..................................
فصل: فإن ضُرِبَتْ للمُتَحَجِّرِ مُدَّةٌ، فانْقَضَتِ المُدَّةُ ولم يُعَمِّرْ، فلغَيرِه أن يُعَمِّرَه ويَمْلِكَه؛ لأنَّ المُدَّةَ ضُرِبَتْ له ليَنْقَطِعَ حَقُّه بمُضِيِّها، وسَواءٌ أَذِنَ له السُّلْطانُ في عِمارَتِها أو لم يَأْذَنْ.
وإن لم يَكُنْ للمُتَحَجِّرِ عُذْرٌ في تَرْكِ العِمارَةِ، قِيلَ له: إمّا أن تُعَمِّرَ، وإمّا أن تَرْفَعَ يَدَك.
فإن
فَصْلٌ: وَلِلْإِمَامِ إِقْطَاعُ مَوَاتٍ لِمَنْ يُحْيِيهِ، وَلَا يَمْلِكُهُ بِالْإِقْطَاعِ، بَلْ يَصِيرُ كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ.
لم يُعَمِّرْها، كان لغيرِه عِمارَتُها.
فإن لم يُقَلْ له شيءٌ، واسْتَمَرَّ تَعْطِيلُها، فقد ذَكَرْنا حديثَ عُمَرَ في المسألَةِ قبلَها.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ والمسألةِ قبلَها على نحو ما ذَكَرْنا.
فصل: (وللإِمامِ إقْطاعُ المَواتِ لمَن يُحْيِيه، ولا يُمْلَكُ بالإِقْطاعِ، بل يَصِيرُ كالمُتَحَجِّرِ الشّارِعِ في الإِحْياءِ) على ما ذَكَرْنا.
ولا يَنْبَغِي أن
..................................
يُقْطَعَ إلَّا ما قَدَر على إحْيائِه؛ لأنَّ إقْطاعَه أكْثَرَ منه إدْخالُ ضَرَرٍ على المسلمين بلا فائدَةٍ فيه.
فإن فَعَل ثمَّ تَبَيَّنَ عَجْزَه عن إحْيائِه، اسْتَرْجَعَه منه، كما اسْتَرْجَعَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنه - مِن بِلَالِ بنِ الحارِثِ ما عَجَز عن عِمارَتِه مِن العَقِيقِ الذي أقْطَعَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فرُوىَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أقْطَعَ بلال بنَ الحارِثِ العَقِيقَ أَجْمَعَ، [فلَمّا كان] 1 عُمَرُ، قال لبِلالٍ: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لم يُقْطِعْك لتَحِيزَه 2 عن النّاسِ، إنَّما أقْطَعَك لتُعَمِّرَ، فخُذْ منها ما قَدَرْتَ على عِمارَتِه، ورُدَّ الباقِيَ.
رَواه أبو عُبَيدٍ في «الأمْوالِ» 3. وذكر سعيدٌ في «سُنَنِه» [قال: حَدَّثَنا] 4 عبدُ العزيزِ بنُ مُحمدٍ، عن رَبِيعةَ، قال: سَمِعْتُ الحارِثَ بنَ بلالِ بنِ الحارِثِ يقولُ: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أقْطَعَ بِلال بنَ الحارِثِ العَقِيقَ، فلَمّا وَلِيَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، قال: ما أُقْطِعْتَه لتَحْجُبَه، فأقْطِعْهُ النّاسَ.
وروَى عَلْقَمَةُ بنُ وائلٍ، عن أبِيه،
..................................
أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أقْطَعَه أرْضًا بحَضْرَ مَوْتَ 1. قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قال سعيدٌ: حَدَّثَنا سُفيانُ، عن ابنِ أبي نُجَيحٍ، عن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أقْطَعَ ناسًا مِن جُهَينَةَ أو مُزَينَةَ أرْضًا، فعَطَّلُوها، فجاء قَوْمٌ فأحْيَوْها، فخاصَمَهم الذين أقْطَعَهم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فقال عُمَرُ: لو كانت قَطِيعَةً منِّي أو مِن أبي بكرٍ، لم أرُدَّها، ولكِنَّها قَطِيعَةٌ مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأنا أرُدُّها 2.
فصل: وقد روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أقْطَعَه أرْضًا، فأرْسَلَ مُعاويَةَ، أن أعْطِه إيّاهُ، أو أَعْلِمْه إيَّاهُ.
حديثٌ صحيحٌ 3. وأقْطَعَ الزُّبَيرَ حُضْرَ فَرَسِه 4، فأجْرَى فَرَسَه حتى قام ورَمَى بسَوْطِه، فقال: «أعْطُوهُ
..................................
مِنْ حَيثُ وَقَعَ السَّوْطُ».
رَواه سعيدٌ، وأبو داودَ 1. وذَكَر البُخارِيُّ 2، عن أنَسٍ قال: دَعا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الأنْصارَ ليُقْطِعَ لهم بالبَحْرَين، فقالُوا: يا رسولَ اللهِ، إن فَعَلْتَ فاكْتُبْ لإِخْوانِنا [مِن قُرَيشٍ] 3 بمِثْلِها.
ورُوِيَ أنَّ أبا بكرٍ أقْطَعَ طَلْحَةَ بنَ عُبَيدِ اللهِ أرْضًا، وأقْطَعَ عُثمانُ خَمْسَةً مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ الزُّبَيرَ، وسَعْدًا، وابنَ مسعودٍ، وأُسامَةَ بنَ زيدٍ، وخَبَّابَ بنَ الأرَتِّ.
ورُوِيَ عن نافعٍ أبي عبدِ اللهِ، أنَّه قال لعُمَرَ: إنَّ قِبَلَنا أرْضًا بالبَصْرَةِ، ليست مِن أرْضِ الخَراجِ، ولا تَضُرُّ بأحَدٍ مِن المسلمين، فإن رَأيتَ أن تُقْطِعَنِيها أَتَّخِذُ فيها قَصِيلًا 4 لخَيْلِي.
قال: فكَتَبَ عُمَرُ إلى أبي موسى: إن كانت كما يَقُولُ، فأقْطِعْها إيّاه.
رَوَى هذه الآثارَ كلَّها أبو عُبَيدٍ في «الأمْوالِ» 5. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ مَن أقْطَعَهُ الإِمامُ شيئًا مِن المَواتِ، لم يَمْلِكْه بذلك، لكنْ يَصِيرُ أحَقَّ به، كالمُتَحَجِّرِ الشّارِعِ في الإِحْياءِ، على ما ذَكَرْنا مِن حديثِ بِلالِ بنِ الحارِثِ، حيث اسْتَرْجَعَ منه عُمَرُ ما عَجَز عن إحْيائِه 6. ولو
وَلَهُ إِقْطَاعُ الْجُلُوسِ فِي الطُّرُقِ الوَاسِعَةِ وَرِحَابِ الْمَسْجِدِ، مَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى النَّاسِ.
وَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ بِالْإِحْيَاءِ، وَيَكُونُ الْمُقْطَعُ أَحَقَّ بِالْجُلُوسِ فِيهَا.
مَلَكَه، لم يَجُزِ اسْتِرْجاعُه.
ورَدَّ عُمَرُ أيضًا قَطِيعَةَ أبي بكرٍ لعُيَينَةَ بنِ حِصْنٍ، فسَألَ عُيَينَةُ بنُ حِصْنٍ أبَا بكرٍ أن يُجَدِّدَ له كِتابًا، فقال: واللهِ لا أُجَدِّدُ شيئًا رَدَّه عُمَرُ.
رَواه أبو عُبَيدٍ (1). فعلى هذا، يكونُ المُقْطَعُ أحَقَّ بها مِن سائِرِ النّاسِ، وأوْلَى بإحْيائِه، وحُكْمُه حُكْمَ المُتَحَجِّرِ الشّارِعِ سَواءً.
وقد مَرَّ ذِكْرُه.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ على نحو ما ذَكَرْنا.
2479 -
مسألة: (وله إقْطاعُ الجُلُوسِ في الطُّرُقِ الواسِعَةِ ورِحابِ المَسَاجِدِ، ما لم يُضَيِّقْ على النّاسِ)
القَطائِعُ ضَرْبان؛ أحَدُهما، إقْطاعُ مَواتٍ لمَن يُحْيِيه.
وقد ذَكَرْناه.
والثانِي، إقْطاعُ إرْفاقٍ، وذلك1
فَإِنْ لَمْ يُقْطِعْهَا، فَلِمَنْ سَبَقَ إِلَيهَا الْجُلُوسُ فِيهَا، وَيَكُونُ أَحَقَّ بِهَا مَا لَمْ يَنْقُلْ قُمَاشَهُ عَنْهَا.
