الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 345-385

فَإِذَا فَكَّ عَنْهُ الْحَجْرَ، فَلَزِمَتْهُ دُيُونٌ، وَحَجَرَ عَلَيهِ، شَارَكَ غُرَمَاءُ الْحَجْرِ الْأَوَّلِ غُرَمَاءَ الْحَجْرِ الثَّانِي.
وَإنْ كَانَ لِلْمُفْلِسِ حَقٌّ لَهُ بِهِ شَاهِدٌ، فَأَبَى أن يَحْلِفَ مَعَهُ، لَمْ يَكُنْ لِغُرَمَائِهِ أنْ يَحْلِفُوا.

1932 - مسألة: (ومتى فَكَّ عنه الحَجْرَ، فلَزِمَتْه دُيُونٌ)

وظَهَر له مالٌ (فحَجَرَ عليه، شارَكَ غُرَماءُ الحَجْرِ الأوَّلِ غُرَماءَ الحَجْرِ الثانِي) إلَّا أنَّ الأوّلِين يَضْرِبُون بِبَقِيَّةِ دُيُونِهم، والآخَرِين يَضْرِبُون بجَمِيعِها.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال مالِكٌ: لا يَدْخُلُ غُرَماءُ الحَجْرِ الأوَّلِ على هؤلاءِ الذِين تَجَدَّدَتْ حُقُوقُهم حتى يَسْتَوْفُوا، إلَّا أن يكونَ له فائِدَةٌ مِن مِيراثٍ، أو يُجْنَى عليه جِنايَةٌ، فيَتَحاصَّ الغُرَماءُ فيه.
ولَنا، أنَّهم تَساوَوْا في ثُبُوتِ حُقُوقِهم في ذِمَّتِه، فتَساوَوْا في الاسْتِحْقاقِ، كالذين ثَبَتَتْ حُقُوقهم في حَجْرٍ واحِدٍ، وكتَساويهم في المِيراثِ وأَرْشِ الجِنايَةِ، ولأنَّ كَسْبَه مالٌ له، فتَساوَوْا فيه، كالمِيراثِ.
1933 -

مسألة: (وإن كان للمُفْلِسِ حَقٌّ له به شاهِدٌ، فأبَى أن يَحْلِفَ معه، لم يَكُنْ لغُرَمائِه أن يَحْلِفُوا)

المُفْلِسُ في الدَّعْوَى كغَيرِه، فإذا ادَّعَى حَقًّا له به شاهِدُ عَدْلٍ، وحَلَف مع شاهِدِه، ثَبَت المالُ، وتَعَلَّقَتْ به حُقُوقُ الغُرَماءِ.
وإنِ امْتَنَعَ لم يُجْبَرْ؛ لأنَّنا لا نَعْلَمُ صِدْقَ الشّاهِدِ، ولو

فَصْلٌ: الْحُكْمُ الرَّابعُ، انْقِطَاعُ الْمُطَالبَةِ عَنْهُ، فَمَنْ أقْرَضَهُ شَيئًا، أوْ بَاعَهُ، لَمْ يَمْلِكْ مُطَالبَتَهُ حَتَّى يُفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ.
ثَبَت الحَقُّ بشَهادَتِه لم يَحْتَجْ إلى يَمِينٍ معه، فلا نُجْبِرُه على [الحَلِفِ على] 1 ما لا نَعْلَمُ صِدْقَه، كغيرِه.
فإن قال الغُرَماءُ: نحن نَحْلِفُ مع الشّاهِدِ.
لم يكُنْ لهم ذلك.
وبهذا قال الشافعيُّ في الجَدِيدِ.
وقال في القَدِيمِ: يَحْلِفُون معه؛ لأنَّ حُقوقَهم تَعَلَّقَتْ بالمالِ، فكان لهم أن يَحْلِفُوا، كالوَرَثَةِ يَحْلِفُون على مالِ مَوْرُوثِهِم.
ولَنا، أنَّهم يُثْبِتُون مِلْكًا لغيرِهم لتَعَلُّقِ حُقُوقِهم به بعدَ ثُبُوتِه، فلم يَجُزْ لهم ذلك، كالمرأةِ تَحْلِفُ لإِثْباتِ مِلْكِ زَوْجِها، لتَعَلُّقِ نَفَقَتِها به، وكالوَرَثَةِ قبلَ مَوْتِ مَوْرُوثِهم.
وفارَقَ ما بعدَ المَوْتِ، فإنَّ المال انْتَقَلَ إليهم، فهم يُثْبِتُون بأيمانِهم مِلْكًا لأنْفسِهم.
فصل: (الحُكْمُ الرّابعُ، انْقِطاعُ المُطالبَةِ عن المُفْلِسِ، فمَن أقْرَضَه شَيئًا، أو باعَه، لم يَمْلِكْ مُطَالبَتَه حتى يُفَكَّ الحَجْرُ عنه) إذا تَصَرَّفَ المَحْجُورُ عليه في ذِمَّتِه، بشِراءٍ أو اقْتِراض، صَحَّ؛ لأنَّه أهْلٌ للتَّصَرُّفِ، والحَجْرُ إنَّما تَعَلَّقَ بمالِه، وقد ذَكَرْناه.
وليس للبائِعِ ولا

فَصْلٌ: الضَّرْبُ الثَّانِي، الْمَحْجُورُ عَلَيهِ لحَظِّهِ؛ وَهُوَ الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ، وَالسَّفِيهُ،  للمُقْرِضِ مُطالبَتُه في حالِ الحَجْرِ؛ لأنَّ حَقَّ الغُرَماءِ تَعَلَّقَ بعَينِ مالِه المَوْجُودِ حال الحَجْرِ، وبما يَحْدُثُ له مِن المالِ، فقُدِّمُوا على غيرِهم ممَّن لم يَتَعَلَّقْ حَقُّه بعَينِ المالِ، كتَقْدِيمِ حَقِّ المُرْتَهِنِ بثَمَنِ الرَّهْنِ، وتَقدِيم حَقِّ المَجْنِيِّ علية بثَمَنِ العَبْدِ الجانِي، فلا يُشارِكُ أصْحابُ هذه الدُّيُونِ الغُرَماءَ؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّ مَن عَلِم منهم بفَلَسِه، فقد رَضِيَ بذلك، ومَن لم يَعْلَمْ فهو مُفَرِّطٌ.
ويَتْبَعُونَه بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، كما لو أقَرَّ لإِنْسانٍ بمالٍ بعدَ الحَجْرِ عليه، وفي إقْرارِه خِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى.
فإن وَجَد البائِعُ والمُقْرِضُ أعْيانَ أمْوالِهما، فهل لهم الرُّجُوعُ فيها؟ على وَجْهَين؛ أحَدُهما، لهما ذلك؛ للخَبَرِ.
والثانِي، لا فَسْخَ لهما؛ لأنَّهما دَخَلا على بَصِيرَةٍ بخَرابِ الذِّمَّةِ، فأشْبَهَ مَن اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيبَه، وقد ذَكَرْنا ذلك.
واللهُ أعلَمُ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (الضرْبُ الثانِي، المَحْجُورُ عليه لحَظِّه؛ وهو الصَّبِيُّ، والمَجْنُونُ، والسَّفِيهُ) الحَجْرُ على هؤلاء الثَّلاثةِ

فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمْ قَبْلَ الإذْنِ.
وَمَنْ دَفَعَ إِلَيهِمْ مَالهُ بِبَيعٍ أو قَرْضٍ، رَجَعَ فِيهِ مَا كَانَ بَاقِيًا، وَإنْ تَلِفَ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ مَالِكِهِ، عَلِمَ بِالْحَجْرِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.
حَجْرٌ عامٌّ، لأنَّهُم يُمْنَعُون التَّصَرُّفَ في أمْوالِهم وذِمَمِهم.
والأصْلُ في الحَجْرِ عليهم قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (1). وقَوْلُه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ (2) الآية.
قال سعيدُ ابنُ جُبَيرٍ، وعِكْرِمَةُ: هو مالُ اليَتِيمِ عِنْدَك، لا تُؤْتِه إيّاه، وأنْفِقْ عليه.
وإنَّما أضاف الأمْوال إلى الأوْلِياءِ، وهي لغيرِهم، لأنَّهم قُوَّامُها ومُدَبِّرُوها (3). وقَوْلُه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾.
أي اخْتَبِرُوهُم في حِفْظِهم لأمْوالِهم.

