..................................
وليس له 1 الخَلْوَةُ بهما، والنَّظَرُ إليهما لذلك.
والكافِرُ ليس بمَحْرَمٍ للمُسْلِمَةِ، وإن كانَتِ ابْنَتَه.
قال الإِمامُ أحمدُ، في يَهُودِىٍّ أو نَصْرانِىٍّ أسْلَمَتِ ابْنَتُه: لا يُزَوِّجُها، ولا يُسافِرُ بها، ليس هو لها بمَحْرَمٍ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: هو مَحْرَمٌ لها؛ لأنَّها مُحَرَّمَةٌ عليه على التَّأْبِيدِ.
ولَنا، أنَّ إثْباتَ المَحْرَمِيَّةِ يَقْتَضِى الخَلْوَةَ بها، فوَجَبَ أن لا يَثْبُتَ لكافِرٍ على مُسْلِمَةٍ، كالحَضانَةِ للطِّفْلِ، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ عليها أن يفْتِنَها عن دِينِها كالطِّفْلِ.
وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالمُحَرَّمَةِ باللِّعانِ، وبالمَجُوسِىِّ مع ابْنَتِه، ولا يَنْبَغىِ أن يَكُونَ في المَجُوسِىِّ خِلافٌ؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ عليها، ويَعْتَقِدُ حِلَّها.
نَصَّ عليه أحمدُ في مَواضِعَ 2.
..................................
ويُشْتَرطُ في المَحْرَمِ أن يَكُونَ بالِغًا عاقِلًا.
قِيلَ لأحمدَ: فيَكُونُ الصَّبِىُّ مَحْرَمًا؟ قال: لا، حتى يَحْتَلِمَ؛ لأنَّه لا يَقُومُ بنَفْسِه، فكيفَ تَخْرُجُ معه امْرَأةٌ.
وذلك لأنَّ المقْصُودَ بالمحْرَمِ حِفْظُ المرأةِ، ولا يَحْصُلُ ذلك مِن غيرِ البالِغِ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى حِفْظٍ، فلا يَقْدِرُ على حِفْظِ غيرِه.
..................................
فصل: ونَفَقَةُ المَحْرَمِ في الحَجِّ عليها.
نَصَّ عليه أحمدُ، لأنَّه مِن سَبِيلِها، فكانَ عليها نَفَقَتُه، كالرّاحِلَةِ.
فعلى هذا يُعْتَبَرُ في اسْتِطاعَتِها أن تَمْلِكَ زادًا وراحِلَةً لها ولمَحْرَمِها.
فإنِ امْتَنَعَ مَحْرَمُها مِن الحَجِّ معها، مع بَذْلِها له نَفَقَتَه، فهى كمَن لا مَحْرَمَ لها.
وهل يَلْزَمُه إجابَتُها إلى ذلك؟
وَإِنْ مَاتَ الْمَحْرَمُ فِى الطَّرِيقِ، مَضَتْ فِى حَجِّهَا، وَلَمْ تَصِرْ.
مُحْصَرَةً.
على رِوايَتَيْن.
والصَّحِيحُ أنَّه لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ في الحَجِّ مَشَقَّةً شَدِيدَةً، وكُلْفَةً عَظِيمَةً، فلا يَلْزَمُ أحَدًا لأجْلِ غيرِه، كما لم يَلْزَمْه أن يَحُجَّ عنها إذا كانَتْ مَرِيضَةً.
1144 -
مسألة: (فإن مات المَحْرَمُ في الطَّرِيقِ، مَضَتْ في حَجِّها، ولم تَصِرْ مُحْصَرَةً)
إذا مات مَحْرَمُ المرأةِ في الطَّرِيقِ، فقالَ الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: إذا تَباعَدَت مَضَتْ، فقَضَتِ الحَجَّ.
[قيلَ له: قَدِمَت مِن خراسانَ، فمات وَلِيُّها ببَغْدادَ؟ فقالَ: تَمْضِى إلى الحَجِّ، وإذا كان الفَرض] 1 خاصَّةً، فهو آكَدُ.
ثم قال: بُدٌّ 2 لها مِن أن تَرجِعَ.
وهذا
وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَا نَذْرِهِ، وَلَا نَافِلَةٍ، فَإِنْ فَعَلَ، [62 و] انْصَرَفَ إِلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
وَعَنْهُ، يَقَعُ مَا نَوَاهُ.
لأنها (1) لا بُدَّ لها مِن السَّفَرِ بغيرِ مَحْرَمٍ، فمُضِيُّها إلى قَضاءِ حَجَّتِها (2) أوْلَى.
لكِنْ إن كان حَجُّها تَطَوُّعًا، وأمْكَنَها الإِقامَةُ ببَلَدٍ، فهو أوْلَى مِن السَّفَرِ بغيرِ مَحْرَمٍ.
وإن مات وهى قَرِيبَةٌ، رَجَعَتْ لِتَقْضِىَ العِدَّةَ في مَنْزِلِها؛ لأنَّها في حُكْمِ المُقيمِ.
1145 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ لمَن لم يَحُجَّ عن نَفْسِه أن يَحُجَّ عن غيرِه، ولا نَذْرِه، ولا نافِلَةٍ، فإن فَعَل، انْصَرَفَ إلى حَجَّةِ الإِسْلامِ. وعنه، يَقَعُ ما نَواه)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّه ليس لمَن لم يَحُجَّ حَجَّةَ الإِسْلامِ أن يَحُجَّ عن غيرِه، فإن فَعَل وَقَع إحْرامُه عن حَجَّةِ الإِسْلامِ.12
..................................
وبهذا قال الأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ.
وقال أبو بكرٍ 1 عبدُ العزيزِ: يَقَعُ الحَجُّ باطِلًا، ولا يَصِحُّ عنه ولا عن غيرِه.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ؛ لأنَّه لَمّا كان مِن شَرْطِ طَوافِ الزِّيارَةِ تَعْيِينُ النِّيَّةِ، فمتى نَواه لغيرِه، لم يَقَعْ لنَفْسِه، ولهذا لو طافَ حامِلًا لغيرِه، ولم يَنْوِه لنَفْسِه، لم يَقَعْ عن نَفْسِه.
وقال الحسنُ، وإبراهيمُ، وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ، وجَعْفَرُ ابنُ محمدٍ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ: يَجُوزُ أن يَحُجَّ عن غيرِه مَن لم يَحُجَّ عن نَفْسِه.
وعن أحمدَ مِثلُ ذلك.
وقال الثَّوْرِيُّ: إن كان يَقْدِرُ على الحَجِّ عن نَفْسِه حَجَّ عن نَفْسِه، وإن لم يَقْدِرْ حَجَّ عن غَيْرِه.
واحْتَجُّوا بأنَّ الحَجَّ مِمّا تَدْخُلُه النِّيابَةُ، فجاز أن يُؤَدِّيَه عن غيرِه مَن لم يُؤَدِّ فَرْضَه عن نَفْسِه، كالزكاةِ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، سَمِع رجلًا يَقُولُ:
..................................
لَبَّيْكَ عن شُبْرُمَةَ.
فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ شُبْرُمَةُ؟».
قال: قَريِبٌ لى.
قال: «هَلْ حَجَجْتَ قَطُّ؟».
قال: لا.
قال: «فَاجْعَلْ هذِهِ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ احْجُجْ عَنْ شُبْرُمَةَ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجه 1، وهذا لَفْظُه.
ولأنَّه حَجَّ عن غيرِه قبلَ أن يَحُجَّ عن نَفسِه، فلم يَقَعْ عن الغيرِ، كما لو كان صَبِيًّا.
ويُفارِقُ الزكاةَ، فإنَّه يَجُوزُ أن يَنُوبَ عن الغيرِ وقد بَقِىَ عليه بعضُها، وههُنا لا يَجُوزُ أن يَحُجَّ 2 عنِ الغيرِ مَن شَرَع في الحَجِّ قبلَ إتْمامِه، ولا يَطُوفَ [عن غيرِه مَن يَطُوفُ] 3 عن نَفْسِه.
..................................
فصل: فإن أحْرَمَ بالمَنْذُورَةِ مَن عليه حَجَّةُ الإِسْلامِ، وَقَع عن حَجَّةِ الإِسْلامِ؛ لأنَّها آكَدُ.