كإقْطاعِ مَقاعِدِ الأسْواقِ والطُّرُقِ الواسِعَةِ، ورِحابِ المَساجِدِ، فللإِمامِ إقْطاعُها لمَن يَجْلِسُ فيها؛ لأنَّ له في ذلك اجْتِهادًا، مِن حيث إنَّه لا يَجُوزُ الجُلُوسُ إلَّا فيما لا يَضُرُّ بالمارَّةِ، فكان للإِمامِ أن يُجْلِسَ فيها مَن لا يَرَى أنَّه يتَضَرَّرُ بجُلُوسِه.
ولا يَمْلِكُها المُقْطَعُ بذلك، بل يكونُ أحَقَّ بالجُلُوسِ فيها مِن غيرِه، بمنْزِلَةِ السّابِقِ إليها مِن غيرِ إقْطاعٍ، إلَّا في أنَّ السّابِقَ إذا نَقَل مَتاعَه عنها، فلغيرِه الجُلُوسُ فيها؛ لأنَّ اسْتِحْقاقَه لها بسَبْقِه إليها ومُقامِه فيها، فإذا انْتَقَل عنها، زال اسْتِحْقاقُه؛ لزَوالِ المَعْنَى الذي اسْتَحَقَّ به، وهذا اسْتَحَقَّ بإقْطاعِ الإِمامِ، فلا يَزُولُ حَقُّه بنَقْلِ مَتاعِه، ولا لغيرِه الجُلُوسُ فيه.
وحُكْمُه في التَّظْلِيلِ على نَفْسِه بما ليس بَيتًا، ومَنْعِه مِن البِناءِ، ومَنْعِه إذا طال مُقامُه، حُكْمُ السّابِقِ، على ما نَذْكُرُه.
2480 -
مسألة: (فإن لم يُقْطِعْها، فلمَن يَسْبِقُ إليها الجُلُوسُ فيها، ويكونُ أحَقَّ بها ما لم يَنْقُلْ قُماشَه عنها)
ما كان مِن الشَّوارِعِ والطُّرُقاتِ والرِّحابِ بينَ العُمْرانِ، فليس لأحَدٍ إحْياؤُه، سَواءٌ كان واسِعًا أو ضَيِّقًا،
..................................
وسَواءٌ ضَيَّقَ على النّاسِ بذلك أو لم يُضَيِّقْ؛ لأنَّ ذلك يَشْتَرِكُ فيه المسلمونُ، وتتَعَلَّقُ به مَصْلَحَتُهم، أشْبَهَ مَساجِدَهم.
ويَجُوزُ الارْتِفاقُ بالقُعُودِ في الواسِعِ مِن ذلك للبَيعِ والشِّراءِ على وَجْهٍ لا يُضَيِّقُ على أحَدٍ ولا يَضُرُّ بالمارَّةِ؛ لاتِّفاقِ أهْلِ الأمْصارِ في جَمِيعِ الأعْصارِ، على إقْرارِ النّاسِ على ذلك مِن غيرِ إنْكارٍ، ولأنَّه ارْتِفاقٌ بمُباحٍ مِن غيرِ إضْرارٍ، فلم يُمْنَعْ منه، كالاجْتِيازِ.
قال أحمدُ، في السّابِقِ إلى دَكاكِينِ السُّوقِ غُدْوَةً: فهو له إلى اللَّيلِ.
وكان هذا في سُوقِ المَدِينةِ فيما مَضَى، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مِنىً مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ» 1. وله أن يُظَلِّلَ على نَفْسِه بما لا ضَرَرَ فيه؛ مِن بارِيَّةٍ 2، وكِساءٍ، ونحوه؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه مِن غيرِ مَضَرَّةٍ فيه.
وليس له أن يَبْنِيَ دَكَّةً ولا غيرَها؛ لأنَّه يُضَيِّقُ على النّاسِ، وتَعْثُرُ به المارَّةُ باللَّيلِ، والضَّرِيرُ في اللَّيلِ والنَّهارِ، وتَبْقَى على الدَّوامِ، ورُبَّما ادَّعَى مِلْكَه بذلك.
والسّابِقُ أحَقُّ به ما كان فيه؛ فإن قام وتَرَك مَتاعَه فيه، لم يَجُزْ لغيرِه إزالتُه؛ لأنَّ يَدَ الأوَّلِ عليه، وإن نَقَل مَتاعَه، كان لغيرِه أن يَقْعُدَ فيه؛ لأنَّ يَدَه قد زالت.
فَإِنَ أَطَال الْجُلُوسَ فِيهَا، فَهَلْ يُزَالُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
2481 - مسألة: فإن طال مُقامُه، مُنِع،
في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه يَصِيرُ كالتَّمَلُّكِ، ويَخْتَصُّ بنَفْعٍ يُساويه غيرُه في اسْتِحْقاقِه.
والثانِي، لا يُمْنَعُ؛ لأنَّه سَبَق إلى ما لم يَسْبِقْ إليه مُسْلِمٌ.
فَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ أُقْرِعَ بَينَهُمَا، وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الإِمَامُ مَنْ يَرَى مِنْهُمَا.
2482 - مسألة: (وإن سَبَق اثْنان)
إليه، احْتَمَلَ أن يُقْرَعَ بينَهما، واحْتَمَلَ أن (يُقَدِّمَ الإِمامُ مَن يَرَى منهما) فإن كان الجالِسُ يُضَيِّقُ على المارَّةِ لم يَحِلَّ له الجُلُوسُ فيه، وليس للإِمامِ تَمْكِينُه بعِوَضٍ ولا غيرِه.
قال أحمدُ: ما كان يَنْبَغِي لَنا أن نَشْتَرِيَ مِن هؤلاءِ الذين يَبِيعُونَ على الطَّرِيقِ.
قال القاضي: هذا مَحْمُولٌ على أنَّ الطَّرِيقَ ضَيِّقٌ، أو يكونُ يُؤْذِي المارَّةَ؛ لِما تَقَدَّمَ.
وقال: لا يُعْجِبُنِي الطَّحْنُ في العُرُوبِ إذا كانت في طَرِيقِ
..................................
النّاسِ.
وهي السُّفُنُ التي يُطْحَنُ فيها في الماءِ الجارِي.
إنَّما كَرِه ذلك، لتَضْيِيقِها طَرِيقَ السُّفُنِ المارَّةِ في الماءِ.
قال أحمدُ: رُبَّما غَرِقَتِ السُّفُنُ، فأرَى للرَّجُلِ أن يَتَوقَّى الشِّراءَ مِمّا يُطْحَنُ بها.
وَمَنْ سَبَقَ إِلَى مَعْدِنٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِمَا يَنَالُ مِنْهُ.
وَهَلْ يُمْنَعُ إِذَا طَال مُقَامُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
2483 - مسألة: (وإن سَبَقَ إلى مَعْدِنٍ، فهو أحَقُّ بما يَنالُ منه)
لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أحَقُّ بِهِ» (1). وسَواءٌ كان المَعْدِنُ ظاهِرًا أو باطِنًا، إذا كان في مَواتٍ.
فإن أخَذَ قَدْرَ حاجَتِه، وأراد الإِقامَةَ فيه بحيث يَمْنَعُ غيرَه، مُنِع مِن ذلك؛ لأنَّه يُضَيِّقُ على النّاسِ بما لا نَفْعَ فيه له، أشْبَهَ ما لو وَقَف في مَشْرَعَةِ الماءِ لغيرِ حاجَةٍ.
2484 -
مسألة: (وهل يُمْنَعُ إذا طال مُقامُه)
للأخْذِ؟ (على وَجْهَين) أحَدُهما، يُمْنَعُ؛ لأنَّه يَصِيرُ كالمُتَمَلِّكِ.
والآخَرُ، لا يُمْنَعُ؛ لإِطْلاقِ الحديثِ.
وإنِ اسْتَبَقَ إليه اثْنانِ أو أكْثَرُ، وضاق المَكانُ عنهما،1
..................................
أُقْرِعَ 1 بينَهما؛ لأنَّه لا مَزِيَّةَ لأحَدِهما على الآخَرِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُقْسَمَ بينَهما؛ لأنَّه يُمْكِنُ قِسْمَتُه، وقد تَساوَيا، فقُسِمَ بينَهما، كما لو تَداعَيا عَينًا في أيدِيهما ولا بَيِّنَةَ لأحَدِهما.
ويَحْتَمِلُ أن يُقَدِّمَ الإِمامُ مَن يَرَى منهما؛ لأنَّ له نَظَرًا.
وذَكَر القاضي وَجْهًا رابِعًا، وهو أنَّ الإِمامَ يَنْصِبُ مَن يَقْسِمُ بينَهما.
