الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 48-89

..................................  رَضِي الله عنه، وهو في بَيته، فخرَجَ يَجُرُّ رِداءَه، يقولُ: والذي بَعَثَك بالحَقِّ يا رسولَ الله، لقد رَأيتُ مثلَ الذي رَأى.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَلِلَّهِ الْحَمدُ».
أخْرَجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وهذا لَفْظُه، وابنُ ماجَه 1، وأخْرَج الترِّمِذِيُّ بعْضَه 2، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
فصل: وليسَ على النِّساءِ أذانٌ ولا إقامَةٌ.
كذلكَ قال ابنُ عُمَرَ، وأنَسٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وابنُ سِيرينَ، والثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، وأصحابُ الرَّأْي.
ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم.
واخْتَلَفُوا، هل يُسَنُّ لَهُنَّ ذلك؟ فرُوىَ عن أحمدَ، إن فَعَلْنَ فلا بَأْسَ، وإن لم يَفْعَلْنَ.
فجائِزٌ.
وقال القاضي: هل تُسْتَحَبُّ لها الإقامَةُ؟ على رِوايَتَين.
وعن جابِرٍ، أنَّها تُقِيمُ.
وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والأوْزاعِيُّ.
وقال الشافعيُّ: إن أذَّنَّ وأقَمْنَ فلا بَأْسَ.
وعن عائشةَ، أنَّها

..................................  كانَتْ تُؤَذِّنُ وتُقِيمُ.
وبه قال إسحاقُ.
وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أذِنَ لأُمِّ وَرَقَةَ أن يُؤذَّنَ لها ويُقامَ، وتَؤُمَّ نِساءَ أهْلِ دارِها 1. إلَّا أنَّ هذا الحديثَ يَرويه الوَلِيِدُ بنُ جُمَيعٍ 2، وقد قال ابنُ حِبّانَ: لا يُحْتَجُّ بحَدِيثِه.
ووَثَّقَه يَحْيى بنُ مَعِينِ.
ورُوي عنه، لا يُشْرَعُ لها ذلك، لِما روَى النَّجَادُ، بإسنادِه، عن أسماءَ بنتِ يَزِيدَ، قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «لَيسَ عَلَى النِّسَاءِ أذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ» 3. ولأنَّ الأذانَ يُشْرَعُ له رَفْعُ الصَّوْتِ، ولا يُشْرَعُ لها، ولا تُشْرَعُ لها الإقامَةُ؛ لأنَّ مَن لا يُشْرَعُ له الأذانُ، لا تُشْرَعُ له الإقامَةُ، كغيرِ المُصَلِّي وكالمَسْبُوقِ.

وَهُمَا فَرْضٌ عَلَى الْكفَايةِ، إنِ اتَفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِمَا قَائلَهُمُ الْإمَامُ.

259 - مسألة؛ قال: (وهما فَرْضٌ على الكِفايَة، إن اتفَق أهلُ بَلَدٍ كل تركِهما قائَلَهُم الإمامُ)

كذلك ذَكَرَه أبو بكر عبدُ العزيزِ 1، وهو قولُ أكْثَرِ الأصحابِ، وبعض أصحابِ مالكٍ.
وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهدٌ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: الأذانُ والإقامةُ واجِبان كل كلِّ جماعةٍ، في الحَضَرِ والسَّفرِ، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ به مالكَ بنَ الحُوَيرِثِ 2 وصاحِبَه، والأمْرُ يَقْتَضي الوُجُوبَ، وداوَم عليه هو وخُلَفاؤه وأصحابُه.
ولأنَّه مِن

..................................  شعائِرِ الإسلامِ الظّاهِرَةِ، فكان فَرْضًا، كالجهادِ.
فعلى هذا إذا قام به مَن تَحْصُلُ به الكِفايَةُ سَقَط عن الباقِين، كسائِرِ فُرُوض الكِفاياتِ، وإن اتَّفَقُوا على تَرْكِه أثِمُوا كلُّهم.
ولأن بِلالًا كان يُؤذِّنُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فيَكتَفِي به.
وإنِ اتَّفَق أهلُ البَلَدِ على تركِه، قاتَلَهُم الإمامُ عليه؛ لأنَّه مِن شعائِرِ الإسلامِ الظّاهِرَةِ، فقُوتِلُوا عليه، كصَلاةِ العِيدَين.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أن الأذانَ سُنَّةٌ غيرُ واجِب؛ لأنه قال: فإن صَلَّى بلا أذانٍ ولا إقامةٍ، كَرِهْنا له ذلك.
فجَعَلَه مَكْرُوهًا، وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ لأنَّه دُعاءٌ إلى الصلاةِ، فأشْبَهَ قَوْلَه: الصَّلاةَ جامِعَةً.
وقال ابنُ أبي موسى: الأذانُ سُنةٌ في إحْدَى الروايَتَين، إلَّا أذانَ الجُمُعَةِ حين يَصْعَدُ الإمامُ، فإنَّه واجِبٌ.
وعلى كِلا القَوْلَين إذا صَلى بغيرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ، كُرِه له ذلك، لِما ذَكَرْنا، وصَحَّتْ صَلاتُه؛ لِما رُوِيَ عن عَلْقَعَةَ 1 والأسْوَدِ 2، أنَّهما قالا: دَخَلْنا على عبدِ اللهِ فصَلَّى بنا، بلا أذانٍ ولا إقامَةٍ.
رَواه الأثْرَمُ.
قال شيخُنا 3: ولا أعْلَمُ أحدًا خالفَ في ذلك إلَّا عَطَاءً، قال:

..................................  مَن نَسِي الإقامَةَ يُعِيدُ.
ونَحْوُه عن الأوْزاعِيِّ.
والصَّحِيحُ، إن شاء الله، قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّ الإقامَةَ أحَدُ الأذانَين، فلم يُفْسِدْ تَرْكُها، كالآخَرِ.
فصل: ومَن أوْجَبَ الأذانَ مِن أصحابِنا إنَّما أوْجَبَه على أهلِ المِصْرِ، فأمّا غيرُ أهلِ المِصْرِ مِن المُسافِرِين فلا يَجِبُ عليهم.
كذلك ذَكَره القاضي.
وقال مالكٌ: إنَّما يَجِبُ النِّداءُ في مَساجِدِ الجَماعَةِ التي يُجْمَعُ 1 فيها للصلاةِ؛ وذلك لأنَّ الأذانَ إنَّما شُرِعَ 2 في الأصْلِ للإعْلامِ بالوَقْتِ، ليَجْتَمِعَ 3 النَّاسُ إلى الصلاةِ، ويُدْرِكُوا الجَماعَةَ.
ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ في السَّفَرِ للجَماعَةِ، وهو قَوْلُ ابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ به بلالًا في السَّفَرِ، وقال لمالكِ بنِ الحُوَيرِثِ، ولابنِ عَمٍّ له: «إذَا سَافَرْتُمَا فَأذِّنَا وَأقِيمَا ولْيَؤُمَّكُمَا أكْبَرُكُمَا».
مُتَّفَقٌ عليه 4. وهذا ظاهِرٌ في

..................................  وُجُوبِه.
ويَكْفِي مُؤَّذِّنٌ في المِصْرِ، إذا كان يُسْمِعُهم ويَجْتَزئُ بَقِيَّتُهم بالإقامَةِ.
قال أحمدُ، في الذي يُصَلِّي في بَيتِه: يُجْزِئُه أذانُ المِصْرِ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي، وقال مالكٌ، والأوْزاعِيُّ: تَكْفِيهِ الإقامَةُ.
وقال الحسنٌ، وابنُ سِيرِينَ: إن شاء أقام.
لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال للذي عَلَّمَه الصلاةَ: «إذَا أردْتَ الصَّلَاةَ فَأحْسِنِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَكَبِّرْ» 1. وفي لفطٍ رَواه النَّسائِيُّ: «فَأقِمْ ثُمَّ كَبِّرْ (1). وقد ذَكَرْنا حديثَ ابنِ مسعودٍ 2.