1934 -

مسألة: (فلا يَصِحُّ تَصَرُّفُهم قبلَ الإِذْنِ)

لأنَّ تَصْحِيحَ تَصَرُّفِهم يُفْضِي إلى ضَياعِ أمْوالِهِم، وفيه ضَرَرٌ عليهم.
1935 -

مسألة: (ومَن دَفَع إليهم ماله ببَيعٍ أو قَرْضٍ رَجَع فيه ما كان باقِيًا)

لأنَّه عَينُ مالِه وتَصَرُّفُهم فاسِدٌ.
فإنْ أتْلَفَه واحِدٌ منهم (فهو مِن123

..................................  ضَمانِ مالِكِه) وكذلك إن تَلِف في يَدِه؛ لأنَّه سَلَّطَه عليه برِضاهُ، وسواءٌ (عَلِم بالحَجْرٍ) على السَّفِيهِ (أو لم يَعْلَمْ) لأنَّه إن عَلِم فقد فَرَّطَ، وإن لم يَعْلَمْ فهو مُفرِّطٌ أيضًا، إذ كان في مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ.
هذا إذا كان صاحِبُه قد سَلَّطَه عليه، فأمّا إن حَصَل في يَدِه باخْتِيارِ صاحِبِه مِن غيرِ تَسْلِيطٍ، كالوَدِيعَةِ والعارِيَّةِ، فاخْتارَ القاضي أنَّه يَلْزَمُه الضَّمانُ إن أتْلَفَه أو تَلِف بتَفْرِيطِه، إن كافي سَفِيهًا؛ لأنَّه أتْلَفَه بغيرِ اخْتِيارِ صاحِبِه، فأشْبَهَ ما لو كان القَبْضُ بغيرِ اخْتِيارِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَضْمَنَ؛ لأنَّه عَرَّضَها لإتْلافِه وسَلَّطَه عليها، فأشْبَهَ المَبِيعَ.

وَإنْ جَنَوْا، فَعَلَيهِمْ أرْشُ الْجِنَايَةِ.

1936 - [مسألة: (وإن جَنَوْا فعليهم أَرْشُ الجِنايَةِ)]

1 أمّا ما أخَذَه بغيرِ اخْتِيارِ المالِكِ، كالغَصْبِ والجِنَايَةِ، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه لا تَفْرِيطَ بن المالِكِ.
وكذلك الحُكْمُ في الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ.
[ومَذْهَبُ الشافعيِّ على ما ذَكَرْنا] 2. فإنْ أوْدَعَ عندَ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، أو أعارَهما، فلا ضَمانَ عليهما فيما تَلِف بتَفْرِيطِهما؛ لأنَّهما لَيسا مِن أهْلِ الحِفْظِ.
وإن أتْلَفاه، ففيه وَجْهانِ، نَذْكُرُهما في الوَدِيعَةِ.

وَمَتَى عَقَلَ الْمَجْنُونُ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ، وَرَشَدَا، انْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُمَا بِغَيرِ حُكْمِ حَاكِمٍ، وَدُفِعَ إِلَيهِمَا مَالُهُمَا، وَلَا يَنْفَكُّ قَبْلَ ذَلِكَ بِحَالٍ.

1937 - مسألة: (ومتى عَقَل المَجْنُونُ، وبَلَغ الصَّبِيُّ، ورَشَدا، انْفَكَّ الحَجْرُ عنهما بغيرِ حُكْمِ حاكِمٍ، ودُفِع إليهما مالُهما، ولا يَنْفَكُّ قبلَ ذلك بحالٍ)

إذا عَقَل المَجْنُونُ ورَشَد انْفَكَّ الحَجْرُ عنه، ولا يَحْتاجُ إلى حُكْمِ حاكِمٍ، بغيرِ خِلافٍ، وكذلك الصَّبِيُّ إذا بَلَغ ورَشَد.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وقال مالِكٌ: لا يَزُولُ إلَّا بِحاكِمٍ 1. وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشّافِعِيِّ، لأنَّه مَوْضِعُ اجْتِهادٍ ونَظَرٍ، فإنَّه يَحْتَاجُ في مَعْرِفَةِ البُلُوغِ والرُّشْدِ إلى اجْتِهادٍ، فيُوقَفُ ذلك على حُكْمِ الحاكِمِ، كزوالِ الحَجْرِ عن السَّفِيهِ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾ 2. أمَرَ بدَفْعِ أمْوالِهم إليهم عندَ البُلُوغِ وإيناسِ الرُّشْدِ، فاشْتِراطُ حُكْمِ الحاكِمِ زِيادَةٌ تَمْنَعُ الدَّفْعَ عندَ وُجُودِ

..................................  ذلك، حتى يَحْكُمَ الحاكِمُ، وهذا مُخالِفٌ لظاهِرِ النَّصِّ، ولأنَّه حَجْرٌ ثَبَت بغيرِ حُكْمِ حاكِمٍ، فيَزُولُ بغيرِ حُكْمِه، كالحَجْرِ على المجْنُونِ، ولأنَّ الحَجْرَ عليه إنَّما كان لعَجْزِه عن التَّصَرُّفِ في مالِه على وَجْهِ المَصْلَحَهِ، حِفْظًا لمالِه عليه، فمتى بَلَغ ورَشَد، زال الحَجْرُ، لزَوالِ سَبَبِه، والسَّفِيهُ لنا فيه مَنْعٌ.
فعلى هذا، الحَجْرُ مُنْقَسِمٌ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ؛ قِسْمٌ يَزُولُ بغَيرِ حُكْمِ الحاكِمِ، وهو الحَجْرُ للجُنُونِ.
وقِسْمٌ لا يَزُولُ إلَّا بحُكْمِ حاكِم، وهو الحَجْرُ للسَّفَهِ.
وقِسْمٌ فيه الخِلاف، وهو الحَجْرُ للصِّبَا 1. فصل: ومتى انْفَكَّ الحَجْرُ عنهما، دُفِع إليهما مالُهما؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾.
قال ابنُ المُنْذِرِ: اتَّفَقُوا على ذلك.
ولأنَّ مَنْعَه مِن التَّصَرُّفِ إنَّما كان لعَجْزِه عن التَّصَرُّفِ، حِفْظًا لمالِه، فإذا صار أهْلًا للتَّصَرُّفِ، زال الحَجْرُ؛ لزَوالِ سَبَبِه.
فصل: ولا يَنْفَكُّ عنه الحَجْرُ، ولا يُدْفَعُ إليه مالُه قبلَ البُلُوغِ والرُّشْدِ، ولو صار شيخًا.
وهو قولُ الأكْثَرِين.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أكْثَرُ عُلَماءِ الأمْصار مِن أهلِ العِراقِ، والحِجازِ، والشّامِ، ومِصْرَ، يَرَوْن الحَجْرَ على كلِّ مُضَيِّعٍ لمالِه، صَغِيرًا كان أو كَبِيرًا.
وبه قال القاسِمُ بنُ

..................................  محمدٍ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وروَى الجُوزْجانِيُّ، في «كِتابِه» قال: كان القاسِمُ بنُ محمدٍ يَلِي أمْرَ شيخٍ مِن قُرَيش ذي أهْلٍ ومالٍ، فلا يَجُوزُ له أمْرٌ في مالِه دُونَه؛ لضَعْفِ عَقلِه.
قال ابنُ إسحاقَ: رَأيتُه شيخًا يَخْضِبُ، وقد جاء إلى القاسِمِ بنِ محمدٍ، فقال: يا أبا محمدٍ ادْفَعْ إليَّ مالِي، فإنَّه لا يُولَّى على مِثْلِي.
فقال: إنَّك فاسِدٌ.
فقال،: امْرَأَتُه طالِقٌ ألْبَتَّةَ، وكلُّ مَمْلُوكٍ له حُرٌّ، إن لم تَدْفَعْ إلَيَّ مالِي.
فقال القاسِمُ بنُ محمدٍ: وما يَحِلُّ لَنا أن نَدْفع إليك مالك على حالِك هذه.
فبَعَثَ إلى امْرَأتِه، وقال: هي حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ، وما كُنْتُ لأحْبِسَها عَلَيكَ وقد فُهْتَ بطَلاقِها.
فأرْسَلَ إليها فأخبَرَها ذلك، وقال: أمّا رَقِيقُكَ فلا عِتْقَ لك ولا كَرَامَةَ.
فَحَبَسَ رَقِيقَه.
قال ابنُ إسحاقَ: ما كان يُعابُ على الرجلِ إلَّا سَفَهُه.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يُدْفَعُ مالُه إليه قبلَ خَمْسٍ وعِشْرِين سَنَةً، وإن تَصَرَّفَ نَفَذ تَصَرُّفُه، فإذا بَلَغ خَمْسًا وعِشْرِين سَنَة، فُكَّ الحَجْرُ عنه ودُفِعَ إليه مالُه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ 1. وهذا قد بَلَغ أشُدَّه، ويَصْلُحُ أن يكونَ جَدًّا، ولأنَّه حُرٌّ بالِغٌ عاقِلٌ مُكَلَّفٌ، فلا يُحْجَرُ عليه، كالرَّشِيدِ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ﴾.
أي أمْوالهم.
وقَوْلُه تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾.
عَلَّقَ الدَّفْعَ على

