الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 33-72

..................................  وكقَطْعِ السَّارقِ، واسْتِيفاء القِصاصِ، وعَكْسُه الصغيرةُ والمُكْرَهَةُ على الزِّنَى.
إذا ثبتَ هذا، فإنَّه يَلْزَمُه المَهْرُ المُسَمَّى في النِّكاحِ، مع أَرْشِ الجِنايةِ، ويكونُ أَرْشُ الجِنايةِ في مالِه، إن كان عَمْدًا مَحْضًا، وهو أن يَعْلَمَ أنَّها لا تُطيقُه، وأنَّ وَطْأَه يُفْضِيها، فأمَّا إنْ عَلِمَ ذلك، وكان مما يَحْتَمِلُ أن لا يُفْضِىَ إليه، فهو عمْدُ الخَطَأ، فيكونُ على عاقلتِه، إلّا على قولِ مَن قال: إنَّ العاقِلةَ لا تَحْمِل عَمْدَ الخَطَأ، فيكونُ في مالِه.
الثانى: في قَدْرِ الواجبِ، وهو ثُلُثُ الدِّيَةِ.
وبه قال قَتادةُ، وأبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: تَجِبُ الدِّيَةُ كاملةً.
ورُوِىَ ذلك عن عمرَ بن عبدٍ العزيزِ؛ لأنَّه أتْلَفَ منْفَعةَ الوَطْءِ، فلَزِمَتْه الدِّيَةُ، كما لو قطَع إسْكَتَيْها.
ولَنا، ما رُوِى عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قَضَى في الإِفْضاءِ

..................................  بثُلُثِ الدِّيَةِ 1. [ولم نَعْرِفْ له في الصَّحابةِ مُخالِفًا.
ولأَنَّ هذه جِنايةٌ تَخْرِقُ الحاجِزَ بينَ مَسْلَكِ البَوْلِ والذَّكَرِ، فكانَ مُوجَبُها ثُلُثَ الدِّيَةِ] 2، كالجائفةِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّها تَمْنَعُ الوَطْءَ، وأمَّا قَطْعُ الإِسْكَتَيْنِ، فإنَّما أوْجَبَ الدِّيَةَ؛ لأنَّه قطْعُ عُضْوَيْنِ فيهما نَفْعٌ وجَمالٌ، فأشْبَهَ قَطْعَ 3 الشَّفَتَيْنِ.
فصل: فإنِ اسْتَطْلَقَ بَوْلُها مع ذلك، لَزِمَتْه دِيَةٌ مِن غيرِ زِيادةٍ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: تجبُ دِيَةٌ وحُكومَةٌ؛ لأنَّه فَوَّتَ مَنْفعَتَيْنِ، فلزِمَه أرْشُهُما، كما لو فَوَّتَ كلامَه وذَوْقَه.
ولَنا، أنَّه إتْلافُ عُضْوٍ واحدٍ لم يَفُتْ غيرُ مَنافِعِه، فلم يَضْمَنْه بأكثرَ مِن دِيَةٍ واحدةٍ، كما لو قطَع لِسانَه فذهبَ ذَوْقُه وكلامُه.
وما قالَه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو أوْجبَ دِيَةَ المَنْفَعَتَيْنِ، لأوْجبَ دِيَتَيْنِ؛ لأَنَّ اسْتِطْلاقَ البَوْلِ مُوجِبٌ لدِيَةٍ، والإِفْضاءَ عندَه مُوجِبٌ للدِّيَةِ مُنْفَرِدًا، ولم يَقُلْ به، وإنَّما أوْجبَ الحُكومةَ، ولم يُوجَدْ مُقْتَضِيها، فإنَّا لا نَعلمُ أحدًا أوْجبَ في الإِفْضاءِ حُكومةً.

..................................  فإنِ انْدمَلَ الحاجزُ وانْسَدَّ، وزالَ الإِفْضاءُ، لم يجبْ ثُلُثُ الدِّيَةِ، ووَجبتْ حُكومةٌ، لجَبْرِ ما حصَل مِن النَّقْصِ.
فصل: وإن أكْرَه امرأةً على الزِّنَى فأفْضاها، لَزِمَه ثُلُثُ دِيَتها ومَهْرُ مِثْلِها؛ لأنَّه حصَل بوَطْءٍ غيرِ مُسْتَحَقٍّ، ولا مَأْذونٍ فيه، فلَزِمَه ضَمانُ ما تَلِفَ به، كسائرِ الجِناياتِ.
وهل يَلْزَمُه أَرْشُ البَكارةِ مع ذلك؟ فيه رِوَايتان؛ إحداهما، لا يَلْزَمُه؛ لأَنَّ أَرْشَ البَكارةِ داخِلٌ في مَهْرِ المِثْلِ، فإنَّ مَهْرَ البكْرِ أكثرُ مِن مَهْرِ الثَّيِّبِ، فالتَّفاوُت بينَهما هو عِوَضُ أَرشِ البَكارةِ، فلم يَضْمَنْه مَرَّتَيْنِ، كما في حَقِّ الزَّوْجَةِ.
والثانيةُ، يَضْمَنُهُ؛ لأنَّه مَحَلٌّ أتْلَفَه بعُدْوانِه، فلَزِمَه أَرْشُه، كما لو أتْلَفَه بإصْبَعِه.
فأمَّا المُطاوِعةُ على الزِّنَى إذا كانت كبيرةً ففتَقَها، فلا ضَمانَ عليه في فَتْقِها.
وقال الشافعىُّ: يَضْمَنُ؛ لأَنَّ المأْذونَ فيه الوَطْءُ دُونَ الفَتْقِ، فأشْبَهَ ما لو قطَع يدَها.
ولَنا، أنَّه ضَرَرٌ حصَل مِن فِعْلٍ مأْذُونٍ فيه، فلم يضْمَنْه، كأَرْشِ بَكارَتِها ومَهْرِ مِثْلِها، وكما لو أذِنَتْ في قَطْعِ يدِها، فسَرَى القَطْعُ إلى نفْسِها.
وفارَقَ ما إذا أذِنَتْ في وَطْئِها فقَطَعَ يدَها؛ لأَنَّ ذلك ليس مِن المأْذونِ فيه، ولا مِن ضَرورَتِه.
فصل: وإن وَطِئَ امرأةً بشُبْهَةٍ، فأفضَاها، فعليه أَرْشُ إفْضائِها مع مَهْرِ مِثْلِها؛ لأَنَّ الفِعْلَ إنَّما أُذِنَ فيه اعْتِقادًا أنَّ المُسْتَوْفِىَ له هو المُسْتَحِقُّ، فإذا كان 1 غيرَه، ثبَت في حَقِّه وُجوبُ الضَّمانِ لِما أتْلَفَ، كما لو أذِنَ

فَصْلٌ: وَفِى الضِّلَعِ بَعِيرٌ، وَفِى التَّرْقُوَتَيْنِ بَعِيرَانِ.
في أخْذِ الدَّيْنِ لمَن يعْتَقِدُ أنَّه مُسْتَحِقُّه، فبانَ أنَّه غيرُه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يجبُ لها أكثرُ الأمْرَيْنِ مِن مَهْرِ مِثْلِها أو أَرْشِ إفْضائِها؛ لأَنَّ الأَرْشَ لإِتْلافِ العُضْوِ، فلا يُجْمَعُ بينَ ضَمانِه وضَمانِ منْفَعتِه، كما لو قلَع عَيْنًا.
ولَنا، أنَّ هذه جِنايَةٌ تَنْفَكُّ عن الوَطْءِ، فلم يدْخُلْ بدَلُه فيها، كما لو كسَر صَدْرَها.
وما ذَكَرَه (1) غيرُ صَحيحٍ، فإنَّ المَهْرَ يجبُ لاسْتِيفاءِ منْفَعةِ البُضْعِ، والأرْشَ يجبُ لإِتْلافِ الحاجزِ، فلا تدْخُلُ المنْفَعةُ فيه.