..................................  فصل: والأفْضَلُ لكلِّ مُصَلٍّ أن يُؤذِّنَ ويُقِيمَ، إلَّا أنه إن 1 كان يُصَلِّي قَضاءً أو في غيرِ وَقْتِ الأذانِ، لم يَجْهَرْ به، وإن كان في الوقت في بادِيةٍ أو نَحْوها، اسْتُحبَّ له الجَهْرُ بالأذانِ؛ لقَوْلِ أبي سعيدِ: «إذا كُنْتَ في غَنَمِكَ أوْ بَادِيتكَ فَأذنْتَ بالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالندَاءِ، فَإنَّه لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمؤذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
قال أبو سعيدٍ: سَمعْتُه عِن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. رَواه البخاريُّ 2. وعن أنسٍ، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُغِيرُ إذا طَلَع الفَجْرُ، وكان إذا سَمِع أذانًا أمْسَك، وإلَّا أغار، فسَمِعَ رجلًا يقولُ: الله أكبرُ

..................................  الله أكبرُ.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «عَلَى الْفِطْرَةِ».
فقال: أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ، [أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا الله] 1. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «خَرجْتَ مِنَ النَّارِ».
فَنَظروا فإذا صاحبُ مِعْزًى 2. رَواه مسلمٌ 3. فصل: ويُسْتَحَبُّ الأذانُ في السَّفَرِ، وللراعِي 4 وأشْباهِه في قوْلِ أكثَرِ أهلِ العلم، وكان ابنُ عُمَرَ يُقيمُ لكلِّ صلاةٍ إقامَة، إلَّا الصُّبحَ، فإنَّه يُؤذِّنُ لها ويُقيمُ، وكان يقولُ: إنَّما الأذانُ على الإمام والأميرِ الذي يَجْمَعُ النّاسَ.
وعنه، أنَّه كان لا يُقِيمُ الصلاةَ في أرضٍ تُقامُ فيها الصلاةُ.
وعن علي، رَضِي الله عنه: إن شاء أذَّنَ وأقام، وإن شاء أقام.
وبه قال الثَّوْرِيُّ.
وقال الحسنُ: تُجْزِئُه الإقامَةُ.
وقال إبراهيمُ

..................................  في المُسافِرِين: إذا كانوا رِفَاقًا أذَّنُوا وأقامُوا، وإن كان وَحْدَه أقام الصلاةَ.
ولَنا، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُؤذنُ له في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وأمَرَ به مالكَ بنَ الحُوَيرِثِ وصاحِبَه، وما نُقِل عن السَّلَفِ في هذا، فالظّاهِرُ أنَّهم أرادُوا وَحْدَه، كما قال إبراهيمُ النخعِيُّ في كَلامِه، والأذانُ مع ذلكَ أفضل؛ لِما ذَكْرنا مِن حديثِ أبي سعيدٍ، وحديثِ أنسٍ، وروَى عُقبَةُ بنُ عامِرٍ، قال: سَمعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِي غَنمٍ في رَأس الشَّظِيَّة 1 لِلْجَبَلِ، يُؤذِّنُ بِالصَّلَاةِ، وَيُصَلِّي، فَيَقُول الله عَز وَجَلَّ: انْظُرُوا إلَى عَبْدِي هَذَا، يُؤذِّنُ وَيُقيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ منِّي، قدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، وَأدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ».
رَواه النَّسائِيُّ 2. والصَّلَواتُ في الأذانِ على أرْبَعةِ أضرُب؛ ما يُشرَعُ لها الأذانُ والإقامَةُ، وهي الفَرْضُ المُؤدَّاةُ مِن الصَّلَواتِ الخمْسِ، وصَلاة يُقيمُ لها ولا يؤذِّنُ، وهي الثّانِيَة مِن صَلاتَّي الجَمْعِ، وما بعدَ الأولَى في الفَوائِتِ، وصلاة لا يُؤذِّنُ لها ولا يُقِيمُ، لكن يُنادِي لها: الصلاةَ جامِعَة.
وهي العِيدان والكُسُوفُ والاسْتِسْقاءُ، وصلاة: لا يُوْذِّنُ لها أصْلًا وهي صلاةُ الجِنازَةِ.

وَلَا يجُوزُ أخذُ الأُجْرَةِ عَلَيهِمَا في أظْهرِ الرِّوَايَتَينِ.

260 - مسألة: (ولا يَجُوز أخْذُ الأجْرَةِ عليهما في أظْهَرِ الرِّوايَتَين).

وهو قَوْلُ ابنِ المُنْذِرِ، وكَرِهَه القاسِمُ بنُ عبدِ الرحمنِ 1، والأوْزاعيُّ، وأصحابُ الرَّأي؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعثمانَ بن أبي العاص: «وَاتَّخِذْ مُؤذِّنًا لَا يَأخُذُ عَلَى أذَانِه أجْرًا».
رَواه أبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَه، والتِّرْمِذِيُّ 2، وقال: حديثٌ حسنٌ.
ولأنه قُرْبَةٌ لفاعِلِه، لا يَصِحُّ إلى مِن مسلم، فلم يَجُزْ أخْذُ الأجْرَةِ عليه، كالإمامَةِ.
ورُوي عن أحمدَ، أنَّه قال: يَجُوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ عليه.
ورَخصَ فيه مالكٌ، وقال: لا بَأسَ به، لأنَّه عَمَل مَعْلُومٌ يجُوزُ أخْذُ الرِّزْقِ عليه، أشْبهَ سائِرَ الأعْمالِ.

فَإنْ لَمْ يُوجَدْ مُتَطوِّع بِهِمَا رَزَقَ الْإمَامُ مِنْ بَيتِ الْمَالِ مَنْ يَقُومُ بِهِمَا.

261 - مسألة: (فإن لم يُوجَدْ مُتَطَوِّع بهما رَزَق الإمامُ مِن بَيتِ المالِ مَن يَقُومُ بهما)

لا نَعْلَمُ خِلافًا في جَوازِ أخْذِ الرِّزقِ عليه، وهو قَولُ الأوْزاعِي، والشافعيِّ؛ و 1 لأنَّ بالمُسْلِمِين إليه حاجَة، وقد لا يُوجَدُ مُتَطوِّعٌ به، فإذا لم يُدْفَع الرِّزْقُ فيه تَعَطَّل، ويَرْزُقُه الإمامُ مِن الفَىْءِ؛ لأنَّه المُعَدُّ للمَصالِحِ، فهو كأرْزاقِ القُضاةِ والغُزاةِ، وقال الشافعيُّ: لا يُرْزَقُ المُؤذِّنُ إلَّا مِن خُمُسٍ الخُمُس، سَهْمِ النبي - صلى الله عليه وسلم -. حَكاهُ ابنُ المُنْذِر.
فأمّا إن وُجِد مُتَطَوِّع به، لم يرزَقْ غيرُه؛ لعَدَم الحاجَةِ إليه 2. والله أعلمُ.
= وابن ماجه، في: كتاب السنة في الأذان، من كتاب الأذان والسنة فيها، وفي: كتاب من أم قوما فيخفف، من كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها.
سنن ابن ماجة 1/ 336، 316. كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 4/ 217. والبيهقي، في: باب التطوع بالأذان، من كتاب الصلاة.
السنن الكبرى 1/ 429.