وعنه، يَقَعُ عن المَنْذُورَةِ؛ لقَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نوَى» 1. فإذا قُلْنا: يَقَعُ عن حَجَّةِ 2 الإِسْلامِ.
بَقِيَتِ المَنْذُورَةُ في ذِمَّتِه، ولم تَسْقُطْ عنه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهذا قولُ ابنِ عُمَرَ، وأنَسٍ، وعَطاءٍ؛ لأنَّها حَجَّةٌ واحِدَةٌ فلم تُجْزِئْ عن حَجَّتَيْن، كما لو نَذَر حَجَّتَيْن، فحَجَّ واحِدَةً.
وقد نَقَل أبو طالبٍ 3 عن أحمدَ، في مَن نَذَر أن يَحُجَّ وعليه حَجَّةٌ مَفْرُوضَةٌ، فأحْرَمَ عن النَّذْرِ: وَقَعَتْ عن المَفْرُوضَةِ، ولا يَجِبُ عليه شَئٌ آخَرُ.
وصار كمَن نَذَر صومَ يَوْمِ يَقْدَمُ زيدٌ 4، فقَدِمَ في يومٍ مِن رمضانَ، فنَواه عن فَرْضِه ونَذْرِه، فإنَّه يُجْزِئُه في رِوايَةٍ.
..................................
ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
وهذا قولُ ابنِ عباسٍ، وعِكْرِمَةَ.
رَواه سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ عنهما.
ورُوِىَ أنَّ عِكْرِمَةَ سُئِلَ عن ذلك، فقالَ: تَقْضِى حَجَّتُه عن نَذْرِه وعن حَجَّةِ الإِسْلامِ، أرَأيْتُم لو أنَّ رَجلًا نَذَر أن يُصَلِّىَ أرْبَعَ رَكَعاتٍ، فصَلَّى العَصْرَ، أليس ذلك يُجْزِئُه منهما؟ قال: وذَكَرْت ذلك لابنِ عباسٍ، فقالَ: أصَبْتَ - أو -: أحْسَنْتَ.
فصل: فإن أحْرَمَ بتَطَوُّعٍ أو نَذْرٍ مَن عليه حَجَّةُ الإِسْلامِ، وَقَع عن حَجَّةِ الإِسْلامِ.
وبه قال ابنُ عُمَرَ، وأنَسٌ، والشافعىُّ.
وقال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ: يَقَعُ ما نَواه.
وهى رِوايَةٌ عن أحمدَ، وقوِلُ أبى بكرٍ؛ لِما تَقَدَّمَ.
ولَنا، أَّنه أحْرَمَ بالحَجِّ وعليه فَرِيضَةٌ، فوَقَعَ عن فَرْضِه، كالمطْلَقِ.
ولو أحْرَمَ بتَطَوُّعٍ، وعليه مَنْذُورَةٌ، وقَعَتْ عن المَنْذُورَةِ؛ لأنَّها واجِبَةٌ، أشْبَهَتْ حَجَّةَ الإِسْلامِ.
..................................
والعْمْرَةُ كالحَجِّ فيما ذَكَرْنا؛ لأنَّها أحَدُ النُّسُكَيْن أشْبَهَتِ الآخَرَ، والنّائِبُ كالمَنُوبِ عنه في هذا، فمتى أحْرَمَ النّائِبُ بتَطَوُّعٍ أو نَذْرٍ عمّن لم يَحُجَّ حَجَّةَ الإِسْلامِ وَقَع عن حَجَّةِ الإِسْلامِ، [سَواءٌ حَجَّ عن مَيِّتٍ أو حَىٍّ؛ لأنَّ النّائِبَ يَجْرِى مَجْرَى المَنُوب عنه.
وإنِ اسْتَنابَ رَجُلَيْن في حَجَّةِ الإِسْلامِ، ومَنْذُورٍ أو تَطَوُّعٍ، فأَيُّهما سَبَق بالإِحْرامِ، وَقَعَتْ حَجَّتُه عن حَجَّةِ الإِسْلامِ] 1. [وَتقَعُ الأُخْرَى عن المَنْذُورِ، أو تَطَوُّعًا؛ لأنَّه لا يَقَعُ الإِحْرامُ عن غيرِ حَجَّةِ الإِسْلامِ مِمَّن هى عليه، فكذلك مِن نائِبه] 2.
فصل: وإذا كان الرجلُ قد أسْقَطَ فَرْضَ أحَدِ النُّسُكَيْن عنه، جاز أن يَنُوبَ عن غيرِه فيه دُونَ الآخَرِ.
وليس للصَّبِيِّ والعبدِ أن يَنُوبا في الحَجِّ عن غيرِهما؛ لأنَّهما لم يُسْقِطا عن أنفُسِهما، فهما كالحُرِّ البالغِ في ذلك.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لهما النِّيابَةَ في حَجِّ التَّطَوُّعِ دُونَ الفَرْضِ؛ لأنَّهُما مِن أهْلِ التَّطَوُّعِ دُونَ الفَرْضِ، ولا يُمْكِنُ أن تَقَعَ الحَجَّةُ التى نابا فيها عن فَرْضِهما 3، لكَوْنِهما ليسا مِن أهْلِه، فبَقِيَتْ لمن 4 فُعِلَتْ عنه.
وَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ أنْ يَسْتَنِيبَ فِى حَجِّ التَّطَوُّعِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
1146 - مسألة: (وهل يَجُوزُ لمَن يَقْدِرُ على الحَجِّ بنَفْسِه أن يَسْتَنِيبَ في حَجِّ التَّطَوُّعِ؟ على رِوايَتَيْنِ)
الاسْتِنَابَةُ في حَجِّ التَّطَوُّعِ تَنْقَسِمُ إلى ثَلاثَةِ أقْسَامٍ؛ أحَدُها، أن يَكُون ممَّن لم يُؤدِّ حَجَّةَ الإسْلامِ، فلا يَصِحُّ أن يَسْتَنِيبَ في حَجِّ التَّطَوُّعِ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ أن يَفْعَلَه بنَفْسِه، فبنائِبه أوْلَى.
الثّانِى، أن يَكُونَ ممَّن قد أدَّى حَجَّةَ الإِسْلامِ، وهو عاجِزٌ عن الحَجَّ بنَفْسِه، فيَجُوزُ أن يَسْتَنِيبَ في التَّطَوُّعِ، فإنَّ ما جازَتْ الاسْتِنابَةُ في فرْضِه، جازَتْ في نَفْلِه، كالصَّدَقَةِ.
الثّالِثُ، أن يَكُونَ قادِرًا على الحَجِّ، وقد أسْقَطَ فَرْضَه، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما 1، يَجُوزُ.
وهو قولُ أبِى حنيفةَ؛ لأنَّها حَجَّةٌ لا تَلْزَمُه بنَفْسِه، فجاز أن يَسْتَنِيبَ فيها،
..................................
كالمَعْضُوبِ.
والثّانِيَةُ، لا يَجُوزُ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه قادِرٌ على الحَجِّ بنَفْسِه، فلم يَجُزْ أن يَسْتَنِيبَ فيه، كالفَرْضِ.
فصل: فإن عَجَز عنه عَجْزًا مَرْجُوَّ الزَّوالِ، كالمَريضِ الذى يُرْجَى بُرْؤه، والمَحْبُوسِ، جاز أن يَستَنِيبَ فيه؛ لأنَّه حَجٌّ لا يَلْزَمُه، عَجَز عن فِعْلِه بنَفْسِه، فجاز له 1 أن يَسْتَنِيبَ فيه، كالشَّيْخِ الكَبِيرِ.
والفَرْقُ بينَه وبينَ الفَرْضِ، أنَّ الفَرْضَ عِبادَةُ العُمُرِ، فلا يَفُوتُ بتَأْخِيرِه عن هذا العام، والتَّطَوُّعَ مَشْرُوعٌ في كلِّ عامٍ، فيَفُوتُ حَجُّ هذا العامِ بتَأْخِيرِه، ولأنَّ حَجَّ الفَرْضِ إذا ماتَ قبلَ فِعْلِه فُعِلَ عنه بعدَ مَوْتِه، بخِلافِ التَّطَوُّعِ.
بَابُ الْمَوَاقِيتِ
وَمِيقَاتُ أهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِى الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ الْجُحْفَةُ، وَأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ، وَأهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وَأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ.
