..................................
لأنَّ يَمِينَه للحَثِّ 1 على ضَرْبِه، فإذا ضَرَبَه اليومَ، فقد فَعَل المحلوفَ عليه وزِيادَةً، فأشْبَهَ ما لو حَلَف ليَقْضِيَنَّه حَقَّه 2 غَدًا، فقَضاه اليومَ.
ولَنا، أنَّه لم يَفْعَلِ المَحْلُوفَ عليه في وَقْتِه، فلم يَبَرَّ، كما لو حَلَف ليَصُومَنَّ يومَ الجُمُعَةِ، فصامَ يومَ الخميسِ، وفارَقَ قَضاءَ الدَّينِ، فإنَّ المقْصودَ تَعْجِيلُه لا غيرُ، وفي قَضاءِ اليومِ 3 زِيادَة في التَّعْجيلِ، فلا يَحْنَثُ فيها؛ لأَنه عُلِمَ من قَصْدِه إرادَةُ أن لا يَتَجاوَزَ غَدًا بالقَضاءِ، فصارَ كالمَلْفوظِ به، إذْ 4 كان مَبْنَى الأيمانِ على النِّيَّةِ، ولا يَصِحُّ قِياسُ ما ليس مثلُه عليه، وسائرُ المَحْلُوفاتِ لا يُعْلَمُ منها إرادَةُ التَّعْجيلِ عن الوَقْتِ الذي وَقَّتَه لها، فامْتَنَعَ الإلْحاقُ، وتَعَيَّنَ التَّمَسُّكُ باللَّفْظِ.
الثامنَةُ، ضَرَبَه بعدَ مَوْتِه، فلا يَبَرُّ؛ لأن اليَمِينَ تَنْصَرِفُ إلى ضَرْبِه حَيًّا، يَتَألَّمُ بالضَّرْبِ، وقد زال هذا بالموتِ.
التاسِعَةُ، ضَرَبَه ضَرْبًا لا يُولِمُه، لا يَبَرُّ؛ لِما ذَكَرْناه.
العاشِرَةُ، خَنَقَه، [أو نَتَف] 5 شَعَرَه، أو عَصَر ساقَه، بحيثُ يُؤْلِمُه، فإنَّه يَبرُّ؛ لأَنَّه
..................................
يُسَمَّى ضَرْبًا، لِما تَقَدَّمَ ذِكْرُنا له.
الحادِيَةَ عَشَرَةَ، جُنَّ العبدُ، فضَرَبَه، فإنَّه يَبَرُّ؛ لأَنَّه حَى يَتَأَلَّمُ بالضَّرْبِ.
وإن لم يَضْرِبْه، حَنِثَ.
وإن حَلَف لا يَضْرِبُه في غَدٍ، ففيه نحوُ هذه المَسائلِ.
ومتى فاتَ ضَرْبُه بمَوْتِه أو غيرِه، لم يَحْنَثْ؛ لأنه لم يَضْرِبْه.
4785 -
مسألة: وإن قال: واللهِ لَأشْرَبَنَّ ماءَ هذا الكُوزِ غَدًا.
فانْدَفَقَ اليَوْمَ.
أو: لآكُلَنَّ هَذَا الخُبْزَ غَدًا.
فتَلِفَ، فهو على نحو ما ذَكَرْنَا في العَبْدِ.
قال صالحٌ: سألْتُ أبي عن الرجلِ يَحْلِفُ أن يَشْرَبَ هذا
1 الماءَ، فانْصَبَّ؟ فقال: يَحْنَث.
وكذا لو حَلَف [أن يَأكُلَ] 2 هذا الرَّغِيفَ، فأكَلَه كلبٌ 3؟ قال: يَحْنَثُ؛ لأن هذا لا يَقْدِرُ عليه.
وإنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ، فَأبْرأهُ، فَهَلْ يَحْنَثُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
فصل: ومَن حَلَفَ لا يَتَكَفَّلُ بمالٍ، فكَفَلَ ببَدَنٍ، فقال أصحابُنا: يَحْنَثُ؛ لأنَّ المال (1) يَلْزَمُه بكَفالتِه إذا تَعَذَّرَ إحْضارُ المَكْفولِ به.
قال شَيخُنا (2): والقياسُ أَنه لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لم يَكْفُلْ بمالٍ، وإنَّما يَلْزَمُه المالُ بتَعَذر إحْضارِ المَكْفُولِ به، وأمَّا قبلَ ذلك فلا يَلْزَمُه، ولأنَّ هذا لا يسَمَّى كَفالةً بالمالِ، ويَصِحُّ نَفْيُها عنه، فيقالُ: ما تَكَفَّلَ بمالٍ، إنَّما تَكَفَّلَ بالبَدَنِ.
وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
4786 -
مسألة: (وإن حَلَف لَيَقْضِيَنَّه حَقَّه، فأبْرَأه، فهل يَحْنَثُ؟ على وَجْهَين)
وذلك مَبْنِيٌّ على ما إذا حَلِف على فِعْلِ شيءٍ، فتَلِفَ قبلَ فِعْلِه، وفيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّه لم يَفْعَلْ ما حَلَف عليه.12
وَإنْ مَاتَ الْمُسْتَحِقُّ فَقَضَى وَرَثَتَهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَقَال الْقَاضِي: يَحْنَثُ.
والثاني، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه مُنِعَ من فِعْلِه، فأشْبَهَ المُكْرَهَ على فِعْلِ ما حَلَف على [تَرْكِ فِعْلِه] (1)، وقد ذَكَرْنا ذلك في مَن حَلَف ليَضْرِبَنَّ غُلامَه غَدًا (2)، فتَعَذَّرَ ضَرْبُه.
4787 -
مسألة: (وإن ماتَ المُسْتَحِقُّ فقَضَى وَرَثَتَه، لم يَحْنَثْ)
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ قَضاءَ وَرَثَتِه يَقُومُ مَقامَ قَضائِه في إبْراء ذِمَّتِه، فكذلك في البِرِّ في يَمِينه.
وحُكِيَ عن القاضي أنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ قَضاؤُه، فأشْبَهَ ما لو حَلَف ليَضْرِبَنَّ عبدَه غَدًا، فماتَ العبدُ اليومَ.
ومَن12
وَإنْ بَاعَهُ بِحَقِّهِ عَرْضًا، لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ، وَحَنِثَ عِنْدَ الْقَاضِي.
نَصَر قولَ أبي الخطَّابِ قال: مَوْتُ العَبْدِ يُخالِفُ ذلك؛ لأنَّ ضَرْبَ غيرِه لا يَقُومُ مَقامَ ضَرْبِه.
وقال أصحابُ الرَّأْي، وأبو ثَوْرٍ: تَنْحَلُّ اليَمِينُ بمَوْتِ المُسْتَحِقِّ، ولا يَحْنَثُ، سَواءٌ قَضَى وَرَثَتَه أو لم يَقْضِهم؛ لأنَّه تَعَذَّرَ عليه فِعْلُ (1) ما حَلَف عليه بغيرِ اخْتِيارِه، أشْبَهَ المُكْرَهَ.