وَيَنْبَغِي أنْ يكونَ الْمُوذنُ صَيِّتًا أمِينًا عَالِمًا بِالْأوْقَاتِ.

262 - مسألة: (ويَنْبَغِي أن يَكُونَ المُؤذِّنُ صيتًا أمِينًا عالِمًا بالأوْقاتِ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يُسْتَحبُّ أن يكونَ المُؤذنُ صَيِّتًا 1، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لعبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ: «ألقِهِ عَلَى بلَالٍ، فَإنَّه أنْدَى صَوْتًا مِنْكَ» 2. واخْتارَ أبا مَحْذُورَةَ للأذانِ، لكَوْنِه صَيتًا، ولأنه أبْلَغُ في الإعْلامِ المَقْصُودِ بالأذانِ، قال شيخُنا 3: ويُستَحَبُّ أن يكُونَ حَسَنَ الصَّوْتِ؛ لأنَّه أُرقُّ لسامِعه.
ويَنْبَغِي أن يكُونَ عدْلًا أمِينًا؛ لأنَّه مُؤتَمَنٌ يُرجَعُ إليه في الصلاةِ والصيامِ، فلا يُؤمَنُ أن يَغُرَّهم بأذانه إذا لم يَكُن كذلك.
وقد رُوِيَ عن أبي مَحْذُورَةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمَنَاءُ النَّاس عَلَى صَلاتهِمْ وَسُحُورِهِمُ الْمُؤذِّنُونَ».
رَواه البَيهَقِيُّ 4 مِن رِوايِةِ يَحْيَى بن عبدِ الحميدِ، وفيه كلامٌ.
ولأنَّه يُؤذِّنُ على مَوْضِعٍ عالٍ، فلا يُؤمَنُ منه النَّظَرُ إلى العَوْراتِ.
وأن يكونَ عالِمًا بالأوْقاتِ؛ ليَتَحَراها،

فَإنْ تَشَاحَّ فِيهِ نفْسَانِ قُدِّمَ أفْضَلُهُمَا في ذَلِكَ، ثُمَّ أفْضَلُهُما في دِينهِ وَعَقْلِهِ،  فيُؤذِّنَ في أوَّلِها، ولأنَّه إذا لم يَكُنْ عالِمًا لا يُؤمَنُ منه الغلَطُ والخطَأُ.
ويُستحَبُّ أن يكُونَ بَصِيرًا؛ لأن الأعْمَى لا يَعْرِفُ الوَقْتَ، فرُبَّما غَلِط.
وكَرِه أذانَ الأعْمَى ابنُ مسعودٍ، وابنُ الزُّبَير.
وعن ابن عباس، أنَّه كَرِه إقامَتَه.
وإن أذَّنَ، صَحَّ أذانُه؛ لأن ابنَ أمِّ مَكْتُوم كان يُؤذنُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال ابنُ عُمَرَ: وكان رجلًا أعْمَى لا يُنادِي حتىِ يُقال له: أصبحْتَ أصبحتَ.
رَواه البخاري (1). ويُستحَبُّ أن يكون معه بَصِيرٌ كما كان ابنُ أُمِّ مَكتُوم يُؤذِّنُ بعدَ بِلَالٍ.
وإن أذَّنَ الجاهِلُ أيضًا، صَحَّ؛ لأنَّه إذا صَحَّ أذانُ الأعْمَى فالجاهِلُ أوْلَى.

263 -

مسألة: (فإن تشاحَّ فيه نفْسان قُدِّمَ أفْضَلُهما في ذلك، ثم أفْضَلُهما في دِينه وعَقْلِه)

متى تشاحَّ نَفْسان في الأذانِ، قُدِّمَ أفْضَلُهما1

ثُمَّ مَنْ يَخْتَارُهُ الْجِيرَانُ، فَإذَا اسْتَوَيَا أُقْرِعَ بَينَهُمَا.
في الخِصالِ المَذْكُورَةِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَدم بِلالًا على عبدِ الله بنِ زَيدٍ؛ لكَوْنِه أنْدَى صَوْتًا منه، وقدَّم أبا مَحْذُورَةَ لصَوْته، وقِسْنا عليه سائِرَ الخِصالِ، فإنِ استويا في هذه الخِصالِ قُدِّم أفْضَلُهما في دِينه وعَقْلِه؛ لِما روَى ابنُ عباس، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليُؤذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ، وَليؤُمَّكُمْ أقْرَؤُكُمْ».
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه 1. فإنِ اسْتَوَيا، قُدِّم (مَن يَخْتارُه الجِيرانُ) لأنَّ الأذانَ لإعْلامِهِم، فكان لرِضاهم أثرٌ في التَّقْدِيمِ، ولأنَّهم أعْلَمُ بمَن يَبلُغُهم صَوْتُه ومَن هو أعَفُّ عن النَّظَرِ، (فإن تَساوَيا) مِن جَمِيع الجِهاتِ (أُقْرِع بَينهما) لقَوْل النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ والصَّفِّ الأوَّلِ، ثُم لَمْ يَجِدُوا إلَّا أنْ يَستهِمُوا عَلَيهِ، لَاسْتهَمُوا» 2. ولَمّا تَشاحَّ النّاسُ في الأذانِ يومَ القادِسِيَّةِ أقْرَع بَينهم سعدٌ 3.

وَالْأذَان خَمس عَشْرَةَ كَلِمَةً لَا ترجِيعَ فِيهِ.

264 - مسألة: (والأذانُ خَمْسَ عَشرةَ كَلِمَة، لا تَرجيِع فيه)

هذا اختيارُ أبي عبدِ اللهِ، رَحِمَه الله، كما جاء في حديثِ عبدِ الله بنِ زيدٍ الذي رَوَيناه.
وبهذا قال الثوْرِي، وأصحابُ الرَّأي، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال مالك، والشافعي، ومَن تَبِعَهما مِن أهلِ الحِجازِ: الأذانُ المَسْنونُ أذانُ أبي مَخذُورَةَ.
وهو كَما وَصَفْنا في حديثِ عبدِ الله بنِ زيدِ، ويزيدُ فيه الترجِيعَ، وهو أن يَذْكُرَ الشهادَتين مَرتين مَرتَين، يَخْفِضُ بذلك صَوْته 1 ثم يُعيدُهما رافِعًا بهما صَوْتَه، إلَّا أن مالكًا قال: التكبِيرُ في أوّله مَرتان حَسْبُ.
فيَكُونُ الأذانُ عندَه سَبْعَ عَشْرَةَ كلمة، وعندَ الشافعي تسْعَ عَشرةَ كلمة.
واحتَجوا بما روَى أبو مَحذُورَةَ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لَقَّنَه الأذانَ، وألْقاه عليه، فقال له: «تقُولُ: أشْهدُ أن لَا إله إلَّا الله، أشْهدُ أن لَا إله إلَّا اللهُ، أشهد أن مُحَمدا رَسُولُ الله، أشهد أن مُحَمدا رَسُولُ الله.
تَخْفِضُ بِها صَوْتَكَ، ثُم ترفَعُ صوْتَكَ بِالشهادَةِ: أشْهدُ أن لَا إله إلَّا الله، أشْهدُ أن لَا إله إلا، الله، أشْهدُ أن مُحَمدا رَسُولُ اللْهِ، أشهد أن مُحَمدًا