وهذا التَّفْصِيلُ مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وَمَنْ سَبَقَ إِلَى مُبَاحٍ؛ كَصَيدٍ، وَعَنْبَرٍ، وَحَطَبٍ، وَثَمَرٍ، وَمَا يَنْبِذُهُ النَّاسُ، رَغْبَةً عَنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ.
وَإِنْ سَبَقَ إِلَيهِ اثْنَانِ، قُسِمَ بَينَهُمَا.
2485 - مسألة: (ومَن سَبَق إلى مُباحٍ؛ كصَيدٍ، أو عَنْبَرٍ، وحَطَبٍ، وثَمَرٍ)
ولُقَطَةٍ، ولَقِيطٍ (وما يَنْبِذُه النّاسُ رَغْبَةً عنه) أو يَضِيعُ منهم ممَّا لا تَتْبَعُه النَّفْسُ، وما يَسْقُطُ مِن الثَّلْجِ 1 وسائِرِ المُباحاتِ (فهو أحَقُّ به) بإذْنِ الإِمامِ وغيرِ إذْنِه، لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيهِ مُسْلِمٌ 2 فَهُوَ أحَقُّ بِهِ» (وإن سَبَق إليه اثْنان، قُسِمَ بينَهما) لأنَّ قِسْمَتَه مُمْكِنَةٌ، فلا يُؤَخَّرُ حَقُّ أحَدِهما؛ لأنَّه لا مَزِيَّةَ لأحَدِهما
..................................
على الآخَرِ.
وإن سَبَق إلى مواتٍ أو بِئْرٍ عادِيَّةٍ فهو أحَقُّ بها؛ لِما ذَكَرْنا.
وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي نَهْرٍ غَيرِ مَمْلُوكٍ؛ كَمِيَاهِ الْأَمْطَارِ، فَلِمَنْ فِي أَعْلَاهُ أَنْ يَسْقِيَ وَيَحْبِسَ الْمَاءَ حَتَّى يَصِلَ إِلَى كَعْبِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَ إِلَى مَنْ يَلِيهِ.
2486 - مسألة: (وإذا كان الماءُ في نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ؛ كِمياهِ الأمْطارِ، فلِمَن في أعْلاه أن يَسْقِيَ ويَحْبِسَ الماءَ حتى يَصِلَ إلى الكَعْبِ، ثمَّ يُرْسِلَ إلى مَن يَلِيه)
وجملةُ ذلك، أنَّه لا يَخْلُو الماءُ مِن حالين؛ إمّا أن يكونَ جارِيًا، أو واقِفًا.
والجارِي ضَرْبانِ؛ أحَدُهما، أن يكونَ في نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ، وهو قِسْمان؛ أحَدُهما، أن يكونَ نَهْرًا عَظِيمًا؛ كالنِّيلِ، والفُراتِ، الذي لا يَسْتَضِرُّ أحَدٌ بالسَّقْي منهما، فهذا لا تَزاحُمَ فيه، ولكلِّ أحَدٍ أن يَسْقِيَ منها متى شاء وكيفَ شاء.
القِسْمُ الثانِي، أن يكونَ نَهْرًا صَغِيرًا يَزْدَحِمُ النّاسُ فيه، ويَتَشاحُّون في مائِه، أو سَيلًا يَتَشاحُّ فيه أهْلُ الأرَضِينَ الشّارِبَةِ منه، فيُبْدَأُ بمَن في أوَّلِ النَّهْرِ، فيَسْقِي ويَحْبِسُ الماءَ حتى يَبْلُغَ الكَعْبَ، ثمَّ يُرْسِلُ إلى الذي يَلِيه، فيَصْنَعُ كذلك، وعلى
..................................
هذا حتى تَنْتَهِيَ الأراضِي كلُّها.
فإن لم يَفْضُلْ عن الأوَّلِ شيءٌ، أو عن الثانِي، أو عَمَّن يَلِيهما، فلا شيءَ للباقِينَ؛ لأنَّهم ليس لهم إلَّا ما فَضَل، فهم كالعَصَبَةِ في المِيراثِ.
وهذا قولُ فُقَهاءِ المَدِينَةِ، ومالِكٍ، والشافعيِّ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ رجلًا مِن الأنْصارِ خاصَمَ الزُّبَيرَ في شِراجِ الحَرَّةِ التي يَسْقُونَ بها إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «اسْقِ يَا زُبَيرُ، ثُمَّ أرْسِلِ الْمَاءَ إلَى جَارِكَ».
فغَضِبَ الأنْصارِيُّ، وقال: يا رسولَ اللهِ: أن كان ابنَ عَمَّتِك.
فتَلَوَّنَ وَجْهُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثمَّ قال: «يا زُبَيرُ اسْقِ، ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الجَدْرِ».
فقال الزُّبَيرُ: فواللهِ إِنِّي لأَحْسَبُ هذه الآيَةَ نَزَلَتْ فيه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ﴾ 1. مُتَّفَقٌ عليه 2.
..................................
وذَكَر عبدُ الرَّزّاقِ 1، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: نَظَرْنا في قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «ثُمَّ احْبِسِ الماءَ 2 حَتَّى يَبْلُغَ الجَدْرَ».
وكان ذلك إلى الكَعْبَين.
قال أبو عُبَيدٍ: الشِّراجُ: جَمْعُ شَرْجٍ.
والشَّرْجُ: نَهْرٌ صَغِيرٌ.
والحَرَّةُ: أرضٌ مُلْتَبِسَةٌ بحِجارَةٍ سُودٍ.
والجَدْرُ: الجِدارُ.
وإنَّما أمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الزُّبَيرَ أن يَسْقِيَ ثمَّ يُرْسِلَ، تَسْهِيلًا على غيرِه، فلَمّا قال الأنْصارِيُّ ما قال، اسْتَوْفَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للزُّبَيرِ حَقَّه.
وروَى مالِكٌ في «المُوَطَّأ» 3 عن عبدِ اللهِ بنِ أبي بكرِ بنِ عَمْرِو 4 بنِ حَزْمٍ، أنَّه بَلَغَه أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال في سَيلِ مَهْزُورٍ 5 ومُذَينِيبٍ: «يُمْسِكُ حَتَّى يَبْلُغَ الكَعْبَينِ، ثُمَّ يُرْسِلُ الأعْلَى على الأسْفَلِ».
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا حديثٌ مَدَنِيٌّ
..................................
مَشْهورٌ عندَ أهلِ المَدِينَةِ مَعْمُولٌ به عندَهم.
قال عبدُ المَلِكِ بنُ حَبِيبٍ 1: مَهْزُورٌ 2 ومُذَينِيبٌ، وادِيان مِن أوْدِيَةِ المَدِينَةِ يَسِيلانِ بالمَطَرِ، يَتَنافَسُ أهْلُ الحَوائِطِ في سَيلهِما.
وروَى أبو داودَ 3 بإسْنادِه، عن ثَعْلَبَةَ بنِ أبي مالِكٍ، أنَّه سَمِع كُبَراءَهم يَذْكُرُون، أنَّ رجلًا مِن قُرَيشٍ كان له سَهْمٌ في بَنِي قُرَيظَةَ، فخاصَمَ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في مَهْزُورٍ -السَّيلِ الذي يَقْتَسِمُونَ ماءَه- فقَضَى بينَهم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الماءَ إلى الكَعْبَين، لا يَحْبِسُ الأعْلَى على الأسْفَلِ.
ولأنَّ مَن أرْضُه قَرِيبَةٌ مِن رَأْسِ النَّهْرِ سَبَق 4 إلى المَاءِ 5، فكان أوْلَى به، كالسّابِقِ إلى المَشْرَعَةِ.
فإن كانت أرْضُ صاحِبِ الأَعْلَى مُخْتَلِفَةً، منها عالِيَةٌ ومنها مُسْتَفِلَةٌ، سَقَى كلَّ واحِدَةٍ منها على حِدَتِها.
فإنِ اسْتَوَى اثْنان في القُرْبِ مِن أوَّلِ النَّهْرِ، اقْتَسَما
فَإِذَا أَرَادَ إِنْسَانٌ إِحْيَاءَ أَرْضٍ بسَقْيِهَا مِنْهُ، جَازَ مَا لَمْ يَضُرَّ بِأَهْلِ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ.
