الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 616-655

كِتابُ الصَّلَاةِ

صفحات 616-655

وَيُكْرَهُ تَكْرَارُ الْفَاتِحَةِ،

444

  • مسألة: (و يُكْرَهُ تَكْرارُ الفاتِحَةِ) لأنَّه لم يُنْقَلْ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ولا عن أصحابِه، [ولأنَّها في] 1 إبْطالِ الصلاةِ بتَكَرُّرِها خِلافٌ، فكُرِهَ لذلك.

وَالجَمْعُ بَيْنَ سُوَلي فِي الْفَرْضِ، وَلَا يُكْرَهُ فِي النَّفْلِ.

445 - مسألة: (و)

يُكْرَهُ (الجَمْعُ بينَ سُوَرٍ في الفَرْضِ، ولا يُكْرَهُ في النَّفْلِ) أمّا الجَمْعُ بينَ السُّوَرِ في النَّفْلِ فلا يُكْرَهُ.
رِوايَةً واحِدَةً.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ فإنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قرَأ في رَكْعَةٍ سورةَ البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ والنِّساءِ 1. وقال ابنُ مسعودٍ: لقدْ عَرَفْتُ النَّظائِرَ التى كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ.
فذَكَرَ عِشْرِين سُورَةً مِن المُفَصَّلِ، سُورَتَيْن في كلِّ 2

..................................  رَكْعَةٍ.
مُتِّفَقٌ عليه 1. وكان عثمانُ، رَضِيَ اللهُ عنه، يَخْتِمُ القُرْآنَ في رَكْعَةٍ 2. وأمّا الفَرِيضَةُ فيُسْتَحَبُّ أن يَقْتَصِرَ فيها على سُورَةٍ بعدَ الفاتِحَةِ، مِن غيرِ زِيادَةٍ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- هكذا كان يُصَلِّي أكْثَرَ صلاِته.
وهل يُكْرَهُ الجَمْعُ بينَ السُّورَتَيْن فيها؟ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، يُكْرَهُ؛ لِما ذَكَرْنا.
والثَّانِيَةُ، لا يُكْرَهُ؛ لأنَّ حديثَ ابنِ مسعودٍ مُطْلَقٌ.
ورُوِيَ أنَّ رَجلًا مِن الأنْصارِ كان يَؤُمُّهُم، وكان يَقْرأُ قبلَ كلِّ سُورَةٍ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾.
ثم يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى معها، فقال له النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟».
فقال: إنِّي أُحِبُّها.
فقال: «حُبُّكَ إيَّاهَا أدْخَلَكَ الجَنَّةَ».
رَواه البخاريُّ تَعْلِيقًا، ورَواه التِّرمِذِيُّ 3، وقال: حديثٌ صحيحٌ غريبٌ.
وروَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يَقْرَأُ في المَكْتُوبَةِ بالسُّورَتَيْن في رَكْعَةٍ (2)،

وَلَا تُكْرَهُ قِرَاءَةُ أوَاخِرِ السُّوَرِ وَأوْسَاطِهَا.
وَعَنْهُ، تُكْرَهُ.
رَواه مالكٌ.
في «المُوطَّإِ» (1). فأمّا قِراءَةُ السُّورَةِ الواحِدَةِ في الرَّكْعَتَيْن يُعِيدُها، فلا بَأْسَ، وقد ذَكَرْناه.
فصل: والمُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأُ في الثانِيةِ سُورَةً بعدَ السُّورَةِ التى قَرَأها في الرَّكْعَةِ الأولَى في النَّظْمِ.
قال أحمدُ في رِوايَةِ مُهَنَّا: أعْجَبُ إليَّ أن يَقْرَأَ مِن البَقَرَةِ إلى أسْفَل؛ لأنَّ ذلك المَنْقُولُ عن رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
ورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه سُئِلَ عَمَّنْ يَقْرَأُ القرآنَ مَنْكُوسًا، فقال: ذلك مَنْكُوسُ القَلْبِ.
وفَسرَّه أبو عُبَيْدٍ (2) بذلك، فإن قَرَأ كذلك، فلا بَأْسَ به؛ لأنَّ أحمدَ قال، حينَ سُئِلَ عن ذلك: لا بَأْس به، ألَيْسَ يُعَلَّمُ الصَّبِيُّ على هذا؟.
وقد رُوِيَ أنَّ الأحْنَفَ (3) قَرَأ الكَهْفَ في الأُولَى، وفي الثَّانية بيُوسُفَ.
وذَكَر أنَّه صَلَّى مع عُمَرَ الصُّبْحَ بهما (4). اسْتَشْهَدَ به البخاريُّ (5).

446 -

مسألة: (ولا تُكْرَهُ قِراءَةُ أو أواخِرِ السُّوَرِ وأوْساطِها. وعنه، تُكْرَهُ)

المَشْهُورُ عن أحمدَ، أنَّه لا تُكْرَهُ قِراءَةُ أواخِرِ السُّوَرِ وأوْساطِها12345

..................................  في الصلاةِ.
نَقَلَها عنه جَماعَةٌ؛ لقولَ اللهُ تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ 1. ولأنَّ أَبا سعيدٍ قال: أُمِرْنا أن تَقْرَأَ فاتِحَةَ الكِتابِ وما تَيَسَّرَ رَواه أبو داودَ 2. وروَى الخَلّالُ، بإسْنادِه، أنَّ ابنَ مسعودٍ كان يَقْرأُ في الآخِرَةِ مِن صلاةِ الصُّبْحِ آخِرَ آلِ عِمْرانَ، وآخِرَ الفُرْقانِ.
وقال أبو بَرْزَةَ: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأَ بالسِّتِّين إلى المِائةِ 3. فيه دَلِيلٌ على أنَّه لم يَكن يَقْتَصِرُ على قِراءَة سُورَةٍ.
ولأنَّ آخِرَها أحَدُ طَرَفَيِ السُّورَةِ، فلم يُكْرَهْ، كأوَّلِها.
وعن أحَمدَ، أنَّه يُكْرَهُ في الفرْضِ.
نَقَلَها عنه المَرُّوذِيُّ، قال: سُورَةٌ أعْجَبُ إليَّ.
قال المَرُّوذِيُّ: وكان لأبِي عبدِ اللهِ قَرَابَةٌ يُصَلِّي به، فكان يَقْرَأُ في الثَّانِيَةِ مِن الفَجْر بآخِرِ السُّورَةِ، فلمّا أكْثَرَ، قال أبو عبدِ اللهِ: تَقَدَّمْ أنتَ فصَلِّ.
فقُلْتُ له: هذا يُصَلِّي بكم منذُ كَم؟

..................................  قال: دَعْنا منه، يَجِيءُ بآخِرِ السُّورِ.
وكَرِهَه.
قال شيخُنا 1، رَحِمَه اللهُ: ولَعَلَّ أحمدَ إنَّما أحَبَّ اتِّباعَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فيما نُقِلَ عنه، وكَرِه المُداوَمَةَ على خِلافِ ذلك؛ فإنَّ المَنْقُولَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قِراءَةُ السُّورَةِ أو بعض السُّورَةِ مِن أوَّلِها.
ونُقِلَ عنه رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، أنَّه يُكْرَهُ قِراءَةُ أوْسَطِ السُّورَةِ دونَ آخِرِها؛ لِما رَوَيْنا في آخِرِ السُّوَرِ عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، ولم يُنْقَل مثلُ ذلك في وَسَطِها.
قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: الرَّجُلُ يَقْرَأُ آخِرَ السُّورَةِ في الرَّكْعَةِ؟ فقال: ألَيْس قد رُوِيَ في هذا رُخْصَةٌ عن عبدِ الرَّحْمَنِ ابنِ يَزِيدَ، وغيرِه؟ فصل: فأمّا قِراءَةُ أوائِلِ السُّوَرِ، فلا خِلافَ في أنَّه غيرُ مَكْرُوهٍ، فإنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ مِن سُورَةِ المُؤْمِنِين إلى ذِكْرِ موسى وهارونَ، ثم أخَذَتْه سَعْلَةٌ، فرَكَعَ 2. وقَرَأ سُورَةَ الأعْرافِ في المَغْرِبِ فَرَّقها مَرَّتَيْن.
رَواه النَّسائِيُّ 3.

وَلَهُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى الإِمَامِ إِذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ،

447 - مسألة: (وله أن يَفْتَحَ على الإِمامِ إذا أُرْتِجَ عليه)

في الصلاةِ، وأن يَرُدَّ عليه إذا غَلِط لا بَأْسَ به في الفَرْضِ والنَّفْلِ.
رُوِيَ ذلك عن عثمانَ، وعليٍّ، وابنِ عُمَرَ، رَضىَ اللهُ عنهم، وهو قولُ جماعَةٍ مِن التّابِعِينَ.
وكَرِهَه ابنُ مسعودٍ، وشُريْحٌ، والثَّوْرِيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تَبْطُلُ به الصلاةُ؛ لِما روَى الحَارِثُ، عن عليٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا تَفْتَحْ عَلَى الإِمَامِ» 1. وقال ابنُ عَقِيل: إن كان في النَّفْلِ، جازَ ذلك، وإن كان في الفَرْضِ وأُرْتِجَ عليه في الفاتِحَةِ، فَتَح عليه وإلَّا فلا.
ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى صلاةً، فقَرَأَ فيها، فلُبِسَ 2 عليه، فلمّا انْصَرَفَ قال لأُبَيٍّ: «أَصَلَّيْتَ مَعَنَا؟» قال: نَعَمْ.
قال: «فَمَا مَنَعَكَ؟».
رَواه أبو داودَ 3. قال الخَطّابِيُّ 4: إسْنادُه جَيِّدٌ.
وعن ابنِ عباسٍ، قال: تَرَدَّدَ رسولُ اللهِ

..................................  - صلي الله عليه وسلم - في القِراءَةِ في صلاةِ الصُّبْحِ، فلم يَفْتَحُوا عليه، فلمَّا قَضَى الصلاةَ نَظَر في وُجُوهِ القَوْمِ، فقال: «أمَا شَهِدَ الصَّلَاةَ مَعَكُمْ أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ؟».
قالوا: لا.
فرَأَى القَوْمُ إنَّما تفَقَّدَه لِيَفْتَحَ عليه 1. ورَوَى مُسَوَّرُ بنُ يَزِيدَ المالِكِيُّ 2، قال: شَهِدْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأُ في الصلاةِ فَتَرَكَ آيةً مِن القرآنِ، فقيلَ: يَا رسولَ اللهِ، آيةَ كذا وكذا تَرَكْتَها.
فقال: «فَهَلَّا أَذْكَرْتَنِيهَا؟».
رَواه أبو داودَ 3. ولأنَّه تَنْبِيهٌ في الصلاةِ بما هو مَشْرُوعٌ فيها، أشْبَهَ التَّسْبِيحَ.
وحديثُ عليٍّ يَرْوِيه الحارِثُ، قال الشَّعْبِيُّ: كان كذَّابًا.
وقال أبو داودَ: لم يَسْمَعْ أبو 4 إسْحاقَ مِن الحارِثِ إلَّا أرْبَعَةَ أحادِيثَ، ليس هذا منها.
فصل: فإن أُرْتِجَ على الإِمَامِ في الفاتِحَةِ، فعلى المَأْمُومِ أن يَفْتَحَ عليه، كما لو نَسِيَ سَجْدَةً لَزِمَهُم تَنْبِيهُه بالتَّسْبِيحِ.
فإن عَجَز عن إتْمامِ الفاتحةِ فله أن يَسْتَخْلِفَ مَن يُصَلِّي بهم، وكذلك لو عَجَز في أثْناءِ الصلاةِ عن رُكْن يَمنَعُ الائْتِمامَ، كالرُّكُوعِ، فإنَّه يَسْتَخْلِفُ مَن يُتِمُّ بهم الصلاةَ (4), كما لو

..................................  سَبَقَه الحَدَثُ، بل الاسْتِخْلافُ هاهُنا أَوْلَى؛ لأنَّ مَن سَبَقَه الحَدَثُ قد بَطَلَتْ صلاتُه، وهذا صلاتُه صَحِيحَةٌ.
وإذا لم يَقْدِرْ على إتْمامِ الفاتحةِ، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يَأْتِي بما يُحْسِنُ، ويَسْقُطُ عنه ما عَجَز عنه، وتَصِحُّ صلاتُه؛ لأنَّ القِراءَةَ رُكْنٌ مِن أرْكانِ الصلاةِ، فإذا عَجَز عنه في أثْناءِ الصلاةِ سَقَط، كالقِيامِ، فأمّا المَأمُومُ؛ فإن كان أُمِّيًّا، صَحَّتْ صلاتُه أَيضًا، وإن كان قارئًا نَوَى مُفارَقَتَه، وأتَمَّ 1 وَحْدَه، ولا يَصِحُّ له إتْمامُ الصلاةِ خَلْفَه؛ لأنَّ هذا قد صار في حُكْمِ الأُمِّيِّ.
قال شيخُنا 2: والصَّحِيحُ أنَّه إذا لم يَقدِرْ على قِراءَةِ الفاتِحةِ تَفْسُدُ صلاتُه؛ لأنَّه قادِرٌ على الصلاةِ بقراءَتِها فلم تَصِحَّ صلاتُه؛ لعُمُومِ قولِه عليه السَّلامُ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ» 3. ولا يَصِحُّ قِياسُ هذا على الأمِّيِّ؛ لأن الأُمِّيَّ لو قَدَر على تَعَلُّمِها قبل خُرُوجِ الوَقْتِ، لم تَصِحَّ صلاتُه بدُونِها، وهذا يُمْكِنُه أن يَخْرجَ فيَسْأَلَ عمَّا وَقَف فيه ويُصَلِّيَ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على أرْكانِ الأفْعالِ؛ لأنَّ خُرُوجَه مِن الصلاةِ لا يُزِيلُ عَجْزَه عنها، بخِلافِ هذا.

..................................  فصل: ويُكْرَهُ أن يَفْتَحَ مَن هو في الصلاةِ على مَن هو في صلاةٍ أُخْرَى، أو على مَن ليس في صلاةٍ؛ لأنَّ ذلك يَشْغَلُه عن صلاِته، وقد قال النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» 1. فإن فَعَل لم تَبْطُلْ صلاتُه؛ لأنَّه قُرآنٌ، إنَّما قَصَد قِراءَتَه دُونَ خِطاب الآدَمِيِّ لغيرِه 2، أشْبَهَ ما لو رَدَّ على إمامِه.
وقال ابنُ عَقِيل، في المُصلِّي إذا رَدَّ على مَن ليس في الصلاةِ: إن كان في النَّفْلِ فلا بَأْسَ، وإن كان في الفَرْضِ، [لم يَجُزْ.
وهل تَبْطُلُ] 3؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن.
فأمّا غيرُ المُصَلِّي فلا بَأْسَ أن يَفْتَحَ على المُصَلِّي.
وقد روَى النَّجّادُ بإسْنادِه، قال 4: كُنْتُ قاعِدًا بمَكَّةَ، فإذا رجلٌ عندَ المَقامِ يُصَلِّي، وإذا رَجُلٌ قاعِدٌ خَلْفَه يُلَقِّنُه، فإذا هو عثمانُ 5، رَضِيَ اللهُ عنه 6.

