الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 369-412

كِتَابُ الصَّدَاقِ

صفحات 369-412

..................................  فجاءَ بخُبْزٍ وزَيْتٍ، فأكَلَ، ثم قال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أفْطَرَ عِنْدَكُمُ 1 الصَّائِمُونَ، وَأَكَل طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلائكَةُ».
رواهما 2 أبو داودَ 3. فصل: ولا بأْسَ بالجمعِ بينَ طَعامَيْنِ؛ فإنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ جَعْفَرٍ قال: رأيتُ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يأْكلُ القِثَّاءَ بالرُّطَبِ.
ويُكْرَهُ عَيْبُ الطَّعامِ؛ لقولِ أبى هُرَيْرَةَ: ما عابَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «طعامًا قَطٌّ، إذا اشْتَهى شيئًا أَكَلَه، وإن

..................................  لم يَشْمتَهِه تَرَكَهُ.
مُتَّفَقٌ عليهما 1. وإذا حَضَر فصادفَ قومًا يأْكُلونَ، فدعَوْه، لم يُكْرَهْ له 2 الأَكْلُ؛ لِما قَدَّمْنا مِن حديثِ جابرٍ، حينَ دَعَوْا رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فأكلَ معهم.
ولا يَجوزُ له أبى يَتَحَيَّنَ وَقْتَ أكْلِهِم، فيَهْجُمَ عليهم ليَطْعَمَ معهم؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِىِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ 3. أي غيرَ مُنْتظرِينَ بُلوغَ نُضْجِه.
وعن أنَسٍ، قال: ما أكلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- على

..................................  خِوَانٍ، ولا في سُكُرَّجَةٍ 1. قال: فعلامَ كنتم تأْكُلونَ؟ قال 2: على السُّفَرِ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: لم يكُنْ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَنْفُخُ في طَعامٍ ولا شَرابٍ، ولا يتَنَفَّسُ في الإِناءِ.
وفى المُتَّفَقِ عليه 3 مِن حديثِ أبى قَتادةَ: «ولَا يَتَنَفَّسْ أحَدُكُمْ في الإِناءِ».
وعن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِذا وُضِعَتِ المَائِدَةُ، فلا يَقومُ رَجُلٌ 4 حَتَّى ترْفَعَ المائِدَةُ، ولا يَرْفَعُ يَدَهُ وإنْ شَبعَ حَتَّى يَفْرُغَ الْقَوْمُ، [ولْيُعْذِرْ] 5؛ فَإنَّ الرَّجُلَ يُخْجِلُ جَلِيسَهُ فَيَقْبِضُ يَدَهُ، وعسَى أن يَكُونَ له في الطَّعامِ حاجَةٌ».
روَاهُنَّ كلَّهن

..................................  ابنُ ماجه 1. فصل: قال محمدُ بنُ يَحيى: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: الإِناءُ يُؤْكَلُ فيه ثم تُغْسَلُ فيه اليَدُ؟ قال: لا بَأْسَ 2. وقيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: ما تقولُ في غَسْلِ اليَدِ بالنُّخالَةِ 3؟ قال: لا بأْسَ به، نحنُ نفعلُه.
واسْتدلَّ

..................................  الخَطَّابِىُّ 1 على جوازِ ذلك بما روَى أبو داودَ 2 بإسْنادِه عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه أمَرَ امْرأةً أَنْ تجعلَ مع الماءِ مِلْحًا، ثم تَغْسِلَ به الدَّمَ [عن حَقِيبَتِه] 3. والمِلْحُ طعامٌ، ففى مَعْناه ما أشْبَهَه.

بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ

يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مُعَاشَرَةُ الْآخَرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْ لَا يَمْطُلَهُ بِحَقِّهِ، وَلَا يُظْهِرَ الْكَرَاهَةَ لِبَذْلِهِ.
بابُ عِشْرةِ النِّساءِ (يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مُعَاشَرَةُ الْآخَرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْ لَا يَمْطُلَهُ بِحَقِّهِ، وَلَا يُظْهِرَ الْكَرَاهَةَ لِبَذْلِه) لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 1. وقال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 2. قال [ابْنُ زيدٍ] 3: يتَّقُونَ اللَّهَ فِيهِنَّ، كما عليهنَّ أن يتَّقِينَ اللَّهَ فيهم.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: إنِّى أُحِبُّ أن أَتَزَيَّنَ للمرأةِ كما أُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لى؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بالْمَعْرُوفِ﴾.
وقال الضَّحَّاكُ في تفْسيرِها: إذا أطَعْنَ اللَّهَ، وأطَعْنَ أَزْواجَهُنَّ، فعليه أن يُحْسِنَ صُحْبَتَها، ويَكُفَّ عنها أذَاه، ويُنْفِقَ عليها مِن