فصل

: وإنِ اسْتَطلَقَ بَوْلُ المُكْرَهةِ على الزِّنَى والمَوْطُوءَةِ بشُبْهَةٍ مع إفْضائِهما، فعليه دِيَتُهما والمهرُ.
وقال أبو حنيفةَ في المَوْطُوءةِ بشُبْهَةٍ: لا يُجْمَعُ بينَهما، ويجبُ أكثرُهما.
وقد سبقَ الكلامُ معه في ذلك.
فصل: (وفى الضِّلَعِ بعيرٌ، وفى التَّرْقُوتَيْنِ بعِيرانِ) رَوَى سعيدٌ 2، عن مطرٍ، عن قَتادةَ، عن سليمانَ، عن 3 عمرَ، وسُفيانَ،1

..................................  عن زيدِ بنِ أسْلَمَ، عن أسْلَمَ، عن عمرَ، في الضِّلَعِ جَمَلٌ، والتَّرْقُوَةِ جَمَلٌ.
وقال الخِرَقِىُّ: في التَّرْقُوَةِ بعِيرانِ.
فظاهرُ قولِه أنَّ في كُلِّ تَرْقوَةٍ بَعيرَيْنِ، فيكونُ في التَّرْقُوَتَيْنِ أرْبعةُ أبعِرَةٍ.
وهذا قولُ زيدِ بنِ ثابتٍ.
والتَّرْقُوَةُ: العَظْمُ المُسْتَدِيرُ حولَ العُنُقِ مِن النَّحْرِ إلى الكَتِفِ.
ولكُلِّ واحدٍ تَرْقُوَتانِ، [فيهما أَربَعةُ أَبعِرَةٍ، في ظاهرِ قولِ الخِرَقِىِّ] 1. وقال القاضى: المرادُ بقول الخِرَقِىِّ التَّرْقُوَتانِ معًا، وإنَّما اكْتَفَى بلَفْظِ الواحدِ لإِدْخالِ الألفِ واللَّامِ المُقْتَضِيَةِ للاسْتِغْراقِ، فيكونُ في كلِّ تَرْقُوَةٍ بعيرٌ.
وهذا قولُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهدٌ، وعبدُ الملكِ بنُ مَرْوانَ، وسعيدُ بنُ جُبَيْر، وقَتادةُ، وإسْحاقُ، وهو قولٌ للشافعىِّ 2. والمَشْهُورُ مِن قولِه عندَ أصْحابِه، أنَّ في كل واحدٍ مما

..................................  ذكَرْنا حُكوِمةً.
وهو قولُ مَسْروقٍ، وأبى حنيفةَ، ومالكٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه عَظْمٌ باطنٌ، لا يخْتَصُّ بجمالٍ ومنْفَعةٍ، فلم يجبْ فيه أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، كسائرِ أعْضاءِ البدَنِ، ولأَنَّ التَّقْديرَ إنَّما يكونُ بتَوْقيفٍ أو 1 قِياسٍ صَحيحٍ، وليس في هذا تَوْقِيفٌ ولا قِياسٌ.
ورُوِىَ عن الشَّعْبِىِّ أنَّ في التَّرْقُوَةِ أرْبعينَ دِينارًا.
وقال عمرُو بنُ شُعَيْبٍ: في التَّرْقُوَتَيْنِ الدِّيَةُ، وفى إحْداهما نِصْفُها؛ لأنَّهما عُضْوانِ فيهما جَمالٌ 2 ومنْفَعةٌ، وليس في البدَنِ غيرُهما مِن جِنْسِهما، فكَمَلَتْ فيهما الدِّيَةُ، كاليَدَيْنِ.
ولَنا، قولُ عمرَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما.
وما ذكَرُوه ينْتَقِض بالهاشِمَةِ،

وَفِى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الذِّرَاعَ، والزَّنْدِ، وَالْعَضُدِ، وَالْفَخِذِ، وَالسَّاقِ، بَعِيرَانِ.
فإنَّها كَسْرُ عِظامٍ باطنةٍ، وفيها مُقَدَّرٌ.
ولا يَصِحُّ قولُهم: إنَّها لا تَخْتَصُّ بجمالٍ ومَنْفعةٍ.
فإنَّ جمالَ هذه العظام ونَفْعَها لا يُوجَدُ في غيرِها، ولا مُشارِكَ لها فيه.
وأمَّا قولُ عمرِو بنِ شَعَيْبٍ، فمخالفِ للإِجْماعِ، فإنَّا لا نعلمُ أحدًا قبلَه ولا بعدَه وَافقَه فيه.

4325 -

مسألة: (وفى كلِّ واحدٍ مِنَ الذِّراعِ، والزَّنْدِ، والعَضُدِ، والسَّاقِ، بَعِيرانِ)

قال القاضى: في الزَّنْدَيْنِ 1 أرْبعة أبعِرَةٍ، لأَنَّ فيهما أرْبعةَ عِظامٍ، ففى كلِّ عَظْمٍ بَعيرٌ.
وهذا يُرْوى عن عمرَ بنِ الخطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ: فيه حُكومَةٌ، لِما تَقَدَّمَ.
ولَنا، ما رَوَى سعيدٌ، ثنا هُشَيمٌ، أنا يحيى بنُ سعيدٍ،

..................................  عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، أنَّ عمرَو بنَ العاصِ كتبَ إلى عمرَ في أحَدِ الزَّنْدَيْن إذا كُسِرَ، فكتبَ إليه عمرُ: إنَّ فيه بَعِيرَيْنِ، وإذا كسَر الزَّنْدَيْنِ ففِيهما أرْبعةٌ مِن الإِبلِ 1. ورَواه أيضًا من طريقٍ آخرَ مثلَ ذلك.
وهذا لم يظْهَرْ له مُخالِفٌ في الصَّحابةِ، فكان إجْماعًا.
فصل: ولا مُقَدَّرَ في غيرِ هذه العِظامِ، في ظاهرِ قولِ الخِرَقِىِّ.
وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وقال القاضى: في عَظْمِ السَّاقِ بَعِيرانِ، وفى عَظْمِ (3) السَّاقَيْنِ أرْبعةُ أبعِرَةٍ.
وفى الفَخِذِ بَعِيرانِ، وفى الفَخِذَيْنِ أرْبعةُ أبْعِرَةٍ، فهده تِسْعةُ عِظامٍ فيها مُقَدَّرٌ، الضِّلَعُ، والتَّرْقُوَتانِ، والزَّنْدانِ والسَّاقانِ، والفَخِذانِ، وما عَدَاها لا مُقَدَّرَ فيه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ، وأبو الخَطَّابِ، وجماعةٌ مِن أصْحابِ القاضى: في كُلِّ واحدٍ مِن الذِّراعِ والعَضُدِ بَعِيرانِ.
وزادَ أبو الخَطَّابِ عَظْمَ القَدَمِ، لِما روَى سليمانُ بنُ يَسارٍ، أنَّ عمرَ قَضى في الذِّراعِ والعَضُدِ 2 والفَخِذِ والسَّاقِ والزَّنْدِ، إذا كُسرَ واحدٌ منها فجَبَرَ، ولم يكُنْ به دُحورٌ -يعنى عِوَجًا- بعيرٌ 3،

وَمَا عَدَا مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْجُرُوحِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ، مِثْلَ خَرَزَةِ الصُّلْبِ  وإن كان فيها دُحورٌ، فبحِسابِ ذلك.
وهذا الخبرُ إن صَحَّ، فهو مُخالفٌ لِما ذهَبوا إليه، فلا يَصْلُحُ دَليلًا عليه.
قال شيْخُنا (1): والصَّحِيحُ، إنْ شاءَ اللَّهُ، أنَّه لا تَقْديرَ في غيرِ الخَمْسةِ؛ الضِّلَعِ، والتَّرْقوَتيْنِ، والزَّنْدَيْنِ؛ لأَنَّ التَّقْديرَ إنَّما يَثْبُتُ بالتَّوْقيفِ، ومُقْتضى الدَّليلِ وُجوبُ الحُكومةِ في هذه العِظَامِ الباطنةِ كلِّها، وإنَّما خالَفْناه في هذه العِظامِ لقَضاءِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ففيما عدَاها يَبْقَى على مُقْتَضَى الدَّليلِ.

4326 -

مسألة: (وما عدا ما ذَكَرْنا مِن الجُرُوحِ وكَسْرِ

1

وَالْعُصْعُص، فَفِيه حُكُومَةٌ؛ وَالْحُكُومَةُ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِىُّ عَلَيْهِ كَأنَّهُ عَبْدٌ لَا جِنَايَةَ بِهِ، ثُمَّ يُقَوَّمَ وَهِىَ بِهِ قَدْ بَرَأَتْ، فَمَا نَقَصَ مِنَ الْقِيمَةِ، فَلَهُ مِثْلُهُ مِنَ الدِّيَةِ، فَإِنْ كَانَ قِيمَتُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ عِشْرِينَ، وَقِيمَتُهُ وَبِهِ الْجِنَايَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ، فَفِيهِ نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِهِ.
العِظامِ، مثلَ خَرَزَةِ الصُّلْبِ 1، والْعُصْعُصِ 2، ففيه الحُكومَةُ) ولا نعلمُ فيها مُخالِفًا، وإن خالفَ فيها أحدٌ، فهو قولٌ شاذٌّ لا يَسْتَنِدُ إلى دَليلٍ يُعْتَمَدُ عليه، ولا يُصارُ إليه.
وخَرَزَةُ الصُّلْبِ إن [أُرِيدَ بها] 3 كَسْرُ الصُّلْبِ 4، ففيه الدِّيَةُ.
وقال القاضى: فيه حُكومةٌ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
وقد ذكَرْناه.