وَإذَا نَابَهُ شَيْءٌ، مِثْلَ سَهْوِ إمَامِهِ، أو اسْتِئْذَانِ إِنْسَانٍ عَلَيْهِ، سَبَّحَ إنْ كَانَ رَجُلًا، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً صَفَّحَتْ بِبَطْنِ كَفِّهَا عَلَى ظَهْرِ الأُخْرَى.

448 - مسألة: (وإذا نابَه شَيْءٌ، مِثْلَ سَهْوِ إمامِهِ، أو اسْتِئْذَانِ إنسانٍ عليه، سَبَّحَ إن كان 1 رجلًا، وإن كانَتِ امْرَأةً صَفَّحَتْ 2 بِبَطْنِ كفِّها على ظَهْرِ 3 الأُخْرَى) وجُمْلَتُهُ أنَّه إذا سَها الإِمامُ فأتَى بفِعْلٍ في غيرِ مَوْضِعِه، لَزِم المَأْمُومِين تَنْبِيهُه، فإن كانُوا رِجالًا سَبَّحُوا، وإن كانُوا نِساءً صَفَّقْنَ بِبُطونِ أكُفِّهِنَّ على ظُهُورِ الأُخْرَى، وبه قال الشافعيُّ. وقال مالكٌ: يُسَبِّحُ الرِّجالُ والنَّسَاءُ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي

..................................  صَلَاتِهِ، [فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللهِ] 1». مُتَّفَقٌ عليه 2. ولَنا، ما رَوَى سَهْل بنُ سعدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي صَلاتِكُمْ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، وَلْيُصَفِّحِ النِّسَاءُ».
مُتَّفَقٌ عليه 3.

..................................  فصل: وإذا سَبَّحَ لتَنْبِيهِ إمامِه، أو لاسْتِئْذانِ إنْسانٍ عليه، وهو في الصلاةِ، أو كَلَّمَه بشئٍ، أو نابَه أمْرٌ في صلاتِه فسَبَّحَ ليُعْلَم 1 أنَّه في صلاةٍ، أو خشِيَ على إنْسانٍ الوُقُوعَ في شئٍ فسَبَّحَ به، أو خَشِيَ أن يَتْلَفَ بشئٍ فسَبَّحَ به 2 لِيَتْرُكَه، أو تَرَكَ إمامُه ذِكْرًا فرَفَعَ صَوْتَه ليُذَكِّرَه، لم يُؤَثِّرْ في الصلاةِ، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ.
وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، أنَّ تَنْبِيهَ الآدَمِيِّ بالتَّسْبِيحِ، أو القُرآنِ، أو الإِشارَةِ يُبْطِلُ الصلاةَ؛ لأنَّ ذلك خِطابُ آدَمِيٍّ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ أحادِيثِ النَّهْيِ عن الكلامِ؛ لأنَّه قد رُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «مَنْ أَشَارَ فِي الصَّلَاةِ إشَارَةً تُفْقَهُ أَو تُفهَمُ، فَقَدْ قَطَع الصَّلَاةَ» 3. ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ».
مُتَّفَقٌ عليه 4. ولِما ذَكَرْنا مِن

..................................  حديثِ سَهْلِ بنِ سعدٍ.
وعن ابنِ عُمَرَ، قال: قُلْتُ لبلالٍ: كيفَ كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَرُدُّ عليهم حينَ كانُوا يُسَلِّمُونَ عليه في الصلاةِ؟ قال: كان يُشِيرُ بيَدِه 1. وعن صُهَيْبٍ، قال: مَرَرْتُ برسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو يُصَلِّي، فسَلَّمْتُ عليه 2 فَرَدَّ عليَّ إشارَةً 3. قال التِّرمِذِيُّ: كِلا الحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ.
وقد ذَكَرْنَا حديثَ أنَسٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُشِيرُ في الصلاةِ.
رَواه أبو داودَ 4. وعن عليٍّ، قال: كُنْتُ إذا اسْتَأْذَنْتُ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فإن كان في صلاةٍ سَبَّحَ، وإن كان في غيرِ صلاةٍ أذِنَ 5. وحديثُ أبي حنيفةَ يَرْوِيه أبو غَطَفانَ وهو مَجْهُولٌ، فلا تُعارَضُ بِه الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ.
فصل: فإن عَطَس في الصلاةِ، فقال: الحَمْدُ لِلهِ.
أو لَسَعَه شئٌ، فقال: بِسْمِ اللهِ.
أو سَمِعَ أو رَأَى ما يَغُمُّه، فيقولُ: إنَّا للهِ وَإنَّا إلَيْهِ = 317, 376, 432, 440, 473, 479, 507, 529.

..................................  رَاجِعُونَ.
أو رَأى ما يُعْجِبُه، فقال: سُبْحَانَ اللهِ.
كُرِهَ له ذلك، ولم تَبْطُلِ الصلاةُ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الجماعةِ، في مَن عَطَس فحَمِدَ اللهُ لم تَبْطُلْ صلاتُه.
ونَقَل عنه مُهَنَّا في مَن قِيلَ له في الصلاةِ: وُلِدَ لك غُلامٌ.
فقال: الحَمْدُ للهِ.
أو قِيلَ: احْتَرَقَ دُكَّانُكَ.
فقال: لا إلهَ إلَّا اللهُ.
أو ذَهَبَ كِيسُكَ.
فقال: لا حَوْلَ ولا قُوةَ إلَّا باللهِ.
فقد مَضَتْ صلاتُه.
وهذا قَوْلُ الشافعيِّ، وأبي يُوسُفَ؛ لِما رُوِيَ عن عليٍّ، رَضِي اللهُ عنه، أنَّه قال له رجلٌ مِن الخَوارِجِ وهو في صلاةِ الغَداةِ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ 1. الآيةُ، قال: فأنْصَتَ له حتَّى فَهِم، ثم أجابَه وهو في الصلاةِ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ 2. الآيةُ.
رواه النَّجَّادُ بإسْنادِه، واحْتَجَّ به أحمدُ.
[وقال أبو حنيفةَ: تَفْسُدُ صلاتُه، لأنَّه كَلامُ آدَمِيٍّ.
وقد رُوِيَ نَحْوُ ذلك عن أحمدَ] 3، فإنَّه قال في مَن قِيلَ له: وُلِدَ لك غُلَامٌ.
فقال: الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
أو ذَكَر مُصِيبَةً، فقال: إنَّا للهِ وَإنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
قال: يُعِيدُ الصلاةَ.
قال القاضي: هذا مَحْمُولٌ على مَن قَصَد خِطَابَ الآدَمِيِّ.
ووَجْهُ الأوَّلِ ما ذَكَرْنا مِن حديثِ عليٍّ، ورَوَى عامِرُ بنُ رَبِيعَةَ، قال: عَطَس شَابٌّ