..................................  سَعَتِه 1. وقال بعضُ أهلِ العلمِ: التَّماثُلُ ههُنا في تَأْدِيَةِ كلِّ واحدٍ منهما ما عليه مِن الحْقِّ لصاحِبِه بالمعروفِ، ولا يَمْطُلُه به، ولا يُظْهِرُ الكَراهَةَ، بل ببِشْرٍ وطَلاقَةٍ، ولا يُتْبِعُه أذًى ولا مِنَّةً؛ لأَنَّ هذا مِن المعروفِ الَّذى أمَرَ اللَّهُ تعالى به.
ويُسْتَحَبُّ لكلِّ واحدٍ نهما تَحْسِينُ الخُلُقِ لصاحِبِه، والرِّفْقُ به، واحْتِمالُ أذَاه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ إلى قولِه: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ 2. قيلَ: هو كلُّ واحدٍ مِن الزَّوْجَيْنِ.
وقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عَوَانٍ 3 عِنْدَكُمْ، أَخْذْتُمُوهُنَّ بِأَمانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُروجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ».
رَواه مسلم 4. وقال النَّبِىُّ: «إنَّ المرأةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ أَعْوَجَ، لن تَسْتَقِيمَ علَى طَرِيقَةٍ، فَإنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُها كَسَرْتَها، وَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِها اسْتَمْتَعْتَ بِها وَفِيها عِوَجٌ».
مُتَّفَقٌ عليه 5. وقال: «خِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ».
رَواه ابنُ ماجه 6.

..................................  وحَقُّ الزَّوْج عليها أعْظَمُ مِن حَقِّها عليه، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ 1. وقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحْدًا أَنْ يَسْجُدَ لأحَدٍ، لأَمَرْتُ النِّساءَ أَن يَسْجُدْنَ لِأَزْواجِهِنَّ؛ لِما جَعَل اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنَ الحَقِّ».
روَاه أبو داودَ 2. وقال: «إذا باتتِ المَرْأةُ مُهاجِرَةً 3 فِراشَ زَوْجِها، لَعَنَتْها الْمَلائِكَةُ حَتَّى تَرْجِعَ».
مُتَّفَقٌ عليه 4. وقال لامْرأةٍ: «أذَاتُ زَوْجٍ أنْتِ؟» قالت: نعم.
قال: «فَإِنَّهُ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ» 5. وقال: «لَا يَحِلُّ لِلمَرْأةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُها شَاهِدٌ إلَّا بإذْنِهِ، ولا تَأْذَنَ في بَيْتِه إِلَّا بإذْنِه، وما أَنْفَقَتْ مِن نَفقَةٍ بغيرِ إذْنِه فإنَّه يُرَدُّ = كما أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في حق المرأة على زوجها، من أبواب الرضاع.
عارضة الأحوذى 5/ 110. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 250، 472.

وَإذَا تَمَّ الْعَقْدُ، وَجَبَ تَسْلِيمُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ إِذَا طَلَبَهَا، وَكَانَتْ حُرَّةً يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا،  إليه شَطْرُهُ».
روَاه البُخارِىُّ (1).

3331 -

مسألة: (وَإذَا تَمَّ الْعَقْدُ، وَجَبَ تَسْلِيمُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ إِذَا طَلَبَهَا، وَكَانَتْ حُرَّةً يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا)

لأَنَّ بالعَقْدِ يَسْتَحِقُّ الزَّوْجُ تَسْليمَ المُعَوَّضِ، كما تَسْتَحِقُّ المرأة تَسْليمَ العِوَضِ، وكما [يَسْتحِقُّ المُسْتَأْجِرُ] 2 تسليمَ العَيْنِ المُسْتَأجَرَةِ، ويُسْتَحَقُّ عليه الأُجْرَةُ به.
وقولُه: و 3 كانت حُرَّةً.
لأَنَّ الأمةَ لا يجبُ تَسْلِيمُها إلَّا باللَّيلِ، على ما نَذْكُرُه.
ويُشْتَرطُ إمْكانُ الاسْتِمْتاعِ بها، فإن كانت صغيرةً لا1