بابُ المَواقيتِ
1147 -
مسألة: (مِيقاتُ أهْلِ المَدِينَةِ مِن ذِى الحُلَيْفَةِ، وأهْلِ الشّامِ ومِصْرَ والمَغْرِبِ الجُحْفَةُ، وأهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمُ، وأهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وأهْلِ المَشْرِقِ ذاتُ عِرْقٍ)
للحَجِّ مِيقاتان؛ مِيقاتُ زمانٍ، ومِيقاتُ مَكانٍ؛ فأمّا مَواقِيتُ المَكانِ فهى الخَمْسَةُ المَذْكُورَةُ، وقد أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أرْبَعَةٍ منها، وهى: ذُو الحُلَيْفَةِ 1، والجُحْفَةُ 2، وقَرْنٌ 3، ويَلمْلَمُ 4، واتَّفَقَ أئِمَّةُ النَّقْلِ على صِحَّةِ الحديثِ عن النبىِّ
..................................
- صلى الله عليه وسلم - فيها، فرَوَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: وَقَّتَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لأهْلِ المَدِينَةِ ذا الحُلَيْفَةِ، ولأهْلِ الشّام الجُحْفَةَ، ولأهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، ولأهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ.
قال: «فهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أتَىِ عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أهلِهِنَّ، مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ مُهَلُّهُ منْ أهْلِهِ، وَكَذَلكَ أهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا».
وعن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِى الحُلَيْفَةِ، وأَهْلُ الشَّامِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ».
قالَ ابنُ عُمَرَ: وذُكِرَ لى ولم أسْمَعْه أنَّه قالَ: «وَأهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ».
مُتَّفَقٌ عليهما 1. وذاتُ عِرْقٍ 2
..................................
مِيقاتُ أهْلِ المَشْرقِ، في قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، منهم؛ مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 1: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ إحْرامَ العراقِىِّ مِن ذاتِ عِرْقٍ إحْرامٌ مِن المِيقاتِ.
وقد رُوِىَ عن أنَسٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه كان يُحْرِمُ مِن العَقِيقِ 2. واسْتَحْسَنَه الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وابنُ عبدِ البَرِّ.
وكان الحسنُ بنُ صالِحٍ يُحْرِمُ مِن الرَّبَذَةِ 3. ورُوِىَ ذلك عن خُصَيْفٍ 4، والقاسِمِ بن عبدِ الرحمنِ.
وروَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَّتَ لأهْلِ المشْرِقِ العَقِيقَ.
قال التِّرْمِذِىُّ 5: هو حديثٌ حسنٌ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 6: هو أوْلَى وأحْوَطُ مِن ذاتِ عِرْقٍ، وذاتُ عِرْقٍ مِيقاتُهم بإجْماعٍ.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مَن وَقَّتَ ذاتَ عِرْقٍ، فرَوَي أبو داودَ، والنَّسائِيُّ 7، وغيرُهما
..................................
بإسْنادِهم عن عائِشَةَ رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَّتَ لأهْلِ العِراقِ ذاتَ عِرْقٍ.
وعن أبِى الزُّبَيْرِ، أنَّه سَمِعَ جابِرًا سُئِل عن المُهَلِّ؟ فقالَ: سَمِعْتُه - أحْسَبُه رَفَع إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مُهَلُّ أهْلِ الْمَدِينَةِ مِن ذىِ الْحُلَيْفَةِ، وَالطَّرِيقُ الآخَرُ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، ومُهَلُّ أهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ».
رَواه مسلمٌ 1. وقال قومٌ آخَرُون: إنَّما وَقَّتَها عُمَرُ، رَضِىَ اللهُ عنه، فرَوَى البخاريُّ 2، بإسْنادِه، عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، قال: لَمّا فُتِحَ هذان المِصْرانِ، أَتَوْا عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، فقالُوا: يا أمِيرَ المُؤْمِنين، إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدَّ لأهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وهو جَوْرٌ 3 عن طرِيقِنا، وإنَّا إن أرَدْنا قَرْنًا شَقَّ علينا.
وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا، وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِمْ.
قال: انْظُرُوا حَذْوَها مِن طَرِيقِكُم.
فحَدَّ لهم ذاتَ عِرْقٍ.
ويَجُوزُ أن يَكُونَ عُمَرُ ومَن سَألَه لم يَعْلَمُوا تَوْقِيتَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ذاتَ عِرْقٍ، فقالَ ذلك برَأْيِه، فأصابَ ما وَقَّتَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان مُوَفَّقًا للصَّوابِ، رَضِىَ اللهُ عنه.
وإذا ثَبَت تَوْقِيتُها عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، وعن عُمَرَ، فالإِحْرامُ منه أوْلَى.
فصل: وإذا كان المِيقاتُ قَرْيَةً، فانْتَقَلَتْ إلى مَكانٍ آخَرَ، فمَوْضِعُ الإِحْرامِ مِن الأُولَى وإنِ انْتَقَلَ الاسْمُ إلى الثّانِيَةِ؛ لأنَّ الحُكْمَ تَعَلَّقَ بذلك المَوْضِعِ، فلا يَزُولُ بخَرابِه.
وِقد رَأى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ رجلًا يُريدُ أن يُحْرِمَ مِن ذاتِ عِرْقٍ، فأخَذَه حتى خرَج مِن البُيُوتِ، وَقَطَع الوادِىَ، فأَتَى به المَقابِرَ، فقال: هذه ذاتُ عِرْقٍ الأُولَى.
1148 -
مسألة: (فهذه المواقِيتُ لأهْلِها، ولمَن مَرَّ عليها مِن غيرِهم)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن سَلَكْ طَرِيقًا فيها مِيقاتٌ، فهو مِيقاتُه إن أرادَ الحَجَّ أو العُمْرَةَ، فإذا حَجَّ الشّامِىُّ مِن المَدِينَةِ فمَرَّ بذِى الحُلَيْفَةِ،
..................................
فهى مِيقاتُه، وإن حَجَّ مِن اليَمَنِ، فمِيقاتُه يَلَمْلَمُ، وإن حَجَّ مِن العِراقِ فمِيقاتُه ذاتُ عِرْقٍ.
وهكذا كلُّ مَن مَرَّ على مِيقاتٍ غيرِ مِيقاتِ بَلَدِه صار مِيقاتًا له.
سُئِلَ الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ تعالى، عن الشّامِىِّ يَمُرُّ بالمَدِينَةِ يُرِيدُ الحَجَّ، مِن أين يُهِلُّ؟ قال: مِن ذِى الحُلَيْفَةِ.
قِيلَ: فإنَّ بَعْضَ النّاسِ يَقُولُ 1: يُهِلُّ مِن مِيقاتِه، مِن الجُحْفَةِ.
فقالَ: سبحان اللهِ! أليس يَرْوِى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أهْلِهِنَّ» 2. وهذا قولُ الشافعىِّ، وإسْحاقَ.
وقال أبو ثَوْرٍ في الشّامِىِّ يُحْرِمُ بالمَدِينَةِ: له أن يُحْرِمَ مِن الجُحْفَةِ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْىِ.
وكانَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، إذا أرادَتِ الحَجَّ أحْرَمَتْ مِن ذِى الحُلَيْفَةِ، وإذا أرادَتِ العُمْرَةَ أحْرَمَتْ مِن الجُحْفَةِ 3. ولَعَلَّهُم يَحْتَجُّون بأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَّتَ لأهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ.
ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أهْلِهِنَّ».
ولأنَّه مِيقاتٌ، فلم يَجُزْ تَجاوُزُه بغيرِ إحْرام لمَن يُريدُ النُّسُكَ، كسائِرِ المَواقِيتِ.
وخَبَرُهم أُرِيدَ به مَن لم يَمُرَّ على مِيقاتٍ آخَرَ، بدَلِيلِ ما لو مَرَّ بمِيقاتٍ غيرِ ذِى الحُلَيْفَةِ، لم يَجُزْ تَجاوُزُه بغيرِ إحْرامٍ، بغيرِ خِلافٍ.
وَمَنْ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ، فَمِيقَاتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ.
وقد روَى سعيدٌ، عن سُفْيانَ، عن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبِيهِ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَّتَ لمَن ساحَلَ مِن أهْلِ الشّامِ الجُحْفَةَ.
والحَجُّ والعُمْرَةُ سَواءٌ في هذا؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَهُنّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أهْلِهِنَّ، مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ حَجًّا أوْ عُمْرَةً».