..................................  مِن الأنْصارِ خلفَ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وهو في الصلاةِ، فقال: الحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيْبًا مُبارَكًا فيه، حتَّى يَرْضَى رَبُّنا، وبعدَ ما يَرْضَى مِن أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
فلمّا انْصَرَفَ رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «فَي الْقَائِلُ الْكَلِمَةَ؟ فَإنَّهُ لم يَقُلْ بَأْسًا، مَا تَنَاهَتْ دُونَ الْعَرْشِ».
رَواه أبو داودَ 1. ولأنَّ ما لا يُبْطِلُ الصلاةَ ابْتِداءً لا يُبْطِلُها إذا أتَى به عَقِيبَ سَبَبٍ، كالتَّسْبِيِحِ لتَنْبِيهِ إمامِه.
قال الخَلَّالُ: اتَّفَقُوا عن أبي عبدِ اللهِ، أنَّ العاطِسَ لا يَرْفعُ صَوْتَه بالحمدِ، وإن رَفَع فلا بَأْسَ؛ لحديثِ الأنْصارِيِّ.
قال أحمدُ، في الإِمامِ يقولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ.
فيَقولُ مَن خَلْفَه: لا إلهَ إلَّا اللهُ.
يَرْفَعُونَ بها أصْواتَهم، قال: يَقُولُون، ولكنْ يُخْفُونَ 2. وإنَّما لم يَكْرَهْ أحمدُ ذلك, كما كَرِه القِراءَةَ خَلْفَ الإِمامِ؛ لأنَّه يَسِيرٌ لا يَمْنَعُ الإِنْصاتَ فَهُو 3 كالتَّأمِينِ.
قيل لأحمدَ: فإن رَفَعُوا أَصْواتَهم بهذا؛ قال: أكْرَهُه.
قِيلَ: فيَنْهاهم الإِمامُ؟ قال: لا.
قال القاضي: إنَّما لم يَنهَهم؛ لأنَّه قد رُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه كان يُسْمِعُهُم الآيَةَ أحْيانًا في صلاةِ الإِخفاءِ 4.

..................................  فصل: قيل لأحمدَ: إذا قَرَأَ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ 1. هل يقولُ: «سُبْحَان رَبِّيَ الأعْلَى؟».
قال: إن شاء قاله 2 فيما بينَه وبينَ نَفْسِه، ولا يَجْهَرُ به.
وقد رُوِيَ عن عليٍّ، رَضِيَ الله عنه، أنَّه قَرَأ في الصلاةِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
فقال: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأعْلَى.
وعن ابنِ عباسٍ، أنَّه قَرَأ.
﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾.
فقال: سُبْحانَكَ, وبَلَى 3. وعن مُوسَي بنِ أبي عائشةَ، قال: كان رجلٌ يُصَلِّي فوقَ بَيْتِه، فكان إذا قَرَأَ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾.
قال: سُبْحانَكَ، فبَلَى.
فسَأَلُوه عن ذلك، فقال: سَمِعْتُه مِن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. رَواه أبو داودَ 4. فصل: فإن قَرَأ القُرآنَ يَقْصِدُ به تَنْبِيهَ آدَمِيٍّ، مثلَ أن يُسْتَأْذَنَ عليه، فيقولَ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ 5. أو يقولَ 6 لرجُلٍ اسمُه يحيى.
﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ 7. فقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه

..................................  يُبْطِلُ الصلاةَ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه خِطابُ آدَمِيٍّ، أشْبَهَ ما لو كَلَّمَه.
ورُوِيَ عنه ما يَدُلُّ على أنَّها لا تَبْطُلُ؛ فإنَّه احْتَجَّ بحديثِ عليٍّ مع الخارِجِيِّ حِينَ 1 قال له: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ 2. ورُوِيَ نَحْوُ هذا عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ أبي لَيْلَى؛ فرَوَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه، عن عَطاءِ بنِ السّائِبِ، قال: اسْتَأْذَنَّا على عبدِ الرحمنِ بنِ أبي لَيْلَى، وهو يُصَلِّي، فقال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ 3. ولأنَّه قُرآنٌ فلم يُفْسِدِ الصلاةَ، كما لو لم يَقْصِدْ به التَّنْبِيهَ.
وقال القاضي: إن قَصَد التِّلاوَةَ حَسْبُ، لم تَفْسُدْ صلاتُه وإن حَصَل التَّنْبِيهُ، وإن قَصَد التَّنْبِيهَ حَسْبُ، فَسَدَتْ صلاتُه؛ لأنَّه خاطَبَ آدَمِيًّا، وإن قَصَدَهُما ففِيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا تَفْسُدُ صلاتُه 4. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الآثارِ والمَعْنَى.
والثَّانِي، تَفْسُدُ صلاتُه؛ لأنَّه خاطَبَ آدَمِيًّا، أشْبَهَ ما لو لم يَقْصِدِ التِّلاوَةَ.
فأمّا إن أتَي بما لا يَتَمَيَّزُ به القُرآنُ مِن غيرِه، كقولِه لرجلٍ اسْمُه إبراهيمُ: يَا إبراهيمُ.
ونحوِه، فَسَدَتْ صلاتُه؛ لأنَّ هذا كَلامُ

وَإِنْ بَدَرَهُ الْبُصَاقُ، بَصَقَ فِي ثَوْبِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ جَازَ أَنْ يَبْصُقَ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ.
النّاسِ، ولم يَتَمَيَّزْ عن كَلامِهم بما يَتَمَيَّزُ به القرآنُ، أشْبَهَ ما لو جَمَع بينَ كلِمَاتٍ مُفَرَّقَةٍ مِن القُرآنِ، فقال: يَا إبراهيمُ خُذِ الكتابَ الكبيرَ.

449 - مسألة: (وإن بَدَرَه البُصاقُ بَصَق فِي ثَوْبِه، وإن كان فِي غَيرِ المَسْجدِ جاز أن يَبْصُقَ عن يَساره، أو تحتَ قَدَمِه)

لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَأَى نُخامَةً في قِبْلَةِ المسجدِ فأقْبَلَ على النَّاس، فقال: «مَا بَالُ أحَدِكُمْ يَقُومُ مُستقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أمَامَهُ، أَيُحِبُّ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟ فَإذَا تَنَخَّعَ أحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُل هَكَذَا».
ووَصَف القاسِمُ، فتَفَلَ في ثَوْبِه،

..................................  ثم مَسَح بعضَه على بعضٍ.
وقال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «البُصَاقُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفارَتُهَا دَفْنُهَا».
رَواهما 1 مسلمٌ 2.