4327 -

مسألة: (والحُكُومَةُ أن يُقَوَّمَ المَجْنِىُّ عليه كأنَّه عبدٌ لَا جِنايةَ به، ثم يُقَوَّمَ وهى به قد بَرَأتْ، فَمَا نقَص، فله مثلُه مِنَ الدِّيَةِ، فإن كان قِيمَتُه وهو صَحِيحٌ عِشْرِين، وَقِيمَتُه وبه الجِنَايَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ، ففيه نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِه)

وهذا الذى ذكَره في تَفْسِيرِ الحُكومةِ قولُ أهلِ

..................................  العلمِ، لا نعلمُ بينَهم فيه خِلافًا.
وبه قال الشافعىُّ، والعَنْبَرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى وغيرُهم.
قال ابنُ المُنْذِرِ 1: كلّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ يرَى أنَّ معنى قولِهم: حُكومةٌ.
أن يُقالَ إذا أُصِيبَ الإِنسانُ بجُرْحٍ لا عقْلَ له معلومٌ: كم قيمةُ هذا الجُرْحِ لو كان عَبْدًا لم يُجْرَحْ هذا الجُرْحَ؟ فإذا قِيلَ: مائةَ دينارٍ.
قيلِ: وكم قِيمَتُه وقد أصابَه هذا الجُرْحُ وانتَهى بُرْؤُه؟ قيل: خمسةٌ وتِسعُونَ.
فالذى يجبُ على الجانِى نِص عُشْرِ الدِّيَةِ.
وإن قالوا: تِسْعونَ.
فعُشْرُ الدِّيَةِ.
وإن زادَ أو نقَص، فعلى هذا المِثالِ.
وإنَّما كان كذلك، لأَنَّ جُمْلتَه مَضْمونةٌ بالدِّيَةِ، فأجْزاؤُه مَضْمونَةٌ منها، كما أنَّ المبِيعَ لمَّا كان مضْمُونًا على البائعِ بالثَّمَنِ، كان أَرْشُ عَيْبِه مُقَدَّرًا مِن الثَّمنِ، فيُقالُ: كم قِيمَتُه لا عيبَ فيه؟ فإن قالُوا: عشَرةٌ.
فيقالُ: كم قِيمتُه وفيه العَيْبُ؟ فإذا قيل: تسعةٌ.
عُلِمَ أنَّه نقَص عُشْرُ قِيمَتِه، فيجبُ أن 2 يُرَدَّ مِن الثَّمنِ عُشْرُه، أىَّ [قَدْرٍ كان] 3، ونُقَدِّرَه عَبْدًا ليُمْكِنَ تقْويمُه، ويُجْعَلَ العَبْدُ أصْلًا للحُرِّ فيما لا مُوَقَّتَ فيه، والحرُّ أصْلًا للعَبْدِ فيما فيه تَوْقِيتٌ، في المشْهُورِ مِن المذْهبِ.

إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْحُكُومَةُ في شَىْءٍ فِيهِ مُقَدَّرٌ، فَلَا يُبْلَغُ بِهِ أَرْشُ الْمُقَدَّرِ، فَإِذَا كَانَتْ في الشِّجَاجِ الَّتِى دُونَ الْمُوضِحَةِ، لَمْ يُبْلَغْ بِهَا أَرْشُ

4328 - مسألة: (إلَّا أن تَكونَ في شئٍ فيه مُقَدَّرٌ، فلا يُبْلَغُ به أَرْشُ المُقَدَّرِ، فإن كانتْ في الشِّجاجِ الَّتى دونَ المُوضِحَةِ، لم يُبْلَغْ بها أَرْشُ المُوضِحَةِ)

فلو جَرَحَهُ في وَجْهِه سِمْحَاقًا، فنَقَصَتْه عُشْرَ قِيمَتِه، فمُقْتَضَى الحُكومَةِ وجُوبُ عَشْر مِن الإِبِلِ، ودِيَةُ المُوضِحَةِ خَمْسٌ، فههُنا يُعْلَمُ غلطُ المُقَوِّمِ؛ لأَنَّ الجِراحةَ لو كانت مُوضِحَةً، لم تَزِدْ على خَمْسٍ، مع أنَّها سِمْحاقٌ وزيادةٌ عليها، فلَأن لا يجبَ في بعضِها زيادةٌ على خَمسٍ أوْلَى.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وبه يقولُ الشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّه يجبُ ما تُخْرِجُه الحُكومَةُ، كائنًا ما كانَ؛ لأنَّها جِراحَةٌ لا مُقَدَّرَ فيها، فوجب فيها ما نقَص، كما لو كانت في سائرِ البدَنِ.
ولَنا، أنَّها [بعضُ المُوضِحَةِ] 1، لأنَّه لو أوْضَحَه لقَطَعَ ما قطَعَتْه هذه الجِراحَةُ، ولا يجوزُ أن يجبَ في بعضِ الشئِ أكثرُ ممَّا يجبُ فيه، ولأَنَّ الضَّرَرَ في المُوضِحَةِ أكبرُ 2، والشَّيْنَ أعْظَمُ، والمَحَلَّ واحدٌ، فإذا لم يَزِدْ أَرْشُ المُوضِحَةِ على خَمْسٍ، كان ذلك تَنْبِيهًا على أَنْ لا يَزيدَ ما دُونَها عليها.
وأمَّا سائرُ البدَنِ، فما كان فيه مُوَقَّتٌ،

الْمُوضِحَةِ، وَإِنْ كَانت فِى إِصْبَعٍ، لَمْ يَبْلُغْ بِهَا دِيَةَ الإِصْبَعِ، وَإِنْ كَانَتْ في أُنْمُلَةٍ، لَمْ يَبْلُغْ بِهَا دِيَتَهَا.
كالأعْضاءِ، والعِظَامِ المعْلُومَةِ، والجائِفَةِ، فلا يُزادُ جُرْحُ عَظْمٍ على دِيَتِه، مثالُه، جَرَحَ أُنْمُلَةً، فبلَغ أَرشُها بالحُكومةِ خَمْسًا مِن الإِبِلِ، فإنَّه يُرَدُّ إلى [دِيَةِ الأُنْمُلَةِ] 1. وإن كان في إصْبَعٍ، فبلَغ ما زادَ على العَشْرِ بالحُكومةِ، رُدَّ إلى العَشْرِ.
وإن جَنَى عليه في جَوْفِه دُون الجائفَةِ، لم يَزِدْ على أَرْشِ الجائفَةِ، وما لم يَكُنْ كذلك، وجبَ ما أخْرَجَتْه الحُكومةُ؛ لأَنَّ المَحَلَّ مُخْتَلِفٌ.
فإن قِيلَ: فقد وجَب في بعضِ البَدَنِ أكثرُ ممَّا وجَب في جَميعِه، وَوجبَ في منافعِ اللِّسانِ أكثرُ مِن الواجبِ فيه.
قُلْنا: إنَّما وجبَتْ دِيَةُ النَّفْسِ دِيَةً عن الرُّوحِ، وليستِ الأطْرافُ بعضَها، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
هذا ذكَره القاضى.
ويَحْتَمِلُ كلامُ الخِرَقِىِّ أن يَختَصَّ امْتِناعُ الزِّيادة بالرَّأْس والوَجْهِ؛ لقولِه: إلَّا أن تكونَ الجِنايةُ في وَجْهٍ أو رَأْسٍ، فلا يُجَاوَزُ به أَرْشُ المُوَقَّتِ.

..................................  فصل: وإذا أَخْرَجَتِ الحُكومةُ في شِجاجِ الرَّأْسِ التى دُونَ المُوضِحَةِ قَدْرَ أَرش المُوضِحَةِ أو زيادةً عليه، فظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه يجبُ أَرْشُ المُوضِحَةِ.
وقال القاضى: يجبُ أن يَنْقُصَ عنها شيئًا على حَسَبِ ما يُؤدِّى إليه الاجْتِهادُ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وهو الذى ذكَرَه شيْخُنا في كتابِ «الكَافِى» 1 و «المُقْنِعِ»؛ لئَلَّا يجبَ في بعْضِها ما يجبُ في جَميعِها.
ووَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّ مُقْتَضَى الدَّليلِ وُجوبُ ما أخْرَجَتْه الحُكومةُ، وإنَّما سقَطَ الزَّائِدُ على أَرْشِ المُوضِحَةِ؛ لمُخالَفَتِه النَّصَّ [أو تَنْبِيهَ النَّصِّ] 2، ففيما لم يَزِدْ، يَجِبُ البَقاءُ على الأَصْلِ، ولأَنَّ ما ثبَت بالتَّنْبِيهِ، يجوزُ أن يُساوِىَ المَنْصُوصَ عليه في الحُكْمِ، ولا يَلْزَمُ أن يَزِيدَ عليه، أنَّه لمَّا نَصَّ على وُجوبِ [فِدْيَةِ الأذى 3 في حَقِّ المَعْذُورِ، لم يَلْزَمْ زِيادَتُها في حَقِّ مَن لا عُذْرَ له، ولا يَمْتَنِعُ أن يجبَ في البعْضِ ما يجبُ في الكُلِّ، بدليلِ وُجوبِ] 4 دِيَةِ الأصابعِ مثلَ دِيَةِ اليَدِ كلِّها،

وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا تَنْقُصُ شَيْئًا بَعْدَ الِانْدِمَالِ، قُوِّمَتْ حَالَ جَرَيَانِ الدَّمِ،  وفى حَشَفَةِ الذَّكَرِ مثل ما في جَميعِه.
فإن قِيل: هذا وجَب بالتَّقْدِيرِ الشَّرْعِىِّ لا بالتَّقْويمِ.
قُلْنا: إذا ثبَت الحُكْمُ بنَصِّ الشَّارِعِ، لم يَمْتَنِعْ ثُبوتُ مثْلِه بالقِياسِ عليه، والاجتهادِ المُؤَدِّى إليه.
وفى الجملةِ، فالحُكومةُ دليلُ (1) تَرْكِ العملِ بها في الزَّائدِ لمعنًى مَفْقُودٍ (2) في المُساوِى، فيجبُ العملُ فيه (3) بها؛ لعَدَمِ المُعارِضِ ثَمَّ، وإن صَحَّ ما ذكَرُوه، فيَنْبَغِى أن يَنْقُصَ أدْنَى ما تَزولُ به المُساواةُ المَحْذُورةُ (4).، ويجبُ الباقى، عَمَلًا بالدَّليلِ المُوجِبِ له.
فصل: ولا يكونُ التَّقويمُ إلَّا بعدَ بُرْءِ الجُرْحِ؛ لأَنَّ أَرْشَ الجُرْحِ المُقَدَّرَ إنَّما يسْتَقِرُّ بعدَ بُرْئِه.

