فَفِى النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ،
عُمَرُ، وعلىٌّ، وعثمانُ، وزَيْدٌ، وابنُ عباسٍ، ومُعاوِيَةُ: في النَّعامَةِ بَدَنَةٌ.
وحَكَم عُمَرُ وعلىٌّ في الظَّبْىِ بِشاةٍ.
وحَكَم عُمَرُ في حِمارِ الوَحْشِ ببَقَرَةٍ.
حَكَمُوا بذلك في الأزْمِنَةِ المُخْتَلِفَةِ، والبُلْدانِ المُتَفَرِّقَةِ، فدَلَّ على أنَّ ذلك ليس على وَجْهِ القِيمَةِ؛ لأنَّه لو كان على وَجْهِ القِيمَةِ لاعتَبَرُوا صِفَةَ المُتْلَفِ التى تَخْتَلِفُ بها 1 القِيمَةُ، إمّا برُؤْيَةٍ أو إخْبارٍ، ولم يُنْقَلْ عنهم السُّؤالُ عن ذلك حالَ الحُكْمِ، ولأنَّهم حَكَمُوا في الحَمامِ بشاةٍ، والحَمَامَةُ لا تَبْلُغُ قِيمَةَ الشّاةِ غالِبًا.
إذا ثَبَت هذا، فليس المُرادُ حَقِيقَةَ المُماثَلَةِ، فإنَّها لا تَتَحَقَّقُ بينَ الأنْعامِ والصَّيْدِ، لكنْ أُرِيدَ المُماثَلَةُ مِن حيثُ الصُّورَةُ.
والمِثْلِىُّ مِن الصَّيْدِ قِسمان؛ أحَدُهما، قَضَتْ فيه الصَّحابَةُ، فيَجِبُ قيه ما قَضَتْ.
وبه قال عَطاءٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ.
وقال مالكٍ: يُسْتَأنَفُ الحُكْمُ فيه؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿يحكُمُ بِهِ ذَوَا عَدلٍ منكُم﴾.
ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أصْحَابِى
وَفِى حِمَارِ الْوَحْشِ، وبَقَرَتِهِ، وَالأَيِّلِ، وَالثَّيْتَلِ، وَالْوَعْلِ بَقَرَةٌ،
كالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» 1. وقال: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنَ مِنْ بَعْدِى، أبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ» 2. ولأنَّهم أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، وأبْصَرُ بالعِلْمِ، فكانَ حُكْمُهم حُجَّةً على غيرِهم، كالعالِمِ مع العامِّىِّ، فالذى بَلَغَنا قَضاؤهم فيه النَّعامَةُ.
حَكَم فيها عُمَرُ، وعلىٌّ، وعثمانُ، وزَيْدٌ، وابنُ عباسٍ، ومُعاوِيَةُ، رَضِىَ الله عنهم، بِبَدَنَةٍ.
وبه قال عَطاءٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأكْثَرُ العُلَماءِ.
وحُكِىَ عن النَّخَعِىِّ، أنَّ فيها قِيمَتَها.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وخالَفَه في ذلك صاحِباه.
واتِّباعُ النَّصِّ والآثارِ أوْلَى.
ولأنَّ النَّعامَةَ تُشْبِهُ البَعِيرَ في خَلْقِه، فكانَ مِثْلًا لها، فيَدخُلُ في عُمُومِ النَّصِّ.
وفى حِمارِ الوَحشِ بَقَرَةٌ.
رُوِىَ ذلك عن عُمَرَ.
وبه قال عُروَةُ، ومُجاهِدٌ، والشافعىُّ.
وعن أحمدَ، فيه بَدَنَةٌ.
رُوِىَ ذلك عن أبِى عُبَيْدَةَ، وابنِ عباس.
وبه قال عَطاء، والنَّخَعِىُّ.
وفى بَقَرَةِ الوَحْشِ بَقَرَةٌ.
رُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وعَطاءٍ، وعُروةَ، وقَتَادَةَ، والشافعىِّ.
والأيِّلُ 3 فيه
وَفِى الضَّبُعِ كَبْشٌ،
بَقَرَةٌ، قاله ابنُ عباسٍ.
قال أصْحابُنا: في الثَّيْتَلِ 1 والوَعْلِ بقَرَةٌ كالأيِّلِ.
والأرْوَى 2 فيها بَقَرَةٌ.
قاله ابنُ عُمَرَ.
وقال القاضى: فيها عَضْبٌ؛ وهو مِن أوْلادِ البَقَرِ ما بَلَغ أن يُقْبَضَ 3 على قَرْنِه، ولم يَبْلُغْ أن يَكُونَ ثَوْرًا.
وفى الضَّبُعِ كَبْشٌ لِما روَى أبو داودَ 4 عن جابِرٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَل في الضَّبُعِ يَصِيدُها المُحْرِمُ كَبْشًا.
قال أحمدُ: حَكَم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الضَّبُعِ بكَبْشٍ، وقَضى به عُمَرُ، وابنُ عباسٍ.
وبه
وَفِى الْغَزَالِ وَالثَّعْلَبِ عَنْزٌ،
قال عَطاءٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال الأوْزاعِىُّ: كان العُلَماءُ بالشّام يَعُدُّونها مِن السِّباعِ، ويَكْرَهُون أكْلَها.
وهو القِياسُ، إلَّا أنَّ اتِّباعَ السُّنَّةِ والآثارِ أوْلَى.
وفى الغَزالِ شاةٌ.
ثَبَت ذلك عن عُمَرَ.
ورُوِىَ عن علىٍّ.
وبه قال عَطاءٌ، وعُرْوَةُ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
ولا يُحْفَظُ عن غيرِهم خِلافُهم.
وقد روَى جابِرٌ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «فِى الظَّبْىِ شَاةٌ، وَفِى الأرْنَبِ عَنَاقٌ 1، وَفِى الْيَرْبُوعِ 2 جَفْرَةٌ».
قال ابنُ الزُّبَيْرِ: والجَفْرَةُ التى قد فُطِمَتْ ورَعَتْ.
رَواه الدَّارَقُطْنِىُّ 3. وفى الثَّعْلَبِ شاةٌ أيْضًا؛ لأنَّه يُشْبِهُ الغَزالَ.
وممَّن قال: فيه الجَزاءُ؛ قَتادَةُ،
..................................
وطاوُسٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ.
وعن أحمدَ، لا شَئَ فيه؛ لأنَّه سَبُعٌ.
وَفِى الْوَبْرِ وَالضَّبِّ جَدْىٌ،
وأمّا الوَبْرُ 1، فقالَ القاضى: فيه جَفْرَةٌ؛ لأنَّه ليس بأكْبَرَ منها.
وهو قولُ الشافعىِّ.
وقيلَ: فيه شاةٌ.
رُوِىَ ذلك عن مُجاهِدٍ، وعَطاءٍ.
وفى الضَّبِّ جَدْىٌ.
قَضَى به عُمَرُ، وأرْبَدُ 2. وبه قال الشافعىُّ.
وعن أحمدَ، فيه شاةٌ، لأنَّ جابِرَ بنَ عبدِ اللهِ، وعَطاءً، قال فيه ذلك.
وقال مُجاهِدٌ: حَفْنَةٌ مِن طَعام.
[وقال قَتادَةُ: صاعٌ.
وقال مالكٌ: قِيمَتُه مِن الطَّعامِ] 3. والأُولَى أوْلَى؛ لأنَّ قَضاءَ عُمَرَ أوْلَى مِن قَضاءِ غيرِه.