فصل: فإن مَرَّ مِن غيرِ طَرِيقِ ذِى الحُلَيْفَةِ، فمِيقاتُه الجُحْفَةُ، سَواءٌ كان شامِيًّا أو مَدَنِيًّا؛ لِما روَى أبو الزُّبَيْرِ، أنَّه سَمِع جابِرًا يُسْألُ عن المُهَلِّ، فقالَ: سَمِعْتُه، أحْسَبُه رَفع إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، يَقُولُ: «مُهَلُّ أهْلِ المَدِينَةِ مِنْ ذى الحُلَيْفَةِ، وَالطَّرِيقُ الآخَرُ مِنَ الجُحْفَةِ».
رَواه مسلمٌ (1). ولأنَّهَ مَرَّ على أحَدِ المَواقِيتِ دُونَ غيرِه، فلم يَلْزَمْه الإِحْرامُ قبلَه، كسائِرِ المَواقِيتِ.
ولَعَلَّ أبا قَتادَةَ حينَ أحْرَمَ أصحابُه دُونَه - في قِصَّةِ صَيْدِ الحِمارِ الوَحْشِىِّ - إنَّما تَرَك الإِحْرامَ؛ لأنَّه لم يَمُرَّ على ذِى الحُلَيْفَةِ، فأخَّرَ إحْرامَه إلى الجُحْفَةِ.
ويُمْكِنُ حَمْلُ حديثِ عائِشَةَ في تَأْخِيرِها إحْرامَ العُمْرَةِ إلى الجُحْفَةِ على هذا، وأنَّها لا تَمُرُّ في طَرِيقِها على ذِى الحُلَيْفَةِ، لِئَلَّا يَكُونَ فِعْلُها مُخالِفًا لقَولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.
1149 -
مسألة: (ومَن مَنْزِلُه دُونَ المِيقاتِ، فمِيقاتُه مِن
1
وَأَهْلُ مَكَّةَ إِذَا أَرَادُوا الْعُمْرَةَ، فَمِنَ الْحِلِّ،
مَوْضِعِه) يَعْنِى إذا كان مَسْكَنُه أقْرَبَ إلى مَكَّةَ مِن المِيقاتِ، كان مِيقاتُه مَسْكَنَه.
هذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، منهم؛ مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
وعن مُجاهِدٍ، قال: يُهِلُّ مِن مَكَّةَ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال في حديثِ ابنِ عباسٍ: «فَمَنْ كَانَ دُونهُنَّ مُهَلُّهُ مِنْ أهْلِهِ».
وهذا صَرِيحٌ، فالعَمَلُ به أوْلَى.
فصل: إذا كانْ مَسْكَنُه قَرْيَةً، فالأفْضَلُ أن يُحْرِمَ مِن أْبْعدِ جانِبَيْها.
وإن أحْرَمَ مِن أقْرَبِ جانِبَيْها، جاز.
وهكذا القولُ في المواقِيتِ التى وَقَّتَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، إذا كانت قَرِيبَةً.
والحِلَّةُ (1) كالقَرْيَةِ، فيما ذَكَرْنا.
وإن كان مَسْكَنُه مُنْفَرِدًا، فمِيقاتُه مَسْكَنُه أو حَذْوُه، وكلُّ مِيقاتٍ فحَذْوُه بمَنْزِلَتِه.
ثم إن كان مَسْكَنُه في الحِلِّ، فإحْرامُه منه للحَجِّ والعُمْرَةِ مَعًا، وإن كان في الحَرَمِ، فإحْرامُه للعُمْرَةِ مِن الحِلِّ؛ لِيَجْمَعَ في النُّسُكِ بينَ الحِلِّ والحَرَمِ، كالمَكِّىِّ، وأمّا الحَجُّ فيَنْبَغِى أن يَجُوزَ له الإِحْرامُ مِن أىِّ الحَرَمِ شاء، كالمَكِّىِّ.
1150 -
مسألة: (وأهْلُ مَكَّةَ إذا أرادُوا العُمْرَةَ، فمِن الحِلِّ، وإن
1
وَإِذَا أَرَادُوا الْحَجَّ، فَمِنْ مَكَّةَ.
أرادُوا الحَجَّ، فمِن مَكَّةَ) أهْلُ مَكَّةَ، مَن كان بها؛ سَواءٌ كان مُقِيمًا بها، أو غيرَ مُقِيمٍ؛ لأنَّ كلَّ مَن أتَى على مِيقاتٍ كان مِيقاتًا له؛ لِما ذَكَرْنا، فكذلك كلُّ مَن كان بمَكَّةَ فهى مِيقاتُه للحَجِّ.
وإن أرادَ العُمْرَةَ، فمِن الحِلِّ.
لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
ولذلك أمَرَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - عبدَ الرَّحمنِ بنَ أبى بَكْرٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أن يُعْمِرَ عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، مِن التَّنْعِيمِ 1. وكانت بمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ، وهذا لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «حَتَّى أَهْلُ
..................................
مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» 1. يَعْنى للحَجِّ.
وقال أيضًا: «وَمَنْ كَانَ أهْلُهُ دُونَ المِيقَاتِ فَمِنْ حَيْثُ يُنْشِئُ 2، حَتَّى يَأْتِىَ ذلِكَ عَلَى أهْلِ مَكَّةَ».
وهذا في الحَجِّ.
فأمّا في العُمْرَةِ فمِيقاتُها في حَقِّهم الحِلُّ، مِن أىِّ جَوانِبِ الحَرَمِ شاءَ؛ لحَدِيثِ عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، حينَ أعْمَرَها مِن التَّنْعِيم، وهو أدْنَى الحِلِّ.
قال ابنُ سِيرِينَ: بَلَغَنِى أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَّتَ لأهْلِ مَكَّةَ التَّنْعِيمَ 3. وقال ابنُ عباسٍ: يا أهْلَ مَكَّةَ، مَن أتَى منكم العُمْرَةَ، فَلْيَجْعَلْ بينَه وبينَها بَطْنَ مُحَسِّرٍ 4. يَعْنِى إذا أحْرَمَ بها مِن ناحِيَةِ المُزْدَلِفَةِ.
وإنَّما لَزِم الإِحْرامُ مِن الحِلِّ ليَجْمَعَ في النُّسُكِ بينَ الحِلِّ والحَرَمِ، فإنَّه لو أحْرَمَ مِن الحَرَمِ، لَمَا جَمَع بينَهما فيه؛ لأنَّ أفْعالَ العُمْرَةِ كلَّها في الحَرَمِ، بخِلافِ الحَجِّ، فإنَّه يَفْتَقِرُ إلى الخُرُوجِ إلى عَرَفَةَ؛ ليُجْمَعَ له الحِلُّ والحَرَمُ.
ومِن أىِّ الحِلِّ أحْرَمَ، جازَ.
وإنَّما أعْمَرَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، مِن التَّنْعِيمَ؛ لأنَّه أقْرَبُ الحِلِّ إلى مَكَّةَ.
= المسند 3/ 309، 394 عن جابر، وفى: 6/ 243 عن عائشة.
..................................
وقد رُوِىَ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ تعالى، في المَكِّىِّ: كلَّما تَباعَدَ في العُمْرَةِ فهو أعْظَمُ للأجْرِ، علىْ قَدْرِ تَعَبِها.
وأمّا إذا أرادَ المَكِّى الإِحْرامَ بالحَجِّ، فمِن مَكَّةَ؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ، ولأنَّ أصحابَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا فَسَخُوا الحَجَّ، أمرَهُم فأحْرَمُوا مِن مَكَّةَ.
قال جابِرٌ، رَضِىَ اللهُ عنه: أمَرَنا النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ نُحْرِمَ إذا تَوَجَّهْنا مِن الأبطَحِ.
رَواه مسلمٌ 1. وهذا يَدُلُّ على أنَّه لا فَرْقَ بينَ قاطِنِى مَكَّةَ وغيرِهم مِمَّن هو بها، كالمُتَمتِّعِ إذا حَلَّ، ومَن فَسَخ حَجَّهُ بها.
ونُقِلَ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمه اللهُ تعالى، في مَن اعْتَمَر في أشْهُرِ الحَجِّ مِن أهْلِ مَكَّةَ، أنَّه يُهِلُّ بالحَجِّ مِن المِيقاتِ، فإنْ لم يَفْعَلْ، فعليه دَمٌ.