4329 -

مسألة: (فإت كانتِ)

الجِراحَةُ (مِمَّا لَا تَنْقُصُ شَيْئًا بعدَ الانْدِمالِ) مثلَ أن قطَع إصْبَعًا زائِدَةً أو يَدًا، أو قلَع 5 لِحْيَةَ امْرَأةٍ، فلم1234

..................................  ينْقُصْه ذلك، بل زادَه حُسْنًا، [فلا شئَ على الجانِى؛ لأَنَّ الحُكومَةَ لأجْلِ جَبْرِ النَّقْصِ، ولا نَقْصَ ههُنا، فأَشبَهَ ما لو لطَم وَجْهَه فلم يُؤَثِّرْ، وإن زادتْه الجِنايةُ حُسْنًا] 1، فالجانِى مُحْسِنٌ 2 بجِنايتِه، فلم يَضْمَنْ، كما لو قطَع سِلْعَةً، أو ثُؤْلُولًا 3، أو بَطَّ خُرَاجًا.
ويَحْتَمِلُ أن يَضْمَنَ.
قال القاضى: نَصَّ أحمدُ على هذا، لأَنَّ هذا جُزْءٌ مِن مَضْمُونٍ، فلم يَعْرَ عن ضَمانٍ، كما لو أتْلَفَ مُقَدَّرَ الأَرْشِ فازدادَ به جَمالًا، أو لم يَنْقُصْه شيئًا.
فعلى هذا، يُقَوَّمُ في أقْرَبِ الأحْوالِ إلى البُرْءِ، لأنَّه لمَّا سقَط اعْتِبارُ قِيمَتِه بعدَ بُرْئِه، قُوِّمَ في أقْرَبِ الأحْوال إليه، كولدِ المَغْرُورِ لمَّا تَعَذَّرَ تَقْويمُه في البطنِ، قُوِّمَ عندَ الوَضْعِ، لأَنَّه أقْرَبُ الأحْوالِ التى أمْكَنَ تَقْويمُه إلى

فَإِنْ لَمْ تَنْقُصْ شَيْئًا بِحَالٍ أَوْ زَادَتْهُ حُسْنًا، فَلا شَىْءَ فِيهَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
كَوْنِه في البَطْنَ.

4330 -

مسألة: (فإن لم يَنْقُصْ في تلك الحالِ)

قُوِّمَ حالَ جَرَيانِ الدَّمِ، لأنَّه لا بُدَّ مِن نَقْصٍ للخَوْفِ عليه.
ذكَره القاضى.
ولأصْحابِ الشافعىِّ وَجْهان كما ذكَرْنا.
وتُقَوَّمُ لِحْيةُ المرأةِ كأنَّها لحْيَةُ رَجُلٍ في حال يَنْقُصُه ذَهابُ لِحْيَته.
وإنْ أتْلَفَ سِنًّا زائدةً، قُوِّمَ وليست له سِنٌّ زائدةٌ، ولا خَلفَها أصْلِيَّةٌ، ثم يُقَوَّمُ وقد ذهبَتِ الزَّائدةُ.
فإن كانتِ المرأةُ إذا قدَّرْنَاها ابنَ عشرين نَقَصَها ذَهابُ لِحْيَتها يَسِيرًا، وإن قدَّرْناها ابنَ أرْبعينَ نَقَصها كثيرًا، قدَّرْناها ابنَ عشرين؛ لأنَّه أقْرَبُ الأحْوالِ إلى حالِ المَجْنِىِّ عليه،

..................................  فأشْبَهَ تَقْويمَ الجُرحِ الذى لا يَنْقُصُ بعدَ الانْدِمالِ، [فإنَّنا نُقَوِّمُه] 1 في أقْرَبِ أحْوالِ النَّقْصِ إلى حالِ الانْدِمالِ.
والأَوَّلُ أصَحُّ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى، فإنَّ هذا لا مُقَدَّرَ فيه، ولم يَنْقُصْ شيئًا، فأشْبَهَ الضَّرْبَ، وتَضْمِينُ النَّقْصِ الحاصلِ حالَ جَرَيانِ الدَّمِ، إنَّما هو تَضْمِينُ الخَوْفِ عليه، وقد زالَ، فأَشْبَهَ ما لو لَطَمَه فاصْفَرَّ وَجْهُه [حالةَ اللَّطْمَةِ] 2 أو احْمَرَّ، ثم زالَ.
وتَقْديرُ المرأةِ رَجُلًا لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ اللِّحْيَةَ زَيْنٌ للرَّجُلِ، وعَيْبٌ في المرأةِ، وتقْديرُ ما يَعيبُ بما يَزِينُ لا يَصِحُّ.
وكذلك تَقْديرُ السِّنِّ في حالةٍ يُرادُ زَوالُها بحالةٍ تُكْرَهُ، لا يجوزُ؛ فإنَّ الشئَ يُقَدَّرُ بنَظيرِه، ويُقاسُ على مِثْلِه، لا على ضِدِّه، ومن قال بهذا الوَجْهِ، فإنَّما يُوجِبُ أدْنَى ما يُمْكِنُ إيجابُه 3، وهو أقَلُّ نَقْصٍ يُمْكنُ تَقْديرُه.
فصل: فإن لطَمَه على وَجْهِه فلم يُؤَثِّرْ في وَجْهِه، فلا ضَمانَ؛ لأنَّه لم يَنْقُصْ به جمالٌ ولا مَنفَعَةٌ، ولم يكنْ له حالٌ يَنْقُصُ فيها، فلما يَضْمَنْه، كما لو شَتَمَه.

بَابُ الْعَاقِلَةِ وَمَا تَحْمِلُهُ

عَاقِلَةُ الإِنْسَانِ عَصَبَاتُهُ كُلّهُمْ؛ قَرِيبُهُمْ وَبَعِيدُهُمْ مِنَ النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ، إِلَّا عَمُودَىْ نَسَبِهِ، آبَاؤُهُ وَأبنَاؤُهُ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُمْ مِنَ الْعَاقِلَةِ أَيْضًا.
بابُ العاقِلَةِ وما تحْمِلُه (عاقِلَةُ الإِنْسانِ عَصَباتُه كلُّهم، قَريبُهم وبعيدُهم مِن النَّسَبِ والوَلاءِ، إلَّا عَمُودَىْ نَسَبِه، آباؤُه وأبْناؤُه.
وعنه، أنَّهم مِن العاقِلَةِ أيضًا) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمه اللَّهُ، في العاقلةِ، فرُوِىَ عنه أنَّهم جَمِيعُ العَصَباتِ مِن النَّسَبِ والوَلاءِ، يَدْخُلُ فيهم الآباءُ، والأبْناءُ، والإِخْوةُ، وسائِرُ

..................................  العَصَباتِ مِن العُمُومةِ وأبْنائِهم.
اخْتارَه أبو بكرٍ، والشَّريفُ أبو جعفرٍ.
وهو مذهبُ مالكٍ وأبى حنيفة؛ لِما روَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: قَضَى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّ عَقْلَ المرأةِ بينَ عَصَبَتِها مَن كانوا لا يَرِثُون منها شيئًا إلَّا ما فضَلَ عن وَرَثَتِها، [وإن قُتِلَتْ فعَقْلُها بينَ ورَثَتِها] 1. رَواه أبو داودَ 2. ولأنَّهم عَصَبةٌ، فأشْبَهُوا سائِرَ العَصَباتِ، يُحَقِّقُه أنَّ العَقْل موضوعٌ على التَّناصُرِ، وهم مِن أهْلِه، ولأَنَّ العَصَبةَ في تَحَمُّلِ العَقْلِ كهم في المِيراثِ، في تقْديمِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، وآباؤُه وأبناؤُه أحَقُّ العَصَباتِ بمِيراثِه، فكانوا أوْلَى بتَحَمُّلِ عَقْلِه.
وفيه رِوايةٌ ثانيةٌ، أنَّ الآباءَ والأبْناءَ ليسوا مِن العاقلةِ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لِمَا روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: اقْتَتَلَتِ امْرأتانِ من هُذَيْلٍ، فرَمَتْ إحْداهما الأُخْرَى بحَجَرٍ، فقَتَلَتْها، فاختَصَمُوا إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها، ووَرَّثَها ولَدَها [ومَنْ] (1) معهم.
مُتَّفَقٌ عليه 3.

