..................................
رَبُّ المالِ أن يَأخُذَ بمالِه عَرْضًا، فله ذلك؛ لأنه أسْقَطَ البَيعَ عن المُضارِبِ وأخَذَ العُرُوضَ بثَمَنِها الذي يَحْصُلُ مِن غيرِه.
وأمّا إذا طَلَب البَيعَ وأَبى العامِلُ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُجْبَرُ العامِلُ عليه.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ عليه رَدَّ المالِ ناضًّا كما أخَذَه.
والثّانِي، لا يُجْبَرُ إذا لم يَكُنْ في المال رِبْح، أو 1 أسْقَطَ العامِلُ حَقَّه مِن الرِّبْحِ؛ لأنَّه بالفَسْخِ زال تَصَرُّفُه، وصار أجْنَبِيا مِن المالِ، فأشْبَهَ الوَكِيلَ إذا اشْتَرَى ما يُسْتَحَقُّ رَده
..................................
فزالتْ وَكالته قبلَ رَدِّه.
ولو كان رَأسُ المالِ دَنانِيرَ فصار دَراهِمَ، أو بالعَكْسِ، فهو كا لو كان عَرْضًا على ما شُرِح.
وإذا نَضَّ رَأسُ المالِ جَمِيعُه، لم يَلْزَم العامِلَ أن يَنضَّ له الباقِيَ، لأنَّه شَرِكَة بينَهما، ولا يَلْزَمُ الشرِيكَ أن يَنضَّ مال شَرِيكِه، ولأنَّه إنَّما لَزِمَه أن يَنضَّ رَأسَ المالِ ليرُدَّ إليه المال على صِفتِه، ولا يُوجَدُ هذا المعنى في الرِّبْحِ.
وَإنْ كَانَ دَينًا، لَزِمَ الْعَامِلَ تَقَاضِيهِ.
2097 - مسألة: (وإن كان دَينًا، لَزِم العامِلَ تَقاضِيه)
سواء ظَهَر في المالِ رِبْح أولم يَظْهَرْ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَلْزَمُه إلَّا أن يَظْهَرَ رِبْح لأنَّه لا غَرَضَ له في العَمَلِ، فهو كالوَكِيلِ.
ولَنا، أنَّ المُضارَبَةَ تَقْتَضِي رَدَّ المالِ على صِفَتِه، والديُون لا تَجْرِي مَجْرَى النّاضِّ، فلَزِمَه أن ينضَّه، كما لو ظَهَر رِبح، وكما لو كان رَأسُ المالِ عَرْضًاٍ.
ويُفارِقُ الوَكِيلَ؛ فإنَّه لا يَلْزَمُه رَدُّ المالِ كما قَبَضَه، ولهذا لا يَلْزَمُه بَيعُ العُرُوض.
ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الفَسْخِ مِن العامِلِ أو رَبِّ المالِ، فإنِ اقْتَضَى منه قَدْرَ رَأس المالِ، أو كان الدَّينُ قَدْرَ الرِّبْحِ، أو دُونَه، لَزِم العامِلَ تَقاضِيه أيضًا؛ لأنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ نَصِيبَه مِن الرِّبْحِ عندَ وُصُولِه إليهما على وَجْهٍ يُمْكِنُ قِسْمَتُه ووُصولُ كلِّ واحدٍ منهما إلى حَقِّه، و 1 لا يَحْصُلُ ذلك إلا بعدَ تَقاضِيه.
..................................
فصل: إذا مات أحَدُ المُتَقارِضَين، أو جُنَّ، انْفَسَخَ القِراضُ.
وقد ذَكَرْناه، فإن كان برَب المالِ، فأرادَ الوارِثُ أو وَلِيُّهِ إتْمامَه، والمالُ ناضٌّ، جاز، ويَكُونُ رَأسُ المالِ وحِصَّتُه مِن الربْحِ رَأسَ المالِ، وحِصةُ العامِلِ مِن الرِّبْحِ شَرِكَةً له مُشَاع.
وهذه الإشاعَةُ لا تَمْنَعُ؛ لأنَّ الشرِيكَ هو العامِلُ، وذلك لا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ.
وإن كان المالُ عَرْضًا وأرادُوا إتْمامَه، فظاهِرُ كَلام أحمدَ جَوازُه، لأنَّه قال في رِوايَةِ عليِّ بنِ سعيدٍ: إذا مات رَبُّ المالِ، لَم يَجُزْ للعامِلِ أن يَبِيعَ ويَشْتَرِيَ إلَّا بإذْنِ الوَرَثَةِ.
فظاهِرُ هذا إبْقاءُ العامِلِ على قِراضِه.
وهو مَنْصُوصُ الشافعي؛ لأنَّ هذا إتْمام للقِراضِ، لا ابْتِداء له، ولأنَّ القِراضَ إنَّما مُنِعَ منه في العُرُوضِ، لأنه يَحْتاجُ عندَ المُفاصَلةِ إلى رَدِّ مِثْلِها أو قِيمَتِها، ويَخْتَلِفُ ذلك باخْتِلافِ الأوقاتِ، وهذا غيرُ مَوْجُودٍ ههُنا، لأنَّ رَأسَ المالِ غيرُ العُرُوضِ، وحُكْمُه باقٍ، ألا تَرَى أنَّ للعامِلِ أن يبيعَه ليُسَلمَ رَأسَ المالِ ويَقْسِمَ الباقِيَ؟ وذَكَر القاضي وَجْهًا آخَرَ، أنَّه لا يَجُوزُ، لأنَّ القِراضَ قد بَطَل بالمَوْتِ، وهذا ابْتِداءُ قِراض على عُرُوض.
قال شيخُنا 1:
..................................
وهذا الوَجْهُ أقْيَسُ؛ لأنَّ المال لو كان ناضًّا، كان ابْتِداءَ قَرْضٍ، وكانت حِصَّةُ العامِلِ مِن الرِّبْحِ شَرِكَةً يَخْتَصُّ بها دُونَ رَبِّ المالِ.
وإن كان المالُ ناقِصًا بخَسارَةٍ أو تَلَفٍ، كان رَأسُ المالِ المَوْجُودَ منه حال ابْتِداءِ القِراضِ، فلو جَوَّزْنا ابْتِداءَ القِراضِ هاهُنا وبِناءَهُما على القِراضِ، لصارَتْ حِصَّةُ المُضارَبَةِ مِن الرِّبْحِ غيرَ مُخْتَصَّةٍ به، وحِصَّتُهما 1 مِن الرِّبْحِ مُشْتَرَكَةً بينَهما، وحُسِبَتْ عليه العُرُوضُ بأكْثَرَ مِن قِيمَتِها فيما إذا كان المالُ ناقِصًا، وهذا لا يَجُوزُ في القِراضِ بلا خِلافِ.
وكَلامُ أحمدَ مَحْمُولٌ على أنَّه يَبِيعُ ويَشْتَرِى بإذْنِ الوَرَثَةِ، كبَيعِه وشِرائِه بعدَ انْفِساخِ القِراضِ.
فأمَّا إن مات العامِلُ أو جُنَّ، وأرادَ رَبُّ المالِ ابْتِداءَ القِراضِ مع وَارِثِه أو وَلِيِّه والمالُ ناضٌّ، جاز، كما قُلْنا فيما إذا مات رَبُّ المالِ.
وإن كان عَرْضًا، لم يَجُزِ ابْتِداءُ القِراضِ [إلَّا على الوَجْهِ الذي يُجَوِّزُ ابتداءَ القِراضِ] 2 على العُرُوضِ، بأن تُقَوَّمَ العُرُوضُ، ويُجْعَلَ رَأسُ المالِ قِيمَتَها يَوْمَ العَقْدِ؛ لأن الذي كان منه العَمَلُ قد جُنَّ، أو مات، وذَهَب عَمَلُه، ولم يَخْلُفْ أصْلًا يَبْنِي عليه وارِثُه، بخِلافِ ما إذا مات رَبُّ المالِ، فإنَّ مال القِراضِ مَوْجُودٌ، ومَنافِعَه مَوْجُودةٌ، فأمْكَنَ اسْتِدامَةُ العَقْدِ، وبِناءُ الوارِثِ عليه.
وإن كان المالُ ناضًّا، جاز ابْتِداءُ القِراضِ فيه، فإن لم يَبْتَدِئاه، لم يَكُنْ للوارِثِ شِراءٌ ولا بَيعٌ؛ لأنَّ رَبَّ المالِ إنَّما رَضِيَ باجْتِهادِ مَورُوثِه 3،
وَإنْ قَارَضَ فِي الْمَرَضِ، فَالرِّبْحُ مِنْ رَأسَ الْمَالِ وإنْ زَادَ عَلَى أَجْرِ الْمِثْل.
فإذا لم يَرْضَ ببَيعِه، رَفَعه إلى الحاكِمِ ليَبِيعَه.
فإن كان المَيِّتُ رَبَّ المالِ، فليس للعامِلِ الشِّراءُ؛ لأنَّ القِراضَ انْفَسَخَ.
وأمّا البَيعُ فالحُكْمُ فيه وفي التَّقْويمِ واقْتِضاءِ الدَّينِ، على ما ذَكَرْناه إذا انْفَسَخَتِ المُضارَبَةُ ورَبُّ المالِ حَيٌّ.
