..................................
أن يَشْرُطَ عليهم شُرُوطًا، نحوَ ما شَرَطَه عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وقد رُوِيت عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، [في ذلك] 1 أخْبارٌ، منها ما رَواه الخَلَّالُ، بإسْنادِه عن إسماعيلَ بنِ عَيّاشٍ، قال: حَدَّثَنا غيرُ واحدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، قالوا: كَتَب أهْلُ الجزيرَةِ إلى عبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ: إنّا حينَ قَدِمْنا 2 بلادَنا، طَلَبْنا إليك الأمانَ لأنْفُسِنا وأهْلِ مِلَّتِنا، على أنّا شَرَطْنا لك على أنْفُسِنا [وأهلِ مِلَّتِنا] 3 أنَّا لا نُحْدِثُ في مَدِينَتِنا كنيسةً، ولا فيما حَوْلَها دَيْرًا، ولا قلايةً 4، ولا صَوْمَعَةَ راهِبٍ، ولا نُجَدِّدُ ما خَرِبَ مِن كَنائِسِنا، ولا ما كانَ منها في خُطَطِ المُسْلِمِين، ولا نَمْنَعُ كنائِسَنا مِن المُسْلِمِين أن يَنْزِلُوها في الليلِ والنهارِ، وأن نُوَسِّعَ أبْوابَها للمارَّةِ وابنِ السَّبيلِ، ولا نأوِىَ فيها ولا في مَنازِلِنا جاسوسًا، وأن لا نَكْتُمَ أمرَ مَن غَشَّ المُسْلِمِين، وأن لا نَضْرِبَ نَواقِيسَنا إلا ضَرْبًا خَفِيًّا في جَوْفِ كنائِسِنا، ولا نُظْهِرَ علينا صليبًا، ولا نرْفَعَ أصْواتَنا في الصَّلاةِ ولا القراءَةِ في كَنائِسِنا فيما يحْضُرُه المُسْلِمُون، ولا نُخْرِجَ صَلِيبَنَا ولا كتابَنا في سُوقِ المُسْلِمِين، وأن لا نَخْرُجَ باعُوثًا 5 ولا شَعانِينَ 6، ولا نَرْفَعَ أصْواتَنا مع أمْواتِنا، ولا
..................................
نُظْهِرَ النِّيرانَ معهم في أسْواقِ المُسْلِمِين، وأن لا نُجاوِرَهم بالخنازِيرِ، ولا نَبِيعَ الخُمُورَ، ولا نُظْهِرَ شِرْكًا، ولا نُرَغِّبَ في دِينِنا، ولا نَدْعُوَ إليه أحَدًا، ولا نَتَّخِذَ شيئًا مِن الرَّقِيقِ الذين جَرَتْ عليهم سِهامُ المُسْلِمِين، وأن لا نَمْنَعَ أحدًا مِن أقْربائِنا إذا أرادُوا الدُّخُولَ في الإِسلامِ، وأن نَلْزَمَ زِيَّنا حيثما كُنّا، وأن لا نَتَشَبَّهَ بالمُسْلِمِين في لُبْسٍ قَلَنْسُوَةٍ ولَا عِمامَةٍ ولا نَعْلَيْن، ولا فَرْقِ شَعَرٍ، ولا في مَراكِبِهم، ولا نَتَكَلَّمَ بكلامِهم، ولا نَتَكَنَّى بكُناهم، وأن نَجُزَّ مقادِمَ رُءُوسِنا، ولا نَفْرِقَ نَواصِيَنا، ونَشُدَّ الزَّنانِيرَ على أوْساطِنا، ولا نَنْقُشَ خَواتِيمَنا بالعربِيَّةِ، ولا نَرْكَبَ السُّرُوجَ، ولا نَتَّخِذَ شيئًا مِن السِّلاحِ، ولا نَحْمِلَه، ولا نَتَقَلَّدَ السُّيُوفَ، وأن نُوَقِّرَ المُسْلِمِين في مَجالِسِهم، ونُرْشِدَ الطَّرِيقَ، ونَقُومَ لهم عن المَجالِسِ إذا أرادُوا المجالِسَ، ولا نَطَّلِعَ عليهم في مَنازِلِهم، ولا نُعَلِّمَ أوْلادَنا القرآنَ، ولا يُشارِكَ أحَدٌ مِنّا مُسْلِمًا في تِجارَةٍ، إلَّا أن يكونَ إلى المُسْلِمِ أمْرُ التِّجارَةِ، وأن نُضِيفَ كلَّ مُسْلِمٍ عابرِ سَبِيلٍ ثلاثةَ أيّامٍ، ونُطْعِمَه مِن أوْسَطِ ما نَجِدُ، ضَمِنّا ذلك على أنْفُسِنا، وذَرارِيِّنا، وأزْواجِنا، ومَساكِنِنا، وإن نحن غيَّرْنا أو خالَفْنا عمّا شَرَطْنا على أنْفُسِنا، وقَبِلْنا الأمانَ عليه، فلا ذِمَّةَ لنا، وقد حَلَّ لك مِنّا ما يَحِلُّ لأهْلِ المُعانَدَةِ والشِّقاقِ.
فكَتَبَ بذلك عبدُ الرحمنِ بنُ غَنْمٍ إلى عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، فكَتَبَ إليه عُمَرُ أن أمْضِ لهم ما سَألُوا، وألْحِقْ فيها حَرْفَيْن، اشْتَرِطْهُما عليهم مع ما شَرَطُوا على أنفُسِهم: أن لا يَشْتَرُوا مِن سَبايانا شيئًا، ومَن ضَرَب مُسْلِمًا عَمْدًا،
..................................
فقد خَلَع عَهْدَه.
فأنْفَذَ عبدُ الرحمنِ بنُ غَنْمٍ ذلك، وأقَرَّ مَن أقام مِن الرُّومِ في مَدائِنِ الشامِ على هذا الشَّرْطِ 1. فهذه جُمْلَةُ شُرُوطِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فلذلك يَلْزَمُهم التَّمَيُّزُ عن المُسْلِمِين في شُعُورِهم؛ بحَذْفِ مَقادِمِ رُءُوسِهم، ويَجُزُّون شُعُورَهم، ولا يَفْرِقُونَها؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَرَق شَعَرَه.
وأمّا في الكُنَى، فلا يَتَكَنَّوْا بكُنَى المُسْلِمِين؛ كأبي القاسِمِ، وأبى عبدِ اللَّهِ، وأبى محمدٍ، وأبى بَكْرٍ، وأبى الحَسَنِ، وشِبْهِها.
ولا يُمْنَعُونَ الكُنَى بالكُلِّيَّةِ، فإنَّ أحمدَ قال لطبيبٍ نَصْرَانِىٍّ: يا أبا إسْحاقَ.
وقال: أليس النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ دَخَل على سعدِ بنَ عُبادَةَ، قال: «ألَا تَرَى مَا يَقُولُ أبُو الحُبَابِ؟» 2. وقال لأُسْقُفِ نَجْرانَ: «أسْلمْ يا أبا الحارِثِ» 3. وقال عُمَرُ لنَصْرانِىٍّ: يا أبا حَسّان، أسْلِمْ تَسْلَمْ.
وأمّا الرُّكوبُ، فلا يَرْكَبُون الخَيْلَ؛ لأنَّ رُكُوبَها عِزٌّ، ولهم ركوبُ ما سِوَاها، ولا يَرْكَبُونَ السُّروجَ، ويَرْكبون عَرْضًا، رِجْلاه إلى جانِبٍ وظَهْرُه إلى آخَرَ؛ لِما روَى الخَلَّالُ، أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أمَرَ بِجَزِّ نَواصِى أهْلِ الذِّمَّةِ، وأن يَشُدُّوا المنَاطِقَ، وأن يَرْكَبُوا الأُكُفَ بالعَرْضِ 4. وأمّا في اللِّباسِ، فهو
وَلَا يَجُوزُ تَصْدِيرُهُمْ فِى الْمَجَالِسِ، وَلَا بَدَاءَتُهُمْ بِالسَّلَامِ، فَإِنْ سَلَّمَ أَحَدُهُمْ، قِيلَ لَهُ: وَعَلَيْكُمْ.