وَفِى الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ لَها أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ،
والجَدْىُ أقرَبُ إليه مِن الشّاةِ.
(وفى اليَرْبُوعِ جَفْرَةٌ) لِما ذَكرْنا مِن حديثِ جابِرٍ.
ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وابنِ مَسْعُودٍ.
وبه قال عَطاءٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال النَّخَعِىُّ: فيه 1 ثَمَنُه.
وقال مالكٌ: قِيمَتُه مِن الطَّعام.
وقال عَمْرُو بنُ دِينارٍ: ما سَمِعْنا أنَّ الضَّبَّ واليَرْبُوعَ يُودَيان.
واتِّباعُ الآثارِ أوْلَى.
والجَفْرَةُ يَكُونُ لها أرْبَعَةُ أشْهُرٍ مِن المَعْزِ.
وقال
وَفِى الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ، وَفِى الْحَمَامِ؛ وَهُوَ كُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ، شَاةٌ، وَقَالَ الْكِسَائِىُّ: كُلُّ مُطَوَّقٍ حَمَامٌ.
أبو الزُّبَيْرِ: هى التى فُطِمَت ورَعَتْ.
وقِيلَ: هى الطِّفْلَةُ التى يَرُوحُ بها الرّاعِى على يَدَيْه.
(وفى الأرْنَبِ عَنَاقٌ) لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ جابِرٍ، وقَضَى به عُمَرُ أيضًا.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال ابنُ عباس: فيه حَمَلٌ.
وقال عَطاءٌ: فيه شاةٌ.
وقَضاءُ عُمَرَ أوْلَى.
والعَناقُ، الأُنْثَى مِن أوْلادِ المَعْزِ، أصْغَرُ مِن الجَفْرَةِ.
والذَّكَرُ جَدْىٌ.
(وفى الحَمامِ؛ وهو كلُّ ما عبَّ وهَدَر، شاةٌ) حَكَم به عُمَرُ، وعثمانُ، وابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ، ونافِعُ بنُ عبدِ الحارِثِ 1،
..................................
في حَمامِ الحَرَمِ.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وعُرْوَةُ، وقَتادَةُ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: فيه قِيمَتُه.
إلَّا أنَّ مالكًا وافَقَ في حَمامِ الحَرَمِ دُونَ الإحْرامِ؛ لأنَّ القِياسَ يَقْتَضِى القِيمَةَ في كلِّ الطَّيْرِ، تَرَكْناه 1 في حَمامِ الحَرَمِ بحُكْمِ الصَّحابَةِ، ففيما عَداه يَبْقَى على الأصْلِ.
قُلْنا: قد رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ في الحَمامِ في حالِ الإحْرامِ، كقَوْلِنا.
ولأنَّها حَمامَةٌ مَضْمُونَةٌ لحَقِّ اللهِ تعالى، فضُمِنَتْ بشاةٍ، كحَمامَةِ الحَرَمِ، ولأنَّها متى كانَتِ الشّاةُ مِثْلًا لها في الحَرَمِ، فكذلك في الحِلِّ، فيَجِبُ ضَمانُها بها؛ لقول اللهِ تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ 2. وقِياسُ الحَمامِ على جِنْسِه أوْلَى مِن قِياسِه على غيرِه.
والحَمامُ كل ما عبَّ الماءَ، أى وَضَع مِنْقارَه فيه، فيَكْرَعُ كما تَكْرَعُ الشّاةُ، ولا يَأْخُذُ قَطْرَةً قَطْرَةً، كالدَّجاجِ والعَصافِيرِ.
وإنَّما أوْجَبُوا فيه شاةً؛ لشِبْهِه بها في كَرْعِ الماءِ، ولا يَشْرَبُ كشُرْب بَقِيَّةِ الطُّيُورِ.
قال أحمدُ في رِوايَةِ ابنِ القاسِمِ وسِندِىٍّ: كلُّ طَيْرٍ يَعُبُّ الماء
النَّوْعُ الثَّانِى، مَالَمْ تَقْضِ فِيهِ الصَّحَابَةُ، رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ أَحَدَهُمَا.
يَشْرَبُ مِثْلَ الحَمامِ، ففيه شاةٌ.
فيَدْخُلُ فيه الفَواخِتُ (1)، والوراشِينُ (2)، والشَّفانِينُ (3)، والقُمْرىُّ (4)، والدُّبسِىُّ (5)، والقَطا (6). ولأنَّ كلَّ واحِدٍ منها تُسَمِّيه العَرَبُ حَمامًا.
(وقاِل الكسائىُّ: كل مُطَوَّقٍ حَمامٌ) وعلى هذا القولِ الحَجَلُ (7) حَمنامٌ؛ لأنَّه مُطَوَّقٌ.
1237 -
مسألة: (النَّوْعُ الثّانِى، ما لم تَقْضِ فيه الصَّحابَةُ، فَيُرْجَعُ فيه إلى قولِ عَدْلَيْن مِن أهْلِ الخِبْرَةِ، ويَجُوزُ أن يَكُونَ القاتِلُ
1234567
..................................
أحَدَهما) وذلك لقولِ اللهِ تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 1. فيَحْكُمان فيه بأشْبَهِ الأشْياءِ به مِن النَّعَمِ، مِن حيثُ الخِلْقَةُ، لا مِن حيثُ القِيمَةُ؛ بدَلِيلِ أنَّ قَضاءَ الصَّحابَةِ لم يَكُنْ بالمِثْلِ في القِيمَةِ.
وليس مِن شَرْطِ الحَكَمِ أن يَكُونَ فَقِيهًا؛ لأنَّ ذلك زِيادَةٌ على أمْرِ الله تِعالى به، وقد أمَر عُمَرُ أرْبَدَ أن يَحْكُمَ في الضَّبِّ، ولم يَسْألْ أفَقِيهٌ أمْ لا؟ لكنْ تُعْتَبَرُ العَدالَةُ؛ لأنَّها مَنْصُوصٌ عليها.
وتُعْتَبَرُ الخِبْرَةُ؛ لأنَّه لا يَتَمَكَّنُ مِن الحُكْمِ بالمِثْلِ إلَّا مَن له خِبْرَةٌ، ولأنَّ الخِبْرَةَ بما يَحْكُمُ به شَرْطٌ في سائِرِ الحُكّامِ.
ويَجُوزُ أن يَكُونَ القاتِلُ أحَدَ العَدْلَيْن.
وبه قال الشافعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال مالكٌ، والنَّخَعِىُّ: ليس له ذلك.
لأنَّ الإنْسانَ لا يَحْكُمُ لنَفْسِه.
وكذلك يَجُوزُ أن يَكُونَ الحاكِمان القاتِلَيْن.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ: لا يَجُوزُ.
حَكاه أبو الحُسَيْنِ.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه سبحانه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.
والقَاتِلُ مع غَيْرِه ذَوَا عَدْلٍ مِنّا.
وقد روَى الشافعىُّ في «مُسْنَدِه» 2، عن طارِقِ بنِ شِهابٍ، قال: خَرَجْنا حُجَّاجًا، فأوْطَأ رجلٌ مِنّا -يُقالُ له: أرْبَدُ- ضَبُّا، ففَقَرَ ظَهْرَه، فقَدِمْنا على عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، فسَألَه أرْبَدُ، فقالَ: احْكُمْ يا أرْبدُ فيه.
قال: أنْتَ خَيْرٌ مِنِّى يا أمِيرَ المُؤْمِنين.
قال: إنَّما أمَرْتُك أن تَحْكُمَ، ولم آمُرْك
..................................
أن تُزَكِّيَنِى.
