اكْتَفَيْنا به في غيرِ العَقارِ، وفيما لم يَنْسِبُوه إلى الميراثِ.

4939 -

مسألة: (وهذه)

القِسْمَةُ (جَارِيَةٌ مَجْرَى البَيْعِ) لِما فيها مِن الرَّدُّ، وبهذا تَصِيرُ بَيْعًا؛ لأنَّ صاحبَ الرَّدِّ بَذل المالَ عِوَضًا عمّا

وَالضَّرَرُ المَانِعُ مِنَ الْقِسْمَةِ، هُوَ نَقْصُ القِيمَةِ  حَصَل له مِن حقِّ شَرِيكِه، وهذا هو البيعُ.
ولا يُجْبَرُ عليها المُمْتَنِعُ منها؛ لِما رَوَى مالكٌ، في «مُوَطَّئِه» عن عمرِو (1) بنِ يحيى المازِنِىِّ، عن أبيه، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ (2)».
ولأنَّه لا يُجْبَرُ على بَيْعِ مِلْكِه، فلا يُجْبَرُ على قِسْمَتِه؛ لأنَّها بَيْعٌ، ولايجوزُ فيها إلَّا ما يجوزُ في البَيْعِ كذلك.
فصل: وهل تَلْزَمُ قِسْمةُ التَّراضِى بالقُرْعَةِ إذا قَسَمَها الحاكمُ، أو رَضِيا بقاسِم يَقْسِمُ بينَهم؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَلْزَمُ، كقِسْمَةِ الإِجْبارِ؛ ولأنَّ (3) القاسِمَ كالحاكمِ، وقُرْعَتَه كحُكْمِه.
والثاني، لا تَلْزَمُ؛ [لأنَّها بَيْعٌ] (4)، والبَيْعُ لا يَلْزَمُ إلَّا بالتَّراضِى، لا بالقُرْعَةِ، وإنَّما القُرْعَةُ فيه لتَعْريفِ البائِع مِن المشْتَرِى.
فأمَّا إن تَراضَيا على أنْ يَأْخُذَ كلُّ واحدٍ منهما مِن السَّهْمَيْن بغيرِ قُرْعَةٍ، فإنَّه يجوزُ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما، وكذلك لو خَيَّرَ أحدُهما صاحِبَه فاخْتارَ، ويَلْزَمُ ههُنا.
بالتَّراضِى والتَّفَرُّقِ، كما يَلْزَمُ البيعُ.

4940 -

مسألة: (والضَّرَرُ المانِعُ مِن القِسْمَةِ، هو نَقْصُ القِيمَةِ

1234

بِالْقَسْمِ، في ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
أَوْ لَا يَنْتَفِعَانِ بِهِ مَقْسُومًا، فِي ظَاهِرِ كَلَامَ الخِرَقِىِّ.
بالقَسْمِ، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ.
أو لا يَنْتَفِعان به مَقْسُومًا، في ظاهِرِ كَلامِ الخِرَقِىِّ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ في الضَّرَرِ المانِعِ مِن القِسْمَةِ، ففي قولِ الخِرَقِىِّ، هو ما لا يُمْكِنُ أحدَهما معه الانْتِفاعُ بنصيبِه مُفْرَدًا، فيما كان يَنْتَفِعُ به مع الشَّرِكَةِ، مثلَ أن تكونَ بينَهما دارٌ صغيرةٌ، إذا قُسِمَتْ أصاب كلُّ واحدٍ منهما مَوْضِعًا ضَيِّقًا لا يَنْتَفِعُ به.
ولو أمْكَنَ أن يَنْتَفِعَ به في شيءٍ غيرِ الدَّارِ، [ولا يُمْكِنُ أن يَنْتَفِعَ به دارًا] 1، لم يُجْبَرْ على القِسْمَةِ أيضًا؛ لأنَّه ضَرَرٌ يَجْرِى مَجْرَى الإِتْلافِ.
والرِّوايةُ الأُخْرَى، أنَّ المانِعَ مِن القِسْمَةِ هو أن تَنْقُصَ قِيمَة نصيبِ أحدِهما بالقِسْمَةِ عن حالِ الشركةِ،