أن يَلْبَسُوا ما يُخالِفُ لوْنُه لوْنَ سائِرِ الثِّيابِ، فعادَةُ اليهودِ العَسَلِىُّ، وعادَةُ النَّصارَى الأدْكَنُ، وهو الفَاخِتِىُّ، ويكُونُ هذا في ثَوْبٍ واحدٍ، لا في جميعِها؛ ليَقَعَ الفَرْقُ، ويُضِيفُ إلى هذا شَدَّ الزُّنّارِ فوقَ ثَوْبِه إن كان نَصْرانِيًّا، أو عَلامَةً أُخْرَى إن لم يكُنْ نَصْرانِيًّا، كخِرْقَةٍ يَجْهَلُها في عِمامَتِه أو قَلَنْسُوَتِه، يُخالِفُ لَوْنُه لونَها، ويُخْتَمُ في رقَبَتِه خاتَمَ رَصاصٍ أو حديدٍ وجُلْجُلٍ يُدْخَلُ معه الحَمّامَ؛ ليُفَرَّقَ بينَه وبينَ المُسْلِمِين، ويَلْبَسُ نِساؤُهم ثَوْبًا مُلَوَّنًا، ويُشَدُّ الزُّنّارُ تحتَ ثيابِها، وتُختَمُ في رقَبَتِها.
ولا يُمْنَعُونَ فاخِرَ الثِّيابِ، ولا العمائِمَ، ولا الطَّيْلَسانَ؛ لحُصُولِ التَّمَيُّزِ بالْغِيَارِ والزُّنّارِ.
1521 -
مسألة: (ولا يَجُوز تَصْدِيرُهم فِى المَجالِسِ، ولا بَداءَتُهم بالسَّلامِ، فإن سَلَّمَ أحَدُهم، قيل له: و 1 عليكم) لا يتَصَدَّرون
..................................
في المجالسِ عندَ المُسْلِمِين؛ لأنَّ في كتابِ عبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ: وأن نُوَقِّرَ المُسْلِمِين في مجالِسِهم، ونقومَ لهم عن المجالسِ إذا أرادُوا المَجالِسَ.
ولا يُبْدَءُون بالسَّلامِ؛ وذلك لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ والنَّصَارَى بِالسَّلامِ، فإذا لَقِيتُمْ أحَدَهُمْ فِى الطَّرِيقِ، فَاضْطَرُّوهمْ إلَى أضْيَقِهَا».
أخْرَجَه التِّرْمِذِىُّ 1، وقال: حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «إنّا غَادُونَ غَدًا، فَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلامِ، وإنْ سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ، فقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ 2. وبإسْنادِه 3، عن أنَسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: نُهِينا أو أُمِرْنا أن لا نَزِيدَ أهْلَ الكتابِ علَى: وعَلَيْكُمْ.
وقال أبو داوُدَ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: تَكْرَهُ أن يقولَ الرجلُ للذِّمِّىِّ: كيف أصْبَحْتَ؟ أو: كيف أنتَ؟ أو: كيف حالُك؟ قال: نعم أكْرَهُه،
..................................
هذا عِنْدِى أكثرُ مِن السَّلامِ.
وقال أبو عبدِ اللَّهِ، رَحِمَه اللَّهُ: إذا لَقِيتَه في طريقٍ، فلا تُوسِعْ له.
لِما تَقَدَّمَ مِن حديثِ أبى هُرَيْرَةَ.
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه مَرَّ على رجلٍ، فسلَّمَ عليه، فقيل: إنَّه كافِرٌ.
فقال: رُدَّ علىَّ ما سَلَّمْتُ عليك.
فرَدَّ عليه، فقال: أكثرَ اللَّهُ مالَكَ ووَلَدَك.
ثم الْتَفَتَ إلى أصْحابِه، فقال: أكْثَرَ للجِزْيَةِ.
وقال يَعْقُوبُ بنُ بَخْتانَ 1: سألتُ أبا عبدِ اللَّهِ، فقلتُ: نُعامِلُ اليهودَ والنَّصَارَى ونَأْتِيهم في مَنازِلِهم وعندَهُم قَوْمٌ مُسْلِمُون، أنُسَلِّمُ عليهم؟ قال: نعم، تَنْوِى السَّلامَ على المُسْلِمِين.
وسُئِلَ عن مُصافَحَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ، فكَرِهَه.
..................................
فصل: ولا يَجُوزُ تَمْكِنُهم مِن شِراءِ مُصْحَفٍ، ولا حَدِيثِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا فِقْهٍ، وإن فَعَل، فالشِّراءُ باطِلٌ؛ لأنَّ ذلك يتَضَمَّنُ ابْتِذالَه.
وكَرِهَ أحمدُ بَيْعَهم الثِّيابَ المكْتوبَ عليها ذِكْرُ اللَّهِ تعالى.
قال مُهَنَّا: سألْتُ أبا عبدِ اللَّهِ: هل يُكْرَهُ للمُسْلِمِ أن يُعَلِّمَ غُلامًا مَجُوسِيًّا شيئًا مِن القرآنِ؟ قال: إن أسْلَمَ فنعم، وإلَّا فأكْرَهُ أن يَضعَ القرآنَ في غيرِ مَوْضِعِه.
قلتُ: فَنُعَلِّمُه أن يُصَلِّى على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: نعم.
وقال الفَضْلُ بنُ زيادٍ: سألْتُ أبا عبدِ اللهٍ عن الرجلِ يَرْهَنُ المُصْحَفَ عندَ أهْلِ الذِّمَّةِ؟ قال: لا، نَهَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُسافَرَ بالقرآنِ إلى أرْضِ العَدُوِّ، مَخافَةَ أن يَنالَه العَدُوُّ 1.
وَفِى تَهْنِئَتِهِمْ وَتَعْزِيَتِهِمْ وَعِيَادَتهِمْ رِوَايَتَانِ.
1522 - مسألة: (وفى تَهْنِئَتِهم وتَعْزِيَتِهم وعِيادَتِهم رِوايتان)
تَهْنِئَتُهم وتَعْزِيَتُهم تُخَرَّجُ على عيادَتِهم، فيها روايتان؛ إحداهما، لا نَعُودُهم؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن بَداءَتِهم بالسَّلامِ.
وهذا في معناه.
والثانيةُ، تَجُوزُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أتى غلامًا مِن اليهودِ كان مريضًا يَعُودُه فقَعَدَ عندَ رَأْسِه فقال لهُ: «أسْلِمْ».
فنَظَرَ إلى أبيه، وهو عندَ رَأْسِه، فقال: أطِعْ أبا القاسِمِ.
فأسْلَمَ، فقام النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: «الْحَمْدُ للَّه الَّذِى أنْقَذَهُ بِى مِن النَّارِ».
رَواه البخارىُّ 1.
وَيُمْنَعُونَ تَعْلِيَةَ البُنْيَانِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَفِى مُسَاوَاتِهِمْ وَجْهَانِ.
1523 - مسألة: (ويُمْنَعُون)
مِن (تَعْلِيَةِ البُنْيانِ على المُسْلِمِين، وفِى مُساواتِهمْ وَجْهانِ) لقَوْلِهم في شُروطِهم: ولا نَطَّلِعَ عليهم في منازِلِهم.
ولِما رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى» 1. ولأنَّ في ذلك رُتْبَةً على المُسْلِمِين، فمُنِعُوا منه، كما يُمْنَعُون التَّصْدِيرَ في المجالسِ.
وإنَّما يُمْنَعُ مِن تَعْلِيَتِه على المُسْلِمِ المُجاوِرِ له، ولا يُمْنَعُ مِن تَعْلِيَتِها علىَ ليس بمُجاوِرٍ له؛ لأنَّ الضَّرَرَ إنَّما يحْصُلُ
..................................
[على المجاوِرِ] 1 دُونَ غيرِه.
وفى المُساواةِ وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَجُوزُ؛ لأنَّه لا يُفْضِى إلى عُلُوِّ الكُفْرِ.
والثانى، المَنْعُ؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى».
ولأنَّهم مُنِعُوا مِن مُساواةِ المُسْلِمِين في لِباسِهم وشُعورِهم ورُكوبِهم، وكذلك في بُنْيانِهم.
فإن كان للذِّمِّىِّ دارٌ عالِيَةٌ، فمَلَكَ المُسْلِمُ دارًا إلى جانِبِها، أو بَنَى المُسْلِمُ إلى جَنْبِ دارِ الذِّمِّىِّ دارًا دُونَها، أو اشْتَرَى ذِمِّىٌّ دارًا عالِيَةً مِن المُسْلِمِ، فله سُكْنَى دارِه، ولا يَلْزَمُه هَدْمُها؛ لأنَّه مَلَكَها على هذه الصِّفَةِ، ولأنَّه لم يُعْلِ على المُسْلِمِين شيئًا.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى».