..................................  شَرْطَين، والحُكْمُ المُعَلَّقُ على شَرْطَين لا يَثْبُتُ بدُونِهما.
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ 1. فأثْبَتَ الولايةَ على السَّفِيهِ، ولأنَّه مُبَذِّرٌ، فلم يَجُزْ دَفْعُ مالِه إليه، كمَن له دُونَ ذلك.
وأمّا الآيَةُ التي احْتَجَّ 2 بها، فإنَّما تَدُلُّ بدَلِيلِ خِطابِها، وهو [لا يَقولُ] 3 به، ثم هي مُخَصَّصَةٌ فيما قبلَ خَمْسٍ وعِشْرِين بالإجْماعِ؛ لعِلَّةِ السَّفَهِ، وهو مَوْجُود بعدَ خَمْسٍ وعِشْرِين، فيَجِبُ أن يُخَصَّ به أيضًا،؛ أنَّها لَمّا خُصِّصَتْ في حَقِّ المَجْنُونِ لجُنُونِه فيما قبلَ خَمْسٍ وعِشْرِين خُصِّصَتْ بعدَها.
وما ذَكَرْنا من المَنْطُوق أوْلَى ممّا اسْتَدَلَّ به مِن المَفْهُومِ المُخَصَّصِ.
وقَوْلُه: إنَّه صار يَصْلُحُ جَدًّا لا مَعْنًى تحتَه يَقْتَضِي الحُكْمَ، ولا له أصْلٌ يَشْهَدُ له 4 في الشَّرْعِ، فهو إثْباتٌ للحُكْمِ بالتَّحَكُّمِ، ثم هو مُتَصَوَّرٌ ممَّن له 5 دُونَ هذا السِّنِّ، فإنَّ المرأةَ تكونُ جَدَّةً لإِحْدَى وعِشْرِين سَنَةً.
وقِياسُهم مُنْتَقِضٌ بمَن له دُونَ خَمْسٍ وعِشْرِين سَنَةً، فما أوْجَبَ الحَجْرَ قبلَها يُوجِبُه بعدَها.
إذا ثَبَت هذا، فإَّنه لا يَصِحُّ تَصَرُّفُه ولا إقْرارُه.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ بَيعُه وإقْرارُه؛ لأنَّ البالِغَ عندَه لا يُحْجَرُ عليه، وإنَّما لم يُسَلَّمْ إليه

وَالْبُلُوغُ يَحْصُلُ بِالاحْتِلَامِ، أوْ بُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، أَوْ نَبَاتِ الشَّعَرِ الْخَشِنِ حَوْلَ الْقُبُلِ، وَتَزِيدُ الْجَارِيَةُ بِالْحَيضِ وَالْحَمْلِ.
مالُه (1)، للآيَةِ.
ولَنا، أنَّه لا يُدْفَعُ إليه مالُه، لعَدَمِ رُشْدِه، فلم يَصِحَّ تَصَرُّفُه وإقْرارُه، كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، ولأنَّه إذا نَفَذ تَصَرُّفُه وإقْرارُه تَلِف مالُه، ولم يُفِدْ مَنْعُه مِن مالِه شيئًا، ولأنَّ تَصَرُّفَه لو كان نافِذًا، لسُلِّمَ إليه مالُه، كالرَّشِيدِ، فإنَّه إنَّما مُنِع ماله حِفْظًا له، فإذا لم يُحْفَظْ بالمَنْعِ، وَجَب تَسْلِيمُه إليه بحُكْمِ الأصْلِ.

1938 -

مسألة: (والبُلُوغُ يَحْصُلُ بالاحْتِلامِ، أو بُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، أو نَباتِ الشَّعَرِ الخَشِنِ حَوْلَ القُبُلِ، وتَزِيدُ الجارِيَةُ بالحَيضِ والحَمْلِ)

يَثْبُتُ البُلُوغُ في حَقِّ الجارِيَةِ والغُلامِ بأحَدِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ، وهي، خُرُوجُ المَنِيِّ مِن القُبُلِ، وهو الماءُ الدّافِقُ الذي يُخْلَقُ منه الوَلدُ، كيفما خَرَج في يَقَظَةٍ أو مَنامٍ، بجِماعٍ أو احْتِلامٍ، أو غيرِ ذلك، يَحْصُلُ به البُلُوغُ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لقَوْلِ1

..................................  اللهِ تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ 1. وقَوْلِه: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ 2. وقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ، عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ».
رواه أبو داودَ 3. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعُوا على أنَّ الفَرائِضَ والأحْكامَ تَجِبُ على المُحْتَلِمِ العاقِلِ، وعلى المرأةِ بظُهُورِ الحَيضِ منها.
الثانِي، السِّنُّ، وهو بُلُوغُ خَمْسَ عَشرَةَ سَنَةً، [يَحْصُلُ به البُلُوغُ] 4 في حَقِّ الغُلامِ والجارِيَةِ.
وبهذا قال

..................................  الأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال داودُ: لا حَدَّ للبُلُوغِ مِن السِّنِّ؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «رُفِعَ الْقَلَمُ [عَنْ ثَلَاثٍ] 1؛ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ».
وإثْباتُ البُلُوغِ بِغيرِه يُخالِفُ الخَبَرَ.
وهذا قَوْلُ مالِكٍ.
وقال أصْحابُه: سَبْعَ عَشْرَةَ، أو ثَمانِيَ عَشْرَةَ.
وعن أبي حَنِيفَةَ في الغُلامِ رِوايَتانِ؛ إحْداهما، سَبْعَ عَشْرَةَ.
والثانِي، ثَمانِيَ عَشرَةَ، والجارِيَةُ سَبْعِ عَشْرَةَ بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّ الحَدَّ لا يَثْبُتُ إلَّا بتَوْقِيفٍ أو اتِّفاقٍ، ولا تَوْقِيف فيما دُونَ هذا، ولا اتِّفاقَ.
ولَنا، أنَّ ابنَ عُمَرَ قال: عُرِضْتُ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ فلمِ يُجِزْنِي في القِتالِ، وعُرِضْتُ علية وأنا ابنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فأجازَني.
مُتَّفقٌ عليه 2. وفي لفظٍ: عُرِضْتُ عليه يومَ أُحُدٍ وأنا ابنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ فرَدَّنِي، ولم يَرَنِي بَلَغْتُ، وعُرِضْتُ عليه عامَ الخَنْدَقِ وأنا ابنُ خمْسَ عَشْرَةَ فأجازَنِي.
فأُخْبِرَ بهذا عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، فكَتَبَ إلى عُمّالِه: أن لا تَفْرِضُوا إلَّا لمَن بَلَغ خَمْسَ عَشْرَةَ.
رَواه الشافعيُّ

..................................  في «مُسْنَدِه»، والتِّرْمِذِيُّ 1. وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ولأنَّ السِّنَّ مَعْنًى يَحْصُلُ به البُلُوغُ، يَشْتَرِكُ فيه الجارِيَةُ والغُلامُ، فاسْتَوَيا فيه، كالإِنْزالِ.
وما احْتَجَّ به مالِكٌ ودَاودُ لا يَمْنَعُ إثْباتَ البُلُوغِ بغيرِ الاحْتِلامِ إذا ثَبَت بالدَّلِيلِ، ولهذا كان إنْباتُ الشَّعَرِ عَلَمًا عليه.
الثالثُ، نَباتُ الشَّعَرِ الخَشِنِ حَوْلَ ذَكَرِ الرجلِ، وفَرْجِ المَرْأةِ.
فأمَّا الزَّغَبُ الضَّعِيفُ، فلا اعْتِبارَ به، فإنَّه يَثْبُتُ في حَقِّ الصَّغِيرِ.
وبهذا قال مالِكٌ، والشافعيُّ في قولٍ، وقال في الآخَرِ: هو بُلُوغٌ في حَقِّ المُشْرِكِين، وهل هو بُلُوغٌ في حَقِّ المسلمين؟ فيه قَوْلَان.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا اعْتِبارَ به؛ لأنَّه نَبات شَعَرٍ، أشْبَهَ سائِرَ شَعَرِ البَدَنِ.
ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا حَكَّمَ سعدَ بنَ مُعاذٍ في بني قُرَيظَةَ، حَكَم بأنْ تُقْتَلَ مُقاتِلَتُهم وتُسْبَى ذَرارِيُّهم، فأمَرَ بأن يُكْشَفَ عن مُؤْتزَرِهم، فمَن أنْبَتَ فهو مِن المُقاتِلَةِ، ومَن لم يُنْبِتْ ألْحَقُوهُ بالذُّرِّيَّةِ.
قال عَطِيَّةُ القُرَظِيُّ: عُرِضْتُ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ قُرَيظَةَ، فَشَكُّوا فِيَّ، فأمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُنْظَرَ إلَيَّ، هل أنْبَتُّ بَعْدُ؟ فنَظَرُوا إلَيَّ، فلم يَجِدُونِي أنْبَتُّ بَعْدُ، فألْحَقُونِي.
بالذُّرِّيَّةِ.
مُتَّفَقٌ على