2098 -
مسألة: (وإن قارَضَ في المَرَضِ، فالرِّبْحُ مِن رَأسِ المالِ وإن زادَ على أجْرِ المِثْلِ)
إذا قارَضَ في مَرَضِه، صَحَّ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَبْتَغِي فيه الفَضْلَ، أشْبَهَ البَيْعَ والشِّراءَ.
وللعامِلِ ما شَرَطَ له وإن زاد على أجْرِ مِثْلِه، ولا يَحْتَسِبُ به مِن ثُلُثِه؛ لأنَّ ذلِكَ غيرُ مُسْتَحَقٍّ مِن مالِ 1 رَبِّ المالِ، وإنَّما حَصَل بعَمَلِ المُضارِبِ، فما يُوجَدُ مِن الرِّبْحِ المَشْرُوطِ
وَيُقدَّمُ بِهِ عَلَى سَائِرِ الْغُرَمَاءِ.
وَإنْ مَاتَ الْمُضَارِبُ، وَلَمْ يُعْرَفْ مَالُ الْمُضَارَبَةِ، فَهُوَ دَينٌ فِي تَرِكَتِهِ.
وَكَذَلِكَ الْوَدِيعَة.
يَحْدُثُ على مِلْكِ العامِلِ، ولا يُزاحِمُ به أصْحابَ الوَصايَا؛ لأنَّه لو أقْرَضَ المال، كان الرِّبْحُ كُلُّه للمُقْتَرِضِ، فبَعْضُه أوْلَى، وهذا بخِلافِ ما لو حابَى الأجِيرَ في الأجْرِ، فإنَّه يَحْتَسِبُ بالمحاباة (1) مِن ثُلُثِه؛ لأنَّ الأجْرَ يُؤخَذُ مِن مالِه.
ولو شَرَط في المُساقاةِ والمُزارَعَةِ أكثرَ مِن أجْرِ المِثْلِ، احْتَمَلَ [أنَّه كالقِراضِ] (2)؛ لأنَّ الثَّمَرَةَ تَخْرُجُ على مِلْكَيهما، كالرِّبْحِ في المُضارَبَةِ، واحْتَمَلَ أن يَكُونَ مِن ثُلُثِه؛ لأنَّ الثَّمَرَةَ زِيادَة في مِلْكِه خارِجَةٌ مِن عَينِه، والرِّبْحُ لا يَخْرُجُ مِن عَينِ المالِ، إنَّما يَحْصُلُ بالتَّقْلِيبِ.
واللهُ أعلمُ.
2099 -
مسألة: (ويُقَدَّمُ به على سائرِ الغُرَماءِ)
إذا ماتَ رَبُّ المالِ؛ لأنَّه يَمْلِكُ الرِّبْحَ بالظهُورِ، فكان شَريكًا فيه، ولأنَّ حَقَّه مُتَعَلِّقٌ بعَين.
المالِ دُونَ الذِّمةِ، فكان مُتَقَدِّمًا على المُتَعَلِّقِ بالذِّمَّةِ، كحَقِّ الجِنايةِ، أو كالمُرْتَهِنِ.
2100 -
مسألة: (وإن مات المُضارِبُ، ولم يُعْرَفْ مالُ
12
..................................
المُضارَبَةِ، فهو دَيْنٌ في تَرِكَتِه، وكذلك الوَدِيعَةُ) [إذا مات المُضارِبُ، ولم يُعْرَفْ مالُ المُضارَبَةِ بعَينِه، صار دَينًا في ذِمَّةِ المُضارِبِ] 1، ولصاحِبِه أُسْوَةُ الغُرَماءِ.
وقال الشافعيُّ: ليس على المُضارِبِ شيءٌ؛ لأنَّه لم يَكُنْ في ذِمتِه وهو حَيٌّ، ولم يُعْلَمْ حُدُوث ذلك
..................................
بالمَوْتِ، فإنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ 1 المالُ قد هَلَك.
ولَنا، أنَّ الأصْلَ بَقاءُ المالِ في يَدِه واخْتِلاطُه بجُمْلَةِ التَّرِكَةِ، ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ عَينه، فكان دَينًا، كالوَدِيعَةِ إذا لم يُعْرَفْ عَينُها، وكما إذا خَلَطَها بمالِه على وَجْهٍ لا يَتَمَيَّزُ منه، ولأنّه لا سَبِيلَ إلى إسْقاطِ حَقِّ رَبِّ المالِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاؤه، ولم
.................................. يُوجدْ ما يُعارِضُ ذلك ويُخالِفُه، ولا سَبِيلَ إلى إعْطائِه عَينًا مِن التَّرِكَةِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن تَكُونَ مِن 1 غيرِ مالِ المُضارَبَةِ، فلم يَبْقَ إلَّا تَعَلُّقُه بالذِّمَّةِ.
فصْلٌ: وَالْعَامِلُ أمِينٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي قَدْرِ رَأسِ الْمَالِ، وَفِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ هَلَاكٍ وَخُسْرَانٍ، وَمَا يَذْكُرُ أنَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ أوْ لِلْقِرَاضِ، وَمَا يُدَّعَى عَلَيهِ مِنْ خِيَانةٍ.
فصل: قال، رَضِيَ الله عنه: (والعامِلُ أمِينٌ، والقولُ قَوْلُه فيما يَدَّعِيه مِن هَلاكٍ وخُسْرانٍ) لأنَّهُ مُتَصَرِّفٌ في مال غيرِه بإذْنِه، لا يَخْتَصُّ بنَفْعِه، أشْبَهَ الوَكِيلَ، بخِلافِ المُسْتَعِيرِ، فإنَّ قَبْضَه لمَنْفَعتِه خاصَّةً.
والقولُ قَوْلُه فيما يَدَّعِيه مِن تَلَفِ المالِ أو بعضِه أو خَسارَةٍ فيه، ولا ضَمانَ عليه في ذلك، كالوَكِيلِ.
والقولُ قَوْلُه في نَفْي ما يُدَّعَى عليه مِن خِيانَةٍ أو تَفْرِيطٍ، وفيما يَدَّعِي أنَّه اشْتَراه لنَفْسِه أو للقِراضِ؛ لأنَّ الاخْتِلافَ هاهُنا في نِيَّته، وهو أعْلَمُ بها، لا يَطَّلِعُ عليها غيرُه، فكان القولُ قَوْلَه فيما نَواه، كما لو اخْتَلَفَ الزَّوجان في نِيَّةِ الزَّوْجِ بكِنايَةِ الطَّلاقِ.
ولأنَّه أمِينٌ في الشِّراءِ، فكان القَوْلُ قَوْلَه، كالوَكِيلِ.
ولو اشْتَرَى عَبْدًا، فقال رَبُّ المالِ: كُنْتُ نَهَيتُكَ عن شِرائِه.
فأنْكَرَ العامِلُ، فالقولُ قَوْلُه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ النَّهْي.
ولا نَعْلَمُ في هذا كُلِّه خِلافًا.
وكذلك (القولُ قَوْلُه في قَدْرِ رأسِ المالِ) كذلك قال الثَّوْرِيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأي، حكاه
وَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ فِي رَدِّهِ إِلَيهِ، عنهم ابنُ المُنْذِرِ، وقال: أجْمَعَ على هذا كل مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، وبه نَقُولُ (1). لأنَّه يُدَّعَى عليه قَبْضُ شيءٍ وهو يُنْكِرُه، والقولُ قولُ المُنْكِرِ.
2101 -
مسألة: (والقَوْلُ قولُ رَبِّ المالِ في رَدِّه إليه)
مع يَمِينه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ولأصْحاب الشافعيِّ وَجْهان؛ أحَدُهما كقَوْلِنا.
والآخَرُ، يُقْبَلُ قولُ العامِلِ؛ لأَنَّه أمِين، ولأنَّ مُعْظَمَ النَّفْعِ لرَبِّ المالِ، فالعامِلُ كالمُودَعِ.
ويَنْبَغِي أن يُخَرَّجَ لَنا مِثْلُ ذلك، بِناءً على دَعْوَى الوَكِيلِ الرَّدَّ إذا كان بجُعْلٍ.
وَوَجْهُ الأوَّل، أنَّه قَبَضُ المال لنَفْعِ نَفْسِه، فلم يُقْبَلْ قَوْلُه في الرَّدِّ، كالمُسْتَعِيرِ، ولأنَّ رَبَّ المالِ مُنْكِرٌ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ، والمُودَعُ لا نَفْعَ له في الوَدِيعَةِ.
وقَوْلُهم: إن مُعْظَمَ النَّفْعِ لرَبِّ المال.
مَمْنُوعٌ، وإن سُلِّمَ، إلَّا أنَّ المُضارِبَ لم يَقْبِضْه إلَّا لنَفْعِ نفْسِه، لم يَأخُذْه لنَفْعِ رَبِّ المالِ.1
وَفِي الْجُزْءِ الْمَشْرُوطِ لِلْعَامِلِ،
2102 - مسألة: (وفي الجُزْءِ المَشْرُوطِ للعامِلِ)
إذا اخْتَلَفا فيما شُرِطَ للعامِلِ، ففيه رِوايَتان، إحْداهما، القولُ قولُ رَبِّ المالِ.
نَصَّ عليه في روايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ، وسِنْدِيٍّ.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأي، وابنُ المُنْذِرِ، لأنَّ رَبَّ المالِ مُنْكِرٌ للزِّيادَةِ التي ادَّعاها العامِلُ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ.