فإنِ انْهَدَمَتْ دارُه العالِيَةُ، ثم جَدَّدَ بناءَه، لم تَجُزْ له تعْلِيَتُه علِى بناءِ المُسْلِمِين.
وإنِ انْهَدَمَ ما عَلَى منها، لم تكُنْ له إعادَتُه.
فإن تَشَعَّثَ منه شئٌ ولم يَنْهَدِمْ، فله رَمُّه وإصْلاحُه؛ لأنَّه مَلَك اسْتِدَامَتَه، فمَلَكَ رَمَّ شَعَثِه، كالكَنِيسَةِ.
وَإِنْ مَلَكُوا دَارًا عَالِيَةً مِنْ مُسْلِمٍ، لَمْ يَجِبْ نَقْضُهَا.
وَيُمْنَعُونَ مِنْ إِحْدَاثِ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ، وَلَا يُمْنَعُونَ رَمَّ شَعَثِهَا،
1524 - مسألة: (وإن مَلَكُوا دارًا عالِيَةً مِن مُسْلِمٍ، لم يَجِبْ نَقْضُها)
لأنَّهم مَلَكُوها على هذهِ الصِّفَةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ؛ لقَوْلِهم فيما شَرَطُوا على أنْفُسِهم: ولا نَطَّلِعَ عليهم في مَنازِلِهم.
ولقَوْلِه عليه السَّلامُ: «الإِسْلامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى».
1525 -
مسألة: (ويُمْنَعُون مِن إحْداثِ الكَنائِسِ والبِيَعِ، ولا
وَفِي بِنَاءِ مَا اسْتَهْدَمَ مِنْهَا رِوَايَتَانِ.
يُمْنَعُون رَمَّ شَعَثِها.
وفى بِناءِ ما اسْتَهْدَمَ منها رِوايَتان) أمْصارُ المُسْلِمِين ثلاثةُ أقْسامٍ؛ أحدُها، ما مَصَّرَه المُسْلِمُون، كالبَصْرَةِ والكُوفَةِ وبغدادَ وواسِطَ، فلا يَجُوزُ فيه إحْداثُ كنيسةٍ ولا بِيعَةٍ ولا مُجْتَمَعٍ لصلاتِهم، ولا يَجُوزُ صُلْحُهم على ذلك؛ لِما رُوِى عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّه قال: أيُّما مِصْرٍ مَصَّرَتْه العربُ، فليس للعَجَمِ أن يَبْنُوا فيه بِيعَةً، ولا يَضْرِبُوا فيه ناقُوسًا، ولا يَشْرَبُوا فيه خمرًا، ولا يتَّخِذُوا فيه خِنْزِيرًا.
رَواه الإِمامُ أحمدُ 1، واحْتَجَّ به.
ولأنَّ هذا البلَدَ مِلْكٌ
..................................
للمُسْلِمِين، فلا يَجُوزُ أن يَبْنُوا فيه مَجامِعَ للكُفْرِ.
وما وُجِدَ في هذه البلادِ مِن البِيَعِ والكنائِسِ، مثلَ كنيسةِ الرُّومِ في بغدادَ، فهذه كانت في قُرَى أهْلِ الذِّمَّةِ، فأُقِرَّتْ على ما كانتْ عليه.
القسمُ الثانى، ما فَتَحَه المُسْلِمون عَنْوَةً، فلا يَجُوزُ إحْداثُ شئٍ مِن ذلك فيه؛ لأنَّها صارَتْ مِلْكًا للمُسْلِمين، وما فيه مِن ذلك ففيه وجهان؛ أحدُهما، يَجبُ هَدْمُه، وتَحْرُمُ تَبْقِيَتُه؛ لأنَّها بلادٌ مَمْلُوكَةٌ للمُسْلِمِين، فلم يَجُزْ أن تكُوَنَ فيها بِيعَةٌ، كالبلادِ التى اخْتَطَّها المُسْلِمُون.
والثانى، يَجُوزُ؛ لأنَّ في حديثِ ابنِ عَباسٍ: أيُّما مِصْرٍ مَصَّرَتْه العَجَمُ، ثم فَتَحَه اللَّهُ على العَرَبِ، فنزَلُوه، فإنَّ للعَجَمِ ما في عَهْدِهم.
ولأنَّ الصَّحابَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فتَحُوا كثيرًا مِن البلادِ عَنْوَةً، فلم يَهْدِمُوا شيئًا مِن الكنائِسِ.
ويَشْهَدُ بصِحَّةِ هذا وجودُ
..................................
الكنائِسِ والبِيَعِ في البلادِ التى فُتِحَتْ عَنْوَةً، ومعلومٌ أنَّها لم تُحْدَثْ، فلَزِمَ أن تكونَ موْجُودةً فأُبْقِيَتْ.
وقد كَتَب عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، إلى عُمّالِه: أن لا تَهْدِمُوا بِيعَةً ولا كنِيسَةً ولا بَيْتَ نارٍ.
ولأنَّ الإِجْماعَ قد حَصَلَ على ذلك، فإنَّها موجودَةٌ في بلادِ المُسْلِمِين مِن غيرِ نَكِيرٍ.
القسمُ الثالثُ، ما فُتِحَ صُلْحًا، وهو نَوْعان؛ أحدُهما، أن يُصالِحَهم على أنَّ الأرْضَ لهم، ولنا الخَراجُ عنها، فلهم إحْداثُ ما يخْتارون؛ لأنَّ الدّارَ لهم.
الثانى، أن يُصالِحَهم على أنَّ الدّارَ للمُسْلِمين، فالحُكْمُ في البِيَعِ والكنائِسِ على ما يَقَعُ عليه الصُّلْحُ، مِن إحْداثِ ذلك، وعِمارَتِه؛ لأنَّه إذا جاز أن يُصالِحَهم على أنَّ الكُلَّ لهم، جاز أن يُصالَحُوا على أنَّ بعضَ البلدِ لهم، ويكُون مَوْضِعُ الكنائِسِ والبِيَعِ مُعَيَّنًا 1. والأَوْلَى أن يُصالِحَهم على ما صالَحَهم عليه عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه،
..................................
ويَشْتَرِطَ عليهم الشُّرُوطَ المذْكُورَةَ في كتابِ عبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ، وفيه: أن لا تُحْدِثُوا كنِيسَةً، ولا بِيعَةً، ولا صَوْمَعَةَ راهبٍ، ولا قلايةً.
وإن وَقَع الصُّلْحُ مُطْلَقًا مِن غيرِ شَرْطٍ، حُمِلَ 1 على ما وَقَع عليه صُلْحُ عُمَرَ وأُخِذُوا بشُرُوطِه.
فأمّا الذين صالَحَهُم عُمَرُ وعَقَد معهم الذِّمَّةَ، فهم على ما في كتابِ عبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ، مأْخُوذُون بشُرُوطِه كلِّها، وما وَجَدُوا في بلادِ المسلمين مِن الكنائِسِ والبِيَعِ، فهى على ما كانتْ عليه في زَمَنِ مَن فَتَحَها ومَن بعدَهم.
وكلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا بجَوَازِ إقْرارِها، لم يَجُزْ هَدْمُها، ولهم رَمُّ ما تَشَعَّث منها، وإصْلاحُها؛ لأنَّ المَنْعَ مِن ذلك يُفْضِى إلى خَرابِها، فجَرَى مَجْرَى هَدْمِها.
فأمّا إنِ اسْتَهْدَمَتْ كلُّها، ففيها رِوايتان؛ إحْدَاهما، لا يَجُوزُ.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعىِّ.
والثانيةُ، يَجُوزُ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّه بناءٌ لِما اسْتَهْدَمَ، أشْبَهَ بِناءَ بعضِها إذا انْهَدَمَ، ورَمَّ شَعَثِها، ولأنَّ اسْتِدامَتَها جائزَةٌ، وبناؤُها كاسْتِدامَتِها.
وحَمَل الخَلَّالُ قولَ أحمدَ: لهم أن يَبْنُوا ما انْهَدَمَ منها.
على ما إذا انْهَدَمَ بعضُها، ومَنْعَه مِن بناءِ ما انْهَدَمَ، على ما إذا انْهَدَمَتْ كلُّها، فجَمَعَ بين الرِّوايَتَيْنِ.
ووَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى، أنَّ في كتابِ أهْلِ الجزِيرَةِ لعياضِ 2 بنِ غَنْمٍ: ولا نُجَدِّدَ ما خَرِبَ مِن
وَيُمْنَعُونَ إِظْهَارَ الْمُنْكَرِ، وَضَرْبَ النَّاقُوسِ، وَالْجَهْرَ بِكِتَابِهِمْ.
كَنائِسِنا.
وروَى كثيرُ بنُ مُرَّةَ، قال (1): سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الخَطّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تُبْنَى الْكَنِيسَةُ فِى الإِسْلَامِ، وَلَا يُجَدَّدُ مَا خَرِبَ مِنْهَا» (2). ولأنَّه بِناءُ كنِيسَةٍ في دارِ الإِسلامِ، فلم يَجُزْ، كما لو ابْتدأَ بناءَها.
وفارَقَ رَمَّ ما شَعَثَ؛ فإنَّه إبْقاءٌ واسْتِدامَةٌ، وهذا إحْداثٌ.
1526 -
مسألة: (ويُمْنَعُون)
مِن (إظْهارِ المُنْكَرِ، وضَرْبِ النّاقُوسِ، والْجَهْرِ بِكتابِهم) ئمْنَعُونَ مِن إظْهارِ المُنْكَرِ؛ كالخمرِ والخِنْزِيرِ، وضَرْب النّاقُوسِ، ورَفْعِ أصْواتِهم بكتابِهم، وإظْهارِ أعْيادِهم وصُلُبِهم؛ لَأنَّ في شُرُوطِهم لعبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ: أن لا نَضْرِبَ نَواقِيسَنا إلَّا ضَرْبًا خَفِيًّا في جَوْفِ كنائِسِنا، ولا نُظْهِرَ عليها صَلِيبًا،12
وَإِنْ صُولِحُوا فِي بِلَادِهِمْ عَلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، لَمْ يُمْنَعُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
ولا نَرْفَعَ أصْواتَنا في صلاةٍ، ولا القراءَةِ في كنائِسِنا فيما يَحْضُرُه المُسْلِمُون، وأن لا نُخْرِجَ صَلِيبًا ولا كتابًا في سُوقِ المُسْلمِين، وأن لا نَخْرُجَ باعُوثًا ولا شَعانِينَ، ولا نَرْفَعَ أصْواتَنا مع مَوْتانا، وأن لا نُجاوِرَهم بالخنازِيرِ، ولا نُظْهِرَ شِرْكًا.
وقد ذَكَرْنا بَقِيَّةَ الكتابِ.
1527 -
مسألة: (وإن صُولِحُوا في بِلادِهم على إعْطاءِ الجِزْيَةِ، لم يُمْنَعُوا شَيْئًا مِن ذلِك)
ولم يُؤْخَذُوا بغِيارٍ ولا زُنّارٍ، ولا تَغْيِيرِ شُعُورِهم، ولا مَراكِبهم؛ لأنَّهم في بُلْدانِهم، فلم يُمْنَعُوا مِن إظْهارِ دِينِهم، كأهْلِ الحَرْبِ 1 في الهُدْنَةِ.
وَيُمْنَعُونَ دُخُولَ الْحَرَمِ.
1528 - مسألة: (ويُمْنَعُونَ)
مِن (دُخُولِ الحَرَمِ) وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لهم دُخولُه، كالحجازِ، ولا يَسْتَوْطِنون به، ولهم دُخولُ الكَعْبَةِ، والمَنْعُ مِن الاسْتِيطانِ لا يَمْنَعُ الدُّخُولَ والتَّصَرُّفَ، كالحجازِ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ 1. والمرادُ به الحَرَمُ، بدَليلِ قولِه سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ 2. وإنَّما أُسْرِىَ به مِن بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ، وهو خارجُ المسجدِ.
ويخالِفُه الحجازُ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى مَنَع منه مع إذْنِه في الحجازِ، فإنَّ هذه الآيَةَ نَزَلَتْ واليَهُودُ بخَيْبَرَ والمدينةِ وغيرِهما مِن الحجازِ، ولم يُمْنَعُوا الإِقامَةَ به، وأوَّلُ مَن أجْلاهُم عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
ولأنَّ الحَرَمَ أشْرَفُ؛
فَإِنْ قَدِمَ رَسُولٌ لَابُدَّ لَهُ مِنْ لِقَاءِ الْإِمَامِ، خَرَجَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَإِنْ دَخَلَ، عُزِّرَ وَهُدِّدَ، فَإِنْ مَرِضَ فِى الْحَرَمِ، أَوْ مَاتَ، أُخْرِجَ، وَإِنْ دُفِنَ، نُبِشَ، إِلَّا أنْ يَكُونَ قَدْ بَلِىَ.
لتَعَلُّقِ النُّسُكِ به، ويَحْرُمُ شَجَرُه وصَيْدُه والمُلْتَجِئُ إليه، فلا يَصِحُّ قياسُ غيرِه عليه.
1529 -
مسألة: (فإن قَدِمَ رَسُولٌ لَا بُدَّ له مِن لِقاءِ الإِمامِ، خَرَج إليه، ولم يَأْذَنْ له، فإن دَخَل، عُزِّرَ وهُدِّدَ)
وأُخْرِجَ (فإن مَرِضَ، أو مات، أُخْرِجَ، وإن دُفِنَ، نُبِشَ) وأُخْرِجَ (إلَّا أن يكُونَ قد بَلِىَ) إذا أرادَ كافِرٌ الدُّخولَ إلى الحَرَمِ، مُنِعَ على ما ذَكَرْنا.
فإن كانت معه تِجارَةٌ أو مِيرَةٌ، خَرَج إليه مَنْ يَشْتَرِى منه، ولم يُمَكَّنْ مِن الدُّخولِ؛ للآيةِ.
وإن كان رسولًا إلى الإِمامِ بالحَرَمِ، خَرَج إليه مَن يَسْمَعُ رِسالَتَه، فإن قال: لا بُدَّ لى مِن لقاءِ الإِمامِ.
خَرَج إليه الإِمامُ، ولم يَأْذَنْ له، فإن دَخَل عالِمًا بالمَنْعِ، عُزِّرَ، وإن دَخَل جاهِلًا، هُدِّدَ وأُخْرِجَ.
فإن مَرِضَ بالحَرَمِ أو ماتَ، أُخْرِجَ ولم يُدْفَنْ به؛ لأنَّ حُرْمَةَ الحَرَمِ أعْظَمُ.
ويُفارِقُ الحجازَ مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّ دُخولَه إلى الحَرَم حَرامٌ، وإقامَتَه به حَرامٌ، بخلافِ الحجازِ.
والثانى، أنَّ خروجَه مِن الحَرَمِ سَهْلٌ مُمْكِنٌ؛ لقُرْبِ الحِلِّ منه، وخُروجَه مِن الحجازِ في مَرَضِه صَعْبٌ مُمْتَنِعٌ.
وإن دُفِنَ،
وَيُمْنَعُونَ مِنَ الْإِقَامَةِ بِالحِجَازِ؛ كَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَامَةِ وَخَيْبَرَ.
نُبِشَ وأُخْرِجَ، لأنَّه إذا لم يَجُزْ دُخولُه في حياتِه، فدَفْنُ جِيفَتِه أوْلَى أن لا يَجُوزَ، فإن كان قد بَلِىَ، أو يَصْعُبُ إخْراجُه؛ لنَتَنِه وتَقَطُّعِه، تُرِكَ؛ للْمَشَقَّةِ فيه.
فصل: فإن صالَحَهم الإِمامُ على دُخولِ الحَرَمِ بعِوَضٍ، فالصُّلْحُ باطِلٌ.
فإن دَخَلُوا إلى المَوْضِعِ الذى صالَحَهم عليه، لم يُرَدَّ عليهم العِوَضُ؛ لأنَّهم قد اسْتَوْفَوْا ما صالَحَهم عليه.
وإن وَصَلُوا إلى بعضِه، أُخِذَ مِنِ العِوَضِ بقَدْرِه.
ويَحْتَمِلُ أن يُرَدَّ عليهم العِوَضُ بكلِّ حالٍ، لأنَّ ما اسْتَوْفوْه لا قِيمَةَ له، والعَقْدُ لم يُوجِبِ العِوَضَ؛ لبُطْلانِهِ.