..................................  وفى روايةٍ: ثم ماتَتِ القاتِلَةُ، فجعلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِيراثَها لبَنِيها، والعَقْلَ على العَصَبةِ 1. وفى رِوايةٍ عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: فجعلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- دِيَةَ المَقْتُولَةِ على عاقِلَتِها، وبَرَّأَ زَوْجَها ووَلَدَها.
قال: فقالت عاقلةُ المَقْتُولَةِ: مِيراثُها لنا.
فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مِيراثُهَا لِزَوْجِهَا ووَلَدِهَا».
رواه أبو داودَ 2. إذا ثبَتَ هذا في الأوْلادِ، قِسْنا عليه الوالدَ، لأنَّه في معْناه، ولأَنَّ مالَ ولَدِه ووَالِدِه كمالِه، ولهذا لم تُقْبَلْ شَهادَتُهِم له، ولا شَهادَتُه لهما 3، ووجَبَ على كلِّ واحدٍ منهما الإِنْفاقُ على الآخَرِ إذا كان مُحْتاجًا والآخَرُ مُوسِرًا، فلا يجبُ في مالِه دِيَةٌ، كما لم تَجِبْ في مالِ القاتلِ.
وفيه رِوايةٌ ثالثةٌ، أنَّ الإِخْوَةَ ليسوا مِن العاقلةِ، كالوالدِ والوَلَدِ.
وهى ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، وغيرُه مِن أصْحابِنا يَجْعَلُونهم مِن العاقلةِ بكلِّ حالٍ، ولا نعلمُ عن غيرِهم خِلافَهم.

..................................  فصل: فإن كان الوَلَدُ ابنَ ابنِ عَمٍّ، أو كان الوالِدُ أو الوَلَدُ مَوْلًى أو عَصَبةَ مَوْلًى، فإنَّه يَعْقِلُ في ظاهرِ كلام أحمدَ.
قاله القاضى.
وقال أصْحابُ الشَّافعىِّ: لا يَعْقِلُ؛ لأنَّه والِدٌ ووَلَدٌ، فلم يَعْقِلْ، كما لو لم يَكُنْ كذلك.
ولَنا، أنَّه ابنُ ابنِ عَمٍّ، أو مَوْلًى، فيَعْقِلُ، كما لو لم يكُنْ وَلَدًا؛ وذلك لأَنَّ هذه القَرابَةَ أو الوَلاءَ سَبَبٌ يَسْتَقِلُّ بالحُكْمِ مُنْفَرِدًا، فإذا وُجِدَ مع ما لا يُثْبِتُ الحُكْمَ أثْبَتَه، كما لو وُجِدَ مع الرَّحِمِ المُجَرَّدِ 1، ولأنَّه يَثْبُتُ حُكْمُه في 2 القَرابةِ الأُخْرَى، بدليلِ أنَّه يَلى نِكاحَها، مع أنَّ الابنَ لا (2) يَلى النِّكاحَ عندَهم.
فصل: وسائرُ العَصَباتِ مِن العاقلةِ، بَعُدوا أو قَرُبوا مِن النَّسَبِ، والمَوْلَى وعَصَبَتُه.
وبهذا قال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والنَّخَعِىّ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ.
ولا أعلمُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ وذلك لأنَّهم عَصَبةٌ يَرِثُونَ المالَ إذا لم يَكُنْ وَارِثٌ أقْرَب منهم، فيَدْخُلونَ في العَقْلِ، كالقَريبِ، ولا يُعْتَبَرُ أن يكونوا وارِثِين في الحالِ، بل متى كانوا يَرِثُونَ لولا الحَجْبُ عَقَلُوا؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى بالدِّيَةِ بينَ عَصَبةِ المرأةِ، مَن كانوا لا يَرِثُون منها إلا ما فَضَلَ عن وَرَثَتِها.
ولأَنَّ المَوالِىَ مِن العَصَباتِ، فأشْبَهوا المُناسِبينَ.

..................................  فصل: العاقِلَةُ مَن تَحْمِلُ العَقْلَ.
والعَقْلُ: الدِّيَةُ.
سُمِّيَتْ عَقْلًا 1؛ لأنَّها تَعْقِلُ لِسانَ وَلِىِّ المَقْتُولِ.
وقيل: إنَّما سُمِّيَتِ العاقلةَ؛ لأنَّهم يَمْنَعُونَ عن القاتلِ، والعَقْلُ المَنْعُ، ولهذا سُمِّىَ بعضُ العُلُومِ عَقْلًا؛ لأنَّه يَمْنَعُ من الإِقْدامِ مِن المَضارِّ.
ولا خِلافَ بين أهلِ العلمِ في أنَّ العاقِلَةَ العَصَباتُ، وأنَّ غَيْرَهم مِن الإِخْوَةِ مِن الأُمِّ، وسائر ذَوِى الأرْحامِ، والزَّوْجِ، وكلِّ من عدَا العَصباتِ، ليسوا مِن العاقلةِ.
ولا يَعْقِلُ المَوْلَى من أسْفَلَ.
وبه قال أبو حنيفةَ، وأصْحابُ مالكٍ.
وقال الشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: يَعْقِل؛ لأنَّهما شَخْصان يَعْقِل أحَدُهما صاحِبَه، فيَعْقِلُ الآخَرُ عنه، كالأخَوَين 2. ولَنا، أنَّه ليس بعَصَبةٍ له، ولا وَارِثٍ، فلها يَعْقِلْ عنه 3، كالأجْنَبِىِّ، وما ذكَرُوه يَبْطُل بالذَّكَرِ مع الأُنْثَى، والصَّغيرِ مع الكبيرِ، والعاقلِ مع المَجْنُونِ.
فصل: ولا يَعْقِل مَوْلى المُوالاةِ، وهو الذى يُوالى رَجُلًا يَجْعَلُ له

..................................  وَلاءَه ونُصْرَتَه، ولا الحَليفُ، وهو الرجلُ يُحالِفُ آخَرَ على أن يَتَناصَرا على دَفْعِ الظُّلْمِ، وَيَتَضافَرا على مَن قَصَدَهُما أو قَصَدَ أحَدَهُما، ولا العَدِيدُ، وهو الذى لا عَشِيرةَ له، يَنْضَمُّ إلى العَشيرَةِ، فيَعُدُّ نَفْسَه منهم.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَعْقِلُ مَوْلَى المُوالاةِ ويَرِثُ.
وقال مالكٌ: إذا كان الرجلُ في غيرِ عَشِيرَتِه، فعَقْلُه على القَوْمِ الذين هو معهم.
ولَنا، أنَّه مَعْنًى يتَعَلَّقُ بالتَّعْصِيبِ، فلا يُسْتَحَقُّ بذلك، كوِلايةِ النِّكاحِ.
فصل: ولا مَدْخَلَ لأهْلِ الدِّيوانِ في المُعاقَلَةِ 1. وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يتَحَمَّلُونَ جَمِيعَ الدِّيَةِ، فإن عُدِمُوا، فالأقارِبُ حِينئِذٍ يَعْقِلُونَ؛ لأَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، جَعَلَ الدِّيَةَ على أهلِ 2 الدِّيوانِ في الأَعْطِيَةِ إلى ثلاثِ سِنِينَ 3. ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-

وَلَيْسَ عَلَى فَقِيرٍ، وَلَا صَبِىٍّ، وَلَا زَائِلِ الْعَقْلِ، وَلَا امْرَأَةٍ، وَلَا خُنْثَى مُشْكِلٍ، وَلَا رَقِيقٍ، وَلَا مُخَالفٍ لِدِينِ الْجَانِى، حَمْلُ شَىْءٍ.
وَعَنْهُ، أَنَّ الْفَقِيرَ يَحْمِلُ مِنَ الْعَقْلِ.
قَضَى بالدِّيَةِ على عَصَبةِ القاتلةِ.
ولأنَّه مَعْنًى لا يُسْتَحَقُّ به المِيراثُ، فلم يُحْمَلْ به العَقْلُ، كالجوارِ واتِّفاقِ المَذاهبِ، وقَضاءُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَوْلَى مِن قَضَاءِ عمرَ، على أَنَّه إن صَحَّ ما ذُكِرَ عنه، فيَحْتَمِلُ أنَّهم كانوا عَشِيرةَ القاتلِ.

4331 - مسألة: (وليس على فَقِيرٍ، ولا صَبِىٍّ، ولا زائِلِ العَقْلِ، ولا امْرأةٍ، ولَا خُنْثَى مُشْكِلٍ، ولا رَقِيقٍ، ولا مُخالِفٍ لدِين الجانِى، حَمْلُ شَىْء) مِن الدِّيَةِ (وعنه، أنَّ الفَقِيرَ يَحْمِلُ مِن العَقْلِ) أكثرُ أَهْلِ العلمِ على أنَّه لا مَدْخَلَ لأحدٍ مِن هؤلاء في تَحَمُّلِ العَقْلِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 1: أجْمَع كلُّ من نَحْفَظُ عنه مِن أَهلِ العلمِ، على أنَّ المرأةَ، والصَّبِىَّ الذى [لم يَبْلُغْ] 2، لا يَعْقِلانِ مع العاقلةِ، وأجْمَعُوا على أنَّ الفَقِيرَ لا يَلْزَمُه شئٌ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى.