والثّانِيَةُ، أنَّ العامِلَ إنِ ادَّعَى أجْرَ المِثْلِ، أو ما يَتَغابَنُ الناسُ به، فالقولُ قَوْلُه، لأن الظّاهِرَ صِدْقُه، وإنِ ادَّعَى أكْثَرَ، فالقَوْلُ قولُ رَبِّ المالِ فيما زاد على أجْرِ المِثْلِ، كالزوْجَين إذا اخْتَلَفا في الصَّداقِ.
وقال الشافعيُّ: يَتَحالفانِ؛ لأنَّهما اخْتَلَفا في
وَفِي الإذْنِ فِي الْبَيعِ نَسَاءً، وفِي الشِّرَاءِ بِكَذَا.
وَحُكِيَ عَنْهُ أنَّ الْقَوْلَ
عِوَضِ عَقْدٍ، فيَتَحالفانِ، كالمُتَبايِعَين.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَلكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ» (1). ولأَنه اخْتِلافٌ في المُضارَبَةِ، فلم يَتَحالفا، كسائِرِ ما قَدَّمْنا اخْتِلافَهُما فيه، والمُتَبايِعان يَرْجِعان إلى (2) رُءُوسِ أمْوالِهما، بخِلافِ ما نَحْنُ فيه.
2103 -
مسألة: وإن قال: أذِنْتَ لي في البَيعِ نَساءً، وفي الشِّراءِ
12
قَوْلُ الْعامِلِ إِنِ ادَّعَى أُجْرَةَ الْمِثْلِ.
بخَمْسَةٍ.
فأنْكَرَه رَبُّ المالِ 1، وقال: إنِّما أذِنْتُ لك في البَيعِ نَقْدًا، وفي الشِّراءِ بأرْبَعَةٍ 2. فالقولُ قولُ العامِلِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقِيلَ: القولُ قولُ رَبِّ المالِ.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنّ الأصْلَ عَدَمُ الإِذْنِ، ولأنَّ القَوْلَ قولُ رَبِّ المال في أصْلِ الإِذْنِ، فكذلك في صِفَتِه.
ولَنا، أنَّهما اتَّفَقا على الإذْنِ واخْتَلَفَا في صِفَتِه، فكان القولُ قولَ العامِلِ، كما لو قال: نَهَيتُكَ عن شِراءِ عَبْدٍ.
فأنْكَرَ النَّهْيَ.
وَإنْ قَال الْعَامِلُ: رَبِحْتُ ألْفًا، ثُمَّ خَسِرْتُهَا.
أوْ هَلَكَتْ، قُبِلَ قَوْلُهُ.
وَإنْ قَال: غَلِطْتُ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ.
2104 - مسألة: (وإن قال: رَبِحْتُ ألْفًا ثم خَسِرْتُها)
أو: تَلِفَتْ (قُبِلَ قَوْلُه) لأنَّه أمِينٌ يُقْبَلُ قَوْلُه [في التَّلفِ] (1)، فقُبِلَ في الخَسارةِ، كالوَكِيلِ.
2105 -
مسألة: (وإن قال: غَلِطْتُ)
أو نَسِيتُ (لم يُقْبَلْ قَوْلُه) لأنَّه مُقِرٌّ بحَقٍّ لآدَمِيٍّ، فلم يُقْبَلْ قَوْلُه في الرُّجُوعِ عنه، كما لو أقَرَّ بأنَّ رَأسَ المال ألْفٌ، ثم رَجَع.
ولو أنَّ 2 العامِلَ خسِر، فقال لرَجُلٍ: أقْرِضْنِي ما أُتمِّمُ به رَأسَ المالِ لأعْرِضَه على رَبِّه، فإنِّي أخْشَى أن يَنْزِعَه مِني إن عَلِم بالخَسارَةِ.
فأقْرَضَه، فعَرَضَه على رَبِّ المالِ، فقال: هذا رَأسُ مالِكَ.
فأخَذَه، فله ذلك.
ولا يُقْبَلُ رُجُوعُ العامِلِ عن إقْرارِه إن رَجَع.
ولا شَهادَةُ المُقْرِضِ له، لأنَّه يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا.
وليس له مُطالبَةُ رَبِّ المالِ، لأنَّ العامِلَ مَلَكَه بالقَرْضِ، ثم سَلَّمَه إلى رَبِّ المالِ، وأقرَّ أنَّه له، ولكنْ يَرْجِعُ المُقْرِضُ على العامِلِ لا غيرُ.1
..................................
فصل: وإذا دَفَع رَجُلٌ إلى رَجُلَين مالًا قِراضًا على النِّصْفِ، فنَضَّ المالُ وهو ثَلاثةُ آلافٍ، فقال رَبُّ المالِ: رَأسُ المالِ ألْفانِ.
فصَدَّقَه أحَدُهما، وقال الآخَرُ: بل هو ألْفٌ.
فالقَوْلُ قولُ المُنْكِرِ مع يَمِينه.
فإذا حَلَف أنَّه ألفٌ، فالرِّبْحُ ألْفان، ونَصِيبُه منهما خَمْسُمائَةٍ، يبقَى ألْفان وخَمْسُمائَةٍ، يَأخُذُ رَبُّ المالِ ألْفَينِ؛ لأنَّ الآخَرَ يُصَدِّقُه، يَبْقَى خَمْسُمائَةٍ رِبْحًا بينَ رَبِّ المالِ والعامِلِ الآخرِ، يَقْتَسِمانِها 1 أثْلاثًا؛ لرَبِّ المالِ ثُلُثاها، وللعامِلِ ثُلُثُها؛ وذلك لأنَّ نَصِيبَ رَبِّ المالِ نِصْفُ الرِّبْحِ، ونَصِيبَ العامِلِ رُبْعُه، فيُقْسَمُ بينَهما باقِي الربْحِ على ثَلاثةٍ، وما أخَذَه الحالِفُ فيما زاد على قَدْرِ نَصِيبِه، كالتَّالِفِ منهما، والتّالِفُ يُحْسَبُ في المُضارَبَةِ مِن الرِّبْحِ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
فصل: إذا دَفَع إلى رَجُلٍ ألْفًا يَتَّجِرُ فيه، فرَبِحَ، فقال العامِلُ: كان قَرْضًا لي رِبْحُه كله.
وقال رَبُّ المالِ: كان قِرَاضًا رِبْحُه بَينَنا.
فالقَوْلُ قولُ رَبِّ المالِ؛ لأنَّه مِلْكُه، فكان القَوْلُ قَوْلَه في صِفَةِ خُرُوجِه عن يَدِه.
فإذا حَلَف، قُسِم الرِّبْحُ بينَهما.
ويَحْتَمِلُ أن يَتَحالفا ويَكُونَ للعامِلِ أكْثَرُ
..................................
الأمْرَين مِمّا شَرَطَ له مِن 1 الرِّبْحِ أو أجْرِ مِثْلِه؛ لأنَّه إن كان الأكْثَرُ نَصِيبَه مِن الرِّبْحِ، فرَبُّ المالِ مُعْتَرِفٌ له به، وهو يَدَّعِي الرِّبْحَ كلَّه، وإن كان أجْرُ مِثْلِه أكثَرَ، فالقَوْلُ قَوْلُه في عَمَلِه، [مع يَمِينه] 2. كما أنَّ القَوْلَ قولُ رَبِّ المالِ في مالِه، فإذا حَلَف، قُبِلَ قَوْلُه في أنَّه ما عَمِل بهذا الشرْطِ، إنَّما عَمِل لغَرَضٍ لم يَسْلَمْ له، فيَكُونُ له أجْرُ المِثْلِ.
فإن أقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنةً بدَعْواه.
فنَصَّ أحمدُ في رِوايَةِ مُهَنَّا، أنَّهما يَتعارَضان، ويُقسَمُ المالُ بينَهما نِصْفَين.
وإن قال رَبُّ المالِ: كان بِضاعةً.
وقال العامِلُ: كان قِرَاضًا.
احْتَمَلَ أن يَكُونَ القَوْلُ قولَ العامِلِ؛ لأنَّ عَمَلَه له، فيَكُونُ القَوْلُ قَوْلَه فيه.
ويَحْتَمِلُ أن يَتَحالفا ويَكُونَ للعامِلِ أقَلُّ الأمْرَين مِن نَصِيبِه مِن الرِّبْحِ أو أجْرِ مِثْلِه، لأنَّه لا 3 يَدَّعِي أكْثَرَ مِن نَصِيبِه مِن الرِّبْحِ، فلم يَسْتَحِقَّ زِيادَةً عليه 4، وإن كان الأقَلُّ أجْرَ مِثْلِه، فلم يَثْبُتْ كونُه قِرَاضًا، فيكونُ له أجْرُ عَمَلِه، وإن قال رَبُّ المالِ: كان
..................................
بِضاعَةً.
وقال العامِلُ: كان قَرْضًا.
حلَف كلُّ واحِدٍ منهما على إنْكارِ ما ادَّعاهُ خَصْمُه، وكان للعامِلِ أجْرُ عَمَلِه لا غيرُ، وإن خَسِر المالُ أو تَلِف، فقال رَبُّ المالِ: كان قَرْضًا.
وقال العامِلُ: كان قِراضًا -أو: بِضاعَةً.
فالقَوْلُ قولُ رَبِّ المالِ.
فصل: وإذا شَرَط المُضارِبُ النَّفَقَةَ، ثم ادَّعَى أنَّه أنْفَقَ مِن مالِه، وأرادَ الرجُوعَ، فله ذلك؛ سواء كان المالُ باقِيًا في يَدَيه، أو قد رَجَع إلى مالِكِه.
