..................................
فصَحَّ تَخْصِيصُه في رجل بعَينِه، وسِلْعَةٍ بعَينِها، كالوَكالةِ.
قَوْلُهم: إنَّه يَمْنَعُ المَقْصُودَ.
مَمْنُوعٌ، وإنَّما يُقَلِّلُه، وتَقْلِيلُه لا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كتَخْصِيصِه بالنَّوْعِ.
ويُفارِقُ إذا شَرَط أن لا يَبِيعَ إلَّا برَأسِ المالِ، فإنَّه يَمْنَعُ الرِّبْحَ بالكُلِّيَّةِ.
وكذلك إذا قال: لا تَبعْ إلَّا مِن فُلانٍ، ولا تَشْتَرِ إلَّا منه.
فإنَّه يَمْنَعُ الرِّبْحَ أيضًا؛ لأنَّه لا يَشْتَرِي ما باعَه إلَّا بدُونِ ثَمَنِه الذي باعَه به، ولهذا لو قال: لا تَبعْ إلَّا مِمَّن اشَرَيتَ منه.
لم يَصِحَّ؛ لذلك 1.
وَفَاسِدٌ، مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ مَا يَعُودُ بِجَهَالةِ الرِّبْحِ، أوْ ضَمَانِ الْمَالِ، أوْ أنَّ عَلَيهِ بِنَ الْوَضِيعَةِ أكْثَرَ مِنْ قَدْرِ مَالِهِ، أوْ أنْ يُوَلِّيَهُ مَا يَخْتَارُ مِنَ السِّلَعِ أوْ يَرْتَفِقَ بِهَا، أو لَا يَفْسَخَ الشَّركَةَ مُدَّةً بِعَينهَا.
فَمَا يَعُودُ بجَهَالةِ الرِّبْحِ، يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ، وَيُخرَّجُ في سَائِرِهَا رِوَايَتَانِ.
2063 - مسألة: (وفاسدٌ، مثلَ أن يَشْتَرِطَ ما يَعُودُ بجَهالةِ الرِّبْحِ، أو ضَمانِ المالِ، أو أنَّ عليه مِن الوَضِيعَةِ أكثَرَ مِن قَدْرِ مالِه، أو أن يُوَلِّيَه ما يَخْتارُ مِن السِّلَعِ، أو يَرْتَفِقَ بها، أو)
أن (لا يَفْسَخَ الشَّرِكَةَ مُدَّةً بعَينِها.
فما يَعُودُ بِجَهالةِ الرِّبْحِ، يَفْسُدُ به العَقْدُ، ويُخَرَّجُ في سائِرِها رِوَايتَان) الشّرُوطُ الفاسِدَةُ في الشَّرِكَةِ والمُضارَبَةِ تَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أقْسامٍ؛ أحَدُها، ما يُنافِي مُقْتَضَى العَقْدِ، مثلَ أن يَشْتَرِطَ لُزُومَ المُضارَبَةِ، أو لا يَعْزِلَه مُدَّةً بعَينِها، أو لا يَبِيعَ إلَّا برَأسِ المالِ أو أقلَّ، أو لا يَبِيعَ إلَّا مِمَّن اشْتَرَى منه، أو شَرَطَ أن لا يَشْتَرِيَ، أو لا يَبِيعَ، أو أن يُوَلِّيَه ما يَخْتارُ مِن السِّلَعِ، أو نحوَ ذلك، فهذه شُرُوط فاسِدَةٌ؛ لأنَّها تُفَوِّتُ المَقْصُودَ مِن المُضارَبَةِ، وهو الرِّبْحُ، أو تَمْنَعُ الفَسْخَ الجائِزَ بحُكْمِ الأصْل.
القِسْمُ الثّانِي، ما يَعُودُ بجَهالةِ الرِّبْحِ، مثلَ أن يَشْرُطَ
..................................
للمُضارِب 1 جُزْءًا مِن الرِّبْحِ مَجْهُولًا، أو رِبْحَ أحَدِ الكِيسَين، أو أحَدِ الألْفَينِ، أَو أحَدِ العَبْدَين، أو أحَدِ السَّفْرَتَين، أو ما يَرْبَحُ في هذا الشَّهْرِ، أو أنَّ حَقَّ أحَدِهما في عَبْدٍ يَشْتَرِيه، أو يَشْرُطَ لأحَدِهما دَراهِمَ مَعْلُومَةً بجَمِيعِ حَقِّه أو ببَعْضِه، فهذه شرُوط فاسِدَةٌ؛ لأنَّها تُفضِي إلى جَهْلِ حَقِّ كلِّ واحِدٍ منهما مِن الرِّبْحِ، أو إلى فَواتِه بالكُلِّيَّةِ، ومِن شَرْطِ المُضارَبَةِ والشَّرِكَةِ كَوْنُ الرِّبْحِ مَعْلُومًا.
القِسْمُ الثّالِثُ، اشْتِراطُ ما ليس مِن مَصْلَحَةِ العَقْدِ ولا مُقْتَضاه، مِثْلَ أن يَشْتَرِطَ على المُضارِبِ المُضارَبَةَ له في مالٍ آخَرَ، أو يَأخُذَه بضاعَةً، أو قَرْضًا، أو أن يَخْدِمَه في شيءٍ بعَينِه، أو يَرْتَفِقَ ببَعْضِ السِّلَعِ، مثلَ أن يَلْبَسَ الثَّوْبَ، ويَسْتَخْدِمَ العَبْدَ، أو يَشْرُطَ على المُضارِبِ ضَمانَ المالِ، أو سَهْمًا مِن الوَضِيعَةِ، أو أنَّه متى باعَ السِّلْعَةَ فهو أحَقُّ بها بالثَّمَنِ، أو شَرَطَ المُضارِبُ على رَبِّ المالِ شيئًا مِن ذلك، فهذه كُلُّها شُرُوطٌ فاسِدَةٌ، وقد ذَكَرْنا بعضَها في غيرِ هذا المَوْضِعِ مُعَلَّلًا.
ومتى اشْتَرَطَ شَرْطًا فاسِدًا يَعُودُ بجَهالةِ الرِّبْحِ، فسَدَتِ المُضارَبَةُ والشَّرِكَةُ؛ لأنَّ الفَسادَ لمَعْنًى 2 في العِوَضِ المَعْقُودِ عليه، فأفْسَدَ العَقْدَ، كما لو جَعَل رَأسَ المالِ خَمْرًا أو خِنْزِيرًا، ولأنَّ الجَهالةَ تَمْنَعُ مِن التَّسْلِيمِ، فيُفْضِي إلى التَّنازُعِ والاخْتِلافِ، ولا يَعْلَمُ ما يَدْفَعُه إلى المُضارِبِ.
وما عَدا هذا مِن الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ
وإذَا فَسَدَ الْعَقْدُ، قُسِمَ الرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ الْمَالينِ.
وَهَلْ يَرْجِعُ أَحدُهُمَا بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
في أظْهَرِ الرِّوَايَتَين عنه، أنَّ العَقْدَ صَحِيحٌ.
ذَكَرَه عنه الأثْرَمُ وغيرُه، ولأنَّه عَقْدٌ يَصِحُّ على مَجْهُولٍ، فلم تُبْطِلْه الشُّرُوطُ الفاسِدَةُ، كالنِّكاحِ والعَتاقِ.
وفيه رِوايَةْ أُخْرَى، أنَّ العَقْدَ يَبْطُلُ.
ذَكَرَها القاضي، وأبو الخَطّابِ؛ لأنه شَرْطٌ فاسِدٌ، فأبطَلَ العَقْدَ، كالمُزارَعَةِ إذا شُرِط البَذْرُ مِن العامِلِ، وكالشرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيعِ، [ولأنَّه إنَّما رَضِيَ بالعَقْدِ بهذا الشَّرْطِ، فإذا فَسَد فات الرِّضا به] (1). ودَلِيلُ فَسادِ هذه الشُّرُوطِ، أنَّها لَيسَت مِن مَصْلَحَةِ العَقْدِ، ولا يَقْتَضِيها العَقْدُ، فإنَّ مَقْصُودَه الرِّبْحُ، فكيفَ يَقْتَضِي الضمانَ ولا يَقْتَضِي مُدَّةً مُعَيَّنَةً لأنَّه جائِزٌ؟
2064 -
مسألة: (وإذا فَسَد العَقْدُ، قُسِمَ الرِّبْحُ على قَدْرِ المالين)
لأن التَّصَرُّفَ صَحِيحٌ، لكَوْنِه بإذْنِ رَبِّ المالِ، والوَضِيعَةُ عليه؛ لأنَّ كلُّ1
..................................
عَقْدٍ لا ضَمانَ في صَحِيحِه لا ضَمانَ في فاسِدِه.
ويُقْسَمُ الرِّبْحُ على قَدْرِ المالين؛ لأنَّه نَماءُ المالِ، ويَرْجِعُ كلُّ واحِدٍ منهما على الآخَرِ بأُجْرَةِ عَمَلِه، يُسْقِطُ منها أُجْرَةَ عَمَلِه في مالِه، ويَرْجِعُ على الآخَرِ بقَدْرِ ما بَقِيَ له.
فإن تَساوَى مالاهُما وعَمَلُهُما، تَقاصَّ الدَّينان، واقْتَسَما الرِّبْحَ
..................................
نِصْفَين.
وإن فَضَل أحَدُهما صاحِبَه بفَضْلٍ 1، تَقاصَّ دَينُ القَلِيلِ بمِثْلِه، ويَرْجِعُ على الآخَرِ بالفَضْلِ.
والوَجْهُ الثّانِي، ذَكَرَه الشَّرِيفُ أبو جَعْفَر، أنَّهما يَقْتَسِمان الرِّبْحَ على ما شَرَطاه؛ لأنَّه عَقْدٌ يَجُوزُ أن يَكُونَ عِوَضُه مَجْهُولًا، فوَجَبَ المُسَمَّى في فاسِدِه، كالنِّكاحِ.
..................................