فقالَ أرْبدُ: أرَى فيه جَدْيًا قد جَمَع الماءَ والشَّجَرَ.
فقالَ عُمَرُ: فذلك فيه.
فأمَرَه عُمَرُ أن يَحْكُمَ وهو القاتِلُ، وأمَرَ أيضًا كَعْبَ الأحْبار أن يَحْكُمَ على نَفْسِه في الجَرادَتَيْن اللتَيْن صادَهما وهو مُحْرِمٌ 1. ولأنَّه مال يُخْرَجُ في حَق اللهِ تعالى، فجازَ أن يَكُونَ مَن وَجَب عليه أمِينًا فيه، كالزكاةِ.
قال ابنُ عَقِيل: إنَّما يَحْكُمُ القاتِلُ إذا قَتَل خَطَأً؛ لأنَّ القَتْلَ عَمْدًا يُنافِى العَدالَةَ، فيَخْرُجُ عن أن يَكُون من أهلِ الحُكْمِ، إلَّا أنْ يكونَ 2 قد قَتَلَه جاهِلاً بالتَّحْرِيمِ، فلا يَمْتَنِعُ أن يَحْكُمَ؛ لأنَّه لا يَفْسُقُ بذلك، والله أَعْلَمُ.
وعلى قِياسِ ذلك، إذا قَتَلَه عندَ الحاجَةِ إلى أكْلِه؛ لأنَّ قَتْلَه مُباحُ، لكنْ يَجِبُ فيه الجَزاءُ.
وَيَجِبُ فِى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، وَالصَّحِيحِ وَالْمَعِيبِ مِثْلُهُ، الَّا الْمَاخِضَ تُفْدَى بِقِيمَةِ مِثْلِها.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَجِبُ فِيها مِثْلُهَا.
1238 - مسألة: (ويَجبُ في كلِّ واحِدٍ مِن الصّغِيرِ والكبيرِ، والصَّحِيحِ والمَعِيبِ مِثْلُه، إَلَّا الماخِضَ تُفْدَى بقِيمَةِ مِثْلِها. وقال أبو الخَطّابِ: يَجِبُ فيها مِثْلُها)
يَجِبُ في كَبِيرِ الصَّيْدِ كَبِير مِثْلُه، وفى الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، وفى الصَّحِيحِ صَحِيحٌ، وفى المَعيبِ مَعِيبٌ؛، وفى الذَّكَرِ ذَكَر، وفى الأنْثَى أنْثَى.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ: لا يُجْزِئُ إلاَّ كَبِيرٌ صَحِيحٌ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾.
ولا يُجْزِئُ في الهدىِ صَغِيرٌ ولا مَعِيبٌ، ولأنَّها كَفّارَةٌ مُتَعَلِّقَة بقَتْلِ حَيَوانٍ، فلم
..................................
تَخْتَلِفْ بصِغَرِه وكِبَرِه، كقَتْلِ الآدَمِىِّ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
ومِثْلُ الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، ومِثْلُ المَعِيبِ مَعِيبٌ، ولأنَّ ما ضُمِنَ باليَدِ والجِنايَةِ اخْتَلَفَ ضَمانُه بالصِّغَرِ والكِبَرِ، كالبَهِيمَةِ.
والهدىُ في الآيَةِ مُقَيّدٌ بالمِثْلِ.
وقد أجْمَعَ الصَّحابَةُ، رِضْوانُ الله عِليهم، على إيجابِ ما لا يَصْلُحُ هديًا، كالجَفْرَةِ والعَناقِ والجَدىِ.
وكَفّارَةُ الآدَمِىِّ ليست بَدَلاً عنه، ولا تَجْرِى مَجْرَى الضَّمانِ؛ بدَلِيلِ أنَّها لا تَتَبَعَّضُ في أبعاضِه.
فإن فَدَى المَعِيبَ بصَحِيحٍ، فهو أفْضَلُ.
فأمّا الماخِضُ؛ وهى الحامِلُ، فقالَ القاضى: يَضْمَنُها بقِيمَةِ مِثْلِها.
وهو مَذْهبُ الشافعىِّ؛
..................................
لأنَّ قِيمَتَها أكْثَرُ مِن قِيمَةِ لَحْمِها.
وقال أبو الخَطّابِ: يَضْمَنُها بماخِض مِثْلِها؛ للآيَةِ، ولأنَّ إيجابَ القِيمَةِ عُدُول عن المِثْلِ معِ إمْكانِه.
فإن فَداها بغيرِ ماخِض، احتَمَلَ الجَوازَ؛ لأنَّ هذه الصِّفَةَ لا تزِيدُ في لَحْمِها، بل رُبَّما نَقَصَتْها، فلا يُشْتَرَط وُجُودُها في المِثْلِ، كاللوْنِ.
وإن جَنَى على ماخِض فأتْلَفَ جَنِينَها، وخَرَج مَيِّتًا، ففيه ما نَقَصَتْ أمُّه،؛ كما لو جَرَحَها، وإن خَرَج جَيًّا لوَقْتٍ يَعِيشُ لمِثْلِه، ثم مات، ضَمِنَه بمِثْلِه، وإن كان لوَقتٍ لا يَعِيش لمِثْلِه، فهو كالمَيِّتِ، كجَنِينِ الآدَميَّةِ.
وَيَجُوزُ فِدَاءُ أَعوَرَ مِنْ عَيْنٍ بأعوَرَ مِنْ عَيْنٍ أُخْرَى، وَفِدَاءُ الذَّكَرِ بِالأُنْثَى، وَفِى فِدَائِها بِهِ وَجْهانِ.
1239 - مسألة: (ويَجُوزُ فِداءُ أعوَرَ مِن عَيْن بأعوَرَ مِن أُخْرَى، وفِداءُ الذكَرِ بالأنْثَى، وفى فِدائِها به وَجْهان)
إذا فَدَى المَعِيبَ بمِثْلِه، جاز؛ لِما ذَكرنا.
وإنِ اخْتَلَفَ العَيْبُ، مِثْلَ فِداءِ الأعوَرِ بأعْرَجَ، والأعْرَجِ بأعْوَرَ، لم يَجُزْ؛ لعَدَمِ المُماثَلَةِ.
وإن فَدَى أعْوَرَ مِن إحْدَى العَيْنَيْن بأعْوَرَ مِن أخْرَى، أو أعْرَجَ مِن قائِمَةٍ بأعْرَجَ مِن أخْرَى، جاز؛ لأنَّ هذا اخْتِلاف يَسِيرٌ، ونوْعَ العَيْبِ واحِدٌ، وإنَّما اخْتَلَفَ مَحِله.
وإن فَدَى الذَّكَرَ بالأُنْثَى، جاز؛ لأنَّ لَحمَها أطْيَبُ وأرطَبُ.
وإن فَداها به؛ ففيه وَجْهان؛ أحَدُهُما، يَجُوزُ؛ لأنَّ لَحْمَه أوْفَرُ، فتَساوَيا.
والآخَرُ، لا يَجُوزُ؛ لأنَّ زِيادَتَه عليها ليست مِن جِنْسِ
فَصْلٌ: الضَّرْبُ الثَّانِى، مَا لَا مِثْلَ لَهُ؛ وَهُوَ سَائِرُ الطَّيْرِ، فَفِيهِ قِيمَتُهُ، إِلا مَا كَانَ أكْبَرَ مِنَ الْحَمَامِ، فَهَلْ تَجبُ فِيهِ قِيمَتُهُ أوْ شَاةٌ؟ عَلَى وَجْهيْنَ.