..................................  رَسُولُ اللهِ».
ثم ذَكَر سائِرَ الأذانِ.
أخرجَه مسلمٌ 1. واحْتَج مالك، قال: كان الأذانُ الذي يُؤذنُ به أبو مَحذُورَةَ، الله أكبرُ الله أكبرُ، أشْهدُ أن لَا إله إلَّا الله.
رَواه مسلمٌ 2. ولَنا، ما ذَكَرنا مِن حديثِ عبدِ الله بن زيدٍ، وهو أوْلَى؛ لأن بِلال كان يؤذِّنُ به مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حَضرا وسَفَرًا، وأقَرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه بعدَ أذانِ أبي مَحذُورَةَ.
قال الأثْرَمُ: سمعت أبا عبدِ اللهِ يُسْأل: إلى أي الأذانِ تذْهب؟ قال: إلى أذانِ بِلالٍ.
قِيلَ له: ألَيسَ حديثُ أبي مَحذُورَةَ بعدَ حديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيد، لأن حديثَ أبي مَحذُورَةَ بعدَ فَتْحِ مَكةَ؟ فقال: أليس قد رَجَع النبي - صلى الله عليه وسلم -، إلى المدينةِ فأقَر بِلالا على أذانِ عبدِ الله بنِ زيدٍ؟ ويَحتَمِلُ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما

وَالْإقَامَةُ إحدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً.
فإن رَجَّعَ فِي الْأذَانِ أوثَنَّى الْإقَامَةَ فَلا بَأسَ.
أمَرَ أبا مَحذُورَةَ بذِكْرِ الشَّهادَتين سِرًّا؛ ليَحصُلَ له الإخْلاصُ بهما، فإنّه في الإسْرارِ أبَلَغُ، وخص أبا مَحذُورَةَ بذلك؛ لأنه لم يَكنْ مُقِرًّا بهما حِينَئِذٍ، فإن في (1) الخبَرِ أنْه كان مُسْتَهْزِئًا يَحكِي أذانَ مُؤذِّنِ رسولِ االله - صلى الله عليه وسلم - فسَمِعَ النبي - صلى الله عليه وسلم - صَوْته، فدَعاه، فأمَره بالأذانِ، قال: ولا شيء على أبغَضُ مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا مِمّا يأمُرني به.
فقَصَدَ النبي - صلى الله عليه وسلم - نُطْقَه بِالشهادَتَين سِرًّا ليُسْلِمَ بذلك، وهذا لا يُوجَدُ في غيرِه، ودَلِيلُ هذا الاحتِمال كَوْنُ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَأمر به بِلالا، ولا غيره ممن هو ثابِث الإسْلام.

265 -

مسألة: (والإقامَةُ إحدَى عَشرةَ كَلِمَةً، فإن رَجعَ في الأذانِ أو ثنَّى في الإقامَةِ، فلا بَأسَ)

وجملَةُ ذلك، أنَّ الإقامَةَ المُختارَةَ عندَ إمامِنا، رَحِمَه الله، إقامَةُ بلال التي ذَكَرنا في حديثِ عبدِ الله بن زَيدٍ،1

..................................  وهي: الله أكبرُ، الله أكبرُ، أشْهدُ أن لا إله إلَّا الله، أشهدُ أن مُحَمدا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ كل الصلاةِ، حتى كل الفَلاح، قد قامَتِ الصلاةُ، قد قامتِ الصلاةُ، الله أكبُر، الله أكبرُ، لا إله إلا الله.
وبهذا قال الأوْزاعِي، وأهلُ الشامِ، ويحيىَ بنُ يحيى، وأبو ثَوْر، وإسحاقُ، والشافعي وأصحابُه، وأهلُ مَكةَ.
وقال الثوْري، وأصحابُ الرأي 1: الإقامَةُ مِثْلُ الأذانِ ويزيدُ: قد قامَتِ الصلاةُ.
مَرتين.
لِما رُوِيَ في عبدِ اللهِ بن زيدٍ، قال: كان أذانُ رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - شَفْعًا شَفعا، في الأذانِ والإقامَةِ.
رَواه الترمِذِي 2. وعن أبي مَحذورَةَ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عَلَّمَه الأذانَ تِسْعَ عَشرةَ كَلِمَةً، والإقامَةَ سَبْعَ عَشرةَ كلمةً.
رَواه أبو داودَ، والترمِذِي 3، وقال: حديث حسن صحيح.
وقال مالكٌ: الإقامَةُ عَشر كَلِماتٍ، يقولُ: قد قامتِ الصلاةُ.
مَرَّةً واحِدَةً.
لقَوْلِ

..................................  أنس: أمَرَ بِلالًا أن يَشْفَعَ الأذانَ، ويُوتِرَ الإقامَةَ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولَنا، ما رُوِيَ عن عبدِ الله بنِ عُمَرَ، رَضِي اللهُ عنهما، أنَّه قال: إنَّما كان الأذانُ على عهدِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مَرتَين مَرتَين، والإقامَةُ مَرةً مَرَّةً، إلَّا أنَّه يقولُ: قد قامتِ الصلاةُ، قد قامتِ الصلاةُ.
رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِيُّ 2. وفي حديثِ عبدِ الله بنِ زَيدٍ، أنّه وَصَف الإقامَةَ كما ذَكَرنا.
والحديثُ الذي احتجوا به مِن حديثِ عبدِ الله بن زَيدٍ، رَواه عنه عبدُ الرحمنِ بنُ أبي ليلَى، وقد قال الترمِذِي: عبدُ الرحمنِ لم يَسمع مِن عبدِ الله بن زيدٍ.
وقال: الصَّحِيحُ مثل 3 ما رَوَينْا.
والذي احْتَجَّ به مالكٌ حُجَّةٌ لَنا؛ لنه ذَكره مُجْمَلًا، وقد فسَّرَه عبدُ اللهِ بنُ عُمَر في حدِيثِه وبَيَّنَه، فكان الأخْذُ به أوْلَى، وخَبَرُ أبي مَحْذُورةَ مَتْرُوك بالإجْماعِ، لأنَّ الشافعيَّ لا يَعمَلُ به في الإقامَةِ، وأبو حنيفةَ لا يَعْمَلُ به في الأذانِ، فكان الأخْذ

وَيَقُولُ فِي أذَانِ الصبحِ: الصلَاةُ خَيرٌ مِنَ النوْمِ.
مَرتَينِ.
بحديثِ عدِ الله بنِ زَيدٍ أوْلَى، ولأنَّا قد بَيَّنا تَرجِيحَه في الأذانِ، كذا في الإقامَةِ.
والاخْتِلافُ ههُنا في الأفْضَليةِ مع جَوازِ كل واحد مِن الأمرَين.
نَصَّ عليه الإمامُ أحمدُ.
وبه قال إسحاقُ، لكَوْنِ كلِّ واحدٍ مِن الأمرَين قد صَحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

