..................................
فإن أصابَها بعدَ عِلْمِها، فلا خِيارَ لها.
وهذا قولُ عطاءٍ، والحكمِ، وحمادٍ، والثَّوْرِيِّ، والأوزاعيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ؛ لأنَّها 1 إذا أمْكَنَتْ مِن وَطْئِها قبلَ عِلْمِها، لم يُوجَدْ منها ما يَدُلُّ على الرِّضَا، فهو كما لو لم تُصَبْ.
ووَجْهُ الأوَّلِ ما تَقَدَّمَ مِن حديثِ عمرِو بنِ أُمَيَّةَ.
وروَى مالكٌ 2، عن ابنِ شهابٍ، عن عُرْوَةَ، أنَّ مَوْلاةً لبَنِي عَدِيٍّ، يُقَالُ لها: زَبْرَاءُ.
أخْبَرَتْه أنَّها كانت تحتَ عبدٍ، فَعَتَقَتْ، قالتْ: فأرسلتْ إليَّ حَفْصَةُ، فدَعَتْنِي، فقالت: إِنَّ أمْرَكَ بيدِكِ، ما لم يَمَسَّكِ زَوْجُكِ، وإن مَسَّكِ، فليس لكِ مِن الأمرِ شيءٌ.
فقلتُ: هو الطَّلاقُ، ثم الطَّلَاقُ، [ثم الطَّلاقُ] 3. ففَارَقَتْه ثَلاثًا.
وروَى مالكٌ 4، عن نافعٍ، عن ابنِ
فَإِنِ ادَّعَتِ الْجَهْلَ بِالْعِتْقِ، وَهُوَ مِمَّا يَجُوزُ جَهْلُهُ، أَو الْجَهْلَ بِمِلْكِ
عمرَ، أنَّ لها الخِيارَ ما لم يَمَسَّها.
ولأنَّه خِيارُ عَيبٍ، فيَسْقُطُ بالتَّصَرُّفِ فيه مع الجَهالةِ، كخِيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ.
ولا تَفْرِيعَ على هذا القولِ.
فأمَّا على القولِ الآخَرِ، فإذا وَطِئَها وادَّعَتِ الجَهالةَ بالعِتْقِ، وهي مِمّن يجوزُ خَفاءُ ذلك عليها، مثلَ أن يُعْتِقَها سَيِّدُها في بلدٍ آخَرَ، فالقولُ قولُها مع
الْفَسْخِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا.
وَقَال الْخِرَقِيُّ: يَبْطُلُ خِيَارُهَا، عَلِمَتْ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ.
يَمِينِها؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ذلك.
وإن كانت مِمَّن لا يَخْفَى ذلك عليها؛ لكَوْنِهما 1 في بلدٍ واحدٍ، وقد اشْتَهَرَ ذلك، لم يُقْبَلْ قولُها؛ لأنَّه خِلافُ الظَّاهِرِ، وإن عَلِمَتِ العِتْقَ وادَّعَتِ الجَهالةَ بثُبُوتِ الخيارِ، فالقولُ قولُها؛ لأنَّ ذلك لا يَعْلَمُه إلَّا خَواصُّ الناسِ، فالظاهِرُ صِدْقُها فيه.
وللشافعيِّ في قَبُولِ قولِها قَوْلان.
وَخِيَارُ الْمُعْتَقَةِ عَلَى التَّرَاخِي، مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا،
3188 - مسألة: (وخِيارُ المُعْتَقَةِ على التَّراخِي، ما لم يُوجَدْ منها ما يَدُلُّ على الرِّضَا)
ولا يُمْنَعُ الزَّوْجُ مِن وَطْئِها.
ومِمَّن قال: إنَّه على التَّراخِي.
مالكٌ، والأوْزاعِيُّ.
ورُوِيَ ذلك عن عبدِ الله بِنِ عمرَ، وأُخْتِه حَفْصَةَ.
وبه قال سليمانُ بنُ يسارٍ، ونافعٌ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادَةُ.
وقال أبو حنيفةَ، وسائرُ العِراقِيِّين: لها الخِيارُ في مَجْلِسِ العلمِ.
وللشافعيِّ ثلاثَةُ أقوالٍ، أظْهَرُها كقولِنا.
والثاني، أنَّه على الفَوْرِ، كخِيارِ الشُّفْعَةِ.
والثالثُ، أنَّه إلى ثلاثةِ أيامٍ.
ولَنا، ما روَى الإِمامُ أحمدُ بإسنادِه، عن الحسنِ بنِ عمرِو بنِ أُمَيَّةَ 1، قال: يسمِعْتُ رجالًا يَتَحَدَّثون عن
فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ مَجْنُونَةً، فَلَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ وَعَقَلَتْ، وَلَيسَ لِوَلِيِّهَا الاخْتِيَارُ عَنْهَا.
رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «إذَا أُعْتِقَتِ الْأَمَةُ، فَهِيَ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَطَأْهَا، إِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ، وَإنْ وَطِئَهَا، فَلَا خِيَارَ لَهَا».
ورَواه الأثْرَمُ أيضًا.
وروَى أبو داودَ (1)، أنَّ بَرِيرَةَ عَتَقَتْ، وهي عندَ مُغِيثٍ، عبْدٍ لآلِ أبي (2) أحمدَ، فخَيَّرَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وقال لها: «إنْ قَرُبَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ».
ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينا مِن الصَّحابةِ.
قال ابنُ عبدِ البرِّ (3): لا أعْلَمُ لابنِ عمرَ وحَفْصَةَ مُخالِفًا مِن الصَّحابةِ.
ولأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إلى ذلك، فثَبَت (4)، كخِيارِ القِصاصِ، أو خِيارٍ لدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقِّقٍ، فأشْبَهَ ما قُلْنا.
3189 -
مسألة: (فإن كانت صَغِيرَةً أَو مَجْنُونَةً، فلها الخِيارُ إِذا بَلَغَتْ وعَقَلَتْ)
ولا خِيارَ لهما في الحالِ؛ لأنَّه لا عَقْلٌ لهما، ولا قولٌ1234
..................................
مُعْتَبَرٌ، ولا يَمْلِكُ وَلِيُّهما الاخْتِيارَ عنهما؛ لأنَّ 1 هذا طريقُه الشَّهوةُ، فلا يَدْخُلُ تحتَ الولايةِ، كالاقْتِصاصِ.
فإذا بَلَغَتِ الصَّغِيرَةُ وعَقَلَتِ المجنونَةُ، فلهما الخيارُ حينئذٍ؛ لكَوْنِهما صارا على صِفَةٍ لكلٍّ منْهما حُكْمٌ.
وهكذا الحُكْمُ لو كان بزَوْجِهما 2 عَيبٌ يُوجِبُ الفَسْخَ.
فإن كان زَوْجاهُما قد وَطِئاهما، فظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّه لا خِيارَ لهما؛ لأنَّ مُدَّةَ الخِيارِ انْقَضَتْ.
وعلى قولِ القاضي وأصحابِه، لهما الخِيارُ؛ لأنَّه لا رَأْيَ لهما، فلا يكونُ تَمْكِينُهُما مِن الوَطْءِ دَليلًا على الرِّضَا، بخِلافِ الكَبيرةِ العَاقِلَةِ.
ولا يُمْنَعُ زَوْجَاهُما مِن وَطْئِهما.
واللهُ أعلمُ.
فَإِنْ طُلِّقَت قَبْلَ اخْتِيَارِهَا، وَقَعَ الطَّلَاقُ.
3190 - مسألة: (فإن طُلِّقَتْ قبلَ اخْتِيارِها، وَقَعِ الطَّلاقُ)
وبَطَل خِيارُها؛ لأنَّه طلاقٌ مِن زَوْجٍ جائزِ التَّصَرُّفِ في نِكاحٍ صحيحٍ، فنَفَذَ 1، كما لو لم يَعْتِقْ.
وقال القاضي: طَلاقُه موقوفٌ، فإنِ اخْتارَتِ 2 الفَسْخَ لم يَقَعْ؛ لأنَّه يَتَضَمَّنُ إبْطال حَقِّها مِن الخِيارِ، وإن لم تَخْتَرْ وَقَع.
وللشافعيِّ قَوْلان كهَذين الوَجْهَين.
وبَنَوْا عَدَمَ الوُقُوعِ على أنَّ الفَسْخَ اسْتَنَدَ إلى حالةِ العِتْقِ، فيكونُ الطَّلاقُ واقِعًا في نِكاحٍ مَفْسُوخٍ، وكذلك إن طَلَّقَ الصَّغِيرَةَ أو المجنونَةَ بعدَ العِتْقِ.