فصل: والشَّرِكَةُ مِن العُقُودِ الجائِزَةِ، تَبْطُل بمَوْتِ أحَدِ الشَّرِيكَين، وجُنُونِه، والحَجْرِ عليه للسَّفَهِ، وبالفَسْخِ مِن أحَدِهما؛ لأنَّه عَقْدٌ جائِزٌ، فبَطَلَتْ بذلك، كالوَكالةِ وإن عَزَل أحَدُهما صاحِبَه، انْعَزَلَ المَعْزُولُ، فلم يَكنْ له أن يَتَصَرفَ إلَّا في قَدْرِ نَصِيبِه، وللعازِلِ التَّصَرُّفُ في الجَمِيعِ؛ لأنَّ المَعْزُولَ لم يرجِعْ عن إذْنِه، هذا إذا نضَّ 1 المالُ.
وإن كان عَرْضًا، فذَكَرَ القاضي أن ظاهِرَ كَلامِ أحمدَ، أنَّه لا يَنْعَزِلُ بالعَزْلِ، وله التَّصَرُّفُ حتى يَنِضَّ المالُ، كالمُضَارِبِ إذا عَزَلَه رَبُّ المالِ، ويَنبغِي أن يَكُونَ له التَّصَرُّفُ بالبَيعِ دُونَ المُعاوضَةِ بسِلْعَةٍ أُخْرَى، أو التَّصَرُّف بغيرِ ما يَنِضُّ به المالُ.
وذَكَر أبو الخَطّابِ أنَّه يَنْعَزِلُ مُطْلَقًا.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، قِياسًا على الوَكالةِ.
فعلى هذا، إنِ اتَّفَقا على البَيعِ أو القِسْمَةِ، فعَلا.
وإن طَلَب أحَدُهما القِسْمَةَ والآخَرُ البَيعَ، قسِمَ ولم يُبعَ.
فإن قِيلَ: ألَيس إذا فَسَخ رَبُّ المالِ المُضارَبَةَ، فطَلَبَ العامِلُ البَيعَ، أُجِيبَ إليه.؟ فالجَواب أنَّ حَقَّ العامِلِ في الرِّبْحِ، ولا يَظْهَر إلَّا بالبَيعِ، فاسْتَحَقَّه العامِلُ؛ لوُقُوفِ
..................................
حُصُولِ حَقِّه عليه.
وفي مَسْألَتِنا ما يَحْصُلُ مِن الرِّبْحِ يَسْتَدْرِكُه كلُّ واحِدٍ منهما في نَصِيبِه مِن المَتاعِ 1، فلم يُجْبَرْ عليه 2. قال شيخُنا 3: وهذا إنَّما يَصِحُّ إذا كان الرِّبْحُ على قَدْرِ المالين، أمّا إذا زاد رِبْحُ أحَدِهما عن مالِه، فإنَّه لا يَسْتَدْرِكُ رِبْحَه بالقِسْمَةِ، فيَتَعَيَّنُ البَيعُ، كالمُضارَبَةِ.
فصل: إذا مات أحَدُ الشَّرِيكَين وله وارِثٌ رَشِيدٌ، فله أن يُقِيمَ على الشَّرِكَةِ، ويَأْذَنُ له الشَّرِيكُ في التَّصَرُّفِ، ويَأذَنُ للشَّرِيكِ في التَّصَرُّفِ 4؛ لأنَّ هذا إتمامٌ للشَّرِكَةِ، وليس بابْتِدائِها، فلا تُعْتَبَرُ شُرُوطُها، وله المُطالبَةُ بالقِسْمَةِ، فإن كان مُوَلَّيًا عليه، قام وَلِيُّه مَقامَه في ذلك، إلَّا أنَّه لا يَفْعَلُ إلَّا ما فيه المَصْلَحَةُ للمُوَلَّى عليه.
فإن كان المَيِّتُ قد وَصَّى بمالِ الشَّرِكَةِ أو ببَعْضِه لمُعَيَّنٍ، فالمُوصَى له كالوارِثِ فيما ذَكَرْنا.
وإن وَصَّى به لغيرِ مُعَيَّنٍ، كالفُقَراءِ، لم يَجُزْ للوَصِيِّ 5 الإذْنُ
فَصْلٌ: الثَّانِي، الْمُضَارَبَةُ؛ وَهِيَ أنْ يَدْفَعَ مَالهُ إِلَى آخَرَ يَتَّجِرُ فِيهِ وَالرِّبْحُ بَينَهُمَا.
في التَّصَرُّفِ؛ لأنَّه قد وَجب دَفْعُه إليهم، فيَعْزِلُ نَصِيبَه، ويُفَرِّقُه عليهم، فإن كان على المَيِّتِ دَينٌ 1 تَعَلَّقَ بتَرِكَتِه، فليس للوارِثِ إمْضاءُ الشَّرِكَةِ حتى يَقْضِيَ دَينَه، فإن قَضاه مِن غيرِ مالِ الشَّرِكَةِ، فله الإِتْمامُ، وإن قَضَاه منه، بَطَلَتِ الشَّرِكَةُ في قَدْرِ ما قَضَى.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ تعالى: (الثّانِي، المُضارَبَةُ؛ وهي أن يَدْفَعَ ماله إلى آخَرَ يَتَّجِرُ فيه والرِّبْحُ بينَهما) فأهْلُ العِراقِ يُسَمُّونَه مُضارَبَةً، مَأْخُوذٌ مِن الضَّرْبِ في الأرْضِ، وهو السَّفَرُ فيها للتِّجارَةِ، قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ 2. ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ مِن ضَرْبِ كلِّ واحِدٍ منهما بسَهْمٍ في الرِّبْحِ.
ويُسَمِّيه أهْلُ الحِجازِ القِرَاضَ 3. قِيل: هو مُشْتَقٌّ مِن القَطْعِ.
يُقالُ: قَرَض الفَأْرُ الثَّوْبَ.
إذا قَطَعَه، فكأنَّ صاحِبَ المالِ اقْتَطَعَ مِن مالِه قِطْعَةً وسَلَّمَها
..................................
إلى العامِلِ، واقْتَطَعَ له قِطْعَةً مِن الرِّبْحِ.
وقِيلَ: اشْتِقاقُه مِن المُساواةِ والمُوازَنَةِ.
يُقالُ: تَقارَضَ الشّاعِران.
إذا وازَنَ كلُّ واحدٍ منهما الآخرَ بشِعْرِه.
وههُنا مِن العامِلِ العَمَلُ، ومِن الآخَرِ المالُ، فتَوازَنا.
ويَنْعَقِدُ بلَفْظِ المُضارَبَةِ والقِراضِ، وبكلِّ ما يُؤدِّى مَعْناهما؛ لأنَّ القَصْدَ المَعْنَى، فجاز بكلِّ ما دَلَّ عليه، كالوَكالةِ.
وهي مُجْمَعٌ على جَوازِها في الجُمْلَةِ.
ذَكَرَه ابنُ المُنْذِرِ.
ورُوِيَ عن حُمَيدِ بن عبدِ اللهِ، عن أبيه، عنٍ جَدِّه، أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطّابِ، رَضِيَ الله عَنه، أعْطاه مال يَتِيمٍ مُضَارَبَةً يَعْمَلُ به في العِرَاقِ 1. وروَى مالِكٌ 2، عن زَيدِ بن أسْلَمَ، عن أبِيه، أنَّ عبدَ اللهِ وعُبَيدَ اللهِ، ابْنَيْ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِيَ الله عَنهم، خَرَجَا في جَيشٍ إلى العِراقِ، فتَسَلَّفا مِن أبي مُوسَى مالًا وابْتاعا به مَتاعًا، وقَدِما به إلى المَدِينَةِ، فباعاه وَرَبِحا فيه، فأرادَ عُمَرُ أخْذَ رَأْسِ المالِ والرِّبْحِ كلِّه، فقال: لو تَلِف كان ضَمانُه علينا، فلمَ لا يكُونُ رِبْحُه لَنا؟ فقال رجلٌ: يا أمِيرَ المُؤْمِنين، لو جَعَلْتَه قِراضًا.
قال: قد جَعَلْتُه.
وأخَذَ
..................................
منهما نِصْفَ الرِّبْحِ.
وهذا يَدُلُّ على جَوازِ القِراضِ.
وعن مالكٍ 1، عن العَلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ عُثمانَ، رَضِيَ الله عنه، قارَضَه.
وعن قَتادةَ، عن الحَسَنِ، أنَّ عَليًّا، رضِيَ اللهُ عنه، قال: إذا خالفَ المُضارِبُ فلا ضَمانَ، هما على ما شَرَطا.
وعن ابنِ مَسْعُودٍ، وحَكِيمِ بنِ حِزام، أنَّهما قارَضا، ولم يُعْرَفْ لهما في الصَّحابَةِ مُخالِفٌ، فكان إجْماعًا، ولأنَّ بالنّاس حاجَةً إلى المُضارَبَةِ، فإنَّ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ لا تُنَمَّى إلَّا بالتَّقْلِيبِ والتِّجارَةِ، وليس كلُّ مَن يَمْلِكُها يُحْسِنُ التِّجارَةَ، ولا كلُّ مَن يُحْسِنُ التِّجارَةَ له مالٌ، فاحْتِيجَ إليها مِن الجانِبَينِ.
فشُرِعَتْ لدَفْعَ الحاجَتَين.
فصل: ومِن شَرْطِ صِحَّتِها تَقْدِيرُ نَصِيبِ العامِلِ؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّه بالشَّرْطِ، فلم يُقَدَّرْ إلَّا به.
فلو قال: خُذْ هذا المال مُضارَبَةً.
ولم يَذْكُرْ سَهْمَ العامِلِ، فالرِّبْحُ كلُّه لرَبِّ المالِ، والوَضِيعَةُ عليه، وللعامِلِ أجْرُ مِثْلِه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي.
وقال الحَسَنُ، وابنُ سِيرِينَ، والأوْزاعِيُّ: الرِّبْحُ بينَهما نِصْفَين.
كما لو قال: والرِّبْحُ بينَنا.