..................................  مَعْناهُ 1. وكَتَب عُمرُ، رَضِيَ اللهُ عنه، إلى عامِلِه، أن لا تَأْخُذَ الجِزْيَةَ إلَّا مِمَّن جَرَتْ عليه المَواسِي 2. وروَاى محمدُ بنُ يَحْيَى بنِ حَبّانَ 3، أنَّ غُلامًا مِن الأنْصارِ شَبَّبَ بامرأةٍ في شِعْرِه، فرُفِعَ إلى عُمَرَ، فلم يَجِدْه أنْبَتَ، فقال: لو أنْبَتَّ الشَّعَرَ 4 لحَدَدْتُك 5. ولأنَّه خارِجٌ يُلازِمُه البُلُوغُ غالِبًا، يَسْتَوى فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى، فكان عَلَمًا على البُلُوغِ، كالاحْتِلام.
ولأنَّ الخارِجَ ضَرْبانِ؛ مُنْفَصِلُ، ومُتَّصِلٌ، فلَمّا كان مِن المُنْفَصِلِ مَا يَثْبُتُ به البُلُوغُ، كذلك المُتَّصِلُ، وما كان بُلُوغًا في حَقِّ المُشْرِكِ كان بُلُوغًا في حَقِّ المُسْلِمِ، كالاحْتِلامِ والسِّنِّ.
فصل: والحَيضُ عَلَم على البُلُوغِ في حَقِّ الجارِيَةِ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وقد دَلَّ عليه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَقْبَل اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بخِمَارٍ».
رَواه التِّرْمِذِيُّ 6. وقال: حديثٌ حسنٌ.
وكذلك الحَمْلُ يَحْصُلُ به البُلُوغُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أجْرَى العادَةَ أنَّ الوَلَدَ إنَّما يُخْلَقُ مِن ماءِ الرجلِ

..................................  وماءِ المرأةِ، قال اللهُ تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَينِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ 1. وأخْبَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بذلك في الأحَادِيثِ.
فعلى هذا، يُحْكَمُ ببُلُوغِها في الوَقْتِ الذي حَمَلَتْ فيه.
فصل: إذا وُجِد خُرُوجُ المَنِيِّ مِن ذَكَرِ 2 الخُنْثَى المُشْكِلِ، فهو عَلَمٌ على بُلُوغِه وكونِه رجلًا، وإن خَرَج مِن فَرْجِه أو حاضَ، كان عَلَمًا على بُلُوغِه وكونِه امرأةً.
وقال القاضي: ليس واحِدٌ منهما عَلَمًا على البُلُوغِ، فإنِ اجْتَمَعا فقد بَلَغ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، لجَوازِ أن يَكُونَ الفَرْجُ الذي خَرَج منه ذلك خِلْقَةً زائِدَةً.
ولَنا، أنَّ خُرُوجَ البَوْلِ مِن أحَدِ الفَرْجَين دَلِيلٌ على ذُكُورِيَّتِه أو أُنْوثيَّته، فخُرُوجُ المَنِيِّ والحَيضِ أوْلَى، وإذا ثَبَت كَوْنُه رجلًا خرَج المَنِيُّ مِنِ ذَكَرِه، أو امرأةً خَرَج الحَيضُ مِن فَرْجِها، لَزِم وجُودُ البُلُوغِ، ولأنَّ خُرُوجَ مَنِيِّ الرجلِ مِن المرأةِ، أو الحَيضِ مِن الرجلِ، مُسْتَحِيلٌ، فكان دَلِيلًا على التَّعْيِينِ، وإذا ثَبَت التَّعْيينُ، لَزِم كَوْنُه دَلِيلًا على البُلُوغِ، كما لو 3 تَعَيَّنَ قبلَ خُرُوجِه، ولأنَّهم سَلَّمُوا أنَّ خُرُوجَهما معًا دَلِيلٌ [على البُلُوغِ] 4،

..................................  فخُرُوجُ أحَدِهما مُنْفَرِدًا أوْلَى، لأنَّ: خُرُوجَهما معًا يَقْتَضِي تَعارُضَهما وإسْقاطَ دَلالتِهِما، إذ لا يُتَصَوَّرُ أن يَجْتَمِعَ حَيضٌ صَحِيحٌ ومَنيُّ رجلٍ، فيَلْزَمُ أنْ يكونَ أحَدُهما فَضْلَةً خارِجَةً مِن غيرِ مَحَلِّها، وليس أحَدُهما بذلك أوْلَى مِن الآخَرِ، فتَبْطُلُ دَلالتُهما، كالبَيِّنتَين إذا تَعارَضَتَا، وكالبَوْلِ إذا خرَج مِن المَخْرَجَينِ جَمِيعًا، بخِلافٍ ما إذا وُجِد أحَدُهما مُنْفَرِدًا، فإنَّ اللهَ تعالى أجْرَى العادَةَ بأنَّ الحَيضَ يَخْرُجُ مِن فَرْجِ المرأةِ عندَ بُلُوغِها، ومَنِيَّ الرجلِ يَخْرُجُ مِن ذَكَرِه عند بُلُوغِه، فإذا وُجِد ذلك مِن غيرِ مُعارِضٍ، وَجَب أنْ يَثْبُتَ حُكْمُه،، يُقْضَى بثُبُوتِ دَلالتِه، كالحُكْمِ بكَوْنِه رَجلًا بخُرُوجِ البَوْلِ مِن ذَكَرِه، وبكَوْنِه أُنْثَى بخُروجِه مِن فَرْجِه 1، والحُكْمِ للغُلامِ بالبُلُوغِ بخُرُوجِ المنِيِّ مِن ذَكَرِه، وللجارِيَةِ بخُرُوجِ الحَيضِ مِن فَرْجِها.
فعلى هذا، إن خَرَجا جَمِيعًا، لم يَثْبُتْ كَوْنُه رجلًا ولا امرأةً.
وهل يَثْبُتُ البُلُوغُ بذلك؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَثْبُت.
وهو اخْتِيارُ القاضي، ومَذْهَبُ الشافعيِّ، لأنَّه إن كان.
رجلًا، فقد خَرَجِ المَنِيُّ مِن ذَكَرِه، وإن كان أُنْثَى، فقد حاضَتْ.
والثانِي، لا يَثْبُتُ؛ لأنَّ هذا يَجُوزُ أن لا يَكُونَ حَيضًا ولا مَنِيًّا، فلا يكونُ فيه دَلالةٌ، وقد دَلَّ على ذلك تَعارُضُهما، فانْتَفَتْ دَلالتُهما على البُلُوغِ، كانْتِفاءِ دَلالتِهما على الذُّكُورِيَّةِ والأنُوثِيَّةِ.

وَالرُّشْدُ الصَّلَاحُ في الْمَالِ.

1939 - مسألة: (والرُّشْدُ الصَّلاحُ في المالِ)

وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم مالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ.
وقال الحَسَنُ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: الرُّشْدُ الصَّلاحُ في الدِّينِ والمالِ؛ لأنَّ الفاسِقَ 1 غيرُ رَشِيدٍ، ولأنَّ إفْسادَه دِينَه يَمْنَعُ الثِّقَةَ به في حِفْظِ مالِه، كما يَمْنَعُ قَبُولَ قَوْلِه وثُبُوتَ الولايةِ على غيرِه، وإن لم يُعْرَفْ منه كَذِبٌ ولا تَبْذِيرٌ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾.
قال ابنُ عباس: يَعْنِي صَلاحًا في أمْوالِهم.
وقال مُجاهِدٌ: إذا كان عاقِلًا.
ولأنَّ هذا إثْباتٌ في نَكِرَةٍ، ومَن كان مُصْلِحًا لمالِه فقد وُجِد منه رُشْدٌ 2، ولأنَّ العَدالةَ لا تُعْتَبَرُ في الرُّشْدِ في الدَّوامِ، فلا تُعْتَبَرُ في الابْتِداءِ، كالزُّهْدِ في الدُّنْيا، ولأنَّ هذا مُصْلِحٌ لمالِه، فأشْبَهَ العَدْلَ، يُحَقِّقُه أنَّ الحَجْرَ عليه إنَّما كان لحِفظِ مالِه عليه، والمُؤثِّرُ فيه ما أَثَّر في تضْيِيعِ المالِ أو حِفظِه.
قَوْلُهم: إنَّ الفاسِقَ غيرُ رَشِيدٍ.
قُلْنا: هو غيرُ رَشِيدٍ في دِينِه، أمّا في مالِه وحِفْظِه فهو رَشِيدٌ، ثم هو مُنْتَقِضٌ بالكافِرِ فإنَّه غيرُ رَشِيدٍ في دِينِه، ولا يُحْجَرُ عليه لذلك، ولا يَلْزَمُ مِن مَنْعِ قَبُولِ القولِ مَنْعُ 3 دَفْعِ

وَلَا يَدْفَعُ إِلَيهِ مَالهُ حَتَّى يُخْتَبَرَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أوْلَادِ التُّجَّارِ، فَبِأَنْ يَتَكَرَّرَ مِنْهُ الْبَيع وَالشِّرَاءُ، فَلَا يُغْبَنَ، وَإنْ كَانَ مِنْ أُوْلَادِ الرُّؤَسَاءِ.
وَالْكُتَّابِ، فَبِأَنْ يَسْتَوْفِيَ عَلَى وَكِيلِهِ فِيمَا وَكَّلَهُ فِيهِ.
والْجَارِيَةُ بِشِرَائِهَا الْقُطْنَ، وَاسْتِجَادَتِهِ، وَادَفْعِهَا الأُجْرَةَ إِلَى الْغَزَّالاتِ، وَالاستِيفَاءِ عَلَيهِنَّ.
مالِه إليه، فإنَّ مَن يُعْرَفُ بكَثْرَةِ الغَلَطِ والنِّسْيانِ، أو مَن يَأْكُلُ في السُّوقِ، ويَمُدُّ رِجْلَيه في مَجْمَعِ النّاسِ، لا تُقْبَلُ شَهادَتُهم، وتُدْفَعُ إليهم أمْوالُهم.

