..................................
جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ ينظرِ الله إلَيْهِ».
مُتفَق عليه 1. وعن ابنِ مسعودٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «مَنْ أسْبَلَ إزَارَه في صَلَاتِهِ خُيلَاءَ
..................................
فَلَيْس مِنَ الله، جَلَّ ذِكْرُه، فِي حِل وَلَا حَرَامٍ».
رواه أبو داودَ 1.
فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ لُبْسُ مَا فِيهِ صُورَةُ حيَوَانٍ، فِي أحدِ الْوَجْهَيْنِ.
فصل: (ولا يَجُوزُ لُبْسُ ما فيه صُورَةُ حَيَوانٍ، في أحَدِ الوَجْهَيْن).
اخْتارَه أبو الخَطّابِ؛ لقولِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ ولَا صُورَة».
مُتُّفَقٌ عليه 1. والثاني، لا يَحْرُمُ.
قاله ابنُ عَقِيل؛ لقَوْلِ
..................................
النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في آخِرِ الخَبَرِ: «إلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ».
مُتَّفَق عليه.
ولأنه يُباحُ إذا كان مَفْرُوشًا أو يُتَّكَأ عليه، فكذلك إذا كان يُلْبَس.
واللهُ أعلمُ.
ويُكْرَه التَّصْلِيب في الثَّوبِ؛ لقَوْلِ عائشةَ، رَضِي الله عنها: إن رسولَ اللهِ
وَلا يَجُوزُ لِلرجُلِ لُبسُ ثِيَابِ الْحَرِيرِ، وَلَا مَا غَالِبُهُ الْحَرِير، وَلَا افْتِرَاشُهُ إِلَّا مِنْ ضَرُورةٍ، - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان لا يَتْرُكُ في بَيْتِه شَيْئًا فيه تَصْلِيبٌ إلَّا قَضَبَه (1). رَواه أبو داودَ (2).
328 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ للرجلِ لُبْسُ ثِيابِ الحَرِيرِ، ولا ما غالِبُه الحَرِيرُ، ولا افْتِراشُه إلَّا مِن ضَرُورَةٍ)
يَحْرُمُ على الرجلِ لُبْسُ ثِيابِ الحرِيرِ في الصلاةِ وغيرِها، في غير حالِ العُذْرِ إجْماعًا.
حكاه ابنُ عبدِ البَرِّ؛ لِما روى أبو موسى، أنَّ رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «حُرمَ لِبَاسُ الحَرِيرِ وَالذهَبِ12
..................................
عَلَى ذُكُورِ أمَّتِي وَأحِلَّ لإنَاثِهِمْ».
أخْرَجَه أبو داودَ، والترمِذِي 1، وقال: حديث حسن صحيح.
وعن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِيَ الله عنه، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ؛ فإنَّه مَنْ لَبِسَه فِي الدنيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الْآخِرَة».
مُتَّفَق عليه 2. والافْتِراش كاللُّبْسِ؛ لِما روَى حذَيْفَةُ، قال: نَهانا النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن نَشربَ في آنيةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وأن نأكلَ فيها، وأن نَلْبَسَ الحَرِيرَ والدِّيباجَ، وأن نجْلِسَ عليه.
رَواه
فَإِنِ اسْتَوَى هُوَ وَمَا نُسِجَ مَعَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
البُخارِيُّ (1). فأمَّا المَنْسُوجُ مِن الحريرِ وغيره، فإن كان الأغْلَبُ الحَرِيرَ، حُرمَ لعُمُومِ الخَبَرِ، وإن كان الأغْلَبُ غيرَه، حَلَّ؛ لأنَ [الحُكْمَ للأغْلبِ] (2)، والقلِيلُ مُسْتَهَلكٌ فيه، أشْبَه الضَّبَّة (3) من الفِضَّةِ، والعَلَمَ في الثَّوْب.
وقال ابنُ عبدِ البَر: مَذْهَبُ ابنِ عباس، وجَماعَةٍ مِن أهل العِلْم، أن المُحَرَّمَ الحَريرُ الصّافِي، الذى لا يُخالِطُه غيرُه.
قال ابنُ عباس: إنما نَهَى النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن الثوْبِ المُصْمَتِ مِن الحَرِيرِ، أمّا العَلَمُ وسَدَى الثَّوْب، فليس به بَأسٌ.
رَواه أبو داودَ، والأثرَمُ (4).
329 -
مسألة: (فإنِ اسْتَوَى هو وما نُسِج معه، فعلى وَجْهَيْن)
1234
..................................
أحَدُهما، يُباحُ؛ لحديثِ ابنِ عباس، ولأنَّ الحَرِيرَ ليس بأغْلَبَ، أشْبَهَ الأقل 1. والثاني، يَحْرُمُ.
قال ابنُ عَقِيل: هو الأشْبَهُ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ.
وَيَحْرُمُ لُبْسُ الْمَنْسُوجِ بِالذَّهَبِ وَالْمُمَوَّهِ بِهِ،
330 - مسألة: (ويَحْرُمُ لُبْسُ المَنْسُوجِ بالذهَبِ والمُمَوَّهِ به)
فَإن اسْتَحَالَ لَوْنُهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبي موسى 1. (فإنِ اسْتَحالَ لَوْنُه، فعلى وَجْهَيْن) أحَدُهما، يَحْرُمُ؛ للحديثِ.