فإنَّه يَكُون بينَهما نِصْفَين.
كذا هذا.
ولَنا، أنَّ المُضارِبَ إنَّما يَسْتَحِقُّ بالشَّرْطِ، ولم يُوجَدْ.
وقَوْلُه:
فَإنْ قَال: خُذْهُ، فَاتَّجِرْ بِهِ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِي.
فَهُوَ إبْضَاعٌ.
وَإنْ قَال: وَالرِّبحُ كُلُّهُ لَكَ.
فَهُوَ قَرْضٌ.
وَإنْ قَال: وَالرِّبْحُ بَيننَا.
فَهُوَ بَينَهُمَا نِصْفينِ.
مُضارَبَةً.
اقْتَضَى أنَّ له جُزْءًا مِن الرِّبْحِ مَجْهُولًا، فلم تَصِحَّ المُضارَبَةُ، كما لو قال: ولك جُزْءٌ مِن الرِّبْحِ.
فأمَّا إذا قال: الرِّبْحُ بينَنا.
فإنَّ المُضارَبَةَ تَصِحُّ، وتَكُونُ بينَهما نِصْفَين؛ لأنَّه أضافَه إليهما إضافةً واحِدَةً، لم يَتَرَجَّحْ فيها أحَدُهما على الآخَرِ، فاقْتَضَى التَّسْويَةَ، كما لو قال: هذه الدّارُ بيني وبينَك.
2065 -
مسألة: (فإن قال: خذْه فاتَّجرْ به، والرِّبْحُ كلُّه لي. فهو إبْضاعٌ)
لأنهَّ قرَن به حُكمَ الإبْضاعِ، فانصَرَف إليه.
[فإن قال مع ذلك: وعليك ضَمانُه.
لم يَضْمَنْه؟ لأنَّ العَقْدَ يَقتَضِي كَوْنَه أمانَةً غيرَ مَضْمُونَةٍ، فلا يَزُولُ ذلك بشَرْطِه] (1).
2066 -
مسألة: (وإن قال: والرِّبْحُ كلُّه لك. فهو قَرْضٌ)
لا قِراضٌ؛ لأنَّ قَوْلَه: خُذْه فاتَّجِرْ به.
يَصْلُحُ لهما، وقد قَرَن به حُكْمَ القَرْضِ، فانْصَرَفَ إليه.
وإن قال مع ذلك: ولا ضَمانَ عليك.
فهو قَرْضٌ شُرِطَ فيه نَفْيُ الضَّمانِ، فلا يَنْتَفِي بشَرْطِه، كما لو صَرَّحَ به، فقال: خُذْ هذا قَرْضًا ولا ضَمانَ عليك.
2067 -
مسألة: (وإن قال: والرِّبْحُ بينَنا. فهو بينَهما نِصْفَين)
لِمَا (2) ذكرنا 1.2
وَإنْ قَال: خُذْهُ مُضَارَبَةً، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَكَ أوْ لِيَ.
لَمْ يَصِحَّ.
2068 - مسألة: (وإن قال: خُذُه مُضارَبَةً، والرِّبْحُ كلُّه لك أو لي. لم يَصِحَّ)
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا قال: والرِّبْحُ كلُّه لي.
كان إبْضاعًا صَحِيحًا؛ لأنَّه أثْبَتَ له حُكْمَ الإِبْضاعِ، فانْصَرَف إليه.
كما لو قال: اتَّجِرْ به والرِّبْحُ كلُّه لي.
وقال مالكٌ: يَكُونُ مُضارَبَةً صَحِيحَةً في الصُّورَتَين؛ لأنَّهما دَخَلا في القِراضِ، فإذا شَرَطَه لأحَدِهما فكأنَّه وَهَب الآخرَ نَصِيبَه، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ العَقْدِ.
ولَنا، أنَّ المُضارَبَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ الرِّبْحِ بينَهما، فإذا شَرَط اخْتِصاصَ أحَدِهما بالرِّبْحِ فقد شَرَط ما يُنافِي مُقْتَضَى العَقْدِ، ففَسَدَ، كما لو شَرَط الرِّبْحَ كلَّه في شرِكَةِ العِنَانِ لأحَدِهما.
ويُفارِقُ ما إذا لم يَقُلْ مُضارَبَةً؛ لأنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِما أثْبَتَ حُكْمَه مِن الإبْضاعِ والقَرْضِ، بخِلافِ ما إذا صرَّحَ بالمُضارَبَةِ.
وما ذَكَرَه مالكٌ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الهِبَةَ لا تَصِحُّ قبلَ وُجُودِ المَوْهُوبِ.
وَإنْ قَال: لَكَ ثُلُثُ الرِّبْحِ.
صَحَّ، وَالْبَاقِي لِرَبِّ الْمَالِ.
وَإنْ قَال: وَلِي ثُلُثُ الرِّبْحِ.
فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
2069 - مسألة: (وإن قال: لك ثُلُثُ الرِّبْحِ. صَحَّ، والباقِي لِرَبِّ المالِ)
إذا قَدَّرَ نَصِيبَ العامِلِ، فقال: لك ثُلُثُ الرِّبْح -أو- رُبْعُه -أو جُزْءُ مَعْلُومٌ.
صَحَّ، والباقِي لرَبِّ المال؛ لأنُّه يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بمالِه؛ لكَوْنِه نَماءَه وفَرْعَه، والعامِلُ يَأْخُذُ بالشَّرْطِ، فما شُرِط له اسْتَحَقَّه، وما بَقِي فلرَبِّ المالِ بحُكْمِ الأصْلِ.
2070 -
مسألة: (وإن قال: ولي ثُلُثُ الرِّبْحِ)
ولم يَذْكُرْ نَصِيبَ العامِلِ، ففيهْ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ العامِلَ إنَّما يَسْتَحِقُّ بالشَّرْط، ولم يُشْتَرَطْ له شيءٌ، فتَكُونُ المُضارَبَةُ فاسِدَةً.
والثاني، يَصِبحُّ، ويَكُونُ الباقِي للعامِلِ.
وهو قولُ أبِي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأي؛ لأنَّ الرِّبْحَ لا يَسْتَحِقُّه غيرُهما، فإذا قُدِّرَ نَصِيبُ أحَدِهما منه فالباقِي للآخَرِ
..................................
بمَفْهُومِ اللَّفْظِ، كما عُلِمَ ذلك مِن قَوْلِه تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ 1. ولم يَذْكُرْ نَصِيبَ الأبِ، فعُلِمَ أنَّ الباقِيَ له.
ولأنَّه لو قال: أوْصَيتُ بهذه المائَةِ لزَيدٍ وعَمْرٍو، ونَصِيبُ زَيدٍ منها ثَلاُثون.
زكان الباقِي لعَمْرٍو، وكذا ها هنا، وهذا أصَحُّ إن شَاءَ الله تَعالى.
فصل: فإن قال: لي النِّصْفُ ولك الثُّلُثُ.
وسَكَت عن الباقي، صَحَّ، وكان لرَبِّ المالِ؛ لأنَّه لو سَكَت عن جَميعِ الباقِي بعدَ جُزْءِ العامِلِ كان لرَبِّ المالِ، فكذا إذا ذَكَر البعضَ وتَرَك البعضَ.
وإن قال: خُذْه مُضارَبَةً على الثُّلُثِ.
أو قال: بالثُّلُثِ.
صَحَّ، وكان تَقْدِيرُ النَّصِيبِ للعامِلِ؛ لأنَّ الشَّرْطَ يُرادُ لأجْلِه؛ لأنَّ رَبَّ المالِ يَسْتَحِقُّ بمالِه لا بالشَّرْطِ، والعامِلُ يَسْتَحِقُّ بالعَمَلِ، وهو يَقِلُّ ويَكْثُرُ، وإنَّما تَتَقَدَّرُ حِصَّتُه بالشَّرْطِ، فكان الشَّرْطُ له.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وَإنِ اخْتَلَفَا، لِمَنِ الْجُزْءُ الْمَشْرُوطُ؟ فَهُوَ لِلْعَامِلِ.
وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ.
2071 - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا)
في (الجُزْءِ المَشْرُوطِ، فهو للعامِلِ) قَلِيلًا كان أو كَثِيرًا؛ لِما ذَكَرْنا، واليَمِينُ على مُدَّعِيه؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ خِلافَ ما قاله، فتَجِبُ اليَمِينُ لنَفْي الاحْتِمالِ، كما تَجِبُ على المُنْكِرِ لنَفْي ما يَدَّعِيه المُدَّعِي.
2072 -
[مسألة: (وكذلك حُكْمُ المُساقاةِ والمُزارَعَةِ) قِياسًا عليها]
1.
فصل: وإن قال: خُذْه مُضارَبَةً ولك ثُلُثُ الرِّبْحِ وثُلُثُ ما بَقِيَ.
صَحَّ، وله خَمْسَةُ أتْساعِ 2 الرِّبْحِ؛ لأنَّ هذا مَعْناه.
وإن قال: لك ثُلُثُ الرِّبْحِ ورُبْعُ ما بَقِيَ.
فله النِّصْفُ.
وإن قال: لك رُبْعُ الرِّبْحَ ورُبْعُ ما بَقِيَ.
فله ثَلاثةُ أثْمانٍ ونِصْفُ ثُمْنٍ.
وسواءٌ عَرَفا الحسابَ أو جَهِلاه؛ لأنَّ ذلك أجْزاءٌ مَعْلُومَةٌ مُقَدَّرَةٌ، أشْبَهَ ما لو شَرَط الخُمْسَين.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ كمَذْهَبِنا.
..................................
فصل: ويَجُوزُ أن يَدْفَعَ مالًا إلى اثْنَين مُضارَبَةً في عَقدٍ واحِدٍ.
فإن شَرَط لهما جُزْءًا مِن الرِّبْحِ بينَهما نِصْفَين، صَحَّ.
وإن قال: لكما 1 كذا وكذا مِن الرِّبْحِ.