زِيادَتِها، فأشْبَهَ فِداءَ المَعِيبِ مِن نَوْع بالمَعِيبِ مِن نَوْعٍ آخَرَ، ولأنَّه لا يُجْزئُ عنها في الزكاةِ، كذلك ههنا.
1240 -
مسألة: (الضَّرْب الثّانِى، ما لا مِثْلَ له؛ وهو سائِر الطيْرِ فيَجب؛ فيه قِيمَته، إلَّا ما كان أكْبَرَ مِن الحَمامِ، فهل تَجب؛ فيه قِيمَتُه أو شاةَ؟ على وَجْهيْن)
يَجب؛ فداء ما لا مِثْلَ له بقِيمَتِه في مَوْضعِه الذى أتْلَفَه فيه، كإتْلافِ مالِ 1 الآدَمِىِّ.
ولا خِلافَ بينَ أهْلِ العِلْمِ في وجوبِ ضَمانِ الصيْدِ مِن الطَّيْرِ، إلاَّ ما حكِىَ عن داودَ، ما كان أصغَرَ مِن الحَمامِ لا يضْمَنُ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
وهذا لا مِثْلَ له.
ولَنا، عموم قَوْلِه تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
..................................
وقد قِيلَ في قَوْلِه تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ 1: يعنِى الفَرخَ والبَيْضَ، وما لا يَقْدِرُ أن يفِر مِن صِغارِ الصَّيْدِ، ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾: يَغنِى الكِبارَ.
وقد رُوِىَ عن عُمَرَ وابنِ عباس، رَضِىَ الله عنهما، أنهُما.
حَكَما في الجَرادِ بجَزاءٍ 2. ودَلالَةُ الآيَةِ على وُجُوبِ جَزاءِ غيرِه لا يَمنَعُ مِن وُجُوبِ الجَزاءِ في هذا بدَلِيل آخرَ، ويُفْدَى بقِيمَتِه؛ لأنَّ الأصلَ أن يُضْمَنَ بقِيمَتِه، كا لو أتْلَفَه لآدَمىٍّ 3، لكنْ تَرَكْنا هذا الأصلَ لدَلِيل، ففيما عَداه تَجِبُ القِيمَةُ بقَضِيَّةِ الأصْلِ.
فصل: فأمّا ما كان أكْبَرَ مِن الحَمامِ، كالإوَزِّ، والحُبارَى 4، والكُركِىِّ 5، والحَجَلِ، والكَبِيرِ مِن طَيْرِ الماءِ، ففيه وَجْهان؛
وَمَنْ أتْلَفَ جُزْءًا [69 و] مِنْ صَيْدٍ، فَفِيهِ مَا نَقصْ قِيمَتِهِ، أوْ قِيمَةِ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا.
أحَدُهما، يَجِبُ فيه شاةٌ؛ لأنَّه يُروَى عن ابن عباسٍ، وعَطاءٍ، وجابِر، أنَّهم قالُوا: في الحَجَلَةِ والقَطاةِ والحُبارَى شاةَ.
وزادَ عَطاءٌ: في الكُركِىِّ، والكَروانِ، وابنِ الماءِ، ودَجاجَةِ الحَبَشِ، والخَرَبِ شاةٌ شاةٌ (1). والخَرَبُ: هو فَرخُ الحُبارَى.
ولأنَّ إيجابَ الشّاةِ في الحَمامِ تَنْبِيهٌ على إيجابها فيما هو أكْبَرُ منه.
والوَجْهُ الثّانِى، فيه قِيمَتُه.
وهو مَذْهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ القِياسَ يَقْتَضِى وُجُوبَها في جَمِيعِ الطَّيْرِ، تَرَكْناه في الحَمامِ؛ لإجْماعِ الصَّحابَةِ، ففى غيرِه يَبْقَى على أصلِ القِياسِ.
1241 -
مسألة: (ومَن أتْلَفَ جُزْءًا مِن صَيْدٍ، فعليه ما نَقَص مِن قِيمَتِه، أو قِيمَةِ مِثْلِه إن كان مِثْلِيًّا)
أنها ما لا مِثْلَ له، فإذا أتلَفَ جُزْءًا منه،1
..................................
ضَمِنَه بقِيمَتِه؛ لأنَّ جُملَتَه تُضْمَنُ بقِيمَتِه، فكذلك أجْزاؤه، كما لو كان لآدَمِىٍّ.
وإن كان له مِثْل، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُضْمَنُ بمِثْلِه مِن مِثْلِه؛ لأنَّ ما وَجَب ضَمانُ جُملَتِه بالمِثْلِ وَجَب في بَعضِه مِثْلُه، كالمَكِيلاتِ.
والآخَرُ، تَجِبُ قِيمَةُ مِقْدارِه مِن مِثْلِه؛ لأنَّ الجُزْءَ يَشُقُّ إخْراجُه، فيُمنَعُ إيجابُه، ولهذا عَدَل الشارِعُ عن إيجابِ جُزْءٍ مِن بَعِيرٍ في خمسٍ مِن الإبِلِ إلى إيجابِ شاةٍ.
والأوّلُ أوْلَى بآلأنَّ المَشقَّةَ ههُنا غيرُ ثابِتَةٍ؛ لوُجُودِ الخِيَرةِ له في العُدُولِ عن المِثلِ إلى عَدلِه مِن الطّعام أو الصيامِ، فيَنْتَفِى المانِعُ، فيَثْبُتُ مُقْتَضَى الأصلِ.
هذا إذا انْدَمَلَ الصَّيْدُ مُمْتَنِعًا.
وَإنْ نَفَّرَ صَيْدًا، فَتَلِف بِشَىْءٍ، ضَمِنَهُ،
1242 - مسألة: (وإن نَفَّرَ صَيْدًا، فتَلِفَ بِشَئٍ، ضَمِنَه)
إذا نَفَّرَ صَيْدًا، فتَلِفَ في حالِ نُفُورِه، ضَمِنَه، وكذلك إن جَرَح صَيْدًا، فتَحامَلَ فوَقَع 1 في شئٍ تَلِف به؛ لأنَّه تَلِف بسَبَبِه.
فإن نَفَّرَه فسَكَنَ في مَكانٍ، وأمِنَ مِن نُفُورِه، ثم تَلِف، لم يَضْمَنْه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَضْمَنُه إذا تلف في المكانِ الذى انتقَلَ إليه؛ لِما رُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه دَخَل دارَ النَّنوَةِ، فألْقَى رِداءَه على واقِفٍ في البَيْتِ، فوَقَعَ عليه طَيْر مِن هذا الحَمامِ، فأطاره، فوَ قَعَ على واقِفٍ آخَرَ، فانْتَهزَتْه حَيَّةٌ، فقَتَلَتْه، فقالَ لعثمانَ، ونافِع بنِ عبدِ الحارِثِ: إنِّى وَجَدتُ في نَفْسِى أنِّى أطَرْتُه مِن مَنْزِل كان فيه آمِنًا إلى مَوْقع كان فيه حَتْفُه 2. فقالَ نافِعٌ لعثمانَ: كيف تَرَى في عَنْز ثَنيةٍ عَفرَاءَ، يُحْكَمُ بها على أميرِ المُؤْمِنين؟ فقالَ عثمانُ: أرَى ذلك.
فأمَرَ بها عُمَرُ، رَضِىَ الله عنه.
رَواه الشافعىُّ في «مُسْنَدِه» 3.
وَإنْ جَرحَهُ فَغَابَ وَلَم يَعْلَمْ خَبَرَهُ، فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ وَجَدَهُ مَيِّتًا وَلَم يعلم مَوْتَهُ بِجِنَايَتِهِ.