ولنا، أنَّه طلاقٌ مِن زَوْجٍ مُكَلَّفٍ مُخْتارٍ، في نِكاحٍ صحيحٍ، فوَقَعَ، كما لو طَلَّقَها قبلَ عِتْقِها، أو كما لو لم تَخْتَرْ 3، والفَسْخُ إنَّما يوجِبُ الفُرْقَةَ مِن حِينِه 4؛ لأنَّه سَبَبُها، ولا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الفُرْقَةِ عليه، إذِ الحُكْمُ لا يَتَقَدَّمُ سَبَبَه، ولأنَّ العِدَّةَ تُبْتَدَأُ مِن حينِ الفَسْخِ لا مِن حِينِ العِتْقِ، وما سَبَقَه مِن الوَطْءِ وَطْءٌ في نِكاحٍ صحيحٍ يَثْبُتُ به الإِحْصانُ والإِحْلالُ للزَّوْجِ الأوَّل، ولو كان الفَسْخُ سابِقًا عليه 5 لانْعَكَسَتِ الحالُ.
وقولُ القاضي: إنَّه يُبْطِلُ
وَإنْ عَتَقَتِ الْمُعْتَدَّةُ الرَّجْعِيَّةُ، فَلَهَا الْخِيَارُ،
حَقَّها مِن الفَسْخِ.
غيرُ صحيحٍ؛ فإنَّ الطَّلاقَ يَحْصُلُ به مَقْصُودُ الفَسْخِ، مع وُجُوبِ نِصْفِ المَهْرِ، وتَقْصِيرِ العِدَّةِ عليها، فإنَّ ابْتِدَاءَها مِن حينِ طَلاقِه، لامِن حينِ فَسْخِه، ثم لوكان مُبْطلاً لحقِّها، لم يَقَعْ وإن لم تَخْتَرِ الفَسْخَ، كما لا يَصِحُّ تَصَرُّفُ المُشْتَرِي في المَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ، سَواءٌ فَسَخ البائِعُ أو لم يَفْسَخْ.
وهذا فيما إذا كان الطَّلاقُ بائِنًا، فإن كان رَجْعِيًّا، لم يَسْقُطْ خِيارُها، على ما نَذْكُرُ فيما بعدُ.
فعلى قولِهم، إذا طُلِّقَتْ قبلَ الدُّخُولِ، ثم اخْتَارَتِ الفَسْخَ، سَقَط مَهْرُها؛ لأنَّها بانتْ بالفَسْخِ، وإن لم يَفْسَخْ، فلها نِصْفُ الصَّداقِ؛ لأنَّها بانَت بالطَّلاقِ.
3191 -
مسألة: (وإن عَتَقَتِ)
الأمَةُ (الرَّجْعِيَّةُ، فلها الخِيارُ) لأنَّ نِكاحَها باقٍ يُمْكِنُ فَسْخُه، ولها في الفَسْخِ فائدةٌ، فإنَّها لا تَأْمَنُ رَجْعَتَه إذا لم تَفْسَخْ.
فإن قِيلَ: فَيفْسَخُ حينئذٍ؟ قُلْنا: إذًا تَحْتاج إلى عِدَّةٍ أُخْرَى.
فَإِنْ رَضِيَتْ بِالْمُقَامِ، فَهَلْ يَبْطُلُ خِيَارُهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
[وإذا فَسَخَتْ في العِدَّةِ، بَنَتْ على ما مَضَى مِن عِدَّتِها، ولم تَحْتَجْ إلى عِدَّةٍ أُخْرَى] (1)؛ لأنَّها مُعْتَدَّة مِن الطَّلاقِ، والفَسْخُ لا يُنَافِيها [ولا يَقْطَعُها] (2)، فهو كما لو طَلَّقَها طَلْقَةً أُخْرَى، وتَبْنِي على عِدَّةِ حُرَّةٍ؛ لأنَّها عَتَقَتْ في عِدَّتِها وهي رَجْعِيَّةٌ.
3192 -
مسألة: (فإنِ اخْتارَتِ المُقَامَ، فَهل يَبْطُلُ خِيارُها؟ على وَجْهَين)
أحدُهما، لا يَبْطُلُ.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّها جارِيَةٌ إلى بَينُونَةٍ.
والثاني، يَبْطُلُ خِيارُها؛ لأنَّها حالةٌ 3 يَصِحُّ فيها اخْتِيارُ الفَسْخِ، فصَحَّ اختيارُ المُقامِ، كصُلْب النِّكاحِ.
وهو اخْتِيارُ شيخِنا 4. وإن لم تَخْتَرْ شيئًا، لم يَسْقُطْ 5 خِيارُها؛ لأنَّه على التَّراخِي، ولأنَّ سُكُوتَها لا يَدُلُّ على رِضاها؛ لأنَّه 6 يَحْتَمِلُ أنَّه كان لجَرَيانِها إلى (6) بَينُونَةٍ، اكْتِفاءً منها بذلك، فإنِ ارْتَجَعَها، فلها الفَسْخُ حينئذٍ، فإن فَسَخَتْ ثم عاد فتَزَوَّجَها،12
وَمَتَى اخْتَارَتِ الْمُعْتَقَةُ الْفُرْقَةَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَالْمَهْرُ لِلسَّيِّدِ،
بَقِيَتْ معه بطَلْقَةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ طلاقَ العبدِ اثْنَتَانِ.
وإن تَزَوَّجَها بعدَ أن عَتَق، رَجَعَتْ معه على طَلْقَتَين؛ لأنَّه صار حرًّا، فمَلَكَ ثَلاثَ طَلقاتٍ، كسائرِ الأحْرارِ.
3193 -
مسألة: (وَمَتى اخْتارَتِ، المُعْتَقَةُ)
الفَسْخَ (بعدَ الدُّخُولِ، فالمَهْرُ للسَّيِّدِ) وجملةُ ذلك، أنَّ المُعْتَقَةَ متى اختارتِ المُقامَ مع زَوْجِها قبلَ الدُّخُول أو بعدَه، فالمَهْرُ للسَّيِّد، وكذلك إنِ اخْتارتِ الفَسْخَ بعدَ الدُّخُولِ؛ لأَنَّه وَجَب بالعَقْدِ، فإذا اخْتارَت المُقامَ، لم يُوجَدْ له مُسْقِطٌ، وإن فَسَخَتْ بعدَ الدُّخولِ، فقد اسْتَقَرَّ المَهْرُ بالدُّخولِ، فلم يَسْقُطْ بشيءٍ، وهو للسَّيِّدِ في الحالين؛ لأنَّه وَجَب بالعَقْدِ في مِلْكِه.
والواجِبُ المُسَمَّى في الحالين، سَواءٌ كان الدُّخُولُ قبلَ العِتْقِ أو بعدَه.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: إن كان الدُّخُولُ قبلَ العِتْقِ، فكذلك، وإن كان بعدَه فالواجِبُ مَهْرُ المِثْلِ؛ [لأنَّ الفَسْخَ اسْتَنَدَ إلى حالةِ العِتْقِ، فصار الوَطْءُ في نِكاحٍ فاسِدٍ] 1. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ صحيحٌ، فيه مُسَمًّى صحيحٌ،
وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ، فَلَا مَهْرَ.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ: لِسَيِّدِهَا نِصْفُ الْمَهْرِ.
اتَّصَلَ به الدُّخُولُ قبلَ الفَسْخِ، فأوْجَبَ المُسَمَّى، كما لو لم يُفْسَخْ، ولأنَّه لو وَجَب بالوَطْءِ بعدَ الفَسْخِ، لكان المَهْرُ لها؛ لأنَّها حُرَّةٌ حينئذٍ.
قولُهم: إنَّ الوَطْءَ في نِكاحٍ فاسدٍ.
غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّه كان صحيحًا، ولم يُوجَدْ ما يُفْسِدُه، ويَثْبُتُ فيه أحْكامُ الوَطْءِ في النِّكاحِ الصحيحِ، مِن الإِحلالِ للزَّوْجِ الأوَّلِ، وكَوْنِه حَلالًا.
3194 -
مسألة: وإنِ اخْتارَتِ الفَسْخَ قبلَ الدُّخُولِ، فلا مَهْرَ لها.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ.
وعن أحمدَ، أنَّ للسَّيِّدِ نِصْفَ المَهْرِ.
اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّه وَجَب للسَّيِّدِ، فلا يَسْقُطُ بفِعْلِ غيرِه.