ولم يُبيِّنْ كيف هو بينَهما، فهو بينَهما نِصْفان؛ لأنَّ إطْلاقَ قَوْلِه: لكما.
يَقْتَضِي التَّسْويَةَ، كما لو قال لعامِلِه: الرِّبْحُ بينَنا.
وإن شَرَط لأحَدِهما ثُلُثَ الرِّبْحِ، وللآخَرِ رُبْعَه والباقِيَ له، جاز.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال مالكٌ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّهما شَرِيكان 2 في العَمَلِ بأبْدانِهما، فلم يَجُزْ تَفاضُلُهما في الرِّبْحِ، كشَرِيكَي الأبْدانِ.
ولَنا، أنَّ عَقْدَ الواحِدِ مع الاثْنَين عَقْدان، فجاز أن يَشْتَرِطَ في أحَدِهما أكْثَرَ مِن الآخَرِ، كما لو انْفَرَدا.
ولأنَّهما يَسْتَحِقّان بالعَمَلِ وهما يَتَفَاضَلان، فجاز تَفاضُلُهما في العِوَضِ، كالأجِيرَين.
وشَرِكَةُ الأبْدانِ كمَسْألَتِنا لا يَجِبُ التَّساوي فيها، ثم الفَرْقُ بينَهما أنَّ ذاك عَقْدٌ واحِدٌ وهذان عَقْدان.
فصل: وإن قارَضَ اثْنانِ واحِدًا بألْفٍ 3 لهما، جاز.
فإن شَرَطا له رِبْحًا مُتَساويًا بينهما 4، جاز.
وكذلك إن شَرَط أحَدُهما له النِّصْفَ، والآخَرُ الثُّلُثَ، ويَكُون باقِي رِبحِ مالِ كلِّ واحِدٍ منهما له.
وإن شَرَطا كَوْنَ الباقِي مِن الرِّبْحِ بينَهما نِصْفين، لم يَجُزْ.
وهذا مُذْهَبُ الشافعيِّ.
وكَلامُ القاضي يَقْتَضِي جَوازَه.
وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، وأبي
..................................
ثَوْرٍ.
ولَنا، أنَّ أحَدَهما يَحْصُلُ له مِن رِبْحِ مالِه النِّصْفُ، والآخَرَ الثُّلُثان، فإذا شَرَطَا 1 التَّساويَ فقد شَرَط أحَدُهما للآخَرِ جُزْءًا مِن رِبْحِ مالِه بغيرِ عَمَل، فلم يَجُزْ، كما لو شَرَط رِبْحَ مالِه المُنْفَرِدِ.
فصل: إذا شَرَطَا جُزْءًا مِن الرِّبْحِ لغيرِ العامِلِ نَظَرْتَ؛ فإن شَرَطاه لعَبْدِ أحَدِهما أو لعَبْدَيهما، صَحَّ، وكان مَشْرُوطًا لسَيِّدِه.
فإذا جَعَلا الرِّبْحَ بينَهما وبينَ عبدِ أحَدِهما أثْلاثًا، كان لصاحِبِ العَبْدِ الثُّلُثان، وللآخرِ الثُّلُثُ.
وإن شَرَطاه لأجْنَبِيٍّ، أو لوَلَدِ أحَدِهما، أو امْرَأَتِه، أو قَرِيبِه، وشَرَطا عليه عَمَلًا مع العامِلِ، صَحَّ، وكانا عامِلَين.
وإن لم يَشْرُطا عليه عَمَلًا، لم تَصِحَّ المُضارَبَةُ.
وبه قال الشافعيُّ.
وحُكِيَ عن أصْحابِ الرَّأْي أنَّه يَصِحُّ، والجُزْءُ المَشْرُوطُ له لرَبِّ المالِ، سواءٌ شَرَط لقَرِيبِ العامِلِ أو قَرِيبِ رَبِّ المال أو لأجْنَبِيٍّ؛ لأنَّ العامِلَ لا يَسْتَحِقُّ إلا ما شُرِط له، ورَبُّ المالِ يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بحُكْمِ الأصْلِ، والأجْنَبِيُّ لا يَسْتَحِقُّ شيئًا؛ لأنَّ الرِّبْحَ إنَّما يُسْتَحَقُّ بمالٍ أو عَمَلٍ، وليس له واحِدٌ منهما، فما شُرِط لا يَسْتَحِقُّه، فرَجَعَ إلى رَبِّ المالِ، كما لو تَرَك ذِكْرَه.
ولَنا، أنَّه شَرْطٌ فاسِدٌ يَعُودُ إلى الرِّبْحِ، ففَسَدَ به العَقْدُ، كما لو شَرَط دَراهِمَ مَعْلُومَةً.
وإن قال: لك الثُّلُثان، على أن تُعْطِيَ امْرَأتَك نِصْفَه.
فكذلك؛ لأنَّه شَرَط في الرِّبْحِ شَرْطًا لا يَلْزَمُ، فكان فاسِدًا.
والحُكْمُ في الشَّرِكَةِ كالحُكْمِ في المُضارَبَةِ، فيما ذَكَرْنا.
وَحُكْمُ الْمُضَارَبَةِ حُكْمُ الشَّرِكَةِ فِيمَا لِلْعَامِلِ أَنْ يَفْعَلَهُ أوْ لَا يَفْعَلَهُ، وَمَا يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ، وَفِي الشُّرُوطِ.
2073 - مسألة: (وحُكْمُ المُضارَبَةِ حُكْمُ الشَّركَةِ فيما للعامِلِ أن يَفْعَلَه أو لا يَفْعَلَه، وفيما يَلْزَمُه فِعْلُه، وفي الشُّرُوطِ)
كلُّ ما جاز للشَّرِيكِ عَمَلُه جاز للمُضارِبِ، وما مُنِعَ منه الشَّرِيكُ 1 مُنِع منه المُضارِبُ، وما اخْتُلِفَ فيه ثَمَّ، فَههُنا مِثْلُه، وما جاز أن يَكُونَ رَأْسَ مالِ الشَّرِكَةِ، جاز أن يَكُونَ رَأْسَ مالِ المُضارَبَةِ، وما لا يَجُوزُ ثَمَّ لا يَجُوزُ ههُنا، على ما فَصَّلْناه؛ لأنَّها في مَعْناها.
وَإنْ فَسَدَتْ، فَالرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَلِلْعَامِلِ الأُجْرَةُ: وَعَنْهُ، لَهُ الْأَقَلُّ مِنَ الأُجْرَةِ أوْ مَا شُرِطَ لَهُ مِنَ الرِّبْحَ.
2074 - مسألة: (وإذا فَسَدَتْ، فالرِّبْحُ لرَبِّ المالِ، وللعامِلِ الأُجْرَةُ. وعنه، له الأقَلُّ مِن الأُجْرَةِ أو ما شُرِط له مِن الرِّبْحِ)
الكَلامُ في المُضارَبَةِ الفاسِدَةِ في فُصُولٍ ثَلاثَةٍ؛ أحَدُها، أنَّه إذا تَصَرّفَ العامِلُ، نَفَذ تَصَرُّفُه؛ لأنَّه أَذِنَ فيه رَبُّ المالِ، فإذا بَطَل عَقْدُ المُضارَبَةِ، بَقِي الإذْنُ، فمَلَكَ به التَّصَرُّفَ، كالوَكِيلِ.
فإن قِيلَ: فلو اشْتَرَى الرجلُ شِراءً فاسِدًا ثم تَصَرَّفَ فيه، لم يَنْفُذْ، مع أنّ البائِعَ قد أذِنَ له في التَّصَرُّفِ.
قُلْنا: لأنَّ المُشْتَرِيَ يَتَصَرَّفُ مِن جِهَةِ المِلْكِ لا بالإِذْنِ، فإن أذِنَ البائِعُ، كان على أنَّه مِلْكُ المَأْذُونِ له، فإذا لم يَمْلِكْ، لم يَصِحَّ، وههُنا أذِنَ له رَبُّ المالِ في التَّصَرُّفِ في مِلْكِ نَفْسِه، وما شَرَط مِن الشَّرْطِ الفاسِدِ، فليس بمَشْرُوطٍ في مُقابَلَةِ الإِذْنِ؛ لأنَّه أذِنَ له في تَصَرُّفٍ يَقَعُ 1 له.
..................................
الفَصْلُ الثّانِي، أنَّ الرِّبْحَ جَمِيعَه لرَبِّ المالِ؛ لأنَّه نَماءُ مالِه، وإنَّما يَسْتَحِقُّ العامِلُ بالشَّرْطِ، فإذا فَسَدَتِ المُضارَبَةُ فَسَد الشَّرْطُ، فلم يَسْتَحِقَّ به شيئًا، ولكنْ له أجْرُ مِثْلِه.
نَصَّ عليه أحمدُ 1. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
واخْتارَ الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ أنَّ الرِّبْحَ بينَهما على ما شَرَط له.
واحْتَجَّ بما رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا اشْتَرَكا في العُرُوض، قُسِم الرِّبْحُ على ما شَرَطا.
قال: وهذه شَرِكَةٌ فاسِدَةٌ.
واحْتَجَّ بأنَّه عَقْدٌ يَصِحُّ مع الجَهالةِ، فيَثْبُتُ المُسَمَّى في فاسِدِه، كالنِّكاحِ.
قال: [ولا أجْرَ] 2 له.
وجَعَل أحْكامَها كأحْكام الصَّحِيحَةِ.
وقد ذَكَرْنا ذلك.
قال القاضي أبو يَعْلَى: والمَذْهَبُ ما حَكَينا، وكَلامُ أحمدَ مَحْمُولٌ على أنَّه صَحَّحَ الشَّرِكَةَ بالعُرُوضِ.
وحُكِيَ عن مالكٍ أنَّه يَرْجِعُ إلى قِراضِ المِثْلِ.
وحُكِيَ عنه، إن لم يَرْبَحْ، فلا أجْرَ له.
ومُقْتَضَى هذا، أنَّه إن رَبِح فله الأقَلُّ مِمّا شَرَط له أو أجْرِ مِثْلِه.