1530 -
مسألة: (ويُمْنَعُون مِن الإِقامَةِ بالحِجازِ؛ كالمدِينَةِ واليَمَامَةِ وخَيْبَرَ)
وفَدَكَ وما والاها.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ.
إلَّا أنَّ مالِكًا قال: أرَى أن يُجْلَوْا مِن أرْضِ العربِ كلِّها؛ لأنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَا يَجْتَمِعُ 1 دِينَانِ فِى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» 2. وروَى أبو داودَ 3،
..................................
بإسْنادِه عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه سَمِعَ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «لأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ والنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَلَا أَتْرُكُ فِيهَا إلَّا مُسْلِمًا».
قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ.
وعن ابنِ عباسٍ، قال: أوْصَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بثلاثَةِ أشياءَ، قال: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ».
وسكتَ عن الثالِثِ.
رَواه أبو داوُدَ 1. وجزيرَةُ العَربِ ما بينَ الوادِى إلى أقْصَى اليَمَنِ.
قاله سعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ.
وقال الأصْمَعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ: هى مِن ريفِ العراقِ إلى عَدَن طُولًا، ومِن تِهامَةَ وما وَرَاءَها إلى أطْرافِ الشامِ عَرْضًا.
وقال أبو عُبَيْدَةَ: هى مِن حَفْرِ أبى مُوسَى 2 إلى اليَمَنِ طُولًا، ومِن رَمْلِ يَبْرِينَ 3 إلى مُنْقَطَعِ السَّماوَةِ 4 عَرْضًا.
وقال الخليلُ: إنَّما قيلَ لها جزيرةُ العَرَبِ؛ لأنَّ بحرَ الحَبَشِ 5 وبحرَ فارِسَ والفُراتَ قد أحاطَتْ بها، ونُسِبَتْ إِلى العربِ؛ لأنَّها أرْضُها ومَسْكَنُها ومَعْدِنُها.
قال أحمدُ: جزيرَةُ العربِ المدينةُ وما والاها.
يعنى أنَّ المَمْنُوعَ مِن سُكْنَى
فَإِنْ دَخَلُوا لِتِجَارَةٍ، لَمْ يُقِيمُوا فِى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.
الكُفّارِ به المدينةُ وما والاها، وهو مَكَّةُ والمدينةُ وخَيْبَرُ واليَنْبُعُ.
وقيلَ: ومخالِيفُها، وما والاها.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّهم لم يُجْلَوْا مِن تَيْماءَ (1)، ولا مِن اليَمَنِ.
وقد رُوِى عن أبى عُبَيْدَةَ بنِ الجَرّاحِ، أنَّه قال: آخِرُ ما تَكَلَّمَ به النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «أَخْرِجُوا الْيَهُودَ مِنَ الْحِجَازِ» (2). وأمّا إخْراجُ أهلِ نَجْرانَ منه، فلأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صالَحَهم على تَرْكِ الرِّبا، فنَقَضوا عَهْدَه (3). فكأنَّ جزيرَةَ العربِ في تلك الأحاديثِ أُرِيدَ بها الحجازُ، وإنَّما سُمِّىَ حِجازًا؛ لأنَّه حَجَزَ بينَ تِهامَةَ ونَجْدٍ.
1531 -
مسألة: (فإن دَخَلُوا لتِجارَةٍ، لم يُقِيمُوا في مَوْضِعٍ واحدٍ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أيّامٍ)
يَجُوزُ لهم دُخُولُ الحجازِ للتِّجارَةِ؛ لأنَّ النَّصارَى كَانوا يَتَّجِرُون إلى المدينةِ في زَمَنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وأتاه شيخٌ123
..................................
بالمدينةِ، وقال: أنا الشَّيْخُ النَّصْرانِىُّ، وإنَّ عامِلَك عَشَرَنِى مَرَّتَيْن.
فقال عُمَرُ: وأنا الشَّيْخُ الحَنِيفُ.
وكَتَب له عُمَرُ، ألَّا يُعْشَرُوا في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً 1. فعلى هذا لا يأْذَنُ لهم في الإِقامَةِ أكْثَرَ مِن ثلاثَةِ أيَّامٍ، على ما رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ثم ينْتَقِلُ عنه.
وقال القاضى: يُقِيمُون أربعةَ أيّامٍ، حَدَّ ما يُتِمُّ المُسافِرُ الصلاة.
والحُكمُ في دخُولِهم إلى الحجازِ في اعْتِبارِ الإِذْنِ، كالحُكْمِ في دُخولِ أهْلِ الحربِ دارَ الإِسلامِ، لا يَجُوزُ إلَّا بإذْنِ الإِمامِ، فيَأْذَنُ لهم إذا رأَى المصْلَحَةَ فيه.
فَإِنْ مَرِضَ، لَمْ يُخْرَجْ حَتَّى يَبْرأَ، وَإِنْ مَاتَ، دُفِنَ بِهِ.
1532 - مسألة: (فإن مَرِضَ، لم يُخْرَجْ حتى يَبْرَأَ، وإن ماتَ، دُفِنَ به)
إذا مَرِضَ بالحجازِ، جازَتْ له الإِقامَةُ لمشَقَّةِ الانْتِقالِ على المريضِ، وتَجُوزُ الإِقامَةُ لمَن يُمَرِّضُه؛ لأنَّه لا يَسْتَغْنِى عنه.
فإن كان له دَيْنٌ حالٌّ أُجْبِرَ غَرِيمُه على وَفائِه، فإنْ تَعَذَّرَ وفاؤُه 1 لمَطْلٍ، أو تَغَيُّبٍ، فيَنْبَغِى أنْ تَجُوزَ له الإِقامَةُ، ليَسْتَوْفِىَ دَيْنَه؛ لأنَّ التَّعَدِّىَ مِن غيرِه، وفى إخْراجِه ذَهابُ مالِه.
وإن كان الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، لم يُمَكَّنْ مِن الإِقامَةِ، ويُوَكِّلُ مَن يَسْتَوْفِيه له؛ لأنَّ التَّفْرِيطَ منه.
وإن دَعَتِ الحاجَةُ إلى الإِقامَةِ لِيَبِيعَ بِضاعَتَه، احْتَمَلَ الجوازَ؛ لأنَّ في تَكْلِيفِه تَرْكَها أو حَمْلَها معه ضَياعَ مالِه، وذلك ممّا يَمْنَعُ مِن الدُّخولِ إلى الحجازِ بالبضائعِ، فتَفُوتُ مصْلَحَتُهم، وتَلْحَقُهم المَضَرَّةُ بانْقِطاعِ الجَلَبِ عنهم.
ويَحْتَمِلُ أن يُمْنَعَ مِن الإِقامَةِ؛ لأنَّ له مِن الإِقامَةِ بُدًّا.
فإن أرادَ الانْتِقالَ إلى مكانٍ آخَرَ مِن الحجازِ، جاز، ويُقِيمُ فيه أيضًا ثلاثةَ أيامٍ، أو أربعةً، على الخلافِ فيه،
وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ تَيْمَاءَ وَفَيْدَ وَنَحْوِهِمَا.
وَهَلْ لَهُمْ دُخُولُ الْمَسَاجِدِ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وكذلك إنِ انْتَقَلَ منه إلى مكانٍ آخرَ، ولو حَصَلَتِ الإِقامَةُ في الجميعِ شهرًا.
وإذا ماتَ بالحجازِ، دُفِنَ؛ لأنَّه يَشُقُّ نَقْلُه، وإذا جازَتِ الإِقامَةُ للمرِيضِ، فدَفْنُ المَيِّتِ أوْلَى.
1533 -
مسألة: (ولَا يُمْنَعُونَ مِن تَيْماءَ وفَيْدَ (1) ونَحْوِهما) لأنَّ عُمَرَ لم يَمْنَعْهم مِن ذلك.
1534 -
مسألة: (وهل لهم دُخُولُ المساجِدِ بإذْنِ مُسْلِمٍ؟ على رِوايَتَيْن)
لا يجُوزُ لهم دُخولُ مساجدِ الحِلِّ بغيرِ إذْنِ المُسْلِمِين؛ لِما رَوَتْ أُمُّ غُرابٍ 2، قالت: رأيتُ عليًّا، رَضِىَ اللَّهُ عَنه، على المِنْبَرِ، وبَصُرَ بمَجُوسِىٍّ، فنَزَلَ، فضَرَبَه وأخْرَجَه مِن أبْوابِ كِنْدَةَ.