1940 -

مسألة: (ولا يَدْفَعُ إليه مَاله حتى يُخْتَبَرَ)

لأنَّه إنَّما يُعْرَفُ رُشْدُه باخْتِبارِه؛ لقولِ الله تِعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾.
أي اخْتَبِرُوهم، واخْتِبارُه بتَفْويضِ التَّصَرُّفاتِ التي يَتَصَرَّفُ فيها أمْثَاله إليه (فإن كان مِن أوْلادِ التُّجّارِ) فُوِّضَ إليه البَيعُ والشِّراءُ (فإذا تَكَرَّرَ منه، فلم يُغْبَنْ) ولم يُضَيِّعْ ما في يَدَيه، فهو رَشِيدٌ، وإنَّ كان مِن أوْلادِ الدَّهاقِينِ والكُبَراءِ الَّذين يُصانُ أمْثالُهم عن الأسْواقِ، دُفِعَتْ إليه نَفَقَةُ مُدَّةٍ؛ ليُنْفِقَها في مَصالِحِه، فإن صَرَفَها في مَصارِفِها ومَواقِعِها، واسْتَوْفَى على وَكِيلِه فيما وَكَّلَه فيه 1، واسْتَقْصَى عليه، دَلَّ على رُشْدِه.
والمرأةُ يُفَوَّضُ إليها ما يُفوَّضُ إلى رَبَّةِ البَيتِ، مِن اسْتِئْجارِ الغَزّالاتِ، وتَوْكِيلِها في شِراءِ الكَتَّانِ، وأشْباهِ ذلك.
فإن وُجِدَتْ ضابِطَةً لِما في يَدَيها، مُسْتَوْفِيَةً مِن وَكِيلِها، فهي رَشِيدَةٌ.

وَأنْ يَحْفَظَ مَا في يَدِهِ عَنْ صَرْفِهِ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ كَالْغِنَاءِ، وَالْقِمَارِ، وَشِرَاءِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَنَحْوهِ.
وَعَنْهُ، لَا يُدْفَعُ إِلَى الْجَارِيَةِ مَالُها بَعْدَ رُشْدِهَا، حَتَّى تَتَزَوَّجَ وتَلِدَ، أوْ تقِيمَ في بَيتِ الزَّوْجِ سَنَةً.

1941 - مسألة: (وأن يَحْفَظَ ما في يَدِه عن صَرْفِه فيما لا فائِدَةَ فيه؛ كالغِناء، والقِمارِ، وشِراءِ المُحَرَّماتِ)

وشِراء آلاتِ اللَّهْو والخَمْرِ، وأنَّ يَتَوَصَّلَ به إلى الفَسادِ، فهذا غيرُ رَشِيدٍ؛ لأَنَّه تَبْذِيرٌ لمالِه، وتَضْيِيعُه فيما لا فائِدَةَ فيه.
فإن كان فِسْقُه بالكَذِبِ والتَّهاوُنِ بالصلاةِ، مع حِفْظِه لمالِه، لم يَمْنَعْ ذلك مِن دَفْعَ مالِه إليه؛ لِما ذَكَرْنا.
1942 -

مسألة: (وعنه، لا يُدْفَعُ إلى الجارِيَةِ مالُها بعدَ رُشْدِها، حتى تَتَزَوَّجَ وتَلِدَ، أو تُقِيمَ في بَيتِ الزَّوْجِ سَنَةً)

المَشْهُورُ في المَذْهَبِ أنَّ الجارِيَةَ إذا بَلَغَتْ ورَشَدَتْ، دُفِع إليها مالُها، كالغُلامِ، وزال الحَجْرُ عنها وإن لم تَتَزَوَّجْ.
وهذا قَوْلُ عَطاءٍ.، والثَّوْرِيِّ، وأبي حَنِيفَةَ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
ونَقَل أبو طالِبٍ عن أحمدَ، أنَّ الجارِيَةَ لا يُدْفَعُ إليها مالُها، حتى تَتَزَوَّجَ وتَلِدَ، أو تُقِيمَ سَنَةً في بَيتِ الزَّوْجِ.
رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ.
وبه قال شُرَيحٌ، والشَّعْبِيُّ، وإسحاقُ؛ لِما رُوِيَ عن شُرَيح أنَّه قال: عَهِد إلَيَّ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، أن لا أُجيزَ لجارِيَةٍ عَطِيَّةً حتى تَحُولَ في بَيتِ زَوْجِها حَوْلًا، أو تَلِدَ.
رَواهُ سعيدٌ في «سُنَنِه».

..................................  ولا يُعْرَفُ له مُخالِفٌ، فصار إجْماعًا.
وقال مالِكٌ: لا يُدْفَعُ إليها مالُها حتى تَتَزَوَّجَ، ويَدْخُلَ عليها زَوْجُها؛ لأنَّ كلَّ حَالةٍ جاز للأبِ تَزْويجُها مِن غيرِ إذْنِها، لم يَنْفَكَّ عنها الحَجْر، كالصَّغِيرَةِ.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾، لأنَّها يَتِيمٌ بَلَغ وأُونِسَ منه الرُّشْدُ، فيُدْفَعُ إليه مالُه، كالرجلِ، ولأنَّها بالغَةٌ رَشِيدَةٌ، فجاز لها التَّصَرُّفُ في مالِها، كالتي دَخَل بها الزَّوْجُ، وحديث عُمَرَ، إن صَحَّ، فلم نَعْلَمِ انْتِشارَه في الصَّحابَةِ، فلا يُتْرَكُ به الكتابُ والقِياسُ، وعلى أنَّ حديثَ عُمَرَ مُخْتَصٌّ بمنْعِ العَطِيَّةِ، فلا يَلْزَمُ منه المَنْعُ مِن تسْلِيمِ مالِها إليها ومَنْعُها مِن سائِرِ التَّصَرُّفاتِ، ومالِكٌ لم يَعْمَلْ به، وإنَّما اعْتَمَدَ على إجْبارِ الأبِ لها على النِّكاحِ.
ولَنا أن نَمْنَعَه، وإن سلَّمْناه، فإنّما أجْبَرَها على النِّكاحِ؛ لأنَّ اخْتِبارَها للنِّكاحِ ومَصالِحِه لا يُعْلَمُ إلَّا بمُباشَرَتِه، والبَيعُ والشِّراءُ والمُعامَلاتُ مُمْكِنَةٌ قبلَ النِّكاحِ.
وعلى هذه الرِّوايَةِ، إذا لم تَتَزَوَّجْ.
أصْلًا احْتَمَلَ أن يَدُومَ الحَجْرُ عليها؛ عَمَلًا بعُمُومِ حديثِ عُمَرَ، ولأنَّه لم يُوجَدْ شَرْطُ دَفْعِ مالِها إليها، فلم يَجُزْ دَفْعُه إليها، كما لو لم تَرْشُدْ.
وقال القاضِي: عندِي أنَّه يُدْفَعُ إليها مالُها إذا عَنَسَتْ [بَرزَتْ] 1 للرِّجالِ.
يَعْنِي كَبِرَتْ.

وَوَقْتُ الاخْتِبَارِ قَبْلَ الْبُلُوغِ.
وَعَنْهُ، بَعْدَهُ.

1943 - مسألة: (ووَقْتُ الاخْتِبارِ قبلَ البُلُوغِ)

في إحْدَى الرِّوايَتَين.
وهو أحَدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال:

..................................  ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾.
فظاهِرُ الآيَةِ أنَّ ابْتِلاءَهم قبلَ البُلُوغِ لوَجْهَينِ؛ أحَدُهما، أنَّه سَمَّاهم يَتامَى، وإنَّما يَكُونُونَ يَتامَى قبلَ البُلُوغِ.
الثانِي، أنَّه مَدَّ اخْتِبارَهُم إلى البُلُوعِ بلَفْظِ: ﴿حَتَّى﴾.
فيَدُلُّ على أنَّ الاخْتِبارَ قبلَه، ولأنَّ تَأْخِيرَ الاخْتِبارِ إلى البُلُوغِ مُؤَدٍّ 1 إلى الحَجْرِ على البالِغ الرَّشِيدِ؛ لأنَّ الحَجْرَ يَمْتَدُّ إلى أن يُخْتَبَرَ، ويُعْلَمَ رُشْدُه، واخْتِبارُه قبلَ البُلُوغِ يَمْنَعُ ذلك، فكان أوْلَى.
لكنْ لا يُخْتبرُ إلَّا المُراهِقُ المُمَيِّزُ الذي يَعْرِفُ البَيعَ والشِّراءَ، والمَصْلَحَةَ مِن المَفْسَدَةِ.
وإذا أذِنَ له وَلِيُّه فتَصَرَّفَ، صَحَّ تَصَرُّفُه، على ما نَذْكُرُه (وعنه) أنَّ اخْتِبارَه (بعدَ البُلُوغِ) أوْمَأَ إليه أحْمَدُ؛ لأنَّ تَصَرُّفَه قبلَ ذلك تَصَرُّفٌ ممَّنْ لم يُوجَدْ فيه مَظِنَّةُ العَقْلِ.
ولأصحابِ الشافعيِّ نحوُ هذا الوَجْهِ.