وعن أحمدَ مثلُ ذلك؛ لأنَّ الأُجْرَةَ إن كانت أكْثَرَ، فقد رَضِيَ بإسْقاطِ الزّائدِ منها عن المُسَمَّى، لرِضائِه به، وإن كانت أقَلَّ، لم يَسْتَحِقَّ أكْثَرَ منها؛ لفَسادِ التَّسْمِيَةِ بفَسادِ العَقْدِ، لأنَّه لو اسْتَحَقَّ أجْرَ المِثْلِ، لتَوَسَّلَ إلى فَسادِ العَقْدِ [إذا رأى] 3 الخُسْرانَ.
والمَشْهُورُ الأوَّلُ؛ لأنَّ تَسْمِيَةَ الرِّبْحِ مِن تَوابِعِ المُضارَبَةِ أو رُكْنٌ مِن أرْكانِها، فإذا
وَإنْ شَرَطَا تَأْقِيتَ الْمُضَارَبَةِ، فَهَلْ تَفْسُدُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
فَسَدَتْ، فَسَدَتْ أرْكانُها وتَوابِعُها، كالصلاةِ.
ونَمْنَعُ وُجُوبَ المُسَمَّى في النِّكاحِ الفاسِدِ، وإذا لم يَجِبْ له المُسَمَّى، وَجَب أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّه إنَّما عَمِل ليَأخُذَ المُسَمَّى، فإذا لم يَحْصُلْ له، وَجَب رَدُّ عَمَلِه إليه، وهو مُتَعَذِّرٌ، فتَجِبُ قِيمَته، وهي أجْرُ مِثْلِه، كما لو تَبايَعا بَيعًا (1) فاسِدًا، وتَقابَضا، وتَلِف أحَدُ العِوَضَين في يَدِ قابضِه، وَجَب رَدُّ بَدَلِه.
فعلى هذا، له أجْر المِثْلِ، سواءٌ ظَهَر في المالِ رِبْحٌ أَو لم يَظْهَرْ.
فإن رَضِيَ المُضارِبُ بالعَمَلِ بغيرِ عِوَضٍ، مثلَ أن يَقُولَ: قارَضْتُك والرِّبْحُ كلُّه لي.
فالصَّحِيحُ أنَّه لا شيءَ للمُضارِبِ ههُنا؛ لأنَّه تَبَرَّعَ بعَمَلِه، أشْبَهَ ما لو أعانَه في شَيْءٍ، أو تَوَكَّلَ له بغيرِ جُعْلٍ، أو أخَذَ له بِضاعَةً.
الفصلُ الثّالِثُ، أن لا يَضْمَنَ ما تَلِف بغيرِ تَعَدِّيه وتَفْرِيطِه؛ لأنَّ ما كان المَقْبُوضُ في صَحِيحِه مَضْمُونًا، كان مَضْمُونًا في فاسِدِه، وما لم يُضْمَنْ في صَحِيحِه لم يُضْمَنْ في فاسِدِه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو يُوسُف، ومحمدٌ: يَضْمَنُ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لا يَضْمَنُ ما قَبَضَه في صَحِيحِه، فلا يَضْمَنُ في فاسِدِه، كالوَكالةِ، ولأنَّها إذا فَسَدَتْ صارت إجارَةً، ولا يَضْمَنُ مَنُ الأجِيرُ ما تَلِف بغيرِ فِعْلِه ولا تَعَدِّيه، كذلك ههُنا.
2075 -
مسألة: (وإن شَرَطا تَأْقِيتَ المُضارَبَةِ، فهل تَفْسُدُ؟ على رِوَايَتَين)
وتَأْقِيتُها أن يَقُولَ: ضارَبْتُك على هذه الدَّراهِمِ سَنَةً، فإذا1
..................................
انْقَضَتِ السنَةُ فلا تَبعْ ولا تَشْتَرِ.
إحداهما، يَصِحُّ.
قال مُهَنّا: سألتُ أحمدَ عن رجلٍ أعْطىَ رجلًا ألْفًا مُضارَبَةً شَهْرًا، فإذا مَضَى شهْرٌ تَكُونُ قَرْضًا.
قال: لا بَأْسَ به.
قُلْتُ: فإن جاء الشَّهْرُ وهي مَتاعٌ.
قال: إذا باع المَتاعُ يَكُونُ قَرْضًا.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ.
والثّانِيَةُ، لا يَصِحُّ.
وهو قولُ الشافعيِّ، ومالكٍ، واخْتِيارُ أبي حَفْصٍ العُكْبَرِيِّ؛ لأمُورٍ ثَلاثَةٍ؛ أحَدُها، أنَّه عَقْدٌ يَقَعُ مُطْلَقًا، فإذا شَرَط قَطْعَه لم يَصِحَّ، كالنِّكاحِ.
الثّانِي، أنَّه ليس مِن مُقْتَضَى العَقْدِ ولا فيه له مَصْلَحَةٌ، أشْبَهَ إذا شَرَط أن لا يَبِيعَ.
وبيانُ أنَّه ليس مِن مُقْتَضَى العَقْدِ، أنَّه يَقْتَضِي أن يَكُونَ رَأْسُ المالِ ناضًّا، فإذا مَنَعَه البَيعَ لم يَنِضَّ.
الثَّالِثُ، أنَّ هذا يُودِّي إلى ضَرَرٍ بالعامِلِ؛ لأنَّه قد يَكُونُ الرِّبْحُ والحَظُّ في تَبْقِيَةِ المَتاعِ وبَيعِه بعد السَّنَةِ، فيَمْتَنِعُ ذلك بمُضِيِّها.
ولَنا، أنَّه تَصَرُّفٌ يَتَوَقَّتُ بنَوْعٍ مِن المَتاعِ، فجاز تَوْقِيتُه في الزَّمانِ، كالوَكالةِ.
والمَعْنَى الأوَّلُ الذي ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالوَكالةِ
وَإن قَال: بعْ هَذَا الْعَرْضَ وَضارِبْ بِثَمَنِهِ.
أو: اقْبِضْ وَدِيعَتِي وَضَارِبْ بها.
أو: إِذَا قَدِمَ الْحَاجُّ فَضَارِبْ بِهَذَا.
صَحَّ.
والوَدِيعَةِ، والثّانِي والثّالِثُ يَبْطُلُ بتَخْصِيصِه بنَوْعٍ مِن المَتاع، ولأنَّ لرَبِّ المالِ مَنْعَه مِن التَّصَرُّفِ في كلِّ وَقْتٍ، إذا رَضِيَ أن يأْخُذَ بمالِه عَرْضًا (1)، فإذا شَرَط ذلك فقد شَرَط ما هو مِن مُقْتَضَى العَقْدِ، فصَحَّ، كما لو قال: إذا انْقَضَتِ السَّنَةُ فلا تَشْتَرِ شيئًا.
وقد سَلَّمُوا صِحَّةَ ذلك.
2076 -
مسألة: (وإن قال: بعْ هذا العَرْضَ وضارِبْ بثَمَنِه. أو: اقْبِضْ وَدِيعَتِي وضارِبْ بها. أو: إذا قَدِم الحاجُّ فضارِبْ بهذا. صَحَّ)
في قَوْلِهم جَمِيعًا، ويَكُونُ وَكِيلًا في بَيعِ العَرْضِ، وقَبْضِ الوَدِيعَةِ،1
..................................
مَأذُونًا له في التَّصَرُّفِ مُؤتَمَنًا عليه، فجاز جَعْلُه مُضارَبَةً، كما لو قال: اقْبِضِ المال مِن غُلامِي، فضارِبْ به.
وأمّا إذا قال: إذا قَدِم الحاجُّ فضارِبْ بهذا.
صَحَّ؛ لأنَّه أذِنَ في التَّصَرُّفِ، فجاز تَعْلِيقُه على شَرْطٍ مُسْتَقبَلٍ، كالوَكالةِ.
فصل: فإن كان في يَدِ إنْسانٍ وَدِيعَةٌ، فقال له رَبُّ الوَدِيعَةِ: ضارِبْ بها.
صَحَّ.
وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأي.
وقال الحَسَنُ: لا يَجُوزُ حتى يَقْبِضَها منه، قِياسًا على الدَّينِ.
ولَنا، أنَّ الوَدِيعَةَ مِلْكُ رَبّ المالِ، فجاز أن يُضارِبَه عليها، كما لو كانت حاضِرَةً فقال: قارَضْتُك على هذه الألْفِ.
وفارَقَ الدَّينَ؛ فإنَّه لا يَصِيرُ مِلْكًا للغَرِيمِ إلَّا بقَبْضِه.
فأمّا إن كانتِ الوَدِيعَةُ قد تَلِفَتْ بتَفْرِيطِه وصارَتْ في الذمَّةِ، لم يَجُزْ أن يُضارِبَ عليها، لما نَذْكُرُه.
فصل: ولو كان له في يَدِ غيرِه مالٌ مَغْصُوبٌ، فضارَبَ الغاصِبَ به، صَحَّ؛ لأنَّه مالٌ لرَبِّ المالِ، يَصِحُّ بَيعُه لغاصِبِه ولمَن يَقْدِرُ على أخْذِه منه، فأشْبَهَ الوَدِيعَةَ.
فإذا ضارَبَ به، سَقَط ضَمانُ الغَصْبِ بعَقْدِ المُضارَبَةِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وقال القاضي: لا يَزُولُ ضَمانُ الغَصْبِ إلَّا بدَفْعِه ثَمَنًا.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ القِراضَ لا يُنافِي الضَّمانَ، بدَلِيلِ ما
وَإنْ قَال: ضَارِبْ بِالدَّينِ الَّذِي عَلَيكَ.
لَمْ يَصِحَّ.
لو تَعَدَّى فيه.
ولَنا، أنَّه مُمْسِكٌ للمالِ بإذنِ مالِكِه (1) لا يَخْتَصُّ بنَفْعِه ولم يَتَعدَّ فيه، فأشْبَهَ ما لو قَبَضَه وقَبَّضَه إيّاه.