وقد سَبَق الكلامُ على هذا في مسألَةِ مَن حَلَف ليَضْرِبَنَّ عَبْدَه غَدًا، فماتَ العبدُ اليومَ.
4788 -
مسألة: (وإن باعَه بحَقِّه عَرْضًا، لم يَحْنَثْ عندَ ابنِ حامِدٍ)
[لأنَّه قد قَضَاه] 2 حَقَّه.
وقال القاضي: يَحْنَثُ؛ لأنَّه لم يَقْض الحَقَّ الذي عليه بعَينِه.1
وإنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنهُ حَقَّهُ عِنْدَ رَأسِ الْهِلَالِ، فَقَضَاهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ في أوَّل الشَّهْرِ، بَرَّ.
4789 - مسألة: (وإن حَلَف لَيَقْضِيَنَّه حَقَّه عندَ رَأسِ الهِلَالِ)
أو مع رَأْسِه، أو إلى رَأْسِ الهِلَالِ، أو إلى اسْتِهْلَالِه، أو عندَ رَأْسِ الشَّهْرِ، أو مع رَأسِه (فقَضَاه عندَ غُرُوبِ الشَّمْسِ في أوَّلِ الشَّهْرِ، بَرَّ) في يَمِينِه.
..................................
وإن أخَّرَ ذلك مع إمْكَانِه، حَنِثَ.
وإن شَرَع في عَدِّه أو كَيله 1 أو وَزْنِه، فتَأخَّرَ القَضاءُ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه لم يَتْرُكِ القَضاءَ.
وكذلك إذا حَلَف ليَأكُلَنَّ هذا الطَّعامَ، في هذا الوَقتِ، فشَرَعَ في أكْلِه فيه، وتَأخَّرَ الفَراغُ لكَثْرَتِه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ أكلَه كلِّه غيرُ مُمْكِن في هذا الوَقتِ [ليَسِيرِ، فكانت يَمِينُه على الشُّرُوعِ منه في ذلك، أو على مُقارَنَةِ فِعْلِه لذلك الوقتِ] 2، للِعلْمِ بالعَجْزِ عن غيرِ ذلك.
ومذهبُ الشافعيِّ في هذا كما ذكَرنا.
وَإنْ حَلَفَ: لَا فَارَقْتُهُ حَتَّى أَستَوْفِيَ حَقِّي.
فَهَرَبَ مِنْهُ، حَنِثَ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَقَال الْخِرَقِيُّ: لَا يحْنثُ.
وَإنْ فَلَّسَهُ الْحَاكِمُ وَحَكَمَ عَلَيهِ بِفِرَاقِهِ، خُرِّجَ عَلَى رِوَايَتَينِ.
4790 - مسألة: (وإِن حَلَف: لا فارَقْتُكَ حتى أسْتوْفِيَ حَقِّي)
منك (فَهَرَبَ منه، حَنِثَ.
نصَّ عليه.
وقال الخِرَقِيُّ: لا يَحْنَث.
وإن فَلَّسَه الحاكِمُ وحَكَم عليه بِفِراقِه، خُرِّجَ على رِوايَتَينِ) إذا حَلَف: لا فارَقْتُكَ.
ففيه عشرُ مسائِلَ 1؛ أحدُها، أن يُفارِقَه الحالِفُ مُخْتارًا، فيَحْنَثُ، [بلا خِلافٍ] 2، سَواءٌ أبْرأه من الحَقِّ أو فارَقَه، والحَقُّ عليه؛ لأنَّه فارَقَه قبلَ اسْتِيفاءِ حَقِّه منه.
الثانِيَةُ، فارَقَه مُكْرَهًا، فيُنْظَرُ؛ فإن كان حُمِلَ مُكْرَهًا حتى فارَقَه، لم يَحْنثْ، وإن أُكْرِهَ بالضَّرْبِ والتَّهْديدِ، لم يَحْنَثْ.
وفي قولِ أبي بكرٍ، يَحْنَثُ.
وفي النَّاسِي تَفْصِيلٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى.
الثالِثَةُ، هَرَب منه الغَرِيمُ بغَيرِ اخْتِيارِه، فلا يَحْنَثُ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرَّأْي.
ورُوِيَ
..................................
عن أحمدَ أَنه يحْنَثُ؛ لأنَّ مَعْنَى يَمِينِه أن لا تَحْصُلَ بينَهما فُرْقَةٌ، وقد حَصَلَتْ.
ولَنا، أنَّه حَلَف على فِعْلِ نَفْسِه في الفُرْقَةِ، [وما فَعَل] 1، ولا فعلَ باخْتِيارِه، فلم يَحْنَثْ، كما لو حَلَف: لا قُمْتُ.
فقامَ غيرُه.
الرابِعَةُ، أذِنَ له الحالِفُ في الفُرْقَةِ، ففارَقَه، فمَفْهُومُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّه يَحْنَثُ.
..................................
وقال الشافعيُّ: لا يحنث.
قال القاضي: وهو قولُ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه لم يَفْعَلِ الفُرْقَةَ التي حَلَف أنَّه لا يَفْعَلُها.
ولَنا، أنَّ مَعْنَى يَمِينِه: لألْزَمَنَّكَ.
فإذا فارَقَه بإذْنِه فما لَزِمَه، ويُفارِقُ ما إذا هَرَب منه؛ لأنَّه فَرَّ بغيرِ اخْتِيارِه.
وليس هذا قولَ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّ الخِرَقِيَّ قال: فهَرَبَ منه.
فمَفْهُومُه أنَّه إذا فارَقَه بغيرِ هَرَبٍ أنَّه يَحْنَثُ.
الخامِسَةُ، فارَقَه مِن غيرِ إذْنٍ ولا هَرَبٍ، على وَجْهٍ تُمْكِنُه مُلازَمَتُه، والمَشْيُ معه، أو إمْساكُه، فهي كالتي قبلَها.
السادِسَةُ، قَضاهُ قَدْرَ حَقِّه، ففارَقَه ظَنًّا منه أنَّه قد وَفَّاه، فخَرَجَ رَدِيئًا أو بعضُه، فيُخَرَّجُ في الحِنْثِ رِوايتان، بِناءً على النَّاسِي.
وللشافِعِيِّ قَوْلان كالروايَتَين؛ أحدُهما، يَحْنَثُ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّه فارَقَه قبلَ اسْتِيفاءِ حَقِّه مُخْتارًا.
والثانِيَةُ، لا يَحْنَثُ.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي،
..................................
إذا وَجَدَها زُيُوفًا، وإن وَجَد أكثَرَها نُحاسًا أَنه يَحْنَثُ.