والثاني، يباحُ؛ لزَوالِ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ مِن السَّرفَ والخُيَلاءِ، وكَسْر قُلُوبِ الفُقَراء.
وَإنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ لِمَرَضٍ، أو حِكَّةٍ، أو فِي الْحَرْبِ، أوْ ألبَسَهُ لِلصَّبِيِّ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
331 - مسألة: (وإن لبِس الحَرِيرَ لمَرَضٍ أو حِكَّةٍ، أو في الحَرْبِ، أو ألبَسَه الصَّبِيِّ، فعلى رِوايَتَيْن)
متى احْتاجَ إلى لُبْس الحَرِيرِ؛ لمَرَضٍ أو حِكَّةٍ أو مِن أجْلِ القَمْلِ، جاز في ظاهِرِ المذْهَب؛ لأنَّ أنسًا روَى أن عبدَ الرحمنِ بنَ عَوْفٍ والزُّبَيْرَ، شَكَوا إلى النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- القَمْلَ، فرَخَّصَ لهما في قَمِيص الحَرِيرِ في غَزاةٍ لهما.
وفي رِوايةٍ، شَكيا 1 إلى رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- القمْلَ، فرَخَّصَ لهما في قَمِيصِ الحرِيرِ، ورَأيتُه عليهما.
..................................
مُتَّفَقٌ عليه 1. وما ثَبَت في حَقِّ صَحابي يَثْبُتُ في حقِّ غيرِه، ما لم يَقُمْ على اخْتِصاصِه به 2 دَلِيلٌ، فثَبَتَ بالحديثِ في القَمْلِ، وقِسْنا عليه غيرَه مما يَنْفَعُ فيه لُبْسُ الحَرِيرِ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أخْرَى، لا يباحُ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لعُمومِ الخَبَرِ المُحَرِّمِ، والرخْصَةُ يَحْتَمِلُ أنْ تكون خاصةً لهما.
..................................
فصل: وفي لُبْسِه في الحَرْبِ لغيرِ حاجَةٍ رِوايَتان؛ إحْداهما، الإباحةُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ.
قال الأثْرَمُ: سَمعْتُ أَبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن لُبْس الحَرِيرِ في الحَرْب؟ فقال: أرْجُو أن لا يكُونَ به بأسٌ.
وهو قولُ عُرْوَة وعَطاءٍ.
وكان لعرْوةَ يَلْمَقُ 1 مِن دِيباجٍ، بِطانَتُه بن سُنْدُس مَحْشُوٍّ قَزًّا، يَلْبَسُه في الحَرْبِ.
ولأن المنْعَ مِن لبْسِه لِما فيه مِن الخُيَلاءِ، وذلك غيرُ مَذْمُوم في الحربِ، فقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حينَ رَأى بعْضَ أصْحابِه يَمْشِي بينَ الصَّفيْن [يَخْتالُ في مشيتِه] 2 قال: «إنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا الله إلَّا فِي هَذَا الْموْطِنِ» 3. والثانية، يَحْرُمُ؛ لعمُومِ الخَبَرِ.
فأمّا إنِ احْتاجَ إليه، مِثْلَ أن يكُونَ بِطانَة لبَيْضَةٍ أو دِرْعٍ أو نَحْوِه، أُبِيحَ.
قال بَعْضُ أَصْحابِنا: يَجُوزُ مِثْلُ ذلك مِن الذَّهبِ؛ كدِرْعٍ مُمَوهٍ مِن الذَّهَبِ لا يَسْتَغْنِي عن لُبْسِه، وهو مُحْتاج إليه.
..................................
فصل: وهل يجوزُ لوَلِيِّ الصبيِّ أن يُلْبسَه الحرِيرَ؟ على روايَتَيْن؛ إحْداهما، تَحْرِيمه؛ لعُمُومِ قَوْلِه -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمتِي» 1. وعن جابر، قال: كُنّا نَنْزِعُه عن الغِلْمان، ونَتْرُكُه على الجَوارِي.
رَواه أبو داودَ 2. وقَدِم حُذَيْفَة مِن سَفَرٍ، فوَجَدَ على صِبْيانِه قمُصًا مِن حَرِير، فمَزَّقَها عن الصبيان، وتَرَكها على الجَوارِي.
رَواه الأثْرَمُ.
ورُوِيَ نَحْو ذلك عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ.
والثانيةُ، يباحُ؛ لأنَّهم
وَيُبَاحُ حَشْوُ الْجِبَابِ وَالْفُرُش بِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَحْرُمَ.
غيرُ مُكَلَّفِين، أشْبَهوا البَهائمَ، ولأنهم مَحل للزِّينَةِ أشْبَهوا النساءَ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لظاهِرِ الخَبَرِ، وفِعْل الصَّحابَةِ.
ويَتعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بالمُكَلَّفِين بتَمْكِينهم مِن الحَرامِ، كتَمْكِينِهم مِن شُرْبِ الخَمْر، وغيرِه مِن المُحَرَّماتِ.
وكَوْنُهم مَحَلَّ الزِّينَة مع تَحْرِيمِ الاسْتِمْتاعِ أبلَغُ (1) في التحْرِيمِ، ولذلك حَرُم على النِّساء التبرُّجُ بالزينَةِ للأجانِبِ.
332 -
مسألة: (ويُباحُ حَشْوُ الجِبابِ والفُرُش به، ويَحْتَمِلُ أن يَحْرُمَ)
ذَكَرَه القاضي.
وهو مَذْهبُ الشَّافعيّ؛ لأنَّه لا خُيَلاءَ فيه.1
..................................
ويَحْتَمِلُ أن يَحرُمَ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، ولأن فيه سَرَفًا، أشْبَهَ ما لو جَعَل البِطانَةَ حَرِيرًا.
فصل: ولا بَأسَ بلُبْس الخَزِّ.
نصَّ عليه.
وقد رُوِيَ عن عِمْرانَ بنِ حُصَين، والحسنِ بنِ علي، وأنس بنِ مالِك، وأبي هُرَيْرَةَ، وابنِ عباس، وعبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، وغيرِهم، أنَهم لَبسُوا الخَزَّ 1. وعن عبدِ اللهِ ابنِ سعدٍ، عن أَبيه سعدٍ، قال: رَأيتُ رجلًا ببُخارَى على بَغْلَةٍ بَيْضاءَ، عليه عِمامَةُ خَزٍّ سَوْدَاءُ، فقال: كَسانِيها رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
رَواه أبو داودَ 2. وقال ابن عَقِيل في الخَزِّ: إن كان فيه وَبَرٌ، وكان الوَبَرُ أكْثَرَ من القَزِّ، صحَّتِ الصلاةُ فيه، وإن كان أكْثَرُه القَزَّ، لم تَصِحَّ الصلاةُ فيه في الصُّحِيح، وإنِ اسْتَوَيا احْتَمَل وَجْهَيْن.
فجَعَله كغيرِه مِن الثيابِ المَنسُوجَةِ مِن الحرِيرِ وغيرِه.
وَيُبَاحُ الْعَلَمُ الْحَرِيرُ فِي الثوْبِ، إذا كَانَ أرْبَعَ أصَابعَ فَمَا دُونَ.
وَقَالَ أبو بَكْرٍ: يُبَاحُ وإِنْ كَانَ مُذَهَّبًا.
333 - مسألة: (ويُباحُ العَلَمُ الحرِيرُ في الثَّوْبِ إذا كان أرْبَعَ أصابعَ فما دُونَ)
لِما روَى عُمَرُ بنُ الخَطابِ، رَضِيَ الله عنه، قال: نَهَى رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن الحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ إصْبَعَيْن أو ثَلاث أو أرْبَع.
رَواه مسلمٌ 1. (وقال أبو بكر) في «التنبِيهِ»: (يُباحُ وإن كان مُذَهبًا) لأنه يَسِير 2،
وَكَذَلِك الرِّقَاعُ، وَلِبْنَةُ الْجَيْبِ، وَسَجْفُ الْفِرَاءِ.
وَيُكْرَه لِلرَجُل لُبْسُ الْمُزَعْفَرِ وَالْمُعَصْفَرِ.
أشْبَهَ الحَرِيرَ ويَسِيرَ الفِضَّةِ (وكذلك الرقاعُ، ولِبْنَةُ الجَيْبِ (1)، وسجْفُ (2) الفِراءِ) لدُخُولِه فيما اسْتَثْناه في الحَدِيثِ.
334 -
مسألة: (ويُكْرَهُ للرجلِ لُبْسُ المُزَعْفَرِ والمُعَصْفَرِ)
لِما12
..................................
رُوِيَ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- نَهَى الرِّجالَ عن التَّزَعْفُرِ.
مُتَّفَق عليه 1. وعن عليٍّ قال: نَهانِي النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن لِباس المُعَصْفَرِ.
رَواه مسلمٌ 2. ولا بَأسَ
..................................
بلُبْسِه للنّساءِ؛ لأن تَخْصِيصَ النَّهيِ بالرجالِ دَلِيلٌ على إباحَته للنساءِ.
فصل: فأمَّا لبْس الأحْمَرِ غيرِ المُعَصْفَرِ 1 فقال أصحابُنا: يُكْرَه.
وهو مَذْهَبُ ابنِ عُمَرَ، فرُوِي عنه أنَه اشْتَرَى ثَوْبًا، فرَأى فيه خَيْطًا أحْمَرَ فردَّه ورُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، قال: مَرَّ على النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رجل عليه بُرْدان أحْمَران، فسَلَّمَ، فلم يَرُدَّ النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عليه 2. وعن رافِع ابنِ خَدِيج، قال: خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في سَفَرٍ، فرَأى رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- على رَواحِلِنا أكْسِيَةً فيها خُيُوطُ عِهْن حُمْرٌ، فقال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «ألَا أرَى هَذِه الْحُمْرَةَ قَدْ عَلَتْكُمْ».