2077 -
مسألة: (وإن قال: ضارِبْ بالدَّينِ الذي عليك. لم يَصِحَّ)
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ أكثَرَ: أهْلِ العِلْمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه [مِن أهْلِ] 2 العِلْمِ، أنَّه لا يَجُوزُ أن يَجْعَلَ الرجلُ دَينًا له على رجلٍ مُضارَبَةً.
ومِمَّن حَفِظْنا ذلك عنه؛ عطاءٌ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأي.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال بعضُ أصحابِنا: يَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّه إذا اشْتَرَى شيئًا للمُضارَبَةِ، فقد اشْتَراه بإذْنِ رَبِّ المالِ، ودَفَع الثَّمَنَ إلى 3 مَن أذِنَ له في دَفْعِ ثَمَنِه إليه، فتَبْرأُ ذِمَّتُه منه، ويَصِيرُ كما لو دَفَع إليه عَرْضًا 4 وقال: بِعْه وضاربْ بثَمَنِه.
وجَعَل أصحابُ الشافعيِّ مَكانَ1
..................................
هذا الاحْتِمالِ أنَّ الشِّراءَ لرَبِّ المالِ، وللمُضارِبِ أجْرُ مِثلِه؛ لأنه عَلَّقَه بشَرْطٍ 1، ولا يَصِحُّ عندَهم تَعْلِيقُ القِراضِ بشَرْطٍ.
والمَذْهَبُ الأول؛ لأنَّ المال الذي في يَدَيْ مَن عليه الدينُ له، وإنَّما يَصِيرُ لغرِيمِه بقَبْضِه، ولم يُوجَدِ القَبْضُ ههُنا.
فإن قال له: اعْزِلِ المال الذي لي عليك وقد قارَضتُكَ عليه.
ففَعَلَ، واشْتَرَى بعَينِ ذلك المالِ شيئًا للمُضارَبَةِ، وَقَع الشِّراءُ له؛ لانه اشْتَرَى لغيرِه بمالِ نَفْسِه، فحَصَلَ الشِّراءُ له.
وإنِ اشْتَرَى في ذِمَّتِه، فكذلك؛ لأنَّه عَقَد القِراضَ على ما لا يَمْلِكُه، وعَلَّقَه على شَرْطٍ لا يَمْلِكُ به المال.
فصل: ومِن شَرْطِ صِحَّةِ المُضارَبَةِ كَوْنُ رَأسِ المالِ مَعْلُومَ المِقْدارِ.
فإن كان مَجْهُولًا أو جُزافًا، لم تَصِحَّ، وإن شاهَداه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وَإنْ أخرَجَ مَالًا لِيَعْمَلَ هُوَ فِيهِ وَآخَرُ، وَالرِّبْحُ بَينَهُمَا، صَحَّ.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ.
وقال أبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرأي: تَصِحُّ إذا شاهَداه، والقولُ قول العامِلِ مع يَمِينه في قَدْرِه، لأنَّه أمِينُ رَبِّ المالِ، والقولُ قَوْلُه فيما في يَدِه، فقامَ ذلك مَقامَ المَعْرِفَةِ به.
ولَنا، أنَّه مَجْهُول، فلم تَصِحَّ المُضارَبَةُ به، كما لو لم يُشاهِداه، ولأنَّه لا يَدْرِي بكم يَرْجِعُ عندَ المُفاصَلَةِ، ويُفْضِي إلى المُنازَعَةِ والاخْتِلافِ في مِقْدارِه، فلم يَصِحَّ، كما لو كان في الكِيسِ.
وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالسَّلَمِ، وبما إذا لم يُشاهِداه (1).
فصل: ولو أحْضَرَ كِيسَين، في كلِّ واحِدٍ منهما مال مَعْلُومُ المِقْدارِ، وقال: قارَضْتُك على أحَدِهما.
لم يَصِحَّ، سواء تَساوَى ما فيهما أو اخْتَلَفَ؛ لأنَّه عَقْدٌ تَمْنَعُ صِحَّتَه الجَهالةُ، فلم يَجُزْ على غيرِ مُعَيَّن، كالبَيعَ.
2078 -
مسألة: (وإن أخْرَجَ مالًا ليَعْمَلَ فيه هو وآخَرُ، والرِّبْحُ بينَهما، صَحَّ. ذكَرَه الخِرَقِيُّ)
ونَصَّ عليه أحمدُ في رِوَايةِ أبِي الحارِثِ.
وتَكُونُ مُضارَبَةً؛ لأنَّ غيرَ صاحِبِ المالِ يَسْتَحِقُّ المَشْرُوطَ له1
وَقَال الْقَاضِي: إذَا شَرَطَ الْمُضَارِبُ أنْ يَعْمَلَ مَعَهُ رَبُّ الْمَالِ، لَمْ يَصِحَّ، وَإنْ شَرَطَ عَمَلَ غُلَامِهِ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
مِن الرِّبْحِ بعَمَلِه في مالِ غيرِه، وهذا حَقِيقَة المضارَبَةِ، (وقال) أبو عبدِ اللهِ ابن حامِدٍ، و (القاضي)، وأبو الخَطّابِ: (إذا شَرَط أن يَعْمَلَ معه رَبُّ المالِ، لم يَصِحَّ).
وهذا مَذْهَب مالكٍ، والشافعيِّ، والأوْزاعِيِّ، وأصحابِ الرأىِ، وأبي ثَوْر، وابنِ المنذرِ.
وقال: ولا تَصِحُّ المضارَبَة حتى تسَلِّمَ المال إلى العامِلِ ويخَلِّيَ بينَه وبينَه؛ لأنَّ المضارَبَةَ تَقْتَضِي تَسْلِيمَ المالِ إلى المضارِبِ، فإذا شَرَط عليه العَمَلَ فيه ولم يُسَلِّمْه، فيُخالِف مَوْضُوعَها.
وتَأولَ القاضِي كَلامَ أحمدَ والخِرَقِيِّ، على أنَّ رَبَّ المالِ عَمِل
..................................
فيه مِن غيرِ اشْتِراطٍ.
والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لأنَّ العَمَلَ 1 أحَدُ رُكْنَي المُضارَبَةِ، فجاز أن يَنْفَرِدَ به أحَدُهما مع وُجُودِ الأمْرَين مِن الآخَرِ، كالمالِ.
وقَوْلُهم: إنَّ المُضارَبَةَ تَقْتَضِي تَسْلِيمَ المالِ إلى العامِلِ.
مَمْنُوع، إنَّما تَقْتَضِي إطْلاقَ التَّصَرُّفِ في مالِ غيرِه بجُزْء مُشَاع مِن رِبْحِه، وهذا حاصِل مع اشْتِراكِهما في العَمَلِ، ولهذا لو دَفَع ماله إلى اثْنَين مُضارَبَةً، صَحَّ، ولم يَحْصُلْ تَسْلِيمُه إلى أحَدِهما.
فصل: وإن شَرَط أن يَعْمَلَ معه غُلامُ رَبِّ المالِ، صَحَّ.
وهذا ظاهِرُ كَلامِ الشافعيِّ، وقولُ أكْثَرِ أصْحابِه 2. ومَنَعَه بعضُهم.
وهو قولُ القاضي؛ لأنَّ يَدَ الغُلامِ كيَدِ سَيِّدِه.
وقال أبو الخَطَّابِ: فيه وَجْهان؛ أحَدُهما: الجَوازُ؛ لأنَّ عَمَلَ الغُلامِ مال لسيِّدِه، فَصَحَّ ضَمُّه إليه، كما يَصِحُّ أن يَضُمَّ إليه بَهِيمَتَه يَحْمِلُ عليها.
والثانِي، لا يَجُوزُ؛ لأنَّ يَدَ العَبْدِ كيَدِ سَيِّدِه.
..................................
فصل: وإنِ اشْتَرَكَ مالانِ ببَدَنِ صاحِبِ أحَدِهما، فهذا يَجْمَعُ شَرِكةً ومُضارَبَة، وهو صَحِيح.
فلو كان بينَ رَجُلَين ثَلاثةُ آلافِ دِرْهم؟ لأحَدِهما ألْف وللآخَرِ ألْفانِ، فأذِنَ صاحِبُ الألْفَين لصاحِبِ الألْفِ أن يَتَصَرّفَ فيه على أن يَكُونَ الرِّبْحُ بينَهما نِصْفَينِ، صحّ، ويَكُونُ لصاحِبِ الألْفِ ثُلُثُ الرِّبْحِ بحَقِّ مالِه، والباقي وهو ثُلُثا الرِّبْحِ، بينَهما؛ لصاحِبِ الألْفَين ثَلاثةُ أرْباعِه، وللعامِلِ رُبْعُه، وذلك لأنَّه جَعَل له نِصْفَ الرِّبْحِ فجَعَلْناه سِتَّةَ أسْهُم، منها ثَلاثة للعامِلِ، حِصَّةُ مالِه سَهْمان، وسَهْم يَسْتَحِقه بعَمَلِه في مالِ شَرِيكِهِ، وحِصةُ مالِ شَرِيكِه أرْبعَةُ أسْهُم، للعامِلِ سَهْم، وهو الرُّبْعُ.
فإن قِيلَ فكيفَ تَجُوزُ المُضارَبَةُ ورَأسُ المالِ مُشَاع؟ قُلْنا: إنَّما تَمْنَعُ الإشاعةُ الجَوازَ إذا كانت مع غيرِ العامِلِ؛ لأنَّها تَمْنَعُه مِن التَّصَرُّفِ، [بخِلافِ ما إذا كانت مع العامِلِ، فإنَّها لا تَمْنَعُه مِن التَّصَرُّفِ] 1، فلا تَمْنَعُ صِحَّةَ المُضارَبَةِ.
وإن شَرَط للعامِلِ ثُلُثَ الرِّبْحِ فقط، فمالُ صاحِبِه بِضاعةٌ في يَدِه ولَيسَتْ مُضارَبَة؛ لأنَّ المُضارَبَةَ
..................................