فَإنْ كَانَ الضَّرَرُ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الآخَرِ، كَرَجُلَيْنِ لِأحَدِهِمَا الثُّلُثَانِ، وَلِلآخَرِ الثُّلُثُ، يَنْتَفِعُ صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ  وسَواءٌ انْتَفَعُوا به مَقْسُومًا أو لم يَنْتَفِعُوا.
قال القاضي: هذا ظاهرُ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّه قال في رِوايَةِ المَيْمُونِىِّ: إذا قال بعضُهم: يَقْسِمُ.
وقال (1) بعضُهم: لا يَقْسِمُ.
فإن كان فيه نُقْصانٌ عن (2) ثَمنِه، بِيعَ، وأُعْطِىَ الثَّمَنَ.
فاعْتَبَرَ نُقْصانَ الثَّمَنِ.
وهذا ظاهِرُ (3) كلامِ الشافعىِّ؛ لأنَّ نَقْصَ قِيمتِه ضَرَرٌ، والضَّرَرُ مَنْفِىٌّ شَرْعًا.
وقال مالكٌ: يُجْبَرُ المُمْتَنِعُ وإن اسْتَضَرَّ، قياسًا على ما لا ضَرَرَ فيه.
ولا يَصِحُّ؛ لقولِه عليه السلامُ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ (4)».
مِن «المُسْنَدِ».
ولأنَّ في قِسْمَتِه ضَرَرًا، فلم يُجْبَرْ عليه، كقِسْمَةِ الجَوهَرَةِ بكَسْرِها، ولأنَّ في قِسْمَتِه إضاعَةَ المالِ، وقد نَهَى النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - عن إضَاعةِ المالِ (5). ولا يَصِحُّ القِياسُ على ما لاضَرَرَ فيه؛ لِما بينَهما مِن الفَرْقِ.

4941 -

مسألة: (فَإنْ كَانَ الضَّرَرُ عَلَى أحَدِهِمَا دُونَ الآخَرِ، كَرَجُلَيْنِ لِأحَدِهِمَا الثُّلُثَانِ، وَلِلآخَرِ الثُّلُثُ، يَنْتَفِعُ صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ

12345

بِقَسْمِهَا، وَيَتَضَرَّرُ الآخَرُ، فَطَلَبَ مَنْ لا يَتَضَرَّرُ الْقَسْمَ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ الْآخَرُ، وَإِنْ طَلَبَهُ الْآخَرُ، أُجْبِرَ الأوَّلُ.
وَقَالَ القَاضِى: إنْ طَلَبَهُ الْأَوَّلُ أُجْبِرَ الْآخَرُ، وَإِنْ طَلَبَهُ المَضْرُورُ لَمْ يُجْبَرِ الْآخَرُ.
بِقَسْمِهَا، وَيَتَضَرَّرُ الآخَرُ، فَطَلَبَ مَنْ لا يَتَضَرَّرُ الْقَسْمَ، لَمْ يُجْبَرْ الْآخَرُ عَلَيْهِ، وَإِنْ طَلَبَهُ الْآخَرُ، أُجْبِرَ الأوَّلُ.
وَقَالَ القَاضِى: إنْ طَلَبَهُ الْأَوَّلُ أُجْبِرَ الْآخَرُ، وَإن طَلَبَهُ المَضْرُورُ لَمْ يُجْبَرِ الْآخَرُ) أمَّا إذا طَلَب القِسْمَةَ مَن لا يَتَضَرَّرُ، لم يُجْبَرِ الآخَرُ.
ذَكَرَه أبو الخطَّابِ.
وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ في رِوايَةِ حَنْبَلٍ، قال: كلُّ قِسْمَةٍ فيها ضَرَرٌ، لا أرَى قَسْمَها.
وهذا قولُ ابنِ أبى لَيْلَى.
وأبى ثَوْرٍ.
وقال القاضي: يُجْبَرُ الآخَرُ عليها.
وهو قولُ الشافعىِّ، وأهلِ العراقِ؛ لأنَّه طَلَب إفْرادَ نصيبِه الَّذي لا يَسْتَضِرُّ بتَمْييزِه، فوَجَبَ إجابتُه إليه، كما لو كانا لا يَسْتَضِرّانِ بالقِسْمَةِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ 1». ولأنَّها قِسْمَةٌ يَضُرُّ بها = عن إضاعة المال....، من كتاب الاستقراض، وفى: باب من رد أمر السفيه....، من كتاب الخصومات، وفى: باب ما يكره من قيل وقال، من كتاب الرقاق.
صحيح البخاري 2/ 139، 3/ 157، 159، 8/ 124. ومسلم، في: باب النهى عن كثرة المسائل....، من كتاب الأقضية.
صحيح مسلم 3/ 1340، 1341. والدارمى، في: باب إن الله كره لكم قيل وقال، من كتاب الرقاق.
سنن الدارمي 2/ 311. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 250 - 251، 255.