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى سُتْرَة مِثْلِ آخِرَةِ الرَّحْلِ،

450 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أَن يُصَلِّيَ إلى سُتْرَةٍ مِثْلِ آخِرَةِ الرَّحْلِ)

يُستحَبُّ للمُصَلِّي الصلاةُ إلى سُتْرَةٍ، فإن كان في مسجدٍ أو بيتٍ صَلَّى إلى الحائِطِ أو إلى سارِيةِ، وإن كان في فَضاءٍ صَلَّى إلى شئٍ شاخِصٍ بينَ يَدَيْه، إمّا إلى حَرْبَةٍ أو عَصًا، أو يَعْرِضُ البَعِيرَ فيُصَلِّي إليه، لا نَعْلَمُ في اسْتِحْبابِ ذلك خِلَافًا، وسَواءٌ ذلك في الحَضَرِ والسَّفَرِ؛ لأن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كانت تُرْكَزُ له الحَرْبَةُ فيُصَلِّي إليها 1، ويُعْرَضُ البَعِيرُ فيُصَلِّي إليه 2. وفي حديثِ أبي جُحَيْفَةَ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رُكِزَتْ له عَنَزَةٌ 3، فتَقَدَّمَ فصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، يَمُرُّ بينَ يَدَيْهِ الحِمارُ والكَلْبُ، لا يُمْنَعُ.
مُتَّفَقٌ

..................................  عليه 1. وعن طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا وَضَعَ أحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ، فَلْيُصَلِّ ولَا يُبَالِ مَنْ مَرَّ ورَاءَ 2 ذَلِكَ».
رَواه مسلمٌ 3. فصل: وقَدْرُ طُولِها ذِراعٌ أو نَحْوُه.
يروَى ذلك عن عَطاءٍ، والثوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْيِ.
وعنه أنَّها قَدْرُ عَظْمِ الذِّراعِ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ.
وهذا ظاهِرُه 4 التَّقْرِيبُ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَدَّرَها بمُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ 5، وهي تَخْتَلِفُ، فتارَةً تَكُونُ ذِراعًا، وتارةٌ تكونُ أقَلَّ، فما قارَبَ الذِّراعَ أجْزَأ الاسْتِتارُ به.
فأمّا قَدْرُها في الغِلَظِ فلا نَعْلَمُ

..................................  له 1 حَدًّا، فقد تكونُ غَلِيظَةٌ، كالحائِطِ، ودَقِيقَةً، كالسَّهْمِ، فإنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَسْتَتِرُ بالعَنَزَةِ.
وقال أبو سَعِيدٍ: [كنا نَسْتَتِرُ] 2 بالسَّهْمِ والحَجَرِ في الصلاةِ.
إلَّا أنَّ أحمدَ قال: ما كان أعْرَضَ فهو أعْجَبُ إليَّ، لِما رُوِيَ عن سَبْرَةَ 3، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «اسْتَتِرُوا فِي الصلاةِ وَلَوْ بِسَهْمٍ».
رَواه الأثْرَمُ 4، فقولُه: «وَلَوْ بِسَهْمٍ».
يَدُلُّ على أنَّ غيرَه أوْلَى منه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَدْنُوَ مِن سُتْرَتِه، لِما روَى سَهْلُ بنُ أبي حَثْمَةَ، يَرْفَعُه، أنَّه قال: «إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ إلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا، لَا يَقْطَعُ الشَّيْطانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ».
رَواه أبو داودَ 5. وعن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، قال: كان بينَ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وبينَ السُّتْرَةِ مَمَرُّ الشَّاةِ.
رَواه البخارِيُّ 6. ولأنَّ قُرْبَه مِن السُّتْرَةِ أصْوَنُ لِصلاِته وأبْعَدُ مِن أن يَمُرَّ بينَه

..................................  وبينَها شئٌ، ويَنْبَغِي أن يكونَ مِقْدارُ ذلك ثَلاثةَ أذْرُع فما دُونَ.
قال أحمدُ: إن ابنَ عُمَرَ، قال: صَلَّى النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الكَعْبَةِ، فكان بينَه وبينَ الحائِطِ ثلاثةُ أذْرُعٍ 1. وكان 2 عبدُ اللهِ بنُ مُغفَّل 3 يَجْعَلُ بينَه وبينَ سُترتِه سِتَّةَ أذْرُعٍ.
وقال عَطاءٌ: أقَل ما يَكْفِيكَ ثلاثةُ أذْرُعٍ.
وهو قولُ الشافعيِّ، لخبَرِ ابن عمرَ.
وكلَّما دَنَا فهو أفْضَلُ، لِما ذَكَرْنا مِن الأخْبارِ والمَعْنَى.
قال مُهَنّا: سَأَلْتُ أحمدَ عن الرجُلِ يُصَلِّي، كم يَنْبَغِي أن يكونَ بَيْنَه وبينَ القِبْلَةِ؟ قال: يَدْنُو مِن القِبْلَةِ ما اسْتَطاعَ.
فصل: ولا بَأْسَ أن يَسْتَتِرَ ببَعِيرٍ أو حَيَوانٍ، فَعَلَه ابنُ عُمَرَ، وأنسٌ.
وقال الشافعيُّ: لا يَسْتَتِرُ بدابَّةٍ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى إلى بَعِيرٍ.
رَواه البخاريُّ 4. وفي لَفْظٍ، قال: قُلْتُ: فإذا ذَهَب الرِّكابُ؟ قال: كان يَعْرِضُ الرَّحْلَ، ويُصَلِّي إلى آخِرَتِه.
فإن اسْتَتَرَ

..................................  بإنْسانٍ فلا بَأْسَ؛ لأنَّه يَقُومُ مَقامَ 1 غيرِه 2. وقد رُوِيَ عن حُمَيْدِ بنِ هلالٍ، قال: رَأَى عُمَرُ بنُ الخَطّابِ رجلًا يُصَلِّي، والنّاسُ يَمُرُّونَ بينَ يَدَيْه، فوَلّاهُ ظَهْرَه، وقال بثَوْبِه هكذا، وبَسَط يَدَيْه هكذا، وقال: صَلِّ، ولا تَعْجَلْ.
وعن نافِعٍ قال: كان ابنُ عُمَرَ إذا لم يَجِدْ سَبِيلًا إلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المسجدِ، قال لنافِعٍ: وَلِّنِي ظَهْرَكَ.
رَواهُما النَّجّادُ 3. فأمّا الصلاةُ إلى وَجْهِ الإنْسانِ فتُكْرَهُ؛ لأنَّ عُمَرَ 4 أدَّب على ذلك.
وعن عائشةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصَلِّي حِذاءَ وَسَطِ السَّرير، وأنا مُضْطَجِعَةٌ بينَه وبينَ القِبْلَةِ، تكونُ لىَ الحاجَةُ، فأكْرَهُ أن أقُومَ فأسْتَقْبِلَه، فأنْسَلُّ انْسِلالُا.
مُتَّفَقٌ عليه 5. = الراحلة، من كتاب الصلاة.
سنن الدَّارميّ 1/ 328. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 3، 14.

فَإنْ لَمْ يَجِدْ، خَطَّ خَطًّا،

451 - مسألة: (فإن لم يَجِدْ، خَطَّ خَطًّا)

[متى لم يَجِدْ سُتْرَةً يُصَلِّي إليها خَطَّ خَطًّا] 1، وَصَلَّى إلَيْهِ، وقام ذلك مَقامَ السُّتْرَةِ، نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والأوْزاعِيُّ، وأَنْكَرَه مالكٌ، واللَّيْثُ، وأبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ بالخَطِّ، بالعِراقِ، وقال بمِصْرَ: لا يَخُطُّ المُصَلِّي خَطًّا، إلَّا أن يكونَ فيه سُنَّةٌ تُتَّبَعُ.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقاءَ وَجْههِ شَيْئًا، فَإنْ لَمْ يَجَدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإن لم يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ أمَامَهُ».
رَواه أبو داودَ 2. وصِفَةُ الخَطِّ مثلُ الهِلالِ.
قال