فَصْلٌ: وَلَا تَثْبُتُ الْولَايةُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إلا لِلْأبِ، ثُمَّ لِوَصِيِّهِ، ثُمَّ لِلْحَاكِمِ.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (ولا تَثْبُتُ الولايَةُ على الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ إلَّا للأب) لأنَّها ولايَةٌ على الصَّغِيرِ، فقُدِّمَ فيها الأبُ، كولايَةِ النِّكاحِ (ثم وَصِيِّه) بعدَه؛ لأنَّه نائِبُه، أشْبَهَ وَكِيلَه في الحَياةِ (ثم للحاكِمِ) لأنَّ الولايةَ انْقَطَعَتْ مِنِ جِهَةِ القَرابَةِ، فتَثْبُتُ للحاكِمِ، كولايَةِ النِّكاحِ.
ومَذْهَبُ أبي حَنِيفةَ، والشافعيِّ، أنَّ الجَدَّ يَقُومُ مَقامَ الأبِ في الولايةِ؛ لأنَّه أبٌ.
ولَنا، أنَّ الجَدَّ لا يُدْلِي بنَفسِه، وإنَّما يُدْلِي بالأبِ الأدْنَى، فلم يَلِ مال الصَّغِيرِ، كالأخِ، ولأنَّ الأبَ يُسْقِطُ الإِخوَةَ، بخِلافِ الجَدِّ، وتَرِثُ الأُمُّ معه ثُلُثَ الباقِي في زَوْجٍ وأُمٍّ وأَبٍ وزَوْجَةٍ [وأُمِّ أَبٍ] 1، بخِلافِ الجَدِّ، فلا يَصِحُّ قِياسُه عليه.
فأمّا مَن سِواهم فلا تَثْبُتُ له ولايَةٌ؛ لأنَّ المال مَحَلُّ الجِنايَةِ، ومَن سِواهم قاصِرُ الشَّفَقَةِ، غيرُ مَأمُونٍ على المالِ، فلم يَلِه، كالأجْنَبِيِّ.
ومِن شَرْطِ ثُبُوتِ الولايةِ على المالِ العَدالةُ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ في تَفْويضِها إلى الفاسِقِ تَضْيِيعًا للمالِ، فلم يَجُزْ، كتَفْويضِها إلى السَّفِيهِ.
وكذلك الحُكْمُ في السَّفِيهِ إذا حُجِر عليه صَغِيرًا واسْتَدامَ الحَجْرُ عليه بعدَ البُلُوغِ.

وَلَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهِمَا أنْ يَتَصَرَّفَ في مَالِهِمَا، إلا عَلَى وَجْهِ الْحَظِّ لَهُمَا، فَإِنْ تَبَرَّعَ، أوْ حَابَى، أوْ زَادَ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيهِمَا، أوْ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُمَا مُؤْنَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ، ضَمِنَ.

1944 - مسألة: (وليس لوَلِيِّهما التَّصَرُّفُ في مالِهما، إلَّا على وَجْهِ الحَظِّ لهما)

[وما لا حَظَّ فيه] 1، ليس له التَّصَرُّفُ به؛ كالعِتْقِ، والهِبَةِ، والتَّبَرُّعاتِ، والمُحاباةِ؛ لقولِ اللهِ سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ 2. وقَوْلِه عليه الصلاةُ والسَّلامُ: «لَا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ 3». رَواه الإِمامُ أحمدُ 4. وهذا فيه

وَلَا يَجُوزُ أن يَشْتَرِيَ مِنْ مَالِهِمَا شَيئًا لِنَفْسِهِ، ولا يَبِيعَهُمَا، إلا الْأَبُ.
إضْرارٌ.
فإن فَعَل شيئًا مِن ذلك، أو زاد علِى النَّفَقَةِ عليهما، أو على مَن تَلْزَمُهما مُؤْنَتُه بالمَعْرُوفِ، ضَمِن؛ لأنَّه مُفرِّطٌ، فضَمِنَ، كتَصَرُّفِه في مالِ غيرِهما (1).

1945 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ أَن يَشْتَرِيَ مِن مالِهما شيئًا لنَفْسِه، ولا يَبِيعَهما، إلَّا الأَبُ)

لأنَّه غيرُ مُتَّهَمٍ عليه، لكَمالِ شَفَقَتِه.
وبه قال أبو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وزادُوا الجَدَّ.
وقال زُفَرُ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّ حُقُوقَ العَقْدِ تَتَعَلَّقُ بالعاقِدِ، فلا يَجُوزُ أن يَتَعَلَّقَ به حُكْمان مُتَضادّان.
ولَنا، أنَّ هذا يَلي بنَفْسِه، فجاز أن يَتَوَلَّى طَرَفَي العَقْدِ، كالسَّيِّدِ يُزَوِّجُ عَبْدَه أمتَه، ولا نُسَلِّمُ ما ذَكَرَه مِن تَعَلُّقِ حُقوقِ العَقْدِ بالعاقِدِ 2. فأمّا الجَدُّ، فلا ولايةَ له، على ما ذَكَرْناه، فهو كالأجْنَبِيِّ، ولأنَّ التُّهْمَةَ بينَ الأبِ ووَلَدِه مُنْتَفِيَةٌ، إذ مِن طَبْعِه الشَّفَقَةُ عليه والمَيلُ إليه وتَرْكُ حَظِّ نَفْسِه لحَظِّهِ، وبهذا فارَقَ الوَصِيَّ والحاكِمَ وأمِينَه،1

وَلِوَلِيِّهِمَا مُكَاتَبَةُ رَقِيقِهِمَا، وَعِتْقُهُ عَلَى مَالٍ،  فأمّا الحاكِمُ والوَصِيُّ، فلا يَجُوزُ لهما ذلك؛ لأنَّهما مُتَّهَمانِ في طَلَبِ الحَظِّ لأنْفُسِهما، فلم يَجُزْ ذلك لهما، كما بخِلافِ الأبِ.

1946 -

مسألة: (ولولِيِّهما مُكاتَبَةُ رَقِيقِهما، وعِتْقُه على مالٍ)

إذا كان الحَظُّ فيه، مثلَ أن تَكُونَ قِيمَتُه ألْفًا فيُكاتِبَه بألْفَين، أو يُعْتِقَه بهما، فإن لم يكنْ فيها حَظٌّ، لم يَصِحَّ.
وقال مالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ إعْتاقُه؛ لأنَّ الإِعْتاقَ بمالٍ تَعْلِيقٌ له على شَرْطٍ، فلم يَمْلِكْه وَلِيُّ اليَتِيمِ، كالتَّعْلِيقِ على دُخُولِ الدّارِ.
وقال الشافعيُّ: لا تَجُوزُ كِتابَتُه ولا إعْتاقُه؛ لأنَّ المَقْصُودَ منهما العِتْقُ دُونَ المُعاوَضَةِ، فلم يَجُزْ، كالإِعْتاقِ بغيرِ عِوَضٍ.
ولَنا، أنَّها مُعاوَضَةٌ، لليَتِيمِ فيها حَظٌّ، فمَلَكَها وَلِيُّه، كبَيعِه، ولا عِبْرَةَ بنَفْعِ العَبْدِ، ولا يَضُرُّه كَوْنُه تَعْلِيقًا فإنَّه إذا حَصَلِ لليَتِيمِ حَظٌّ، لم يَضُرَّه نَفْعُ غَيرِه، ولا كَوْنُ العِتْقِ حَصَل بالتَّعْلِيقِ.
وفارَق ما قاسُوا عليه، فإنَّه لا نفْعَ فيه؛ لعَدَمِ الحَظِّ، وانْتِفاءِ المُقْتَضِي، لا لِما ذَكَرُوه.
ولو قُدِّرَ أن يكون في العِتْقِ بغَيرِ مالٍ نَفْعٌ، كان نادِرًا.
وإن كان العِتْقُ على مالٍ بقَدْرِ قِيمَتِه أو أقَلَّ، لم يَجُزْ؛ لعَدَمِ الحَظِّ فيه.
وقال أبو

وَتَزْويجُ إِمَائِهِمَا، وَالسَّفَرُ بِمَالِهِمَا، وَالْمَضَارَبَةُ بِهِ.
وَلَهُ دَفْعُهُ مُضَارَبَةً بِجُزْءٍ مِنَ الرِّبْحِ،  بكرٍ: يَتَوَجَّهُ جَوازُ العِتْقِ بغيرِ عِوَضٍ، للحَظِّ فيه، مثلَ أن تكونَ له جارِيَةٌ وابْنَتُها يُساويانِ مائةً مُجْتَمِعَتَين، ولو أُفْرِدَتْ إحْداهما ساوَتْ مائَتَين، ولا يُمْكِنُ إفْرادُها بالبَيعِ، فيُعْتِقُ الأُخْرَى؛ لتَكْثُرَ قِيمَةُ الباقِيَةِ، فتَصِيرَ ضِعْفَ قِيمَتِها (1).