وإن وَجَدَها مُسْتَحَقَّةً، فأخَذَها صاحِبُها، خُرِّجَ أيضًا على الرِّوايَتَين في النَّاسِي؛ لأنَّه ظَانٌّ أنَّه مُسْتَوْفٍ حَقَّه، فأشْبَهَ ما لو وَجَدَها رَدِيئَةً.
وقال أبو ثَورٍ، وأصحابُ الرَّأي: لا يَحْنَثُ.
وإن عَلِمَ بالحالِ ففارَقَه، حَنِثَ؛ لأنه لم يُوَفِّه حَقَّه.
السابِعَةُ، فَلَّسَهُ الحاكِمُ، ففارَقَه، فإن ألْزَمَه الحاكِمُ، فهو كالمُكْرَهِ، وإن لم يُلْزِمْه مُفارَقَتَه، لكنْ فارَقَه لعِلْمِه بوُجوبِ مُفارَقَتِه، حَنِثَ؛ لأنَّه فارَقَه مِن غيرِ إكْراهٍ، فحَنِثَ، كما لو حَلَف لا يُصَلِّي، فوَجَبَتْ عليه صلاة فصَلَّاها.
الثامِنَةُ، أحاله الغَرِيمُ بحَقِّه، ففارَقَه، فإنَّه يَحْنَث.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو يوسفَ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه قد بَرِئ إليه منه.
ولَنا، أنَّه ما اسْتَوْفَى حَقَّه منه، بدَليلِ أنَّه لم يَصِلْ إليه شيءٌ، ولذلك يَمْلِكُ المُطالبَةَ به،
..................................
فحَنِثَ، كما لو لم يُحِلْه.
فإن ظَنَّ أنَّه قد بَرَّ 1 بذلك 2، ففارَقَه، خُرِّجَ على الرِّوايَتَين.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
قال شيخُنا 3: والصَّحِيحُ أَنه يَحْنَثُ؛ لأنَّ هذا جَهْل بحُكمِ الشَّرْعِ فيه، فلا يَسْقُطُ عنه الحِنْثُ، كما لو جَهِل كَوْنَ اليَمِينِ مُوجِبَةً للكَفَّارَةِ.
فأمَّا إن كانت يَمِينُه: لا فارَقْتُك ولى قِبَلَكَ حَقٌّ.
فأحاله به، ففارَقَه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه 4 لم يَبْقَ له قِبَلَه حَقٌّ.
وإنْ أخَذَ به ضَمِينًا أو كَفِيلًا أو رَهْنًا، ففارَقَه، حَنِث بلا إشْكالٍ؛ لأنَّه يملكُ مُطالبَةَ الغَرِيمِ.
التاسِعَةُ، قَضاهُ عن حَقِّه عِوَضًا عنه، ثم فارَقَه، فقال ابنُ حامِدٍ: لا يَحْنَثُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه قد قَضاه حَقَّه، وبَرِئَ إليه منه بالقَضاءِ.
وقال القاضي: يَحْنَثُ؛ لأنَّ يَمِينَه على نَفْس الحَقِّ، وهذا بَدَلُه.
والأوَّلُ أوْلَى، إن شاءَ الله تعالى؛ لحُصُولِ المَقْصودِ به.
فإن كانت يَمِينُه: لا فارَقْتُكَ حتى تَبْرَأ من حَقِّي.
أو: ولِي قِبَلَكَ حَقٌّ.
لم يَحْنَثْ، وَجْهًا واحِدُا؛ لأنَّه لم يَبْقَ له قِبَلَه حَق.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
العاشِرَةُ، وَكَّلَ وَكِيلًا يَسْتَوْفِي له حَقه، فإن فارَقَه قبلَ اسْتِيفاءِ
وَإنْ حَلَفَ: لَا افْتَرَقْنَا.
فَهَرَبَ مِنْهُ، حَنِثَ.
الوَكِيلِ، حَنِثَ؛ لأنَّه فارَقَه قبلَ اسْتِيفاءِ حَقِّه.
وإنِ اسْتَوْفَى الوَكيلُ، ثم فارَقَه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ اسْتِيفاءَ وَكِيله اسْتِيفاءٌ له، [يَبْرأُ به] (1) غَرِيمُه، ويَصِيرُ في ضَمانِ المُوَكِّلِ (2). فأمَّا إنْ قال: لا فارَقْتَنِي حتى أسْتَوْفِيَ حَقِّي منك.
ففارَقَه المحْلُوفُ عليه مُخْتارًا، حَنِثَ، وإن أُكْرِهَ على فِراقِه، لم يَحْنَثْ.
وإن فارَقَه الحالِفُ مُخْتارًا، حَنِثَ، إلَّا على ما ذَكَرَه القاضي في تَأويلِ كلامِ الْخِرَقِيِّ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ، وسائِرُ الفُروعِ تَأْتِي ها هنا على نحو ما ذَكَرْنا.
4791 -
مسألة: (فإن حَلَف: لا افْتَرَقْنا. فهَرَبَ منه، حَنِثَ)
إذا هَرَب مِن المَحْلُوفِ عليه؛ لأنَّ يَمِينَه تَقْتَضِي أن لا تَحْصُلَ بينَهما فُرْقَةٌ بوَجْهٍ، وقد حَصَلَتِ الفُرْقَةُ بهَرَبِه، وإن أُكْرِها على الفُرْقَةِ، لم يَحْنَث، إلَّا على قَوْلِ مَن لا يَرَى الإكراهَ عُذْرًا.12
وَقَدْرُ الْفِرَاقِ مَا عَدَّهُ النَّاسُ فِرَاقًا، كفُرْقَةِ الْبَيعِ.
وَاللهُ أعْلَمُ.
فصل: وإن حَلَف: لا فارَقْتُكَ حتى أُوَفِّيَكَ حَقَّكَ.
فأبْرَأَه الغَرِيمُ منه، فهل يَحْنَثُ؟ على وَجْهَين، بِناءً على المُكْرَهِ.
وإن كان الحَقُّ عَينًا، فوَهَبَها له الغَرِيمُ، فقَبِلَها، حَنِثَ؛ لأنَّه تَرَك إيفاءَها له باخْتِيارِه.
وإن قَبَضَها منه، ثم وَهَبَها إيَّاه، لم يَحْنَثْ.
وإن كانت يَمِينُه: لا أُفارِقُكَ ولَكَ قِبَلِي حَقٌّ.
لم يَحْنَثْ إذا أبرأهُ، أو وَهَبَ العَينَ له.
4792 -
مسألة: (وقَدْرُ الفِراقِ مَا عَدَّه النَّاسُ فِرَاقًا، كفُرْقَةِ البَيعِ)
وقد ذَكَرْناه في البَيعِ 1. وما نَوَاه بيَمِينِه ممَّا يَحْتَمِلُه لَفْظُه، فهو على ما نَواه.
واللهُ أعْلَمُ.
بابُ النَّذرِ
بابُ النَّذرِ
الأصْلُ فيه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكتابُ فقَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْر﴾ 1. وقال سبحانه: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ 2. وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَتْ عائشةُ، رَضِيَ اللهُ عنها، قالتْ: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، ومَنْ نَذَرَ أنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ».