..................................  وحَكَى بعضُ أصْحابِنا عن مالكٍ وأبى حنيفةَ، أنَّ للفقيرِ مَدْخَلًا في التَّحَمُّلِ.
وعن أحمدَ مثلُ ذلك.
وحكاها أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه مِن أهلِ النُّصْرَةِ، فكان مِن العاقلةِ كالغَنِىِّ.
والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ تَحَمُّلَ العَقْلِ مُواساةٌ، فلا تَلْزَمُ الفقيرَ كالزَّكاةِ، ولأنَّها وجَبَتْ على العاقلةِ تَخْفِيفًا على القاتلِ، فلا يجوزُ التَّثقِيلُ بها على مَن لا جِنايةَ منه، وفى إيجابِها على الفقيرِ تَثْقِيلٌ عليه، وتَكْلِيفٌ له ما لا يَقْدِرُ عليه، ولأنَّنا أجْمَعْنا على أنَّه لا يُكَلَّفُ أحَدٌ مِن العاقلةِ ما يَثْقُلُ عليه، ويُجْحِفُ به، وتَحْمِيلُ الفَقِيرِ شيئًا منها يَثْقُلُ 1 عليه، ويُجْحِفُ بمالِه، وربَّما كان الواجبُ عليه جَمِيعَ مالِه، أو أكثرَ منه، أو لا يكونُ له شئٌ أصْلًا.
وأمَّا الصَّبِىُّ والمجنونُ والمرأةُ، فلا يَحْمِلُونَ منها؛ لأَنَّ فيها مَعْنَى التَّناصُرِ، وليس هم مِن أَهْلِ النُّصْرَةِ.
وكذلك المُخالِف في الدِّينِ، ليس هو مِن أَهْلِ النُّصْرَةِ أيضًا.

وَيَحْمِلُ الْغَائِبُ كَمَا يَحْمِلُ الْحَاضِرُ.

4332 - مسألة: (ويَحْمِلُ الغائِبُ كما يَحْمِلُ الحاضِرُ)

وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال مالكٌ: يخْتَصُّ به الحاضِرُ؛ لأَنَّ التَّحَمُّلِ بالنُّصْرَةِ، وإنَّما هى مِن الحاضِرِينَ، ولأَنَّ في قَسْمِه على الجَميعِ مَشَقَّةً.
وعن الشَّافعىِّ كالمَذْهَبَيْن.
ولَنا، الخَبَرُ، [وأَنَّهم] 1 اسْتَووا في التَّعْصِيبِ والإِرْثِ، فاسْتَوَوْا في تَحَمُّلِ العَقْلِ، كالحاضِرِينَ، ولأنَّه مَعْنًى يتَعَلَّقُ بالتَّعْصِيبِ، فاسْتَوَى فيه الحاضِرُ والغائِبُ، كالمِيراثِ والولَايةِ.
فصل: ويَعْقِلُ المريضُ إذا لم يَبْلُغْ حَدَّ الزَّمانةِ، والشَّيْخُ إذا لم يَبْلُغْ حَدَّ الهَرَمِ؛ لأنَّهما مِن أهلِ النُّصْرَةِ والمُواساةِ.
وفى الزَّمِنِ والشَّيْخِ الفانِى وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَعْقِلَانِ؛ لأنَّهما ليسا مِن أَهْلِ النُّصْرَةِ، ولهذا لا يجبُ عليهما الجِهادُ، ولا يُقْتَلانِ إذا كانا مِن أَهْلِ الحَرْبِ.
وكذلك يُخَرَّجُ في الأعْمَى، لأنَّه مِثْلُهما في هذا المَعْنَى.
والثانى، يَعْقِلُونَ؛ لأنَّهم مِن أهلِ المُواساةِ، ولهذا تجبُ عليهم الزَّكاةُ.
وهذا مُنْتَقِضٌ بالصَّبِىِّ والمَجْنُونِ.
ومذهبُ الشافعىِّ [في هذا] 2 كمَذْهَبِنَا.

وَخَطَأُ الإِمَامِ وَالْحَاكِمِ في أَحكَامِهِ في بَيْتِ الْمَالِ.
وَعَنْهُ، عَلَى عَاقِلَتِهِ.

4333 - مسألة: (وخَطأُ الإمام والحاكِمِ في أحْكامِه في بَيْتِ المَالِ. وعنه، على عاقِلَتِه)

لأَنَّ خَطَأَه يَكثُرُ في أحْكامِه، فإيجابُ ما يجبُ به 1 على عاقِلَتِه يُجْحِفُ بهم.
وبه قال الأوزَاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وإسْحاقُ، لأَنَّ الإِمامَ والحاكم نائِبٌ عن اللَّهِ تعالى في أحْكامِه وأفْعالِه، فكان أَرْشُ جِنايَتِه في مال اللَّهِ سبحانَه.
وللشافعىِّ قَوْلان كالرِّوايتَيْن.
وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه يجبُ على عاقِلَتِه؛ لما رُوِى أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، بَعَثَ إلى امرأةٍ مُغِيبَةٍ، كان يُدْخَل عليها، فقالت: يا وَيْلَها، مالها ولعمرَ.
فأسْقَطَتْ ولدًا، فصاح الصَّبِىُّ صَيْحَتَيْن ثم مات،

وَهَلْ يَتَعَاقَلُ أَهْلُ الذِّمَّةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فاسْتَشارَ عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أصْحابَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأشارَ بعضُهم أن ليس عليك شئٌ، إنَّما أنت والٍ ومُؤَدِّبٌ.
فقال علىٌّ: إن كانوا قالوا (1) برأْيِهم، فقد أخْطَأَ (2) رأْيُهم، وإن كانوا في هَواكَ، فلم يَنْصَحُوا لك، إنَّ دِيَتَه عليك؛ لأنَّك أفْزَعْتَها فألْقَتْه.
فقال عمرُ: أقْسَمْتُ عليك أن لا تَبْرَحَ حتى تَقْسِمَها على قَوْمِكَ (3).

4334 -

مسألة: (وهل يَتَعاقَلُ أهْلُ الذِّمَّةِ؟ على رِوايَتَيْن)

إحْداهما، يَتَعاقَلون، قِياسًا على المسلمِين؛ لأَنَّ قَرابَتَهم تَقْتَضِى التَّوْرِيثَ، فاقْتَضتِ التَّعاقُل 4، كالمُسلِمِين، ولأَنَّ دِياتِهم دِياتُ أحْرارٍ معْصُومِينَ، فأشْبَهَتْ دِياتِ المُسْلِمين.
والثانيةُ، لا يتَعاقَلُون؛ لأَنَّ حَمْلَ العاقِلَةِ ثَبَتَ على خِلافِ الأَصْلِ لحُرْمَةِ قَرابةِ المُسْلِمِين، فلا يُقاسُ عليهم غيرُهم؛ لأنَّهم لا يُساوُونَهم في الحُرْمَةِ.123

وَلَا يَعْقِلُ ذِمِّىٌّ عَنْ حَرْبِىٍّ، وَلَا حَرْبِىٌّ عَنْ ذِمِّىٍّ.

4335 - مسألة: (ولا يَعْقِلُ حَرْبِىٌّ عن ذمِّىٍّ، ولَا ذمِّىٌّ عن حَرْبِىٍّ)

لأنَّه لا يَرِثُ بعضُهم مِن بعضٍ، فلا يَعْقِلُ بَعضُهم عن بَعضٍ، كغيرِ العَصباتِ.
وفى الميراثِ احْتِمالٌ أنَّهما يتَوارثان، فيُخَرَّجُ في التَّعاقُل مثلُ ذلك.
ولا يَعْقِلُ يَهُودِىٌّ عن نَصْرانِىٍّ، ولا نَصْرَانِىٌّ عن يَهُوىٍّ؛ لأنَّه لا مُوالَاةَ بينَهم.
[وهم أهْلُ مِلَّتَيْن مُخْتَلِفَتَيْن] 1. ويَحْتَمِلُ أن يَتَعاقَلا، بِناءً على الرِّوايتَيْن في توارُثِهما.
فإن تَهَوَّدَ نَصْرانِىٌّ، أو تَنَصَّرَ يَهُودِىٌّ، وقُلْنا: إنَّه يُقَرُّ.
عَقَلَ عنه عَصَبَتُه مِن أهلِ الدِّينِ الذى انْتَقَلَ إليه.
وهل يَعْقِلُ عنه الذين انْتَقَلَ عن دِينهِم؟ على وَجْهَيْنِ.
وإن قُلْنا: لا يُقَرُّ.
لم يَعْقِلْ عنه أحَدٌ؛ لأنَّه كالمُرْتَدِّ، والمُرْتَدُّ لا يَعْقِلُ عنه أحَدٌ؛

وَمَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ، أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ تَحْمِلُ الْجَمِيعَ، فَالدِّيَةُ أَوْ بَاقِيهَا كَلَيْهِ إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أَخذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
لأنَّه ليس بمُسْلِمٍ فيَعْقِلَ عنه المسلمون، ولا ذِمِّىٍّ فيَعْقِلَ عنه أهلُ الذِّمَّةِ، فتكون جِنايَتُه في مالِه.
وكذلك كلُّ مَن لا تَحْمِلُ عاقِلَتُه جِنايَتَه، يكونُ مُوجَبُها في مالِه، كسائرِ الجِناياتِ التى لا (1) تَحْمِلُها العاقِلَةُ.