والصَّحِيحُ ما ذَكَرْنا أوَّلًا، وقد دُلَّتْ عليه الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ أحمدَ إنَّما أرادَ أن الدَّمَ يَسْقُطُ عنه إذا خَرَج إلى المِيقاتِ فأحْرَمَ، ولا يَسْقُطُ إذا أحْرَمَ مِن مَكَّةَ.
وهذا في غيرِ المَكِّيِّ، أمّا المَكِّيُّ فلا يَجِبُ عليه دَمُ مُتْعَةٍ بحالٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ 2. وذَكَر القاضى، في مَن دَخَل مَكَّةَ يَحُجُّ عن غيرِه، ثم أرادَ أن يَعْتَمِرَ بعدَه لنَفْسِه، أو بالعَكْسِ،
..................................
أو دَخَل بعُمْرَةٍ لنَفْسِه، ثم أرادَ أن يَحُجَّ أو يَعْتَمِرَ لغيرِه، أو دَخَل بعُمْرَةٍ لغيرِه، ثم أرادَ أن يَحُجَّ أو يَعْتَمِرَ لنَفْسِه، أنَّه في جَمِيعِ ذلك يَخْرُجُ إلى المِيقاتِ، فيُحْرِمُ منه، فإن لم يَفْعَلْ، فعليه دَمٌ.
قال: وقد قال الإِمامُ أحمدُ، في رِوايَةِ عبدِ اللهِ: إذا اعْتَمَر عن غيرِه، ثم أرادَ الحَجَّ لنَفْسِه، يَخْرُجُ إلى المِيقاتِ، أو اعْتَمَرَ عن نَفْسِه يَخْرُجُ إلى المِيقاتِ، فإن دَخَل مَكَّةَ بغَيْرِ إحْرامٍ، ثم أرادَ الحَجَّ يَخْرُجُ إلى المِيقاتِ.
واحْتَجَّ له القاضِى، بأنَّه جاوَزَ المِيقاتَ مُرِيدًا للنُّسُكِ، غيرَ مُحْرِمٍ لنَفْسِه، فَلزِمَه دَمٌ إذا أحْرَمَ دُونَه، كمَن جاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ.
وعلى هذا لو حَجَّ عن شَخْصٍ واعْتَمَرَ عن آخَرَ، أو اعْتَمَرَ عن إنْسانٍ ثم حَجَّ أو اعْتَمَرَ عن آخَرَ، فكذلك.
والذى ذَكَرَه شيخُنا 1 رَحِمَه اللهُ تعالى، أنَّه لا يَلْزَمُه الخُرُوجُ إلى الِمِيقاتِ في هذا كلِّه.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، رَحِمَه اللهُ تعالى؛ لِما ذَكَرْنا؛ لأنَّ كلَّ مَن كان بمَكَّةَ، كالقاطِنِ بها، وهذا قد حَصَل بمَكَّة حَلالًا، على وَجْهٍ مُباحٍ، فأشْبَهَ المَكِّىَّ.
وما ذَكَرَه القاضى تَحَكُّمٌ بغيرِ دَلِيلٍ، والمَعْنَى الذى ذَكَرَه لا يَصِحُّ لوُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّه لا يَلْزَمُ أن يَكُونَ مُرِيدًا للنُّسُكِ لنَفْسِه حالَ مُجاوَزَتِه المِيقاتَ؛ لأنَّه قد يَبْدُو له بعدَ ذلك.
الثّانِى، أنَّ هذا لا يَتَناوَلُ مَن أحْرَمَ عن غيرِه.
الثّالِثُ، أنَّه لو وَجَب بهذا الخُرُوجُ إلى المِيقاتِ، للَزِمَ المُتَمَتِّعَ والمُفْرِدَ؛ لأنَّهما جاوزَا المِيقاتَ غيرَ
..................................
مُريدَيْن للنُّسُكِ الذى أحْرَما به.
الرّابعُ، أنَّ المَعْنَى في الذى تَجاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، أنَّه فَعَل ما لا يَحِلُّ له فِعْلُه، وتَرَك الإِحْرامَ الواجِبَ عليه في مَوْضِعِه، فأحْرَمَ مِن دُونِه.
فصل: ومِن أىِّ الحَرَمِ أحْرَمَ بالحَجِّ، جاز؛ لأنَّ المَقْصُودَ مِن الإِحْرامِ به منه 1 الجَمْعُ في النُّسُكِ بينَ الحِلِّ والحَرَمِ، وهو حاصِلٌ بالإِحْرامِ مِن أيِّ مَوْضِعٍ كان مِن الحَرَم، فجاز، كما يَجُوزُ الإحْرامُ بالعُمْرَةِ مِن أىِّ مَوْضِعٍ كانَ مِن الحِلِّ، وكَذلك قال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابِه في حَجَّةِ الوَداعِ: «إذَا أرَدْتُمْ أنْ تَنْطَلِقُوا إلَى مِنًى، فأَهِلُّوا مِنَ الْبَطْحَاءِ» 2. ولأنَّ ما اعْتُبِرَ فيه الحَرَمُ اسْتَوَتِ البَلْدَةُ وغيرُها فيه، كالنَّحْرِ.
فصل: وإن أحْرَمَ بالحَجِّ مِن الحِلِّ الذى يَلِى المَوْقِفَ، فعليه دَمٌ؛
وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقُهُ عَلَى مِيقَاتٍ، فَإِذَا حَاذَى أَقْرَبَ الْمَوَاقِيتِ إِلَيْهِ، أَحْرَمَ.
لأنَّه أحْرَمَ مِن دُونِ المِيقاتِ، وإن أحْرَمَ مِن الجانِبِ الآخَرِ، ثم سَلَك الحَرَمَ، فلا شئَ عليه.
نَصَّ عليه أحمدُ، في مَن أحْرَمَ بالحَجِّ مِن التَّنْعِيمِ، فقالَ: ليس عليه شئٌ.
لأنَّه أحْرَمَ قبلَ مِيقاتِه، [فكانَ كالمُحْرِمِ] (1) قبلَ بَقِيَّةِ المَواقِيتِ.
وإن لم يَسْلُكِ الحَرَمَ، فعليه دَمٌ؛ لكونِه لم يَجْمَعْ في النُّسُكِ بينَ الحِلِّ والحَرَمِ.
1151 -
مسألة: (ومَن لم يَكُنْ طَرِيقُه على مِيقاتٍ، فإذا حاذَى أقْرَبَ المَواقِيتِ إليه، أحْرَمَ)
ومَن سَلَك طَرِيقًا بينَ مِيقاتَيْن، اجْتَهَدَ حتى يَكُونَ إحْرامُه بحَذْوِ المِيقاتِ الذى هو أقْرَبُ إلى طَرِيقِه؛ لأنَّ أهْلَ العراقِ حينَ قالُوا لعُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: إنَّ قَرْنًا جَوْرٌ عن طَريقِنا.
قال: انْظُروا حَذْوَها مِن طَرِيقِكُم.
فوَقَّتَ لهم ذاتَ عِرْقٍ 2. ولأنَّ هذا مِمّا يُعْرَفُ بالاجْتِهادِ والتَّقْدِيرِ، فإنِ اشْتَبَهَ دَخَلَه الاجْتِهادُ، كالقِبْلَةِ.
وإن1
وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّة تَجَاوُزُ الْمِيقَاتِ بِغيْرِ إِحْرَامٍ، إِلَّا لِقِتَالٍ مُبَاحٍ، أَوْ حَاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ؛ كَالْحَطَّابِ وَنَحْوِهِ،
لم يَعْرِفْ حَذْوَ المِيقاتِ المُقارِبِ لطَرِيقِه، احْتاطَ، فأحْرَمَ مِن بُعْدٍ، بحيث يَتَيَقَّنُ أنَّه لم يُجاوِزِ المِيقاتَ إلَّا مُحْرِمًا؛ لأنَّ الإِحْرامَ قبلَ (1) المِيقاتِ جائِزٌ، وتَأْخِيرَه عنه غيرُ جائِزٍ، فالاحْتِياطُ فِعْلُ ما ذَكَرْنا.