1947 -

مسألة: (و)

له (تَزْويجُ إمائِهما) إذا وَجَب تَزْويجُهُنَّ، بأن يَطْلُبْنَ ذلك، أو يَرَى المَصْلَحَةَ فيه؛ لأنَّه وَلِيٌّ عَلَيهِنَّ وقائِمٌ مَقامَ مالِكِهِنَّ، فكان له تَزْويجُهُنَّ، كالمالِكِ.
1948 - مسألة: (و) له (السَّفَرُ بمالِهما) للتِّجارَةِ فيه (والمُضارَبَةُ) بمالِ اليَتيمِ والمَجْنُونِ (وله أنْ يَدْفَعَه مُضارَبَةً بجُزْءٍ مِن1

..................................  الرِّبْحِ) أبًا كان أو وَصِيًّا، أو حاكِمًا، أو أمِينَ حاكِمٍ، وهو أوْلَى مِن تَرْكِه.
وممَّن رَأى ذلك ابنُ عُمَرَ، والنَّخَعِيُّ، والحَسَنُ بنُ صالِحٍ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، [وأصْحابُ الرَّأْي] 1. ويُرْوَى إباحَةُ التِّجارَةِ به عن عُمَرَ، وعائشةَ، والضَّحَّاكِ.
ولا نَعْلَمُ أحَدًا كَرِهَه إلّا الحسنَ، ولَعَلَّه أراد اجْتِنابَ المُخاطَرَةِ به، وَرأَى أنَّ خزْنَه أحْفَظُ له.

..................................  [وقَوْلُ الجُمْهُورِ أوْلَى] 1؛ لِما روَى عبدُا اللهِ بنُ عَمْرِو بنِ العاصِ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ وَلِىَ يَتيمًا لَهُ.
مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ لَهُ، وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكلَهُ الصَّدَقَةُ» 2. ورُوِيَ مَوْقُوفًا على عُمَرَ 3، وهو أصَحُّ مِن المَرْفُوعِ.
ولأنَّ ذلك أحَظُّ 4 للمُوَلَّى عليه؛ لتَكُونَ نَفقَتُه مِن فاضِلِه

وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْيَتِيمِ،  ورِبْحِه، كما يَفْعَلُه البالِغُون في أمْوالِهم.
إلَّا أنَّه لا يَتَّجِرُ إلَّا في المَواضِعِ الآمِنَةِ، ولا يَدْفَعُه إلَّا إلى الأُمَناءِ، ولا يُغَرِّرُ به، وقد رُوِيَ عن عائشةَ أنَّها أبْضَعَتْ مال محمدِ بنِ أبي بكْرٍ في البَحْرِ.
فيَحْتَمِلُ أنَّه كان في مَوْضِعٍ مَأْمُونٍ قَرِيبٍ مِن السّاحِلِ، ويَحْتَمِلُ أنَّها جَعَلَتْ ضَمانَه عليها إن هَلَك.

1949 -

مسألة: (والرِّبْحُ كلُّه لليَتِيمِ)

يَعْنِي إذا اتَّجَرَ الوَلِيُّ 1 بنَفْسِه.
وأجِاز الحَسَنُ بنُ صالِحٍ، وإسحاقُ، أن يَأْخُذَ الوَصِيُّ مُضارَبَةً لنَفْسِه؛ لأنَّه جاز له أن يَدْفعَه بذلك، فجاز أن يَأْخُذَه بذلك له.
ويَتَخَرَّجُ لَنا مِثْلُ ذلك، كما قُلْنا في الشَّرِيكِ إذا فَعَلَ بنَفْسِه ما يَجُوزُ له الإِجارَةُ عليه،

وَبَيعُهُ نَسَاءً،  فإنَّه يَسْتَحِقُّ الأُجْرَةَ في أحَدِ الوَجْهَين، كذلك هذا.
وبه قال أبو حَنِيفَةَ.
[والصَّحِيحُ ما قُلْناه؛ لأنَّ الرِّبْحَ نَماءُ مالِ اليَتِيمِ، فلا يَسْتَحِقُّه غيرُه إلَّا بعقْدٍ، ولا يَجُوزُ أن يَعْقِدَ الوليُّ المُضارَبَةَ لنَفْسِه] (1).

1950 -

مسألة: فأمّا إن دَفَعَه إلى غيرِه، فللمُضارِبِ ما جَعَل له الوَلِيُّ ووافَقَه عليه في قَوْلِهم جَمِيعًا؛ لأنَّ الوَصِيَّ نائِبٌ عن اليَتِيمِ فيما فيه مَصْلَحَتُه، وهذا فيه مَصْلَحَتُه، فأشْبَهَ تَصَرُّفَ المالِكِ في مالِه.

فصل: وله إبْضاعُ مالِه، وهو دَفْعُه إلى مَن يَتَّجِرُ به.
والرِّبْحُ كلُّه لليَتِيمِ؛ لأنَّه إذا جاز دَفْعُه بجُزْءٍ مِن رِبْحِه، فدَفْعُه إلى مَن يُوَفِّرُ الرِّبْحَ أوْلَى.

1951 -

مسألة: (و)

يَجُوزُ (4) بَيعُه نَساءً) إذا كان له الحَظُّ في ذلك؛ فإنَّه قد يكونُ أكْثَرَ ثَمَنًا وأنْفَعَ، لكنْ يَحْتاطُ على الثَّمَنِ، بأن يأْخُذَ به رَهْنًا أو كَفِيلًا مَوْثُوقًا به 2، يَتَحَفَّظُ الثَّمَن به.1

وَقرْضُهُ بِرَهْنٍ،

1952

  • مسألة: (و)

له (قَرْضُه برَهْنٍ) إذا لم يكُنْ في قَرْضِ مالِ اليَتِيمِ حَظٌّ له، لم يَجُزْ، وإن كان في قَرْضِه حَظٌّ لليَتِيمِ، جاز.
قال أحمدُ: لا يُقْرِضُ مال اليَتِيمِ لأحَدٍ يُرِيدُ مُكافَأتَه ومَوَدَّتَه، ويُقْرِضُ على النَّظرَ والشَّفَقَةِ، كما صنعَ ابنُ عُمَرَ.
وقيل لأحمدَ: [ابنُ عُمَرَ] 1 اقْتَرضَ 2 مال اليَتِيمِ.
قال: إنَّما اسْتَقْرَضَ نَظَرًا لليَتِيمِ واحْتِياطًا، إن أصابَه شيءٌ غَرِمَه.
قال القاضي: ومَعْنَى الحَظِّ أن يكونَ للصَّبِيِّ مالٌ في بَلَدٍ، فيُرِيدَ نَقْلَه إلى بَلَدٍ آخَرَ، فيُقرِضَه مِن رجلٍ في ذلك البَلَدِ؛ ليَقْضِيَه بَدَلَه في بَلَدِه، يَقْصِدُ بذلك حِفْظَه مِن الغَرَرِ في نَقْلِه، أو يَخافَ عليه الهَلاكَ مِن نَهْبٍ

..................................  أو غَرَقٍ أو غيرِهما، أو يكونَ ممّا يَتْلَفُ بتَطاوُلِ مدَّتِه، أو حَدِيثُه خَيرٌ مِن قَدِيمِه، كالحِنْطَةِ ونحوها، فيُقْرِضَه خَوْفًا مِن السُّوسِ، أو نَقْص قِيمَتِه، وأشْباه هذا، فيَجُوز القَرضُ؛ لأنَّ لليَتِيمِ فيه حَظًّا، فجاز، كالتِّجارَةِ به.
وإن لم يكُنْ فيه حَظٌّ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ بمالِ اليَتِيمِ، فلم يَجُزْ، كهِبَتِه.
وإن أراد الوَلِيُّ السَّفَرَ، لم يَكُنْ له المُسافرَةُ بمالِه، فإن أراد أن يُودِعَ مال اليَتيم، فقَرْضُه لثقَةٍ أوْلَى مِن ذلك؛ لأنَّ الوَدِيعَةَ لا تُضْمَنُ، فإن لم يَجِدْ ثِقَةً يَسْتَقْرِضُه، فله إيداعُه؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ.
وإن أوْدَعَه مع إمْكانِ قَرْضِه، جاز، ولا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه رُبَّما رَأَى الإيداعَ أوْلَى مِن القَرْضِ، فلا يكون مُفَرِّطًا.
وكلُّ مَوْضِع قُلْنا: له قَرْضه.
فلا يَجُوزُ إلَّا لملئٍ أمِين؛ ليَأْمَنَ جُحُودَه وتَعَذُّرَ الإِيفاءِ.
ويَنْبَغِي أن يَأْخُذَ رَهْنًا إنْ أمْكَنَه، فإن تعَذَّرَ عليه أخْذُ الرَّهْنِ، جاز تَرْكُه، في

..................................  ظاهِرِ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ مَن يَسْتَقْرِضُه لحَظِّ اليَتِيمِ لا يَبْذُلُ رَهْنًا، فاشْتِراطُ الرَّهْنِ يُفَوِّتُ هذا الحَظَّ.
وظاهِرُ كلامِ شيخِنا في الكِتابِ 1 المَشْرُوحِ، أنَّه لا يَجُوزُ [إلَّا برَهْنٍ] 2. وكذلك ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ فيه احْتِياطًا للمالِ، [وحِفْظًا له عن الجَحْدِ والمَطْلِ.
فإن أمْكَنَه أخْذُ الرَّهْنِ، فالأوْلَى له أخْذُه، احْتِياطًا للمالِ] (2). فإن تَرَكَه، احْتَمَلَ أن يَضْمَنَ إن ضاع المالُ؛ لتَفْرِيطِه، واحْتَمَلَ أن لا يَضْمَنَ؛ لأنَّ الظّاهِرَ سَلامَتُه.
وهذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ لكَوْنِه لم يَذْكُرِ الرَّهْنَ.