فقُمْنا سِراعًا لقَوْلِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حتَّى نَفر بَعْضُ إبِلِنا، وأخَذْنا الأكْسِيَةَ، فنَزَعْناها عنها.
رَواهُما أبو داودَ 3. والصَّحِيحُ أنَّه لا بَأسَ بها؛ لِما روَى أبو جُحَيْفَةَ، قال: خَرَج النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في حُلّةٍ حَمْراءَ.
الحديثُ.
وقال البَراءُ: ما رَأيتُ مِن ذِي لِمَّةٍ
..................................
في حُلَّةٍ حَمراءَ أحْسنَ مِن رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
مُتِّفَق عليهما 1. وعن هِلالِ
ابنِ عامِرٍ، قال: رأيت النَّبِيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- على بَغْلَةٍ وعليه بُرْدٌ أحْمَرُ.
رَواه أبو
داودَ 2. وقال أَنسٌ: كان أَحَبُّ اللِّباسِ إلى رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-
..................................
الحِبَرَةَ 1. مُتَّفَق عليه 2. وهي التى فيها حُمْرَةٌ وبَياضٌ.
ورُوِي أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بَيْنا هو يَخْطب إذ رَأى الحسنَ والحُسَيْنَ عليهما قَمِيصان أحْمَران، يَمشِيان ويَعْثُران، فنَزَلَ النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فأخَذَهما، ولم يُنْكِرْ ذلك 3. ولأنَّها لَوْنٌ، أشْبَهَتْ سائِرَ الألوانِ.
فأمّا أحادِيثُهمِ؛ فحديث رافِع في إسْنادِه رجلٌ مَجْهُولٌ، ويَحْتمِلُ 4 أنها كانت مُعَصْفرَةً؛ فلذلك
..................................
كَرِهَها، ولو قُدِّرَ التَّعارُضُ كانت أحادِيثُ الإباحَةِ أصَحَّ وأثْبَتَ، فهي أوْلَى.
فصل: فأمّا غيرُ الحُمْرَةِ مِن الألوانِ فلا يُكْرَهُ، فقد قال -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكمُ الْبَيَاضَ؛ فإنَّها منْ خَيْرِ ثِيَابكمْ، وَكَفنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ».
وعن ابن عُمَرَ، أنَّه قِيل له: لِمَ تَصْبُغُ بالصُّفْرَةِ؟ فقال: إنِّي رَأيتُ رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَصْبُغُ بها.
رَواهما أبو داودَ 1. وعن
..................................
أبي رمْثَةَ، قال: انْطَلَقْتُ مع أبي نَحْوَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فرَأيتُ عليه بُرْدَين أخْضَرَيْن.
ودَخَل النَّبِيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- مَكَةَ يَوْم الفَتْحِ وعليه عِمامَة سَوْداءُ.
مُتَّفَق عليهما 1. واللهُ أعلمُ.
بَابُ اجْتِنَابِ النَّجَاسَاتِ
وَهُوَ الشرطُ الرَّابع، فَمَتَى لَاقَى بِبَدَنِهِ أوْ ثَوْبِهِ نَجَاسَةً غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا، أوْ حَمَلَهَا، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتهُ.
بابُ اجْتنابِ النَّجاساتِ
(وهو الشرطُ الرابعُ، فمتى لاقى ببَدَنِه أو ثَوْبِه نَجاسة غيرَ مَعْفُوٍّ عنها، أو حَملَها، لم تَصِحَّ صَلاتُه) وجُمْلَة ذلك، أن الطهارةَ مِن النَّجاسَةِ في بدَنِ المُصَلِّي وثَوْبِه شَرْطٌ لصِحَّةِ الصلاة في قَوْلِ أكثر أهْلِ العلمِ.
منهم ابنُ عباسٍ، وسعيدُ بنُ المُسَيبِ، وقتادَةُ، ومالك، والشافعي، وأصحابُ الرأيِ.
ورُوِيَ عن ابنِ عباس أنَّه قال: ليس على ثَوْبٍ جَنابَة 1. ونَحْوُه عن أبي مِجْلَزٍ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيْر، والنَّخَعِيِّ.
وقال الحارِثُ العُلِكيُّ، وابنُ أبي لَيْلَى: ليس في ثَوْب إعادَة.
وسُئِل سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن الرجلِ يرَى في ثَوْبِه الأَذَى، وقد صَلَّى، قال: اقْرَأ عليَّ الآيَةَ التى فيها غَسْلُ الثِّيابِ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ 2.
..................................
قال ابنُ سِيرِينَ: هو الغَسْل بالماءِ، وعن أسْماءَ بنتِ أبي بكرٍ الصِّديقِ، قالت: سُئِل رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن دَمِ الحَيْض يَكُون في الثَّوْبِ، قال: «اقْرُصِيهِ، وَصَلِّي فِيه» 1. وفي لَفْظٍ قالتْ: سمِعْتُ امرأةً تَسْألُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: كيف تَصْنَعُ إحْدانا بثَوْبِها إذا رَأتِ 2 الطُّهْرَ، أتصَلِّي فيه؟ قال: «تنْظر فِيهِ، فَإنْ رَأتْ فِيهِ دَمًا فَلْتَقْرُصْهُ 3 بِشَيْءٍ مِنَ المَاءِ، وَلْتَنْضَحْ مَا لَمْ ترَ، وَلْتُصَلِّ فِيهِ».