وبه قال أبو حنيفةَ: إذا كان المالُ في يَدَيه، وليس له ذلك بعدَ رَدِّه.
ولَنا، أنَّه أمِينٌ، فكان القَوْلُ قَوْلَه في ذلك، كما لو كان باقِيًا في يَدَيهِ، وكالوَصِيِّ إذا ادَّعَى النَّفَقَةَ.
على اليَتيمِ.
فصل: إذا كان عَبْدٌ بينَ رَجُلَين، فباعَه أحَدُهما بِأمْرِ الآخَرِ بِألْفٍ، وقال: لم 1 أقْبِضْ ثَمَنَه.
وادَّعَى المُشْتَرِي أنَّه قَبَضَه، وصَدَّقَه الذي لم يَبعْ، بَرِئَ المُشْتَرِي مِن نِصْفِ ثَمَنِه؛ لاعْتِرافِ شَرِيكِ البائِع بقَبْضِ وَكِيله حَقَّه، فبَرِئ المُشْتَرِي منه، كما لو أقَرَّ بقَبْضِه بنَفْسِه، وتَبْقَى الخُصُومَةُ بينَ البائِع وشَرِيكِه والمُشْتَرِي، فإن خاصَمَه شَرِيكُه، وادَّعَى عليه أنَّك قَبَضْتَ 2 نصِيبِي مِن الثَّمَنِ، فأنْكَرَ، فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينه، فإن كان للمُدَّعِي بَيَنةٌ، حُكِمَ بها، ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ المُشْتَرِي له؛ لأنَّه
يَجُرُّ بها إلى نَفْسِه نَفْعًا.
وإن خاصَمَ البائِعُ المُشْتَرِيَ، فالقَوْلُ قولُ البائِع
..................................
مع يَمِينه في عَدَمِ القَبْضِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ.
فإذا حَلَف أخَذَ مِن المُشْتَرِي نِصْفَ الثَّمَنِ، ولا يُشارِكُه فيه شَرِيكُه؛ لأَنه يُقِرُّ أنَّه يَأخُذُه ظُلْمًا، فلا يَسْتَحِقُّ مُشارَكَتَه فيه.
وإن كانت للمُشْتَرِي بَيِّنة، حُكِم بها، ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ شَرِيكِه عليه؛ لأنَّه يَجُرُّ بها إلى نَفْسِه نَفْعًا ومَن شَهِد شَهادَةً يَجُرُّ بها إلى نَفْسِه نَفْعًا، بَطَلَتْ شَهادَتُه في الكُلِّ.
ولا فَرْقَ بينَ مُخاصَمَةِ الشَّرِيكِ قبلَ مُخاصَمةِ المُشْتَرِي أو بعدَها.
وإن ادَّعَى المُشْتَرِي أنَّ شَرِيكَ البائِعِ قَبَض الثَّمَنَ منه، فصَدَّقَه البائِعُ، نَظَرْتَ؛ فإن كان البائِعُ أذِنَ لشَرِيكِه في القَبْضِ، فهي كالتي قبلَها، وإن لم يَأذَنْ له [في القَبْضِ] 1، لم تَبْرَأ ذِمَّةُ المُشْتَرِي مِن شيءٍ مِن الثَّمَنِ؛ لأنَّ البائِعَ لم يُوَكِّلْه في القَبْضِ، فقَبْضُه له لا يَلْزَمُه ولا يَبْرأُ المشْتَرِي منه، كما لو دَفَعَه إلى أجْنَبِي.
ولا يُقْبَلُ قولُ المُشْتَرِي على شَرِيكِ البائِعِ؛ لأَنَّه يُنْكِرُه، وللبائِعِ المُطالبَةُ 2 بقَدْرِ نَصِيبِه لا غيرُ؛ لأنَّه مُقِرٌّ أنَّ شَرِيكَه قَبَض حَقَّه.
ويَلْزَمُ المُشْتَرِيَ دَفْعُ نَصِيبِه إليه مِن غيرِ يَمِين؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ مُقِرٌّ ببَقاءِ حَقِّه.
وإن دَفَعَه إلى شَريكِه، لم تَبْرَأ ذِمته، فإذا قَبَض حَقَّه، فلِشَرِيكِه مُشارَكَتُه فيما قَبَض؛ لأنَّ الدَّينَ لهما ثابتٌ بسَبِبٍ واحدٍ، فما قَبَض منه يَكُونُ بينَهما، كما لو كان مِيراثًا.
وله أَن لا يُشارِكَه ويُطالِبَ المُشْتَرِيَ بِحَقِّه كلِّه.
..................................
ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ الشَّرِيكُ مُشارَكَتَه فيما قَبَض؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَسْتَحِقُّ ثَمَنَ نَصِيبِه الذي يَنْفَرِدُ به، فلم يَكُنْ لشَرِيكِه مشارَكَتُه فيما قَبَض مِن ثَمَنِه، كما لو باعَ كلُّ واحِدٍ نَصِيبَه في صَفْقَةٍ.
ويُخالِفُ المِيراثَ؛ لأنَّ سَبَبَ اسْتِحقاقِ الوَرَثَةِ لا يَتَبَعَّضُ، فلم يَكُنْ للوَرَثَةِ تَبْعِيضُه، وهاهنا يَتَبَعَّضُ؛ لأنَّه إذا كان البائعُ اثْنَين كان بمَنْزِلَةِ عَقْدَين، ولأنَّ الوارِثَ نائبٌ عن المَوْرُوثِ، فكان ما يَقْبِضُه للمَوْرُوثِ، يَشْتَرِكُ فيه جَمِيعُ الوَرَثَةِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا، فإنَّ ما يَقْبِضُه لنَفْسِه.
فإن قُلْنا: له مُشارَكَتُه فيما قَبَض.
فعليه اليَمِينُ أنَّه لم يَسْتَوْفِ حَقَّه مِن المُشْتَرِي، ويَأخُذُ مِن القابضِ نِصْفَ ما قَبَضَه، ويُطالِبُ المُشْتَرِيَ ببَقِيَّةِ حَقِّه إذا حَلَف له أيضًا أَنَّه ما قَبَض منه شيئًا.
وليس للمَقْبُوضِ منه أن يَرْجِعَ على المُشْتَرِي بعِوَضِ ما أخَذَ منه؛ لأنَّه مُقِرٌّ أنَّ المُشْتَرِيَ قد بَرِئَتْ ذِمَّتُه مِن حَقِّ شَرِيكِه، وإنَّما أخَذَ منه ظُلْمًا، فلا يَرْجِعُ بما ظَلَمَه هذا على غيرِه.
وإن خاصَمَ المُشْتَرِي شَرِيكَ البائعِ، وادَّعَى عليه أنَّه قَبَض الثَّمَنَ منه، وكانت له بَيِّنة، حُكِم بها، وتُقْبَلُ شَهادَةُ البائعِ له إذا كان عَدْلًا، لأنَّه لا يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا، ولا يَدْفعُ عنه ضَرَرًا؛ لأنّه إذا ثَبَت أنَّ شَرِيكَه قَبض الثَّمَنَ، لم يَمْلِكْ مُطالبَتَه بشيءٍ؛ لأنَّه ليس بِوَكِيلٍ له في القَبْضِ، فلا يَقَعُ قَبْضُه له.
هكذا ذَكَر بعضُ أصْحابِنا.
قال شيخُنا 1: وعندِي لا تُقْبَلُ شَهادَتُه له؛ لأنَّه يَدْفَعُ عن نفْسِه ضَرَرَ مُشَارَكةِ شَرِيكِه له فيما يَقْبِضُه مِن المُشْتَرِي.
وإذا لم يَكُنْ
..................................
بَيِّنةً فحَلَفَ، أخَذَ مِن المُشْتَرِي نِصْفَ الثَّمَنِ، وإن نَكَل، أخَذَ المُشْتَرِي منه نِصْفه.
فصل: إذا كان عَبْدٌ بينَ اثْنَين، فغَصَبَ رَجُلٌ نَصِيبَ أحَدِهما، بأن يسْتَوْلِيَ على العَبْدِ ويَمْنَعَ أحَدَهما الانْتِفاعَ دُونَ الآخرِ، ثم إنَّ مالِكَ نِصْفِه والغاصِبَ باعَا العَبْدَ صَفْقَةً واحِدَةً، صَحَّ في نَصِيبِ المالِكِ، وبَطَل في نَصِيبِ الغاصِبِ.
وإن وَكَّلَ الشَّرِيكُ الغاصِبَ، أو وَكَّلَ الغاصِبُ الشَّرِيكَ في البَيعِ، فباعَ العَبْدَ كلَّه صَفْقَةً واحِدَةً، بَطَل في نَصِيبِ الغاصِب، في الصَّحِيحِ.
وهل يَصِحُّ في نَصِيبِ الشَّرِيكِ؟ على رِوايَتَين، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وقد بَطَل البَيعُ في بعضِها، فيَبْطُلُ في سائِرِها.
بخِلافِ ما إذا باع المالِكُ والغاصِبُ، فإنَّهما عَقْدان؛ لأنَّ عَقْدَ الواحِدِ مع الاثْنَين عَقْدان.
ولو أنَّ الغاصِبَ ذَكَر للمُشْتَرِي أنَّه وَكِيلٌ في نِصْفِه، لَصَحَّ في نَصِيبِ الآذِنِ؛ لكَوْنِه كالعَقْدِ المُنْفَرِدِ.