وَشِرَاءُ الْعَقَارِ لَهُمَا، وَبنَاؤُهُ بِمَا جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ بِهِ، إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ في ذَلِكَ كُلِّهِ.
فصل: قال أبو بكرٍ: هل يَجُوزُ للوَصِيِّ أن يَسْتَنِيبَ فيما يَتَوَلَّى مِثْلَه بنَفْسِه؟ على رِوايَتَين، بِناءً على الوَكِيلِ.
وقال القاضي: يَجُوزُ ذلك للوَصِيِّ، وفي الوَكِيلِ رِوايَتان.
وفرَّقَ بينَهما بأنَّ الوَكِيلَ يُمْكِنُه الاسْتئْذانُ، والوَصِيُّ بخِلافِه.

1953 -

مسألة: (و)

له (شِراءُ العَقارِ لهما، وبِناؤُه بما جَرَتْ عادَةُ أهْلِ بَلَدِه به، إذا رَأى المَصْلَحَةَ في ذلك كلِّه) لأنَّه مَصْلَحَةٌ له، فإنَّه يَحْصُلُ له الفَضْلُ، ويَبْقَى الأصْلُ، والغَرَرُ فيه أقَلُّ مِن التِّجارَةِ؛ لأنَّ أصْلَه مَحْفُوظٌ.

..................................  فصل: ويَجُوزُ له أنْ يَبْنِيَ لهما عَقارًا، لأنَّه في مَعْنَى الشِّراءِ، [إلَّا أن يكونَ الشِّراءُ] 1 أحَظَّ، وهو مُمْكِنٌ، فيَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُه.
وإذا أراد بِناءَه، بَناه بما يَرَى الحَظَّ فيه، ممّا جَرَتْ عادَةُ أهْلِ البَلَدِ به.
وقال أصْحابُنا: يَبْنِيهِ بالآجُرِّ والطِّينِ، ولا يَبْنِي باللَّبِنِ؛ لأنَّه إذا هُدِم لا مَرْجُوعَ له، ولا بجِصٍّ؛ لأنَّه يَلْتَصِقُ بالآجُرِّ فلا يَخْلُصُ منه، فإذا انْهَدَمَ فَسَد الآجُرُّ؛ لأنَّ تَخْلِيصَه منه يُفْضِي إلى كَسْرِه.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
والذي قُلْناه أوْلَى، إن شاء اللهُ، فإنَّه إذا كان الحَظُّ له في البِناءِ بغيرِه، فتَرَكَه، ضَيَّعَ حَظَّه ومالهُ، ولا يَجُوزُ تَضْيِيعُ الحَظِّ العاجِلِ وتَحَمُّلُ الضَّرَرِ النّاجزِ المُتَيَقَّنِ، لتَوَهُّمِ مَصْلَحَةِ بَقاءِ الآجُرِّ عندَ هَدْمِ البِناءِ، ولعَلَّ ذلك لا يكوَنُ في حَياتِه ولا يَحْتاجُ إليه، مع أنَّ كَثِيرًا مِن البُلْدانِ لا يُوجَدُ فيها الآجُرُّ، وكَثِيرٌ منها لم تَجْرِ عادَتُهم بالبِناء به، فلو كُلِّفُوا البِناءَ به، لاحْتاجُوا إلى غَرامَةٍ كَثِيرَةٍ لا يَحْصُلُ منها طائِلٌ.
فعلى هذا، يُحْمَلُ قولُ أصْحابِنا على مَن عادَتُهم البِناءُ بالآجُرِّ، كالعِراقِ ونحْوها، ولا يَصِحُّ حَمْلُه في حَقِّ غيرِهم، وإنَّما يَفْعَلُ ما ذَكَرْنا مِن الشِّراءِ والبِناءِ، إذا رَأَى المَصْلَحَةَ فيه والحَظَّ لهما.

وَلَهُ شِرَاءُ الأضْحِيَةِ لِلْيَتيمِ الْمُوسِرِ.
نَصَّ عَلَيهِ.

1954

  • مسألة: (و له شِراءُ الأُضْحِيَةِ لليَتِيمِ المُوسِرِ.
    نَصَّ عليه) إذا كان له مالٌ كَثِيرٌ لا يَتَضَرَّرُ بشِرائِها، فيكون ذلك على وَجْهِ التَّوْسِعَةِ في النَّفَقَةِ في هذا اليَوْمِ الذي هو يومُ عيدٍ وفَرَحٍ، وفيه جَبْرُ قَلْبِه، وإلْحاقُه بمَن له أبٌ، فيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الثِّيابِ الحَسَنَةِ وشِراءِ اللَّحْمِ، سِيَّما مع اسْتِحْباب التَّوْسِعَةِ في هذا اليَوْمِ، وجَرْي العادَةِ بها 1؛ بدَليلِ قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّهَا أيَّامُ أكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ».
    رَواه مسلمٌ 2. وهذا قولُ أبي حنِيفَةَ، ومالِكٍ.
    قال مالِكٌ: إذا كان له ثَلاُثون دِينارًا، يُضَحِّى عنه بالشّاةِ بنِصْفِ دِينارٍ.
    وعن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، رِوايَةٌ أُخْرَى، [أنَّ ذلك] 3 لا يَجُوزُ.
    وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه إخْراجُ شيءٍ مِن مالِه بغيرِ عِوَضٍ، فلم يَجُزْ، كالهَدِيَّةِ.
    قال شيخُنا 4: ويَحْتَمِلُ أن

..................................  يُحْمَلَ كلامُ أحمدَ في الرِّوايَتَين على حالينِ، فالمَوْضِعُ الذي مَنَع التَّضْحِيَةَ، إذا كان الطِّفْلُ لا يَعْقِلُ التَّضْحِيَةَ، ولا يَفرَحُ بها، ولا يَنْكَسِرُ قَلْبُه بتَرْكِها؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ فيها، والمَوْضِعُ الذي أجازَها إذا كان اليَتِيمُ يَعْقِلُها، ويَنْجَبِرُ قَلْبُه بها، ويَنْكَسِرُ بتَرْكِها؛ لحُصُولِ الفائِدَةِ فيها.
وعلى كلِّ حالٍ، مَن ضَحَّى عن اليَتِيمِ، لم يَتَصَدَّقْ بشيءٍ منها، ويُوَفِّرُها لنَفْسِه؛ لأنَّه لا يَحِلُّ الصَّدَقَةُ بشيء مِن مالِ اليَتِيمِ تَطَوُّعًا.
فصل: ومتى كان خَلْطُ مالِ اليَتِيمِ أرْفَقَ به، وألْيَنَ في الجَبْرِ، وأمْكَنَ في حُصُولِ الأُدْمِ، فهو أوْلَى.
وإن كان إفْرادُه أرْفَقَ به، أفْرَدَه؛ لقولِ الله تِعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ 1. أي ضَيَّقَ عليكم وشَدَّدَ، مِن قَوْلِهِم: أعْنَتَ فُلانٌ فُلانًا.
إذا ضَيَّقَ عليه وشَدَّدَ.

وَتَرْكُهُ في الْمَكْتَبِ، وَأدَاءُ الأُجْرَةِ عَنْهُ، وَلَا يَبِيعُ عَقَارَهُمَا إلا لِضَرُورَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ، وَهُوَ أنْ يُزَادَ في ثَمَنِهِ الثُّلُثُ فَصَاعِدًا.

1955 - مسألة: (و)

يَجُوزُ (تَرْكُه في المَكْتَبِ، وأدَاءُ الأُجْرَةِ عنه) بغيرِ إذْنِ الحاكِمِ.
وحُكِيَ لأحمدَ قولُ سُفْيانَ: لا يُسَلِّمُ الوَصِيُّ الصَّبِيَّ إلَّا بإذْنِ الحاكِمِ.
فأنْكَرَ ذلك؛ وذلك لأنَّ المَكْتَبَ مِن مَصالِحِه، فجَرَى مَجْرَى نَفَقَتِه لمَأْكُولِه ومَلْبُوسِه.
وكذلك يَجُوزُ أن يُسَلِّمَه في صِناعَةٍ، إذا كانت مَصْلَحَتُه في ذلك؛ لِما ذَكَرْناه.
1956 -

مسألة: (ولا يَبِيعُ عقارَهم إلَّا لضَرُورَةٍ أو غِبْطَةٍ؛ وهو أن يُزادَ في ثَمَنِه الثُّلُثُ فصاعِدًا)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه لا يَجُوزُ بَيعُ عَقارِهم لغيرِ حاجَةٍ؛ لأنَّنا نَأْمُرُه بالشِّراءِ؛ لِما فيه مِن الحَظِّ، فبَيعُه إذا تَفْويتٌ

جارٍ التحميل