رَواه [السبعةُ غيرَ مسلمٍ] 3. وعن عِمْرانَ بنِ حُصَين، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «خَيرُكُمْ 4 قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِئُ قَوْمٌ يَنْذُرُون ولَا يُوفُونَ، ويَخُونُونَ ولَا يُؤْتَمَنُون 5، ويَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ».
وَهُوَ أنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ لِلّهِ تَعَالى شَيئًا.
وَلَا يَصِحُّ إلا مِنْ مُكَلَّفٍ،
رَواه (1) البخارِيُّ (2). وأجْمَعَ المسلمون على صِحَّةِ النَّذْرِ في الجُمْلَةِ، ووُجوبِ الوَفاءِ به.
فصل: ولا يُسْتَحَبُّ النَّذْرُ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ روَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه نَهَى عن النَّذْرِ، وقال: «إنَّه لَا يَأتِي بِخَيرٍ، وإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ».
مُتَّفَقٌ عليه (3). وهذا نَهْيُ كَراهَةٍ، لا نهْيُ تَحْرِيمٍ؛ لأنَّه لو كان حَرَامًا لَما مَدَح المُوفِينَ به؛ لأنَّ ذَنْبَهم (4) في ارْتِكابِ المُحَرَّم أشَدُّ مِن طاعَتِهم في وَفائِه، ولأنَّ النَّذْرَ لو كان مُسْتَحَبًّا، لفَعَلَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وأفاضِلُ أصحابِه.
4793 -
مسألة: (وهو أن يُلْزِمَ نَفْسَه للهِ تعالى شَيئًا)
فيَقُولَ:1234
مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا.
للهِ عليَّ أن أفْعَلَ كذا.
وإن قال: عليَّ نَذْرُ كَذَا.
لَزِمَه أيضًا؛ لأنَّه صَرَّع بلَفْظِ النَّذْرِ (ولا يَصِحُّ إلَّا مِن مُكَلَّفٍ، مُسْلِمًا كان أو كافِرًا) لأنَّه قَوْل يُوجِبُ على المُكَلَّفِ عِبادَةً أو مالًا، فلم يَصِحَّ مِن غيرِ المُكَلَّفِ، كالإِقْرارِ، ولأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، أشْبَهَ الطِّفْلَ.
ويَصِحُّ مِن الكافِرِ؛ لحديثِ عمرَ حينَ قال للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إنِّي نَذَرْتُ [في الجاهليةِ] 1 أن اعتَكِفَ ليلةً في المسجدِ الحرامِ.
قال: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ».
مُتَّفَقٌ عليه 2.
وَلَا يَصِحُّ إلا بِالْقَوْلِ، فَإِنْ نَوَاهُ مِنْ غَيرِ قَوْلٍ، لَمْ يَصِحَّ.
4794 - مسألة: (ولا يَصِحُّ إلَّا بالقولِ، فإن نَوَاه مِن غيرِ قَوْلٍ، لم يَصِحَّ)
لأنَّه مُوجِبٌ للكَفَّارَةِ في أحَدِ طَرَفَيه، فلم ينْعَقِدْ بالنِّيَّةِ، كاليَمِينِ.
وَلَا يَصِحُّ في مُحَالٍ وَلَا وَاجِبٍ، فَلَوْ قَال: لِلّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ.
أو: صَوْمُ رَمَضَانَ.
لَمْ يَنْعَقِدْ.
4795 - مسألة: (ولا يصِحُّ في مُحَالٍ ولا واجِبٍ، فلو قال: للهِ عليَّ صومُ أَمْسِ. أو: صَوْمُ رمضانَ. لم يَنْعَقِدْ)
لا يَنْعَقِدُ النَّذْرُ المُسْتَحيلُ، كصَوْمِ أمسِ، ولا يُوجِبُ شيئًا؛ لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ انْعِقادُه، ولا الوَفاءُ به؛ لأنَّه لو حَلَف على فِعْلِه، لم تَلْزَمْه كَفَّارَة، فالنَّذْرُ أوْلَى.
قال شيخُنا 1: وعَقْدُ البابِ في الصَّحيحِ مِن المذهبِ، أنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ، ومُوجَبُه مُوجَبُها، إلَّا في لُزُوم الوفاء به، إذا كان قُرْبَةً و 2 أمْكَنَه فِعْلُه، ودَليلُ هذا الأصْلِ قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأختِ عُقْبَةَ، لمَّا نَذَرَتِ المَشْيَ ولم تُطِقْهُ: «وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا» 3. وفي روايةٍ: «فَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ» 4. قال أحمدُ: إليه أذْهَبُ.
وعن عُقْبَةَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:
..................................
«كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ اليَمِينِ».
أخْرَجَه مسلمٌ 1. وقولُ ابنِ عباس في التي نَذَرَتْ ذَبْحَ ابْنِها: كَفِّرِي يَمِينَكِ 2. ولأنَّه قد ثَبَت أنَّ حُكْمَه حكمُ اليَمِينِ في أحَدِ أقْسامِه وهو نَذْرُ اللَّجاجِ 3، فكذلك في سائِرِه، سِوَى ما اسْتَثْناه الشَّرْعُ.
فإن نَذَرَ واجِبًا، كالصلاةِ المَكْتُوبَةِ، فقال أصْحابُنا: لا يَنْعَقِدُ نَذْرُه.
وهو قولُ أصحابِ الشافعيِّ، لأنَّ النَّذْرَ التِزامٌ، ولا يَصِحُّ التزامُ ما هو لازمٌ له.
ويَحْتَمِلُ أن ينعقدَ نذْرُه مُوجِبًا لكَفَّارَةِ يَمِين إن تَرَكَه، كما لو حَلَف لا يَفْعَلُه ففَعَلَه، فإنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ، وقد سَمَّاه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَمِينًا، ولذلك لو نَذَرَ مَعْصِيَةً أو مُباحًا، لم يَلْزمْه، ويُكَفِّرُ إذا لم يَفْعَلْه.
وَالنَّذْرُ الْمُنْعَقِدُ عَلَى خَمْسَةِ أقْسَامٍ؛ أحَدُهَا، النَّذْرُ الْمُطْلَقُ؛ وَهُوَ أنْ يَقُولَ: لِلهِ عَلَيَّ نَذْرٌ.
فَتَجِبُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
4796 - مسألة: (والنَّذْرُ المُنْعَقِدُ على خَمْسَةِ أَقسام؛ أحَدُها، النَّذْرُ المُطْلَقُ، وهو أن يقولَ: لله عِليَّ نَذْرٌ. فتَجِبُ)
به (كَفَّارَةُ يَمِينٍ) في قولِ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباس، وجابِر، وعائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وبه قال الحسنُ، وطاوسٌ، وسالمٌ، والقاسمُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وسعيدُ بنُ جُبَير، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا إلَّا الشافعيَّ، قال: لا يَنْعَقِدُ نَذْرُه، ولا كَفَّارَةَ فيه.