وَإنِ انْدَمَلَ غَيْرَ مُمْتَنِع، فَعَلَيْهِ جَزَاءُ جَمِيعِهِ.
1243 - مسألة: (وإن جَرَحَه فغابَ ولم يَعْلَمْ خَبَرَه، فعليه ما نَقَصَه، وكذلك إن وَجَدَه مَيتا ولم يَعلم مَوْتَه بجِنايته. وإنِ انْدَمَلَ غيرَ مُمْتَنعٍ، فعليه جَزاءُ جَمِيعِه)
إذا جَرَح صَيْدًا فغابَ غيرَ مُنْدَمِلٍ، والجِراحَةُ مُوجِبَةٌ لا تَبْقَى الحَياةُ معها غالِبًا، فعليه جَزاءُ جَمِيعِه، كما لو قَتَلَه، وإن كانت غيرَ مُوجِبةٍ، فعليه ضَمانُ ما نَقَص؛ لأَّنا لا نَعلَمُ حُصُولَ التَّلَفِ بفِعلِه، إلَّا أنَه يُقَوِّمُه صَحِيحًا وجَرِيحًا جِراحَةً غيرَ مُنْدَمِلَةٍ، فيَعتَبِرُ ما بينَهما؛ لأنَّا لا نَعلَمُ هل يَنْدَمِلُ أم لا؟ وكذلك إن وجَدَه مَيِّتًا، ولم يَعْلَمْ
..................................
أمات مِن الجِنايَة أم مِن غيرها؟ لِما ذَكرنا.
ويَحتَمِلُ أن يَلْزَمَه ضَمانُ جَمِيعِه ههُنا؛ لأنَّه وُجِد سَبَبُ إتْلافِه منه، ولم نَعلم له سَبَبًا آخَرَ، فوَجَبَ إحالَتُه على السَّبَبَ المَعلُوم، كما لو وَقَع في الماءِ نجَاسَةٌ، فوجَدَه مُتَغَيرا تَغَيًّرا يَصْلُحُ أن يَكُونَ منها، فإنَّا نَحْكُمُ بنَجاسَتِه.
وكذلك لو رَمَى صَيْدًا، فغابَ عن عَيْنه، ثم وَجَده مَيِّتًا لا أثَرَ به غيرَ سَهْمِه، حَلَّ أكْلُه.
وهذا أقْيَسُ.
..................................
فصل: وإنِ انْدَمَلَ الصَّيْدُ غيرَ مُمْتَنِعٍ، ضَمِنَه جَمِيعَه؛ لأنَّه عَطَّلَه، فصارَ كالتّالِفِ، ولأنَّه يُفْضِي إلى تَلَفِه، فصار كما لو جَرَحَه جُرْحًا يَتَيَقَّنُ مَوْتَه به.
وهذا مَذْهَبُ أبى حنيفةَ.
ويَتَخَرَّجُ أن يَضْمَنَه بما نَقَص؛ لأنَّه لا يَضْمَنُ إلَّا ما أتْلَفَ، ولم يُتْلِفْ جَمِيعَه؛ بدَلِيلِ ما لو قَتَلَه مُحْرِمٌ آخَرُ 1 لَزِمَه الجَزاءُ.
والصَّحِيحُ أنَّ على المُشْتَرِكِين جَزاءً واحِدًا، وضَمانُه بجَزاءٍ كامِل يُفْضِي إلى إيجابِ جَزاءَيْن.
وإن صَيَّرَتْه الجِنايَةُ غيرَ مُمْتَنِعٍ، فلم يَعْلَمْ أصارَ مُمْتَنِعًا أم لا، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الامْتِناعِ.
فصل: وكلُّ ما يَضْمَنُ به الآدَمِيَّ يَضْمَنُ به الصَّيْدَ؛ مِن مُباشَرَةٍ أو سَبَبٍ، وكذلك ما جَنَتْ دابَّتُه بيَدِها أو فَمِها، فأتْلَفَتْ صَيْدًا، فالضَّمانُ على راكِبها، أو قائِدِها، أو سائِقِها، وما جَنَتْ برِجْلِها فلا ضَمانَ فيه.
وقال القاضى: يَضْمَنُ السّائِقُ جَمِيعَ جِنايتِها؛ لأنَّ يَدَه عليها ويُشاهِدُ رِجْلَها.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا ضَمان في الرِّجْلِ؛ لقولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:
وَإنْ نَتَفَ رِيشَهُ فَعَادَ، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: عَلَيْهِ قِيمَةُ الرِّيشِ.
«الرِّجْلُ جُبَارٌ» (1). وإنِ انْفَلَتَتْ فأتْلَفَتْ صَيْدًا، لم يَضْمَنْه؛ لأَنَّه لا يَدَ له عليها.
وقد قال النبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» (2). ولذلك لو أتْلَفَتْ آدَمِيًّا لم يَضْمَنْه، ولو نَصَب شَبَكَةً، أو حَفَر بئْرًا، فوَقَعَ فيها صَيْدٌ، ضَمِنَه؛ لأنَّه بسَبَبِه، كما يَضْمَنُ الآدَمِيَّ، إلَّا أن يَكُونَ حَفَر البِئْرَ بحَقٍّ، كحَفْرِه في دارِه، أو في طرِيقٍ واسِعٍ يَنْتَفِعُ بها المُسْلِمُون، فيَنْبَغِي أن لا يَضْمَنَ، كالآدَمِيِّ.
وإن نَصَب شَبَكَةً قبلَ إحْرامِه، فوَقَعَ فيها صَيْدٌ بعدَ إحْرامِه، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منه بعدَ إحْرامِه تَسَبُّبٌ إلى إتْلافِه، أشْبَهَ ما لو صادَه قبلَ إحْرامِه وتَرَكَه في مَنْنرلِه، فتَلِفَ بعدَ إحْرامِه.
1244 -
مسألة: (وإن نَتَف رِيشَه فعادَ، فلا شئَ عليه. وقِيلَ:
12
..................................
عليه قِيمَةُ الرِّيشِ) إذا نَتَف رِيشَ طائِرٍ، ثم حَفِظَه، فأطْعَمَه وسَقاه، حتى عاد رِيشُه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ النَّقْصَ زال.
وقِيلَ: عليه قِيمَةُ الرِّيشِ؛ لأنَّ الثّانِي غيرُ الأوَّلِ.
فإن صار غيرَ مُمْتَنِعٍ بنَتْفِ رِيشِه، فهو كالجُرحِ، وقد ذَكَرْناه.
وإن غابَ، ففيه ما نَقَص.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وأوْجَبَ مالكٌ، وأبو حنيفةَ فيه الجَزاءَ جَمِيعَه.
ولَنا، أَنَّه نَقْصٌ يُمْكِنُ زَوالُه، فلم يَضْمَنْه بكَمالِه، كما لو جَرَحَه ولم يَعْلَمْ حالَه.
وَكُلَّمَا قَتَلَ صَيْدًا حُكِمَ عَلَيْهِ.
1245 - مسألة: (وكُلَّما قَتَل صَيْدًا حُكِمَ عليه)
يَعْنِي يَجِبُ الجَزاءُ بقَتْلِ الصَّيْدِ الثّانِي، كما يَجِبُ إذا قَتَلَه ابْتِداءً.
هذا ظاهِرُ المَذْهَبِ.
قال أبو بَكْرٍ: وهذا أوْلَى القَوْلَيْن بأبِي عبدِ اللهِ.