فصل: إذا كان لرَجُلَين دَينٌ [بِسَببٍ واحدٍ] 1؛ إمّا عَقْدٍ أو مِيراثٍ أو اسْتِهلاكٍ أو غيرِ ذلك، فقَبَضَ أحَدُهما منه شيئًا، فللآخَرِ مُشارَكَتُه فيه في ظاهِرِ المَذْهَب.
وعنِ أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّ لأحَدِهما أخْذَ حَقِّه دُونَ صاحِبِه، ولا يُشارِكُه الآخرُ فيما أخَذَ.
وهو قولُ أبي العالِيَةِ، وأبي قِلابَةَ، وابنِ سِيرِينَ، وأبي عُبَيدٍ.
قِيلَ لأحمدَ: بِعْتُ أنا وصاحِبي مَتاعًا بيني وبينَه، فأعْطانِي حَقِّي، وقال: هذا حَقُّكَ خاصَّةً، وأنا أُعْطِي شَرِيكَكَ
..................................
بعدُ؟ قال: لَا يجوزُ.
قِيلَ له: فإن أخَّرَه أو أبرَأه مِن حَقِّه دُونَ صاحِبِه؟ قال: يَجُوزُ.
قِيل: فقد قال أبو عُبَيدٍ: يَجُوزُ أن يَأخُذَ دُونَ صاحِبِه إذا كان له أن يُؤخِّرَ ويُبْرِئَه دُونَ صاحِبِه؟ ففَكَّرَ فيها، ثم قال: هذا يُشْبِهُ المِيراثَ إذا أخَذَ منه بعضُ الوَرَثَةِ دُونَ بعضٍ، وقد قال ابنُ سِيرينَ وأبو قِلَابَةَ وأبو العالِيَةِ: مَن أخَذَ شيئًا فهو مِن 1 نصِيبِه.
قال: فرأيتُه قد احْتَجَّ له وأجَازَه.
قال أبو بَكْرٍ: العَمَلُ عندِي على ما رَواه حَنْبَل وحَرْب، أنه لا يَجُوزُ أن يَكُونَ نَصِيبُ القابِضِ له فيما أخَذَه؛ لِما في ذلك مِن قِسْمَةِ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ مِن غيرِ رِضَا الشَّرِيكِ، فيَكُونُ المَأخُوذُ والباقي جَمِيعًا مُشْتَرَكًا.
ولغيرِ القابِضِ الرُّجُوعُ [على القابِضِ] 2 بحِصَّتِه مِن الدَّينِ، سواءٌ كان المالُ باقِيًا في يَدِه، أو أخْرَجَه عنها برَهْنٍ أو قَضاءِ دَينٍ أو غيرِه.
وله أن يَرْجِعَ على الغَرِيمِ؛ لأنَّ الحَقَّ يَثْبُت في ذِمَّتِه لهما على وَجْهٍ سواءٍ، فليس له تَسْلِيمُ حَقِّ أحَدِهما إلى الآخَرِ.
فإن أخَذَ مِن الغَرِيمِ، لم يَرْجِعْ على الشَّرِيكِ بشيء؛ لأنَّ حَقَّه ثَبَت في أحَدِ المَحَلَّين، فإذا أجاز 3 أحَدُهما سَقَط حَقُّه مِن الآخَرِ، وليسِ للقابِضِ مَنْعُه مِن الرُّجُوعِ على الغَرِيمِ، بأن يَقُولَ: أنا أعْطِيكَ نِصْف ما قَبَضْتُ.
بل الخِيَرَةُ إليه، مِن أيِّهما شاء قَبَض، فإن قَبَض مِن شَرِيكِه شيئًا، رَجَع الشَّرِيكُ على الغَرِيم
..................................
بمِثْلِه، فإن هَلَك المَقْبُوضُ في يَدِ القابِضِ، تَعَيَّن حَقَّه فيه، ولم يَضْمَنْه للشَّرِيكِ؛ لأَنه قَدْرُ حَقِّه فما تَعَدَّى بالقَبْضِ، وإنما كان لشَرِيكِه مشارَكَتُه لثُبُوتِه في الأصْلِ مُشْتَرَكًا.
وإن أبرأ أحَدَ الشَّرِيكَين مِن حَقِّه، بَرِئ منه؛ لأَنه بمَنْزِلَةِ تَلَفِه، ولا يَرْجِعُ [عليه غَرِيمُه] 1 بشيءٍ، وإن أبرأ أحَدَهما مِن عُشْرِ الدَّينِ، ثم قَبَضا مِن الدَّينِ شيئًا، اقْتَسماه على قَدْرِ حَقهما في الباقِي؛ للمُبْرِئ 2 أرْبَعَةُ أتْساعِه، ولشَرِيكِه خَمْسَةُ أتْساعِه.
فإن قَبَضا نِصْفَ الدَّين ثم أبرأ أحَدَهما مِن عُشْرِ الدَّينِ كلِّه، نَفَذَتْ بَراءَتُه في خُمْسِ الباقِي، وما بَقِيَ بينَهما على ثَمانِيَةٍ؛ للمُبْرِئ (2) ثَلاثةُ أثْمانِه، وللآخَرِ خَمْسَةُ أثْمانِه، فما قَبَضاه بعدَ ذلك اقْتَسَماه على هذا.
وإنِ اشْتَرَى أحَدُهما بنَصِيبِه ثَوْبًا أو غيرَه، فللآخَرِ إبْطالُ الشراءِ، فإن بَذَل له المُشْتَرِي نِصْفَ الثَّوْبِ ولا يُبْطِلُ البَيعَ، لم يَلْزَمْه ذلك.
وإن أجاز البَيعَ ليَمْلِكَ نِصْفَ الثَّوْبِ، انْبَنَى على بَيعِ الفُضُولِيِّ، هل يَقِفُ على الإِجازَةِ أو لا؟ وإن أخَّرَ أحَدُهُما حَقَّه مِن الدَّينِ، جاز؛ لأنه لو أسْقَطَ حَقَّه، جاز، فتَأخِيرُه أوْلَى.
فإن قَبَض الشَّرِيكُ بعدَ ذلك شيئًا، لم يَكُنْ لشَرِيكِه الرُّجُوعُ عليه بشيءٍ.
ذَكَرَه القاضي.
والأوْلَى أنَّ له الرُّجُوعَ؛ لأنَّ الدَّينَ الحالَّ لا يتَأجَّلُ بالتَّأجِيلِ، فوُجُودُ التَّأجِيلِ كعَدَمِه.
وأمّا إذا قُلْنا بالرِّوايَةِ الأخْرَى، وأنَّ ما يَقْبِضُه أحَدُهما له دُونَ صاحِبِه، فوَجْهُها أنَّ ما في الذِّمَّةِ لا يَنْتَقِلُ إلى
فَصْلٌ: الثَّالِثُ، شَرِكَةُ الْوُجُوهِ؛ وَهِيَ أنْ يَشتَرِكَا، عَلَى أن يَشْتَرِيَا بِجَاهِهِمَا دَينًا فَمَا رَبِحَا فَهُوَ بَينَهُمَا.
العَينِ إلَّا بتَسْلِيمِه إلى غَرِيمِه أو وَكِيله، وما قَبَضَه أحَدُهما فليس لشَرِيكِه فيه قَبْضٌ ولا لوَكِيله، فلا يَثْبُتُ له فيه حَق ويَكُونُ لقابِضِه؛ لثُبُوتِ يَدِه عليه بحَق، فأشْبَهَ ما لو كان الدَّينُ بسَبَبَين.
وليس هذا قِسْمَةَ الدَّينِ في الذِّمَّةِ، وإنَّما تَعَيَّنَ حَقه بقَبْضِه، فأشْبَهَ تَعْيِينَه بالإبراءِ، ولأنَّه لو كان لغيرِ القابِضِ حَقٌّ في المَقْبُوضِ لم يَسْقُطْ بتَلَفِه، كسائِرِ الحُقُوقِ، ولأنَّ هذا القَبْضَ إن كان بحَق، لم يُشارِكْه غيرُه فيه، كما لو كان الدَّينُ بسَبَبَين، وإن كان بغيرِ حَق، لم يَكُنْ له مُطالبَتُه؛ لأنَّ حَقَّه في الذِّمَّةِ لا في العَينِ، فأشْبَهَ ما لو أخَذَ غاصِبٌ منه مالًا.
فعلى هذا، ما قَبَضَه القابِضُ يَخْتَصُّ به، وليسَ لشَرِيكِه الرُّجُوعُ عليه.
وإنِ اشْتَرَى بنَصِيبِه شيئًا، صَحَّ، ولم يَكُنْ لشَرِيكِه إبْطالُ الشِّراءِ.
وإن قَبَض أكْثَرَ مِن حَقِّه بغَيرِ إذْنِ شَرِيكه، لم يَبْرَأ الغَرِيمُ ممّا زاد على حَقه.
فصل: (الثّالِثُ، شَرِكَةُ الوُجُوهِ) وقد اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِها، قال الخِرَقِي: وهو أن يَشْتَرِكَ اثْنانِ بمالِ غَيرِهما.
وقال القاضي: مَعْناها أن يَدْفَعَ واحِدٌ ماله إلى اثْنَين مُضارَبَةً، فيَكُونُ المُضارِبان شَرِيكَين في الرِّبْح
..................................