ولَنا 1 ما روَى عُقْبَةُ بنُ عامِر، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إذَا لَمْ يُسَمَّ، كَفَّارَةُ يَمِين».
رَواه التِّرْمِذِيُّ 2، وقال: هذا حديث حسنٌ صَحِيحٌ غَريبٌ.
وهذا نَصٌّ، ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينَا مِن الصحابَةِ والتابِعِين، ولا نَعْرِفُ لهم في عَصْرِهم مُخالِفًا، فيكونُ إجْماعًا.
الثَّانِي، نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ، وَهُوَ مَا يَقْصِدُ بِهِ الْمَنْعَ مِنْ شَيْءٍ، أو الْحَمْلَ عَلَيهِ، كَقَوْلِهِ: إِنْ كَلَّمْتُكَ فَلِلّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ.
أوْ: صَوْمُ سَنَةٍ.
أوْ: عِتْقُ عَبْدِي.
أو: الصَّدَقَةُ بِمَالِي.
فَهَذَا يَمِين، يُخَيَّرُ بَينَ فِعْلِهِ وَالتَّكْفِيرِ.
(الثاني، نَذْرُ اللَّجَاجِ والغَضَبِ، وهو ما يَقْصِدُ به المَنْعَ مِن شيءٍ، أو الحَمْلَ عليه، كقَوْلِه: إن كَلَّمْتُكَ فَلِله علَيَّ الحَجُّ.
أو: صَوْمُ سَنَةٍ.
أو: عِتْقُ عَبْدِي.
أو: الصَّدَقَةُ بمالِي.
فهذا يَمِينٌ، يُخَيَّرُ بينَ فِعْلِه) وبينَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ؛ لِما روَى عِمْرانُ بن حُصَين، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «لَا نَذْرَ في غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
رَواه سعيدٌ،
..................................
في «سُنَنِه» 1. وعن أحمدَ أنَّ الكَفَّارَةَ تَتَعَيَّنُ عليه، ولا يُجْزِئُه غيرُها؛ للخَبَرِ.
والأوَّلُ ظاهِرُ المذهَبِ، لأنَّها يَمِين، فيُخَيَّرُ فيها بينَ الأمْرَين،
الثَّالِثُ، نَذْرُ الْمُبَاحِ، كَقَوْلِهِ: للهِ عَلَيَّ أنْ ألْبَسَ ثَوْبِي.
أوْ: أرْكَبَ دَابَّتِي.
فَهَذَا كَالْيَمِينِ، يَتَخَيَّرُ بَينَ فِعْلِهِ وَبَينَ كَفَّارَةِ يمِينٍ.
كاليَمِينِ باللهِ تعالى، ولأنَّ هذا جمَعَ الصِّفَتين، فَيَخْرُجُ عن العهْدَةِ بكُلِّ واحدَةٍ منهما.
(الثالِثُ، نَذْرُ المُباحِ، كقولِه: لله عِليَّ أنْ ألْبَسَ ثَوْبِي.
أو: أرْكَبَ دابَّتِي.
فهذا كاليَمِينِ، يَتَخَيَّرُ بينَ فِعْلِه وبينَ كَفَّارَةِ يَمِين) لِما رُوِيَ أنَّ امرأةً أتتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالتْ: إنِّي نَذَرْتُ أن أضْرِبَ على رَأْسِكَ بالدُّفِّ.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أوْفِ بِنَذْرِكِ».
رَواه أبو داودَ 1. ولأنَّه لو حَلَف على فِعْلِ مُباح، بَرَّ بفِعْلِه، فكذلك إذا نَذَرَه؛ لأنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ.
وإن شاءَ تَرَكَه وعليه كَفَّارةُ يَمِين، كما لو حَلَف ليَفْعَلَنَّه، فلم يَفْعَلْ.
ويَتَخَرَّجُ أن لا كَفَّارَةَ فيه، فإنَّ أصحابَنا قالوا: مَن نَذَر أن يَعْتَكِفَ
..................................
في مسجدٍ مُعَيَّن، أو يُصَلِّيَ فيه، كان له أن يُصَلِّيَ ويَعْتَكِفَ في غيرِه، ولا كَفَّارَةَ عليه، ومَن نَذَر أن يَتَصَدَّقَ بمالِه كلِّه، أجْرَأَتْه الصَّدَقَةُ بثُلُثِه بلا كَفَّارَةٍ.
وهذا مثلُه.
وقال مالكٌ، والشافِعِيُّ: لا يَنْعَقِدُ نَذْرُه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - «لَا نَذْرَ إلَّا فِيمَا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ» 1. وروَى ابنُ عباسٍ، قال: بَينَا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ، إذا هو برجلٍ قائمٍ، فسَألَ عنه، فقالوا: أبو إسرائيلَ، نذرَ أن يقومَ في الشمسِ، ولا يَسْتَظِلَّ، ولا يَتَكَلَّمَ، ويصومَ.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مُرُوهُ فَلْيَجْلِسْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيُتمَّ صَوْمَهُ».
رَواه البخاريُّ 2. وعن أنَسٍ، قال: نَذَرَتِ امرأةٌ أن تَمْشِيَ إلى بيتِ اللهِ، فسُئِلَ نبيُّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: «إنَّ اللهَ لغَنِيٌّ عَنْ مَشْيِها، مُرُوهَا فَلْتَرْكَبْ».
قال التِّرْمِذِيُّ 3: هذا حديث صَحِيحٌ.
ولم يأمُرْ بكَفَّارَةٍ.
ورُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأى رجلًا يُهادَى بينَ اثْنَين، فسألَ عنه، فقالوا: نَذَرَ أن يَحُجَّ ماشِيًا.
فقال: «إنَّ
..................................
اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيب هذَا نَفْسَهُ، مُرُوهُ فَلْيَرْكَبْ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولم يَأْمُرْه بكَفَّارَةٍ.
ولأَنَّه نَذْرٌ غيرُ مُوجِبٍ 2 لفِعْلِ ما نَذَرَه، فلم يُوجِبْ كَفَّارَةً، كنَذْرِ المُسْتَحيلِ.
ولَنا، ما تقَدَّمَ في قِسْمِ نَذْرِ اللَّجَاجِ 3 والغَضَب، فأمَّا حديثُ التي نَذَرَتِ المَشْيَ، فقد أمَرَ فيه بالكَفَّارَةِ في حديثٍ آَخَرَ، فروَى عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، أنَّ أُخْتَه نَذَرَتْ أن تَمْشِيَ إلى بيتِ الله الحَرامِ، فسألَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: «مُرُوهَا فَلْتَرْكَبْ، وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا».