..................................  صاحِبَه، فلم يُجْبَرْ عليها، كا لو اسْتَضَرَّا معًا، ولأنَّ فيه إضاعةَ المالِ، وقد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعَتِه، وإذا حَرُم عليه إضاعَةُ مالِه، فإضاعَةُ مالِ غيرِه أَوْلَى.
وقد رَوَى عَمْرُو بنُ جُمَيْعٍ 1، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لَا تَعْضِيةَ 2 عَلَى أهْلِ الميراثِ، إلَّا مَا حَصَلَ القَسْمُ».
قال أبو عُبَيْدٍ 3: هو أنْ يُخَلِّفَ شيئًا، إذا قُسِمَ كان فيه 4 ضَرَرٌ على بعضِهم، أو [عليهم جميعًا] 5. ولأنَّنا اتَّفَقْنا على أنَّ الضَّرَرَ مانِعٌ مِن القِسْمَةِ، وأنَّ الضَّرَرَ في حَقِّ أحدِهما مانِعٌ، فلا يجوزُ أن يكونَ المانِعُ هو ضررَ الطالبِ؛ لأنَّه مَرْضِىٌّ به من جِهَتِه، فلا يجوزُ كونُه مانِعًا، كما لو تَراضَيا عليها مع ضَرَرِهما أو ضرَرِ أحدِهما، فَتَعَيَّنَ الضَّرَرُ 6 المانِعُ في جِهَةِ المطْلوبِ، ولأنَّه ضَرَرٌ غيرُ مَرْضِيٍّ به مِن جِهَةِ صاحِبِه، فمَنَع القِسْمَةَ،

..................................  كما لو اسْتَضَرّا معًا.
وأمَّا إذا طَلَب القِسْمَةَ المُسْتضِرُّ بها، كصاحبِ الثُّلُثِ في المسألةِ المفْروضَةِ، أُجْبِرَ الآخَرُ عليها.
هذا مَذْهَبُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، لأنَّه طَلَب دَفْعَ ضَرَرِ الشَّرِكةِ عنه بأمرٍ لا ضررَ على صاحِبِه فيه، فأُجْبِرَ عليه، كما لا ضَرَرِ فيه.
يُحَقِّقُه أنَّ ضَرَرَ الطالِبِ مَرْضِىٌّ به مِن جِهَتِه، فسَقَطَ حُكْمُه، والآخرُ لا ضررَ عليه، فصارَتْ؛ لا ضَرَرَ فيه.
وذَكَر أصْحابُنا أنَّ المذهبَ، أنَّه لا يُجْبَرُ المُمْتَنِعُ عن القِسْمَةِ؛ لنَهْىِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعَةِ المالِ، ولأنَّ طَلَبَ القِسْمَةِ مِن المُسْتَضِرِّ سَفَهٌ، فلا تجِبُ إجابَتُه إلى السَّفَهِ.
قال الشَّرِيفُ: متى كان أحدُهما يَسْتَضِرُّ، [لم يُجَبْ إلى] 1 القِسْمَةِ.
وقال أبو حنيفةَ: متى كان أحدُهما يَنْتَفِعُ بها، وَجَبَت.
[وقال الشافعىُّ: إنِ انْتَفَعَ بها الطالِبُ، وَجَبَتْ] 2، وإنِ اسْتَضَرَّ بها الطالِبُ، فعلى وَجْهَيْن.
وقال مالكٌ: تجبُ على كلِّ حالٍ.

جارٍ التحميل