..................................  يُجامَعُ مِثْلُها.
وذلك مُعْتَبَرٌ بحالِها واحْتِمالِها لذلك.
قالَه القاضى.
وذَكَر أنَّهُنَّ يَخْتَلِفْنَ، فقد تكونُ صَغِيرةَ السِّنِّ تَصلُحُ، وكبيرةً لا تَصْلُحُ.
وحَدَّه أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، بتِسْعِ سِنِينَ، فقال، في رِوايةِ أبى الحارِثِ، في الصَّغيرةِ يَطْلُبُها زَوْجُها: فإن أتَى عليها تِسْعُ سِنِينَ، دُفِعَتْ إليه، ليس لهم أن يَحْبِسُوها بعدَ التِّسْعِ.
وذَهبَ في ذلك إلى أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَنَى بعائشةَ وهى بنتُ تِسْعِ سِنِينَ 1. قال القاضى: هذا عندِى ليس على طريقِ التَّحْديدِ، وإنَّما ذكَرَه لأَنَّ الغالِبَ أنَّ ابْنَةَ تِسْعٍ يُتَمَكَّنُ مِن الاسْتِمْتاعِ بها.
ومتى كانت لا تصْلُحُ للوَطْءِ، لم يجبْ على أهْلِها تَسْلِيمُها إليه، وإن ذكَر أنَّه يَحْضُنُها 2 ويُرَبِّيها؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ الاسْتِمْتاعَ بها،

..................................  وليستْ له بمَحَلٍّ، ولا يُؤْمَنُ شَرَهُ نَفْسِه إلى مُواقَعَتِها، فَيُفْضِيها 1. وإن كانت مَريضَةً مَرَضًا مَرْجُوَّ الزَّوالِ، لم يَلْزَمْها تَسْلِيمُ نَفْسِها 2 قبلَ بُرْئِها؛ لأنَّه مانِعٌ مَرْجُوُّ الزّوالِ، فهو كالصِّغَرِ، ولأَنَّ العادةَ لم تَجْرِ بتَسْليمِ المريضَةِ إلى زَوْجِها، والتَّسْليمُ في العَقْدِ يَجِبُ على حَسَبِ العُرْفِ.
فإن كان المرَضُ غيرَ مَرْجُوِّ الزَّوالِ، لَزِمَ تَسْلِيمُها إلى الزَّوْجِ إذا طَلَبَها، ولَزِمَه تَسَلُّمُها 3 إذا عُرِضَتْ عليه؛ لأنَّها ليست لها حالةٌ يُرْجَى زَوَالُ ذلك فيها، فلو لم تُسَلِّمْ نَفْسَها لم يُفِدِ التَّزْوِيجُ، وله أن يَسْتَمْتِعَ بها، فإن كانت نِضْوَةَ الخَلْقِ 4، وهو جَسِيمٌ تخافُ على نَفْسِها الإِفْضاءَ مِن عِظَمِه، فلها مَنْعُه من جِماعِها، وله الاسْتِمْتاعُ بها فيما دونَ الفَرْجِ، وعليه النَّفَقَةُ، ولا

وَلَمْ تَشْتَرِطْ دَارَهَا.
وَإِنْ سَأَلَتِ الإِنْظَارَ، أُنْظِرَتْ مُدَّةً جَرَتِ الْعَادَةُ بِإِصْلَاحِ أَمْرِهَا فِيهَا،  يَثْبُتُ له خِيارُ الفَسْخِ؛ لأنَّ هذه يُمْكِنُ الاسْتِمْتاعُ بها لغيرِه، وإنَّما الامْتِناعُ لأمْرٍ من جِهَتِه، وهو عِظَمُ خَلْقِه، بخلافِ الرَّتقاءِ.
فإن طَلَبَ تَسْلِيمَها إليه وهى حائضٌ، احْتَمَلَ أن لا يَجبَ ذلك، كالمرضِ المَرْجُوِّ زَوالِه، واحْتَمَلَ وُجوبَ [التَّسْلِيمِ؛ لأَنَّه يَزُولُ] (1) قريبًا، ولا يَمْنَعُ من الاسْتِمْتاعَ بما دونَ الفَرْجِ.

3332 -

مسألة: (و)

إنَّما يَجِبُ تَسْلِيمُها في بيتِ الزَّوْجِ إذا (لم تَشْتَرِطْ دارَها) وقَد ذكَرْنا ذلك في بابِه، ويجبُ عليها تَسْلِيمُ نفْسِها في دارِها.
فصل: فإن كانت حُرَّةً، لَزِمَ تَسْلِيمُها ليلًا ونهارًا؛ لأنَّه لا حَقَّ لغيرِه عليها.