أخْرَجَه أبو داودَ 4. وهذه زِيادَةٌ يجبُ الأخْذُ بها، ويجوزُ أن يكونَ الرَّاوي للحديثِ روَى البعضَ وتَرَك البعضَ، أو يكونَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - تَرَكَ 5 ذِكْرَ الكَفَّارَةِ في بعضِ الحديثِ، إحالةً على ما عُلِمَ مِن حَدِيثِه في مَوْضِعٍ آخَرَ.
فَإِنْ نَذَرَ مَكرُوهًا، كَالطَّلاقِ، اسْتُحِبَّ أنْ يُكَفِّرَ وَلَا يَفْعَلَهُ.
الرَّابعُ، نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ، كَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَصَوْمِ يَوْمِ الْحَيضِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ، فَلَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَيُكَفِّرُ،
4797 - مسألة: (فإن نَذَر مَكْرُوهًا، كالطَّلاقِ)
فإنَّهُ مَكْرُوهٌ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلىَ اللهِ الطَّلاقُ» 1 (اسْتُحِبَّ أن يُكَفِّرَ ولا يَفْعَلَه) لأنَّ تَرْكَ المَكْرُوهِ أوْلَى مِن فِعْلِه، فإن فَعَلَه فلا كَفَّارَةَ عليه، والخِلافُ فيه كالذي قبلَه.
(الرابعُ، نَذْرُ المَعْصِيَةِ، كشُرْبِ الخَمْرِ، وصَوْم يومِ الحَيضِ، ويومِ العيدِ، فلا يجوزُ الوَفاءُ به، ويُكَفِّرُ) لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ
..................................
نَذَرَ أنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ» 1. ولأنَّ مَعْصِيَةَ اللهِ لا تُباحُ في حالٍ.
ويَجِبُ على النَّاذِرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
رُوِيَ نحوُ هذا عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وعِمْرانَ بنِ حُصَينٍ، وسَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه.
ورُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه لا كَفَّارَةَ عليه، وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاءَ اللهُ تعالى.
إلا أنْ يَنْذِرَ نَحْرَ وَلَدِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، أنَّهُ كَذَلِكَ.
وَالثَّانِيَةُ، يَلْزَمُهُ ذَبْحُ كَبْشٍ.
4798 - مسألة: (إلَّا أن يَنْذِرَ ذَبْحَ وَلَدِه، ففيه رِوَايتان؛ إحْدَاهُما، أنَّه كذلك. والثَّانِيَةُ، يَلْزَمُه ذَبْحُ كَبْشٍ)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في مَن قال: إن فَعَلْتُ كذا، فلِلّه عليَّ نَحْرُ وَلَدِي.
أو يقولُ: وَلَدِي نَحِيرٌ إن فَعَلْتُ كذا.
أو نَذَر ذَبْحَ وَلَدِه مُطْلَقًا، غيرَ مُعَلَّقٍ بشَرْطٍ.
فعن أحمدَ، عليه كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وهذا قياسُ المذهبِ؛ لأنَّ هذا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، أوْ نَذْرُ لَجاجٍ، وكِلاهما يُوجِبُ الكَفَّارَةَ.
وهو قولُ ابنِ عباس؛ فإنَّه قال لامرأةٍ نَذَرَتْ أن تَذْبَحَ ابْنَها: لا تَنْحَرِي ابْنَكِ، وكَفِّرِي عن يَمِينكِ 1. والرِّوايةُ الثانِيَةُ، كَفَّارتُه ذَبْحُ كَبْشٍ، ويُطْعِمُه المساكينَ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عباسٍ أيضًا؛
..................................
لأنَّ نَذْرَ ذَبْحِ الوَلَدِ جُعِلَ في الشَّرْعِ كنذْرِ ذَبْحِ شاةٍ، بدَليلِ أنَّ الله تعالى أمَرَ إبراهيمَ عليه السَّلامُ، بذَبْحِ وَلَدِه، وكان [أُمِرَ أن يَذْبَحَ] 1 شاةً، وشَرْعُ مَن قَبْلَنَا شَرْعٌ لنا ما لم يَثْبُتْ نَسْخُه، ودليلُ أنَّه أُمِرَ بذَبْحِ شاةٍ، أنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بالفَحْشاءِ ولا بالمَعاصِي، وذَبْحُ الوَلَدِ مِن كَبائِرِ المعاصِي، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ 2. وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أكْبَرُ الكَبَائِرِ أنْ تَجْعَلَ لِله نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ».
قِيلَ: ثم أيٌّ؟ قال: «أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» 3. وقال الشافِعِيُّ: ليس هذا بشيءٍ، ولا يَجِبُ به شيءٌ؛ لأنَّه نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، لا يَجِبُ 4 الوَفاءُ به، ولا يجوزُ، ولا تَجِبُ به كَفَّارَةٌ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» 5. ولَنا، قولُه عليه
..................................
الصلاةُ والسلامُ: «لَا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ، وكَفَّارَتُه كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
رَواه سعيدٌ، في «سُنَنِه» 1. ولأنَّ النَّذْرَ حُكْمُه حكمُ اليَمِينِ، بدليلِ قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «النَّذْرُ حَلْفَةٌ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» 2. فيكونُ بمَنْزِلَةِ مَن حَلَف ليَذْبَحَنَّ وَلَدَه.
وقولُهم: إنَّ النَّذْرَ لذَبْحِ الوَلَدِ كِنايَةٌ عن ذَبْحِ كَبْشٍ.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّ إبراهيمَ، عليه السَّلامُ، لو كان مَأْمُورًا بذَبْحِ كَبْشٍ، لم يَكُنِ الكَبْشُ فِداءً، ولا كان مُصَدِّقًا للرُّؤْيَا قبلَ ذَبْحِ الكَبْشِ، وإنَّما أُمِرَ بِذَبْحِ ابنِه ابْتِلاءً 3، ثم فُدِيَ بذَبْحِ الكَبْشِ، وهذا أمْرٌ اخْتَصَّ به إبراهيمُ - عليه السلام -، لا يَتَعَدَّاه إلى غيرِه، لحِكْمَةٍ عَلِمَها اللهُ تعالى فيه، ثم لو كان إبراهيمُ مَأْمُورًا بذَبْحِ كَبْشٍ، فقد وَرَد شَرْعُنا بخِلافِه، فإنَّ نَذْرَ ذَبْحِ الابنِ ليس بقُرْبَةٍ في شَرْعِنا، ولا مُباحٍ،
..................................
بل هو مَعْصِيَةٌ، فتكونُ كَفَّارَتُه ككَفَّارَةِ 1 سائِرِ نُذُورِ المَعاصِي.
فصل: فإن نَذَر ذَبْحَ نَفْسِه، أو أجْنَبِيٍّ، ففيها أيضًا عن أحمدَ رِوايَتان، فنَقَل ابنُ مَنْصُورٍ عن أحمدَ، في مَن نَذَر ذَبْحَ نفْسِه إذا حَنِث: يَذْبَحُ شاةً، وكذلك إن نَذَر ذَبْحَ أجْنَبِيٍّ؛ لأنَّ ذلك يُرْوَى عن ابنٍ عباسٍ.