بمالِ غيرِهما؛ لأنَّهما إذا 1 أخَذا المال بجَاهِهِما، لم يَكونا مُشْتَرِكَين بمالِ 2 غيرِهما.
وهذا محْتَمِلٌ.
وقال غيرُه: مَعْناها أنَّهما اشْتَركا فيما يَأخُذان مِن مالِ غيرِهما.
وحُمِلَ كَلامُ الخِرَقِيِّ على ذلك؛ ليَكُونَ كَلامُه جامِعًا لأنْواعِ الشَّرِكَةِ، وعلى تَفْسِيرِ القاضِي، تَكُونُ الشَّرِكَةُ بينَ ثَلاثةٍ، ويَكُونُ الخِرَقِي قد أخَلَّ بذِكْرِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الشَّرِكَةِ، وهي شَرِكَةُ الوُجُوهِ 3 على تَفْسِيرِ القاضي.
فأمّا شَرِكَةُ الوُجُوهِ على ما ذَكَرَه شيخُنا في الكِتابِ المَشْرُوحِ، فهي أن يَشْتَركَ اثْنانِ فيما يَشتَرِيان بجَاهِهما وثِقَةِ التُّجّارِ بهما، مِن غيرِ أن يَكُونَ لهما رَأسُ مالٍ، على أنَّ ما اشْتَرَيا فهو بينَهما نِصْفَين أو أثْلاثًا أو نحوَ ذلك، ويَبِيعان ذلك، فما قَسَم الله مِن الرِّبْحِ، فهو بينَهما فهي جائِزَةٌ، سواءٌ عَيَّنَ أحَدُهما لصاحِبِه ما يَشتَرِيه، أو قَدْرَه، أو ذَكَر صِنْفَ المالِ، أو لم يُعَيِّنْ شيئًا مِن ذلك، بل قال: ما اشْتَرَيتَ مِن شيءٍ فهو بَينَنا.
قال أحمدُ في رِوايَةِ ابن مَنْصُورٍ، في رَجُلَين اشْتَرَكا بغيرِ رُءُوسِ أمْوالِهما، على أنَّ ما يَشْتَرِيه كل واحِدٍ منهما بينَهما، فهو جائِز.
وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، ومحمدُ بنُ الحَسَنِ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال
..................................
أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ حتى يَذْكُرَ الوَقْتَ أو المال أو صِنْفًا مِنِ الثِّيابِ.
وقال مالكٌ، والشافعيُّ: يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شَرائِطِ الوَكالةِ؛ لأنَّ شَرائِطَ الوَكالةِ مُعْتَبَرَةٌ في ذلك؛ مِن تَعْيِينِ الجِنْسِ، وغيرِه مِن شُرُوطِ الوَكالةِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما وَكِيلُ صاحِبِه.
ولَنا، أنَّهما اشْتَرَكا في الابتِياعِ، وأذِنَ كلُّ واحِدٍ منهما للآخرِ فيه، فصَحَّ، وْكان ما 1 يَتَبايَعانه بينَهما، كما لو ذَكَرا أشْراطَ الوَكالةِ.
وقَوْلُهم: إنَّ الوَكالةِ لا تَصِحُّ حتى [يَذْكُرَ قَدْرَ] 2 الثَّمَنِ والنَّوْعَ.
مَمْنُوعٌ، وإن سُلِّمَ، فإنَّما يُعْتَبَرُ في الوَكالةِ المُفْرَدَةِ، أمّا الوَكالةُ الدّاخِلَةُ في ضِمْنِ الشَّرِكةِ، فلا يُعْتَبَرُ فيها ذلك، بدَلِيل المُضارَبَةِ وشَرِكَةِ العِنانِ، فإنَّ في ضِمْنِهما 3 تَوْكِيلًا، ولا يُعْتَبَرُ فيهما 4 شيءٌ مِن هذا، كذا هاهُنا.
فعلى هذا، إن قال لرَجُلٍ: ما اشْتَريتَ اليَوْمَ مِن شيءٍ فهو بَيني وبَينَكَ نِصْفين.
أو أطْلَقَ الوَقْتَ، فقال: نَعَم.
أو قال: ما اشْتَرَيتُ أنا مِن شيءٍ فهو بَيني وبَينكَ نِصفان.
جاز، وكانت شَرِكةً صَحِيحَةً؛ لأنَّه أذِنَ له في التِّجارَةِ على أن يَكُونَ المَبِيعُ بينَهما، وهذا مَعْنَى الشَّرِكَةِ، ويَكُونُ تَوْكِيلًا له في شِرَاءِ نِصْفِ المَتاعِ بنِصْفِ الثَّمَنِ،
فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلُ صَاحِبِهِ كَفِيلٌ عَنْهُ بِالثَّمَنِ.
وَالْمِلْكُ بَينَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ، وَالْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيهِمَا فِيهِ.
فيَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ في مُقابَلَةِ مِلْكِه الحاصِلِ في المَبِيعِ، سواءٌ خَصَّ ذلك بنَوْعٍ مِن المَتاع أو أطْلَقَ.
وكذلك لو قالا: ما اشْتَرَيناهُ.
أو: ما اشْتَراه أحَدُنا مِن تِجارَةٍ، فهو بَيننا.
صَحَّ (1). (فَكُلُّ واحِدٍ منهما وَكِيلُ صاحِبِه، كَفِيل عنه بالثَّمَنِ) لأنَّ مَبْناها على الوَكالةِ والكَفالةِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما وَكِيلُ الآخَرِ فيما يَشْتَرِيه ويَبِيعُه، كَفِيل عنه بذلك.
2106 -
مسألة: (والمِلْكُ بينَهما على ما شَرَطاه)
لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «المُؤمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» 2. (والوَضِيعَةُ على قَدْرِ مِلْكَيهما) قِياسًا على شَرِيكَيِ العِنانِ؛ لأنَّها في مَعْناها، والرِّبْحُ بينَهما1
وَالرِّبْحُ بَينَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ، وَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيهِمَا.
على ما شَرَطاه كذلك 1، (ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ على قَدْرِ مِلْكَيهما) قاله القاضي؛ لأنَّ الرِّبْحَ يُسْتَحَقُّ بالضَّمانِ، إذِ الشَّرِكَةُ وَقَعَتْ عليه خاصّةً، إذ لا مال لهما فيَشْتَرِكان على العَمَلِ فيه، والضَّمانُ لا تَفاضُلَ فيه، فلا يَجُوزُ التَّفاضُلُ في الرِّبْحِ.
ولَنا، أنَّهما شَرِيكان في المَالِ والعَملِ، فجاز تَفاضُلُهما في الربْحِ مع تَساويهما في المالِ، كشَرِيكَي العِنانِ.
وَهُمَا فِي التَّصَرّفَاتِ كَشَرِيكَي الْعِنَانِ.
فَصْل: الرَّابع، شَرِكَة الْأبْدَانِ؛ وهِيَ أنْ يَشْتَرِكَا فِيمَا يَكْتَسِبَانِ بِأبْدَانِهِمَا، فَهِيَ شَرِكَةٌ صَحِيحَة، وَمَا يَتَقَبَّله أحَدهمَا مِنَ الْعَمَلِ، يَصِير فِي ضَمَانِهِمَا يُطَالبَانِ بِهِ وَيَلْزَمهمَا عَمَلُهُ.
2107 - مسألة: (وهما في التَّصَرُّفاتِ كَشَرِيكَي العِنَانِ)
يَعْنِي فيما يَجِبُ لهما وعليهما، وفي إقْرارِهما وخُصُومَتِهما، وغيرِ ذلك، على ما ذَكَرْناه.
وأيهما عَزَل صاحِبَه عن التَّصَرُّفِ، انْعَزَلَ؛ لأنَّه وَكِيلُه.
وسُمِّيَت شَرِكَةَ الوُجُوهِ؛ لأنَّهما اشْتَرَكا فيما يَشْتَرِيانِ بجاهِهِما، والجاهُ والوَجْهُ واحِد، يُقالُ: فلان وَجِيه.
إذا كان ذا جاهٍ، قال الله تعالى في مُوسَى عليه السّلامُ: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ 1.
فصل: (الرّابعُ، شَرِكَةُ الأبدانِ؛ وهي أن يَشْتَرِكا فيما يَكْتَسِبان بأبْدانِهِما، فهي شرِكَة صَحِيحة) فهي أن يَشْتَرِكَ اثْنان أو أكْثَرُ فيما
..................................
يَكْتَسِبُونَه [بأيدِيهم أن يَعْمَلُوا في صِناعَتِهم، فما رَزَق اللهُ سُبْحانه، فهو بينَهم، وكذلك إذا اشْتَرَكُوا فيما يَكْتَسِبُون] 1 مِن المُباحِ؛ كالحَطَبِ، والحَشِيشِ، والثِّمارِ المَأخوذَةِ مِن الجِبالِ، والاصْطِيادِ، والمَعادِنِ، والتَّلَصُّصِ على دارِ الحَرْبِ، فهذا جائِز.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ أبي طالِبٍ، فقال: لا بَأسَ أن يَشْتَرِكَ القَوْمُ بِأبْدانِهم وليس لهم مالٌ، مِثْلَ الصَّيّادِين والحَمّالِين والنَّخّالِين، قد أشْرَكَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بينَ عَمّارٍ وسَعْدٍ وابنِ مَسْعُودٍ، فجاء سَعْدٌ بأسِيرَين ولم يَجِيئا بشيءٍ 2. وفَسَّرَ أحمدُ صِفَةَ الشرِكَةِ في الغَنِيمَةِ، فقال: يَشتَرِكان فيما يُصِيبان مِن سَلَبِ المَقْتُولِ؛ لأنَّ القاتِلَ يَخْتَصُّ به دُونَ الغانِمِين.