الماءَ بينَهما إن أمْكَنَ، وإلَّا أُقْرِعَ بينَهما، فَقُدِّمَ مَن تَقَعُ له القُرْعَةُ، فإن كان الماءُ لا يَفْضُلُ عن أحَدِهما، سَقَى مَن تَقَعُ له القُرْعَةُ بقَدْرِ حَقِّه مِن الماءِ، ثمَّ تَرَكَه للآخَرِ، وليس له السَّقْيُ بجَمِيعِ الماءِ؛ لمُساواةِ الآخَرِ له في اسْتِحْقاقِ الماءِ، وإنَّما القُرْعَةُ للتَّقْدِيمِ في اسْتِيفاءِ الحَقِّ لا في أصْلِ الحَقِّ، بخِلافِ الأعْلَى مع الأسْفَلِ، فإنَّه ليس للأسْفَلِ حَقٌّ إلَّا في الفاضِلِ عن الأعْلَى.
فإن كانت أرْضُ أحَدِهما أكْبَرَ مِن أرْضِ الآخَرِ، قُسِم الماءُ بينَهما على قَدْرِ الأرْضِ؛ لأنَّ الزائِدَ مِن أرْضِ أحَدِهما مُساوٍ في القُرْبِ، فاسْتَحَقَّ جُزءًا مِن الماءِ، كما لو كان لثالِثٍ.
2487 -
مسألة: (فإن أراد إنسانٌ إحْياءَ أرْضٍ)
ليَسْقِيَها مِن ماءِ النَّهْرِ (جاز، ما لم يَضُرَّ بأهْلِ الأرْضِ الشّارِبَةِ منه) إذا كان لجَماعَةٍ
..................................
رَسْمُ شُرْبٍ مِن نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ، أو سَيلٍ، فجاء إنْسانٌ ليُحْيِيَ مَواتًا أقْرَبَ مِن رَأْسِ النَّهْرِ مِن أرْضِهم، لم يكنْ له أن يَسْقِيَ قبلَهم؛ لأنَّهم أسْبَقُ إلى النَّهْرِ منه، ولأنَّ مَن مَلَك أرْضًا مَلَكَها بحُقُوقِها ومَرافِقِها، ولا يَمْلِكُ غيرُه إبْطال حُقُوقِها، وهذا مِن حُقُوقِها.
وهل لهم مَنْعُه مِن إحْياءِ ذلك المَواتِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، ليس لهم مَنْعُه؛ لأنَّ حَقَّهم في النَّهْرِ لا في المَواتِ.
والثانِي، لهم مَنْعُه؛ لِئَلَّا يَصِيرَ ذلك ذَرِيعَةً إلى مَنْعِهم حَقَّهم مِن السَّقْي؛ لتَقْدِيمِه عليهم في القُرْبِ إذا طال الزَّمانُ وجُهِل الحالُ.
فإذا
..................................
قُلْنا: ليس لهم مَنْعُه.
فسَبَقَ إلى مَسِيلِ ماءٍ أو نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ فأحْيا في أسْفَلِه مَواتًا، ثمَّ أحْيا آخَرُ فوقَه، ثمَّ أحْيا ثالثٌ فوقَ الثانِي، كان للأسْفَلِ السَّقْيُ أوَّلًا ثمَّ الثاني ثمَّ الثالثِ، ويُقَدَّمُ السَّبْقُ إلى الإِحْياءِ على السَّبْقِ إلى أوَّلِ النَّهْرِ، لِما ذَكَرْنا.
فصل: الضَّرْبُ الثانِي، الجارِي في نَهْرٍ مَمْلُوكٍ، وهو قِسْمان؛ أحَدُهما، أن يكونَ الماءُ مُباحَ الأصْلِ، مثلَ أن يَحْفِرَ إنْسانٌ نَهْرًا صَغِيرًا يتَّصِلُ بنَهْرٍ كبيرٍ مُباحٍ، فما لم يتَّصِلِ الحَفْرُ لا يَمْلِكُه، وإنَّما هو تَحَجُّرٌ وشُرُوعٌ في الإِحْياءِ، فإذا اتَّصَلَ الحَفْرُ، مَلَكَه؛ لأنَّ المِلْكَ بالإِحْياءِ أن تَنْتَهِيَ العِمارَةُ إلى قَصْدِها، بحيث يتَكَرَّرُ الانْتِفاعُ بها على صُورَتِها، وهذا كذلك.
وسَواءٌ أجْرَى فيه الماءَ أو لم يُجْرِه؛ لأنَّ الإِحْياءَ يَحْصُلُ بتَهْيِئَتِه للانْتِفاعِ به دُونَ حُصُولِ المَنْفَعةِ، فيَصِيرُ مالِكًا لقَرارِ النَّهْرِ وحافَّتَيه، وهَواؤُه حَقٌّ له، وكذلك حَرِيمُه، وهو مَلْقَى الطَّينِ مِن جَوانِبِه.
وعندَ القاضي أنَّ ذلك غيرُ مَمْلُوكٍ لصاحِبِ النَّهْرِ، وإنَّما هو حَقٌّ مِن حُقُوقِ
..................................
المِلْكِ.
وظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ، أنَّه مَمْلُوكٌ لصاحِبِه 1، قِياسًا على قَوْلِه في حَرِيمِ البِئْرِ، أنَّه يَمْلِكُه.
إذا تَقَرَّرَ ذلك، فكان النَّهْرُ لجَماعَةٍ، فهو بينَهم على حَسَبِ العَمَلِ والنَّفَقَةِ؛ لأنَّه إنَّما مُلِك بالعِمارَةِ، والعِمارَةُ بالنَّفَقَةِ، فإن كَفَى جَمِيعَهم، فلا كَلامَ، وإن لم يَكْفِهم فتَراضَوْا على قِسْمَتِه بالمُهايَأَةِ أو غيرِها، جاز؛ لأنَّه 2 حَقُّهم، لا يَخْرُجُ عنهم.
وإن تَشاحُّوا فيه، قَسَمَه الحاكِمُ بينَهم على قَدْرِ أمْلاكِهم؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهم
..................................
يَمْلِكُ مِن النَّهْرِ بقَدْرِ ذلك، فتُؤْخَذُ خَشَبَةٌ، أو حَجَرٌ مُسْتَوي الطَّرَفَين والوَسَطِ فيُوضَعُ على مَوْضِعٍ مُسْتَوٍ مِن الأرْضِ في مَصْدَمِ الماءِ، فيه حُزُوزٌ أو ثُقُوبٌ مُتَساويَةٌ في السَّعَةِ على قَدْرِ حُقُوقِهم يَخْرُجُ 1 مِن كلِّ [حَزٍّ أو ثُقْبٍ] 2 إلى 3 ساقِيَةٍ مُفْرَدَةٍ لكلِّ واحِدٍ منهم، فإذا حَصَل الماءُ في ساقِيَتِه، انْفَرَدَ به، فإن كانت أمْلاكُهم مُخْتَلِفَةً، قسِمَ على قَدْرِ ذلك، فإذا كان لأحَدِهم نِصْفُه، وللثانِي ثُلُثُه، وللثالثِ سُدْسُه، جُعِل فيه سِتَّةُ ثُقُوبٍ؛ لصاحِبِ النِّصْفِ ثَلاثَةُ نُصُبٍ في ساقِيَتِه، ولصاحِبِ الثُّلُثِ اثْنان، ولصاحِبِ السُّدْسِ واحِدٌ.
فإن كان لواحِدٍ الخُمْسانِ، والباقِي لاثْنَين على السَّواءِ، جُعِل عَشَرَةُ ثُقُوبٍ؛ لصاحِبِ الخُمْسَين أرْبَعةُ نُصُبٍ في ساقِيَتِه، ولكلِّ واحِدٍ مِن الآخَرَين ثلاثةٌ.
فإن كان النَّهْرُ لعَشَرَةٍ، لخَمْسَةٍ منهم أراضٍ قَرِيبَةٌ 4 مِن أَوَّلِ النَّهْرِ، ولخَمْسَةٍ أراضٍ بَعِيدَةٌ، جُعِل لأصْحابِ القَرِيبَةِ خَمْسَةُ ثُقُوبٍ، لكلِّ واحِدٍ ثُقْبٌ، وجُعِل للباقِين خَمْسَةٌ، تَجْرِي في النَّهْرِ حتى تَصِلَ إلى أرْضِهِم، ثمَّ تُقْسَمٌ بينَهم قِسْمَةً
..................................
أُخْرَى.
فإن أراد أحَدُهم أن يُجْرِيَ ماءَه في ساقِيَةِ غيرِه ليُقاسِمَه في مَوْضِعٍ آخَرَ، لم يَجُزْ بغيرِ رِضَاه؛ لأنَّه يَتَصَرَّفُ في ساقِيَتِه، ويَخْرُبُ حافَّتَها بغيرِ إذْنِه، ويَخْلِطُ حَقَّه بحقِّ غيرِه على وَجْهٍ لا يتَمَيَّزُ، فلم يَجُزْ ذلك.
ويَجِئُ على قَوْلِنا: إنَّ الماءَ لا يُمْلَكُ.