وبه قال عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
وابنُ المُنْذِرِ.
وفيه رِوايَةٌ ثانِيَة، أنَّه لا يَجِبُ إلَّا في المَرَّةِ الأُولَى.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ.
وبه قال شُرَيْحٌ، والحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَةُ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ 1. ولم يُوجِبْ جَزاءً.
وفيه رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، إن كَفَّرَ عن الأوَّلِ، فعليه للثّانِي كَفّارَةٌ، وإلَّا فلا.
وقد ذَكَرْناها.
ولَنا، أنَّها كَفّارَةٌ عن قَتْلٍ، فاسْتَوَى فيها المُبْتَدِئُ والعائِدُ، كقَتْلِ الآدَمِيِّ، ولأنَّها بَدَلُ مُتْلَفٍ يَجِبُ به المِثْلُ أو القِيمَةُ، فأشْبَهَ بَدَلَ مالِ الآدَمِيِّ.
قال أحمدُ: رُوِيَ عن عُمَرَ وغيرِه، أنَّهم حَكَمُوا في الخَطَإِ، وفي مَن قَتَل، ولم يَسْألُوه هل كان قبل هذا قَتَل أو لا؟ والآيَةُ اقْتَضَتِ الجَزاءَ على العائِدِ بعُمُومِها.
وذِكْرُ العُقُوبَةِ في الثّانِى لا يَمْنَعُ الوُجُوبَ، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ 2.
وَإنِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ في قَتْلِ صَيْدٍ، فَعَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ.
وَعَنْهُ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءٌ.
وَعَنْهُ، إِنْ كَفَّرُوا بِالْمَالِ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإنْ كَفَّرُوا بِالصِّيَامِ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ.
وقد ثَبَت أنَّ العائِدَ لو انتهَى، كان له ما سَلَف وأمْرُه إلى اللهِ.
فصل: ويَجُوزُ إخْراجُ جَزاءِ الصَّيْدِ بعدَ جَرْحِه وقبلَ مَوْتِه.
نَصَّ عليه أحمدُ، رَحِمَه الله؛ لأنَّها كَفّارَةُ قَتْلٍ، فجاز تَقْدِيمُها على المَوْتِ؛ ككَفّارَةِ قَتْلِ الآدَمىِّ 1. ولأنَّها كَفّارَةٌ، أشْبَهَتْ كَفّارَةَ الظِّهارِ واليَمينِ.
1246 -
مسألة: (وإنِ اشْتَرَكَ جَماعَةٌ في قَتْلِ صَيْدٍ، فعليهم جَزاءٌ واحِدٌ.
وعنه، على كلِّ واحِدٍ جَزاءٌ.
وعنه، إن كَفَّرُوا بالمالِ، فكَفّارَةٌ واحِدَةٌ، وإن كَفَّرُوا بالصيِّامِ، فعلى كلِّ واحِدٍ كَفّارَةٌ)
رُوِىَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في هذه المسألةِ ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، أنَّ الواجِبَ جَزاءٌ واحِدٌ.
وهو الصَّحِيحُ.
يُرْوَى هذا عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، وابْنِه، وابنِ عباسٍ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وبه قال عَطاءٌ، والزهْرِىُّ، والنَّخَعِىُّ،
..................................
والشَّعْبِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ.
والثّانِيَةُ، على كلِّ واحِدٍ جَزاءٌ.
ذَكَرَها ابنُ أبى مُوسى.
اخْتارَها أبو بَكْرٍ.
وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ.
ويُرْوَى عن الحسنِ؛ لأنَّها كَفّارَةُ قَتْلٍ يَدْخُلُها الصومُ، أشْبَهَتْ كَفّارَةَ قَتْلِ الآدَمِىِّ.
والثّالِثَةُ، إن كان صومًا، فعلى كلِّ واحِدٍ منهم صومٌ تامٌّ، وإن كان غيرَه فجَزاءٌ واحِدٌ.
وإن أهْدَى أحَدُهما أو أطْعَمَ، وصام الآخَرُ، فعلى المُهْدِى بحِصَّتِه، وعلى الآخَرِ صِيامٌ تامٌّ؛ لأنَّ الجَزاءَ ليس بكَفّارَةٍ، وإنَّما هو بَدَلٌ، بدَلِيلِ أنَّ الله تعالى عَطَف عليه الكَفّارَةَ، فقال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ.... أَوْ كَفَّارَةٌ﴾.
والصومُ كَفّارَةٌ، فيُكْمَلُ، ككَفّارَةِ قَتْلِ الآدَمِىِّ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
والجَماعَةُ إنَّما قَتَلُوا صَيْدًا، فلَزِمَهم مِثْلُه، والزائِدُ خارِجٌ عن المِثْلِ، فلا يَجِبُ.
ومتى ثَبَت اتِّحادُ الجَزاءِ في الهَدْىِ، وَجَب اتِّحادُه في الصيامِ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾.
والاتِّفاقِ حاصِلٌ على أنَّه مَعْدُولٌ بالقِيمَةِ؛ إمّا قِيمَةُ المُتْلَفِ، أو قِيمَةُ مِثْلِه، فإيجابُ الزّائِدِ على عَدْلِ القِيمَةِ خلافُ النَّصِّ، ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن
..................................
الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخَالِفًا, ولأنَّه جَزاءٌ عن مَقْتُولٍ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِه، فكانَ واحِدًا، كالدِّيَةِ.
وكَفّارَةُ الآدَمِىِّ لنا فيها مَنْعٌ، فلا تَتَبَعَّضُ في أبْعاضِه، ولا تَخْتَلِفُ باخْتِلافِه، فلم تَتَبَعَّضْ على الجَماعَةِ، بخِلافِ مَسْألتِنا.
فصل: فإن كان شَرِيكُ المُحْرِمِ حَلالًا أو سَبُعًا، فالجَزاءُ كلُّه على المُحْرِمِ في أحَدِ الوَجْهَيْن.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ على المُحْرِمِ بحِصَّتِه، كالمُحْرِمَيْن.
وقد ذَكَرْناه.
فصل: وإنِ اشْتَرَكَ حَلالٌ ومُحْرِمٌ في قَتْلِ صَيْدٍ حَرَمِىٍّ، فالجَزاء بينَهما نِصْفَيْن؛ لأنَّ الِإتْلافَ يُنْسَبُ إلى كلِّ واحِدٍ منهما نِصْفُه، ولا يَزْدادُ الواجِبُ على المُحرِمِ باجْتِماعِ حُرْمَةِ الِإحْرامِ والحَرَمِ.
وهذا الاشْتِراكُ الذى هذا حُكْمُه هو الذى يَقَعُ الفِعْلُ منهما معًا، أو يَجْرَحُه أحَدُهما قبلَ الآخَرِ، ويَمُوتُ منهما.
فإن جَرَحَه أحَدُهما، وقَتَلَه الآخَرُ،
..................................
فعلى الجارِحِ ما نَقَصَه، على ما مَضَى، وعلى القاتِلِ جَزاؤه مَجْرُوحًا.
فصل: وإن قَتَل صَيْدًا مَمْلُوكًا، ضَمِنَه بالقِيمَةِ لمالِكِه، والجَزاءُ للهِ تعالى؛ لأنَّه حَيَوانٌ مَضْمُونٌ بالكَفّارَةِ، فجاز أن يَجْتَمِعَ التَّقْوِيمُ في التَّكْفِيرِ في ضَمانِه، كالعَبْدِ.