وبه قال مالكٌ.
وقال أبو حنيفةَ: تَصِحُّ في الصِّناعَةِ، ولا تَصِحُّ في اكْتِسابِ المُباحِ، كالاحْتِشاشِ والاغْتِنامِ؛ لأن الشَّرِكَةَ مُقْتَضاها الوَكالةُ، ولا تَصِحُّ الوَكالةُ في هذه الأشْياءِ؛ لأنَّ مَن أخَذَها مَلَكَها.
وقال الشافعيُّ: شَرِكَةُ الأبدانِ كلُّها فاسِدَة؛ لأنها شَرِكَة على غيرِ مالٍ، فلم تَصِحَّ، كما لو اخْتَلَفَتِ الصِّناعاتُ.
ولَنا، ما روَى أبو داوُدَ 3، والأثْرَمُ، بإسْنادِهما عن عبدِ اللهِ قال: اشْتَرَكْنا أنا وسَعْدٌ وعَمّارٌ يومَ بَدْر، فلم أجِيء أنا وعمّارٌ بشيءٍ، وجاء سَعْدٌ بأسِيرَين.
ومِثْلُ هذا لا يَخْفَى عن رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وقد أقرَّهُم،
..................................
وقد قال أحمدُ: أشْرَكَ بينَهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. فإن قِيلَ: فالمَغانِمُ مُشتَرَكَة بينَ الغانِمِين بحُكْمِ الله تِعالى، فكيف يَصِحُّ اخْتِصاصُ هؤلاء بالشَّرِكَةِ فيها؟ وقال بعضُ الشافعيّةِ: غَنائِمُ بَدْرٍ كانت لرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فكان له أن يَدْفعَها إلى مَن يَشاءُ، فيَحْتَمِلُ أن يَكُونَ فَعَل ذلك لهذا.
قُلْنا: أمَّا الأوَّلُ، فالجَوابُ عنه: أنَّ غَنائِمَ بَدْرٍ كانت لمَن أخَذَها قبل أن يُشرِكَ الله تعالى بينَهم، ولهذا نُقِلَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أخَذَ شَيئًا فَهُوَ لَهُ» 1. فكان ذلك مِن قَبِيلِ المباحاتِ؛ مَن سَبَق إلى أخْذِ 2 شيء، فهو له.
ويَجُوزُ أن يَكُونَ شَرَّك بينَهم فيما يُصِيبُونَه مِن الأسْلابِ والنَّفَلِ.
إلَّا أنّ الأوَّلَ أصَحُّ؛ لقَوْلِه: جاء سَعْدٌ بأسِيرَين ولم أجِئ أنا وعمّارٌ بشيء.
وأمّا الثّانِي، فإنَّ اللهَ تعالى إنَّما جَعَل الغَنِيمَةَ لنَبيِّه عليه السّلامُ بعدَ أن غَنِمُوا واخْتَلَفُوا في الغَنائِمِ، فأنْزَلَ الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ 3. والشَّرِكَةُ كانت قبلَ ذلك.
ويَدُلُّ على صِحَّةِ هذا، أنَّها لو كانت لرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فإمّا أن يَكُونَ قد أباحَهُم أخْذَها، فصارَتْ كالمُباحاتِ، أو لم يُبِحْها لهم، فكيفَ يَشْتَرِكُون في شيءٍ لغيرِهم؟ وفي هذا الخَبَرِ حُجَّة على أبي حنيفةَ أيضًا؛ لأنَّهم اشْتَرَكُوا في مُبَاحٍ، وفيما ليس بصِناعَةٍ 4، وهو يَمْنَعُ ذلك، ولأنَّ العَمَلَ أحَدُ
وَهَلْ تَصِحُّ مَعَ اخْتِلَافِ الصَّنَائِعِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وَتَصِحُّ فِي
جِهَتَي المُضارَبَةِ، فصَحَّتِ الشَّرِكَةُ عليه، كالمالِ، وعلى أبي حنيفةَ أيضًا، أنَّهما اشْتَرَكا في مَكْسَبٍ مُبَاح، فصَحَّ، كما لَو اشْتَرَكا في الخِياطَةِ والقِصارَةِ.
ولا نُسَلِّمُ أنَّ الوَكالةَ لا تَصِحُّ في المُباحاتِ؛ فإنَّه يَصِحُّ أن يَسْتَنِيبَ في تَحْصِيلها بأجْرَةٍ، فكذلك يَصِحُّ بغيرِ عِوَض إذا تَبَرَّعَ أحَدُهما (1) بذلك، كالتَّوْكِيلِ في بَيعِ مالِه.
ومَبْناها (2) على الوَكالةِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما وَكِيلُ صاحِبِه، وما يَتَقَبّلُه كلُّ واحِدٍ منهما مِن الأعْمالِ، فهو مِن ضَمانِهما، يُطالبُ به كل واحِدٍ منهما.
2108 -
مسألة: وتَصِحُّ مع اتِّفاقِ الصَّنائِعِ روايَةً واحِدَةً،
فأمّا مع اخْتِلافِهِما، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَصِحُّ.
اخْتَارَه أبو الخَطّابِ.12
الاحتِشَاشِ، وَالاصْطِيَادِ، وَالتَّلَصُّصِ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّ مُقْتَضاها أنَّ ما يَتَقَبَّلُه كلُّ واحِدٍ منهما مِن العَمَلِ يَلْزَمُهما ويُطالبُ به كلُّ واحِدٍ منهما، فإذا تَقَبَّلَ أحَدُهما شيئًا مع اخْتِلافِ صَنائِعِهما، لم يُمْكِنِ الآخَرَ أن يَقُومَ به، فكيفَ يَلْزَمُه عَمَلُه؟ أم كيف يُطالبُ بما لا قُدْرَةَ له عليه! والثّانِي، تَصِحُّ.
اخْتارَه القاضي؛ لأنهما اشْتَرَكا في مَكْسَبٍ مُباحٍ، فصَحَّ، كما لو اتَّفَقَتِ الصَّنائع، ولأنَّ الصَّنائع المُتَّفِقَةَ قد يَكُونُ أحَدُ الرَّجُلَينِ أحْذَقَ فيها مِن الآخَرِ، فربَّما يَتَقَبّلُ أحَدُهما ما لا يُمْكِنُ الآخَرَ عَمَلُهُ، ولم يَمْنَعْ ذلك صِحَّتَها، فكذلك إذا اخْتَلَفَت الصَّنائع.
وقَوْلُهم: يَلْزَمُ كلَّ واحِدٍ منهما ما يَتَقَبَّلُه صاحِبُه.
قال القاضي: يَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه ذلك، كالوَكِيلَين؛ بدَلِيلِ صِحَّتِها في المُباحِ، ولا ضَمانَ فيها.
وإن قُلْنا: يَلْزَمُه.
أمْكَنَه تَحْصِيلُ ذلك بالأجْرَةِ، أو بمن يَتَبَرَّعُ له بعَمَلِه.
ويَدُلُّ على صِحَّةِ هذا، أنَّه لو قال أحَدُهما: أنا أتَقَبَّلُ وأنتَ
..................................
تَعْمَلُ.
صَحَّتِ الشَّرِكَةُ، وعَمَلُ كلِّ واحِدٍ منهما غيرُ عَمَلِ صاحِبِه.
وقال زُفَرُ: لا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ إذا قال أحَدُهما: أنا أتَقَبَّلُ وأنْتَ تَعْمَلُ.
ولا يَسْتَحِقُّ العامِلُ المُسَمَّى، وإنَّما له أجْرُ المِثْلِ.
ولَنا، أنَّ الضَّمانَ يُسْتَحَقُّ به الرِّبْحُ، بدَلِيلِ شَرِكَةِ الأبدانِ، وتَقَبُّلُ العَمَلِ يُوجِبُ الضَّمانَ على المُتَقَبِّلِ، ويَسْتَحِقُّ به الرِّبْحَ، فصار كتَقَبُّلِه المال في المُضارَبَةِ، والعَمَلُ يَسْتَحِقُّ به العامِلُ الرِّبْحَ، كعَمَلِ المُضارِبِ، فيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ المُضارَبَةِ.
فصل: والرِّبْحُ في شَرِكَةِ الأبدانِ على ما اتَّفَقُوا عليه، مِن مُساواةٍ أو تَفاضُل؛ لأنَّ العَمَلَ يُسْتَحَقُّ به الرِّبْحُ، وقد يَتفاضَلان في العَمَلِ، فجاز تَفاضُلُهُما في الرِّبْحِ الحاصِلِ به.
ولكلِّ واحِدٍ منهما المُطالبةُ بالأجْرَةِ، وللمُسْتَأجِرِ دَفْعُها إلى كلِّ واحِدٍ منهما، وأيهما دَفَعَها إليه بَرِئ منها.