ولَنا، أنَّ الفُرْقَةَ جاءَتْ مِن قِبَلِها، فيَسْقُطُ مَهْرُها، كما لو أسْلَمَتْ أو ارْتَدَّتْ، أو أرْضَعَتْ مَن يَفْسَخُ نِكاحَها رَضاعُه
1. وقولُه: وَجَب للسَّيِّدِ.
قُلْنا: لكنْ بواسِطَتِها، ولهذا سَقَط نِصْفُه بفَسْخِها، وجَمِيعُهُ بإسْلامِها ورِدَّتِها.
فصل: ولو كانت مُفَوّضَةً ففُرِضَ لها (1) مَهْرُ المِثْلِ، فهو للسَّيِّدِ
وَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَينِ وَهُوَ مُعْسِرٌ، فلَا خِيَارَ لَهَا.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ: لَهَا الْخِيَارُ.
أيضًا؛ لأنَّه وَجَب بالعقدِ في مِلْكِه لا بالفَرْضِ، ولذلك لو ماتَ أحدُهما، وَجَب، والموتُ لا يُوجِبُ، فدَلَّ على أنَّه وَجَب بالعقدِ.
وإن كان الفَسْخُ قبلَ الدُّخُولِ والفَرْضِ، فلا شيءَ، إلَّا على الرِّوايةِ الأُخْرَى، يَنْبَغِي أن تَجِبَ المُتْعَةُ؛ لأنَّها تَجِبُ بالفُرْقَةِ قبلَ الدُّخُولِ في مَوْضِعٍ لو كان مُسَمًّى وَجَب نِصْفُه.
3195 -
مسألة: (وإن أعْتَقَ أحدُ الشَّرِيكَينِ وهو مُعْسِرٌ، فلا خِيارَ لها. وقال أبو بكرٍ: لها الخِيارُ)
لأنَّ عِتْقَ المُعْسِرِ لا يَسْرِي، بل يَعْتِقُ منها ما أعْتَقَ، وباقِيها رقِيقٌ، فلا تَكْمُلُ حُرِّيَّتُها، فلا يَثْبُتُ لها الخيارُ حينَئذٍ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وعن أحمدَ أنَّ لها الخِيارَ.
حَكاها أبو بكرٍ،
..................................
واختارَها؛ لأنَّها أكمَلُ منه، فإنَّها تَرِثُ وتُورَثُ، وتَحْجُبُ بقَدْرِ ما فيها مِن الحُرِّيَّةِ.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، أنَّه لا نصَّ في المُعْتَقِ بعضُها، ولا هي في معنى الحُرَّةِ الكاملةِ؛ لأنَّ الحُرَّةَ كاملةُ الأحْكامِ، ولأنَّ العقدَ صحيحٌ، فلا يُفْسَخُ بالمُخْتَلَفِ فيه، وهذه مُخْتَلَفٌ فيها، وعَلَّلَ 1 أحمدُ، رَضِيَ اللهُ عنه، إذا عَتَقَتْ وروْجُها حرٌّ بهذِه العِلَّةِ.
فأمَّا إن كان المُعْتِقُ مُوسِرًا، سَرَى إلى بَاقِيها، فعَتَقَتْ كلُّها، وثَبَت لها الخِيارُ.
فصل: ولو زَوَّجَ أمَةً قِيمَتُها عَشَرَةٌ بصَداقٍ عشرينَ، ثم أعْتَقَها في مَرَضِه بعدَ الدُّخولِ بها، ثم ماتَ، ولا يَمْلِكُ غيرَها وغيرَ مَهْرِها بعدَ
..................................
اسْتِيفائِه، عَتَقَتْ؛ لأنَّها تَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ، وإن لم [يَكُنْ قَبَضَه] 1، عَتَق في الحالِ ثُلُثُها.
وفي الخِيارِ لها وَجْهان.
فكلَّما اقْتَضَى مِن مَهْرِها شيئًا، عَتَق منها بقَدْرِ ثُلُثِه، فإذا اسْتُوفِيَ كلُّه، عَتَقَتْ كلُّها، ولها الخِيارُ حينئذٍ عندَ مَن لم يُثْبِتْ لها الخيارَ قبلَ ذلك.
فإن كان زَوْجُها وَطِئَها قبلَ اسْتِيفاءِ مَهْرِها، بَطَل خِيارُها عندَ مَن جَعَل لها الخِيارَ حينئذٍ؛ لأنَّها أسْقَطَتْه بتَمْكِينِه مِن وَطْئِها.
وعلى قولِ الخِرَقِيِّ، لا يَبْطُلُ؛ لأنَّها مَكَّنَتْه منه قبلَ ثُبوتِ الخيارِ لها، فأشْبَهَ ما لو مَكَّنَتْ منه قبلَ عِتْقِها.
فأمَّا إن عَتَقَتْ قبلَ الدُّخولِ بها، فلا خِيارَ لها على قولِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّ فَسْخَها للنِّكاحِ يَسْقُطُ به صَداقُها، فيَعْجِزُ الثُّلُثُ عن كَمالِ قِيمَتِها، فيَرِقُّ ثُلُثَاها، ويَسْقُطُ خِيارُها، فيُفْضِي إثْباتُ الخِيارِ لها إلى إسقاطِه، فيَسْقُطُ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وعندَ أبي بكرٍ، لها الخيارُ.
فعلى قولِ مَن أوْجَبَ لسَيِّدِها نِصْفَ المَهْرِ، يَعْتِقُ ثُلُثَاها إذا اسْتُوفِيَ، وعلى قولِ مَن أسْقَطَ، يَعْتِقُ ثُلُثُها.
..................................
فصل: وإن عَتَقَ زَوْجُ الأمَةِ، لم يَثْبُتْ لها خِيارٌ؛ لأنَّ عَدَمَ الكَمالِ في الزَّوْجَةِ 1 لا يُؤثِّرُ في النِّكاحِ، ولذلك لا تُعْتَبَرُ الكَفاءةُ إلَّا في الرجلِ دونَ المرأةِ، فلو تزَوَّجَ امرأةً مُطْلَقًا فبانَتْ أمَةً، لم يَكُنْ له الخِيارُ، ولو تَزَوَّجَتِ المرأةُ رجلًا مُطْلَقًا فبانَ عبدًا، فلها الخِيارُ، فكذلك في الاسْتِدامَةِ، لكنْ إن عَتَقَ ووَجَدَ [الطولَ لحرَّةٍ] 2، فهل يَبْطُلُ نِكاحُه؟ على وَجْهَين، مَضَى ذِكْرُهما.
فصل: إذا عَتَقَتِ الأمَةُ فقالت لزَوْجِها: زِدْني في مَهْرِي.
ففَعَلَ، فالزيادةُ لها دونَ سَيِّدِها، سَواءٌ كان زَوْجُها حُرًّا أو عبدًا، وسَواءٌ عَتَقَ معها أو لم يَعْتِقْ.
نَصَّ عليه أحمدُ، فيما إذا زَوَّجَ عبدَه مِن 3 أمَتِه ثم أُعْتِقا 4 جَمِيعًا، فقالتِ الأمَةُ: زِدْني في مَهْرِى.
فالزيادةُ للأمَةِ لا للسَّيِّدِ.
فقيلَ: أرَأْيتَ إن كان الزَّوْجُ لغيرِ السَّيِّدِ، لمَن تكونُ الزِّيادَةُ؟ قال: للأمَةِ.
وعلى قِياسِ هذا، لو زَوَّجَها سَيِّدُها، ثم باعَها، فزادَها زَوْجُها في مَهْرِها، فالزِّيادَةُ للثاني.
وقال القاضي: الزيادةُ للسَّيِّدِ 5 المُعْتِقِ في المَوْضِعَين،
وَإِنْ عَتَقَ الزَّوْجَانِ مَعًا، فَلَا خِيَارَ لَهَا.
وَعَنْهُ، يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُمَا.
على قِياسِ المذهبِ؛ لأنَّ مِن أصْلِنا أنَّ الزيادةَ في الصَّداقِ تَلْحَقُ بالعقدِ الأوَّلِ، فتكونُ كالمَذْكُورِ فيه.
قال شيخُنا (1): والذي قُلْناه أصَحُّ؛ لأنَّ المِلْكَ في الزِّيادَةِ [إنَّما يَثْبُتُ] (2) حال وُجودِها بعدَ زَوال مِلْكِ سَيِّدِها عنها، فيكونُ لها، كَكَسْبِها (3) والمَوْهُوبِ لها.
وقولُنا: إنَّ الزيادةَ تَلْحَقُ بالعقد.