4336 -

مسألة: (ومَن لا عاقِلَةَ له، أو لم تَكُنْ له عاقِلَةٌ تَحْمِلُ الجَمِيعَ، فالدِّيَةُ أو باقِيها عليه إن كان ذِمِّيًّا)

لأَنَّ بيتَ المالِ لا يَعْقِلُ عنه (وإن كان مُسْلِمًا) ففيه رِوايَتان؛ إحداهما، يُؤَدَّى عنه مِن بَيْتِ المالِ.
وهو مذهَبُ الزُّهْرِىِّ، والشافعىِّ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَدَى الأنْصارِىَّ الذى قُتِلَ بخَيْبَرَ مِن بيتِ المالِ 2. ورُوِىَ أنَّ رَجُلًا قُتِلَ في زِحام في زَمَنِ عمرَ، فلم يُعْرَفْ قاتِلُه، فقال علىٌّ لعمرَ: يا أميرَ المؤمنين، لا يُطَلُّ 3 دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ.
فأدَّى دِيَتَه مِن بَيْتِ المالِ 4. ولأَنَّ المُسْلمين يَرِثُونَ مَن لا وارِثَ له، فيَعقِلُونَ عنه عندَ عَدَمِ عاقِلَتِه، كعَصَباتِه ومَوالِيه.
والثانيةُ، لا يجبُ ذلك؛ لأَنَّ بَيْتَ المالِ فيه حَقٌّ للنِّساءِ والصِّبْيانِ والمَجانِين1

..................................  والفُقَراءِ ومَن لا عَقْلَ عليه، فلا يَجُوز 1 صَرْفُه فيما لا يجبُ عليهم، ولأَنَّ العَقْلَ على العَصَباتِ، وليس بيتُ المالِ عَصبةً، ولا هو كعَصَبَةٍ، هذا فأمَّا قَتِيلُ الأنْصارِ، فغيرُ لازِم، لأَنَّ ذلك [قَتِيلُ اليَهُودِ] 2، وبَيْتُ المالِ لا يَعْقِلُ عن الكُفَّارِ بحالٍ، وإنَّما النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تَفَضَّلَ بذلك عليهم.
وقولُهم: إنَّهم يَرِثُونه.
قُلْنا: ليس صَرْفُه إلى بَيْتِ المالِ مِيراثًا، بل هو 3 فَىْءٌ، ولهذا يُؤْخَذُ مالُ مَن لا وارِثَ له مِن أَهْلِ الذِّمَّةِ إلى بَيْتِ المالِ، ولا يَرِثُه المسلمون، ثم إنَّ العَقْلَ لا يجبُ على الوارِثِ إذا لم يَكُنْ عَصبَةٌ، ويجبُ على 4 العَصَبةِ وإن لم يَكُنْ وارِثًا.
فعلى الرِّوايةِ الأُولَى، إذا لم يَكُنْ له عاقلةٌ، أُديتِ الدِّيَةُ كلُّها عنه مِن بيتِ المالِ، وإن كان له عاقلةٌ لا تَحْمِلُ الجَميعَ، أُخِذَ الباقى مِن بَيْتِ المالِ.
وهل يُؤدَّى مِن بيتِ المالِ دَفْعَةً واحدةً، أو [في ثلاثِ سِنِينَ؟ على وَجْهَيْن، أحَدُهما] 5، في ثلاثِ سِنِينَ، كما

فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ، فَلَا شَىْءَ عَلَى الْقَاتِلِ.
يُؤْخَذُ مِن العاقلةِ.
والثانى، يُؤدَّى دَفْعَةً وِاحدة.
وهو الصَّحِيحُ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أدَّى دِيَةَ الأنْصارِىِّ دَفْعَةً واحدةَ، وكذلك عمرُ، ولأَنَّ الدِّيَةَ بَدَلُ مُتْلَفٍ لا تُؤدِّيه العاقلةُ، فيَجبُ كلُّه في الحالِ، كسائرِ أبْدالِ المُتْلَفاتِ، وإنَّما أُجِّلَ على العاقلةِ تَخْفِيفًا عنهما، ولا حاجَةَ إلى ذلك في بيتِ المالِ، ولهذا يُؤدِّى الجَمِيعَ.
فصل: (فإن لم يُمْكنِ) الأخذُ من بيتِ المال (فليس على القاتل شئٌ) وهذا أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ ولأَنَّ الدِّيَةَ لَزِمَتِ العاقلةَ ابْتِداءً، بدليلِ أنَّها لا يُطالَبُ بها غيرُهم، ولا يُعْتَبَرُ تَحَمُّلُهم ولا رِضَاهما بها 1، ولا تَجِبُ على غيرِ مَن وجَبَتْ عليه، كما لو عُدِمَ القاتِل، فإنَّ الدِّيَةَ لا تَجِبُ على أحَدٍ،

وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ في مَالِ الْقَاتِلِ.
وَهُوَ أَوْلَى، كَمَا قَالُوا في  كذا ههُنا.
فعلى هذا، إن وُجِدَ بعضُ العاقلةِ، حُمِّلُوا بقِسْطِهم، وسَقَطَ الباقى، فلا يَجِبُ على أحدٍ.
قال شيْخُنا: (ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ في مالِ القاتلِ) إذا تَعَذَّرَ حَمْلُها عنه.
وهذا القولُ الثانى للشافعىِّ؛ لعُمومِ قولِه تعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ 1. ولأَنَّ قَضِيَّةَ الدليلِ وُجُوبُها على الجانِى 2 جَبْرًا للمَحَلِّ الذى فَوَّتَه، وإنَّما سَقَط عن القاتلِ؛ لقِيامِ العاقلةِ مَقامَه في جَبْرِ المَحَلِّ، فإذا لم يُوجَدْ ذلك، بَقِىَ واجِبًا عليه بمُقْتَضَى

الْمُرْتَدِّ: يجبُ أَرْشُ خَطَئِهِ في مَالِهِ.
وَلَوْ رَمَى وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَلَمْ  الدَّليلِ، ولأَنَّ الأمْرَ دائرٌ بينَ أن يُطَلَّ 1 دَمُ المَقْتُولِ وبينَ إيجابِ دِيَتِه على المُتْلِفِ، لا يجوزُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ فيه مُخالَفَةَ الكتابِ والسُّنَّة وقِياسِ أُصُولِ الشَّريعةِ، فتَعَيَّنَ الثانى، ولأَنَّ إهْدارَ الدَّمِ المَضْمُونِ لا نظِيرَ له، وإيجابُ الدِّيَةِ على قاتلِ الخَطَأ له نَظائِرُ، وقد قالُوا في المُرْتَدِّ: تَجِبُ الدِّيَة في مالِه لَمَّا لم يَكُنْ له 2 عاقلةٌ، والذِّمِّىُّ الذى لا عاقِلَةَ له، تَلْزَمُه الدِّيَةُ، ومَن رَمَى سَهْمًا ثم أسْلَم، أو كان مُسْلِمًا فارْتَدَّ، أو كان عليه الوَلاءُ لمَوالِى

يُصِبِ السَّهْمُ حَتَّى ارْتَدَّ، كَانَ عَلَيْهِ في مَالِهِ.
ولَوْ رَمَى الْكَافِرُ سَهْمًا ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ قَتَلَ السَّهْمُ إِنْسَانًا، فَدِيَتُهُ في مَالِهِ، وَلَوْ جَنَى ابْنُ الْمُعْتَقَةِ ثُمَّ انْجَرَّ وَلَاؤُهُ ثُمَّ سَرَتْ جِنَايَتُهُ، فَأرْشُ الْجِنَايَةِ في مَالِهِ؛ لِتَعَذُّرِ حَمْلِ الْعَاقِلَةِ.
فَكَذا هَذَا.
أُمِّه فانْجَرَّ إلى مَوالِى أبيه، ثم أصابَ سهمُه إنْسانًا، فنقولُ: قَتِيلٌ 1 في دارِ 2 الإِسْلامِ مَعْصَومٌ، تَعَذَّرَ حَمْلُ عاقِلَتِه عَقْلَه، [فوجب على قاتِلِه، كهذه الصُّوَرِ] 3. وهذا أوْلَى مِن إهْدارِ دِماءِ الأحْرارِ في أغْلَبِ الأحْوالِ، فإنَّه لا يَكادُ يُوجَدُ عاقلةٌ تَحْمِلُ الدِّيَةَ كلَّها، ولا سبِيلَ إلى الأخْذِ مِن بيتِ المالِ، فتَضيعُ الدِّماءُ، وتَفُوتُ حِكْمَةُ إيجابِ الدِّيَةِ.
قولُهم: إنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ على العاقلةِ 4 ابْتِداءً.
مَمْنُوعٌ، وإنَّما تجبُ على القاتِلِ، ثم تَتَحَمَّلُها العاقلةُ عنه 5، وإن سَلَّمْنا وُجُوبَها عليهم ابْتِداءً، لكنْ مع