فإن أُذِنَ لهم في1
..................................
دُخُولِها، جازَ، في الصَّحيحِ مِن المَذْهَبِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَدِمَ عليه وفْدٌ مِن أهْلِ الطائِفِ، فأنْزَلَهمِ في المَسْجِدِ قبلَ إسْلامِهم 1. وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: كان أبو سُفْيان يَدْخُلُ مَسْجِدَ المدينَةِ وهو على شِرْكِه.
وقَدِمَ عُمَيْرُ بنُ وَهْبٍ، فدَخَلَ المَسْجِدَ والنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فيه ليَفْتِكَ به، فرَزَقَه اللَّهُ الإِسلامَ 2. وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، ليس لهم دُخولُه بحالٍ؛ لأنَّ أبا موسى دَخَل على عُمَرَ ومعه كتابٌ قد كُتِبَ فيه حسابُ عَمَلِه، فقال له عُمَرُ: ادْعُ الذى كَتَبَه ليَقْرَأَه.
قال: إنَّه لا يدْخُلُ المَسْجِدَ.
قال: ولِمَ لا يَدْخُلُ المَسْجِدَ؟ قال: إنَّه نَصْرانِىٌّ.
فانْتَهَرَه عُمَرُ 3. وهذا اتِّفاقٌ منهم على أنَّه
..................................
لا يدْخُلُ المَسْجِدَ، وفيه دليلٌ على شُهْرَةِ ذلك بينَهم، وتَقْرِيرِه عندَهم؛ لأنَّ حَدَثَ الحَيْضِ والجنابَةِ والنِّفاسِ يَمْنَعُ الإِقامَةَ في المَسْجِدِ، فحَدَثُ الشِّرْكِ أوْلَى.
والأُولَى أصَحُّ؛ لأنَّه لو كان مُحَرَّمًا لَما أقَرَّهم عليه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فصل
ٌ: وَإِنِ اتَّجَرَ ذِمِّىٌّ إِلَى غَيْرِ بَلَدِهِ، ثُمَّ عَادَ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ
فصل: قال أحمدُ، في الرجلِ له المرأةُ النَّصْرانِيَّةُ: لا يَأْذَنُ لها أن تَخْرُجَ إلى عيدٍ، أو تَذْهَبَ إلى بِيعَةٍ، وله أن يَمْنَعَها ذلك.
وكذلك في الأَمَةِ.
قيل له: أله أن يَمْنَعَها مِن شُرْبِ الخَمْرِ؟ قال: يأْمُرُها، فإن لم تَقْبَلْ، فليس له مَنْعُها.
قيل له: فإنْ طَلَبَتْ منه أن يَشْتَرِىَ لها زُنّارًا؟ قال: لا يَشْتَرِى زُنّارًا، تخْرُجُ هى تَشْتَرِى لنَفْسِها.
(فصل) قال، رَضِىَ اللَّهُ عنه: (وإنِ اتَّجَرَ ذِمِّىٌّ إلى غير بلَدِه، ثم
الْعُشْرِ.
عادَ، فعليه نِصْفُ العُشْرِ) وقال الشافعىُّ: ليس عليه إلَّا الجِزْيَةُ، إلَّا أن يَدْخُلَ أرْضَ الحجازِ، فيُنْظَرَ في حالِه؛ فإن كان لرسالَةٍ، أو نَقْلِ مِيرَةٍ، أذِنَ له بغيرِ شئٍ، وإن كان لتِجارَةٍ لا حاجَةَ بأهْلِ الحجازِ إليها، لم يَأْذَنْ له إلَّا أن يَشْتَرطَ عليه، عِوَضًا بحَسَبِ ما يراه.
والأَوْلَى أن يَشْتَرِطَ نِصْفَ العُشْرِ؛ لأنَّ عُمَرَ شَرَط نِصْفَ العُشْرِ على مَن دَخَل الحجازَ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ 1. ولَنا، ما روَى أبو داودَ 2، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ، إنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهُودِ والنَّصَارَى».
وعن أنَسِ بنِ سِيرِينَ، قال: بَعَثَنِى أنَسُ بنُ مالكٍ إلى العُشُورِ، فقلْتُ: بَعَثْتَنِى إلى العُشُورِ مِن بينِ عُمّالِك! قال: ألا تَرْضَى أن أجْعَلَك على ما جَعَلَنِى عليه عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه؟ أمَرَنِى أن آخُذَ مِن المُسْلِمِين رُبْعَ العُشْرِ، ومِن أهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ العُشْرِ.
رَواه الإِمامُ أحمدُ 3. وهذا كان بالعراقِ.
وروَى أبو عُبَيْدٍ، في كتابِ «الأمْوالِ» 4، بإسْنادِه عن
..................................
لَاحِقِ بنِ حُمَيْدٍ 1، أنَّ عُمَرَ بَعَث عثمانَ بنَ حُنَيْفٍ إلى الكُوفَةِ، فجَعَلَ على أهْلِ الذِّمَّةِ في أمْوالِهم التى يَخْتَلِفُون فيها، في كلِّ عشرِينَ دِرْهمًا دِرْهمًا.
وهذا كان بالعراقِ، واشْتَهَرَتْ هذه القِصصُ، وعَمِلَ بها الخلفاءُ بعدَه، ولم يُنْكَرْ ذلك، فكان إجْماعًا، ولم يَأْتِ تخْصِيصُ الحجازِ بنِصْفِ العُشْرِ في شئٍ مِن الأحاديثِ عن عُمَرَ ولا غيرِه فيما عَلِمْناه.
ولأنَّ ما وَجَب في الحجازِ مِن الأمْوالِ، وَجَب في غيرِه، كالدُّيونِ والصَّدَقاتِ إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ في ذلك بينَ بَنِى تَغْلِبَ وغيرِهم.
ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ التّغْلِبىَّ يُؤْخَذُ منه العُشْرُ، ضِعْفَ ما يُؤْخَذُ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، لِما روَى بإسْنادِه عن زِيادِ بنِ حُدَيْرٍ، أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، بَعَثَه مُصَدِّقًا، فأمَرَه أن يَأْخُذَ مِن نَصارَى بنى تَغْلِبَ العُشْرَ، ومِن نَصارَى أهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ العُشْرِ.
رَواه أبو عُبَيْدٍ 2. قال: والعملُ على حَدِيثِ داودَ بنِ كُرْدُوسٍ، والنُّعْمانِ بنِ زُرْعَةَ، وهو أن يكونَ عليهم الضِّعْفُ ممّا على المُسْلِمِين، ألا تسْمَعُه يقولُ: مِن كلِّ عشرِين دِرْهمًا دِرْهمٌ؟ وإنَّما يُؤْخَذُ مِن المُسْلِمِين مِن كلِّ أربعين دِرْهمًا دِرْهَمٌ، فذلك ضِعْفُ هذا.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وهو أقْيَسُ؛ فإنَّ الواجِبَ في سائِر أمْوالِهم ضِعْفُ ما على المُسْلِمِين، لا ضِعْفُ ما على أهْلِ الذِّمَّةِ.
فصل: ولا يُؤْخَذُ مِن غيرِ مالِ التِّجارَةِ شئٌ، فلو مرَّ بالعاشِرِ منهم
..................................
مُنْتقِلٌ، ومعه أموالُه أو سائِمةٌ، لم يُؤْخَذْ منه شئٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، إلَّا أن تكونَ الماشِيَةُ للتِّجارَةِ، فيُؤْخَذَ منها نِصفُ العُشْرِ.
فصل: واخْتَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في العاشرِ يمرُّ عليه الذِّمِّىُّ بخَمْرٍ أو خِنْزِيرٍ، [فقال: عُمَرُ قال في مَوْضِعٍ] 1: وَلُّوهُمْ بَيْعَها.
لا يكونُ إلَّا على الآخِذِ منها.
وروَى بإسْنادِه، عن سُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ، في قولِ عُمَرَ: وَلُّوهُمْ بَيْعَ الخمرِ والخنزِيرِ بعُشْرِها 2. قال أحمدُ: إسْنادُه جَيِّدٌ.
وممَّن رأَى ذلك مَسْرُوقٌ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ.
وبه قال محمدُ بنُ الحسَنِ في الخَمْرِ خاصَّةً.
وذَكَر القاضى أنَّ أحمدَ نَصَّ على أنَّه لا يُؤْخَذُ.
وبه قال عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ.
قال عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ: الخمرُ لا يَعْشِرُها مسلمٌ.
ورُوِىَ عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ عُتْبَةَ ابنَ فَرْقَدٍ بَعَث إليه بأربعين ألفَ دِرْهَم صَدَقَةَ الخمرِ، فكَتَبَ إليه عُمَرُ: بَعثْتَ إلَىَّ بصَدَقَةِ الخمرِ، وأنتَ أحَقُّ بها مِن المهاجرين.
فأخْبَرَ بذلك النّاسَ، وقال: واللَّهِ لا اسْتَعْمَلْتُكَ على شئٍ بعدَها.
قال: فنَزَعَه 3. قال أبو عُبَيْدٍ: مَعْنَى قولِ عُمَرَ: وَلُّوهُم بَيْعَها، وخُذُوا أنتم مِن الثَّمَنِ.
أنَّ المُسْلِمِين كانُوا يَأْخُذونَ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ الخمرَ والخَنازِيرَ مِن جِزْيَتِهم، وخَراجِ أرْضِهم بقِيمَتِها، ثم يتَوَلَّى المُسْلِمون بَيْعَها، فأنْكَرَه
وَإنِ اتَّجَرَ حَرْبِىٌّ إِلَيْنَا، أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ
عُمَرُ، ثم رَخَّصَ لهم أن يَأْخُذُوا مِن أثْمانِها، إذا كان أهْلُ الذِّمَّةِ المُتَوَلِّينَ لبَيْعِها.
وروَى بإسْنادِه، عن سُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ، أنَّ بِلالًا قال لعُمَرَ: إنَّ عُمّالَك يأْخُذُون الخمرَ والخنازِيرَ في الخراجِ.
فقال: لا تأْخُذُوه، ولكنْ وَلُّوهم بيْعَها، وخُذُوا أنتم (1) مِن الثَّمَنِ.
فصل: وإذا مَرَّ الذِّمِّىُّ بالعاشِرِ (2)، وعليه دَيْنٌ [بقَدْرِ ما معه، أو] (3) يَنْقُصُ ما معه عن النِّصابِ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّ ذلك يَمْنَعُ أخْذَ نِصْفِ العُشْرِ منه؛ لأنَّه حَق يُعْتَبَرُ له النِّصابُ والحَوْلُ، فمَنَعَه الدَّيْنُ، كالزَّكاةِ.
فإنِ ادَّعَى الدَّيْنَ، احْتاجَ إلى بَيِّنةِ مُسْلِمَيْن.
وإن مَرَّ بجارِيَةٍ، فادَّعَى أنَّها ابْنَتُه أو أخْتُه، قُبِلَ قوْلُه في إحْدَى الرِّوايَتَيْن؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ مِلْكِه.
والثانيةُ، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّها في يَدِه، أشْبَهَتِ البَهِيمَةَ، ولأنَّه تُمْكِنُه إقامَةُ البَيِّنَةِ.
1535 -
مسألة: (وإنِ اتَّجَرَ حَرْبِىٌّ إلَيْنا، أُخِذَ منه العُشْرُ، ولا
123
دَنَانِيرَ،
يُؤْخَذُ مِن أقَلَّ مِن عَشرَةِ دَنانِيرَ) هذا قولُ أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُؤْخَذُ منهم شئٌ، إلَّا أن يكونوا يأْخُذون مِنّا شيئًا، فنأخُذُ منهم مِثْلَه؛ لِما رُوِى عن أبى مِجْلَزٍ، قال: قالُوا لعُمَرَ: كيف نأخذُ مِن أهْلِ الحَرْبِ إذا قَدِمُوا علينا؟ قال: كيف يأخُذُون منكم إذا دَخَلْتُم إليهم؟ قالوا: العُشْرَ.
قال: فكذلك خُذُوا منهم 1. وعن زِيادِ بنِ حُدَيْرٍ، قال: كُنّا لا نعْشِرُ مُسْلِمًا ولا مُعاهِدًا.
قال: مَن كنْتُم تَعْشِرُون؟ قال: كُفّارَ أهلِ الحَرْبِ، نَأْخُذُ منهم كما يأخُذُون مِنّا 2. وقال الشافعىُّ: إن دَخَل إلينا لِتجارَةٍ لا يحْتاجُ إليها المُسْلِمون، لم يأْذَنْ له الإِمامُ إلَّا بعِوَضٍ يَشْرُطُه، وما شَرَطه جازَ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَشْرُطَ العُشْرَ؛ لِيُوافِقَ فِعْلَ عُمَرَ،
..................................
رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وإن أذِنَ مُطْلَقًا مِن غيرِ شَرْطٍ، فالمَذْهَبُ أنَّه لا يُؤْخَذُ منهم شئٌ؛ لأنَّه أمان مِن غيرِ شَرْطٍ، فلم يُسْتَحَقَّ به شئٌ، كالهُدْنَةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَجبَ العُشْرُ؛ لأنَّ عُمَرَ أخَذَه.
ولَنا، ما رَوَيْناه في المسألةِ التى قبلَها، ولأَنَّ عُمَرَ أخَذَ منهم العُشْرَ، واشْتَهَر ذلك فيما بينَ الصحابَةِ، وعَمِلَ به الخلفاءُ بعدَه، والأئِمَّةُ في كلِّ عصرٍ، مِن غيرِ نَكِيرٍ، فأىُّ إجْماعٍ يكونُ أقْوَى مِن هذا؟ ولم يُنْقَلْ عنه أنَّه شَرَط عليهم ذلك عندَ دُخُولِهم، ولا يثْبُتُ ذلك بالظَّنِّ مِن غيرِ نَقْلٍ، ولأنَّ مُطْلَقَ الأمْرِ يُحْمَلُ على المَعْهُودِ في الشَّرْعِ، وقد اشْتَهَرَ أخْذُ العُشْرِ منهم في زَمَنِ الخلفاء الرَّاشدين، فيجِبُ أخْذُه.
فأمّا سؤالُ عُمَرَ عَما يأْخُذُون مِنّا، فإنَّما كان لأَنَّهم سألُوا عن كيْفِيَّةِ الأخْذِ ومِقْدارِه، ثم اسْتَمَرَّ الأخْذُ مِن غيرِ
..................................
سؤالٍ، ولو تقَيَّدَ أخْذُنا منهم بأخْذِهم مِنّا، لوَجَبَ أن يُسْأَلَ عنه في كلِّ وقْتٍ.
فصل: ويُؤْخَذُ منهم العُشْرُ في كلِّ مالٍ للتِّجارَةِ، في ظاهِر كلامِه ههُنا.
وهو ظاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِىِّ.
وقال القاضى: إن دَخَلُوا في نَقْلِ مِيرَةٍ بالنّاسِ إليها حاجَةٌ، أُذِنَ لهم في الدُّخولِ بغيرِ عُشْرٍ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ في دُخُولِهم نَفْعَ المسلمين.
ولَنا، عُمومُ ما رَوَيْناه.
وقد روَى صالِحٌ، عن أبيه، عن عبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِىٍّ، عن الزُّهْرِىِّ، عن سالمٍ، عن أبيه، عن عُمَرَ، أنَّه كان يَأخذُ مِن النَّبَطَ مِن القُطْنِيَّةِ 1 العُشْرَ، ومِن الحِنْطَةِ والزَّبِيبِ نِصْفَ العُشْرِ؛ ليَكْثُرَ الحِمْلُ إلى المدينةِ 2. فعلى هذا، يَجُوزُ للإِمامِ التَّخْفِيف عنهم إذا رَأى المَصْلَحَةَ فيه، وله التَّرْكُ أيضًا إذا رَأَى المَصْلَحَةَ؛ لأنَّه فَىْءٌ، فمَلَكَ تَخْفِيفَه وتَرْكَه، كالخَراجِ.
..................................
فصل: ويُؤْخَذُ العُشْرُ مِن كلِّ حَرْبِىٍّ تاجِرٍ، ونصْفُ العُشْرِ مِن كلِّ ذِمِّىٍّ تاجرٍ، ذَكرًا كان أو أُنْثَى، صغيرًا أو كبيرًا.
وقال القاضى: ليس على المرأَةِ عُشْرٌ ولا نِصْفُ عُشْرِ، سواءٌ كانت حَرْبِيَّةً أو ذِمِّيَّةً، لكن إن دَخَلَتِ الحجازَ عُشِرَتْ؛ لأنَّها ممْنُوعَةٌ مِن الإِقامَةِ به.