معناه أنها تَلْزَمُ ويَثْبُتُ المِلْكُ فيها (4)، ويَصِيرُ الجميعُ صَداقًا، وليس معناه أنَّا تَبَيَّنَّا أنَّ المِلْكَ كان ثابِتًا فيها وكان لسَّيِّدِها، فإنَّ هذا مُحالٌ؛ لأنَّ سَبَبَ مِلْكِ هذه الزيادةِ وُجِدَ بعدَ العِتْقِ، فلا يَجُوزُ أن يَتَقَدَّمَ المِلْكُ عليه؛ لأنَّه يُؤَدِّي إلى تَقَدُّمِ الحُكْمِ قبلَ سَبَبِه، ولو كان المِلْكُ ثابتًا للمُعْتِقِ فيه حينَ التَّزْويجِ للَزِمَتْه زَكاتُه، وكان له نَماؤُه.
وهذا أظْهَرُ مِن أن نُطِيلَ فيه.
3196 -
مسألة: (وإن عَتَقَ الزَّوْجان معًا، فلا خِيارَ لها. وعنه يَنْفَسِخُ نِكاحُهما)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في ذلك،1234
..................................
فالمشهورُ عنه أنَّه لا خِيارَ لها، والنكاحُ بحالِه، سَواءٌ أَعْتَقَهما واحدٌ أو اثنان.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وعنه، لها الخيارُ؛ لأنَّها كَمَلَتْ بالحُرِّيَّةِ تحتَ مَن لم يَسْبِقْ له حُرِّيَّةٌ، فمَلَكَتِ الفَسْخَ، كما لو عَتَقَتْ قبلَه.
والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ حُرِّيَّةَ العبدِ لو طَرَأتْ بعدَ عِتقِها [لمَنَعَتِ الفَسْخَ] 1، فإذا قارنتْ 2 كان أوْلَى أن تمْنَعَ، كإسلامِ الزَّوْجَين.
وجمنه رِوايةٌ ثالثةٌ، إن أُعْتِقا 3، انْفَسَخَ نِكاحُهُما؛ لأنَّ العِتْقَ معنى يُزِيلُ المِلْكَ عنهما لا إلى مالكٍ، فجازَ أن تَقَعَ به الفُرْقَةُ، كالموتِ، ولأنَّهْ لا يَمْتَنِعُ أن لا تَحْصُلَ الفرقةُ بوُجودِه مِن أحدِهما، و 4 تَحْصُلَ بوجودِه منهما، كاللِّعانِ والإِقالةِ في البَيعِ.
وقال شيخُنا 5: معناه -واللهُ أعلمُ- أنَّه إذا وَهَب لعبدِه سُرِّيَّة، وأذِنَ له في التَّسَرِّي بها، ثم أعْتَقَهما جميعًا، صارَا حُرَّين، وخَرَجَتْ عن [مِلْكِ العبدِ] 6، فلم يَكُنْ له إصابَتُها إلَّا بنِكاحٍ جديدٍ، هكذا روَى
..................................
جَماعَةٌ مِن أصحابِه، في مَن وَهَبَ عبدَه سُرِّيَّةً، أو اشْتَرَى له سُرِّيَّةً، ثم أعْتَقها، لا يَقْرَبُها إلَّا بِنِكاحٍ جديدٍ.
واحْتَجَّ أحمدُ بما روَى 1 نافِعٌ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ [عبدًا له] 2 كان له سُرِّيَّتان، فأعْتَقَهما وأعْتَقَه، فنَهاهُ أن يَقْرَبَهما إلَّا بنِكاحٍ جديدٍ 3. ولأنَّها بإعْتاقِها خَرَجَتْ عن أن تكونَ مَمْلُوكَةً، فلم يُبَحْ له التَّسَرِّي بها، كالحُرَّةِ الأصْلِيَّةِ.
وأمَّا إذا كانتِ امرأتَه 4، فعَتَقَا، لم يَنْفَسِخْ نِكاحُه بذلك؛ لأنَّه إذا لم يَنْفَسِخْ [بإعْتاقِها وحدَها، فلَأن لا يَنْفسِخَ بإعْتاقِهِما معًا أوْلَى.
ويَحْتَمِلُ أنَّ أحمدَ إنَّما أرادَ بقولِه: انْفَسَخَ] 5 نِكاحُهما.
أنَّ لها فَسْخَ النِّكاحِ.
ويُخَرَّجُ هذا على الرِّوايةِ التي تقولُ بأنَّ 6 لها الفَسْخَ إذا كان زَوْجُها حُرًّا فعَتَقَتْ تحتَه 7.
..................................
فصل: ويُسْتَحَبُّ لمَن له عبدٌ وأمَةٌ مُتَزَوِّجان، فأرادَ عِتْقَهُما، البدايةُ بالرجلِ؛ لِئلَّا يَثْبُتَ للمرأةِ خِيارٌ عليه، فيُفْسَخَ نِكاحُه.
وقد روَى أبو داودَ 1، والأثْرَمُ، بإسنادِهما عن عائشةَ، أَنه كان لها غُلامٌ وجاريةٌ،
..................................
فتَزَوَّجا 1، فقالت للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إنِّي أُرِيدُ أن أُعْتِقَهما.
فقال لها: «ابْدَئِي بِالرَّجُلِ قَبْلَ الْمَرأَةِ».
وعن صَفِيَّةَ بنتِ أبي عُبْيَدٍ أنَّها فَعَلَتْ ذلك، وقالت للرجلِ: إنِّي بَدَأْتُ بعِتْقِك؛ لِئلَّا يكونَ لها عليك خِيارٌ 2. واللهُ أعلمُ.
بَابُ حُكْمِ الْعُيُوبِ فِي النِّكَاحِ
الْعُيُوبُ الْمُثْبِتَةُ لِلْفَسْخِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا، مَا يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ، وَهُوَ شَيئَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَجْبُوبًا قَدْ قُطِعَ ذَكَرهُ، أَو لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إلا مَا لَا يُمْكِنُ الْجِمَاعُ بِهِ،
بَابُ حُكْمِ العُيُوبِ فِي النِّكاحِ
(العُيوبُ المُثْبِتَةُ للفَسْخِ ثلاثةُ أقْسامٍ أحدُها، ما يَخْتَصُّ بالرجالِ، وهو شيئان؛ أحدُهما، أن يكونَ الرجلُ مَجْبُوبًا قد قُطِعَ ذَكَرُه ولم يَبْقَ منه إلَّا ما لا يُمْكِنُ الجِماعُ به) الكلامُ في العيوبِ المُثْبِتَةِ لفَسْخِ النِّكاحِ للمرأةِ والرجلِ، إذا اخْتارَ ذلك، في أربعةِ فصولٍ؛ أحدُها، أنَّ خِيارَ الفَسْخِ يَثْبُت لكلِّ واحدٍ مِن الزَّوْجَين للعَيبِ يَجِدُه في الآخَرِ في الجملةِ.
رُوِيَ ذلك عن عمرَ بنِ الخطَّابِ، وابنِه، وابنِ عباس، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وبه قال جابرُ بنُ زيدٍ، والشافعيُّ، وإسحاقُ.
ورُوِيَ عن عليٍّ: لا تُرَدُّ الحُرَّةُ بعَيبٍ.
وبه قال [النَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وعن ابن مسعودٍ، لا يُفْسَخُ النِّكاحُ بعَيبٍ.
وبه قال] 1 أبو حنيفةَ، وأصحابُه، إلَّا أن يكونَ الرجلُ مَجْبُوبًا أو عِنِّينًا، فإنَّ للمرأةِ الخِيارَ، فإنِ اخْتارتِ
..................................
الفِرَاقَ، فَرَّقَ الحاكمُ بينَهما بطَلْقَةٍ، ولا يكونُ فَسْخًا؛ لأنَّ وُجُودَ العَيب لا يَقْتَضِي فَسْخَ النِّكاحِ، كالعَمَى والزَّمانةِ وسائرِ العُيُوبِ.
ولَنا، أنَّ المُخْتَلَفَ فيه يَمْنَعُ الوَطْءَ، فأثْبَتَ الخِيارَ، كالجَبِّ والعُنَّةِ، ولأنَّ المرأةَ أحدُ العِوَضَين في النِّكاحِ، فجاز رَدُّها بعَيبٍ، كالصَّداقِ، أو أحدُ العِوَضَين في عَقْدِ النكاحِ، فجاز رَدُّه بالعَيبِ، أو أحَدُ الزَّوْجَين، فيَثْبُتُ له الخِيارُ بالعَيبِ في الآخَرِ، كالمرأةِ.