ولا يَلْزَمُه الإِحْرامُ حتى يَعْلَمَ أنَّه قد حاذاه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ وُجُوبِه، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ (2). فإن أحْرَمَ، ثم عَلِم بعدُ أنَّه قد جاوَزَ ما يُحاذِى المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، فعليه دَمٌ.
وإن شَكَّ في أقْرَبِ المِيقاتَيْن إليه، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في المسألةِ قبلَها، فإن كانا مُتساوِيَيْن في القُرْبِ إليه أحْرَمَ مِن حَذْوِ أبْعَدِهما.
1152 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ لِمَن أرادَ دُخُولَ مَكَّةَ تَجاوُزُ المِيقاتِ بغيرِ إحْرامٍ، إلَّا لقِتالٍ مُباحٍ، أو حاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ؛ كالحَطّابِ ونحوِه،
12
ثُمَّ إِنْ بَدَا لَهُ النُّسُكُ، أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ.
ثم إن بَدا له النُّسُكُ، أحْرَمَ مِن مَوْضِعِه) مَن تَجاوَزَ المِيقاتَ مِمَّن لا يُرِيدُ النُّسُكَ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْن؛ أحَدُهما، مَن لا يُرِيدُ دُخُولَ الحَرَمِ، فهذا لا يَلْزَمُه الإِحرامُ بغيرِ خِلافٍ، ولا شئَ عليه في تَرْكِه، فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه أتَوْا بَدْرًا مَرَّتَيْن، وكانُوا يُسافِرُون للجهادِ وغيرِه، فيَمُرُّون بذِى الحُلَيْفَةِ غيرَ مُحْرِمِين، ولا يَرَوْن بذلك بَأْسًا.
فإن بَدَا لهذا الإِحْرامُ، أحْرَمَ مِن مَوْضِعِه، ولا شئَ عليه.
وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ.
وبه يَقُولُ مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وصاحِبا أبى حنيفةَ.
وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه الله تعالى، في الرجلِ يَخْرُجُ لحاجَةٍ وهو لا يُرِيدُ الحَجَّ، فجاوَزَ ذا الحُلَيْفَةِ، ثم أرادَ الحَجَّ: يَرْجِعُ إلى ذِى الحُلَيْفَةِ، فيُحْرِمُ.
وبه قال إسْحاقُ؛ لأنَّه أحْرَمَ مِن دُونِ المِيقاتِ، فلَزِمَه الدَّمُ، كالذى يُرِيدُ دُخُولَ الحَرَم.
والأوَّلُ أصَحُّ، وكَلامُ أحمدَ يُحْمَلُ على مَن يُجاوِزُ المِيقات، مِمَّن يَجِبُ عليه الإِحْرامُ؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أهْلِهِنَّ، مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الحَجَّ أوِ العُمْرَةَ» 1.
..................................
ولأنَّه حَصَل دُونَ المِيقاتِ على وَجْهٍ مُباحٍ، فكانَ له الِإحْرامُ منه، كأهْلِ ذلك المَكانِ، ولأنَّ هذا القولَ يُفْضِى إلى أنَّ 1 مَن كان مَنْزِلُه دُونَ المِيقاتِ، إذا خَرَج إلى المِيقاتِ ثم عاد إلى مَنْزِلِه وأرادَ الإِحْرامَ، لَزِمَه الخُروجُ إلى المِيقاتِ، ولا قائِلَ به، ولأنَّه مُخالِفٌ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُه دُونَ المِيقَاتِ فَمُهَلُّهُ مِنْ أهْلِهِ».
القِسْمُ الثّانِى، مَن يُرِيدُ دُخولَ الحَرَمِ إلى مَكَّةَ أو غَيرِها، وهم على ثَلاثَةِ أضْرُبٍ؛ أحَدُها، مَن يَدْخُلُها لقتالٍ مُباحٍ، أو مِن خَوْفٍ، أو لحاجَةٍ؛ كالحَطّابِ، والحَشّاشِ، وناقِلِ المِيرَةِ 2، والفَيْجِ 3، ومَن كانَتْ له ضَيْعَةٌ يَتَكَرَّرُ دُخُولُه وخُرُوجُه إليها، فلا إحْرامَ عليهم؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَل يومَ فَتْحِ مَكَّةَ حَلالًا وعلى رَأْسِه المِغْفَرُ، وكذلك أصحابُه، ولم يُعْلَمْ أنَّ أحَدًا منهمِ أحْرَمَ، ولأنَّا لو أوْجَبْنا الإِحْرامَ على مَن يَتَكَرَّرُ دُخُولُه أفْضَى إلى أن يَكُونَ في جَمِيعِ زَمَنِه مُحْرِمًا، فسَقَطَ للحَرَجِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ لأحَدٍ دُخُولُ الحَرَمِ بغيرِ إحْرامٍ، إلَّا مَن كان دُونَ المِيقاتِ؛ لأنَّه يُجاوِزُ المِيقاتَ مُرِيدًا للحَرَمِ، فلم يَجُزْ بغيرِ إحْرامٍ.
..................................
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن النصِّ والمَعْنَى.
وقد روَى التِّرْمِذِيُّ 1، بإسْنادِه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَل يومَ فَتْحِ مَكَّةَ، وعلى رَأْسِه عِمامَةٌ سَوْداءُ.
وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ومتى أرادَ هذا النُّسُكَ بعدَ مُجاوَزَةِ المِيقاتِ، أحْرَمَ مِن مَوْضِعِه، كالقِسْمِ الذى قبلَه، وفيه مِن الخِلافِ ما فيه.
الضَّرْبُ الثانِى، مَن لا يَجِبُ عليه الحَجُّ؛ كالعَبْدِ، والصَّبِىِّ، والكافِرِ إذا أسْلَمَ بعدَ تَجاوُزِ المِيقاتِ، أو عَتَقَ العَبْدُ، أو بَلَغ الصَّبِىُّ، وأرادُوا الإِحْرامَ، فإنَّهم يُحْرِمُون مِن مَوْضِعِهم، ولا دَمَ عليهم.
وبه قال عَطاءٌ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِيُّ، وإسْحاقُ.
وبه قال أصْحابُ الرَّأْىِ في الكافِرِ يُسْلِمُ، والصَّبِىِّ يَبْلُغُ، وقالُوا في العَبْدِ: عليه دَمٌ.
وقال الشافعىُّ في جَمِيعِهم: على كلِّ واحِدٍ منهم دَمٌ.
وعن أحمدَ، في الكافِرِ يُسْلِمُ، كقَوْلِه.
واخْتارَها أبو بَكْرٍ.
وقال القاضى: وهى أصَحُّ.
ويَتَخَرَّجُ في الصَّبِىِّ والعَبْدِ كذلك؛ قِياسًا على الكافِرِ يُسْلِمُ؛ لأنَّهم تَجاوَزُوا المِيقاتَ
..................................
بغيرِ إحْرامٍ، وأحْرَمُوا دُونَه، فوَجَبَ الدَّمُ، كالمُسْلِمِ البالِغِ العاقِلِ.
ولَنا، أنَّهم أحْرَمُوا مِن المَوْضِعِ الذى وَجَب عليهم الإِحْرامُ منه، فأشْبَهُوا المَكِّىَّ ومَن قَرْيَتُه دُونَ المِيقاتِ إذا أحْرَمَ منها، وفارَقَ مَن يَجِبُ عليه الإِحْرامُ إذا تَرَكه؛ لأنَّه تَرَك الواجبَ عليه.
الضَّرْبُ الثّالِثُ، المُكَلَّفُ الذي يَدْخُلُ لغيرِ قِتالٍ ولا حاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ، فلا يَجُوزُ له تَجاوُزُ المِيقاتِ غيرَ مُحْرِمٍ.
وبه قال أبو حنيفةَ، وبعضُ أصحابِ الشافعىِّ.
وقال بَعْضُهم: لا يَجِبُ الإِحْرامُ عليه.
وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على ذلك؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّه دَخَلَها بغيرِ إحْرامٍ 1. ولأنَّه أحَدُ الحَرَمَين أشْبَهَ 2 حرَمَ المَدِينَةِ، ولأنَّ الوُجُوبَ مِن الشّارِعِ، ولم يَرِدْ به إيجابُ ذلك على كلِّ داخِلٍ، فيَبْقَى على الأصْلِ.
ولَنا، أنَّه لو نَذَر دُخُولَها، لَزِمَه الإِحْرامُ، ولو لم يَكُنْ واجِبًا لم يَجِبْ بنَذْرِ الدُّخُولِ، كسائِرِ البُلْدانِ.