وإن تَلِفَتْ في يَدِ أحَدِهما مِن غير تَفْرِيطٍ، فهي مِن ضَمانِهما؛ لأنَّهما كالوَكِيلَين في المُطالبةِ، وما يَتَقَبَّلُه كل واحِدٍ منهما مِن الأعْمالِ، فهو مِن ضَمانِهِما، يُطالبُ به كلُّ واحِدٍ منهما، ويَلْزَمُه عَمَلُه؛ لأنَّ هذه الشَّرِكَةَ لا تَنْعَقِدُ إلَّا على الضَّمانِ، ولا شيءَ فيها تَنْعَقِدُ عليه الشَّرِكَةُ حال الضَّمانِ، فكأن الشَّرِكَةَ تَضَمَّنتْ ضَمانَ كلِّ واحِدٍ منهما عنِ الآخَرِ ما يَلْزَمُه.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَ أحَدَهما ما لَزِم الآخرَ، كما ذَكَرْنا مِن قَبلُ.
وما يَتْلَفُ بتَعَدِّي أحَدِهما أو تَفْرِيطِه أو تحتَ يَدِه على وَجْهٍ يُوجِبُ الضَّمانَ
وَإنْ مَرِضَ أحدُهُمَا، فَالْكَسْبُ بَينَهُمَا.
فَإِنْ طَالبَهُ الصَّحِيحُ أنْ يُقِيمَ مُقَامَهُ، لَزِمَهُ ذَلِكَ.
عليه، فهو عليه وَحْدَه، وإن أقَرَّ أحَدُهما بما في يَدِه، قُبِل عليه وعلى شَرِيكِه؛ لأنَّ اليَدَ له، فيُقْبَلُ إقْرارُه بما فيها، ولا يُقْبَلُ إقْرارُه بما في يَدِ شَرِيكِه، ولا بَدْينٍ عليه؛ لأنَّه لا يَدَ له على ذلك.
2109 -
مسألة: (وإن مَرِض أحَدُهما، فالكَسْبُ بينَهما. فإن طَالبَه الصَّحِيحُ أن يُقِيمَ مُقَامَه، لَزِمَه ذلك)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا عَمِل أحَدُهما دُونَ الآخَرِ، فالكَسْبُ بينَهما.
قال ابنُ عَقِيلٍ: نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ إسْحاقَ بنِ هانِئ وقد سُئِلَ عنِ الرَّجُلَين يَشتَرِكان في عَمَلِ الأبدانِ، فيأتِي أحَدُهما بشيءٍ ولا يأتِي الآخرُ بشيءٍ؟ فقال: نعم، هذا بمَنْزِلةِ حديثِ سعدٍ وعَمّارٍ وابنِ مَسْعُودٍ.
يَعْنِي حيثُ اشْتَرَكُوا، فجاء سَعْدٌ بأسِيرَينِ، وأخْفَقَ الآخَران 1. ولأنَّ العَمَلَ مَضْمُونٌ عليهما معًا، وبضَمانِهِما له وَجَبَتِ الأجْرَةُ، فتَكُونُ لهما، كما كان الضَّمانُ عليهما، ويَكُونُ العامِلُ عَوْنًا لصاحِبِه في حِصَّتِه، ولا يَمْنَعُ ذلك اسْتِحقاقَه، كمنِ استَأجَرَ رَجُلًا ليَقْصُرَ له ثَوْبًا، فاسْتعانَ القَصّارُ بإنسانٍ فقَصَرَ معه، كانتِ الأجْرَةُ للقَصّارِ المُسْتَأجَرِ.
كذا هاهُنا.
وسواءٌ تَرَك العَمَلَ لمَرَض أو
فَإِنِ اشْتَرَكَا لِيَحْمِلَا عَلَى دَابَّتَيْهمَا وَالأُجْرَةُ بَينَهُمَا، صَحَّ.
فَإن تَقَبَّلَا حَمْلَ شَيْءٍ، فَحَمَلَاهُ عَلَيهِمَا، صَحَّتِ الشَّرِكَةُ، وَالأجْرَةُ عَلَى مَا شَرَطَاهُ.
غيرِه.
فإن طالبَ أحَدُهما الآخَرَ أن يَعْمَلَ معه ويُقِيمَ مُقامَه مَن يَعمَلُ، فله ذلك.
فإنِ امْتَنَعَ فللآخَرِ الفَسْخُ، ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا تَرَك العَمَلَ لغيرِ عُذْرٍ، أن لا يُشارِكَ صاحِبَه في أُجْرَةِ ما عَمِلَه دُونَه، لأنَّه إنَّما شارَكَه ليَعْمَلَا جميعًا، فإذا تَرَك أحَدُهما العَمَلَ، فما وَفَّى بما شَرَط على نَفْسِه، فلم يَسْتَحِقَّ ما جُعِل له في مُقابَلَتِه.
وإنَّما احْتَملَ ذلك فيما إذا تَرَكَه لِعُذْرٍ، لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه.
2110 -
مسألة: (وإنِ اشْتَرَكا على أن يَحْمِلا على دابَّتَيْهما والأجْرَةُ بينَهما، صَحَّ)
لأنه نَوْعٌ مِن الاكْتِسابِ، والدّابَّتانِ آلتانِ، فأشْبَها الأداةَ.
2111 -
مسألة: (فإذا تَقَبَّلا حَمْلَ شيءٍ، فحَمَلاه عليهما)
أو على غيرِ الدّابَّتَيْن (صَحَّتِ الشَّرِكَةُ، والأجْرَةُ) بينَهما (على ما شَرَطاه، لأنَّ تَقَبُّلَهما الحَمْلَ أثْبَتَ الضَّمانَ في ذِمَّتِهما، ولهما أن يَحْمِلا بأيِّ ظَهْرٍ
.................................. كَان، والشرِكَةُ تَنْعَقِدُ على الضَّمانِ، كشَرِكَةِ الوُجُوهِ، فأشْبَهَ ما لو تَقَبَّلا قَصارَةً فقَصَراها بغيرِ أداتِهما.
وَإنْ أجَرَاهُمَا بِأعْيَانِهِمَا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُجْرَةُ دَابَّتِهِ
2112 - مسألة: (وإن أجَراهما بأعْيانِهِما، فلكُلِّ واحِدٍ منهما أُجْرَةُ دابَّتِه)
أمّا إذا أجَرَا الدّابَّتينَ بأعْيانِهما على حَمْلِ شيءٍ بأجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ، واشْتَرَكا على ذلك، لم تَصِح الشَّرِكَةُ، ولكُلِّ واحِدٍ منهما أُجْرَةُ دابَّتِه؛ لأنَّه لم يَجِبْ ضَمانُ الحَمْلِ في ذِمَّتهما 1، وإنما اسْتَحَقَّ المُكْتَرِي مَنْفَعَةَ البَهِيمَةِ التي اسْتَأجَرَها، ولهذا تَنْفَسِخُ الإجارَةُ بمَوْتِ الدّابَّةِ المُسْتأجَرَةِ، ولأنَّ الشَّرِكَةَ إمّا أن تَنْعَقِدَ علي الضَّمانِ في ذِمَمِهما، أو على عَمَلِهما.
وليس هذا بواحِدٍ منهما، فإنه لم يَثْبُتْ في ذِمَمِهما ضَمان، ولا عَمِلا بأبْدانِهما ما تَجِبُ الأجْرَةُ في مُقابَلَتِه، ولأنَّ الشَّرِكَةَ تَتَضمَّنُ الوَكالةَ،
..................................
والوَكالةُ على هذا الوَجْهِ لا تَصِحُّ، ولهذا لو 1 قال: آجِرْ عَبْدَك وتَكُونُ أُجْرَتُه بَيني وبَينَك.
لَم يَصِحَّ، كما لو قال: بع عَبْدَك وثَمَنُه بَينَنا.
لم يَصِحَّ.
قال شيخُنا 2: ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ الشَّرِكَةُ، كما لو اشْتَرَكا فيما يَكْتَسِبان بأبدانِهما مِن المُباحِ.
فإن أعان أحَدُهما صاحِبَه في التحْمِيلِ والنَّقْلِ، كان له أجْرُ مِثْلِه؛ لأنَّها مَنافِعُ وَفّاها بشُبْهَةِ عَقْدٍ.
فصل: فإن كان لأحَدِهما أداةُ قِصارَةٍ، ولآخَرَ بَيتٌ، فاشْتَرَكا على أن يَعْمَلا بأداةِ هذا في بَيتِ هذا، والكَسْبُ بينَهما، جاز، والأجْرَةُ على ما شَرَطا؛ لأنَّ الشَّرِكَةَ وَقَعَتْ على عَمَلِهما، والعَمَلُ يُسْتَحَقُّ به الرِّبْحُ في الشَّرِكَةِ، والآلةُ والبَيتُ لا يُسْتَحَقُّ بهما شيءٌ؛ لأنَّهما يُسْتَعْمَلان في العَمَلِ المُشْتَركِ، فصارا كالدّابتَّين اللَّتَين أجَراهُما لحَمْلِ الشيء الذي تَقَبَّلا حَمْلَه.
وإن فَسَدتِ الشَّرِكَةُ، قُسِم الحاصِلُ لهما على قَدر أَجْرِ عَمَلِهما وأجْرِ الدارِ والأداةِ.
وإنِ كانت لأحَدِهما آلة وليس للآخرِ شيءٌ، أو لأحَدِهما بَيتٌ وليس للآخرِ شيءٌ، فاتَّفَقا على أن يَعْمَلا بالآلةِ أو في البَيتِ، والأجْرَةُ بينَهما، جاز؛ لِما ذَكَرْنا.