فأمَّا العَمَى والزَّمَانَةُ ونحوُهما، فلا يَمْنَعُ المقصودَ بعقدِ النِّكاحِ، وهو الوَطْءُ، بخِلافِ العُيُوبِ المُخْتَلَفِ فيها.
فإن قيلَ: فالجُذامُ والجُنُونُ والبَرَصُ لا يَمْنَعُ الوَطْءَ.
قُلْنا: بل يَمْنَعُه؛ فإنَّ ذلك يُوجِبُ نفْرَةً تَمْنَعُ مِن قُرْبانِه بالكُلِّيَّةِ، ويُخافُ منه التَّعَدِّي إلى نَفْسِه ونَسْلِه، والمَجْنُونُ 1 يُخافُ منه الجِنايةُ، فصارَ كالمانِعِ الحِسِّيِّ.
الثاني، [في عَدَدِ] 2 العيوبِ المُجَوِّزَةِ للفَسْخِ، وهي ثمانيةٌ؛ اثْنان يَخْتَصَّان الرجلَ؛ وهما الجَبُّ، والعُنَّةُ.
وثَلاثةٌ تَخْتَصُّ المرأةَ؛ وهي الفَتْقُ، والقَرْنُ، والعَفَلُ.
وثلاثةٌ يَشْتركُ فيها الزَّوْجان؛ وهي الجُذَامُ والجُنُونُ والبَرَصُ.
وهكذا ذَكَرَها الخِرَقِيُّ.
وقال القاضي: هي سَبْعةٌ.
جَعَل القَرْنَ والعَفَلَ شيئًا واحدًا، وهو الرَّتْقُ أيضًا 3، وذلك لَحْمٌ يَنْبُتُ في الفَرْجِ، وحَكَى ذلك عن (3) أهلِ الأدَبِ.
وحُكِيَ نحوُه
..................................
عن أبي بكرٍ، وذَكَرَه أصحابُ الشافعيِّ.
وقال الشافعيُّ: القَرنُ عَظْمٌ في الفَرْجِ يَمْنَعُ الوَطْءَ.
وقال 1 غيرُه: لا يكونُ في الفَرْجِ عَظْمٌ، إنَّما هو لَحْمٌ يَنْبُتُ فيه.
وحُكِيَ عن أبي حفْصٍ؛ أنَّ العَفَلَ كالرّغْوَةِ 2 في الفَرْجِ، يَمْنَعُ لَذَّةَ الوَطْءِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: الرَّتْقُ أن يكونَ الفَرْجُ مَسْدُودًا.
يعني مُلْتَصِقًا لا يَدْخُلُ الذَّكَرُ فيه.
والقَرِنُ والعَفَلُ لَحْمٌ يَنْبُتُ في الفَرْجِ فيَسُدُّه، فهما في مَعْنَى الرَّتْقِ، إلَّا أنَّهما نوْعٌ آخَرُ.
وأمَّا الفَتْقُ فهو انْخِراقُ ما بينَ السَّبِيلَين.
وقيل: انخِرَاقُ ما بينَ مَخْرَجِ البَوْلِ والمَنِيِّ.
وذَكَرَها أصحابُ الشافعيِّ سَبْعَةً، أسْقَطُوا منها الفَتْقَ، ومنهم مَن جَعَلَها سِتَّةً، وجَعَل القَرْنَ والعَفَلَ شيئًا واحدًا.
وإنَّما اخْتصَّ الفَسْخُ بهذه العُيُوبِ؛ لأنَّها تَمْنَعُ الاسْتِمْتاعَ المَقْصُودَ بالنِّكاحِ، فإنَّ الجُذامَ والبَرَصَ يُثِيران نَفْرَةً في النَّفْسِ تَمْنَعُ قُرْبانَه، ويُخْشَى تعَدِّيه إلى النَّفْسِ والنَّسْلِ، فيَمْنَعُ الاسْتِمْتاعَ، والجُنُونُ يُثِيرُ نَفْرَةً ويُخْشَى ضَرَرُه، والجَبُّ والرَّتْقُ يَتَعَذَّرُ معهما 3 الوَطْءُ، والفَتْقُ يَمْنَعُ لَذَّةَ الوَطْءِ وفائِدَتَه، وكذلك العَفَلُ، على قولِ مَن فَسَّرَه بالرّغوَةِ.
فصل: فإنِ اخْتَلَفَا في وُجُودِ العَيبِ، كمَن بجَسَدِه بَياضٌ يُمْكِنُ أن يكونَ بَهَقًا أو مرارًا 4، واخْتَلَفَا في كونِه بَرَصًا، أو كانت به علاماتُ
فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي إِمْكَانِ الْجِمَاعِ بِالْبَاقِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ.
الجُذامِ، مِن ذَهابِ شَعَرِ الحاجِبَين، فاخْتَلَفَا في كونِه جُذامًا، فإن كانت للمُدَّعِي بَيِّنَةٌ مِن أهلِ الخِبْرَةِ والثِّقَةِ، يَشْهَدان بما قال، ثَبَت قولُه، وإلَّا حَلَف المُنْكِرُ، والقولُ قولُه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ» (1). وإنِ اخْتَلَفَا في عُيُوبِ النِّساءِ، أُرِيَتِ النِّساءَ الثِّقَاتِ، ويُقْبَلُ فيه قولُ امرأةٍ واحدةٍ، فإن شَهِدَتْ بما قال الزَّوْجُ، وإلَّا فالقولُ قولُ المرأةِ.
وأمَّا الجُنُونُ، فإنَّه يُثْبِتُ الخِيارَ، سَواءٌ كان مُطْبِقًا (2) أو كان يُجَنُّ في الأحْيانِ؛ لأنَّ النَّفْسَ لا تَسْكُنُ إلى مَن هذه حالُه، إلَّا أن يكونَ مريضًا يُغْمَى عليه ثم يَزُولُ، فذلك مَرَضٌ لا يَثْبُت به خِيارٌ.
فإن زَال المَرَضُ ودام به الإِغْماءُ، فهو كالجُنُونِ، يَثْبُتُ به الخِيارُ.
3197 -
مسألة: (فإنِ اخْتَلَفَا في إمْكانِ الجِماعِ)
بما بَقِيَ مِن ذَكَرِه، (فالقَوْلُ قَوْلُ المرأةِ) لأنَّه يَضْعُفُ بالقَطْعِ، والأصْلُ عَدَمُ الوَطْءِ (ويَحْتِملُ أنَّ القولَ قولُه) كما لو ادَّعَى الوَطْءَ في العُنَّةِ، ولأنَّ له ما يُمْكِنُ الجماعُ بمِثْلِه، فأشْبَهَ مَن له ذَكَرٌ قَصِيرٌ.12
الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ عِنِّينًا لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ،
(الثاني، أن يكونَ عِنِّينًا) العِنِّينُ؛ هو العاجزُ عن إيلاجِ ذَكَرِه.
وهو مَأْخُوذٌ مِن: عَنَّ.
أي اعْتَرِضَ؛ لأنَّ ذَكَرَه يَعِنُّ إذا أرَادَ إيلاجَه، أي يَعْتَرِضُ.
وقيلَ: لأنَّه يَعِنُّ لقُبُلِ المرأةِ، مِن 1 عن يَمِينِه وشِمالِه، فلا يَقْصِدُه.
فإذا كان الرجلُ كذلك فهو عَيبٌ به، وتَسْتَحِقُّ به المرأةُ فَسْخَ النِّكاحِ، بعدَ أن تُضْرَبَ له مُدَّةٌ يُخْتَبَرُ فيها، ويُعْلَمُ حالُه بها.
وهذا قولُ عمرَ، وعثمانَ، وابنِ مسعودٍ، والمُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعطاءٌ، وعمرُو بنُ دينارٍ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، وحَمَّادُ بنُ أبي سليمانَ.
وعليه فَتْوَى فُقَهاءِ الأمْصارِ؛ منهم مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ.
وشَذَّ الحَكَمُ [بنُ عُتَيبَةَ] 2، وداودُ، فقالا: لا يُؤَجَّلُ، وهي امرأتُه.
..................................
ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه؛ لأنَّ امرأةً أتَتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ رِفاعَةَ طَلَّقَنِي، فبَتَّ طَلاقِي، فتَزَوَّجْتُ بعبدِ الرحمنِ بنِ الزَّبِيرِ، وإنَّما له مثلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ.
فقال: «تُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعي إلى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيلَتَهُ 1، ويَذُوقَ عُسَيلَتَكِ» 2. ولم يَضْرِبْ له مُدَّةً.