..................................  أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ غيرَ مَرَّةٍ، وسُئِلَ عن الخَطِّ.
فقال: هكذا غَرْضًا مثلَ الهِلالِ.
قال 1: وسَمِعْت مُسَدَّدًا 2، قال: قال [ابنُ داودَ] 3: الخَطُّ بالطُّولِ.
وقال، في رِوايَةِ الأثْرَم: قالُوا: طُولًا.
وقالوا: عَرْضًا.
وأمّا أنا فأخْتارُ هذا.
ودَوَّرَ بإصْبَعِه مثَلَ القَنْطَرَةِ.
وكَيْفَما خَطَّه أجْزَأَ؛ لأنَّ الحديثَ مُطلَقٌ فكَيْفَما أتَى به، فقد أتَى بالخَطِّ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: فإن كان معه عَصًا لا يُمْكنُه نَصْبُها 4، ألقاها بينَ يَدَيْه عَرْضًا.
نَقَلَه الأثْرَمُ.
وكذلك قال سعيدُ بنُ جُبَيْر، والأوْزاعِيُّ.
وكَرِهَه النَّخَعِيُّ.
ولَنا، أنَّ هذا في مَعْنَى الخَطِّ الذى ثَبَت اسْتِحْبابُه بالحدِيثِ الذى رَوَيْناه.
فصل: وإذا صَلَّى إلى عُودٍ أو عَمُودٍ أو نَحْوِه، اسْتُحِبَّ أن يَنْحَرِفَ عنه، ولا يَصْمُدَ له صَمْدًا 5، لما روَى أبو داودَ 6، عن المِقْدادِ بنِ الأسْوَدِ، قال: ما رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى إلى عُودٍ أو إلى عَمُودٍ ولا

..................................  شَجَرَةٍ، إلَّا جَعَلَه على حاجِبِه الأيْمَنِ مَنِ أو الأيْسَرِ، ولا يَصْمُدُ له صَمْدًا.
أي لا يَسْتَقْبِلُه فيَجْعَلَه وَسَطًا.
ومَعْنَى الصَّمْدِ: القَصْدُ.
فصل: وتُكْرَهُ الصلاةُ إلى المُتَحَدِّثِين، لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بحَدِيثِهم.
واخْتَلَفَ في الصلاةِ إلى النَّائِمِ، فرُوِيَ أنَّه يُكْرَهُ، رُوِي ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْر.
وعنه، ما يَدُلُّ على أنَّه إنَّما يُكْرَهُ في الفَرِيضَةِ خاصَّةً؛ لأَنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصَلِّي مِن اللَّيْلِ وعائشةُ مُعْتَرِضَةٌ بينَ يَدَيْه كاعْتِراض الجِنازَةِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- نَهَى عن الصلاةِ إلى النَّائِمِ والمُتَحَدِّثِ.
رَواه أبو داودَ 2. وخَرَج التَّطَوُّعُ منه، لحديثِ عائشةَ، وبَقِيَ الفَرْضُ على مُقْتَضَى العُمُومِ.
وقِيلَ: لا يُكْرَهُ فيهما؛ لأنَّ حَدِيثَ عائشةَ صَحِيحٌ، وحَدِيثَ النَّهْيِ ضَعِيفٌ.
قاله الخَطّابِيُّ 3. وتَقْدِيمُ قِياس الخَبَرِ الصَّحِيحَ أَوْلَى مِنْ الضَّعِيفِ.
ويُكْرَهُ أن يُصَلِّيَ إلى نارٍ.
قال أحمدُ: إذا كان التَّنُّورُ في قِبْلَتِه لا يُصَلِّي إليه.
وكَرِهَه

..................................  ابنُ سيِرِينَ.
قال أحمدُ، في السِّراجِ والقِنْدِيلِ يكونُ في القِبْلَةِ: أكْرَهُه.
وإنَّما كُرِهَ ذلك؛ لأنَّ النّارَ تُعْبَدُ مِن دُونِ اللهِ، فالصلاةُ إليها [تُشْبِهُ الصلاةَ] 1 لها.
وقال أحمدُ: لا تُصَلِّ إلى صُورَةٍ مَنْصُوبَةٍ في وَجْهِكَ، وذلك لأنَّ الصُّورَةَ تُعْبَدُ مِن دُونِ اللهِ.
وقد رُوِيَ عن عائشةَ، قالت: كان [لنا ثَوْبٌ] 2 فيه تَصاوِيرُ، فجَعَلْتُه بينَ يَدَيْ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وهو يُصَلِّي، فنَهانِي.
أو قالت: كَرِه ذلك.
رَواه عبدُ الرحمنِ بنُ أبِي حاتِمٍ، بإسْنادِه.
ولأنَّ المُصَلِّيَ يَشْتَغِلُ بها عن صلاِته.
قال أحمدُ: يُكْرَهُ أن يكونَ في القِبْلَةِ شئٌ مُعَلَّقٌ، مُصْحَفٌ أو غيرُه.
ولا بَأْسَ أن يكونَ مَوْضُوعًا بالأرض.
ورَوَى مُجَاهِدٌ، قال: لم يَكُنِ ابنُ عُمَرَ يَدَعُ بينَه وبينَ القِبْلَةِ شيئًا إلَّا نَزَعَه، لا سَيْفًا ولا مُصْحَفًا.
رَواه الخَلَّالُ.
قال أحمدُ: ولا يُكْتَبُ في القِبْلَةِ شئٌ؛ لأنَّه يَشْغَلُ قَلْبَ المُصَلى، ورُبَّما اشْتَغلَ بقِراءَتِه عن الصلاةِ.
وكذلك يُكْرَهُ التَّزْوِيقُ، وكلُّ ما يَشْغلُ المُصَلِّيَ عن صلاِته، فإنَّه رُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال لعائشةَ: «أمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ 3، فَإنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تُعْرِضُ لِي فِي صلَاتى».
رَواه البخاريُّ 4. وإذا كان

..................................  النبيُّ، مع ما أيَّدَه الله به مِن العِصْمَةِ والخُشُوعِ، يَشْغلُه ذلك، فغَيْرُه مِن النّاسِ أوْلَى.
ويُكْرَهُ أن يُصَلِّيَ وأمامَه امْرَأةْ تُصَلِّي، لقولِ رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ الله» 1. وإن كانت عن يَمِينِه أو يَسارِه، لم يُكْرَه، وإن كانَتْ تُصَلِّي.
وكَرِهَ أحمدُ أن يُصَلِّيَ وبينَ يَدَيْه كافِر.
ورُوِيَ عن إسْحاقَ؛ لأنَّ المُشْرِكِين نَجَسٌ.
فصل: ولا بَأس أن يُصَلِّيَ بمَكَّةَ إلى غيرِ سُتْرَةٍ، رُوِيَ ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ.
وقال الأثْرَمُ: قِيل لأحمدَ: الرَّجُلُ يُصَلِّي بمَكَّةَ، ولا يَسْتَتِرُ بشئٍ؛ فقال: قد رُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه صلَّى ثَمَّ ليسَ بينَه وبينَ الطُّوَّافِ سُتْرَةٌ.
قال أحمدُ: لأنَّ مَكَّةَ ليستْ كغيرِها، لِما روَى الأثْرَمُ، بإسنادِهِ، عن المُطلِب، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا فَرَغ مِن سَبْعَةٍ، جاءَ حتَّى يُحاذِيَ الرُّكْنَ بينَه وبينَ السَّقِيفَةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْن 2 في حاشِيَةِ المَطافِ، وليس بينَه وبينَ الطَّوَّافِ أحَدٌ 3. وقال