266 -

مسألة: (ويقُولُ فِي أذانِ الصبحِ: الصلاة خَير مِن النوْمِ. مَرَّتَين)

وهذا مُسْتَحَب في صلاةِ الصبحِ، خاصَّةً بعدَ قَوْلِه: حيَّ كل الفَلاحِ.
ويُسَمَّى هذا التثويبَ.
وبه قال ابنُ عمَرَ، والحسنُ، ومالكٌ، والثَّوري، وإسحاقُ، والشافعي الصحيحِ عنه.
وقال أبو حنيفةَ: التثويبُ بينَ الأذانِ والإقامة في الفَجْرِ، أن يقُولَ: حَيَّ على الصلاةِ.
مَرَّتَين، و: حَيَّ على الفَلاحَ.. مَرَّتَين.
ولَنا، ما روَى النَّسائِيُّ، وأبو داودَ، عن أبِي مَحْذورَةَ: فإن كان صلاةُ الصُّبحَ، قلتَ: الصلاةُ خَير مِن النَّوْمِ، الصلاةُ خَير مِن النوْمِ، الله أكبرُ الله أكبرُ، لا إله إلا الله 1. وما ذَكَرُوه، قال إسحاقُ: هذا شيءٌ أحدَثَه النّاسُ.
وقال الترمِذِيُّ: هذا 2 التثويبُ الذي كَرِهه أهلُ العلمِ 3. ويُكْرهُ التثويبُ في

..................................  غيرِ الفَجْرِ، سواءٌ ثَوَّبَ في الأذانِ أو بعدَه، لِما رُوِيَ بن بِلالٍ، قال: أمَرَنِي رسولُ اللهِ أنْ أن أثوِّبَ في الفجرِ، ونَهانِي أن أثوِّبَ في العِشاءِ.
رَواه الإمام أحمدُ، وابنُ ماجَه 1. ودَخَل ابنُ عُمَرَ مسجدًا يُصَلي فيه، فسَمِعَ رجلًا يُثَوِّبُ في أذانِ الظُّهْرِ، فخَرَجَ، فقِيلَ له: إلى أين؟ فقال: أخْرَجَتْنِي البِدعَةُ 2. ولأن صلاةَ الفَجْرِ وَقْت يَنامُ فيه عامةُ النّاسِ، فاخْتَص بالتثويبِ لاخْتِصاصِه بالحاجَةِ إليه.
فصل: ولا يجُوزُ الخُرُوجُ مِن السجدِ بعدَ الأذانِ إلَّا لعُذر.
قال الترمِذِيُّ 3: وعلى هذا العَمَلُ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ومَن بَعدَهم، أن لا يَخْرُجَ أحَدٌ مِن المسجدِ بعدَ الأذانِ إلا مِن عُذْرٍ.
قال أبو الشعثَاءِ 4: كُنّا قُعُودًا مع أبي هُرَيْرَةَ في المسجِدِ، فأذنَ المُؤذِّنُ، فقام

وَيُسْتَحَبُّ أنْ يَتَرَسَّلَ فِي الأذَانِ، وَيحدُرَ الإقَامَةَ،  رجلٌ مِن المسجدِ يَمشِي، فأتْبَعَه أبو هُرَيرَةَ بَصَره حتى خَرَج مِن المسجدِ فقال أبو هُرَيرَةَ: أما هذا فقد عَصَى أبا القاسِمِ - صلى الله عليه وسلم -. رَواه مسلمٌ، وأبو داودَ، والترمِذِي (1)، وقال: حديث حسن صحيح.
وعن عثمانَ بنِ عفانَ، رَضِي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أدرَكَهُ الإذَانُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرجَ، لَمْ يَخْرُجْ لِحاجَةٍ وَهُوَ لا يُرِيدُ الرَّجْعَةَ، فَهُوَ مُنَافق».
رَواه ابنُ ماجه (2). فأما إن خَرَج لعُذْرٍ، كفِعلِ ابنِ عُمَرَ حين سَمِع التثويبَ فجائِزٌ، وكذلك مَن نَوَى الرَّجْعَةَ؛ لحديثِ عثمانَ.
والله أعلمُ.

267 -

مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَتَرَسَلَ في الأذانِ، ويحدُرَ الإقامَةَ)

التَّرسُّلُ: التَّمَهُّلُ والتَّأنِّي.
مِن قَوْلِهم: جاء فُلانٌ على رِسْلِه.
والحَدرُ: ضِدُّ ذلك، وهو الإسراعُ.
وهو بن آدابِ الأذانِ ومُسْتَحباتِه.
وهذا12

..................................  مَذْهبُ ابنِ عُمَرَ، وبه قال الثوْريُّ والشافعي، وإسحاقُ، وأبو ثَور، وأبو حنيفةَ، وصاحِباه، وابنُ المُنْذِرِ.
ولا نعلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ لقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - لبِلالٍ: «إذَا أذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وإذَا أقمتَ فَاحْدُر».
رَواه الترمِذيُّ 1، وقال: إسْناده مَجْهُول.
وروَى أبو عُبَيدٍ، بإسْنادِه، عن عُمَرَ، رَضِي الله عنه، أنَّه قال للْمُؤدنِ: إذَا أذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وإذا أقَمتَ فاحْذِم 2. وأصلُ الحَذْمِ 3 في المَشْي: الإسْراعُ.
ولأنّه يَحصُلُ به الفَرق بينَ الأذانِ والإقامَةِ، فاسْتُحِبَّ، كالإفْرادِ، ولأن الأذانَ إعلامُ الغائِبِين، فالتَّثبُّتُ فيه أبلَغُ في الإعلام، والإقامَة إعلام الحاضِرِين، فلا حاجَة إليه فيها.
وذَكَر أبو عبد الله بن بَطَّةَ، أنَّه في الأذانِ والإقامَةِ لا يَصِلُ الكلامَ بعضَه ببعض مُعرِبًا، بل جَزْمًا.
وحَكاهُ ابنُ الأنْبارِي 4 عن أهلِ

وَيُؤذِّنَ قَائِمًا مُتَطَهِّرًا عَلَى مَوْضِع عَالٍ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ،  اللُّغَةِ، ورُوي عن إبراهيمَ النَّخَعِي، أنَّه قال: شيئان مَجْزُومان كانوا لا يُعرِبونَهما؛ الأذان والإقامَة.
وهذا إشارَة إلى جَميعِهم.

268 -

مسألة: (ويُؤذنَ قائِمًا مُتَطَهِّرًا على مَوْضع عالٍ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَة)

قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كل مَن نَحفط عنه مِن أهلِ العلمِ، على أن مِن السُّنةِ أن يُؤذن المُوذن قائِمًا.
ورُوِي في حديثِ أبي قَتادَةَ، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبلالٍ: «قم فَأذِّنْ» 1. وكان مؤذنُو رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يُؤذنُونَ قياما.
فإن أذَّن قاعِدًا لعُذْرٍ فلا بَأسَ.
قال الحسن العَبْدي 2: رأيت أبا زيدٍ صاحِبَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يُؤذنُ قاعِدًا، وكانت رِجْلُه أصِيبَتْ في سَبِيلِ الله.
رَواه الأثْرَمُ 3. وإن فَعَلَه لغيرِ عُذْرٍ، فقد كرِهه أهلُ العلمِ، ويَصِحُّ؛ لأنه ليس آكدَ مِن الخُطْبَةِ، وتَصِحُّ مِن القاعِدِ.