ولَنا، ما رُوِيَ أنَّ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عن، أجَّلَ العِنِّينَ سَنَةً.
وروَى ذلك الدَّارَقُطْنِيُّ 3، عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، والمُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ.
ولا مُخالِفَ لهم.
ورَواه أبو حَفْصٍ عن عليٍّ 4. ولأنَّه عَيبٌ يَمْنَعُ الوَطْءَ، فأثْبَتَ الخِيارَ، كالجَبِّ في الرجلِ، والرَّتْقِ في المرأةِ.
فأمَّا الخَبَرُ، فلا حُجَّةَ لهم فيه؛ فإنَّ المُدَّةَ إنَّما تضْرَبُ 5 له مع اعْتِرافِه، وطَلَبِ المرأةِ ذلك، ولم يُوجَدْ واحدٌ منهما.
وقد رُوِيَ أنَّ الرجلَ أنْكَرَ ذلك، وقال: إنِّي
فَإِنِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ، أُجِّلَ سَنَةً مُنْذُ تُرَافِعُهُ، فَإِنْ وَطِئَ فِيهَا، وَإِلَّا
لأعْرُكُها عَرْكَ الأدِيمِ (1). قال ابنُ عبدِ البرِّ (2): وقد صَحَّ أنَّ ذلك كان بعدَ طَلاقِه، فلا مَعْنَى لضَرْبِ المُدَّةِ.
[وصَحَّحَ ذلك] (3) قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ».
ولو كان قبلَ طَلاقِه لَما كان ذلك إليها.
وقيلَ: إنَّها ذَكَرَتْ ضَعْفَه، وشَبَّهَتْه بهُدْبَةِ الثَّوْبِ مبالغةً، ولذلك قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «حَتَّى تَذُوقي عُسَيلَتَه».
والعاجِزُ عن الوَطْءِ لا يَحْصُلُ منه ذلك.
3198 -
مسألة: فإنِ ادَّعَتْ ذلك، أُجِّلَ سنةً مُنْذُ تُرافِعُه.
وجملةُ ذلك، أنَّ المرأةَ إذا ادَّعَتْ عَجْزَ زَوْجِها عن وَطْئِها لعُنَّةٍ، سُئِلَ عن ذلك، فإن أنْكَرَ وهي عَذْراءُ، فالقولُ قولُها، وإن كانت ثَيِّبًا، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، في ظاهرِ المذهبِ؛ لأنَّ الأصْلَ السَّلامَةُ، ولأنَّ هذا أمْرٌ لا يُعْرَفُ إلَّا مِن جِهَتِه.
وقال القاضي: هل يُسْتَحْلَفُ؟ على وَجْهَين، بِناءً على دَعْوَى الطَّلاقِ.
3199 -
مسألة: (فإنِ اعْتَرَفَ بذلك)،
أو قامت بَيِّنَةٌ على إقْرارِه به، فأنْكَرَ، فطَلَبَتْ يَمِينَه فنَكَلَ، ثَبَت عَجْزُهُ (ويُؤَجَّلُ سَنَةً) في قولِ123
فَلَهَا الْفَسْخُ،
عامَّةِ أهلِ العلمِ.
[وعن الحارثِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي رَبِيعَةَ] 1، أنَّه أجَّلَ رجلًا عَشَرَةَ أشْهُرٍ.
ولَنا، قولُ مَن سَمَّينا مِن الصحابَةِ، ولأنَّ هذا العَجْزَ قد يكونُ لعُنَّةٍ، وقد يكونُ لمَرَضٍ، فضُرِبَ له سَنَةٌ، لتَمُرَّ به الفصولُ الأرْبَعَةُ، فإن كان مِن يُبْسٍ زَال في فصلِ الرُّطُوبَةِ، وإن كان مِن رُطوبَةٍ زَال في فصلِ اليُبْسِ، وإن كان مِن بُرودَةٍ 2 زَال في فَصْلِ الحَرارَةِ، وإن كان مِن انْحِرافِ مِزاجٍ زَال في فصلِ الاعْتِدالِ.
فإذا مَضَتِ الفُصولُ الأرْبعةُ، واخْتَلَفَتْ عليه 3 الأهْويَةُ فلم يَزُلْ، عُلِمَ أنَّه خِلْقَةٌ.
وحُكِيَ
..................................
عن أبي عُبَيدٍ أنَّه قال: أهلُ الطِّبِّ يقولون: الدَّاءُ لا يَسْتَجِنُّ في البَدَنِ أكثرَ مِن سَنَةٍ، ثم يَظْهَرُ.
وابْتِداءُ السَّنَةِ منذُ تُرافِعُه.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 1: على هذا جماعةُ القائلين بتأْجِيلِه، قال مَعْمَرٌ، في حديثِ عمرَ: يُؤَجَّلُ سَنَةً مِن يومِ تُرافِعُه 2. فإذا انْقَضَتِ المُدَّةُ، فلم يَطَأْ، فلها الخِيارُ في فَسْخ النِّكاحِ.
فَإِنِ اعْتَرَفَتْ أَنَّهُ وَطِئَهَا مَرَّةً، بَطَلَ كَوْنُهُ عِنِّينًا،
3200 - مسألة: (فإنِ اعْتَرَفَتْ أنَّه وَطِئَها مَرَّةً، بَطَل كَوْنُه عِنِّينًا)
أكثرُ أهلِ العلمِ على هذا، يقولون: متى وَطِئَ امْرَأتَه مرةً، ثم ادَّعَتْ عَجْزَه، لم تُسْمَعْ دَعْوَاها، ولم تُضْرَبْ له مُدَّة.
منهم عَطاءٌ، وطاوُسٌ، والحسنُ، ويَحْيَى الأنْصَارِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وعمرُو بنُ دينارٍ، وقَتادَةُ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال أبو ثَوْرٍ: إذا عَجَز عن وَطْئِها أُجِّلَ لها 1؛ لأنَّه عَجَزِ عن وَطْئِها، فثَبَتَ حَقُّها، كما لو وَجَب بعدَ الوَطْءِ.
ولَنا، أنَّه قد تَحَققَت قُدْرَتُه على الوَطْءِ في هذا النِّكاحِ، وزَوالُ عُنَّتِه، فلم تُضْرَبْ له مُدَّةٌ، كما لو لم يَعْجِزْ 2، ولأنَّ حُقُوقَ الزَّوْجِيَّةِ، مِن اسْتَقْرارِ المَهْرِ والعِدَّةِ، تَثْبُتُ بوَطْءٍ واحدٍ، وقد وُجِدَ.
[وأمّا الجَبُّ] 3، فإنَّه يَتَحَقَّقُ به العَجْزُ 4، فافْتَرَقَا.
فصل: وإن عَلِمَتْ أنَّ عَجْزَه عن الوَطْءِ لعارِضٍ؛ مِن صِغَرٍ، أو
..................................
مَرَضٍ مَرْجُوِّ الزَّوال، لم تُضْرَبْ له مُدَّةٌ؛ لأنَّ ذلك عارِضٌ يَزُولُ، والعُنَّةُ لا تَزُولُ؛ لأنَّها، جِبِلَّةٌ وخِلْقَةٌ.
وإن كان لكِبَرٍ، أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه، ضُرِبَتْ له المُدَّةُ؛ لأنَّه في مَعْنَى مَن خُلِقَ كذلك.
وإن كانِ لِجَبٍّ، أو شَلَلٍ، ثَبَت الخِيارُ في الحالِ؛ لأنَّ الوَطْءَ مَأْيُوسٌ منه، فلا مَعْنَى لانتِظَارِه.
وإن كان قد بَقِيَ مِن الذَّكَرِ ما لا 1 يُمْكِنُ الوَطْءُ به، [فالأَوْلَى ضَرْبُ المُدَّةِ له؛ لأنَّه في مَعْنَى العِنِّينِ خِلْقَةً.
وإنِ اخْتُلِفَ في القَدْرِ الباقي هل يُمْكِنُ الوَطْءُ به] 2 أو لا؟ رُجِع إلى أهلِ الخِبْرَةِ في ذلك.
فصل: والوَطْءُ الذي يَخْرُجُ به مِن العُنَّةِ، هو تغْيِيبُ الحَشَفَةِ في الفَرْجِ؛ لأنَّ الأحكامَ المُتَعَلِّقَةَ بالوَطْءِ تَتَعَلَّقُ به، فإن كان الذَّكَرُ مَقْطُوعَ الحَشَفَةِ، كَفاهُ تَغْيِيبُ قَدْرِ الحَشَفَةِ مِن الباقِي، في أحدِ الوَجْهَين، ليكون ما يَجْرِي مِن المَقْطوعِ مثلَ ما يَجْرِي مِن الصحيحِ.