أنَّ حُكْمَ الماءِ في هذا النَّهْرِ حُكْمُه في نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ، وأنَّ الأسْبَقَ أحَقُّ بالسَّقي، ثمَّ الذي يَلِيه، على ما ذَكَرْنا.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ كلِّه على نحو ما ذَكَرْنا.
فصل: وإذا حَصَل نَصِيبُ إنْسانٍ في ساقِيَتِه 1، فله أن يَسْقِيَ به ما شاءَ مِن الأرْضِ، سَواءٌ كان لها رَسْمُ شُرْبٍ مِن هذا النَّهْرِ أو لم يَكُنْ.
وله أن يُعْطِيَه مَن يَسْقِي به.
وقال القاضي، وأصحابُ الشافعيِّ: ليس له سَقْيُ أرْضٍ ليس لها رَسْمُ شُرْبٍ مِن هذا الماءِ؛ لأنَّ ذلك دالٌّ على أنَّ لها قَسْمًا مِن هذا الماءِ، فرُبَّما جُعِلَ 2 سَقْيُها منه دَلِيلًا على اسْتِحْقاقِها لذلك، فيَسْتَضِرُّ الشُّرَكاءُ، ويَصِيرُ هذا كما لو كان له دارٌ بابُها في دَرْبٍ لا يَنْفُذُ، ودارٌ بابُها في دَرْبٍ آخَرَ، ظَهْرُها مُلاصِقٌ لظَهْرِ دارِه الأُولَى، فأراد تَنْفِيذَ إحْداهما إلى الأُخْرَى، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يَجْعَلُ لنَفْسِه اسْتِطْراقًا مِن كلِّ واحِدةٍ مِن الدّارَين.
ولَنا، أنَّ هذا ماءٌ انْفَرَدَ باسْتِحْقاقِه، فكان له أن يَسْقِيَ منه ما شاء، كما لو انْفَرَدَ به مِن أصْلِه.
ولا نُسَلِّمُ ما ذَكَرَه
..................................
في الدّارَين، وإن سَلَّمْنا فالفَرْقُ بينَهما أنَّ كلَّ دارٍ يَخْرُجُ منها إلى دَرْبٍ مُشْتَرَكٍ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أن لكلِّ دارٍ سُكانًا، فيَجْعَلُ لسُكّانِ كلِّ واحِدَةٍ منهما اسْتِطْراقًا إلى دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ لم يَكُنْ لهم حَقٌّ في اسْتِطْراقِه، وههُنا إنَّما يَسْقِي مِن ساقِيَتِه المُفْرَدَةِ التي لا يُشارِكُه غيرُه فيها، فلو صار لتلك الأرْضِ رَسْمٌ مِن الشُّرْبِ مِن ساقِيَتِه لم يَتَضَرَّرْ بذلك أحَدٌ.
ولو كان يَسْقِي مِن هذا النَّهْرِ بدُولابٍ، فأحَبَّ أن يَسْقِيَ بذلك الماءِ أرْضًا لا رَسْمَ لها في الشُّرْبِ مِن ذلك النَّهْرِ، فالحُكْمُ في ذلك على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ.
وإن كان الدُّولابُ يَغْرِفُ مِن نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ، جاز أن يَسْقِيَ بنَصِيبِه مِن الماءِ أرْضًا لا رَسْمَ لها في الشُّرْبِ منه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
فإن ضاق الماءُ، قُدِّمَ الأسْبَقُ فالأسْبَقُ، على ما مَضَى.
فصل: ولكلِّ واحِدٍ منهم أن يَتَصَرَّفَ في ساقِيَتِه المُخْتَصَّةِ به بما أحَبَّ مِن إجْراءِ 1 غيرِ هذا الماءِ فيها، أو عَمَلِ رَحىً عليها، أو دُولابٍ، أو عَبَّارةٍ، وهي خَشَبَةٌ تُمَدُّ على طَرَفَي النَّهْرِ، أو قَنْطَرَةٍ يَعْبُرُ فيها الماءُ، أو غيرِ ذلك مِن التَّصَرُّفاتِ؛ لأنَّها مِلْكُه، ولا حَقَّ فيها لغيرِه.
فأمَّا النَّهْرُ المُشْتَرَكُ، فليس لواحِدٍ منهم أن يتَصَرَّفَ فيه بشيءٍ مِن ذلك؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ في النَّهْرِ المُشْتَرَكِ، أو في حَرِيمِه بغيرِ إذْنِ شُرَكائِه.
وقال القاضي في العَبّارَةِ: هذا يَنْبَنِي على الرِّوايَتَين في مَن أراد أن يُجْرِيَ ماءَه في أرْضِ غيرِه.
..................................
والصَّحِيحُ أنَّه لا يَجُوزُ ههُنا، ولا يَصِحُّ قِياسُ هذا على إجْراءِ الماءِ في أرْضِ غيرِه؛ لأنَّ إجْراءَ الماءِ في أرْضٍ يَنْفَعُ صاحِبَها، لأنَّه يَسْقِي عُرُوقَ شَجَرِه، ويَشْرَبُه أوَّلًا وآخِرًا.
وهذا لا يَنْفَعُ النَّهْرَ، بل رُبَّما أفْسَدَ حافَّتَيه، ولا يَسْقِي له شيئًا.
ولو أراد أحَدُ الشُّرَكاءِ أن يَأْخُذَ مِن النَّهْرِ قبل قَسْمِه شيئًا يَسْقِي به أرْضًا في أوَّلِ النَّهْرِ أو في غيرِه، أو أراد إنسانٌ غيرُهم ذلك، لم يُجزْ؛ لأنَّهم صارُوا أحَقَّ بالماءِ الخاصِّ في نهْرِهم مِن غيرِهم، ولأنَّ الأخْذَ مِن الماءِ رُبَّما احْتاجَ إلى تَصَرُّفٍ في حافَّةِ النَّهْرِ المَمْلُوكِ لغيرِه، أو المُشْتَرَكِ بينَه وبينَ غيرِه.
ولو فاض ماءُ هذا النَّهْرِ إلى أرْضِ إنْسانٍ، فهو مُباحٌ، كالطّائِرِ يُعَشِّشُ في مِلْكِ إنْسانٍ.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في ذلك على نحو ما ذَكَرْنا.
فصل: وإن قَسَمُوا ماءَ النَّهْرِ المُشْتَرَكِ بالمُهايَأةِ، جاز، إذا تَراضَوْا به وكان حَقُّ كلِّ.
واحِدٍ منهم مَعْلُومًا، مثلَ أن يَجْعَلُوا لكلِّ حِصَّةٍ يومًا ولَيلَةً.
وان قَسَمُوا النَّهارَ، فجَعَلُوا لواحِدٍ مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى الزَّوالِ، وللآخَرِ مِن الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ، ونحوَ ذلك، جاز.
وإن قَسَمُوه ساعاتٍ، وأمْكَنَ ضَبْطُ ذلك بشيءٍ مَعْلُومٍ، جاز.
فإذا حَصَل الماءُ لأحَدِهم في نَوْبَتِه، فأراد أن يَسْقِيَ به أرْضًا ليس لها رَسْمُ شُرْبٍ مِن هذا، أو يُؤْثِرَ به إنْسانًا، أو يُقْرِضَه إيَّاه على وَجْهٍ لا يَتَصَرَّفُ في حافَّةِ النَّهْرِ، جاز.
وعلى قولِ القاضي، وأصحابِ الشافعيِّ، يَنْبَغِي أن لا يجوزَ؛ لِما
..................................
تَقَدَّمَ.
وإن أراد صاحِبُ النَّوْبَةِ أن يُجْرِيَ [مع مائِه ماءً له آخَرَ، يَسْقِي به أرْضَه التي لها رَسْمُ شُرْبٍ مِن النَّهْرِ] 1، أو أرْضًا له أُخْرَى، أو سَألَه إنْسانٌ [أن يُجْرِيَ] 2 له ماءً مع مائِه في هذا النَّهْرِ ليُقاسِمَه إيّاه في مَوْضِعٍ آخَرَ على وَجْهٍ لا يَضُرُّ بالنَّهْرِ ولا بأحدٍ، جاز ذلك، في قِياسِ قولِ أصْحابِنا؛ فإنهم قالوا في مَن اسْتَأْجَرَ أرْضًا: جاز أن يُجْرِيَ فيها ماءً في نَهْرٍ مَحْفُورٍ، إذا كان فيها.
ولأنَّه مُسْتَحِقٌّ.
لنَفْعِ النَّهْرِ في نَوْبَتِه بإجْراءِ الماءِ، فأشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَها لذلك.