..................................  عَمّارُ [بنُ أبي عَمّارٍ] 1: رَأَيْتُ ابن الزُّبَيْرِ جاءَ يُصَلِّي والطُّوَّافُ بينَه وبينَ القِبْلَةِ، تَمُرُّ المَرْأةُ بينَ يَدَيْه، فيَنْتَظِرُها حتَّى تَمُرَّ، ثم يَضَعُ جَبْهَتَهُ في مَوْضِع قَدَمِها 2. رَواه حَنْبَلٌ، في كتاب «المَنَاسِكِ».
قال المُعْتَمِرُ: قُلْتُ لطاوُسٍ: الرجلُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْن بمَكَّةَ، فيَمُرُّ بينَ يَدَيْه الرجلُ والمَرْأَةُ؛ فقال: أوَ لا تَرَى أنَّ النّاسَ يَبُكُّ 3 بَعْضُهُم بَعْضًا.
وإذا هو يَرَى أن لهذا البَلَدِ حالًا ليس لغيرِه، وذلك لأنَّ النّاسَ يَكْثُرُونَ بها لأجْلِ قَضاءِ النُّسُكِ، ويَزْدَحِمُونَ فيها، [ولذلك سُمِّيَتْ بَكةَ؛ لأنَّ النَّاسَ يَتَباكُّونَ فيها، أي: يَزْدَحِمُونَ ويَدْفَعُ بَعْضُهم بعضًا] 4، فلو مَنَع المُصَلِّي مَن يَجْتَاز بينَ يَدَيْه لضاقَ على النّاس.
وحُكْمُ الحَرَمِ كلِّه حُكْمُ مَكَّةَ في هذا، بدَلِيلِ قولِ ابن عباسٍ: أقْبَلْتُ راكِبًا على حِمارٍ أتانٍ 5، والنبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي بالنّاس بِمِنًى 6 إلى

..................................  غيرِ جِدارٍ.
مُتفَقٌ عليه 1. ولأنَّ الحَرَمَ كلَّه مَحَلُّ المَشاعِرِ والمَناسِكِ، فَجَرَى مَجْرَى مَكَّةَ في ذلك.
فصل: فإن صَلَّى في غيرِ مَكَّةَ إلى غيرِ سُتْرَةٍ، فلا بأْسَ، لما روَى ابنُ عباسٍ، قال: صَلَّى النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في فَضاءٍ ليسَ بينَ يَدَيْه شئٌ.
رَواه البخاريُّ 2. قال أحمدُ، في الرَّجُلِ يُصَلِّي في فَضَاءٍ، ليس بينَ يَدَيْه سُتْرَةٌ ولا خَطٌّ: صلاتُه جائِزَةٌ، وأحَبُّ إليَّ أن يَفْعَلَ.

فَإذا مَرَّ مِنْ وَرَائِهَا شَيْء لَمْ يُكْرَهْ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ سُترَةٌ، فَمَر بَيْنَ يَدَيْهِ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ، بَطَلَتْ صَلَاُتهُ، وَفِي الْمَرأَةِ وَالْحِمَارِ رِوَايتَانِ.

452 - مسألة: (فَإن مَرَّ مِن وَرَائِهَا شَيْءٌ، لم يُكْرَه)

متى (1) صَلَّى إلى سُتْرَةٍ فمَرَّ مِن وَرائِها ما يَقْطَعُ الصلاةَ، لم تَنْقَطِعْ، وإن مَرَّ غيْرُ ذلك، لم يُكْرَه، لِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيثِ.
وإن مَرَّ بَيْنَه وَبَيْنَها، قَطَعَها إن كان مِمَّا يَقْطَعُها، وكُرِهَ إن كان مِمَّا لا يَقْطَعُها، وسنذكرُ ذلك إن شاء الله.
453 -

مسألة: (وإن لم تَكُنْ سُترةٌ، فَمَرَّ بينَ يَدَيْه الكَلْبُ الأسْوَدُ البَهيمُ، بَطَلَتْ صلاُتُه، وفي المَرْأْةِ والحِمارِ رِوايَتان)

إذا مَرَّ الكلبُ الأسْوَدُ البَهِيمُ 2 بينَ يَدَيِ المُصَلِّي.
قريبًا منه، قَطَع صلَاته،1

..................................  بغيرِ خِلافٍ في المَذْهَبِ، وهذا قولُ عائشةَ، ورُوِيَ عن مُعاذٍ، ومُجاهِدٍ.
والبَهِيمُ الذى ليس في لَوْنِهِ شئٌ سِوَى السَّوادِ، لِما روَى أبو ذَرٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا قَامَ أحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَإنَّهُ يَسْتُرُهُ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْه مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْمَرْأةُ، وَالْحِصَارُ، وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ».
قال عبدُ اللهِ بنُ الصَّامِتِ: يَا أَبا ذَرٍّ، ما بالُ الكَلْبِ الأسْوَدِ مِن الكلبِ الأحْمَرِ مِن الكلبِ الأصْفَرِ؛ فقال: يَا ابنَ أخِي، سَألتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كما سَألتَنِي، فقال: «الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ».
رَواه مسلم، وأبو داودَ، وغيرُهما 1. وفي المَرْأَةِ والحِمارِ رِوايتانِ؛ إحْداهُما، لا يَقْطَعُ الصلاةَ إلَّا الكَلْبُ الأسْوَدُ.
نَقَلَها عنه الجَماعَةُ، وهو قولُ عائشةَ، لِما روَى الفَصْلُ بنُ عباسٍ، قال: أتانا رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ونحنُ في بادِيَةِ، فصَلَّى في صَحْرَاءَ ليس بينَ يَدَيْه سُتْرَةٌ، وحِمارَةٌ لَنا وكَلْبَةٌ تَعْبَثانِ بينَ يَدَيْه، فما بالَى ذلك.
رَواه

..................................  أبو داودَ 1. وعن ابنِ عباسٍ، قال: أقْبَلْتُ راكِبًا على حِمارٍ أتانٍ، والنبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي بِمِنًى إلى غيرِ جِدارٍ، فمَرَرْتُ بينَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، فنَزَلْتُ، وأرْسَلْتُ الأتانَ تَرْتَعُ، فدَخَلْتُ في الصَّفِّ، فلم يُنْكِرْ عليَّ أحَدٌ.
وقالت عائشةُ: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي صلَاتَه مِن اللَّيْل كلَّها، وأنا مُعْتَرِضَةٌ بينَه وبين القِبْلَةِ.
مُتَّفَقٌ عليه 2. وقد ذَكَرْنا حديثَ زينبَ بنتِ أبي سَلَمَةَ، حينَ مَرَّتْ بينَ يَدَيِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فلم تَقْطَعْ صلَاته.
رَواه ابنُ ماجه 3. والثَّانِيَةُ، أنَّ المَرْأَةَ والحِمارَ يَقْطَعانِ الصلاةَ، لِما ذَكرنا مِن حديثِ أبي ذَرٍّ 4 وروَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهَ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ المَرأةُ، وَالحِمَارُ، وَالْكَلْبُ».
رَواه مسلمٌ 5. فأمّا حديثُ عائشةَ، فقد قِيلَ: ليس بحُجَّةٍ؛ لأنَّ حُكْمَ الوُقُوفِ يُخالِفُ

..................................  حُكْمَ المُرُورِ؛ بدَلِيلِ كَراهَةِ المُرُور بينَ يَدَيِ المُصَلِّي، بخِلافِ الاعْتِراضِ.
وحديثُ ابنِ عباسٍ ليس فيه إلَّا أنَّه مَرَّ بينَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ.
وسُتْرةُ الإِمامِ سُتْرَةٌ لمَن خَلْفَه.
رُوِيَ هذا القولُ عن أَنسٍ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصَلِّي إلى سُتْرَةٍ، ولم يُنْقَلْ أنَّه أمر أصْحابَه بنَصْبِ سُتْرَةٍ أُخْرَى.
وحديثُ الفَضْلِ بنِ عباسٍ، في إسْنادِه مَقالٌ 1، ويَجُوزُ أنْ يكونَا بَعِيدَينِ.
وقال مالكٌ، والثَّوْرِي، وأصحابُ الرَّأْى، والشافعيُّ: لا يَقْطَعُ الصلاةَ شئٌ، لِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيثِ، ولِما رَوَى أبو سعيدٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «لَا يَقْطَع الصَّلَاةَ شَئٌ».
رَواه أبو داودَ 2. ولَا، حديث أبي هُرَيْرَةَ، وأبي ذَرٍّ، وقد أجَبْنا عن الأحادِيثِ المُتَقَدِّمَةِ.
وحديثُ أبي سعيدٍ يَرْوِيه مُجالِدٌ 3، وهو ضَعِيف، فلا يُعارَضُ به الصَّحِيحُ، وهو عامٌّ، وأحادِيثُنا خاصَّةٌ، فيَجِبُ تَقْدِيمُها.