والثاني، لا يَخْرُجُ
وَإِنْ وَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ، أَوْ وَطِئَ غَيرَهَا، لَمْ تَزُلِ الْعُنَّةُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَزُولَ.
مِن العُنَّةِ إلَّا بتَغْيِيبِ جميعِ الباقِي؛ لأنَّه (1) لا حَدَّ ههُنا يُمْكِنُ اعْتِبارُه، فاعْتُبِرَ تَغْيِيبُ جميعِه؛ لأنَّه المَعْنَى الذي يَتَحَقَّقُ به حصولُ حُكْمِ الوَطْءِ.
وللشافعيِّ قَوْلان كهذَين.
3201 -
مسألة: (وإن وَطِئَها في الدُّبُرِ، أو وَطِئَ غَيرَها، لم تَزُلِ العُنَّةُ. ويَحْتَمِلُ أن تَزُولَ)
لأنَّ الدُّبُرَ ليس مَحَلًّا للوَطْءِ، فأشْبَهَ الوَطْءَ فيما دونَ الفَرْجِ، ولذلك لا يَتَعَلَّقُ به الإِحلالُ للزَّوْجِ الأوَّلِ، ولا الإِحْصانُ.
وإن وَطِئَها في القُبُلِ حائضًا، أو نُفَسَاءَ، أو مُحْرِمَةً، أو صَائِمَةً، خَرَج عن العُنَّةِ.
وذَكَر القاضي أنَّ قِياسَ المذهبِ، أن لا يَخْرُجَ عن العُنَّةِ؛ لنَصِّ أحمدَ على أنَّه لا يَحْصُلُ به [الإِحْصانُ و] 2 الإِباحَةُ للزَّوجِ الأوَّلِ، ولأنَّه وَطْءٌ مُحَرَّمٌ، أشْبَهَ الوَطْءَ في الدُّبُرِ.
ولَنا، أنَّه وَطْءٌ في مَحَلِّ1
..................................
الوَطْءِ، [فخَرَجَ به عن العُنَّةِ، كما لو وَطِئَها وهي مريضَةٌ يَضُرُّها الوَطْءُ، ولأنَّ العُنَّةَ العَجْزُ عن الوَطْءِ، فلا يَبْقَى مع وُجودِ الوَطْءِ] 1؛ لأنَّ العَجْزَ ضِدُّ القُدْرَةِ، فلا يَبْقَى مع وجُودِ ضِدِّه.
وما ذَكَرَه غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ تلك الأحْكَامَ يجوزُ أن تَنْتَفِيَ 2 مع وجُودِ سببِها لمانِعٍ، أو فواتِ شَرْطٍ، والعُنَّةُ لنى نَفْسِها أمْرٌ حَقِيقِيٌّ، لأ يُتَصَوَّرُ بقَاؤُه مع انْتِفائِه.
وأمّا الوَطْءُ في الدُّبُرِ، فليس بوَطْءٍ في مَحَلِّه، بخِلافِ مسألتِنا.
وفيه قولٌ، أنَّ العُنَّةَ تَزُولُ به.
اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّه أصْعَبُ، فمَن قَدَر عليه فهو على غيرِه أقْدَرُ.
فصل: فإن وَطِئَ امْرَأَةً، لم يَخْرُجْ به مِن العُنَّةِ في حَقِّ غيرِها.
واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ أنَّه يَخْرُجُ عن العُنَّةِ في حَقِّ جميعِ النِّساءِ، فلا تُسْمَعُ دَعْوَاها عليه منها ولا مِن غيرِها.
وهذا مُقْتَضَى قولِ أبي بكرٍ، وقولِ بَن قال:
..................................
إنَّه يُخْتَبَرُ بتَزْويجِ امرأةٍ أُخْرَى.
ويُحْكَى ذلك عن سَمُرَةَ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، قالوا: لأنَّ العُنَّةَ خِلْقَةٌ وجِبِلَّةٌ لا تَتَغَيَّرُ بتَغَيُّرِ النِّساءِ، فإذا انْتَفَتْ في حَقِّ امرأةٍ، لم تَبْقَ في حَقِّ غيرِها.
ولَنا، أنَّ حُكْمَ كلِّ امرأةٍ مُعْتَبَرٌ بنفسِها، ولذلك لو ثَبَتَتْ عُنَّتُه في حَقِّهِنَّ، فرَضِيَ بعْضُهُنَّ، سَقَط حَقُّها وحدَها دونَ الباقياتِ، ولأنَّ الفَسْخَ لدَفْعِ الضَّرَرِ الحاصلِ بالعَجْزِ عن وَطْئِها، وهو ثابتٌ في حقِّها لا يَزُولُ بوَطْءِ غيرِها.
وقولُه: كيفَ يَصِحُّ العَجْزُ عن واحدةٍ دونَ أُخْرَى؟ قُلْنا: قد تَنْهَضُ شَهْوَتُه في حقِّ إحدَاهما، لفَرْطِ حُبِّه إيَّاها، ومَيلِه إليها، واخْتِصاصِها بكمالٍ 1 ونَحْوه 2 دونَ الأخْرَى.
فعلى هذا، لو تَزَوَّجَ امْرأةً فأصابَها، ثمَّ أبَانَها، ثمَّ تَزَوَّجَها، فعَنَّ [عنها، فلها] 3 المُطَالبَةُ؛ لأنَّه إذا جاز أن يَعِنَّ عن امرأةٍ دونَ أُخْرَى، ففي نِكاحٍ دونَ نِكاحٍ أوْلَى.
ومُقْتَضَى قولِ أبي بكرٍ ومَن وافقَه، لا يَصِحُّ هذا، بل متَى وَطِئَ امرأَةً، لم تَثْبُتْ عُنَّتُه أبدًا.
وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ وَطِئَهَا، وَقَالتْ: إِنَّهَا عَذْرَاءُ.
وَشَهِدَ بِذَلِكَ امْرَأَةٌ ثِقَةٌ، فَالْقَولُ قَوْلُهَا، وَإِلَّا فَالْقَولُ قَوْلُهُ.
3202 - مسألة: (وإنِ ادَّعى أنَّه وَطِئَها، وقالت: إنَّها عَذْراءُ. فشَهِدَتْ بذلك امرأةٌ ثِقَةٌ، فالقولُ قولُها، وإلَّا فالقولُ قولُه)
إذا ادَّعتِ المرأةُ عُنَّةَ زَوْجِها، فادَّعَى أنَّه وَطِئَها، وقالت: إنَّها عَذْراءُ.
أُرِيَتِ النِّساءَ الثِّقَاتِ، فإن شَهِدْنَ بعُذْرَتِها، فالقولُ قولُها، ويُقْبَلُ في بَقاءِ عُذْرَتِها شَهادَةُ امرأةٍ واحدةٍ، كالرَّضاعِ، ويُؤَجَّلُ 1. وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ الوَطْءَ يُزِيلُ العُذْرَةَ، فوُجُودُها يَدُلُّ على عَدَمِ الوَطْءِ.
فإنِ ادَّعَى أنَّ عُذْرَتَها عادَتْ بعدَ الوَطْءِ، فالقولُ قولُها؛ لأنَّ هذا بعيدٌ جدًّا، وإن كان مُتَصَوَّرًا.
وهل تُسْتَحْلَفُ
..................................
المرأةُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين؛ أحدُهما، تُسْتَحْلَفُ؛ لإِزالةِ هذا الاحْتِمالِ، كما يُسْتَحْلَفُ سائرُ مَن قُلْنا: القولُ قولُه.
والآخَرُ، لا تُسْتَحْلَفُ؛ لأنَّ ما يَبْعُدُ جدًّا لا الْتِفاتَ إليه، كاحْتِمالِ كَذِبِ البَيِّنَةِ العادِلَةِ، وكَذِبِ المُقِرِّ في إقْرارِه.
وهل يُقْبَلُ قولُ امرأةٍ واحِدَةٍ؟ على رِوايَتَين؛ إحدَاهما، تُقْبَلُ فيه شَهادَةُ واحدةٍ، كالرَّضاعِ.
والثانيةُ، لا يُقْبَلُ فيه إلَّا اثنتانِ؛ لأنَّ ما يُقْبَلُ فيه شهادَةُ الرِّجالِ لا يُقْبَلُ فيه إلَّا اثنان، فالنِّساءُ أوْلَى.