فصل: القِسْمُ الثّانِي، أن يكونَ مَنْبَعُ الماءِ مَمْلُوكًا، مثلَ أنِ اشْتَرَكَ جَماعَةٌ في اسْتِنْباطِ عَينٍ وإجْرائِها، فإنَّهم يَمْلِكُونَها أيضًا، لأنَّ ذلك إحْياءٌ لها، ويَشْتَرِكُون فيها وفي ساقِيَتِها على حَسَبِ ما أنْفَقُوا عليها وعَمِلُوا فيها، كما ذَكَرْنا في النَّهْرِ في القِسْمِ الذي قبلَه، إلَّا أنَّ الماءَ غيرُ مَمْلُوكٍ ثَمَّ؛ لأنَّه مُباحٌ دَخَل مِلْكَه، فأشْبَه ما لو دَخَل بُسْتانَه صَيدٌ، وههُنا يُخْرَّجُ على رِوايَتَين، أصَحُّهما أنَّه غيرُ مَمْلُوكٍ أيضًا، وقد ذَكَرْنا ذلك في كِتابِ البَيعِ 3. وعلى كلِّ حالٍ فلكلِّ أحَدٍ أن يَسْتَقِيَ مِن الماءِ الجارِي لشُرْبِه ووُضُوئِه وغُسْلِه وغَسْلِ ثِيابِه، ويَنَتْفِعَ به في أشْباهِ ذلك ممَّا لا يُؤَثِّرُ فيه، مِن غيرِ إذْنِه، إذا لم يَدْخُلْ إليه في مكانٍ مُحَوَّطٍ عليه.
ولا يَحِلُّ 4
..................................
لصاحِبِه المَنْعُ مِن ذلك؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللهُ إلَيهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ؛ رَجُلٌ كَانَ بِفَضْلِ مَاءٍ بالطَّرِيق فمَنَعَهُ ابْنَ السَّبِيلِ».
رَواه البُخارِيُّ 1. وعن بُهَيسَةَ، عن أبِيها، أنَّه قال: يا نبيَّ اللهِ، ما الشيءُ الذي لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال: «الماءُ».
قال: يا نَبِيَّ اللهِ، ما الشيءُ الذي لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال: «المِلْحُ».
قال: يا نَبِيَّ اللهِ، ما الشيءُ الذي لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال: «أنْ تَفْعَلَ الخَيرَ خَيرٌ لَكَ».
رَواه أبو داودَ 2. ولأَنَّ ذلك لا يُؤَثِّرُ في العادَةِ، وهو فاضِلٌ عن حاجَةِ صاحِبِ النَّهْرِ.
وأمَّا ما يُؤَثِّرُ، كسَقْي الماشِيَةِ الكَثِيرَةِ، فإن فَضَل عن حاجَتِه، لَزِمَه بَذْلُه، وإلَّا لم يَلْزَمْه، وقد ذَكَرْناه.
فصل: إذا كان النَّهْرُ أو السّاقِيَةُ مُشْتَرَكًا بينَ جَماعَةٍ، فأرادُوا إكْراءَه، أو سَدَّ شِقٍّ 3 فيه، أو إصْلاحَ حائِطِه، أو شيءٍ منه، كان ذلك عليهم على حَسَبِ مِلْكِهم فيه، فإن كان بعضُهم أدْنَى إلى أوَّلِه مِن بعضٍ، اشْتَرَكَ الكلُّ في إصْلاحِه وإكْرائِه، إلى أن يَصِلُوا إلى الأوَّلِ، ثمَّ لا شيءَ على الأوَّلِ، ويَشْتَرِكُ الباقُونَ حتى يَصِلُوا إلى الثانِي، ثمَّ يَشْتَرِكُ مَن بعدَه كذلك، كلَّما انْتَهَى العَمَلُ إلى مَوْضِعِ واحِدٍ منهم، لم يَكُنْ عليه فيما بعدَه
وَلِلامَامِ أنْ يُحْييَ أرْضًا مِنَ الْمَوَاتِ، تَرْعَى فِيهَا دَوَابُّ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَقُومُ بِحِفْظِهَا، مَا لمْ يُضَيِّقْ عَلَى النَّاسِ.
وَلَيس ذَلِكَ لِغَيرِهِ.
شيء.
وبهذا قال الشافعي، وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمد: يَشْتَرِكُ جَمِيعُهم في إكْرائِه كلِّه؛ لأنَّهم يَنْتَفِعُونَ بجَمِيعِه، فإن ما جاوَزَ الأوَّلَ مَصَب لمائِه، وإن لم يَسْقِ أرْضَه.
ولَنا، أنَّ الأوَّلَ إنما يَنْتَفِعُ بالماءِ الذي في مَوْضِعِ شرْبِه، وما بعدَه إنَّما يَخْتَصُّ بالانْتِفاعِ (1) مِن دُونِه، فلا يُشارِكُهم في مُؤنَتِه، كما لا يُشارِكُهم في نَفْعِه.
فإن كان يَفْضُلُ عن جَمِيعِهم منه ما يَحْتاجُ إلى مَصْرِفٍ، فمُؤنته على جَمِيعِهم؛ لاشْتِراكِهم في الحاجَةِ إليه والانْتِفاعِ به، فكانت مُؤنته عليهم كلِّهم، كأوَّلِه.
2488 -
مسألة: (وللإِمامِ أن)
يَحْمِيَ (أرْضًا مِن المَواتِ، تَرْعَى فيها دَوابُّ المسلمين التي يَقُومُ بحِفْظِها، ما لم يُضَيِّقْ على النّاسِ) ولا يجوزُ ذلك (لغيرِه) مَعْنَى الحِمَى، أن يَحْمِيَ أرْضًا، يَمْنَعُ النّاسَ رَعْيَ حَشِيشِها، ليَخْتَصَّ بها.
وكانتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تَعْرِفُ ذلك، فكان منهم مَن إذا انْتَجَعَ بَلَدًا أقام كَلْبًا على نَشْزٍ، ثم اسْتَعْواه، ووَقَف له مِن كلِّ ناحِيَةٍ مَن يسْمَع صَوْتَه بالعُواءِ، فحيثُ انْتَهَى صَوْتُه حَماه مِن كل ناحِيَةٍ لنَفْسِه، ويَرْعَى مع النّاسِ فيما سِواه.
فنَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عنه؛ لِما1
..................................
فِيه مِن التضْيِيقِ على النّاسِ ومَنْعِهِم مِن الانْتِفاعِ بشيء لهم فيه حَق، فرَوَى الصَّعْبُ بنُ جَثّامَةَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «لا حِمَى إلَّا للهِ وَلِرَسُولِه».
رَواه أبو داودَ 1. وقال عليه الصلاةُ والسّلامُ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ في ثَلَاث؛ فِي المَاءِ، والنَّارِ، والكَلَأ».
رَواه الخَلالُ 2. فليس لأحَد مِن النّاسِ أن يَحْمِيَ سِوَى الأئِمّةِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الخَبَرِ والمَعْنَى.
فأمّا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فقد كان له أن يَحْمِيَ لنَفْسِه وللمسلمين؛ لقَوْلِه: «لا حِمَى إلَّا لِلّهِ ولِرَسُولِهِ».
ولم يَحْمِ لنَفْسِه شيئًا، وإنَّما حَمَى للمسلمين، فرَوَى ابنُ عُمَرَ، قال: حَمَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - النَّقِيعَ لخَيلِ المسلمينُ.
رَواه أبو عُبَيدٍ 3. والنَّقِيعُ، بالنُّونِ: مَوْضِعٌ يُنْتَقَعُ فيه الماءُ، فيَكْثُرُ فيه الخِصْبُ؛ لمَكانِ الماءِ الذي يَصِيرُ فيه.
وأمّا سائِرُ أئِمَّةِ المسلمين، فليس لهم أن يَحْمُوا لأنْفُسِهِم شيئًا، ولكن لهم أن يَحْمُوا مواضِعَ لتَرْعَى فيها خَيلُ المُجاهِدِين، ونَعَمُ الجِزْيَةِ، وإبِلُ الصَّدَقَةِ، وضَوالُّ الناسِ التي يَقُومُ الإمامُ بحِفْظِها، وماشِيَةُ الضَّعِيفِ مِن النّاسِ، على وَجْهٍ لا يَسْتَضِرُّ به مَن سِواه مِن الناسِ.
وبهذا
..................................
قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعي في صَحِيحِ قَوْلَيه.
وقال في الآخَرِ: ليس لغيرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أن يَحْمِيَ؛ لقَوْلِه: «لَا حِمَى إلَّا لِلّهِ ولِرَسُولِهِ».
ووَجْهُ الأولِ، أن عُمَرَ وعُثْمانَ حَمَيا، واشْتَهَر ذلك في الصحابةِ، فلم يُنْكَرْ عليهما، فكان إجْماعًا، فرَوَى أبو عُبَيدٍ 1، بإسْنادِه، عن عامِرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ، أحْسَبُه عن أبيه، قال: أتى أعْرابِي عُمَرَ، فقال: يا أمِيرَ المُومِنِينَ، بِلادُنا قاتَلْنا عليها في الجاهِلِيةِ، وأسْلَمْنا عليها في الإسْلامِ، عَلامَ تَحْمِيها؟ قال: فأطْرَقَ عُمَرُ، وجَعَلَ يَنْفُخ ويَفْتِلُ شارِبَه وكان إذا كَرَبَه أمْر قتَل شارِبَه، ونَفَخ.
فلَمّا رَأى الأعْرابِيُّ ما به جَعَل يُرَدِّدُ ذلك، فقال عُمَرُ: المال مالُ اللهِ، والعِبادُ عِبادُ اللهِ، واللهِ لولا ما أحْمِلُ عليه في سَبِيلِ اللهِ ما حَمَيتُ مِن الأرْضِ شِبْرًا في شِبْر.
قال مالِك: بَلَغَنِي أنَّه كان يَحْمِلُ في كلِّ عام على أرْبَعِين ألْفًا مِن الظَّهْرِ.
وعن أسْلَمَ تال: سَمِعْتُ عُمَرَ يقولُ لِهُنَيٍّ حينَ اسْتَعْمَلَه على حِمَى الربْذَةِ 2: يا هُنَيُّ، اضْمُمْ جَناحَك عن الناسِ، واتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فإنها مُجابَةٌ، وأدْخِلْ رَبَّ الصرِيمَةِ والغَنِيمَةِ، ودَعْنِي مِن نَعَمِ بنِ عَوْفٍ ونَعَمِ بنِ عَفّانَ، فإنَّهما إن هَلَكَتْ ماشِيَتُهما رَجَعا إلى نَخْل وزَرْع، وإن هذا المِسْكِينَ إن هَلَكَتْ ماشِيَتُه جاء يَصْرُخُ: يا أمِيرَ المُومِنِينَ.
فالكَلأ أهْوَنُ عَلَيَّ أمْ غُرْمُ الذَّهَبِ والوَرِق، إنَّها أرْضُهم قاتلُوا عليها في الجاهِلِيةِ، وأسْلَمُوا عليها
وَمَا حَمَاهُ النبِي - صلى الله عليه وسلم - فَلَيسَ لِأحَدٍ نَقْضُهُ.
في الإسْلامِ، وإنهُم ليَرَوْنَ أنّا نَظْلِمُهم، ولولا النعَمُ التي نَحْمِلُ عليها في سَبِيلِ اللهِ ما حَمَيتُ على الناسِ مِن بلادِهم شيئًا أبدًا (1). وهذا إجْماع منهم.
ولأن ما كان لمَصالِحِ المسلمين، قامَتِ الأئِمةُ فيه مَقامَ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «مَا أطْعَمَ الله لنبي طعْمَةً إلا (2) جَعَلَها طُعْمَةً لِمَنْ بَعْدَهُ» (3). والخَبَرُ مَخْصُوص.
وما حَماه لنَفْسِه يُفارِقُ حِمَى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لنَفْسِه؛ لأن صَلاحَه يَعُودُ إلى صَلاحِ المسلمين، ومالَه كان يَرُده على المسلمين.
وليس لهم أن يَحْمُوا إلا قَدْرًا لا يُضَيِّقُ على (4) المسلمين ويَضُرُّ بهم؛ لأنه إنَّما جاز لِما فيه مِن المَصْلَحَةِ لِما يَحْمِي، وليس مِن المَصْلَحَةِ إدْخالُ الضرَرِ على أكثَرِ الناسِ.
2489 -
مسألة: (وما حَماه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فليس لأحَدٍ نَقْضُه)
ولا تَغْيِيرُه مع بَقاءِ الحاجَةِ إليه؛ لأنَّ ما حَكَم به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - نَص1234
وَمَا حَمَاهُ غَيرُهُ مِنَ الْأئِمَّةِ فَهَلْ يَجُوزُ نَقْضُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
لا يَجُوزُ نَقْضه بالاجْتِهادِ.
ومَن أحْيا منه شيئًا لم يَمْلِكْه.
وان زالتِ الحاجَةُ إليه، ففيه وَجْهانِ؛ أصَحُّهما، أنَّه لا يَجُوز نَقْضُه؛ لِما ذَكَرْنا.
فأمّا (ما حَماه غيرُه مِن الأئِمّةِ) فغيَّرَه هو أو غيرُه مِن الأئِمَّةِ، جاز.
وإن أحْياه إنسانٌ، مَلَكَه، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ حِمَى الأئِمَّةِ اجْتِهادٌ، ومِلْك الأرْضِ بالإحْياءِ نَصٌّ، والنصُّ تقَدَّمُ على الاجْتِهادِ.
والوَجهُ الآخَرُ، لا يَمْلِكُه؛ لأن اجْتِهادَ الإمامِ لا يَجُوز نَقْضُه، كما لا يجوزُ نقْضُ حكْمِه.
والأول أوْلَى؛ لأن الاجْتِهادَ في حِماه في تلك المدَّة دُونَ غيرِه، ولهذا مَلَك الحامِي نَقْضَه.
ومَذْهَبُ الشافعيّ في هذا على نحو ما ذَكَرْنا.
بَابُ الجَعَالةِ
بابُ الجَعالةِ
1
الجَعالةُ أن يَجْعَلَ جُعْلًا مِن رَدِّ آبِقٍ أو ضالةٍ، أو بناءِ حائِطٍ، أو خِياطَةِ ثَوْبٍ، وسائِرِ ما تَجُوزُ الإجارَةُ عليه.
وهذا قولُ أَبي حنيفةَ، ومالك، والشافعيِّ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالفًا.
والأصْلُ في ذلك قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ 2. وروَى أبو سعيدٍ، أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أتَوْا حَيًّا مِن أحْياءِ العَرَبِ، فلم يَقْرُوهم، فبَينا هم كذلك إذ لُدِغ سَيِّدُ أولئك، فقالُوا: هل فيكم راقٍ؟ فقالُوا: لم تَقْرُونا، فلا نَفْعَلُ حتى تَجْعَلُوا لنا جُعْلًا.
فجَعَلُوا لهم قَطِعَ شِياهٍ، فجَعَل رجل منهم يَقْرأ بأمِّ القُرْآنِ، ويَجْمَعُ بُزاقه ويَتْفُلُ، فبَرَأ الرجلُ، فأتَوْهم بالشاءِ.
فقالُوا: لا نَأخُذُها حتى نَسْألَ عنها رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فسَألوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «وَمَا أدرَاكَ أنَّهَا رُقية؟ خُذُوهَا، واضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْم».
رَواه البخاري 3. ولأن الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك، فإن العَمَلَ قد يَكونُ مَجْهُولًا، كرَدِّ الضّالةِ والآبِقِ، فلا تَنْعَقِدُ الإجارَةُ عليه، وقد
وَهِيَ أنْ يَقولَ: مَنْ رَد عَبْدِي، أوْ لُقَطَتِي، أوْ بَنَى لِيَ هَذَا الْحَائطَ، فَلَهُ كَذَا.
لا يَجِدُ مَن يَتَبَرَّعُ به، فدَعَتِ الحاجَةُ إلى بَذْلِ العِوَضِ فيه مع جَهالةِ العَمَلِ؛ لأنها غيرُ لازِمةٍ، بخِلافِ الإجارَةِ، ألا تَرَى أن الإجارَةَ لمّا كانت لازِمَةً، افْتَقَرَتْ إلى تَقْدِير مُدَّةٍ، والعُقُودُ الجائِزَةُ كالشرِكَةِ والوَكالةِ لا يَجِبُ تَقْدِيرُ مُدَّتِها، لأنَّ الجائِزَةَ (1) لكلِّ واحدٍ منهما تَرْكُها، فلا يُؤَدِّي إلى أن يَلْزَمَه مَجْهُول، بخِلاف اللازِمَةِ.
2490 -
مسألة: (وهي أن يقولَ: مَن رَدَّ عَبْدِي، أو لُقَطَتي، أو بَنَى لي هذا الحائِطَ، فله كذا)
فإذا قال ذلك صَح، وكان عَقْدًا جائِزًا، لكلِّ واحدٍ منهما الرُّجُوعُ فيه قبلَ حُصُولِ العَمَلِ.1
فَمَنْ فَعَلَهُ بَعْدَ أنْ بَلَغَهُ الْجُعْلُ اسْتَحَقهُ.
2491 - مسألة: (فمَن فَعَلَه بعدَ أن بَلَغه الجُعْلُ، اسْتَحَقه)
لِما
وَإنْ فَعَلَهُ جَمَاعَةٌ، فَهُوَ بَينَهُمْ.
ذَكَرْنا مِن الآيَةِ وحديثِ أبي سعيد.
ولأَنه عِوَض يُسْتَحَق بالعَمَلِ، فلا يَسْتَحِقه مَن لم يَعْمَلْ، كالأجْرَةِ في الإجارَةِ.
2492 -
مسألة: (وإن فَعَلَه جَماعَةٌ، فهو بينَهم)
وجُمْلَةُ ذلك، أَنه يَجُوزُ أن يَجْعَلَ الجُعْلَ لواحِد بعَينه، فيَقُولَ: إن رَدَدْتَ عَبْدِي، فلك دِينارٌ.
فلا يَسْتَحِقُّ الجُعْلَ مَن رَدَّه سِواه.
ويَجُوزُ أن يَجْعَلَه لغيرِ مُعَيَّن، فيَقُولَ: مَن رَدَّ عَبْدِي فله دِينار.
فمَن رَدة اسْتَحَقَّ الجُعْل.
ويَجُوزُ أن يَجْعَلَ لواحِد في رَدِّه شيئًا مَعْلُومًا، ولآخَرَ أكثَرَ منه أو أقَل.
ويَجُوزُ أن يَجْعَلَ للمُعَينِ عِوَضًا، ولسائِرِ النّاسِ عِوَضا آخَرَ؛ لأنَّه يَجُوزُ أن يَكُونَ الأجْرُ 1 في الإجارَةِ مُخْتَلِفًا مع التَّساوي في العَمَلِ، فههنا أوْلَى.
فإن قال: مَن رَدَّ لُقطِتي فله دِينارٌ.
فرَدها ثَلاثة، فلهم الدِّينارُ بينهم أثْلاثًا؛ لأنَّهم اشْتَرَكُوا في العَمَلِ الذي يُسْتَحَقُّ به العِوَضُ، فاشْتَرَكُوا في العِوَضِ، كالأجْرِ في الإجارَةِ.
فإن قيلَ: أليس لو قال: مَن دَخَل هذا النَّقْبَ فله دِينار.
فدَخَلَه جَماعَة، اسْتَحَقَّ كلُّ واحد منهم دِينارًا كامِلًا، فلِمَ لا يَكُونُ ههُنا كذلك؟ قُلْنا: لأنَّ كلَّ واحد مِن الدّاخِلِين دَخَل دُخُولًا كامِلا، كدُخُولِ المُنْفَرِدِ، فاسْتَحَقَّ العِوَضَ كامِلًا، وههُنا لم يردَّه واحدٌ منهم كامِلًا، إنَّما اشْتَرَكُوا فيه، فاشْتَرَكُوا في عِوَضِه.
فنَظيرُ مَسْألةِ الدُّخُولِ ما لو قال: مَن رَدَّ عَبْدًا مِن عَبِيدِي فله دِينار.
فرَدَّ كل واحِد منهم عَبْدًا.
..................................
ونَظيرُ مَسألةِ الردِّ ما لو قال: مَن نَقَب السُّورَ فله دِينارٌ.
فنَقَبَ ثَلاثة نَقْبًا واحِدًا، فإن جَعَل لواحِدٍ في رَدِّها دِينارًا، ولآخَرَ دِينارَين، ولثالثٍ ثَلاثةً، فلكُلِّ واحِدٍ منهم ثُلُثُ ما جَعَل له؛ لأنه عَمِلِ ثُلُثَ العَمَلِ، فاسْتَحَقَّ ثُلُثَ المُسَمى.
فإن جَعَل لواحِدٍ دِينارًا، ولآخرَين عِوَضًا مَجْهُولًا، فرَدُّوه معًا، فلصاحِبِ الدِّينارِ ثُلثه، وللآخَرَين أجْرُ عَمَلِهما.
فإن جَعَل لواحِدٍ شيئًا في رَدِّها، فرَدها هو وآخَرَانِ معه 1، وقالوا: رَدَدْناها مُعاوَنَةً له.
اسْتَحَق جَمِيعَ الجُعْلِ، ولا شيءَ لهما.
وإن قالا: رَدَدْناه لنَأخُذَ العِوَضَ لأنْفُسِنا.
فلا شيءَ لهما، وله ثُلُثُ الجُعْلِ؛ لأنه عَمِل ثُلُثَ العَمَلِ، فاسْتَحَق ثُلُثَ الجُعْلِ، ولم يَسْتَحِق الآخَرانِ شيئًا؛ لأنهما عَمِلا مِن غيرِ جُعل.
وهذا كلُّه مذهبُ الشافعيِّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
فصل: وإن قال: مَن رَد عَبْدي مِن بَلَدِ كذا فله دِينار.
فرَده إنْسان مِن نِصْفِ طَرِيقِ ذلك البَلَدِ، اسْتَحَقَّ نِصْفَ الجُعْلِ؛ لأنه عَمِل نِصْفَ العَمَلِ.
وكذلك لو قال: مَن رَد عَبْدي فله دِينارٌ.
فرَد أحَدَهُما، فله نِصْفُ الدِّينارِ؛ لأنه رَد نِصْفَ العَبْدَين.
وإن رَد العَبْدَ مِن غيرِ البَلَدِ المُسَمَّى، فلا شيءَ له؛ لأنه لم يَجْعَلْ في رَدِّه منه شيئًا، فأشْبَهَ ما لو جَعَل في رَدِّ أحَدِ عَبْدَيه شيئًا (1) مُعَيَّنًا فرَد الآخَرَ.
ولو قال: مَن رَد عَبْدي فله دِينار.
فرَدَّه إنْسان إلى نِصْفِ الطرِيقِ، فهَرَبَ منه، لم يَسْتَحِق شيئًا؛
وَمَنْ فَعَلَهُ قَبْلَ ذَلِك لَمْ يَسْتَحِقَّهُ، سَواء رَدَّهُ قَبْلَ بُلُوغِ الْجُعْل أوْ بَعْدَهُ.
لأنه شَرَط المجعْلَ برَدِّه، ولم يَرُده.
وكذلك لو ماتَ.
كما لو اسْتَأجَرَ لخِياطَةِ ثَوْبٍ، فخاطَه ولم يُسَلِّمْه حتى تَلِف، لم يَسْتَحِق أجْرَةً.
فإن قيل: فإن كان الجاعِلُ قد قال: مَن وَجَدَ لُقَطِتي فله دِينار.
فقد وُجد الوجْدانُ؟ قُلْنا: قَرِينَةُ الحالِ تَدُلُّ على اشْتِراطِ الرَّدِّ إذ المَقْصُودُ الرَّدُّ لا الوجْدانُ المُجَرَّدُ، وإنَّما اكْتَفَى بذِكْرِ الوجْدانِ؛ لأنه سَبَبُ الردِّ، فصارَ كأنه قال: مَن وَجَد لُقَطِتي فرَدها عَلَيَّ فله دِينار.
2493 -
مسألة: (وإن فَعَلَه قبلَ ذلك لم يَسْتَحِقَّه، سواء رَده قبلَ بُلُوغِه الجعل أو بعدَه)
إذا الْتَقَطَ لُقَطَةً قبلَ أن يَبلُغه الجُعْلُ، لم يَسْتَحِقَّ الجُعْلَ؛ لأنه الْتَقَطَها بغيرِ عِوَض، وعَمِل في مالِ غيرِه بغيرِ جُعْل جُعِل 1 له، فلم يَسْتَحِق شيئًا، كما لو الْتَقَطَها ولِم يَجْعَلْ رَبها فيها شيئًا.
وفارَقَ المُلْتَقِطَ بعدَ بُلُوغِ الجُعْلِ، فإنه إنما بَذلَ مَنافِعَه بعِوَض جُعِل له، فاسْتَحَقه، كالأجِيرِ إذ عَمِل بعدَ العَقْدِ.
وسَواء كان الْتِقاطُه لها بعدَ الجُعْلِ أو قبلَه؛ لِما ذَكَرناه.
ولا يَسْتَحِق أخْذَ الجُعْلِ برَدِّها؛ لأنَّ الرَّد واجِبٌ عليه مِن غيرِ عِوَض، فلم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عن الواجِب، كسائِرِ الواجِباتِ، وسَواء رَدها قبلَ العِلْمِ بالجُعْلِ أو بعدَه؛ لذلك، وإنما يَأخُذُه المُلْتَقِطُ في مَوْضِع يَجُوزُ له أخْذُه عِوَضًا عن الالْتِقاطِ المُباحِ.