فصل: وإذا قَتَل القارِنُ صَيْدًا، فعليه جَزاءٌ واحِدٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقالَ: إذا قَتَل القارِنُ صَيْدًا، فعليه جَزاءٌ واحِدٌ، وهؤلاء يَقُولُون: جَزَاءان.
فيَلْزَمُهم أن يَقُولُوا في صَيْدِ الحَرَمِ ثَلَاثةً؛ لأنَّهم يقُولُون في الحِلِّ اثْنَيْن، ففى الحَرَمِ يَنْبَغِي أن يَكُونَ ثَلَاثَةً.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ.
وقال أصحابُ الرَّأىِ: جَزَاءان.
وكذلك إذا تَطيَّبَ، أو لَبِس.
قال القاضى: وإذا قُلْنا: على القارِنِ طَوافان.
لَزِمَه جَزَاءان.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
ومَن أوْجَبَ جَزاءَيْن، فقد أوْجَبَ مِثْلَيْن.
ولأنَّه صَيْدٌ واحِدٌ، فلم يَجِبْ فيه جَزَاءان، كما لو قَتَل المُحْرِمُ في الحَرَمِ صَيْدًا.
بَابُ صَيْدِ الْحَرَمِ وَنَبَاتِهِ
وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ، فَمَنْ أَتْلَفَ مِنْ صَيْدِهِ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُحْرِمِ فِى مِثْلِهِ.
بابُ صَيْدِ الحَرَمِ ونَباتِه
1247 -
مسألة: (وهو حَرامٌ على الحَلالِ والمُحْرِمِ، فمَن أتْلَفَ مِن صَيْدِه شَيْئًا، فعليه ما على المُحْرِمِ في مِثْلِه)
الأصْلُ في تَحْرِيمِه النَّصُّ والإجْماعُ؛ أمّا النَّصُّ، فما روَى ابنُ عباسٍ، رَضِيَ الله عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يومَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إنَّ هذا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ الله إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإنَّهُ لَمْ يَحِلَّ
..................................
القِتَالُ فِيهِ لأحَدٍ قَبْلِى، وَلَمْ يَحِلَّ لِى إلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا 1، وَلَا يُعْضَدُ 2 شَوْكُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتهَا، إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا».
فقالَ العَبّاسُ: يَا رسولَ اللهِ، إلَّا الِإذْخِرَ 3، فإنَّه لِقَيْنِهِم 4 وبُيُوتِهم.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إلَّا الِإذْخِرَ».
مُتَّفَقٌ عليه 5. وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ على تَحْرِيمِ صَيْدِ الحَرَم على الحَلالِ والمُحْرِم.
فصَل: وفيه الجَزاءُ علىَ مَن يَقْتُلُه، بمثْلِ ما يُجْزَى به الصَّيْدُ في الِإحْرام.
وحُكِىَ عن داودَ، أنَّه لا جَزاءَ فيه؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، ولم يَرِدْ فيه نَصٌّ، فيبْقَى بحالِه.
ولَنا، أنَّ الصحابَةَ، رَضِيَ اللهُ عنهمِ، قَضَوْا في حَمامِ الحَرمِ بشَاةٍ شاة.
رُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وعثمانَ،
..................................
وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، ولم يُنْقَلْ عن غيرِهم خِلافُهم، فيَكونُ إجْماعًا، ولأنَّه صَيْدٌ مَمْنُوعٌ منه لحقِّ اللهِ تعالى، أشْبَهَ الصَّيْدَ في حَقِّ المُحْرِمِ.
فصل: للصَّوْم مَدْخَلٌ في ضَمانِ صَيْدِ الحَرَمِ عندَ الأكْثَرِينَ، خِلافًا لأبى حنيفةَ.
ولَنا، أنَّه يُضْمَنُ بالِإطْعامِ، فيُضْمَنُ بالصِّيامِ، كالصَّيْدِ في الإحْرامَ.
فصل: ويَجِبُ في حَمامِ الحَرَم شاةٌ.
وقال أبو حنيفةَ: فيه في الحَرَمِ شاةٌ، وفى حَمامِ الحِلِّ في الحَرَمِ حُكُومَةٌ.
وفى حَمامِ الحَرَم، في الحِلِّ رِوايَتَان؛ إحْداهُما، حُكُومَةٌ، والثانيةُ، شاةٌ.
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن قَضاءِ الصَّحابَةِ، ولم يُفَرِّقُوا.
ذَكَرَ هذيْن الفَصْلَيْن القاضِى أبو الحَسَنِ.
فصل: وكُلُّ ما يُضْمَنُ في الإحْرام يُضْمَنُ في الحَرَمِ، إلَّا القَمْلَ، فإنَّه يُباحُ في الحَرَمِ بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه حُرِّمَ في حَقِّ المُحْرِمِ لأجْلِ التَّرَفُّهِ، وهو مُباحٌ في الحَرَمِ، كإباحَةِ الطِّيبِ واللُّبْسِ.
فصل: ويُضْمَنُ صَيْدُ الحَرَمِ في حَقِّ المُسْلِمِ والكافِرِ، والكَبِيرِ والصَّغِيرِ، والحُرِّ والعَبْدِ.
وقال أبو حَنيفةَ: لا يَضْمَنُه الصَّغِيرُ، ولا الكافِرُ.
ولَنا، أنَّ الحُرْمَةَ تَعَلَّقَت بمَحَلِّه بالنِّسْبَةِ إلى الجَمِيع، فوَجَبَ ضَمانُه، كالآدَمِىِّ.
فصل: ويُضْمَنُ صَيْدُ الحَرَمِ بالدَّلالَةِ والإشارَةِ، كصَيْدِ الإحْرامِ،
وَإنْ رَمَى الْحَلَالُ مِنَ الْحِلِّ صَيْدًا في الْحَرَمِ، أَوْ أَرسَل كَلْبَهُ عَلَيْهِ، أو قَتَلَ صَيْدًا عَلَى غُصْنٍ في الْحَرَمِ أصْلُهُ في الْحِلِّ، أو أَمْسَكَ طَائِرًا
والواجِبُ عليهما جَزاءٌ واحِدٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وظاهِرُ كلامِه أنَّه لا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الدَّلالَةِ في الحِلِّ والحَرَمِ.
وقال القاضى: لا جَزاءَ على الدَّالِّ، إذا كان في الحِلِّ، والجَزاءُ على المَدْلُولِ وَحْدَه، كالحَلالِ إذا دَلَّ مُحْرِمًا.
ولَنا، أنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ الحَرَمِىِّ حَرامٌ على الدَّالِّ، فيُضْمَنُ بالدَّلالَةِ، كما لو كان في الحَرَمِ، يُحَقِّقُه أنَّ صَيْدَ الحَرَمِ مُحَرَّمٌ على كُلِّ أحَدٍ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا».
وفى لَفْظٍ: «لَا يُصَادُ صَيْدُهَا».
وهذا عامٌّ في حَقِّ (1) كلِّ أحَدٍ، ولأنَّ صَيْدَ الحَرَمِ مَعْصُومٌ بمَحَلِّه، فحُرِّمَ قَتْلُه عليهما، كالمُلْتَجِىَ إلى الحَرَم.
وإذا ثَبَت تَحْرِيمُه عليهما فيُضْمَنُ بالدَّلالَةِ مِمَّن يَحْرُمُ عليه قَتْلُه، كما يُضْمَنُ بدَلالَةِ المُحْرِمِ عليه.