فصل: وإن لم يَشْهَدْ لها أحدٌ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ السَّلامَةُ في الرِّجالِ وعَدَمُ العُيُوبِ، ودَعْوَاه تَتَضَمَّنُ سلامةَ العَقْدِ وصِحَّتَه، ويَسْقُطُ حُكْمُ قولِها، لتَبَيُّنِ كَذِبها.
فإنِ ادَّعتْ أنَّ عُذْرَتَها زَالتْ بسبَبٍ آخَرَ 1، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الأسْبابِ.
فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وَعَنْهُ، الْقَوْلُ قَوْلُهَا.
3203 - مسألة: (وإن كانت ثَيِّبًا، فالقولُ قولُه)
لِما ذَكَرْنا.
ولأنَّ هذا تَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عليه، فقُبِلَ قولُه فيه مع يَمِينِه.
وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ هذا ممَّا تَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنَةِ [عليه، وجَنْبَتُه] 1 أقْوَى، فإنَّ دَعْوَاه سلامةُ العَقْدِ، وسلامَةُ نَفْسِه مِن العُيُوبِ، والأصلُ السَّلامَةُ، فكان القولُ قولَه، كالمُنْكِرِ في سائرِ الدَّعاوَى، وعليه اليَمِينُ على صِحَّةِ ما قال.
وهذا قولُ مَن سَمَّينا ههُنا؛ لأنَّ قولَه مُحْتَمِلٌ للكَذِبِ، فقَوَّينَا قولَه بيَمِينِه، كما في سائرِ الدَّعَاوَى التي يُسْتَحْلَفُ فيها.
فإن نَكَل، قُضِيَ عليه بنُكولِه، ويَدُلُّ على وُجُوبِ اليَمِينِ قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ» 2. قال القاضي: ويَتَخَرَّجُ أن لا يُسْتَخلَفَ، بِناءً 3 على إنْكارِه دَعْوَى الطَّلاقِ، فإنَّ فيها رِوايَتَين، كذا ههُنا.
والصَّحيحُ أنَّه يُسْتَحْلَفُ؛ لدَلالةِ الخَبَرِ والمعْنَى عليه (و) رُوِيَ (عن أحمدَ) أنَّ (القولَ قولُها) مع
وَقَال الْخِرَقِيُّ: يُخْلَى مَعَهَا فِي بَيتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: أَخْرِجْ مَاءَكَ عَلَى شَيءٍ.
فَإِنِ ادَّعَتْ أَنَّهُ لَيسَ بِمَنِيٍّ، جُعِلَ عَلَى النَّارِ، فَإِنْ ذَابَ، فَهُوَ مَنِيٌّ، وَبَطَلَ قَوْلُهَا.
يَمِينِها.
حَكاها القاضي في «المُجَرَّدِ»؛ لأنَّ الأصْلَ عدَمُ الإِصَابَةِ، فكانَ القولُ قولَها؛ لأنَّه مُوافِقٌ للأصْلِ، واليَقِينُ معها (وقال الخِرَقِيُّ: يُخْلَى معها في بَيتٍ، ويقالُ له: أخْرِجْ ماءَك على شيءٍ.
فإنِ ادَّعَتْ أنَّه ليس بمَنِيٍّ، جُعِلَ على النَّارِ، فإن ذَابَ، فهُو مَنِيٌّ، وبَطَل قولُهَا) هكذا حَكاه الخِرَقِيُّ عن أحمدَ.
فعلى هذا، إن أخْرَجَ ماءَه، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ العِنِّينَ يَضْعُفُ عن الإِنْزالِ، فإذا أنْزَلَ تَبَيَّنَّا صِدْقَه، فَنَحْكُمُ به.
وهو مذهبُ عَطاءٍ.
فإنِ ادَّعَتْ أنَّه ليس بمَنِيٍّ، جُعِلَ على النارِ، فإن ذابَ فهو مَنِيٌّ؛ لأنَّه يُشْبِهُ بَياضَ البَيضِ، وذلك إذا وُضِعَ على النارِ تَجَمَّعَ ويَبِسَ، وهذا يَذُوبُ، فيَتَمَيَّزُ بذلك أحَدُهما مِن الآخَرِ، فيُخْتَبَرُ به.
وعلى هذا، متى عَجَز عن إخْراجِ مائِه، فالقولُ قولُ المرأةِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ معها.
وفي
..................................
كلِّ مَوْضِعٍ حَكَمْنا بوَطْئِه بَطَل [حُكْمُ عُنَّتِه] 1، فإن كان في ابْتِداءِ الأمْرِ، لم تُضْرَبْ له مُدَّةٌ، وإن كان بعدَ ضَرْبِ المُدَّةِ، انْقَطَعَتْ، وإن كان بعدَ انْقِضائِها، لم يَثْبُتْ له خِيارٌ.
وكلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنا بعَدَمِ الوَطْءِ منه، حَكَمْنا بعُنَّتِه، كما لو أقَرَّ بها.
واخْتارَ أبو بكرٍ أنَّه يُزَوَّجُ امرأةً لها حَظٌّ مِن الجَمالِ، وتُعْطَى صَداقَها مِن بيتِ المالِ، ويُخْلَى معها 2، وتُسْأَلُ عنه، ويُؤْخَذُ بما تَقُولُ، فإن أخْبَرَتْ بأنَّه يَطَأُ، كُذِّبَتِ الأُولَى، والثَّانِيَةُ بالخيارِ بينَ الإِقامَةِ والفَسْخِ، وإن كَذَّبَتْه، فُرِّقَ بينَه وبينَهما 3، وصَداقُ الثانيةِ مِن مالِه ههُنا، لِما رُوِيَ أنَّ امرأةً جاءت إلى سَمُرَةَ، فشَكَتْ إليه أنَّه لا يَصِلُ إليها زَوْجُها، فكَتَبَ إلى معاويةَ، فكَتَبَ إليه أن زَوِّجْه امرأةً ذاتَ جمالٍ، يُذْكَرُ عنها الصَّلاحُ، وسُقْ إليها مِن بيتِ المالِ عنه، فإن أصابَها فقد كَذَبَتْ، وإن لم يُصِبْها فقد صَدَقَتْ.
فَفَعَلَ 4
..................................
ذلك سَمُرَةُ، فجاءتِ المرأةُ فقالت: ليس عندَه شيءٌ.
ففَرَّقَ بينَهما.
وقال الأوْزاعِيُّ: تَشْهَدُه امْرَأتان، ويُتْرَكُ بينَهما ثَوْبٌ، ويُجامِعُ امْرَأتَه، فإذا قام عنها نَظَرَتا إلى فَرْجِها، فإن كان فيه رُطُوبَةُ الماءِ فقد صَدَق، وإلَّا فلا.
وحُكِيَ عن مالكٍ مثلُ ذلك، إلَّا أنَّه اكْتَفَى بواحِدَةٍ.
والصحيحُ أنَّ القولَ قولُه؛ لِما ذَكَرْنا، وكما لو ادَّعَى الوَطْءَ في الإِيلاءِ.
واعتبارُ خُرُوجِ الماءِ ضَعِيفٌ؛ لأنَّه قد يَطأُ ولا يُنْزِلُ، وقد يُنْزِلُ مِن غيرِ وَطْءٍ، فإنَّ ضَعْفَ الذَّكَرِ لا يَمْنَعُ سَلامةَ الظَّهْرِ ونُزُولَ الماءِ، وقد يَعْجِزُ السليمُ القادِرُ عن الوَطْءِ في بعضِ الأحوالِ، وليس كُلُّ مَن عَجَز عن الوَطْءِ في حالٍ مِن الأحْوالِ، أو وَقْتٍ مِن الأوْقاتِ، يكونُ عِنِّينًا، ولذلك جَعَلْنا مُدَّتَه سنةً، وتَزْويجُه بامرأةٍ ثانيةٍ، لا يَصِحُّ لذلك أيضًا، ولأنَّه قد يَعِنُّ عن امرأَةٍ دونَ أُخْرَى، ولأنَّ نِكاحَ الثانيةِ إن كان مُؤَقَّتًا أو غيرَ لازمٍ، فهو نِكاحٌ باطِلٌ، والوَطْءُ فيه حَرامٌ، وإن كان صَحِيحًا لازِمًا، ففيه إضْرارٌ بالثانيةِ، ولا يَنْبَغِي أن يُقْبَلَ قولُها؛ لأنَّها تُرِيدُ بذلك تخْلِيصَ نَفْسِها، فهي مُتَّهَمَةٌ فيه،