..................................  فصل: ولا يَقْطَعُ الصلاةَ 1 غيرُ ما ذَكَرْنا؛ لأنَّ تَخْصِيصَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لها بالذِّكْرِ يَدُل على عَدَمِه فيما سِواها.
وقال ابنُ حامِدٍ: هل يَقْطَعُ الصلاةَ مُرُورُ الشَّيْطانِ؛ على وَجْهَيْن، أحَدُهما، يَقْطَعُ.
وهو قولُ بعضِ أصحابِنا، لتَعْلِيلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَطْعَ الكَلْبِ الصلاةَ بكَوْنِه شَيْطانًا.
والثَّانِي، لا يَقْطَعُ.
اخْتارَه القاضي.
ومتى كان في الكَلْبِ الأسْوَدِ لَوْن غيرُ السَّوادِ، لم يَقْطَع الصلاةَ، وليس ببَهِيمٍ، إلَّا أن يكونَ بينَ عَيْنَيْه نُكْتَتان تُخالِفان لَوْنَه، فلا يَخْرُجُ بهما عن اسْمِ البَهِيمِ وأحْكامِه في قَطْع 2 الصلاةِ، وتَحْرِيمِ صَيْدِه، وإباحَةِ قَتْلِه؛ لأنَّه قد رُوىَ في حديثٍ: «عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهيمِ ذِي الْغُرَّتَيْنِ 3، فَإنَّهُ شَيْطَانٌ» 4. وإنَّما خَصَصْنَا قَطْعَ

..................................  الصلاةِ بالأسْوَدِ البَهيم؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَمَّاه شَيْطانًا في حديثِ أبي ذَرٍّ، وقال عليه السَّلامُ: «لَوْلَا أنَّ الْكِلابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أسْوَدَ بَهِيمٍ، فَإنَّهُ شَيْطَانٌ» 1. فبَيَّنَ 2 أنَّ الشَّيْطانَ هو الأسْوَدُ البَهِيمُ.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ الفَرْضِ والتَّطوُّعِ فيما ذَكَرْنا، لِعُمومِ الأدِلَّةِ، وقد رُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على التَّسْهيلِ في التَّطوُّعِ.
[والصَّحِيحُ التَّسْوِيَةُ؛ لأنَّ مُبْطِلاتِ الصلاةِ في غيرِ هذا يَتَساوَى فيها الفَرْضُ والتَّطَوُّعُ] 3. وقد قال أحمدُ: يَحْتَجُّونَ بحديثِ عائشةَ، بأنَّه في التَّطَوعِ، وما أعْلَمُ بينَ الفَرِيضةِ والتَّطوُّعِ فَرْقًا، إلَّا أنَّ التَّطَوُّعَ يُصَلَّى على الدَّابَّةِ.

..................................  فصل: فإن كان الكلبُ الأسْودُ البَهِيمُ واقِفًا بينَ يَدَيْه، أو نائِمًا، ولم يَمُرَّ ففيه رِوايَتان، إحْداهُما، تَبْطُل، قِياسًا على المُرُورِ؛ لأنَّ 1 النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «يَقْطَعُ الصَّلَاة المَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ» 2. ولم يَذْكُرْ مُرُورًا.
وقد قالت عائشةُ: عَدَلْتُمُونَا بالكِلَابِ والحُمُرِ 3. وذَكَرَتْ في مُعارَضَةِ ذلك، ودَفْعِه أنَّها كانت تكونُ مُعْتَرِضَةً بينَ يَدَيْ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، كاعْتِراضِ الجِنارةِ 4. والثَّانيةُ، لا تَبْطُلُ به الصلاةُ؛ لأنَّ الوُقُوفَ والنَّوْمَ مُخالِف لحُكْمِ المُرُورِ، بدَلِيلِ أنَّ عائشةَ كانت تَنامُ بينَ يَدَيْ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فلَا يَكْرَهُه، ولا يُنْكِرُه، وقد قال في المارِّ: «لَكَانَ أنْ يَقِفَ أرْبَعِينَ، خَيْرًا لَهُ مِنْ أنْ يَمُر بَيْنَ يَدَيْهِ 5» 6. وكان ابنُ عُمَرَ يقولُ لنافِعٍ: وَلِّنِي ظَهْرَك.
ليَسْتَتِرَ به ممَّن يَمُرُّ بينَ يَدَيْه 7.

..................................  وقَعَد عمَرُ بينَ يديِ المُصَلى يَسْتُرُه مِن المُرُورِ 1. وإذا اخْتَلَفَ حُكْمُ الوُقُوفِ والمُرُورِ، فلا يُقاسُ عليه، وقولُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ».
لابُدَّ فيه مِن إضْمارِ المُرُورِ أو غيرِه، فإنَّه لا يَقْطَعُها إلَّا بفِعْلِه، وقد جاء في بَعْض الأخبارِ، فيَتَعَيَّنُ حَمْلُه عليه.
فصل: والذى يَقْطَعُ الصلاةَ مُرُورُه، إنَّما يَقْطَعُها إذا مَرَّ قَرِيبًا، والذى لا يَقْطَعُ الصلاةَ إنَّما يُكْرَهُ له المُرُورُ إذا كان قَرِيبًا أَيضًا، فأمَّا البَعِيدُ فلا يَتَعَلَّقُ به حُكْمٌ.
قال شيخُنا 2: ولا أُعْلَمُ أحَدًا مِن أهلِ العلمِ حَدَّ البَعِيدَ في ذلك ولا القَرِيبَ، إلَّا أن عِكْرِمَةَ، قال: إذا كان بَيْنَكَ وبينَ الذى يَقْطَعُ الصلاةَ قَذْفَةٌ بحَجَرٍ، لم يَقْطَع الصلاةَ.
وروَى أبو داودَ، وعَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أحْسَبُه عن رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ إلى غَيْرِ سُتْرَةٍ، فَإنَّهُ يَقْطَع صَلَاته الكلْبُ، وَالحِمَارُ، وَالخِنْزِيرُ، وَالمَجُوسيُّ، وَاليَهُودِيُّ، وَالمَرْأةُ، ويَجُزْئُ عَنْهُ إذَا مَرُّوا وبَيْنَ يَدَيْهِ قَذْفَةٌ بِحَجَرٍ» 3. هذا لَفْظ رِوايَةِ أبي داودَ.
وفي رِوَايَةِ

جارٍ التحميل