والذي قال: أنا أنْحَرُ فُلانًا.
فقال: عليه كَبْشٌ.
ولأنَّه نَذَر ذبْحَ آدَمِيٍّ، فكان عليه ذَبْحُ كَبْشٍ، كنَذْرِ ذَبْحِ ابْنِه.
والثانِيَةُ، عليه كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ لأنَّه نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، فكان مُوجَبُه كَفَّارَةً؛ لِما ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ.
ورَوَى الجُوزْجَانِيُّ، بإسْنادِه عن الأوْزاعِيِّ، قال: حَدَّثَنِي أبو عُبَيدٍ، قال: جاءَ رجلٌ إلى ابنِ عمرَ، فقال: إنِّي نَذَرْتُ أن أنْحَرَ نَفْسِي.
قال 2: فتَجَهَّمَه ابنُ عمرَ، وأفَّفَ منه، ثم أتَى ابنَ عباسٍ، فقال له: أهْدِ مِائَةَ بَدَنَةٍ 3. ثم أتَى عبدَ الرحمنِ بنَ الحارِثِ بنِ هِشامٍ، فقال: أَرَأَيتَ لو نَذَرْتَ أن لا تُكَلِّمَ أباكَ أو أخاكَ؟ إنَّما هذه خُطْوَةٌ مِن خُطُواتِ الشَّيطانِ، اسْتَغْفِرِ اللهَ، وتُبْ إليه.
فرَجَعَ إلى ابنِ عباسٍ فأخْبَرَه، فقال: أصابَ عبدُ الرحمنِ.
ورَجَع ابنُ عباسٍ عن قَوْلِه.
والصحيحُ أنَّ هذا نَذْرُ
..................................
مَعْصِيَةٍ، حُكْمُه حُكْمُ نَذْرِ 1 سائِرِ المعاصِي لا غيرُ.
فصل: قال أحمدُ، في امرأةٍ نَذَرَت نَحْرَ وَلَدِها، ولها ثلاثةُ أوْلادٍ: تَذْبَحُ عن كلِّ واحدٍ كَبْشًا، وتُكَفِّرُ عن يَمينِها.
وهذا على قولِنا: إنَّ كفَّارَةَ نَذْرِ ذَبْحِ الوَلَدِ ذَبْحُ (1) كبشٍ.
جُعِل عن كلِّ واحدٍ؛ لأنَّ لَفْظَ الواحِدِ إذا أُضِيف اقْتَضَى التَّعْمِيمَ، فكان عن كلِّ واحدٍ كَبْشٌ.
فإن عَيَّنَتَ بنَذرِها واحِدًا فإنَّما عليها كَبْشٌ واحدٌ، بدليلِ أنَّ (1) إبراهيمَ - عليه السلام -، لَمَّا أُمِرَ بذَبْحِ ابْنِه الواحدِ، فُدِي بكَبْشٍ واحدٍ، ولم يُفْدَ غيرُ مَن أُمِرَ بذَبْحِه
وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَنْعَقِدَ نَذْرُ الْمُبَاحِ وَلَا الْمَعْصِيَةِ، وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ، وَلِهَذَا قَال أصْحَابُنَا: لَوْ نذَرَ الصَّلَاةَ أوْ الاعْتِكَافَ في مَكَانٍ
مِن أوْلادِه، كذا ههُنا، وعبدُ المُطَّلِبِ لَمَّا نَذَر ذَبْحَ ابنٍ مِن بَنِيه إن بَلَغُوا عَشَرَةً، لم يَفْدِ منهم إلَّا واحِدًا.
وسَواءٌ نَذَرَتْ مُعَينَّا أو عَيَّنَتَ واحدًا غيرَ مُعَيَّنٍ، فأمَّا قولُ أحمدَ: وتُكَفِّرُ يَمِينَها.
فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّ ذَبْحَ (1) الكِباشِ كَفَّارَةُ يَمينِها (2). ويَحْتَمِلُ أنَّه كان مع نَذْرِها يَمِينٌ.
فأمَّا على الرِّوايَةِ الأُخرَى، تُجْزِئُها كَفَّارَةُ يَمِينٍ، على ما سَبَق.
4799 -
مسألة: (ويَحْتَمِلُ أن لا يَنْعَقِدَ نَذْرُ المُباحِ ولا المَعْصِيَةِ، ولا تَجِبُ به كَفَّارَةٌ، ولهذا قال أصحابُنا: مَن نَذَر الاعْتِكافَ
12
مُعَيَّنٍ، فَلَهُ فِعْلُهُ في غَيرِهِ، وَلَا كَفَّارَةَ.
أو الصلاةَ في مَكانٍ مُعَيَّن، فله فِعْلُهُ في غَيرِه، ولا كَفَّارَةَ) وقد رُويَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على ذلك، فَإنَّه قال في مَن نَذَر لَيَهْدِمَنَّ دارَ غيرِه لَبِنَةً لَبِنَةً: لا كَفَّارَةَ عليه [وهذا في معناه.
و] 1 رُويَ هذا عن مَسْرُوقٍ، والشَّعْبِيِّ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ اللهِ، ولَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ».
رَواه مسلمٌ 2. والمذهبُ أنَّ عليه الكَفَّارَةَ، وقد ذَكَرْناه في نَذْرِ المُباحِ.
ووَجْهُه ما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ، وكَفَّارَتُه كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ 3، وقال: هذا حديثٌ غَرِيبٌ.
فصل: وإن نَذَر فِعْلَ طاعَةٍ وما 4 ليس بطاعَةٍ، لَزِمَه فِعْلُ الطَّاعَةِ، كالذي في خَبَرِ أبي إسْرائيلَ 5، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَه بإتْمامِ الصَّوْمِ، وتَرْكِ ما سِوَاه؛ لكَوْنِه ليس بطاعَةٍ.
وفي وُجوبِ الكَفَّارَةِ لِمَا تَرَكَه رِوايتان، على ما ذَكَرْناه.
وقد رَوَى عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، أنَّ أُخْتَه نَذَرَتْ أن تَمْشِيَ إلى بيتِ اللهِ الحَرامِ حافِيَةً غيرَ مُخْتَمِرَةٍ، فذَكَر عُقْبَةُ ذلك لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «مُرْ أُخْتَكَ فَلْتَرْكَبْ، وَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثةَ
وَلَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مَالِهِ، فَلَهُ الصَّدَقَةُ بِثُلُثِهِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيهِ.
أَيَّامٍ».
رَواه الجُوزْجَانِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ (1). فإن كان المَتْرُوكُ خِصالًا كثيرةً (2)، أجْزَأتْه كَفَّارَةٌ واحدةٌ؛ لأنَّه نَذْرٌ واحدٌ، فتكونُ كفَّارَتُه واحِدَةً، كاليمينِ الواحدةِ على أفْعالٍ، ولهذا لم يَأْمُرِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أُخْتَ عُقْبَةَ بنِ عامِر في تَرْكِ التَّحَفِّي (3) والاخْتِمارِ، بأكثرَ مِن كَفَّارَةٍ.