..................................  فصل: ويَجُوزُ الأذانُ على الراحِلَةِ، قال الأثْرَمُ: سَمعت أبا عبدِ الله يسأل عن الأذانِ على الرّاحِلَةِ، فسَهلَ فيه.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَت أن ابنَ عُمَرَ كان يُؤذِّن على البَعِيرِ، ويَنْزِل فيُقِيم 1. ولأنَّه إذا جاز التَّنَفُّل على الرّاحِلَةِ، فالأذانُ أوْلَى.
[وبه قال] 2 سالِمُ بنُ عبدِ الله، وربْعِيُّ بنُ حِراش 3، ومالك، والأوْزاعِي، والثوْري، وأصحابُ الرأي، إلَّا أن مالكًا قال: لا يُقيمُ وهو راكبٌ.

..................................  فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُؤذِّنَ مُتَطَهِّرًا مِن الحَدَثَين الأصغَرِ والأكْبَرِ؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يُؤذنُ إلا متَوَضِّئٌ».
رَواه التِّرمِذِيُّ 1. ورُوي موقُوفا على أبي هُرَيرَةَ، والمَوقوف أصَحُّ.
فإن أذَّن مُحدِثا جاز 2؛ لأنَّه لا يَزِيدُ على قِراءَةِ القُرآنِ، والطهارةُ لا تُشْتَرَطُ لها.
وهو قَوْل الشافعيِّ، والثوْري، وأبي حنيفةَ.
ويُكرهُ له ذلك، رُويَتْ كَراهتُه عن عَطاء، ومُجاهِدٍ، والْأوزاعِي، والشافعي، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
ورَخَّصَ فيه النخَعِيُّ، والحسنُ البصرِيُّ، وقَتادَةُ، وحَمّادٌ.
وقال مالك: يُؤذِّنُ على غيرِ وُضوءٍ، ولا يُقِيمُ إلَّا على وُضوءٍ.

..................................  فصل: فإن أذَّنَ جُنُبًا، ففيه رِوايَتان؛ إحداهما، لا يُعتَدُّ به.
اخْتارَه الخِرَقي، وهو قولُ إسحاقَ؛ لِما ذَكَرنا مِن الحديثِ، ولأنه ذِكْر مشروعٌ للصلاةِ، أشبه القِراءَةَ والخُطبةَ.
والثانيةُ، يُعتَدُّ به.
قال الآمِديُّ: وهو المَنْصُوصُ عن أحمدَ.
وهو قولُ أكْثرِ أهلِ العلمِ، لأنه أحدُ الحَدَثَين، فلم يمنع صحَّتَه كالآَخَرِ.
ويُسْتَحَبُّ أن يُؤذِّنَ على مَوْضِعٍ عالٍ؛ لأنه أبلَغ في الإعلام، ورُوِيَ عن امرأة مِن بني النجّارِ، قالت: كان بيتِي مِن أطْوَلِ بَيتٍ 1 حَوْلَ المسجِدِ، وكان بِلال يُؤذنُ عليه الفَجْرَ، فيَأتِي بسَحَر، فيَجْلِسُ على البَيتِ يَنْظر إلى الفجرِ فإذا رَآه تَمَطَّى، ثم قال: اللهُمَّ إني أستعِينُكَ وأسْتعديكَ على قُرَيشٍ، أن يقِيمُوا دِينَك.
قالت: ثُم يُؤذنُ.
رَواه أبو داودَ 2. ويُؤذنُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، ولا نَعلَمُ خِلافًا في استِحبابِه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أن مِن السُّنةِ أن يَستقْبِلَ القِبْلَةَ بالأذانِ؛ وذلك لأنَّ مُؤذنِي النبي - صلى الله عليه وسلم - كانُوا يُؤذِّنُون مُسْتَقْبِلي القِبْلَةِ، فإن أخَلَّ باسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، كُره له ذلك، وصَحَّ.

فَإذَا بَلَغَ الْحَيعَلَةَ الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلم يَسْتَدِرْ،  وإن مشَى في أذانِه، لم يَبْطُلْ به (1)؛ لأنَّ الخُطبةَ لا تَبْطُلُ به، وهي آكَدُ منه، ولأنه لا يُخِلُّ بالإعلامِ المَقْصُودِ مِن الأذانِ.
وسُئِل أحمدُ عن الرجلِ، يُؤذِّنُ وهو يَمشِي؟ قال: نعم، أمرُ الأذانِ عِنْدِي سَهْل.
وسُئِل عن المؤذنِ يَمشِي وهو يقيمُ؟ فقال: يُعجِبُنِي أن يَفْرُغَ ثم يمشِي.
وقال في رِوايِة حَرب، في المُسافِرِ: أحَب إليَّ أن يُؤذِّنَ ووَجْهُه إلى القِبْلَةِ، وأرجُو أن يُجْزيء.

269 -

مسألة: (فإذا بَلَغ الحيعَلَةَ الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمالًا، ولم يَستَدِرْ)

الحَيعَلَةُ قَولُه: حَيَّ على الصلاةِ، حي على الفَلاحِ.
ويُسْتحَبُّ للمُؤذنِ أن يَلْتَفِتَ يَمِينًا إذا قال: حَيَّ على الصلاةِ.
ويَسارًا إذا قال: حَى1

..................................  على الفلاحِ.
ولا يزِيلُ قدَمَيه.
وهذا ظاهِرُ كلام الخِرَقي.
وهو قولُ النخعِي، والثوْرِي، والأوْزاعِي، وأبي حنيفةَ وصَاحِبَيه، والشافعي؛ لِما روَى أبو جُحَيفَةَ، قال: رَأيتُ بِلالًا يُؤذِّنُ، فجَعَلْتُ أتتَبَّعُ فاه ههُنا وههُنا، يَقُولُ يَمِينًا وشِمالًا، يقولُ: حَي على الصلاةِ، حَي على الفَلاحِ.
مُتفَق عليه 1. وفي لفظٍ قال: أتيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وهو في قُبَّةٍ حَمراءَ مِن أدَم، فخرَجَ بلالٌ فأذَّنَ، فلَمّا بَلَغ؛ حَيَّ على الصلاةِ حَيَّ على الفَلاحِ، لَوَّى عُنُقَه يَمِينًا وشِمالًا، ولم يَستدِر.
رَواه أبو داودَ 2. وذَكَر أصحابُنا، عن أحمدَ في مَن أذَّنَ في المَنارَةِ روايَتَين، إحداهما، لا يَدُورُ؛ للخَبَرِ، وكما لو كان على وَجْهِ الأرض.
والثانية، يَدُورُ، لأنَّه لا يَحصُلُ بدونِه، وتحصِيل 3 المَقْصُودِ مع الإخْلالِ بالأدَبِ أوْلَى مِن العَكْس.
وهذا قول إسحاقَ.