إنما تَحْصُلُ إذا كان الرِّبْحُ بينَهما، فأمّا إذا قال: رِبْحُ مالِكَ لك ورِبْحُ مالِي لي.
فقَبِلَ الآخَرُ، كان إبْضاعًا لا غيرُ.
وبِهذا كلِّه قال الشافعي.
وقال مالِك: لا يَجُوزُ أن يَضُمَّ إلى القِراضِ شَرِكةً، كما لا يَجُوزُ أن يَضُم إليه عَقْدَ إجارَةٍ.
ولَنا، أنهما لم يَجْعَلَا أحَدَ العَقْدَين شَرْطًا للآخرِ، فلم يَمْنَعْ مِن جَمْعِهما، كما لو كانْ المالُ مُتَمَيِّزًا.
فصل: إذا دَفَع إليه ألْفًا مُضارَبَةً، وقال: أضِفْ إليه ألْفًا مِن عِنْدِك واتَّجِرْ بهما، والرِّبْحُ بينَنَا، لك ثُلُثاه ولِي ثُلثه.
جاز، وكان شَرِكَةً وقِراضًا.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّ الشَّرِكَةَ إذا وَقَعَتْ على المالِ، كان الرِّبْحُ تابِعًا له دُونَ العَمَلِ.
ولَنا، أنهما تَساوَيا في المالِ، وانْفَرَدَ أحَدُهما بالعَمَلِ، فجاز أن يَنْفَرِدَ بزِيادَةِ الرِّبْحِ، كما لو لم يَكُنْ له مال.
قَوْلُهم: إنَّ الرِّبْحَ تابع للمالِ وحدَه.
مَمْنُوع، بل هو تابع لهما، كما أنه حاصِل بهما.
فإن شَرَط غيرُ العامِلِ لنَفْسِه ثُلُثَي الرِّبْحِ، لم يَجُزْ.
وقال القاضي: يَجُوزُ، بِناءً على جَوازِ تَفاضُلِهما في شَرِكَةِ العِنانِ.
ولَنا، أنه شَرَطَ لنَفْسِه جُزْءًا مِن الرِّبْحِ لا مُقابِلَ له، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَ رِبْحَ مالِ العامِلِ المُنْفَرِدِ، وفارق شَرِكةَ العِنَانِ؛ لأنَّ فيها عَمَلًا منهما، فجاز أن يَتَفاضَلا في الرِّبْح؛ لتَفاضُلِهما في العَمَلِ، بخِلافِ مَسْألتِنا.
وإن جَعَلا الرِّبْحَ بينَهما نِصْفين، ولم يَقُولا: مُضارَبَةً.
جازَ، وكان إبْضاعًا، كما تَقَدَّمَ.
وإن قالا: مُضارَبَة.
فَسَد العَقْدُ؛ لِما ذَكَرْناه.
..................................
فصل: وقد ذَكَرْنا أنَّ حُكْمَ المُضارَبَةِ حُكْمُ الشَّرِكَةِ فيما للعامِلِ أن يَفْعَلَه أوْ لا يَفْعَلَه، والذي اخْتُلِفَ فيه في حَقِّ الشَّرِيكِ، فكذلك في حَق عامِلِ المُضارَبَةِ.
وهل له أن يَبِيعَ نَساءً إذا لم يُنْهَ عنه؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، ليس له ذلك.
وبه قال مالك، وابنُ أبي لَيلَى، والشافعيُّ؛ لأنَّه نائِب في البَيعِ، فلم يَجُزْ له ذلك بغيرِ إذْنٍ، كالوَكِيلِ، يُحَقِّقُ ذلك أنَّ النائِبَ لا يَجُوزُ له التَّصَرُّفُ إلَّا على وَجْهِ الحَظِّ والاحْتِياطِ، وفي النَّسِيئَة تَغْرِيرٌ بالمالِ.
والثّانِيَةُ، يَجُوزُ له ذلك.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، واخْتِيارُ ابنِ عَقِيل؛ لأنَّ إذنه في التِّجارَةِ والمُضارَبَةِ يَنْصَرِفُ إلى التِّجارَةِ المُعْتادَةِ، وهذا عادَةُ التُّجّارِ، ولأنَّه يَقْصِدُ به الرِّبْحَ، والرِّبْحُ في النَّساءِ أكْثَرُ، والحُكْمُ في الوَكالةِ مَمْنُوع، ثم الفَرْقُ بينَ الوَكالةِ المُطْلَقَةِ والمُضارَبَةِ، أنَّ الوَكالةَ المَقْصُودُ منها تَحْصِيلُ الثَّمَنِ فحَسْبُ، ولا تَخْتَصُّ بقَصْدِ الرِّبْحِ، فإذا أمْكَنَ تَحْصِيلُه مِن غيرِ خَطَر، كان أوْلَى، ولأنَّ الوَكالةَ المُطْلَقَةَ في البَيعِ تَدُلُّ على أنَّ حاجَةَ المُوَكِّلِ 1 إلى الثَّمَنِ ناجزَة، فلم يَجُزْ تَأخِيرُه، بخِلافِ المُضارَبَةِ.
فإن قال له: اعْمَلْ برأَيِكَ.
أو: تَصَرَّفْ كيف شِئْتَ.
فله البَيعُ نَساءً.
وقال الشافعي: ليس له ذلك؛ لأنَّ فيه تَغْرِيرًا، أشْبَهَ ما لو لم يَقُلْ له ذلك.
ولَنا، أنَّه داخِل
..................................
في عُمُوم لَفْظِه، وقَرِينةُ حالِه تَدُلُّ على رِضاه برأيِه في صِفاتِ البَيعِ وفي أنْواعِ التِّجارَةِ، وهذا منها.
فإذا قُلْنَا: له البَيعُ نَساءً.
فالبَيعُ صَحِيح، ومهما فات مِن الثَّمَنِ.
لا يَضْمَنُه، إلَّا أن يُفَرِّطَ ببَيعِ مَن لا يوثَقُ به، أو مَن لا يَعْرِفُه، فيَضْمَنُ الثمَنَ المُنْكَسِرَ على المُشْتَرِي.
وإن قُلْنا: ليس له البَيعُ نَساءً.
فالبَيعُ باطِل؛ لأنه فَعَل ما لم يُؤذَنْ له فيه، فهو كالبَيع.
مِن الأجْنَبِيِّ، إلَّا على الروايَةِ التي تَقُولُ: يَقِفُ بَيعُ الأجْنَبِيِّ على الإِجازةِ.
فههُنا مِثْلُه.
ويَحْتَمِلُ كَلامُ الخِرَقِيِّ صِحةَ البَيعِ؛ فإنه قال: إذا باع المُضارِبُ نَساءً بغيرِ إذْنٍ، ضَمِن.
ولم يَذْكُرْ فَسادَ البَيعِ.
وعلى كلِّ حالٍ يَلْزَمُ العامِلَ الضمانُ؛ لأنَّ ذَهابَ الثَّمَن حَصَل بتَفْرِيطِه.
وإذا قُلْنا بفَسادِ البَيعِ، ضَمِن المَبِيعَ بقِيمَتِه، إذا تَعَذر عليه اسْتِرْجاعُه، بتلَف المَبِيعِ أو امْتِناعِ المُشْتَرِي مِن رَده إليه.
وإن قُلْنا بصِحتِه، احْتَملَ أن يَضْمَنَه بقِيمَتِه أيضًا؛ لأَنه لم يَفُتْ بالبَيعِ أكثرُ منها، ولا يَنْحَفِظُ 1 فيَ بتركِه سواها، وزيادَةُ الثمَن حَصَلَتْ بتَفْرِيطِه، فلا يَضْمَنُها، واحْتَمَل أن يَضْمَنَ الثَّمَنَ؛ لأنه وَجَب بالبَيعِ، وفات بتَفرِيطِ البائِعِ.
فعلى هذا، إن نَقَص عن القِيمَةِ، فقد انْتَقَلَ الوُجُوبُ إليه، بدَلِيلِ أنه لو حَصَل الثَّمنُ، [لم يَضْمَنْ] 2 شيئًا.
..................................
فصل: وهل له السَّفَرُ بالمالِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، ليس له ذلك.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، لأنَّ في السَّفَرِ تَغْرِيرًا بالمالِ وخَطَرًا، ولهذا يُرْوَى: «إنَّ المُسافِرَ [وماله] 1 على قَلَتٍ، إلَّا ما وقَى الله» 2 أي هَلاكٍ.
ولا يَجُوزُ له التَّغْرِيرُ بالمالِ بغيرِ إذْنِ مالِكِه.
والثّانِي، له السَّفَرُ به إذا لم يَكُنْ مَخُوفًا.
قال القاضي: قِياسُ المَذْهَبِ جَوازُه، بِناءً على السَّفَرِ بالوَدِيعَةِ.
وهو قولُ مالك.
وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، لأنَّ الإذْنَ المُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلى ما جَرَتْ به العادَةُ، والعادَةُ جارِيَة بالتِّجارَةِ سَفَرًا و 3 حَضَرًا، ولأنَّ المُضارَبَةَ مُشْتَقَّة مِن الضَّرْبِ في الأرْضِ، فمَلَكَ ذلك بمُطْلَقِها.
وهذان الوَجْهانِ في المُطْلَقِ.
فأمّا إن أذِنَ فيه أو نُهِيَ عنه، أو وُجِدَتْ قَرِينة دالَّة على أحَدِ الأمْرَينِ، تَعَيَّنَ ذلك، وجاز مع الإِذْنِ 4، وحَرُم مع النَّهْي.
وليس له السَّفَرُ في مَوْضع مَخُوفٍ، على كِلا الوَجْهَين.
وكذلك لو أذِنَ لا في السَّفَرِ مُطْلَقًا، لم يَكُنْ له السَّفَرُ في طَرِيقٍ مَخُوفٍ، ولا إلى بَلَدٍ مَخُوفٍ، فإن فَعَل فهو ضامِن لما يَتْلَفُ؛ لأنَّه تَعَدَّى بفِعْلِ ما ليس له فِعْلُه.