..................................  وُجُودِهم، أمَّا مع عَدَمِهم، فلا يُمْكِنُ القَوْلُ بوُجُوبِها عليهم.
ثم ما ذكَرُوه مَنْقُوضٌ بما أبدَيْنَاه 1 مِن الصُّوَرِ.
فعلى هذا، تَجِبُ الدِّيَةُ على القاتلِ إن تَعَذَّرَ حَمْلُ جَمِيعِها، أو باقِيها إن حَمَلَتِ العاقلةُ بعضَها.
واللَّهُ أعلمُ.
فصل: ولو رَمَى ذِمِّىٌّ 2 صَيْدًا، ثم أسْلَمَ، ثم أصابَ السَّهْمُ آدَمِيًّا 3 فقَتَلَه، لمِ يَعْقِلْه المسلمون؛ لأنَّه لم يَكُنْ مُسْلِمًا حالَ رَمْيِه، ولا المُعاهِدُون، لأنَّه قَتَلَ مُسْلِمًا، فتكونُ الدِّيَةُ في مالِ الجانِى.
وهكذا لو رَمَى وهو مُسْلِمٌ، ثم ارْتَدَّ، ثم قَتَلَ السَّهْمُ إنْسانًا، لم يَعْقِلْه أحدٌ.
ولو جَرَحَ ذِمىٌّ ذِمِّيًّا، ثم أسْلَم الجارِحُ، ومات المجروحُ، وكان أَرْشُ جِراحِه يَزِيدُ على الثُّلُثِ، فعَقْلُه على عَصَبَتِه مِن أهلِ الذِّمَّةِ، وما زادَ على أَرْشِ الجُرْحِ لا يَحْمِلُه أحدٌ، ويكونُ في مالِ الجانِى؛ لِمَا ذكَرْنا.
فإن لم يَكُنْ أَرْشُ الجُرْحِ ممَّا تَحْمِلُه العاقلةُ، فجميعُ الدِّيَةِ على الجانِى.
وكذلك الحُكمُ إذا جَرَح مُسْلِمٌ ثم ارْتَدَّ.
ويَحْتَمِلُ أن تَحْمِلَ العاقلةُ الدِّيَةَ كلَّها في المَسْألتَيْن؛ لأَنَّ الجِنايةَ وُجِدَتْ وهو ممَّن تَحْمِلُ العاقلةُ جِنايَتَه، ولهذا وجَب القِصاصُ في المَسْألَةِ الأُولَى إذا قَتَلَه عَمْدًا.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَحْمِلَ

فَصْلٌ: وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا صُلْحًا، وَلَا اعْتِرَافًا، وَلَا مَا دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ في مَالِ الْجَانِى  العاقلةُ شيئًا؛ لأَنَّ الأَرْشَ إنَّما يسْتَقِرُّ بانْدِمالِ الجُرْحِ وسِرايَتِه.

فصل

: إذا تزَوَّجَ عَبْدٌ مُعْتَقَةً، فأوْلَدَها أوْلادًا، فوَلاؤُهم لمَوْلَى أُمِّهِم (1)، فإن جَنَى أحَدُهم، فالعَقلُ على مَوْلَى أُمِّه، لأنَّه عَصَبَتُه ووارِثُه، فإن عَتَق أبُوه، ثم سَرَتِ الجِنايةُ، أو رَمَى بسَهْمٍ فلم يَقَحِ السَّهْمُ حتى عَتَق أبُوه، لم يَحْمِلْ عَقْلَه أحَدٌ، لأَنَّ مَوالِى الأُمِّ قد زالَ وَلاؤُهم عنه قبلَ قَتْلِه، ومَوالِىَ الأدب لم يَكُنْ لهم عليه وَلاءٌ حالَ جِنايَتِه، فتكونُ الدِّيَةُ عليه في مالِه، إلَّا أن يكونَ أَرْش الجُرْحِ ممَّا تَحْمِلُه العاقلةُ مُنْفَرِدًا، فيُخَرَّجُ فيه مِثْلُ ما قُلْناه في المسألةِ التى قبلَها.
4337 -

مسألة: (ولَا تَحْمِلُ العاقِلَةُ عَمْدًا، ولا عَبْدًا، ولا صُلْحًا، ولا اعْتِرافًا، ولَا مَا دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ، ويَكُونُ ذلك في مالِ

1

حَالًّا، إِلَّا غُرَّةَ الْجَنِينِ إِذَا مَاتَ مَعَ أُمِّهِ، فَإِنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُهَا مَعَ دِيَةِ أُمِّهِ، وَإِنْ مَاتَا مُنْفَرِدَيْنِ، لَمْ تَحْمِلْهَا الْعَاقِلَةُ؛ لِنَقْصِهَا عَنِ الثُّلُثِ.
الجانِى حالًّا، إلَّا غُرَّةَ الجَنِينِ إذا مات مع أُمِّهِ، فَإنَّ العاقِلَةَ تَحْمِلُها مع دِيَةِ أُمِّهِ، وإن ماتا مُنْفَرِدَيْن، لم تَحْمِلْهَا العاقِلَةُ، لنَقْصِها عن الثُّلُثِ) وجملةُ ذلك، أنَّ العاقلةَ لا تَحْمِلُ العَمْدَ، سواءٌ كان ممَّا يَجِبُ القِصاصُ فيه أو لا يجبُ، ولا خِلافَ في أنَّها لا تَحْمِلُ دِيَةَ ما يَجِبُ فيه القِصاصُ، وأكثرُ أهلِ العلمِ على أنَّها لا تَحْمِلُ العَمْدَ بحالٍ.
وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّها تَحْمِلُ الجِناياتِ التى لا قِصاصَ فيها، كالمأْمُومَةِ والجَائِفةِ.
وهذا قولُ قَتادةَ؛ لأنَّها جِنايةٌ لا قِصاصَ فيها، فأشْبَهَتْ جِنايةَ الخَطَأ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «لا تَحْمِلُ العَاقِلَةُ عَمْدًا، ولا عَبْدًا، ولَا صُلْحًا، ولَا اعْتِرافًا» 1. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ مَوْقُوفًا، ولم نَعْرِفْ له في الصَّحابةِ مُخالِفًا، فيكونُ إجْماعًا، ولأنَّها جِنايةُ عَمْدٍ، فلا تَحْمِلُها العاقلةُ، كالمُوجِبَةِ للقِصاصِ، وجِنايةِ الأبِ على ابْنِه، ولأَنَّ حَمْلَ العاقلةِ إنَّما يثْبُتُ في الخَطأ، لكَوْنِ الجانِى مَعْذُورًا،

..................................  تَخْفِيفًا عنه، ومُواساةً له، والعامِدُ غيرُ مَعْذُورٍ، فلا يَسْتَحِقُّ المُواساةَ ولا التَّخْفِيفَ، فلم يُوجَدْ فيه المُقْتَضى.
وبهذا فارَقَ العَمْدُ الخَطَأ، ثم يَبْطُلُ ما ذكَرُوه بقَتْلِ الأبِ ابْنَه، فإنَّه لا قِصاصَ فيه، ولا تَحْمِلُه العاقلةُ.
فصل: فإنِ اقْتَصَّ بحَدِيدةٍ مَسْمُومةٍ، فسَرَى إلى النَّفْسِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَحْمِلُه العاقلةُ؛ لأنَّه ليس بعَمْدٍ مَحْضٍ، أشْبَهَ عَمْدَ الخَطَأ.
والثانى، لا تَحْمِلُه؛ لأنَّه [قَتَلَ بآلةٍ] 1 يَقْتُلُ مِثْلُها غالِبًا، فأشْبَهَ مَن له القِصاصُ.
ولو وَكَّلَ في اسْتِيفاءِ القِصاصِ، ثم عَفَا عنه، فقَتَلَه الوَكِيلُ مِن غيرِ عِلْم بعَفْوِه، فقال القاضى: لا تَحْمِلُه العاقلةُ؛ لأنَّه عَمَد قَتْلَه.
وقال أبو الخَطَّابِ: تَحْمِلُه؛ لأنَّه لم يَقْصِدِ الجِنايةَ، وِمثلُ هذا يُعَدُّ خَطَأً، بدليلِ ما لو قَتَل في دارِ الحَرْبِ مُسْلِمًا يَظُنُّه حَرْبِيًّا، فإنه عَمَد قَتْلَه، وهو أحَدُ نَوْعَىِ الخَطَأ.
وهذا أصَحُّ.
ولأصْحابِ الشَّافعىِّ وَجْهان كهذين.
فصل: ولا تَحْمِلُ العاقلة العَبْدَ.
يَعْنِى إذا قَتَلٍ العَبْدَ قاتِلٌ، وجَبَتْ قِيمَتُه في مالِ القاتلِ، ولا شئ على عاقِلَتِه، خَطَأ كان أو عَمْدًا.
وهذا قولُ ابنِ عباسٍ، والشَّعْبِىِّ، والثَّوْرِىِّ، ومَكْحُولٍ، والنَّخَعِىِّ، والبَتِّىِّ، ومالكٍ، واللَّيْثِ، وابنِ أبِى لَيْلَى، وإسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ.
وقال عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، وأبو حنيفةَ: تَحْمِلُه العاقلةُ؛

جارٍ التحميل