إذا ثَبَت ذلك، فمَتَى أرادَ الإِحْرامَ بعدَ تجاوُزِ المِيقاتِ، فالحُكْمُ فيه كمَن تَجاوَزَه مُرِيدًا لنُسُكٍ.
..................................
فصل: ومَن دَخَل الحَرَمَ بغيرِ إحْرامٍ، مِمَّن يُرِيدُ الإِحْرامَ، فلا قَضاءَ عليه.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ عليه أن يَأْتِىَ بحَجٍّ أو عُمْرَةٍ، فإن أتَى بحَجَّةِ الإِسْلامِ في سَنَتِه، أو مَنْذُورَةٍ، أو عُمْرَةٍ 1، أجْزَأه عن عُمْرَةِ الدُّخُولِ اسْتِحْسانًا؛ لأنَّ مُرُورَه على المِيقاتِ مُريدًا للحَرَمِ يُوجِبُ الإِحْرامَ، فإذا لم يَأْتِ به وَجَب قَضاؤه، كالنَّذْرِ.
ولَنا، أنَّه مَشْرُوعٌ لتَحِيَّةِ البُقْعَةِ 2، فإذا لم يَأْتِ به سَقَط،
وَمَنْ جَاوَزَهُ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ، رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ، فَإِنْ أحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ رَجَعَ مُحْرِمًا إِلَى الْمِيقَاتِ.
كتَحِيَّةِ المَسْجِدِ.
فإن قِيلَ: تَحِيَّةُ المَسْجِدِ غيرُ واجِبَةٍ.
قُلْنا: إلَّا أنَّ النَّوافِلَ المُرَتَّباتِ تُقْضَى، وإنَّما سَقَط القَضاءُ لِما ذَكَرْنا.
فأمَّا إن تجاوَزَ المِيقاتَ، ورَجَع قبلَ دُخُولِ الحَرَمِ، فلا قَضاءَ عليهَ، بغيرِ خِلافٍ، سَواءٌ أرادَ النُّسُكَ أو لا.
فصل: ومَن كان مَنْزِلُه دُونَ المِيقاتِ خارِجًا مِن الحَرَمِ، فحُكْمُه في مُجاوَزَةِ قَرْيَتِه إلى ما يَلِى الحَرَمَ حُكْمُ المُجاوِزِ للمِيقاتِ في الأحْوالِ الثَّلاثِ؛ لأنَّ مَوْضِعَه مِيقاتُه، فهو في حَقِّه كالمَواقِيتِ لأهْلِ الآفاقِ.
1153 -
مسألة: (ومَن جاوَزَه مُرِيدًا للنُّسُكِ)
غيرَ مُحْرِمٍ، (رَجَع) مِن المِيقاتِ (فأحْرَمَ منه، فإن أحْرَمَ مِن مَوْضِعِه، فعليه دَمٌ، وإن رَجَع إلى المِيقاتِ) وجُمْلَتُه أنَّ مَن جاوَزَ المِيقاتَ مُرِيدًا للنُّسُكِ غيرَ
..................................
مُحْرِمٍ، يَجِبُ عليه أن يَرْجِعَ إلى المِيقاتِ ليُحْرِمَ منه إذا أمْكَنَه؛ لأنَّه واجِبٌ أمْكَنَه فِعْلُه، فلَزِمَه، كسائِرِ 1 الوَاجِباتِ، وسَواءٌ تجاوَزَه عالِمًا به أو جاهلًا، عَلِم تَحْرِيمَ ذلك أو جَهِلَه.
فإن رَجَع إليه فأحْرَمَ منه، فلا شَئَ عليه.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
وبه قال جابِرُ بنُ زَيْدٍ، والحسنُ، وسعيدُ ابنُ جُبَيْرٍ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ؛ لأنَّه أحْرَمَ مِن المِيقاتِ الذي أُمِرَ بالإِحْرامِ منه، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كما لو لم يَتَجاوَزْه.
وإن أحْرَمَ مِن دُونِ المِيقاتِ فعليه دَمٌ، سَواءٌ رَجَع إلى المِيقاتِ أو لم يَرْجِعْ.
وبه قال مالكٌ، وابنُ المبارَكِ.
وظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ، أنَّه إن رَجَع إلى المِيقاتِ فلا دَمَ عليه، إلَّا أن يَكُونَ قد تَلَبَّسَ بشئٍ مِن أفْعالِ الحَجِّ؛ كالوُقُوفِ، وطَوافِ القُدُومِ، فيَسْتَقِرُّ الدَّمُ عليه.
قالوا: لأنَّه حَصَل مُحْرِمًا في المِيقاتِ قبلَ التَّلَبُّسِ بأفْعالِ الحَجِّ، فلم يَلْزَمْه دَمٌ، كما لو أحْرَمَ منه 2. وعن أبى
..................................
حنيفةَ: إن رَجَع إلى المِيقاتِ فلَبَّى سَقَط عنه الدَّمُ، وإن لمِ يُلَبِّ لم يَسْقُطْ عنه.
وعن عطاءٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ: لا شئَ على مَن ترَك المِيقاتَ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «مَنْ تَرَكَ نُسُكًا، فَعَلَيْهِ دَمٌ».
رُوِىَ مَوْقُوفًا ومَرْفُوعًا 1. ولأنَّه أحْرَمَ دُونَ مِيقاتِه، واسْتَقَرَّ عليه الدَّمُ، كما لو لم يَرْجِعْ، أو كما لو طاف، عندَ الشافعىِّ، وكما لو لم يُلَبِّ، عندَ أبي حنيفةَ.
ولأنَّ الدَّمَ وَجَب بتَرْكِه الإِحرامَ مِن المِيقاتِ، ولا يَزولُ هذا برُجُوعِه ولا بتَلْبِيَتِه؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ ما وَجَب، وفارَقَ ما إذا رَجَع قبلَ إحْرامِه فأحْرَمَ منه، فإنَّه لم يَتْرُكِ الإِحْرامَ منه، ولم يَهْتِكْه.
فصل: ولو أفْسَدَ المُحْرِمُ مِن دُونِ المِيقاتِ حَجَّه، لم يَسْقُطْ عنه الدَّمُ.
وبه قال الشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
..................................
وقال الثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: يَسْقُطُ؛ لأنَّ القَضاءَ واجِبٌ.
ولَنا، أنَّه وَجَب عليه بمُوجِبِ هذا الإِحْرامِ، فلم يَسْقُطْ بوُجُوبِ القَضاءِ، كبَقِيَّةِ المَناسِكِ، وكجزَاءِ الصَّيْدِ.
فصل: وإن جاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، وخَشِىَ إن رَجَع إلى المِيقاتِ فَواتَ الحَجِّ، جاز أن يُحْرِمَ مِن مَوْضِعِه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه، ويُجْزِئُه الحَجُّ.
إلَّا أنَّه رُوِىَ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ: مَن تَرَك المِيقاتَ فلا حَجَّ له.
والأوَّلُ مَذْهَبُ الجُمْهورِ؛ لأنَّه لو كان مِن أرْكانِ الحَجِّ، لم يَخْتَلِفْ باخْتِلافِ النّاسِ والأماكِنَ، كالوُقُوفِ والطَّوافِ.
وإذا أحْرَمَ مِن دُونِ المِيقاتِ عندَ خوْفِ الفَواتِ، فعليه دَمٌ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا عندَ مَن أوْجَبَ الإِحْرامَ مِن المِيقاتِ؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ.
وإنَّما أبَحْنا له الإِحْرامَ مِن مَوْضِعِه؛ مُراعاةً لإِدْراكِ الحَجِّ، فإنَّ مُراعاةَ ذلك أوْلَى مِن مُراعاةِ واجِبٍ فيه مع فَواتِه، ومَن لم يُمْكِنْه الرُّجُوعُ، لعَدَمِ الرُّفْقَةِ، أو الخَوْفِ مِن عَدُوٍّ أو لِصٍّ أو مَرَضٍ، أو لا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ، ونحْوِ هذا مِمّا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، فهو كالخائِفِ الفَواتَ، في أنَّه يُحْرِمُ مِن مَوْضِعِه، وعليه دَمٌ.
وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يُحْرِمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ، وَلَا يُحْرِمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ [62 ظ] مُحْرِمٌ.