رَواه أبو داودَ 4. وحديثُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حينَ مَرَّ بالقَبْرَيْن، فقال: «إنهُمَا ليعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذبَانِ فِي كَبِير؛ أمَّا أحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ».
مُتِّفَق عليه.
وفي رِواية: «لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ بَوْلِهِ» 5. ولأنَّها إحْدَى الطَّهارَتَيْن، فكانت شرطًا
..................................
للصلاةِ، كطَهارَة الحدثِ.
فصل: ويُشْتَرَطُ لهَا 1 طهارة [مَوْضِع الصلاةِ أَيضًا، وهو الموْضِعُ الذى تَقَعُ عليه ثِيابُه وأعْضاؤه التى عليه، قِياسًا على طهارةِ] 2 البَدَنِ والثيابِ.
فلو كان على رأسِه طَرَفُ عِمامَةٍ، وطَرَفُها الآخرُ يَقَعُ 3 على نجاسَةٍ، لم تَصِحَّ صَلاتُه، كما لو وقع عليها شئٌ من بَدنِه.
وذَكَر ابنُ عَقِيل احْتِمالًا فيما يَقَعُ عليه ثِيابُه خاصَّة، أنَّه لا تُشْتَرط طَهارَتُه؛ لأنه يُباشِرُها بما هو مُنْفَصِلٌ عن ذاتِه، أشْبَهَ ما لو كان [إلى جانِبِه] 4 إنْسان نَجِسُ الثوْبِ، فالْتَصَقَ به ثوْبُه.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ؛ لأن سُتْرتَه تابِعَة له، فهي كأعْضاءِ سُجُودِه، فأمّا إذا كان ثَوْبه يَمَسُّ شيئًا نَجِسًا، كثَوْبِ مَن يُصَلِّي [إلى جانِبِه، و] 5 حائِطٍ لا يَسْتَنِدُ إليه، فقال 6 ابن عَقِيل: لا تَفْسُدُ صَلاته بذلك؛ لأنه ليس بمَحَلٍّ لبَدَنِه ولا سترتِه.
ويَحْتَمِلُ أن تَفْسُدَ؛ لأنَّ ستْرَتَه ملاقِيَةٌ لنَجاسَةٍ، أشْبَهَ ما لو وَقَعَتْ عليها.
وإن كانتِ
..................................
النجاسَةُ مُحاذِيَةً لجِسْمِه في حالِ سُجُودِه، بحيث لا يَلْتَصقُ 1 بها شيءٌ مِن بَدَنِه ولا ثِيابِه، لم تَبْطُلِ الصلاةُ؛ لأنه لم يُباشِرِ النَّجاسَة، أشبَهَ ما لو خرجتْ عن مُحاذاتِه.
وذَكَر ابنُ عَقِيل وَجْهًا، أنها تَبْطُل، كما لو باشَرَتْها 2 أعْضاؤه.
وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ.
فصل: وإن حَمَل النَّجاسَةَ في الصلاةِ، لم تَصِحَّ صَلاتُه، كما لو كانت على بَدَنِه أو ثَوْبه.
فإن حَمَل حَيَوانًا طاهِرًا أو صبِيًّا، لم تبْطُلْ صلاتُه؛ لأن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صلَّى وهو حامِلٌ أمامَةَ بنتَ أبي العاص.
مُتِّفَق عليه 3.
ولأن ما في الحَيَوانِ مِن النَّجاسَةِ في مَعْدِنِها 4، فهي كالنَّجاسَةِ في جَوْفِ المُصَلِّي.
ولو حَمَل قارُورَةً مسْدُودَةً فيها نَجاسَةٌ، لم تَصِحَّ صَلاتُه.
وقال بَعْضُ أصحابِ الشافعيّ: تَصِحُّ؛ لأن النَّجاسَةَ لا تَخْرُجُ منها، فهي
وإنْ طيَّنَ الْأَرْضَ النَّجِسَةَ، أوْ بَسَطَ عَلَيْهَا شَيْئًا طَاهِرًا، صَحَّتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ.
كالحَيَوانِ.
وليس بصَحِيح؛ لأنَّه حامِلٌ نَجاسَة غيرَ معْفُوٍّ عنها في غيرِ مَعْدِنِها، أشْبَهَ حَمْلَها في كُمِّه.
335 -
مسألة: (وإن طيْنَ الأرْضَ النَّجِسَةَ، أو بَسَط عليها شَيْئًا طاهِرًا، صَحَّتِ الصلاةُ عليها مع الكَراهَةِ)
هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ رَحِمَه الله.
وهو قول مالكٍ، والأوْزاعِي، والشافعيِّ، وإسحاقَ.