قال شيْخُنا 1: ولا يُعْرَفُ هذا التَّفْصِيلُ عن أحمدَ، ولا يَقْتَضِيه مَذْهَبُه؛ لأنَّه يُوجِبُ الصَّدَقَةَ في أمْوالِ نِساءِ بنى تَغْلِبَ وصِبْيانِهم، فكذلك يُوجِبُ العُشْرَ ونِصْفَه في مالِ النِّساءِ، وعُمومُ الأحادِيثِ المَرْوِيَّةِ ليس فيها تَخْصِيصٌ للرِّجالِ دُونَ النِّساءِ، وليس هذا بجِزْيَةٍ، إنَّما هو حَقٌّ يخْتَصّ بمالِ التِّجارَةِ، لتَوَسُّعِه في دارِ الإِسلامِ، وانْتِفاعِه بالتجارَةِ فيه، فيَستَوِى فيه الذَّكَرُ والأُنثَى، كالزَّكاةِ في حَقِّ المسلمين.
..................................
فصل: واخْتلفَتِ الرِّوايَةُ في القَدْرِ الذى يُؤْخَذُ منه العُشْرُ ونِصْفُ العُشْرِ، فروَى صالِحٌ عنه في نِصْفِ العُشْرِ، مِن كلِّ عشرين دِينارًا دِينارٌ.
يعنى فإذا نَقَصَتْ عن العشرين فليس عليه شئٌ؛ لأنَّ ما دُونَ النِّصابِ لا يَجِبُ فيه زَكاةٌ على مسلمٍ، ولا على تَغْلِبىٍّ، فلا يَجِبُ على ذِمِّىٍّ، كالذى دُونَ العَشَرَةِ.
وروَى صالِحٌ أيضًا، أنَّه قال: إذا مَرُّوا بالعاشِرِ، فإن كانوا أهْلَ الحَرْبِ، أخَذَ منهم العُشْرَ؛ مِن العَشَرَةِ واحدًا، فإن كانُوا مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، أخَذَ منهم نِصْفَ العُشْرِ؛ مِنِ كلِّ عشرين دِينارًا دينارًا فإذا نَقَصَتْ فليس عليه شئٌ.
وإن نقَص مالُ الحَرْبِىِّ عن عَشَرَةِ دَنانيرَ، لم يُؤْخَذْ منه شئٌ، ولا يُؤْخَذُ منهم إلَّا مَرَّةً واحدةً؛ المُسْلِمُ والذِّمِّىُّ في ذلك سواءٌ.
ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ في العَشَرَةِ نصف مِثْقالٍ، وليس فيما دُونَ العَشَرَةِ شئٌ.
نَصَّ عليه في روايَةِ أبى الحارثِ، قال: قلتُ: إذا كان مع الذِّمِّىِّ عَشَرَةُ دنانيرَ؟ قال: نأْخُذُ منه نِصْفَ دِينارٍ.
قلتُ: فإنْ كان معه أقَل مِن عَشَرَةِ دنانيرَ؟ قال: إذا نَقَصَتْ لم يُؤْخَذْ منه شئٌ.
وذلك
..................................
لأنَّ العَشَرَةَ مالٌ يبْلُغُ واجبُه نصفَ دِينارٍ، فوَجَبَ فيه، كالعشرين في حَقِّ المُسْلِمِ.
ولأنَّه مالٌ معْشُورٌ، فوَجَبَ في العَشَرَةِ منه، كمالِ الحْرْبِىِّ.
وقال ابنُ حامِدٍ: يُؤْخَذُ عُشْرُ الحَرْبِىِّ، ونصف عُشْرِ الذِّمِّىِّ، من كلِّ مالٍ، قَلَّ أو كَثُرَ؛ لأنَّ عُمَرَ قال: خُذْ مِن كلِّ عشرين دِرْهَمًا دِرْهمًا.
ولأنَّه حَقٌّ عليه، فوَجَبَ في قَلِيله وكثيرِه، كنَصِيبِ 1 المالكِ في أرْضه التى عامَلَه عليها.
ولَنا، أنَّه عُشْرٌ ونصفُ عُشْرٍ وَجَب بالشَّرْعِ، فاعْتُبِرَ له نِصابٌ، كزكاةِ الزَّرْعِ والثَّمَرِ 2، ولأنَّه حَقٌّ يَتَقَدَّرُ بالحَوْلِ، فاعْتُبِرَ له النِّصابُ، كالزَّكاةِ.
وأمّا قولُ عُمَرَ، فالمُرادُ به، واللَّهُ أعلمُ، بيانُ قَدْرِ المَأْخُوذِ، وأنَّه نِصفُ العُشْرِ، ومَعْناه: إذا كان معه عَشَرَةُ دنانيرَ فخُذْ مِن كلِّ عشرين دِرْهمًا دِرهمًا؛ لأنَّ في صَدْرِ الحدِيثِ أنَّ عُمَرَ بَعث 3
وَيؤْخَذُ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُؤْخَذُ مِنْ الْحَرْبِىِّ كُلَّمَا دَخَلَ إلَيْنَا.
مُصَدِّقًا وأمَرَه أن يأخُذَ مِن المسلمين مِن كلِّ أربعين درهمًا درهمًا، ومِن أهلِ.
الذِّمَّةِ مِن كلِّ عشرين درهمًا درهمًا، ومِن أهلِ الحَرْبِ مِن كلِّ عشرةٍ واحدًا.
وإنَّما يُؤْخَذُ ذلك مِن المُسْلِمِ إذا كان معه نِصابٌ، فكذلك مِن غيرِهم.
1536 -
مسألة: (ويُؤْخَذُ)
منه في (كلِّ عامٍ مَرَّةً.
وقال ابنُ حامِدٍ: يُؤْخَذُ مِن الحَرْبِىِّ كلَّما دَخَل إلَيْنا) لا يُعْشَرُ الذمِّىُّ ولا الحَرْبِىُّ في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لِما روَى الإِمامٌ أحمدُ بإسْنادِه، قال: جاءَ شيخٌ نَصْرَانِىٌّ إلى عُمَرَ، فقال: إنَّ عامِلَك عَشرَنِى في السَّنَةِ مَرَّتَيْن.
قال: ومَن أنت؟ قال: أنا الشَّيْخُ النَّصْرانِىُّ.
فقال: وأنا الشَّيْخُ الحَنِيفُ.
..................................
ثم كَتَب إلى عامِلِه: لا تَعْشِرُوا في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً 1. ولأنَّ الجِزْيَةَ والزَّكاةَ إنَّما تؤْخَذُ في السَّنَةِ مَرَّةً، فكذلك هذا.
ومتى أخَذَ منهم ذلك مَرَّةً، كَتَب لهم حُجَّةً بأدائِهم؛ لتكونَ وَثِيقَةً لهم، وحُجَّةً على مَن يَمُرُّون عليه، فلا يَعْشِرُهم ثانيةً، إلَّا أن يكونَ معه أكْثَرُ مِن المالِ الأوَّلِ، فيَأْخُذَ مِن 2 الزِّيادَةِ؛ لأنَّها لم تُعْشَرْ.
وحُكِىَ عن أبى عبدِ اللَّهِ ابنِ حامدٍ، أنَّ الحَرْبِىَّ يُعْشَرُ كُلَّما دَخَل إلينا.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّنا لو أخَذْنا منه واحِدَةً، لا نَأمَنُ أن يدْخُلُوا، فإذا جاءَ وقْتُ السَّنَةِ، لم يدْخُلُوا، فيَتَعَذَّرُ الأخْذُ منهم.
ولَنا، أنَّه حَق يُؤْخَذُ مِن التِّجارَةِ، فلا يُؤْخَذُ في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً، كنِصْفِ العُشْرِ مِن الذِّمِّىِّ.
وقَوْلُهم: يَفُوتُ.
لا يَصِحُّ 3؛ فإنَّه يُؤْخَذُ منه أوَّلَ ما يَدْخُلُ مَرَّةً، ويَكْتُبُ الآخِذُ له بما أخَذَ منه، ثم لا يُؤْخَذُ منه شئٌ حتى تَمْضِىَ تلك السَّنَةُ، فإذا جاءَ في العامِ الثانى، أُخِذَ منه في أوَّلِ ما يَدْخُلُ، فإن لم يَدْخُلْ، فما فاتَ مِن حَقِّ السَّنَةِ الأُولَى شئٌ.