..................................  فصل: ويُسْتَحَب رَفْعُ الصوْتِ بالأذان لأنه أبلَغُ في الإعلام، وأعظَمُ للأجْرِ؛ لِما ذَكَرنا في خَبَرِ أبي سعيدٍ 1، ولا يُجْهِدُ نَفْسَه زِيادَةً على طاقَتِه؛ كيلا يُضِرَّ بنَفْسِه، ويَنْقَطِعَ صَوْتُه.
قال القاضي: ويَرفَعُ نَظَرَه إلى السَّماءِ؛ لأن فيه حَقِيقَةَ التوْحِيدِ، ومتى أذّن لعامَّةِ النّاس جَهر بجَمِيع الأذانِ، ولا يَجْهرُ بالبَعضِ ويُخافِتُ بالبَعض؛ لأَنه يُخِلُّ بمَقْصُودِ الأذانِ، وإن أذَّن لنَفْسِه، أو لجَماعَةٍ خاصةٍ حاضِرِينَ، فلَه أن يُخافِتَ ويَجْهرَ، وأن يَجْهرَ بالبعض ويُخافِتَ بالبعض، إلَّا أن يكونَ في غيرِ وَقتِ الأذانِ، فلا يَجْهرُ بشيءٍ مِنه؛ لئلا يَغُرَّ الناس.

وَيَجْعَلَ إصبَعَيهِ في أُذُنَيهِ،

270 - مسألة: (ويَجعَلَ إصبَعَيه في أُذُنَيْه)

وذلك مُسْتَحب، وهو المَشْهُورُ عن أحمدَ، وعليه العَمَلُ عندَ أهلِ العلمِ.
كذلك قال الترمِذِي؛ لِما روَى أبو جُحَيفَةَ، أن بِلالًا وَضَع إصبَعَيه في أذُنيه.
رَواه الإمامُ أحمدُ، والترمِذي 1، وقال: حديث حسن صحيح.
وعن سعدٍ القَرَظِ 2، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بِلالا أن يَجْعَلَ إصبَعَيه في أذُنَيه، وقال: «إنهُ أرفَعُ لِصَوْتِكَ».
رَواه ابنُ ماجَه 3. وقال الخِرَقي: يَجْعَل أصابعَه 4 مَضْمُومَةً على أذُنَيه.
رَواه أبو طالب عن أحمدَ، أنه قال: أحَبُّ إلى أن يَجْعَلَ يَدَيه على أذنيه، على حديثِ أبي مَحذُورَةَ.
واحتَج لذلك

..................................  القاضي بما روَى أبو حَفْصٍ، بإسْنادِه عن ابنِ عُمَرَ، رَضِي الله عنهما، أنّه كان إذا بَعَث مُؤذنًا يقُولُ له: اضْمُم أصابِعَك مع كَفَّيك، واجْعَلْها مَضْمُومَةً على أذُنيك.
وبما روَى الإمامُ أحمدُ، عن أبي مَحذُورَةَ، أنَّه كان يَضُمُّ أصابِعَه.
والأولُ أصَحُّ؛ لصِحَّةِ الحديثِ وشُهْرَتِه، وعَمَلِ أهلِ العلمِ به، وأيَّهما فَعَل فحَسَنٌ، وإن تَرَك الكل فلا بأسَ.

وَيتَوَلَّاهُمَا مَعًا،

271

  • مسألة: (و يَتَوَلَّاهما معًا) يُسْتَحبُّ أن يَتَوَلَّى الإقامَةَ مَن يَتَوَلَّى الأذانَ.
    وهو قولُ الشافعي.
    وقال أبو حنيفةَ، ومالك: لا فَرقَ بينَه وبينَ غيرِه؛ لِما روَى أبو داودَ 1، في حديثِ عبدِ الله بنِ زَيدٍ، حينَ رَأى الأذانَ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألْقِهِ عَلَى بلَالٍ؛ فَإنهُ أنْدَى صَوتا مِنْكَ» فَألْقاهُ عليه، فأذَّنَ بِلال، فقال عبدُ الله: أنا رَأيتُه، وأنا كُنْتُ أرِيدُه.
    قال ماله: «أقم أنْتَ».
    ولأنه يَحصُلُ المَقْصُودُ منه، أشْبَه ما لو تَوَلاهُما معًا.
    ولَنا، قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ زِيادِ بنِ الحارِثِ الصُّدائِي: «إن أخَا صُدَاءَ 2 أذَّنَ، وَمَنْ أذَّنَ فَهُوَ يقيمُ» 3. ولأَنهما ذِكْران يتَقَدَّمان الصلاةَ، فيُسَنُّ أن يتَوَلاهما واحِدٌ، كالخُطبتَين، وما ذكَرُوه يَدُل على الجَوازِ، وهذا على الاسْتحبابِ.
    فصل: فإن سُبِق المؤذنُ بالأذانِ، فأراد المؤذِّن أن يُقِيمَ، فقال أحمدُ: لو أعادَ الأذانَ كما صَنَع أبو مَحذُورَةَ.
    فرَوَى عبدُ العزيزِ بنُ

وَيقيمَ فِي مَوْضِعِ أذَانِهِ، إلَّا أنْ يَشُقَّ عَلَيهِ.
رُفَيعٍ (1)، قال: رأيتُ رجلًا أذَّنَ قبلَ أبي مَحذُورَةَ، قال: فجاء أبو مَحذُورَةَ، فأذنَ، ثم أقامَ.
أخْرَجَه الأثْرَمُ.
فإن أقام بغيرِ إعادَةٍ، فلا بَأسَ.
وبه قال مالكٌ، والشافعي، وأصحابُ الرَّأي، لِما ذَكَرنا مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ.

272 -

مسألة: (و)

يُستحَب للمُؤذنِ أن (يقيمَ في مَوْضِع أذانِه، إلَا أن يَشُقَّ عليه) يَعنِي يقيمُ الصلاةَ في المَوْضِع الذي يُؤذن فيه.
كذلك رُوِيَ عن أحمدَ، قال: أحَب إلى أن يقِيمَ في مَكانِه، ولم يَبْلُغْنِي فيه شيءٌ إلَا حديثُ بِلال: «لَا تَسْبِقْنِي بآمِينَ» 2،. يَعنِي لو كان يُقِيمُ في المسجدِ، لَما خاف أن يَسْبِقَه بالتَّأمِينِ؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان يُكَبِّر بعدَ فَراغِ بِلالٍ مِن الإقامَةِ، ولأن الإقامَةَ شُرِعَتْ للإعلامِ، بدَلِيلِ قولِ ابنِ عُمرَ: كُنّا إذا سمعنا الإقامَةَ تَوَضَّأنا ثم خَرَجْنا إلى الصلاةِ 3. فيَنْبَغِي أن تكُونَ في مَوْضع الأذانِ؛ لكَوْنِه أْبلَغ في الإعلامِ، فأمّا إن شق عليه1

وَلَا يَصِحُّ الأذَانُ إلَّا مُرَتبًا مُتَوَالِيًا، فَإنْ نَكَّسَهُ أوْ فَرَّقَ بَيْنَهُ بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ، أوْ كَلَامٍ كَثِيرٍ، أوْ محَرَّم، لَمْ يُعتَدَّ بِهِ.
ذلك، بحيث يُؤذنُ (1) في المنارَةِ أو [في مكانٍ] (2) بَعِيدٍ مِن المسجدِ، فيُقِيمُ في غيرِ مَوْضِعِه؛ لئلا يَفُوتهَ بعضُ الصلاةِ.
فصل: ولا يُقِيمُ إلّا بإذْنِ الإِمامِ، فإنَّ بلالًا كان يَسْتَأذِنُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وفى حديثِ زيادِ بنِ الحارثِ الصُّدائِيِّ، أنَّه قال: فجَعلْتُ أقولُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أقِيمُ أقِيمُ (3)؟ وروَى أبو حَفْص، بإسنادِه، عن عليٍّ، قال: المُؤذَّنُ أملَكُ بالأذانِ، والإمامُ أملَكُ بالإقامَةِ.
ورَواه البَيهقِيُّ (4)، قال: وقد رُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ مَرفُوعًا، وليس بمَحفوظٍ.