وذكَر أصحابُنا رِوايةً أخْرَى، أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه مَدْفَنٌ للنَّجاسَةِ، أشْبَهَ المَقْبَرَةَ، ولأنَّه مُعْتَمِدٌ على النَّجاسة، أشْبَهَ ملاقاتها.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ الطهارةَ إنما تُشْتَرَطُ في بَدَنِ المُصَلِّي وِثَوْبِه، وموْضِعِ صَلاِته، وقد وُجِد ذلك كله، والعِلَّةُ في الأصْلِ غيرُ مُسَلَمَةٍ، بدَلِيلِ عَدَمِ صِحَّةِ الصلاةِ بينَ القُبُورِ، وليس مَدْفَنًا للنجاسَةِ.
وقال ابنُ أبي موسى: إن كانتِ النجاسَةُ المَبْسُوطُ عليها رَطْبَة، لم تَصِحَّ الصلاةُ، وإلّا صَحَّتْ.
فصل: ويُكْرَه تطْيِينُ المَسْجِدِ بطِين نَجِسٍ، وبناؤُه بلَبِنِ نَجِسٍ، أو تَطبيقُه بطَوابيقَ نَجِسةٍ، فإن فَعَل، وباشَرَ النجاسَةَ، لم تَصِحَ صَلاتُه.
فأمّا الآجُرُّ المَعْجُونُ بالنجاسَةِ، فهو نَجِسٌ؛ لأن النّارَ لا تُطَهرُ، لكنْ
..................................
إذا غُسِل طَهُر ظاهِرُه؛ لأنَّ النّارَ أكَلَتْ أجْزاءَ النجاسَةِ الظّاهِرَةَ، وبَقِيَ الأثر، فطَهُرَ بالغَسْلِ، كالأرْض النَّجِسَةِ، ويَبْقَى الباطِنُ نَجِسًا؛ لأنَّ الماءَ لا يَصِل إليه، فإن صَلَّى عليه بعدَ الغَسْلِ، فهي كالمَسْأَلَةِ قَبْلَها.
وكذلك الحُكْمُ في البِساطِ الذى باطِنُه نَجِسٌ وظاهِرُه طاهِرٌ.
ومتى انْكَسَرَ مِن الآجُرِّ النجِس قِطعةٌ، فظهَرَ بَعْضُ باطِنِه، فهو نَجِسٌ لا تَصِحُّ الصلاةُ عليه.
فصل: ولا بأسَ بالصلاةِ على الحَصِيرِ والبُسُطِ بن الصُّوفِ والشعَرِ والوَبَرِ، والثيابِ مِن القُطْنِ والكَتَانِ وسائِرِ الطّاهِراتِ، في قولِ عَوامِّ أهلِ العلمِ.
فرُوِيَ عن عُمَرَ 1، أنَّه صَلَّى على عَبْقَرِي 2، وابنُ عباسٍ على طِنْفِسَةٍ 3، وزَيْدُ بنُ ثابِتٍ على حَصِيرٍ، وابن عباسٍ، وعلى، وابنُ مسعودٍ، وأنسٌ على المنْسُوج 4. ورُوِيَ عن جابِرٍ، أنَّه كَرِه الصلاةَ على كلِّ شئٍ مِن الحَيَوانِ، واسْتَحَبَّ الصلاةَ على كل شئٍ مِن نَبات
..................................
الأرْضِ 1. ونَحْوُه عن مالكٍ، إلَّا أنَّه قال في بِساطِ الصُّوفِ والشَّعَرِ: إذا كان سُجُودُه على الأرْض، لم أرَ بالقِيام عليه بأسًا.
والصَّحِيحُ قولُ الجُمْهُورِ، فقد صَلِّى النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- على حَصِيرٍ في بيْتِ أنس، وعِتْبانَ بنِ مالكٍ.
مُتِّفَق عليه 2. وِروَى عنه المُغِيرةُ بنُ شُعْبَةَ، أنَّه كان يُصَلى على الحُصُر والفَرْوَةِ المَدْبُوغةِ 3. وروَى ابنُ ماجَه 4، أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى مُلْتَفا بكساءٍ، يَضَعُ يَدَيْه عليه إذا سَجَد.
ولأنَّ ما لم تُكْرَه الصلاةُ فيه، لم تُكْرَه الصلاةُ عليه كالكَتّانِ والخُوصِ.
وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ.
وتَصِحُّ الصلاةُ على ظَهْير الحَيَوانِ، إذا أمْكَنَه اسْتِيفاءُ الأرْكانِ عليه، والنَّافِلَةُ في السَّفَرِ.
وإن كان الحيوانُ نَجسًا، وعليه بِساط طاهِرٌ، كالحِمارِ، صَحَّتِ الصلاةُ عليه، في أصَحِّ الروايَتَيْن؛ لأن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صلَّى على حِمارٍ 1. والثانيةُ، (لا تَصِحُّ) كالأرضِ النجسَةِ إذا بَسَط عليها شيئًا طاهِرًا.
وتَصِحُّ على العَجَلَةِ 2 إذا أمْكَنَه ذلك؛ لأَنَّه مَحَل تَسْتَقِرُّ عليه أعْضاؤه، فهي كغيرِها.
وقال ابنُ عَقِيل: لا تَصِحُّ؛ لأن ذلك ليس بمُسْتَقرٍّ عليه، فهي كالصلاةِ في الأرْجُوحَةِ.
فصل: ولا تَصِحُّ صَلاةُ المُعَلَّق في الهواءِ، إلَّا أن يكونَ مُضْطرًّا،
وإنْ صَلَّى عَلَى مَكانٍ طَاهِر منْ بِسَاط طَرَفُهُ نَجِسٌ، صَحَّتْ صَلَاُتهُ، إلَّا أنْ يَكُونَ مُتَعَلقًا بِهِ، بِحَيْثُ يَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى، فَلَا تَصِحُّ.
كالمَصْلُوبِ.
وكذلك الأرجُوحَة؛ لأنَّه ليس بمُسْتَقِر القَدَمَيْن على الأرضِ، فلم تَصِحَ صَلاتُه، كما لو سَجَد على بَعْض أعْضاءِ السجُودِ وتَرَك الباقِيَ معَلَّقًا.
ذَكَره ابنُ عَقِيل.
336 -
مسألة: (وإن صَلَّى على مَكانٍ طاهر مِن بِساطٍ، طرَفُه نَجِسٌ، صَحَّتْ صَلَاتُه، إلَّا أن يَكُونَ مُتَعلِّقًا 1 به، بحيث يَنْجَرُّ معه إذا مَشى، فلا تَصحُّ) متى صَلّى على مندِيل، طرَفُه نجِسٌ، أو
..................................
كان تحتَ قَدَمِه حَبْل مَشْدُودٌ في نجاسَةٍ، وما يُصَلِّي عليه طاهِرٌ، فضلاُته صَحِيحَةٌ، سَواءٌ تَحركَ النَّجَسُ بحَرَكَتِه، أو لم يَتَحَركْ؛ لأنَّه ليس بحامِلٍ للنَّجاسَةِ، ولا مُصَلٍّ عليها، وإنما اتَّصَلَ مُصَلاه بها، أشْبَهَ إذا صَلَّى على أرْضٍ طاهِرَةٍ مُتَّصِلَةٍ بأرض نَجِسَةٍ.
وقال بَعْضُ أصحابِنا: إذا كان النجَسُ يَتَحَركُ بحَرَكَتِه، لم تَصِحَّ صَلاتُه.
قال شيخُنا 1: والصحيِحُ ما ذَكَرْنا.
فأما إن كان الحَبْلُ أو المِنْدِيلُ مُتَعَلِّقًا به، يَنْجرُّ معه إذا مَشَى، لم تَصِحَّ؛ لأنَّه مُسْتتْبعٌ لها، فهو كحامِلِها.
ولو كان في يَدِه أو وَسَطِه حَبْلٌ مَشْدُودٌ في نَجاسَةٍ، أو حَيَوانٍ نَجِسٍ، أو سَفِينَةٍ صَغِيرةٍ فيها نَجاسَة تَنْجَرُّ معه إذا مَشَى، لم تَصِحَّ صَلَاتُه؛ لأنَّه مُسْتَتْبعٌ لها.
وإن كانتِ السَّفِينَةُ أو الحيوانُ كَبِيرًا لا يَقْدِرُ على جَرِّه، إذا اسْتَعْصَى عليه، صَحَّتْ؛ لأنه ليس
وَمَتَى وَجَدَ عَلَيْهِ نَجَاسَةً، لَا يَعْلَمُ هَلْ كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ أوْ لَا؟ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَإنْ عَلِمَ أنهَا كَانَتْ فِي الصلَاةِ، لَكِنْ جَهِلَهَا أوْ نَسِيَهَا، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
بمُسْتَتْبع لها.
قال القاضي: هذا إذا كان الشَّدُّ في مَوْضِع طاهِر، فإن كان في مَوْضِع نَجِس، فَسَدَتْ صَلاتُه؛ لأنَّه حامِلٌ لِما هو مُلاقٍ للنجاسَةِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنه لا يَقْدِرُ على استِتْباعِ المُلاقِي للنجاسَةِ، أشْبَهَ ما لو أمسكَ غُصْنًا مِن شَجَرَةٍ [عليها نَجاسَةٌ] (1)، أو سَفِينَة عَظيمَة فيها نَجاسَةٌ.
337 -
مسألة: (ومتى وَجَد عليه نَجاسَةً، لَا يَعْلَمُ هل كانت في الصلاةِ أولا؛ فصَلاتُه صَحِيحَةٌ)
لأنَّ الأصْلَ عَدَمُها في الصلاةِ (وإن عَلِم أنها كانت في الصلاةِ، لكنَّه جَهلَها أو نَسِيَها، فعلى رِوايَتَيْن) متى صلَّى وعليه نجاسَة لا يعَلَمُ بها، حتَّى فَرَغ مِن صَلاِته، ففيها رِوايتان؛ إحْداهما،1
..................................
لا تَفْسُدُ صَلاتُه.
اخْتارَها شيخُنا 1. وهذا قولُ ابنِ عُمَرَ، وعَطاءٍ، وسعيد بنِ المُسَيبِ، ومُجاهِدٍ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
والثانية، يُعِيدُ.
وهو قولُ أبي قلابَةَ، والشافعي، لأنها طهارة مُشْتَرَطَةً للصلاةِ، فلم تَسْقُطْ بالجهلِ، كطَهارَةِ الحَدَثِ.
وقال رَبِيعَةُ، ومالِك: يعيدُ ما دام في الوَقتِ.
ووَجْهُ الأولَى، ما روَى أبو سعيد، قال: بَيْنا رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلى بأصْحابِه، إذ خلَع نَعْلَيْه، فوَضَعَهما عن يَسارِه، فخلَعَ النَّاسُ نِعالَهم، فلَمَّا قَضَى رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلاتَه قال: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إلْقَائِكمْ
..................................
نِعَالَكُمْ»؟ قالوا: رَأيْناك 1 ألقَيْتَ نَعْلَيْكَ 2، فألْقَيْنا نِعالَنا.
قال: «إنَّ جِبْرِيلَ أتانِي، فأخْبَرَنى أن فِيهِمَا قَذَرًا».
رَواه أبو داودَ 3. ولو كانت الطهارةُ شرطًا، مع عدَمِ العِلْمِ بها، لَزِمَه اسْتئنافُ الصلاةِ، ويُفارِقُ طهارةَ الحَدَثِ؛ لأنها آكَد؛ لكَوْنِها لا يُعْفى عن يَسِيرها.
فأمَّا إن كان قد عَلِم بالنجاسَةِ ثم أُنْسِيَها، فقال القاضي: حَكَى أصحابُنا في المَسألتَيْن روايَتَيْن.
وذَكَر هو في مسألةِ 4 النسْيانِ أن الصلاةَ باطِلَةٌ؛ لأنَّه مَنْسُوبٌ إلى التفْرِيطِ، بخِلافِ الجاهِلِ.
وقال الآمِدِيُّ: يُعِيدُ إذا كان قد تَوانَى، رِوايَة واحِدَة.
قال شيخُنا 5: والصَّحِيحُ التسْوِيَةُ بينَهما؛ لأنَّ ما عُذِر فيه بالجَهْلِ عُذِر فيه بالنسْيانِ، بل النسْيانُ أوْلَى لوُرُودِ النصِّ بالعَفْوِ عنه
..................................
فصل: فإن عَلِم بالنَّجاسةِ في أثْناءِ الصلاةِ، فإن قُلْنا: لا يُعْذَرُ بالجَهْلِ والنِّسْيان.
فصَلاته باطِلَةٌ.
وإن قُلْنَا: يُعْذَرُ.
فهي صَحِيحَةٌ.
ثم إن أمْكَنَه إزالَةُ النجاسَةِ مِن غير زَمَن طَوِيل، ولا عَمَل كِثير، أزالَها، وبَنَى، كما خَلع النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- نَعْلَيْه.
وإنِ احْتاجَ إلى أحَدِ هَذَيْن، بَطَلَتْ صَلَاتُه؛ لإفضائِه إلى أحَدِ أمْرَيْن؛ إمَّا اسْتِصْحابِ النَّجاسَةِ في الصلاةِ زَمنًا طَوِيلًا، أو أن يَعْمَلَ فيها عَمَلًا كَثِيرًا، فصار كالعُرْيانِ يَجِدُ السُّترَةَ بَعِيدَةً منه.
..................................
فصل: وإذا سقَطَتْ عليه نجاسَةٌ، ثم زالَتْ عنه، أو أزالَها في الحالِ، لم تَبْطُلْ صلاتُه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبي سعيدٍ، ولأن النجاسَةَ يُعْفَى عن يَسِيرها، فعُفِيَ عن يَسِيرِ زَمَنِها، ككَشْفِ العَوْرَةِ.
وهذا مَذهَبُ الشافعيِّ.
وإذَا جَبَرَ سَاقَهُ بِعَظْمٍ نَجِس فَجَبَرَ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَلْعُهُ إذَا خَافَ الضَّرر، وَأجْزأته صَلَاُتهُ، وإنْ لَمْ يَخَفْ لَزِمَهُ قَلْعُهُ.
338
- مسألة:
(وإذا جَبَر ساقَه بعَظْم نَجِسٍ فجَبَرَ، لم يَلْزَمْه قلْعُه إذا خاف الضَّررَ، وتَصِحُّ صَلَاتُه) لأنه يُباحُ له تركُ الطَّهارةِ مِن الحَدَثِ بذلك، وهي آكَدُ (وإن لم يَخفْ، لَزمَه قَلْعُه) فإن صَلَّى معه، لم تَصِحَّ صَلَاتُه، لأنه صَلَّى مع النجاسَةِ وهو قادِرٌ على إزالَتِها مِن غيرِ ضَرَرٍ.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه قَلْعُه إذا لم يَخفِ التَّلَفَ؛ لأنه غيرُ خائفٍ للتَّلَفِ، أشْبَهَ إذا لم يَخفِ الضرر.
والأولُ أوْلَى.