1154 - مسألة: (والاخْتِيارُ أن لا يُحْرِمَ قبلَ مِيقاتِه، ولا يُحْرِمَ بالحَجِّ قبلَ أشْهُرِه، فإن فَعَل فهو مُحْرِمٌ)
الأفْضلُ الإِحْرامُ مِن المِيقاتِ، ويُكْرَهُ قبلَه.
رُوِىَ نَحْوُ ذلك عن عُمَرَ، وعثمانَ، رَضِىَ الله عَنهما.
وبه قال الحسنُ، وعَطاءٌ، ومالكٌ، وإسْحاقُ.
وقال أبو حنيفةَ: الأفْضلُ الإِحْرامُ مِن بَلَدِه.
وعن الشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن.
وكان عَلْقَمَةُ، والأسْوَدُ، وعبدُ الرحمنِ يُحْرِمُون مِن بُيُوتِهم.
واحْتَجُّوا بما رَوت أُمُّ سَلَمَةَ، زَوْجُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّها سَمِعَت رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، يَقُولُ: «مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أوْ عُمْرةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الأقْصَى إلَى الْمَسْجدِ الْحَرَامِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأخَّرَ - أو - وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ».
شَكَّ عبدُ اللهِ أيَّتَهما قال.
رَواه أبو داودَ 1. وأحْرَمَ ابنُ عُمَرَ من إيليَاءَ 2. وروَى النَّسائِيُّ،
..................................
وأبو داودَ 1، بإسْنادِهِما.
عن الصُّبَىِّ 2 بنِ مَعْبَدٍ، قال: أهْلَلْتُ بالحَجِّ والعُمْرَةِ، فَلمَّا أتَيْتُ العُذَيْبَ لَقِيَنِى سَلْمانُ بنُ رَبِيعَةَ، وزَيْدُ بنُ صُوحانَ، وأنا أُهِلُّ بهما، فقالَ أحَدُهُما: ما هذا بأفْقَهَ مِن بَعِيرِه.
فأتَيْتُ عُمَرَ، فذَكَرْتُ ذلك له، فقالَ لى: هُدِيتَ لسُنَّةِ نَبيِّكَ - صلى الله عليه وسلم -. وهذا إحْرامٌ به قبلَ المِيقاتِ.
ورُوِىَ عن عُمَرَ، وعليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنهما، في قوْلِه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ 3. إنما هو 4 أن تُحْرِمَ بهما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِك 5. ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وأصْحابَه أحْرَمُوا مِن المِيقاتِ، ولا يَفْعَلُون إلَّا الأفْضَلَ.
فإن قِيلَ: إنَّما فعَل ليُبَيِّنَ الجَوازَ.
قُلْنا: قد حَصَل بَيانُ الجَوازِ بقَوْلِه، كما في سائِرِ المَواقِيتِ.
ثم لو كان كذلك، لكانَ أصْحابُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - وخُلفاؤه يُحْرِمُون مِن بُيُوتِهم، ولَما تَواطَأُوا على تَرْكِ الأفْضَلِ واخْتِيارِ الأدْنَى، وهم أفْضَلُ الخَلْقِ، ولهم مِن الحِرْصِ على الفضائِلِ والدَّرَجاتِ ما لهم.
وروَى أبو يَعْلَى المَوْصِلِيُّ، بإسْنادِه، عن أبى أيُّوبَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:
..................................
«يَسْتَمْتِعُ أحَدُكُمْ بِحِلِّهِ مَا اسْتَطَاعَ، فَإنَّه لَا يَدْرِى مَا يَعْرِضُ لَهُ فِى إحْرامِهِ» 1. وروَى الحسنُ، أنَّ عِمْرانَ بنَ حُصَيْنٍ أحْرَمَ مِن مِصْرِه، فبَلَغَ ذلك عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، فغَضِبَ، وقال: يَتَسامَعُ النّاسُ أنَّ رجلًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أحْرَمَ مِن مِصْرِه.
وقال: إنَّ عبدَ اللهِ بنَ عامِرٍ أحْرَمَ مِن خُراسانَ، فلَمّا قَدِم على عثمانَ، رَضِىَ الله عنه، لامَه فيما صَنَع، وكَرِهَه له.
رَواهما سعيدٌ، والأثْرَمُ 2. وقال البخاريُّ 3: كَرِه عثمانُ أن يُحْرِمَ مِن خُراسانَ أو كِرْمانَ.
ولأنَّه أحْرَمَ قبلَ المِيقاتِ، فكُرِهَ، كالإِحْرامِ بالحَجِّ قبل أشْهُرِه.
ولأنَّه تَغْرِيرٌ بالإِحْرامِ، وتَعْرِيضٌ لفِعْلِ مَحْظُوراتِه، وفيه مَشَقَّةٌ على النَّفْسِ، فكُرِهَ، كالوصالِ في الصَّوْمِ.
قال عَطاءٌ: انْظُرُوا هذه المَواقِيتَ التي وَقَّتَ لكم، فخُذُوا برُخَصِ اللهِ فيها، فإنَّه عَسَى أن يُصِيبَ أحَدُكم ذَنْبًا في إحْرامِه، فيَكُونَ أعْظَمَ لوِزْرِه، فإنَّ الذَّنْبَ في الإِحْرامِ أعْظَمُ مِن ذلك.
فأمّا حديثُ الإِحْرامِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ 4، ففيه ضَعْفٌ، يَرْوِيه ابنُ أبى فُدَيْكٍ، ومحمدُ بنُ إسْحاقَ،
..................................
وفيهما مَقالٌ.
ويَحْتَمِلُ اخْتِصاصَ هذا ببَيْتِ المَقْدِس دُونَ غيرِه؛ ليَجْمَعَ بينَ الصلاةِ في المَسْجِدَيْن في إحْرامٍ واحِدٍ، ولذلك أحْرَمَ ابنُ عُمَرَ منه، ولم يَكُنْ يُحْرِمُ مِن غيرِه، إلَّا مِن المِيقاتِ.
وقولُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، للصُّبَىِّ 1: هُدِيتَ لسُنَّةِ نَبِيِّك.
يَعْنِى في الجَمْعِ بينَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، لا في الإِحْرامِ مِن قَبلِ المِيقاتِ، فإنَّ سُنَّةَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - الإِحْرامُ مِن المِيقاتِ، بيَّنَ ذلك بفِعْلِه وقَوْلِه، وقد تَبَيَّنَ أنَّه لم يُرِدْ ذلك بإنْكارِه على عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ، حينَ أحْرَمَ مِن مِصْرِه.
وأمّا قولُ عُمَرَ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنهما، فإنَّما قالا: إتْمامُ العُمْرَةِ أن تنْشِئَها مِن بَلَدِك.
يَعْنِى أن تنْشِئَ لها سَفَرًا مِن بلَدِك، تَقصِدُ له، ليسِ أن تُحْرِمَ بها مِن أهْلِك.
قال أحمدُ: كان سُفْيان يُفَسِّرُه بهذا.
وكذلك فَسَّرَه به أحمدُ.
ولا يَصِحُّ أن يُفَسَّرَ بنَفْسِ الإِحْرامِ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه ما أحْرَمُوا بها مِن بُيُوتِهم، وقد أمَرَهم اللهُ سبحانه بإتْمامِ العُمْرَةِ، فلو حُمِل قَوْلُهم على ذلك لكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه تَارِكين الأمْرَ.
ثم إنَّ عُمَرَ وعليًّا ما كانا يُحْرِمان إلَّا مِن المِيقاتِ، أفَتَراهما يَرَيان أنَّ ذلك ليس بإتْمامٍ لها، ويَفْعَلانه؟! هذا لا يَنْبَغى أن يَتَوَهَّمَه أحَدٌ.
ولذلك أنْكَرَ عُمَرُ على عِمْرانَ إحْرامَه مِن مِصْرِه، واشْتَدَّ عليه، وكَرِه أن يَتَسامَعَ النّاسُ، مَخافَةَ أن يُؤْخَذَ به، أفتراه كَرِه إتْمامَ العُمْرَةِ، واشْتَدَّ عليه أن يَأْخُذَ النّاسُ بالأفْضَلِ؟! هذا لا يَجُوزُ، فتَعَيَّنَ حَمْلُ قَوْلِهما على ما حَمَلَه عليه الأئِمَّةُ.