وكلُّ ما يُضْمَنُ به في الإِحْرامِ يُضْمَنُ به في الحَرَمِ، وما لا فلا؛ لأنَّه صَيْدٌ مَمْنُوعٌ منه لحَقِّ الله تِعالى، فيُضْمَنُ بكلِّ ما [يُضْمَنُ] به في الإِحْرامِ، وكان حُكْمُه حُكْمَه في وُجُوبِ الضَّمانِ وعَدَمِه، قِياسًا عليه.
1248 -
مسألة: (وإن رَمَى الحَلالُ مِن الحِلِّ صَيْدًا في الحَرَمِ، أو أرْسَلَ كَلْبَه عليه، أو قَتَلَ صَيْدًا على غُصْنٍ في الحَرَمِ أصْلُه في الحِلِّ أو
1
فِى الْحِلِّ فَهَلَكَ فِرَاخُهُ في الْحَرَمِ، ضَمِنَ فِى أصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
أمْسَكَ طَائِرًا في الحِلِّ، فَهَلَكَ فِراخُه في الحَرَمِ، ضَمِنَ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْن) إذا رَمَى الحَلالُ مِن الحِلِّ صَيْدًا في الحَرَمِ، أو أرْسَلَ جارِحًا عليه، فَقَتَلَه، أو قَتَلَ صَيْدًا على غُصْنٍ في الحَرَمِ أصْلُه في الحِلِّ، ضَمِنَه.
وبه قال الشافعىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أخْرَى، لا جَزاءَ عليه؛ لأنَّ القاتِلَ حَلالٌ في الحِلِّ.
ولَنا، قَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا».
ولم يُفَرِّقْ بينَ مَن هو في الحِلِّ والحَرَمِ، وقد أجْمَعَ المُسْلِمُونَ على تَحْرِيمِ صَيْدِ الحَرَمِ، وهذا مِن صَيْدِه، ولأنَّ صَيْدَ الحَرَمِ مَعْصُومٌ بمَحَلِّه لحُرْمَةِ الحَرَمِ، فلا يَخْتَصُّ تَحْرِيمُه بمَن في الحَرَمِ كالملْتَجِئِ، وكذلك الحُكْمُ لو أمْسَكَ طائِرًا في
وَإنْ قَتَلَ مِنَ الْحَرَمِ صَيْدًا في الْحِلِّ بِسَهْمِهِ، أوْ كَلْبِهِ، أوْ صَيْدًا عَلَى غُصْنٍ في الْحِلِّ أصْلُهُ في الْحَرَمِ، أوْ أمْسَكَ حَمَامَةً في الْحَرَمِ، فَهَلَكَ فِرَاخُهَا في الْحِلِّ، لَمْ يَضْمَنْ، في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
الحِلِّ، فَهَلَكَ فِراخُه في الحَرَمِ، فإنَّه يَضْمَنُ الفِراخَ؛ لِما ذَكَرْنا، دُونَ الأمِّ؛ لأنَّها مِن صَيْدِ الحِلِّ، وهى حَلالٌ.
1249 -
مسألة: (وإن قَتَل مِن الحَرَمِ صَيْدًا في الحِلِّ بسَهْمِه، أو كَلْبِه، أو صَيْدًا على غُصْنٍ في الحِلِّ أصْلُه في الحَرَمِ، أو أمْسَكَ حَمامَةً في الْحَرَمِ، فهَلَكَ فِراخُها في الْحِلِّ، لَمْ يَضْمَنْ، في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ)
..................................
هذه المسائِلُ عَكْسُ التى قَبْلَها، والصَّحِيحُ أنَّه لا ضَمانَ في ذلك؛ لأنَّه ليس مِن صَيْدِ الحَرَمِ.
قال أحمدُ، في مَن أرْسَلَ كَلْبَه في الحَرَمِ، فصادَ في الحِلِّ: فلا شئَ عليه.
وعنه رِوايَةٌ أخْرَى، عليه الضَّمانُ في جَمِيع الصُّوَرِ.
وعن الشافعىِّ ما يَدُلُّ عليه.
وذَهَب الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، في مَن قَتَل طائِرًا على غُصْنٍ في الحِلِّ أصْلُه في الحَرَمِ: لا جَزاءَ عليه.
وهو ظاهِرُ قولِ أصحابِ الرَّأْىِ.
وقال إسحاقُ، وابنُ الماجِشُون: عليه الجَزاءُ؛ لأنَّ الغُصْنَ تابعٌ للأصْلِ، وهو في الحَرَمِ.
ولَنا، أنَّ الأصْلَ حِلُّ الصَّيْدِ، حُرِّم صَيْدُ الحَرَمِ بالنَّصِّ والِإجْماعِ، فبَقِيَ ما عَداه على الأصْلِ، ولأنَّه صَيْدُ حِلٍّ أصابَه حَلالٌ، فلم يُحَرَّمْ، كما لو كانا في الحِلِّ، ولأنَّ الجَزاءَ إنَّما يَجِبُ في صَيْدِ الحَرَمِ، أو صَيْدِ المُحْرِمِ، وليس هذا واحِدًا منهما.
وَإنْ أَرسَلَ كَلْبَهُ مِنَ الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِى الْحِلِّ، فَقَتَلَ صَيْدًا فِى
فصل: وإن كان الصَّيْدُ والصَّائِدُ في الحِلِّ، فرَماه بسَهْمِه، أو أرْسَلَ كَلْبَه عليه، فدَخَلَ الحَرَمَ، ثم خَرَج، فقَتَلَ الصَّيْدَ في الحِلِّ، فلا جَزاءَ فيه.
وبه قال أصحابُ الرَّأْىِ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وحُكِىَ عن الشافعىِّ، أنَّ عليه الجَزاءَ.
ولَنا، ما ذَكَرْناه.
قال القاضى: لا يَزِيدُ سَهْمُه على نَفْسِه، ولو عَدَا بنَفْسِه، فسَلَكَ الحَرَمَ في طَرِيقِه، ثم قَتَل صَيْدًا في الحِلِّ، لم يَكُنْ عليه شئٌ، فسَهْمُه أوْلَى.
1250 -
مسألة: (وإن أرْسَلَ كَلْبَه مِن الحِلِّ على صَيْدٍ في الحِلِّ،
الْحَرَمِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِسَهْمِهِ، ضَمِنَهُ.
فقَتَلَ صَيْدًا في الحَرَمِ، فعلى وَجْهَيْنِ.
وإن فَعَلَ ذلك بِسَهْمِه، ضَمِنَه) أمّا إذا رَمَى مِن الحِلِّ صَيْدًا فيه، فقَتَلَ صَيْدًا في الحَرَمِ، فعليه جزاؤُه.
وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرأْىِ.
وقال أبو ثَوْرٍ: لا جَزاءَ عليه.
ولَنا، أنَّه قَتَل صَيْدًا حَرَمِيًّا، فلَزمَه جَزاؤُه، كما لو رَمَى حَجَرًا في الحَرَمِ، فقَتَلَ صَيْدًا.
يُحَقِّقُه أنَّ الخَطَأَ كالعَمْدِ في وُجُوبِ الجَزاءِ، وهذا لا يَخْرُجُ عن أحَدِهما.
فأمّا إن أرْسَلَ كَلْبَه على صَيْدٍ في الحِلِّ، فقَتَلَه في الحَرَمِ، فنَصَّ أحمدُ على أَنَّه لا يَضْمَنُه.
وهو قولُ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه لم يُرْسِلِ الكَلْبَ على صَيْدٍ في الحَرَم، وإنَّما دَخَلَ باخْتِيارِ نَفْسِه، أشْبَهَ ما لو اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِه.
وقال عَطاءٌ، وأبو حنيفةَ، وصاحِباه: