فَصْلٌ في حُكْمِ الظِّهَارِ: يَحْرُمُ وَطْءُ الْمُظَاهَر مِنْهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ.
اسْتِثْناءٌ يَرْفَعُ حُكْمَ الظِّهارِ 1؛ [وإن قال: إن شاء الله فأنت حرامٌ.
فإنَّه اسْتثِناءٌ يَرْفعُ حُكْمَ الظِّهارِ] 2 لأنَّ الشَّرْطَ إذا تقَدَّمَ يُجابُ بالفاءِ.
وإن قال: إن شاءَ اللهُ أنتِ حرامٌ.
فهو اسْتثناءٌ؛ لأنَّ الفاءَ مُقَدَّرَةٌ.
وإن قال: إن شاءَ الله فأنتِ حرامٌ.
صحَّ أيضًا، والفاءُ زائِدَةٌ.
وإن قال: أنتِ حرامٌ إن شاءَ الله وشاءَ زَيدُ.
فشاءَ زيدٌ، لم يَكُنْ مُظاهِرًا؛ لأنَّه 3 علَّقَه على مَشِيئَتَين، فلا يحْصُلُ بإحداهما.
فصل في حُكْمِ الظِّهارِ: (يَحْرُمُ وَطْءُ المُظاهَرِ منها قبلَ التَّكْفيرِ) إذا كان التَّكْفِيرُ بالعِتْقِ أو بالصِّيامِ.
وليس في ذلك اخْتِلافٌ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ 4. وقولِه سبحانه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (4). وأكثرُ أهلِ العلمِ على أنَّ التَّكْفِيرَ بالإِطْعامِ مِثْلُ ذلك؛ منهم عَطاءٌ،
..................................
والزُّهْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرأي.
وعن أحمدَ إباحَةُ الوَطْءِ قبلَ التَّكْفِيرِ بالإِطْعامِ؛ لأنَّ الله تعالى لم يَمْنَعِ المَسِيسَ قَبْلَه، كما في العِتْقِ والصِّيام.
اخْتارَه أبو بَكْرٍ.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ؛ لِما ذَكَرْنا.
ولَنا، ما روَى عِكرِمَةُ عن ابنِ عباس، أنَّ رَجلًا أتَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي تَظاهَرْتُ مِن امْرأتِي، فَوَقَعْتُ عليها قبلَ أن أكَفِّرَ.
فقال: «مَا حَمَلَكَ عَلَى ذلِكَ، يَرْحَمُكَ اللهُ؟».
[قال: رأيتُ] 1 خَلْخالها في ضَوْءِ القَمَرِ.
فقال: «لا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أمرَكَ الله».
رَواه أبو داودَ، والترْمِذِيُّ 2، وقال: حديث حسن.
[ولأنَّه مُظاهرٌ لم يُكَفِّرْ] 3، فحرُمَ عليه جِماعُها، كما لو كانت كفَّارَتُه العِتْقَ أو 4 الصِّيامَ، وتَرْكُ النَّصِّ عليها لا يَمْنَعُ قِياسَها على المَنْصُوصِ الذي في مَعْناها.
وَهَل يَحْرُمُ الاسْتِمْتَاعُ مِنْهَا بِمَا دُونَ الْفَرْجِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَينِ.
وَعَنْهُ، لَا يَحْرُمُ وَطْؤُهَا إِذَا كَانَ التَّكْفِيرُ بِالإِطْعَامِ.
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
3731 - مسألة: (وهل يَحْرُمُ الاسْتِمْتاعُ مِنها بما دُونَ الفَرْجِ؟ على رِوايَتَين)
إحداهما، يَحْرُمُ.
وهو قَولُ أبي بَكْرٍ.
وبه قال الزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، والأوزاعِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأن ما حَرَّمَ الوَطْءَ مِن القَوْلِ حَرَّمَ دَواعِيَه، كالطَّلاقِ والإحْرام.
والثَّانِيَةُ، لا يَحْرُمُ.
قال أحمدُ: أرْجُو ألّا يكونَ به بأْسٌ.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وإسْحاقَ، وأبي حنيفةَ.
وحُكِيَ عن مالكٍ أيضًا.
وهو القولُ الثَّانِي للشافعيِّ؛ لأنه وَطْء يتَعَلَّقُ بتَحْريمِه مالٌ، فلم يَتَجاوَزْه التَّحْريمُ، كوَطْءِ الحائِضِ.
وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْعَوْدِ، وَهُوَ الْوَطْءُ.
نَصَّ عَلَيهِ أحْمَدُ، وَأنْكَرَ قَوْلَ مَالِكٍ أَنَّهُ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ.
وَقَال الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّاب: هُوَ الْعَزْمُ.
3732 - مسألة: (وتَجبُ الكَفَّارَةُ بالعَوْدِ، وهو الوَطْءُ. نَصَّ عليه أحمدُ، وأنْكَرَ قَوْلَ مالكٍ أَنَّه العَزْمُ على الوَطْءِ. [وقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: هو العَزْمُ)
وجملةُ ذلك، أنَّ] 1 العَوْدَ هو الوَطْءُ عندَ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ.
فمتى وَطِيء لَزِمَتْه الكفَّارَةُ، ولا تَجِبُ قبلَ ذلك، إلَّا أنَّها شَرْط لحِلِّ الوَطْءِ، فيُؤْمَرُ بها مَن أرادَه ليَسْتَحِلَّه بها، كما يُؤْمَرُ بعَقْدِ النِّكاحِ مَن أرادَ حِلَّ المرْأةِ.
وحُكِيَ نحوُ ذلك عن الحسَنِ، والزُّهْرِيِّ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
إلَّا أنَّه لا يُوجبُ الكفَّارَةَ على مَن وَطِئَ، وهي 2 عندَه في حَقِّ مَن وَطِئَ كمَن لم يَطَأْ.
وقال القاضي وأصحابُه: العَوْدُ العَزْمُ على الوَطْءِ.
إلَّا أنَّهم لم يُوجِبُوا الكفَّارَةَ على العازِمِ [على الوَطْءِ] (1)، إذا مات أحَدُهما أو طَلَّقَ قبلَ الوَطْءِ، إلَّا أبا الخَطَّابِ،
..................................
فإنَّه قال: إذا ماتَ بعدَ العَزْمِ أو طَلَّقَ فعليه الكفَّارَةُ.
وهذا قولٌ مالكٍ، وأبي عُبَيدٍ.
وقد أنْكَرَ أحمدُ هذا، وقال: مالِكٌ يقولُ: إذا أجْمَعَ لَزِمَتْه الكفَّارَةُ.
فكيفَ يكونُ هذا! لو طَلَّقَها بعدَ ما يُجْمِعُ كان عليه كفَّارَةٌ! إلَّا أنَّ يكونَ يذْهَبُ إلى قَوْلِ طاوُسٍ: إذا تَكَلَّمَ بالظِّهارِ 1 لَزِمَه مِثْلُ الطَّلاقِ.
ولم يُعْجِبْ أحمدَ قولُ طاوُسٍ.
وقال أحمدُ، في قوله تعالى: [﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾.
قال: العَوْدُ الغِشْيانُ، إذا أرادَ أنَّ يَغْشَى كفَّرَ.
واحْتَجَّ مَن ذهبَ إلى هذا بقَوْلِه تعالى] 2: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾.
فأوْجَبَ الكفّارَةَ بعدَ العَودِ قبلَ التَّماسِّ، وما يَحْرُمُ قبلَ الكفَّارَةِ، لا يجوزُ كَوْنُه مُتَقَدِّمًا عليها، ولأنَّه قَصَدَ بالظِّهارِ تحْرِيمَها، فالعَزْمُ على وَطْئِها عَوْدٌ فيما قَصَدَه، ولأنَّ الظِّهارَ تَحْرِيمٌ، فإذا أرادَ اسْتِباحَتَها فقد رَجَعَ في ذلك التّحْرِيمِ، فكان عائِدًا.
وقال الشافعيُّ: العَوْدُ إمْسَاكُها بعدَ ظِهارِه زَمنًا يُمْكِنُه طَلاقُها فيه؛ لأنَّ ظِهارَه منها يَقْتَضِي إبانَتَها، فإمْساكُها عَوْدٌ فيما قال.
وقال داودُ: العَوْدُ تَكْرارُ الظِّهارِ مرَّةً ثانِيَةً؛ لأنَّ العَوْدَ في الشيءِ إعادَتُه.
ولَنا، أنَّ العَوْدَ فِعْلُ ضِدِّ قَوْلِه، ومنه العائِدُ في هِبَتِه، هو الرَّاجِعُ في المَوْهُوبِ، والعائِدُ في عِدَتِه، التَّارِكُ للوَفاءِ بما وَعَدَ، والعائِدُ فيما نُهِيَ عنه فاعِلُ المَنْهِيِّ عنه.
..................................
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ 1. فالمُظاهِرُ مُحَرِّمٌ للوَطْءِ على نَفْسِه، ومانِعٌ لها منه، فالعَوْدُ فِعْلُه.
وقوْلُهم: إن العَوْدَ يَتَقَدَّمُ التَّكْفِيرَ، والوَطْءَ يتَأخَّرُ عنه.
قُلْنا: المُرادُ بقَوْلِه: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾.
أي يُرِيدُونَ العَوْدَ، كقَوْلِه تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ 2. أي أرَدْتُمْ ذلك.
وقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ 3. فإن قيلَ: هذا تأْويلٌ، وهو رُجُوع إلى وُجُوب الكفَّارَةِ بالعَزْمِ المُجَرَّدِ.
قُلْنا: دليلُ التاويلِ ما ذَكَرْنا، وأمَّا الأمْرُ بالكفَّارَةِ عندَ العَزْمِ، فإنَّما أمَرَ بها شَرْطًا للحِلِّ، كالأمْرِ بالطَّهارَةِ 4 لمَن أرادَ النَّافِلَةَ، والأمْرِ بالنيةِ لمن أرادَ الصيامَ.
فأمَّا الإِمْساكُ فليس بعَوْدٍ؛ لأنَّه ليس بعَوْدٍ في الظهارِ المُؤَقَّتِ، فكذلك في المُطْلَق، ولأنَّ العَوْدَ فِعْلُ ضِدِّ ما قاله، والإمْساكُ ليس بضِدٍّ له.
وقوْلُهم: إنَّ الظِّهارَ يَقْتَضِي إبانَتَها.
مَمْنُوعٌ، وإنَّما يَقْتَضِي تَحْرِيمَها واجْتِنابَها، ولذلك صَحَّ تَوْقِيتُه، ولأنَّه قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾.
و «ثُمَّ» للتَّراخِي، والإمْساكُ غيرُ مُتَراخٍ.
وأمَّا قولُ داودَ
وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، أو طَلَّقَهَا قَبْلَ الْوَطْءِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيهِ، فَإِنْ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا، لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ.
فلا يصِحُّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أوْسًا وسَلَمَةَ بنَ صَخْر بالكفَّارَةِ مِن غيرِ إعادَةِ اللَّفْظِ، ولأنَّ العَوْدَ إنَّما هو في مَقُولِه دُونَ قَوْلِه، كالعَوْدِ في العِدَةِ والهبَةِ، والعَوْدِ فيما نُهِيَ عنه، ويدُلُّ على إبطالِ هذه الأقْوالِ كُلِّها أنَّ الظِّهارَ يَمِينٌ مُكَفَّرَة، فلا تَجِبُ الكفَّارَةُ إلَّا بالحِنْثِ فيها، وهو فِعْلُ ما حَلَفَ على تَرْكِه كسائِرِ الأيمانِ، وتَجِبُ الكفَّارَةُ به كسائِرِ الأيمانِ، ولأنَّها يَمِين تَقْتَضِي تَرْكَ الوَطْءِ، فلا تَجِبُ كفَّارَتُها إلَّا به، كالإِيلاءِ.
3733 -
مسألة: (فإن مات أحَدُهما، أو طَلَّقَها قبلَ الوَطْءِ، فلا كَفَّارَةَ عليه، فإن عاد فتَزَوَّجَها، لم يَطَأْها حتى يُكَفِّرَ)
وجملةُ ذلك، أنَّ الكفارَةَ لا تَجِبُ بمُجَرَّدِ الظِّفارِ، فلو مات أحَدُهما أو فارَقَها قبلَ العَوْدِ، فلا كفَّارَةَ عليه.
وهذا قولُ عَطاءٍ، والنّخَعِيِّ، والحسَنِ، والأوْزَاعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، ومالكٍ، وأبي عُبَيدٍ، وأصحابِ الرَّأْي.
وقال طاوسٌ، ومُجاهِدٌ، والشعْبِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ: عليه الكفَّارَةُ بمُجَرَّدِ الظِّهارِ؛ لأنَّه سَبَبٌ للكفَّارَةِ، وقد وُجِدَ، ولأنَّ الكفَّارَةَ وَجَبَتْ لقَوْلِ المُنْكَرِ والزُّورِ، وهذا يحْصُلُ بمُجَرَّدِ الظِّهارِ.
وقال الشافعيُّ: متى أمْسَكَها بعدَ ظِهارِه زَمَنًا يُمْكِنُه طَلاقُها فيه، فلم يُطَلِّقْها، فعليه الكفَّارَةُ؛
..................................
لأنَّ ذلك هو العَوْدُ عندَه.
ولَنا، قَولُ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ 1 مِن نسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾.
فأوْجَبَ الكفَّارَةَ بأمْرَين، ظِهارٍ وعَوْدٍ، فلا يَثْبُتُ بأحَدِهما، ولأنَّ الكفَّارَةَ في الظِّهارِ كفَّارَةُ 2 يَمِين، فلا تَجِبُ بغيرِ الحِنْثِ، كسائرِ الأيمانِ، والحِنْثُ فيها هو العَوْدُ، وذلك فِعْلُ ما حَلَفَ على تَرْكِه، وهو الجِماعُ.
وقد ذكَرْنا ذلك في المسْألةِ التي قَبْلَها.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا كفَّارَةَ عليه إذا مات أحدُهما 3 قبلَ وَطْئِها.
وكذلك إن فارَقَها، سواء كان ذلك مُتراخِيًا عن يَمينِه أو عَقِيبَه.
وأيُّهما ماتَ وَرِثَه صاحِبُه في قولِ الجُمْهُورِ.
وقال قَتادَةُ: إن ماتَتْ لم يَرِثْها حتى يُكَفِّرَ.
ولَنا، أنَّ مَن وَرِثَها إذا كفَّرَ وَرِثَها وإن لم يُكَفِّرْ، كالمُولِي منها.
ومتى طَلَّقَ مَن ظاهَرَ منها ثم تَزَوَّجَها، لم يَحِلَّ له وَطْؤُها حتى يُكَفرَ، سواءٌ كان الطَّلاقُ ثلاثًا أو أقَلَّ منه، وسواءٌ رَجَعَت إليه بعدَ زَوْجٍ آخَرَ أو قبلَه.
نصَّ عليه أحمدُ.
وهو قَوْلُ الحسَنِ، وعَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، والنَّخَعِيِّ، ومالكٍ، وأبي عُبَيدٍ.
وقال قَتادَةُ: إذا بانَتْ سَقَطَ الظِّهارُ، فإذا عادَ فنَكَحَهَا فلا كفَّارَةَ عليه.
وَإنْ وَطِيء قَبْلَ التَّكْفِيرِ، أَثِمَ، وَاسْتَقَرَّتْ عَلَيهِ الْكَفَّارَةُ.
وللشافعيِّ قَوْلانِ كالمذْهَبَين، وقولٌ ثالِثٌ، إن كانتِ البَينونَةُ بالثَّلاثِ، لم يَعُدِ الظِّهارُ، وإلَّا عاد.
وبناه على الأقاويلِ في عَوْدِ صِفَةِ الطَّلاقِ في النِّكاحِ الثَّانِي.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ (1) مِن نسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ من قَبْلِ أن يَتَمَاسَّا﴾.
وهذا قد ظاهَرَ مِن امْرأتِه، فلا يَحِلُّ (2) أنَّ يتَمَاسَّا حتى يُكَفِّرَ، ولأنَّه ظاهَرَ مِن امْرأتِه، فلا يَحِلُّ له مَسُّها فبلَ التَّكْفِيرِ، كالتي لم يُطَلِّقْها، ولأنَّ الظِّهارَ يَمِين مُكَفَّرَة، فلم يَبْطُلْ حُكْمُها بالطَّلاقِ، كالإِيلاءِ.
3734 -
مسألة: (وإن وَطِئَ قبلَ التَّكْفِيرِ، أثِمَ، وَاسْتَقَرَّتْ عليه الكفَّارَةُ)
قد ذَكَرْنا أنَّ المُظاهِرَ يَحْرُمُ عليه وَطْءُ زَوْجَتِه قبلَ التَّكْفِيرِ؛ لقَوْلِ الله تعالى في العِتْقِ والصِّيامِ: (مِن قَبْلِ أنَّ يَتَمَاسَّا).
فإن وَطِئَ عَصَى رَبَّه [لمُخالفةِ أمرِ] 3، وتَسْتقِرُّ الكفَّارَةُ في ذِمَّتِه، فلا تَسْقُطُ بعدَ ذلك12
وَتُجْزِئُهُ كَفَّارَة وَاحِدَةٌ.
بمَوْتٍ، ولا طَلاقٍ، ولا غيرِه، وتَحْرِيمُ زوْجتِه عليه باقٍ عليه (1) حتى يُكَفِّرَ.
هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
رُوِيَ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاء، وطاوُسٍ، وجابرِ بنِ زيدٍ، ومُوَرِّقٍ (2) العِجْلِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وعبدِ اللهِ بنِ أُذَينَةَ (3)، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزَاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ.
وتَلْزَمُه الكفَّارَةُ إذا وَطِئَها وهو مَجْنون.
نصَّ عليه.
[مِن «المُحَرَّرِ»] (4).
3735 -
مسألة: (وتُجْزِئُه كَفَّارَة واحِدَة)
وهو قولُ الحسَنِ، وابنِ سِيرِينَ، وبَكْر المُزَنِيِّ، ومُوَرِّقٍ 5، وعَطاءٍ، وطاوسٍ، ومُجاهدٍ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ.
وحُكِيَ عن عمرِو بنِ العَاصِ، أنَّ عليه كفَّارَتَين.
ورُوِيَ ذلك عن قَبِيصَةَ، وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ، والزُّهْرِيِّ،1234
وَإنْ ظَاهَرَ مِنَ امْرَأتِهِ الْأمَةِ ثُمَّ اشْتَرَاهَا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ.
وقَال أَبُو بَكْرٍ: يَبْطُلُ الظِّهَارُ وَتَحِلُّ لَهُ، فَإِنْ وَطِئَهَا فَعَلَيهِ كَفَّارَةُ يمِينٍ.
وقَتادَةَ؛ لأنَّ الوَطْءَ يُوجِبُ كفَّارَةً، والظِّهارَ يُوجِبُ أُخْرَى.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَثْبُتُ الكفَّارَةُ في ذِمَّتِه، وإنَّما هي شَرْط للإِباحَةِ بعدَ الوَطْءِ، كما كانتْ قبْلَه.
وحُكِيَ عن بعْضِ العُلَماءِ أنَّ الكفَّارَةَ تَسْقُطُ، لأنَّه قد فات وقْتُها، لكَوْنِها وَجَبَتْ قبلَ المَسِيسِ.
ولَنا، حَدِيثُ سَلَمةَ بنِ صَخْرٍ، حينَ ظاهَرَ ثم وَطِيء قبلَ التَّكْفِيرِ، فأمَرَه النبي - صلى الله عليه وسلم - بكفَّارَةٍ واحدةٍ (1). ولأنَّه وُجِدَ الظِّهارُ والعَوْدُ، فيدخلُ في عُمومِ قولِه: (ثُمَّ يَعُودُون لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ).
فأمَّا قَوْلُهم: فات وَقْتُها.
فيَبْطُلُ بما ذَكَرْناه، وبالصَّلاةِ، وسائرُ العِبادَاتِ يَجِبُ قَضاؤُها بعدَ فَواتِ وَقْتِها.
3736 -
مسألة: (وإن ظاهَرَ مِن امْرأتِه الأمَةِ ثم اشْتَراها، لم تَحِلَّ له حتى يُكَفِّرَ. وقال [أبُو بَكْرٍ]
..................................
وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
ونصَّ عليه الشافعيُّ.
وقال القاضي: المذهبُ ما ذكَرَ الخِرَقِيُّ.
وهو قولُ أبي عبدِ الله بِنِ حامِدٍ؛ لقَوْلِ الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ 1 من نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أنَّ يَتَمَاسَّا﴾.
وهذا قد ظاهَرَ مِن امْرأتِه، فلم يَحِلَّ له مَسُّها حتى يُكَفِّرَ، ولأنَّ الظهارَ قد صَحَّ فيها، وحُكْمُه لا يَسْقُطُ بالطَّلاقِ المُزِيل للمِلْكِ 2 والحِلِّ، فبمِلْكِ اليَمِينِ أَوْلَى، ولأنَّها يَمِين انْعَقَدَتْ موجِبَةً لكفَّارةٍ 3، فوَجَبَتْ دُونَ غيرِها، كسائِرِ الأيمانِ.
وقال أبو بكْرٍ عبدُ العزِيزِ، وأبو الخَطَّابِ: يَسْقُطُ الظِّهارُ بمِلْكِه لها، وإن وَطِئَها حَنِثَ، وعليه كفَّارةُ يَمِين، كما لو تَظاهَرَ منها وهي أمَتُه.
ويَقْتَضِي 4 قولُ أبي بَكْرٍ وأبي الخَطَّابِ ههُنا أنْ تُباحَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ؛ لأنَّه أسْقَطَ الظِّهارَ، وجَعَلَه يَمِينًا، كتَحْريمِ أمَتِه.
فإنْ أعْتَقَها عن كفَّارَتِه، صَحَّ على القَوْلَين جميعًا 5. فإن تَزَوَّجَها بعدَ ذلك، حَلَّتْ له بغيرِ كفَّارَةٍ؛ لأنَّه كفَّرَ عن
وَإنْ كَرَّرَ الظِّهَارَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَعَنْهُ، إِنْ كَرَّرَهُ فِي مَجْلِس وَاحِدٍ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَإنْ كَرَّرَه فِي مَجَالِسَ فَكَفَّارَاتٌ.
ظِهارِه بإعْتاقِها، ولا يَمْتَنِعُ إجْزاوها عن الكفَّارَةِ التي وجَبَثْ بسَبَبِها، كما لو قال: إن مَلَكْتُ أمَةً فللَّهِ عليَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ.
فمَلَكَ أمَةً فأعْتَقَها.
وإن أعْتَقَها عن غَيرِ (1) الكفَّارَةِ، ثُمَّ تزَوَّجَها، لم تَحِلَّ له حتى يُكَفِّرَ.
3737 -
مسألة: (وإن كَرَّرَ الظِّهارَ قبلَ التَّكْفِيرِ فكَفَّارَةٌ واحِدَةٌ)
هذا ظاهِرُ المذهب، سواءٌ كان في مَجْلِس أو مَجالِسَ، يَنْوي به التَّأْكِيدَ، أو الاسْتِئْنافَ، أوَ أطْلَقَ.
نَقَلَه عن أحمدَ جماعة.
اخْتارَه أبو بكرٍ، وابنُ حامدٍ، والقاضي.
وبه قال مالكٌ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، والشافعيُّ في القَدِيمِ.
ونُقِلَ عن أحمدَ: مَنِ حَلَفَ أيمانًا كثيرةً، فأرادَ التَّأْكِيدَ، فكفَّارَةٌ واحدة.
فمَفْهُومُه أنَّه إن نوَى الاسْتِئْنافَ فكفَّارَتٌ.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ في الجديدِ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: إن كان في مَجْلِس، فكفَّارَة واحدة، وإن كان في مَجالِسَ فكفَّارات.
وعن أحمدَ مثلُ ذلك.
ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وعمرِو بنِ دِينارٍ؛ لأنَّه قولٌ يُوجِبُ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ، فإذا نَوَى الاسْتِئْنافَ تعَلَّقَ بكُلِّ مَرَّةٍ حُكْم، كالطَّلاقِ.1
..................................
ولَنا، أنَّه قولٌ لم يُؤثِّرْ [تَحْرِيمًا في] 1 الزَّوْجَةِ، فلم تَجِبْ به كفَّارَةُ الظِّهارِ، كاليَمِينِ باللهِ تعالى، ولا يَخْفَى أنَّه لم يُؤثر تَحْرِيمًا 2، فإنَّها حَرُمَتْ بالقَوْلِ الأوَّلِ، ولأنَّه لفْظ يَتَعَلَّقُ به كفَّارَة، فإذا تكَرَّرَ كَفاه كفَّارَة واحدة، كاليَمِينِ باللهِ تعالى.
وأمَّا الطَّلاقُ، فإن ما زاد منه على الثَّلاثِ، لا يَثْبُتُ له حُكْمٌ بالإجْماعِ، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذكَرُوه.
وأمَّا الثَّالِثَةُ، فإنَّها تُثْبِتُ تَحْرِيمًا زائِدًا، وهو التَّحْرِيمُ قبلَ زَوْجٍ وإصابَةٍ، بخِلافِ الظِّهارِ الثَّانِي، فإنَّه لا يَثْبُتُ به تَحْريم، فنَظِيرُ الظِّهارِ الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ، لا يَثْبُتُ بما زادَ عليها تَحْرِيم، ولا يَثْبُتُ له حُكْم، كذلك الظِّهارُ.
فأمَّا إن كفَّرَ عن الأوَّلِ، ثم ظاهَرَ، لَقمَه للثَّانِي كفَّارَة، بلا خِلافٍ؛ لأنَّ الظِّهارَ الثَّانِيَ مِثْلُ الأوَّلِ، فإنَّه حَرَّمَ الزَّوْجَةَ المُحَلَّلَةَ، فأوْجَبَ الكفَّارَةَ كالأوَّلِ، بخِلافِ ما قبلَ التَّكْفِيرِ.
وَإنْ ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَكَفَّارَة وَاحِدَة، وَإِنْ كَانَ بِكَلِمَاتٍ، فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ.
3738 - مسألة: (وإن ظاهَرَ مِن نِسَائِه بكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، فكَفَّارَةٌ واحِدَةٌ، وإن كان بكَلِماتٍ، فلِكُلِّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ)
إذا ظاهَرَ مِن نِسائِه بلَفْظٍ واحدٍ، فقال: أنْتُنَّ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي.
فليس عليه أكْثَرُ مِن كفَّارَةٍ، بغيرِ خِلافٍ في المذهَبِ.
لي هو قولُ عمرَ، وعلي، وعُرْوَةَ، وطاوُسٍ، وَعَطاءٍ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ، والأوْزَاعِيِّ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، والشافعيِّ في القَديمِ.
وقال الحسَنُ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، ويحيى
..................................
الأنْصَارِيُّ، والحَكَمُ، والثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، والشافعيُّ في الجَديدِ: عليه لِكُلِّ امرأةٍ كفَّارَة.
وعن أحمدَ مثلُ ذلك، مِن «المُحَرَّرِ»؛ لأنَّه وُجِدَ الظِّهارُ والعَوْدُ في حَقِّ كُلِّ امرأةٍ مِنهُنَّ، فوَجَبَ عليه لكُلِّ واحدةٍ كفَّارَة، كما لو أفْرَدَها به 1. ولَنا، قولُ عمرَ، وعليٍّ، رَضِيَ الله عنهما، رواه عنهما الأثْرَمُ 2، ولا نَعْرِفُ لهما في الصَّحابَةِ مُخالِفًا، فكان إجْماعًا، ولأنَّ الظِّهارَ كَلِمَة تَجِبُ بمخُالفَتِها الكفَّارَةُ، فإذا وُجِدَتْ في جَماعَةٍ أوْجَبَتْ كفَّارَةً واحِدَةً، كاليَمِينِ باللهِ تعالى.
وفارَقَ ما إذا ظاهَرَ بكلماتٍ؛ فإنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَقْتَضِي كفَّارَةً تَرْفَعُها، وتُكَفِّرُ إثْمَها، وههُنا الكَلِمَةُ واحِدَة، فالكفَّارَةُ الواحِدَةُ تَرْفَعُ حُكْمَها، وتَمْحُو إثْمَها، فلا يَبْقَى لها حُكْمٌ.
فأمَّا إن كَرَّرَه بكَلِماتٍ، فقال لِكُلِّ واحِدَةٍ: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي.
فإنَّ لِكلِّ يَمِين كفَّارَةً.
وهذا قَوْلُ عُرْوَةَ، وعَطاءٍ.
قال أبو عبدِ اللهِ ابنُ حامِدٍ: المذهب رواية واحدةٌ في هذا.
قال القاضي: المذهبُ عندِي ما ذَكَرَه الشَّيخُ أبو عبدِ اللهِ.
وقال أبو بكرٍ: فيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه يُجْزِئُه كفَّارَةٌ واحِدَة.
واخْتارَ ذلك، وقال: هذا الذي قُلْناه اتِّباعًا لعُمرَ بنِ الخَطَّابِ، والحسَنِ، وعَطاءٍ، وإبْراهيمَ، ورَبِيعَةَ،
..................................
وقَبِيصَةَ، وإسْحاقَ؛ لأنَّ كفَّارَةَ الظِّهارِ حَق للهِ تعالى، فلم تَتَكَرَّرْ بتَكَرُّرِ سَبَبِها، كالحُدُودِ، وعليه يُحرَّجُ الطَّلاقُ.
ولَنا، أنَّها أيمانٌ مُتَكَرِّرَة على أعْيانٍ مُتَفَرِّقَةٍ، فكان لِكُلِّ واحدةٍ كفَّارَةٌ، كما لو كفَّرَ ثم ظاهرَ، ولأنَّها أيمانٌ لا يَحْنَثُ في إحْداها بالحِنْثِ في الأخْرَى، فلا يُكَفِّرُها كفَّارَةٌ واحدةٌ، كالأصْلِ، ولأنَّ الظِّهارَ مَعْنًى يُوجِبُ الكفَّارَةَ، فتَتَعَدَّدُ الكفَّارَةُ بتَعَدُّدِه في المَحالِّ المُخْتَلِفَةِ، كالقَتْلِ، ويُفارِقُ الحَدَّ؛ فإنَّه عُقُوبَة تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ.
فصل: فإن قال: كُلُّ امرأةٍ أتَزَوَّجُها فهي عليَّ كظَهْرِ - رضي الله عنه - أُمِّي.
ثم تَزَوَّجَ نِساءً في عَقْدٍ واحدٍ، فكفَّارَة واحدة، وإن تَزَوَّجَهُنَّ في عُقُودٍ، فكذلك في إحْدَى الرِّوايَتَين؛ لأنَّها يَمِينٌ واحدة.
والأخْرَى، لِكُلِّ عَقْدٍ كفَّارَةٌ.
فعلى هذا، لو تَزَوَّجَ امْرأتَين في عَقْدٍ 1، وأُخْرَى في عَقْدٍ، لَزِمَتْه كفَّارَتان؛ لأنَّ لكُلِّ عَقْدٍ حُكْمَ نَفْسِه، فتَعَلَّقَ بالثانِي كفَّارَةٌ، كالأوَّلِ.
فَصْلٌ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا
كَفَّارَةُ الظِّهَارِ عَلَى التَّرْتِيبِ، فَيَجِبُ عَلَيهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَكَفّارَةُ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ مِثْلُهَا، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، فصلٌ في كفَّارَةِ الظِّهارِ وما في مَعْناها
3739 -
مسألة: (كَفَّارَةُ الظِّهارِ على التَّرْتِيبِ، فيَجِبُ عليه تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، فإن لم يَجِدْ فصِيامُ شَهْرَين مُتَتابِعَين، فإن لم يَسْتَطِعْ فإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)
والأصْلُ في ذلك قولُ اللهِ تعالى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ 1 مِن نسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ من قَبْلِ أنَّ يَتَمَاسَّا) الآيَتَينِ 2. وقولُ النبي - صلى الله عليه وسلم - لخَوْلَةَ حينَ ظاهرَ منها زوْجُها: «يُعْتِقُ رَقَبَةً».
قلتُ: لا يَجِدُ.
قال: «فَيَصُومُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ».
قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّه شَيخٌ كبيرٌ ما به صِيامٌ.
قال: «فَيُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا 3. وهذا التَّرْتِيبُ لا خِلافَ فيه إذا كان المُظاهِرُ حُرًّا، فأمَّا العَبْدُ، فنَذْكُرُ حُكْمَه إن شاءَ الله تعالى (وكَفَّارَةُ الوَطْءِ في) نَهارِ (رَمضانَ مِثْلُها، في ظاهرِ المذْهَبِ) لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رَجُلًا قال: يا رسولَ
وَكَفَّارَةُ الْقَتْلِ مِثْلُهُمَا، إلَّا فِي الْإطْعَامِ، فَفِي وُجُوبِهِ رِوَايَتَانِ.
اللهِ، وَقَعْتُ على امْرأتِي وأنا صائِم.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟».
قال: لا.
قال: «فَهَلْ تَسْتَطِعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَين مُتَتَابِعَينِ؟».
قال: لا.
قال: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟».
وذكَرَ الحدِيثَ، وهو (1) صَحِيحٌ مُتَّفقٌ عليه (2). وفي كفَّارَةِ الوَطْءِ في رَمضانَ رِواية أنَّها على التَّخْيِيرِ، وقد ذَكَرْنا ذلك في الصَّوْم (3).
3740 -
مسألة: (وكَفارَةُ القَتْلِ مِثْلُهما)
لأنَّ التَّحْرِيرَ والصِّيامَ مَنْصُوصٌ عليهما في كتابِ اللهِ تعالى (إلَّا الإِطْعامَ، ففي وُجُوبِه رِوايَتان)123
وَالاعْتِبَارُ فِي الْكَفَّارَاتِ بِحَالِ الْوُجُوبِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
فَإِذَا
إحْداهما، لا يجبُ؛ لأنَّ الله تعالى لم يذْكُرْه في الكفَّارَةِ.
والثَّانِيَةُ، يَجِبُ، قِياسًا على كفَّارَةِ الظِّهار والجِماعِ في نَهارِ شَهْرِ رَمضانَ.
3741 -
مسألة: (والاعْتِبارُ في الكَفَّارَةِ بِحَالِ الوُجُوبِ في إحْدَى الرِّوايَتَين)
وهي ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه قال: إذا حَنِثَ وهو عَبْدٌ، فلم يُكَفِّرْ حتى عَتَقَ، فعليه الصَّوْمُ، لا يُجْزِئُه غيرُه.
وكذلك قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْأَلُ عن عبدٍ حَلَفَ على يَمِين، فحَنِثَ فيها وهو عبدٌ، فلم يُكَفِّرْ حتى عَتَقَ، أيُكَفِّرُ كفارَةَ حُرٍّ أو كفَّارَةَ عَبْدٍ؟ قال: يُكَفِّرُ كفَّارَةَ عَبْدٍ؛ لأنَّه إنَّما يُكَفِّرُ ما وَجَبَ عليه يَوْمَ حَنِثَ، لا
وَجَبَتْ وَهُوَ مُوسِرٌ، ثُمَّ أَعْسَرَ، لَمْ يُجْزِئْهُ إلا الْعِتْقُ، وَإنْ وَجَبَتْ وَهُوَ مُعْسِر، فَأَيسَرَ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْعِتْقُ، وَلَهُ الانْتِقَالُ إِلَيهِ إنْ شَاءَ.
يومَ حَلَفَ.
قلتُ له: حَلَفَ وهو عَبْدٌ، وحَنِثَ وهو حُرٌّ؟ قال: يومَ حَنِثَ.
واحْتَجَّ فقال: افْتَرَى وهو عَبْدٌ -أي 1 ثم أُعتِقَ- فإنَّما يُجْلَدُ جَلْدَ العَبْدِ.
وهذا أحدُ أقْوالِ الشافعيِّ.
فعلَى هذه الرِّوايَةِ، يُعتبَرُ يَسارُه وإعْسارُه حال وجُوبِها عليه، فإن كان مُوسِرًا حال الوُجوبِ، اسْتَقَرَّ وُجوبُ الرَّقَبَةِ عليه، فلم تَسْقُطْ بإعْسارِه بعدَ ذلك.
وإن كان مُعْسِرًا، ففَرْضُه الصَّوْمُ، فإذا أيسَرَ بعدَ ذلك، لم يَلْزَمْه الانْتِقالُ [إلى الرَّقَبَةِ] 2.
..................................
والرِّوايةُ الثَّانِيَةُ، الاعْتِبارُ بأغْلَظِ الأحْوالِ مِن حينِ الوُجُوبِ إلى حينِ التَّكْفِيرِ، فمتى وَجَدَ رَقَبَةً فيما بينَ الوُجُوب إلى حينِ التَّكْفِيرِ، لم يُجْزِئه إلَّا 1 الإِعْتاقُ.
وهو قولٌ ثانٍ للشافعيِّ؛ لأنَّه حَقٌّ يَجِبُ في الذِّمَّةِ بوُجودِ مالٍ، فاعْتُبِرَ فيه أغْلَظُ الأحْوالِ كالحَجِّ.
وله قولٌ ثالِث، أنَّ الاعْتِبارَ بحالةِ الأداءِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ؛ لأنَّه حَق له بَدَلٌ مِن غيرِ جِنْسِه، فكان الاعْتِبارُ فيه بحالةِ الأداءِ، كالوُضُوءِ.
ولَنا، أنَّ الكفَّارَةَ تَجِبُ على وَجْهِ الطُّهْرَةِ، فكان الاعْتِبارُ فيها بحالةِ الوُجُوبِ كالحدِّ، أو نقُولُ: مَن وَجَبَ عليه الصِّيامُ في الكفَّارَةِ، لم يَلْزَمْه غيرُه، كالعَبْدِ إذا عَتَقَ.
ويُفارِق الوُضُوءَ، فإنَّه لو تَيَمَّمَ ثم وَجَدَ الماءَ 2، بَطَلَ تَيَمُّمُه، وههُنا لو صامَ، ثم قَدَرَ على الرَّقَبَةِ، لم يَبْطُلْ صَوْمُه، وليس الاعْتِبارُ في الوُضُوءِ بحالةِ الأداءِ، إنَّما الاعْتِبارُ بأداءِ الصَّلاةِ.
فأمَّا الحَجُّ فهو عبادةُ العُمْرِ، وجَمِيعُه وقتٌ لها، فمتى قَدَرَ عليه في جُزْءٍ مِن وَقْتِه، وَجَبَ، بخِلافِ مَسْألتِنا.
ثم يَبْطُلُ ما ذكَرُوه [بالعبدِ إذا عَتَقَ، فإنَّه لا يَلْزَمُه الانتقالُ إلى العِتْقِ مع ما ذَكَرُوه] 3. فإن قِيلَ: العبدُ كان مِمَّن لا تَجبُ عليه الرَّقَبَةُ، ولا تُجْزِئُه في حالِ رِقِّه، فلَمَّا لم تُجْزِئْه، لم تَلْزَمْه بتَغَيُّرِ الحالِ، بخلافِ مَسْألَتِنا.
قُلْنا: هذا 4 لا أثَرَ له.
وعنه في الْعَبْدِ إِذَا عَتَقَ، لَا يُجْزِئُهُ غَيرُ الصُّوْمِ.
وَالرِّوَايَةُ الثُّانِيَةُ، الاعْتِبَارُ بِأَغْلَظِ الْأحْوَالِ، فَمَنْ أمْكَنَهُ الْعِتْقُ مِنْ حِينِ الْوُجُوبِ إلَى حِينِ التَّكْفِيرِ، لَا يُجْزِئُهُ غَيرُهُ.
فصل: وإذا قُلْنا: إنَّ الاعْتِبارَ بحالةِ الوُجُوبِ.
وكان مُعْسِرًا، ثم يسَرَ، فله الانْتِقالُ إلى العِتْقِ إن شاءَ.
وهو قولُ الشافعيِّ، على القَوْلِ الذي يُوافِقُنا فيه، بأنَّ الاعْتِبارَ بحالةِ الوُجُوبِ؛ لأنَّ العِتْقَ هو الأصْلُ، فوَجَبَ أنَّ يُجْزِئَه كسائرِ الأصُولِ (وعن أحمدَ في العَبْدِ إذا عَتَق، لا يُجْزِئُه غيرُ الصَّوْمِ) وهذا على قَوْلِنا: إنَّ الاعْتِبارَ بحالةِ الوُجُوبِ.
وهي حينَ حَنِثَ.
[اخْتارَه الخِرَقِيُّ؛ لأنَّه حَنِثَ] 1 وهو عَبْدٌ، فلم يَكُنْ يُجْزِئُه إلَّا الصَّوْمُ، فكذلك بعدُ.
وقد نَصَّ أحمدُ على أنَّه يُكَفِّرُ كفَّارَةَ عبدٍ.
قال القاضي: وفي ذلك نَظَرٌ، ومَعْناه أنَّه لا يَلْزَمُه التَّكْفِيرُ بالمالِ، فإن كَفَّرَ به أجْزَأه.
وهذا مَنْصُوصُ الشافعيِّ.
ومِن أصحابِه مَن قال كقَوْلِ الخِرَقِيِّ.
ووَجْهُ ذلك، أنَّه حُكْم تَعَلَّقَ بالعَبْدِ في رِقِّه، فلم يتَغَيَّرْ بحُرِّيَّته،
..................................
كالحدِّ.
وهذا على القَوْلِ الذي لا 1 يُجَوِّزُ للعَبْدِ التَّكْفِيرَ بالمال بإذْنِ سَيِّدِه.
فأمَّا على القَوْلِ الآخَرِ، فله التَّكْفِيرُ به 2 ههُنا بطَرِيقِ الأَوْلَى؛ لأنَّه إذا جازَ له في حالِ رِقِّه، ففي حالِ حُرِّيَّتِه [أوْلَى، وإنَّما احتَاج إلى إذنِ سيدِه حال رِقِّه؛ لأنَّ المال لسيدِه، أو لتَعَلًّقِ حَقه بمالِه، وبعدَ الحريةِ] 3 قد زال ذلك، فلا حاجَةَ إلى إذْنِه.
فأمَّا إن قُلْنا: الاعْتِبارُ في التَّكْفِيرِ بأغْلَظِ الأحْوالِ.
لم يَكُنْ له أنَّ يُكَفِّرَ إلَّا بالمالِ، إن كان له مالٌ.
فأمَّا إن حَلَفَ لي هو عَبْدٌ، وحَنِثَ وهو حُرٌّ، فحُكْمُه حُكْم الأحْرارِ؛ لأنَّ الكفَّارَةَ لا تَجِبُ قبلَ الحِنْثِ، وإنَّما وجَبَتْ 4 وهو حُرٌّ.
واللهُ أعلمُ.
فَإِنْ شَرَعَ فِي الصَّوْم، ثُمَّ أيسَرَ، لَمْ يَلْزَمْهُ الانْتِقَالُ عَنْهُ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَلْزَمَهُ.
3742 - مسألة: (فإن شَرَعَ في الصَّوْمِ)
ثم قَدَرَ على العِتْقِ (لم يَلْزَمْه الانْتِقَالُ إليه) وبه قال الشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، واللَّيثُ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وهو أحَدُ قَوْلَي الحسَنِ (ويَحْتَمِلُ أنَّ يَلْزَمَه) وإليه ذهبَ ابنُ سِيرِينَ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِيُّ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأي؛ لأنَّه قَدَرَ على الأصْلِ قبلَ أداءِ فَرْضِه بالبَدَلِ، فلَزِمَه العَوْدُ إليه، كالمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الماءَ قبلَ الصَّلاةِ، أو في أثْنائِها.
ولَنا، أنَّه لم يَقْدِرْ على العِتْقِ قبلَ تَلبُّسِه بالصِّيامِ، فأشْبَهَ ما لو اسْتَمَرَّ العَجْزُ إلى ما 1 بعدَ الفَراغِ، ولأنَّه وَجَدَ المُبْدَلَ بعدَ الشُّرُوعِ في صَوْمِ البَدَلِ، فلم يَلْزَمْه الانْتِقالُ إليه، كالمُتَمَتِّعِ
..................................
يَجِدُ الهَدْيَ بعدَ الشُّرُوعِ في صيامِ 1 الأيَّامِ السَّبْعَةِ 2، ويُفارِقُ ما إذا وَجَدَ الماءَ في الصَّلاةِ؛ فإنَّ الصَّلاةَ قَضاؤُها يَسِيرٌ، والمَشَقَّةُ في هذا أكْبَرُ.
فصل: وإذا قُلْنا: الاعْتِبارُ بحالةِ الوُجُوبِ.
فَوَقْتُه في الظِّهارِ مِن حينِ العَوْدِ، لا وقت المُظاهَرَةِ، لأنَّ الكفَّارَةَ لا تَجِبُ حتى يَعُودَ، ووَقْتُه في اليَمِينِ زَمَنُ 3 الحِنْثِ لا وقتُ اليَمِينِ، وفي القَتْلِ زمنُ الزُّهوقِ لا زمنُ الجَرْحِ، وتَقْديمُ الكفَّارَةِ قبلَ الوُجُوبِ تَعْجِيل لها قبلَ وُجُوبِها، لوُجودِ سَبَبِها، كتَعْجيلِ الزَّكاةِ قبلَ الحَوْلِ بعدَ كمالِ النِّصابِ.
فصل: إذا كان المُظاهِرُ ذِمِّيًّا، فتَكْفِيرُه بالعِتْقِ أو بالإطْعام؛ لأنَّه يصِحُّ منه في غيرِ الكفَّارَةِ، فصَحَّ منه فيها، وليس له الصِّيامُ؛ لأنَّه عِبادَةٌ مَحْضَةٌ، والكافِرُ ليس مِن أهْلِها، ولأنَّه لا يصِحُّ منه في غيرِ الكفَّارَةِ، فلا يَصِحُّ منه فيها، ولا يُجْزِئُه في العِتْقِ إلَّا عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فإن كانت في مِلْكِه أو وَرِثَها، أجْزَأتْ عنه، وإن لم تكُنْ كذلك، فلا سبيلَ له إلى شِراءِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ؛ لأنَّ الكافِرَ لا يصِحُّ منه شِراءُ المُسْلِمِ،
فصلٌ: فَمَنْ مَلَكَ رَقَبَةً، أو امكَنَهُ تَحْصِيلُهَا بِمَا هُوَ فَاضِلٌ عَنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مَنْ يَمُونُهُ عَلَى الدَّوَامِ، وَغَيرِهَا مِن حَوَائِجِهِ الأصْلِيَّةِ بِثَمَنِ مِثْلِهَا، لَزِمَهُ الْعِتْقُ.
وَيَتَعَيَّنُ تَكفِيرُه بالإِطْعامِ، إلَّا أنَّ يقولَ لمُسلِمٍ: أعْتِقْ عَبْدَك 1 عن كفَّارَتي وعَلَيَّ ثَمَنُه.
فيصِحُّ في إحدى الرِّوايَتَين.
وإن أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ قَبْلَ التَّكْفِيرِ بالإِطعَام، فحكْمُه حُكْمُ العبْدِ، يَعْتِقُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ بالصِّيامِ، على ما مَضَى؛ لَأنَّه في مَعْناه.
وإن ظاهَرَ وهو مُسْلِمٌ، ثم ارْتَدَّ، وصام في رِدَّتِه عن كَفَّارَته، لم يَصِحَّ.
وإن كَفَّرَ بعِتْق أو إطْعام، فقد أطْلَقَ أحمدُ القَوْلَ أنَّه لا يُجْزِئُه.
وقال القاضي: المذهبُ أنَّ ذلك مَوْقُوفٌ؛ فإن أسْلَمَ تَبَينا أنَّه أجْزاه، وإن مات أو قُتِلَ، تَبَّينَّا أنَّه لم يَصِحَّ منه، كسائرِ تصَرُّفاتِه.
فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (فمَن مَلَكَ رَقَبَةً، أو أمْكَنَه تَحْصِيلُها فاضِلًا عن كِفايَتِه وكِفايَةِ مَن يَصونُه على الدَّوامِ، وغيرِها مِن حَوائِجهِ الأصْلِيَّةِ بثَمَنِ مِثْلِها، لَزِمَه العِتْقُ) أجْمَعَ أهلُ العلمِ على ذلك، وأنَّه ليس له الانْتِقالُ إلى الصِّيامِ إذا كان مُسْلِمًا حُرًّا.
وَمَنْ لَهُ خَادِمٌ يَحْتَاجُ إلَى خِدْمَتِهِ.
3743 - مسألة: فإن كانت له رَقَبَةٌ يَحْتَاجُ إلى خِدْمَتِها؛ لكِبَرٍ، أو مَرَض، أو زَمَن
1، أو عِظَمِ خَلْقٍ، ونَحْوه مِمَّا يُعَجِّزُ عن خِدْمَةِ نَفْسِه، أو يَكُونُ مِمَّن لا يَخْدِمُ نَفْسَه في العادَةِ، وَلَا يَجِدُ رَقَبَةً فَاضِلَةً عن خِدْمَتِه، فليس عليه الإِعْتاقُ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والأوْزَاعِيُّ: متى وَجَدَ رَقَبَةً، لَزِمَه إعْتاقُها، ولم يَجُزْ له الانْتِقالُ إلى الصِّيامِ، سواءٌ كان مُحْتاجًا إليها 2 أو لم يَكُنْ؛ لأنَّ اللهَ تعالى شَرَطَ في الانْتِقالِ إلى الصِّيامِ أنَّ لا يَجِدَ رَقَبَة، بقَوْلِه تعالى: (فَمَن لمْ يَجِدْ) 3. وهذا واجِدٌ.
وإن وَجَدَ ثَمَنَها وهو مُحْتاجٌ إليه، لم يَلْزَمْه شِراؤُها.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال مالكٌ: يَلْزَمُه؛ لأنَّ وجْدانَ ثَمَنِها كوجْدانِها.
ولَنا، أنَّ ما اسْتَغْرَقَتْه حاجَةُ الإِنْسانِ، فهو كالمَعْدُومِ في
أَوْ دَارٌ يَسْكُنُهَا،
جَوازِ الانْتِقالِ إلى البَدَلِ، كمَن وَجَدَ ماءً يَحْتاجُ إليه للعَطَشِ، يَجوزُ له الانْتِقالُ إلى التَّيَمُّمِ.
فإن كان له خادِمٌ، وهو (1) مِمَّن يَخْدِمُ نفْسَه عادَةً، لَزِمَه إعْتَاقُها؛ لأنَّه فاضِلٌ عن حاجَتِه، بخِلافِ مَن لم تَجْرِ عادَتُه بخِدْمَةِ نَفْسِه، فإنَّ عليه مشَقَّةً في إعْتاقِ خادِمِه، وتَضْيِيعًا لِكَثِير مِن حَوائِجِه.
وإن كان له خادِم يَخْدِمُ امْرأتَه، وهي (1) مِمَّن عليه إخْدَامُها (2)، أو كان له رَقِيقٌ يَتَقَوَّتُ بخَراجِهم، لم يَلْزَمْه العِتْقُ؛ لِما ذَكَرْنا.
3744 -
مسألة: [وكذلك إن]
3 كان له (دَارٌ يَسْكُنُها) أو عَقارٌ يَحْتاجُ إلى غَلَّتِه لمُؤْنَتِه، أو عَرْضٌ للتِّجَارَةِ لا يَسْتَغْنِي عن رِبْحِه في مُؤْنَتِه (لمْ يَلْزَمْه العِتْقُ) وإنِ اسْتَغْنَى عن شيءٍ مِن ذلك ممَّا يُمْكِنُه أنَّ يَشْتَرِيَ به رَقَبَةً، لَزِمَه؛ لأنَّه واجِدٌ للرَّقَبَةِ.
وإن كالْت له رَقَبَةٌ تَخْدِمُه، يُمْكِنُه بَيعُها وشِراءُ رَقَبَتَين بثَمَنِها، يَسْتَغْنِي بخِدْمَةِ إحْداهما ويُعْتِقُ الأخْرَى، لَزِمَه؛ لأنَّه لا ضرَرَ في ذلك.
وهكذا لو كانت له ثِيابٌ فاخِرَةٌ تَزِيدُ على مَلابِسِ مِثْلِه، يُمْكِنُه بَيعُها، وشِراءُ ما يَكْفِيه في لِباسِه ورَقَبَةٍ يُعْتِقُها، لَزِمَه ذلك.
وكذلك إن كانت له دارٌ يُمْكِنُه بَيعُها، وشِرَاءُ ما يَكْفِيه لسُكْنَى مِثْلِه ورَقَبَةٍ، أو ضَيعَةٌ يَفْضُلُ منها عن كِفايَتِه ما يُمْكِنُه به شِراءُ رَقَبَةٍ.
وتُراعَى في ذلك الكِفايَةُ التي يَحْرُمُ معها أخْذُ الزَّكاةِ، فإذا12
أو دابَّةٌ يَحْتَاجُ إِلَى رُكُوبِهَا، أوْ ثِيَاب يَتَجَمَّلُ بِهَا، أوْ كُتُبٌ يَحْتَاجُ إِلَيهَا، أوْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً إلا بِزِيَادَةٍ عَنْ ثَمَنِ مِثْلِهَا تُجْحِفُ بِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْعِتْقُ.
وَإنْ وَجَدَهَا بِزِيَادَةٍ لَا تُجْحِفُ بِهِ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
فَضَلَ عن ذلك شيءٌ يُمْكِنُه شِراءُ رَقَبَةٍ به، لَزِمَتْه الكفَّارَةُ (وإن كان له دابَّة يَحْتاجُ إلى رُكُوبِها، أو كُتُبٌ يَحْتاجُ إليها، لم يَلْزَمْه العِتْقُ) ومذهبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ على نحو ما ذَكَرْنا.
وإن كانت له سُرِّيَّة، لم يَلْزَمْه إعْتاقُها؛ لأنَّه مُحْتاج إليها.
وإن أمْكَنَه بَيعُهَا، وشِراءُ سُرِّيَّةٍ أُخْرَى ورَقَبَةٍ يُعْتِقُها، لم يَلْزَمْه ذلك؛ لأنَّ الغَرَضَ قد يَتَعَلَّقُ بعَينها، فلا يَقُومُ غيرُها مَقامَها، سِيَّما إذا كان بدُونِ ثَمَنِها (1).
3745 -
مسألة: وإن وَجَدَ رَقَبَةً بِثَمَنِ مِثْلِها، لَزِمَه شِراؤُها.
وإن كانت بزيادَةٍ تُجْحِفُ بمالِه، لم يَلْزَمْه شِراؤُها؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا فِي ذلك.
وإن كانتِ الزِّيادَةُ لا تُجْحِفُ بمالِه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُه؛ لأنَّه1
وَإنْ وُهِبَتْ لَهُ رَقَبَةٌ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهَا.
قَدَرَ على الرَّقَبَةِ بثَمَن يَقْدِرُ عليه، لا تُجْحِفُ به، فأشْبَهَ ما لو بِيعَتْ بثَمَنِ مِثْلِها.
والثَّانِي، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّه لم يَجِدْ رَقَبَةً بثَمَنِ مِثْلِها، أشْبَهَ العادِمَ.
وأصْلُ الوجهَين، العادِمُ للماءِ إذا وجَدَه بزيادَةٍ على ثَمنِ مِثْلِه.
فإن وجَد رَقَبةً بِثَمنِ مثْلِهَا، إلَّا أنَّها رَقَبَةٌ رَفِيعَةٌ، يُمْكِنُ أنَّ يَشْتَرِيَ بثَمَنِها رِقابًا مِن غيرِ جِنْسِها، لَزِمَه شِراؤُها؛ لأنَّها بثَمَنِ مِثْلِها، ولا يُعَدُّ شِراؤُها بذلك الثَّمَنِ (1) ضَرَرًا، وإنَّما الضَّرَرُ في إعْتاقِها، وذلك لا يَمْنَعُ الوُجُوبَ، كما لو كان مالِكًا لها.
3746 -
مسألة: (وإن وُهِبَتْ له رَقَبَة، لم يَلْزَمْه قَبُولُها)
لأنَّ عليه مِنَّةً في قَبُولِها، وذلك ضَرَرٌ في حَقِّه.1
وَإنْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا وَأَمكَنَهُ شِرَاؤُهَا بِنَسِيئَةٍ، لَزِمَهُ.
3747 - مسألة: (وإن كان مالُه غَائِبًا وأمْكَنَه شراؤها بنَسِيئَةٍ)
فقد ذَكَرَ شَيخُنا 1 -فيما إذا عَدِمَ الماءَ، فَبُذِلَ له بثَمَن فِي الذِّمَّةِ يَقْدِرُ على أدائِه في بَلَدِه- وَجْهَين؛ أحدُهما، يَلْزَمُه شِراؤُه.
قاله القاضي؛ لأنَّه قادِرٌ على أخْذِه بما لا مَضَرَّةَ فيه.
وقال أبو الحسَنِ التَّمِيمِيُّ: لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في بَقاءِ الدَّينِ في ذِمَّتِه، ورُبَّما تَلِفَ مالُه قبلَ أدائِه.
فيُخَرَّجُ ههُنا على الوَجْهَين 2. والأوْلَى، إن شاءَ الله، أنَّه لا يَلْزَمُه؛ لذلك.
وإن كان مالُه غائِبًا، ولم يُمْكِنْه شِراؤُها نَسِيئَةً، فإن كان مَرْجُوَّ الحُضُورِ
..................................
قَريبًا، لم يَجُزْ الانْتِقالُ إلى الصِّيامِ؛ [لأنَّ ذلك بمَنْزِلَةِ الانْتِظار لشِراءِ الرَّقَبَةِ.
وإن كان بَعِيدًا، لم يَجُزْ الانْتِقالُ إلى الصِّيامِ] 1 في غيرِ كفارَةِ الظِّهارِ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في الانْتظارِ.
وهل يجوزُ في كفَّارَةِ الظِّهارِ؟ على وَجْهَين؛ أحدُهما، لا يَجوزُ؛ لوُجُودِ الأصْلِ في مالِه، [فأشْبَه سائرَ] 2 الكفَّاراتِ.
والثاني، يَجوز؛ لأنَّه يَحْرُمُ عليه المَسِيسُ، فجازَ له الانْتِقالُ للحاجَةِ.
فإن قِيلَ: فلو عدِمَ الماءَ وثَمَنَه، جار له الانْتِقالُ إلى التَّيَمُّمِ، وإن كان قادِرًا عليهما في بَلَدِه.
قُلْنا: الطَّهارَةُ تَجِبُ لأجْلِ الصَّلاةِ، وليس له تأْخِيرُها عن وَقْتِها، فدَعَتِ الحاجَةُ إلى الانْتِقالِ، بخِلافِ مَسْألتِنا، ولأنَّنا لو مَنَعْناه مِن التَّيَمُّمِ لوُجُودِ القُدْرَةِ 3 على الماءِ في بَلَدِه، بَطَلَتْ رُخْصَةُ التَّيَمُّمِ، فإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَقْدِرُ على ذلك.
وَلَا يُجْزِئُهُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ إك رَقَبَة مُومِنَة.
وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
3748 - مسألة: (ولا تُجْزِئُ في كَفارَةِ القَتْلِ إلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ)
لقَوْلِ اللهِ تعالى: (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطئا فَتحْرِيرُ رَقَبَةٍ مؤمِنَةٍ) 1. (وكذلك في سائرِ الكفاراتِ، في ظاهرِ المذهبِ) وهو قَوْلُ الحسَن، و 2 مالكٍ، والشافعيِّ، وإسْحاقَ، وأبي عُبَيدٍ.
وعن أحمدَ روايةٌ ثانيةٌ، أنَّه يُجْزِئُ فيما عدا كفَّارَةَ القَتْلِ، مِنَ الظِّهارِ وغيرِه، عِتْقُ رَقَبَةٍ ذِمِّيَّةٍ.
وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والثَّوْرِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ الله تعالى أطْلَقَ الرقَبَةَ في كفَّارَةِ الظهارِ، فَوَجَبَ أنْ يُجْزِئَ ما تَناوَلَه الإِطْلاقُ.
ولَنا، ما روَى معاويةُ بنُ الحَكَمِ، قال: كانت
..................................
لي جارِيَةٌ، فأتَيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقلتُ: علَيَّ رَقَبَة أفأُعْتِقُها؟ فقال لها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أينَ الله؟» قالت: في السَّماء.