فصل: وليس للمُضارِب البَيعُ بدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ، ولا أن يَشْتَرِيَ بأكثر منه مِمّا لا يَتَغابَنُ الناسُ بمِثْلِه، فإن فَعَل، فقد رُوِيَ عن أحمدَ،
..................................
أنَّ البَيعَ يَصِحُّ، ويَضْمَنُ النقْصَ، كالوَكِيلِ، ولأنَّ الضَّرَرَ يَنْجَبِرُ بضَمانِ النَّقْصِ.
قال شيخُنا 1: والقِياسُ بُطلانُ البَيعِ.
وهو مذهَبُ الشافعي؛ لأنَّه بَيع لم يُؤذَنْ فيه، أشْبَهَ بَيعَ الأجْنَبِيِّ.
فعلى هذا، إن تَعَذرَ رَدُّ المَبِيعِ، ضَمِن النَّقْصَ أيضًا، وإن أمْكَنَ رَدُّه، وَجَب إن كان باقِيًا، أو قِيمَتُه إن تَلِف، ولرَب المالِ مُطالبَةُ مَن شاء مِن العامِلِ أو المشتَرِي، فإن أخَذَ مِن المُشْتَرِي بقِيمَتِه، رَجَع المُشْتَرِي على العامِلِ بالثَّمَن، وإن رَجَع على العامِلِ بِقِيمَتِه، رَجَع العامِلُ على المُشْتَرِي بها ورَدَّ عليه الثَّمَنَ؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَل في يَدِه.
أمّا ما يَتَغابَنُ الناسُ بمِثْلِه فلا يُمْنَعُ منه؟ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه.
وأمّا إذا اشْتَرَى بأكْثَرَ مِن ثَمَن المِثْلِ بعَينِ المالِ، فهو كالبَيعِ.
وإنِ اشْتَرَى في الذمةِ، لَزِم العامِلَ دُونَ رَب المالِ إلَّا أن يُجِيزَه، فيَكُونَ له.
هذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِي.
وقال القاضي: إن أطْلَقَ الشِّراءَ ولم يَذْكُرْ رَبَّ المالِ، فكذلك، وإن صَرَّحَ للبائِعِ أنِّي اشْتَرَيتُه فُلانٍ، فالبَيعُ باطِل أيضًا.
فصل: وهل له أن يَبِيعَ ويَشْتَرِيَ بغيرِ نَقْدِ البَلَدِ؟ على رِوايَتَين؛ أصَحُّهما، جَوازُه إذا رَأى المَصْلَحةَ فيه والرِّبْحَ حاصِلًا به، كما يَجُوزُ أن يَبِيعَ عَرْضًا بعَرْض ويَشْتَرِيَه به.
فإن قُلْنا: لا يَمْلِكُ ذلك.
ففَعَلَ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو اشْتَرَى أو باع بغيرِ ثَمَنِ المِثْلِ.
وإن قال: اعْمَلْ برَأيِك.
..................................
فله ذلك، وهل له الزِّراعَةُ 1؟ يَحْتَمِلُ أن لا يَملِكَها؛ لأن المُضارَبَةَ لا يُفْهَمُ مِن إطْلاقِها الزِّراعة (1)، وقد رُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَه الله، في مَن دَفَع إلى رجلٍ ألْفًا، وقال: اتَّجِرْ فيها بما شِئْتَ.
فزَرَعَ زَرْعًا، فرَبحَ فيه، فالمُضارَبَة جائِزَة، والرِّبْحُ بينَهما.
قال القاضي: ظاهِرُ هذا أن قَوْلَه: اتُّجِرْ بما شِئْتَ.
دَخَلَتْ فيه المُزارَعةُ؛ لأنها مِن الوُجُوهِ التي يبتغَى بها النَّماءُ.
فعلى هذا، لو تَوَى المالُ في المُزارَعَةِ، لم يَلْزَمْهُ ضَمانُه.
فصل: وله أن يَشْتَرِيَ المَعِيبَ إذا رَأى المَصْلَحةَ فيه؛ لأن المَقْصُودَ الرِّبْحُ، وقد يَكُونُ الرِّبْحُ في المَعِيبِ.
فإنِ اشْتَراه يَظنه سَلِيمًا فبانَ مَعِيبًا، فله فِعْلُ ما يَرَى فيه المَصْلَحَةَ؛ مِن رَدِّه، أو إمْساكِه وأخْذِ الأرْش.
فإنِ اخْتَلَفَ العامِلُ ورَبُّ المالِ في الرَّدِّ، فطَلَبه أحَدُهما، واصباه الآخَرُ، فَعَل ما فيه النَّظَرُ والحَظُّ؛ لأنَّ المَقْصُودَ تَحْصِيلُه، فيُحْمَلُ الأمْرُ على ما فيه الحَظُّ.
وأمّا الشريكان إذا اخْتَلَفا في رَد المَعِيبِ، فلِطَالِبِ الرَّدِّ رَدُّ نصِيبِه، وللآخَرِ إمْساكُ نَصِيبِه، إلَّا أن لا يَعْلَمَ البائِعُ أنَّ الشِّراءَ لهما، فلا يَلْزَمُه قَبُولُ رَدِّ بَعْضِه؛ لأنّ ظاهِرَ الحالِ أن العَقْدَ لمَن وَلِيَه، فلم يَجُزْ إدْخالُ الضَّرَرِ على البائِعِ بتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عليه.
ولو أرادَ الذي وَلِيَ العَقْدَ رَدَّ بعضِ المَبِيعِ وإمْساكَ البَعْضِ، كان 2 حُكْمُه حُكْمَ ما لو أرادَ شَرِيكُه ذلك، على ما فَصَّلْناه.
واللهُ أعلمُ.
فصلٌ: وَلَيسَ لِلْعَامِلِ شِرَاءُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ.
فَإِنْ فَعَلَ، صَحَّ، وَعَتَقَ، وَضَمِنَ ثَمَنَهُ.
وَعَنْهُ، يَضْمَنُ قِيمَتَهُ، عَلِمَ
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ الله عنه: (وليس للعامِلِ شِراءُ مَن يَعْتِقُ على رَبِّ المالِ) [بغيرِ إذْنِه] 1؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا، ولأنَّه لا حَظَّ للتِّجارةِ فيه.
فإنِ اشْتَراه بإذْنِ رَبِّ المالِ، صَحَّ؛ لأنَّه يَصِحُّ شِراؤه بنَفْسِه، فإذا أذِنَ لغيرِه فيه، جاز، ويَعْتِقُ عليه، وتَنْفَسِخُ المُضارَبَةُ في قَدْرِ ثَمَنِه، [لأنَّه قد تَلِف، ويُحْسَبُ على رَبِّ المالِ، فإن كان ثَمَنُه كلَّ المالِ، انْفَسَخَتِ المُضارَبَةُ] (1) وإن كان في المالِ رِبْح، رَجَع العامِلُ بحِصَّتِه منه، فإن كان بغيرِ إذْنِ رَبِّ المالِ، احْتَمَلَ أن لا يَصِح الشراءُ إذا كان الثَّمَنُ عَينًا؛ لأنَّ العامِلَ اشْتَرَى ما ليس له أن يَشْتَرِيَه، فهو كما لو اشْتَرَى شيئًا بأكثرَ مِن ثَمَنِه، ولأنَّ الإذْنَ في المُضارَبَةِ إنَّما يَنْصَرفُ إلى ما يُمْكِنُ بَيعُه والرِّبْحُ فيه، وليس هذا كذلك.
وإن كان اشْتَراه في الذِّمَّةِ، وَقَع الشِّراءُ للعاقِدِ، وليس له دَفْعُ الثَّمَنِ مِن مالِ المُضارَبَةِ، فإن فَعَل، ضَمِن.
وهذا قولُ الشافعيِّ وأكثرَ الفُقَهاءِ.
وقال القاضي: ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ صِحَّةُ
أوْ لَمْ يَعْلَمْ.
وَقَال أبو بَكْر: إِنْ لَمْ يَعْلَمْ، لَمْ يَضْمَنْ.
وَيَحْتَمِل ألا يَصِحَّ البَيع.
الشِّراءِ؛ لأنَّه مالٌ متَقَوَّم قابِل للعُقُودِ، نصَحَّ شِراؤه، كما لو اشْتَرَى مَن نَذَر رَبُّ المالِ عتْقَه، ويَعْتِق على رَبِّ المالِ، وتَنْفَسِخ المضارَبَةُ فيه، ويَلْزَمُ العامِلَ الضَّمانُ، على ظاهِرِ كَلامٍ أحمدَ، عَلِم بذلك أو جَهِل، لأنَّ مال المضارَبَةِ تَلِف بسَبَبِه، ولا فَرْق في 1 الإتْلافِ المُوجبِ للضّمانِ بينَ العِلْمِ والجَهْلِ.
ويَضْمَنُ قِيمَتَه في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ المِلْكَ ثَبَت فيه ثم تَلِف، أشْبَهَ ما لو أتْلَفَه بفِعْلِه.
والثّانِي، يَضْمَن الثمَنَ الذي اشْتَراه به، لأنَّ التفْرِيطَ منه حَصَل بالشِّراءِ وبَذْلِ الثَّمَنِ فيما يَتْلَفُ بالشِّراء، فكان عليه ضَمانُ ما فَرّطَ فيه.
ومتى ظَهَر في المالِ رِبْح، فللعامِلِ حِصته منه.
(وقال أبو بَكْر: إن لم يَعْلَمِ) العامِلُ أنَّه يَعْتِقُ على رَبِّ المالِ (لم يَضْمَنْ)
..................................
لأنَّ التَّلَفَ حَصَل لمَعْنًى في المَبِيعِ 1 لم يَعْلَمْ به، فلم يَضْمَنْ، كما لو اشْتَرَى مَعِيبًا لم يَعْلَمْ عَيبَه، فتَلِفَ به.
قال: ويَتَوَجَّهُ أن لا يَضْمَنَ، وإن
عَلِم.