273 -

مسألة: (ولا يَصِحُّ الأذانُ إلّا مُرَتبًا مُوالِيًا، فإن نَكَّسَه، أو فَرَّق بينَه بسُكُوت طَوِيل، أو كلام كَثِير، أو مُحَرم، لم يُعتَدَّ به)

وجُملَةُ ذلك، أن مِن شَرطِ صِحَّةِ الأذانِ أن يكُونَ مُرَتبًا تُوالِيًا؛ لأنَّه لا يُعلَمُ أنه أذان بدُونِهما، ولأنَّه شُرِع في الأصلِ كذلك، وعَلَمَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أبا مَحْذُورَةَ مُرَتبًا، فإن نكَّسَه، لم يَصِحَّ؛ لِما ذَكَرنا.1234

..................................  فصل: ولا يُسْتَحَبُّ أن يَتَكَلَّمَ في أَثْناءِ الأذانِ، وكَرِهه طائِفَة مِن أهلِ العلمِ؛ منهم النَّخَعيُّ، وابنُ سِيرِينَ.
قال الأوْزاعِيُّ: لم نَعلَم أحدًا يُقْتَدَى به فَعَل ذلك.
ورَخَّصَ فيه الحسنُ، وعَطاء، وعُروَةُ، وسُلَيْمانُ بنُ صُرَدٍ 1. فإن لم يَطُلِ الكلامُ جاز، وإن طال الكلامُ بَطل الأذانُ؛ لإِخْلالِه بالمُوالاةِ المُشْتَرَطَةِ فيه.
وكذلك لو سَكَت سُكُوتًا طَوِيلًا، أو تام نَوْمًا طويلًا، أو أغْمِىَ عليه طويلًا 2، أو أصابَه جُنُون يَقْطَعُ المُوالاةَ، بَطل أذانُه؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن كان يَسِيرا مُحَرَّمًا [كالسَّبِّ ونَحوِه] 3، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَبْطُلُ؛ لأنَّه لا يُخِلُّ بالمَقْصُودِ، أشْبَة المُباحَ.
والثاني، يَبْطُلُ الأذانُ؛ لأنَّه فَعَل فيه 4 مُحَرمًا، أشبهَ الرِّدَّةَ.
فإن ارتدَّ في أثْناءِ الأذانِ، بَطُلُ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ 5. وإن ارتَدَّ بعدَه، فقال القاضى: يَبْطُلُ، قِياسًا على الطهارة.
قال شَيْخنا 6: والصحيحُ أنه لا يَبْطُلُ، لأنَّها

..................................  وُجِدَتْ بعدَ فَراغِه، وانْقِضاءِ حُكْمِه، فأشْبَهَ سائِرَ العِباداتِ.
فأمَّا الطهارةُ فحُكْمُها باقٍ؛ بدَلِيلِ أنها تَبْطُلُ بمُبْطِلاِتِها، فأمَّا الإقامَةُ فلا يَنْبَغِى أن يَتَكَلَّمَ فيها؛ لأنه يُستحَبُّ حَدرُها.
قال أبو داودَ: قلتُ لأحمدَ: الرجل يَتَكَلَّمُ في أذانِه؟ قال: نعم.
فقِيلَ له: يَتَكلمُ في الإقامَةِ؟ قال: لا.
وقد رُوِىَ عن الزُّهْرِي، أنه إذا تَكلَّم في الإقامَةِ أعادَها.
وأكثرُ أهلِ العلمَ على أنه

..................................  يُجزِئُه قِياساً على الأذانِ.
وليس للرجلِ أنْ يَبْنىَ علىْ أذانِ غيرِهْ؛ لأنَّها عِبادَةْ بَدَنِيَّة، فلا تَصِحُّ مِن شَخْصَيْن، كالصلاةِ.
فأمّا الكلامُ بينَ الأذانِ والإقامَةِ فجائِز، وكذلك بعدَ الإقامَةِ قبلَ الدُّخُولِ في الصلاةِ؛ لأنَّه روِى عُمر، أنَّه كان يُكَلِّم الرَّجُلَ بعدَ ما تُقامُ 1 الصلاةُ.
والله أعلمُ.

ولَا يَجُوزُ إلَّا بَعدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، إلَّا الْفَجْرَ، فَإنَّهُ يُؤذنُ لَها بعدَ نِصفِ اللَّيْلِ.

274 - مسألة: (ولا يَصِحُّ إلّا بعدَ دُخُولِ الوَقْتِ، إلاَّ الفَجْرَ، فإنه يُؤذنُ لها بعدَ نِصفِ الليْلِ)

أما الأذانُ لغيرِ الفَجْرِ قبلَ الوَقْتِ، فلا يُجْزِىُّ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَع أهلُ العلم على أن مِن السنةِ أن يُؤذن للصلَواتِ بعدَ دُخولِ وَقْتِها، إلَّا الفَجْرَ.
ولأنَ الأذانَ شُرِعَ للإعلامِ بالوَقْتِ، فلا يُشْرَعُ قبلَ الوقتِ؛ لعَدَمِ حُصُولِ المَقْصُودِ.

..................................  فصل: وأمّا الفَجْرُ، فيشْرَعُ لها الأذان قبلَ الوَقْتِ.
وهو قولُ مالكٍ، والأوْزاعِى، والشافعىَّ، وإسحاقَ.
وقال الثَّوْرِى، وأبو حنيفةَ، ومحمد: لا يَجُوزُ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أن بِلالًا أذَّن قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فأمَره النبيُّ أن يَرجِعَ فيُنادِىَ: «ألَا إنَّ العَبْدَ نَامَ».
فرَجعَ فنادَى: ألا إن العَبْدَ نامَ.
وعن بِلالٍ أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال له: «لَا تُؤْذِّن حَتَّى يَسْتَبِين لَكَ الْفَجْرُ هكَذَا».
ومَدَّ يَدَيْه عَرضًا.
رَواهُما أبو داود 1. وقال طائِفَة مِن أهلِ الحديثِ: إذا كان له مُؤذِّنان، يُؤذنُ أحَدُهُما قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ والآخَرُ بعدَه، فلا بَأسَ وإلَّا فلا؛ لأنّ الأذانَ قبلَ طُلُوعِ 2 الفَجْرِ يُفَوِّتُ المَقْصُودَ مِن الإعلامِ بالوَقْتِ، فلم يَجُزْ، كبَقِيةِ الصَّلَواتِ، فأمّا إذا كان له مُؤذِّنان يَحصُلُ إعلامُ الوقتِ بأحَدِهما كما كان للنبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، جاز.
ولَنا، قَوْلُ النبى - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ بِلَالًا يُؤذنُ بِلَيْلٍ، فَكلُوا وَاشربُوا حَتَّى

جارٍ التحميل