قال: «مَنْ أنا؟» قالتْ: أنتَ 1 رسولُ اللهِ.
فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أعْتِقْهَا؛ فَإنَّهَا مُؤْمِنَةٌ».
أخْرَجَه مُسْلِم 2. فعَلَّلَ جَوازَ إعْتاقِها عن الرَّقَبَةِ التي عليه بأنَّها مُؤْمِنَةٌ، فدَلَّ على أنَّه لا يُجْزِئُ عن الرَّقَبَةِ التي هي 3 عليه إلَّا مُؤْمِنَةٌ، ولأنَّه عِتْقٌ في كفَّارَةٍ، فلا يُجْزِئُ فيه الكافِرَةُ، ككَفَّارَةِ القَتْلِ.
والجامِعُ بينَهما، أنَّ الإعْتاقَ يتَضَمَّنُ تَفْرِيغَ العَبْدِ الفسْلِمِ لعِبادَةِ رَبَّه، وتَكْمِيلَ أحْكامِه، وعِبادَتِه، وجِهَادِه، ومَعُونَةَ المُسْلِمِين، فناسبَ ذلك شَرْعُ إعْتاقِه في الكفَّارَةِ، تحْصِيلًا لهذه المصالحِ، والحُكْمُ مَقْرُون بها في كفَّارَةِ القَتْلِ
وَلَا يُجْزِئُهُ إلا رَقَبَةٌ سَلِيمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا،
المَنْصُوصِ على الإيمانِ فيها، فيُعَلَّلُ بها، ويتَعَدَّى ذلك إلى كُلِّ عِتْقٍ في كفَّارَةٍ، فيَخْتَصُّ (1) بالمُؤْمِنَةِ لاخْتِصاصِها بهذه الحِكْمَةِ.
فأمَّا المُطْلَقُ الذي احْتَجُّوا به، فإنَّه يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ في كفَّارَةِ القَتْلِ، كما حُمِلَ مُطْلَقُ قَوْلِه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (2). على المُقَيَّدِ في قَوْلِه: (وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ) (3). وإن لم يُحْمَلْ عليه مِن جِهَةِ اللُّغَةِ، حُمِلَ عليه مِن جِهَةِ القِياسِ.
3749 -
مسألة: (ولا يُجْزِئُ إلَّا رَقَبَةٌ سَلِيمَة مِن العُيُوبِ المُضِرَّةِ بالعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا)
لأنَّ المقْصُودَ تَمْلِيكُ العَبْدِ مَنافِعَه، وتَمْكِينُه مِن التَّصَرُّفِ لنَفْسِه، ولا يَحْصُلُ هذا مع ما يَضُرُّ بالعَمَلِ ضَرَرًا123
كَالْعَمَى وَشَلَلِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، أوْ قَطْعِهِمَا (1)،
بَيِّنًا، فلا يُجْزِيء الأعْمَى؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه العَمَلُ في أكْثَرِ الصَّنائِعِ، ولا المُقْعَدُ، وكذلك مَقْطُوعُ اليَدَينِ والرِّجْلَينِ، أو أشَلُّهُما؛ لأنَّ اليدَين آلةُ البَطْشِ، والرِّجْلَينِ آلةُ المَشْي، فلا يَتَهَيَّأُ له كَثِيرٌ مِن العَمَلِ مع تَلَفِهِما.
ولا يُجْزِئُ المجْنُونُ جُنونًا مُطْبِقًا؛ لأنَّه وُجِدَ فيه المَعْنَيانِ، ذَهابُ مَنْفَعَةِ الجِنْسِ، وحُصُولُ الضَّرَرِ بالعَمَلِ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وحُكِيَ عن داودَ، أنه جَوَّزَ كُلَّ رَقَبَةٍ يَقَعُ عليها الاسْمُ، أخْذًا بإطْلاقِ اللَّفْظِ.
ولَنا، أنَّ هذا نَوْعُ كفَّارةٍ، فلم يُجْزِئُ مُطْلَقُ ما يقَعُ عليه الاسْمُ، كالإطْعامِ؛ فإنَّه لا يُجْزِئُ أنَّ يُطْعِمَ مُسَوَّسًا ولا عَفِنًا، وإن كان يُسَمَّى طَعامًا.
والآيةُ مُقُيَّدَة بما ذَكَرناه.
3750 -
مسألة: ولا يُجْزِيء مَقْطُوعُ اليَدِ، أو الرجلِ،
ولا1
أَوْ قَطْعِ إِبْهَامِ الْيَدِ، أَوْ سَبَّابَتِهَا، أَو الْوُسْطىَ، أَو الْخِنْصَرِ وَالْبِنْصَرِ مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ،
أشَلُّهُما 1، ولا مَقْطُوعُ إبْهامِ اليَدِ، أو سَبَّابَتِها، أو الوُسْطَى؛ لأنَّ نَفْعَ اليَدِ يَذْهَبُ بذَهابِ هؤلاءِ، ولا يُجْزِئُ مَقْطُوعُ (الخِنْصَرِ والبنْصَرِ مِن يَدٍ واحِدَةٍ) لأنَّ نَفْعَ اليَدِ يزُولُ أكْثَرُه بذلك.
وإن قطِعَتْ كُلُّ واحِدَةٍ منهما مِن يَدٍ، جازَ؛ لأنَّ نَفْعَ الكَفَّينِ باقٍ، وقَطْعُ أُنْمُلَةِ الإبْهامِ كقَطْعِها؛ لأنَّ نَفْعَها يَذْهَبُ بذلك، لكَوْنِها أُنْمُلَتَين.
وإن كان مِن غيرِ الإبْهامِ، لم يَمْنَعْ؛ لأنَّ مَنْفَعَتَها لا تَذْهَبُ، فإنَّها تَصِير كالأصابعِ القِصار، حتى لو كانت أصابعُه كلُّها غيرَ الإبهام قد قُطِعَتْ مِن كلِّ واحِدَةٍ منْهَا 2 أُنْمُلَةٌ، لم يَمْنَعْ.
وإن قطِعَ مِن الإصْبَعِ 3 أُنْمُلَتانِ، فهو كقَطْعِها؛ لأنَّه يَذْهَبُ بمَنْفَعَتِها.
وهذا كله مذْهَبُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُ مَقْطُوعُ إحْدَى اليَدَين وإحْدَى الرِّجْلَين، ولو قطِعَتْ يَدُه
وَلَا يُجْزِئُ الْمَرِيضُ الْمَأْيُوسُ مِنْهُ، وَلَا النَّحِيفُ الْعَاجِزُ عَنِ
ورِجْلُه جميعًا مِن خِلافٍ أجْزأ؛ لأنَّ مَنْفَعَةَ الجِنْسِ باقِيَة، فَأجْزَأَ في الكفَّارَةِ، كالأعْوَرِ، وأمَّا إن قُطِعَتا مِن وفاقٍ -أي مِن جانِبٍ واحدٍ- لم يُجْزِئ؛ لأنَّ مَنْفَعَةَ الشيءِ تَذْهَبُ.
ولَنا، أنَّ هذا يُؤَثِّرُ في العَمَلِ، ويَضُرُّ ضَرَرًا بَيِّنًا، فيَمْنَعُ، كما لو قُطِعَتَا مِن وفاقي.
ويُخالِفُ العَوَرَ؛ فإنَّه لا يَضُرُّ ضَرَرًا بَيِّنًا، ولَنا فيه مَنْعٌ، وإن سُلِّمَ، فالاعْتِبارُ بالضرَرِ أَوْلَى [مِن الاعْتِبارِ] (1) بمَنْفَعَةِ الجِنْسِ؛ فإَّنه لو ذَهَبَ شَمُّه، أو قُطِعَتْ أُذُناه معًا، أجْزَأَ مع ذَهابِ مَنْفَعَةِ الجِنْسِ.
3751 -
مسألة: (ولا يُجْزِئُ المَرِيضُ المَأْيُوسُ مِن بُرْئِه)
كمَرضِ السُّلِّ؛ لأنَّ بُرْأه يَنْدُرُ، ولا يَتَمَكَّنُ مِن العَمَلِ مع بَقائِه.
وإن كان المرَضُ يُرْجَى زَوالُه، كالحُمَّى ونحو ما، لمْ يَمْنَعِ الإجْراءَ في الكفَّارَةِ (ولا) يُجْزِئُ (النَّحِيفُ العاجِزُ عن العَملِ) لأنَّه كالمَريض1
العَمَلِ، وَلَا غَائِبٌ لَا يُعْلَمُ خَبَرُهُ، المَأْيُوسِ مِن بُرْئِه، وإن كان يَتَمَكَّنُ مِن العَملِ، أجْزَأ.
3752 -
مسألة: (ولا)
يُجْزِئُ (غائِبٌ لا يُعْلَمُ خَبَرُه) لأنَّه