4800 -
مسألة: (ولو نَذَر الصَّدَقَةَ بكلِّ مالِه، فَله الصَّدَقَةُ بثُلُثِه، ولا كَفَّارَةَ عليه)
لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال لأبي لُبَابَةَ، حينَ قال: إنَّ مِن تَوْبَتِي يا رسولَ اللهِ أن أنخَلِعَ مِن مالِي.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:123
..................................
«يُجْزِئُكَ الثُّلُثُ» 1. وبهذا قال الزُّهْرِيُّ، ومالكٌ.
وقال رَبيعَةُ: يَتَصَدَّقُ منه بقَدْرِ الزَّكاةِ؟ لأنَّ المُطْلَقَ يُحْمَلُ على مَعْهودِ الشَّرْعِ، ولا يَجِبُ في الشَّرْعِ إلَّا قَدْرُ الزَّكاةِ.
وعن جابرِ بنِ زيدٍ، قال: إنْ كان كثيرًا -وهو ألْفان- تَصَدَّق بعُشْرِه، وإن كان مُتَوَسِّطًا -وهو ألْفٌ- تصَدَّق بسُبْعِه، وإن كان قليلًا -وهو خَمْسُمائةٍ- تصَدَّق بخمْسِه 2. وقال أبو حنيفةَ: يَتَصَدَّقُ بالمالِ الزَّكَويِّ كلِّه.
وعنه في غيرِه 3 رِوايَتان؛ إحْدَاهما، يَتَصَدَّقُ به.
والثانِيَةُ، لا يَلْزَمُه منه شيء.
وقال النَّخَعِيّ، والبَتِّيُّ، والشافعيُّ: يَتَصَدَّقُ بمالِه كلِّه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:
..................................
«مَنْ نَذَر أنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطعْهُ» 1. ولأنَّه نَذْرُ طاعَةٍ، فلَزِمَه الوَفاءُ به، كنَذْرِ الصلاةِ والصِّيامِ.
ولَنا، حديثُ أبي لُبَابَةَ المذْكُورُ.
وعن كَعْبِ بنَ مالكٍ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ مِن تَوْبَتِي أن أنْخَلِعَ مِن مالِي صَدَقَةً إلى الله وإِلى رسولِه.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أمْسِكْ عَلَيكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خيرٌ لَكَ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. ولأبي داودَ: «يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ».
قالوا: ليس هذا بنَذْرٍ، وإنَّما أرادَ الصَّدَقَةَ بجَمِيعِه، فأمرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالاقْتِصارِ [على ثُلُثِه، كما أمَرَ سعدًا حينَ أرادَ الوَصِيَّةَ بجَمِيعِ مالِه، فأمَرَه بالاقْتِصارِ على] 3 الثُّلُثِ، وليس هذا مَحَلَّ النِّزاعِ، إنَّما النِّزاعُ في مَن نَذَر الصدقةَ بجميعِه.
قُلْنا: عنه جوابان؛
..................................
أحدُهما، أنَّ قولَه: «يُجْزِئُكَ [مِن ذلك] 1 الثُّلُثُ».
دليلٌ على أنَّه أتَى بلَفْظٍ يَقْتَضِي الإِيجابَ؛ لأنَّها إنَّما تُسْتَعْمَلُ غالِبًا في الواجباتِ، ولو كان مُخَيَّرًا بإرادَةِ الصَّدَقَةِ، لَما لَزِمَه شيءٌ يُجْزِء عنه بعضُه.
الثاني، أنَّ مَنْعَه مِن الصدقَةِ بزيادةٍ على الثُّلُثِ، دليلٌ على أنَّه ليس بقُرْبَةٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لا يَمْنَعُ أصْحابَه مِن القُرَبِ، ونَذْرُ ما ليس بقُرْبَةٍ لا يَلْزَمُ الوَفاءُ به.
ولَنا، على أبي حنيفةَ، أنَّ غيرَ الزَّكَويِّ مالٌ، فتَناوَلَه النَّذْرُ، كغيرِ 2 الزَّكَويِّ.
وما قاله رَبيعَةُ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ هذا ليس بزَكاةٍ، ولا في مَعْناها، فإنَّ الصدقةَ وَجَبَتْ لإِغْناءِ الفُقَراءِ ومُواساتِهِم، وهذه صَدَقَةٌ تَبَرَّع بها صاحبُها تَقَرُّبًا إلى اللهِ تعالى، ثم إنَّ المَحْمُولَ على مَعْهُودِ الشَّرْعِ المُطْلَقُ، وهذه صَدَقَةٌ مُعَيَنة غيرُ مُطْلَقَةٍ، ثم تَبْطُلُ بما لو نَذَر صِيامًا، فإنَّه لا يُحْمَلُ على صومِ رمضانَ، وكذلك الصلاةُ.
وما ذَكَرَه جابِرُ بنُ زَيدٍ، فهو تَحَكُّمٌ بغيرِ
وإنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِأَلفٍ، لَزِمَهُ جَمِيعُهُ.
وَعَنْهُ، يُجْزِئُهُ ثُلُثُهُ.
دليلٍ.
4801 -
مسألة: (وإن نَذَر الصَّدَقَةَ بألْفٍ، لَزِمَه جَمِيعُه. وعنه، يُجْزِئُه ثُلُثُه)
إذا نَذَر الصَّدَقَةَ بمُعَيَّن مِن مالِه، أو بمُقَدَّرٍ، كأَلفٍ، فرُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَه الله، أنَّه يُجْزِئُه ثُلُثُه، لأنَّه مالٌ نَذَر الصدقةَ به، فأجْزَأَه ثُلُثُه، كجَمِيعِ المالِ.
والصَّحِيحُ في المذهبِ لُزومُ الصدقةِ بجَميعِه، لأنَّه مَنْذُورٌ، وهو قُرْبَةٌ، فلَزِمَه الوَفاءُ به، كسائرِ المَنْذُوراتِ، ولعُمومِ قولِه سبحانَه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ 1. وإنَّما خُولِفَ هذا في جميعِ المالِ، للأثَرِ فيه، ولِما في الصدقةِ بالمالِ كلِّه مِن الضَّرَرِ اللَّاحِقِ به، اللَّهُمَّ إلَّا أن يكونَ المَنْذُورُ ههُنا يَسْتَغْرِقُ جميعَ المالِ، فيكونَ كنَذْرِ ذلك.
ويحْتَمِلُ أنَّه إن كان المَنْذُورُ ثُلُثَ المالِ فما دونَ، لَزِمَه وَفاءُ نَذْرِه، وإن زادَ على الثُّلُثِ، لَزِمَه الصدقةُ بقَدْرِ الثُّلُثِ منه، لأنَّه حُكْم يُعْتَبَرُ فيه الثُّلُثُ، فأشْبَهَ الوَصِيَّةَ به.