3333 -

مسألة: (فإن سَأَلَتِ الإِنْظارَ، انْظِرَتْ مُدَّةً جَرَتِ العادَةُ بإصْلَاحِ أمْرِها فيها)

كاليَوْمَيْن والثَّلَاثةِ؛ لأَنَّ ذلك يَسِيرٌ جَرَتِ العادةُ بمِثْلِه، وقد قال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تَطْرُقُوا النِّساءَ لَيْلًا، حَتَّى تَمْتَشِطَ1

وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، لَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهَا إِلَّا بِاللَّيْلِ.
الشَّعِثَةُ، وتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ» (1). فمَنَعَ من الطُّروقِ، وأمَر بإمْهالِها لتُصْلِحَ أمْرَها، مع تقَدُّمِ صُحْبَتِها له، فههُنا أوْلَى.

3334 -

مسألة: (وإن كانت أَمَةً، لم يَجِبْ تَسْلِيمُها إلَّا باللَّيْلِ)

وللسَّيِّدِ اسْتِخْدامُها نهارًا، وعليه إرْسالُها بالليلِ للاسْتِمْتاعِ بها؛ لأنَّه زَمانُه، وذلك لأَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ من أمَتِه مَنْفَعَتَيْنِ؛ الاسْتِخْدامَ والاسْتِمْتاعَ، فإذا عُقِدَ على إحداهما، لم يَلْزَمْه تَسْلِيمُها إلَّا في زَمَنِ اسْتِيفائِهَا 2، كما لو أَجَرَها للخِدْمَةِ، لم يَلْزَمْه تَسْلِيمُها إلَّا في زَمَنِها، وهو النَّهارُ، فإن أرادَ الزَّوْجُ السَّفَرَ بها، لم يَمْلِكْ ذلك؛ لأنَّه يُفَوِّت خِدْمَتَها المُسْتَحَقَّةَ لسَيِّدِها.
وإن أرادَ السَّيِّدُ السَّفَرَ بها، فقد توَقَّفَ أحمدُ1

..................................  عن ذلك، فقال: ما أدْرِى؟ فيَحْتَمِلُ المنْعَ منه؛ لأنَّه يُفَوِّتُ حَقَّ الزَّوْجِ منها، فمُنِعَ منه، كما لو أرادَ الزَّوْجُ السَّفَرَ بها.
ويَحْتَمِلُ أنَّ له السَّفَرَ بها؛ لأنَّه مالِكٌ لرَقَبَتِها، فهو كسَيِّدِ العَبْدِ إذا زَوَّجَه.
فصل: ويجوزُ للسَّيِّدِ بَيْعُها؛ لأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَذِنَ لعائشةَ في شِراءِ بَرِيرَةَ، وهى ذاتُ زَوْجٍ 1. ولا يَنْفَسِخُ النِّكاحُ بذلك، بدليلِ أنَّ بَيْعَ بَرِيرَةَ لم يُبْطِلْ نِكاحَها.

وَلَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا مَا لَمْ يَشْغَلْهَا عَنِ الْفَرَائِض، مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ بِهَا، وَلَهُ السَّفَرُ بِهَا إِلَّا أَنْ تَشْتَرِطَ بَلَدَهَا.

3335 - مسألة: (وَلَهُ الاسْتِمْتَاعُ بِهَا مَا لَمْ يَشْغَلْهَا عَنِ الْفَرَائِض، مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ بِهَا)

لأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذا بَاتَتِ المَرْأةُ مُهَاجِرَةً فِراشَ زَوْجِهَا، لعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تَرْجعَ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 2 (وله السَّفَرُ بها إلَّا أن تَشْتَرِطَ بلَدَها) لأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُسافِرُ بنِسائِه 3. فإنِ اشْتَرطتْ بلَدَها، فلها

وَلَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا فِى الْحَيْضِ وَلَا فِى الدُّبُرِ،  شَرْطُها؛ لقولِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بها (1) ما اسْتَحْلَلْتُمْ به الفُرُوجَ» (2).

3336 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ وَطْؤُها في الحَيْضَ)

إجْماعًا؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ 3. (ولا) يجوزُ وَطْؤُها (في الدُّبُرِ) في قولِ أكثرِ أهلِ12

..................................  العلمِ؛ منهم علىٌّ، وعبدُ اللَّهِ، وأبو الدَّرداءِ، وابنُ عبَّاسٍ، وعبدُ اللَّهِ ابنُ عَمْرٍو 1، وأبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وأبو بكرِ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ.
ورُوِيَتْ إباحَتُه عن ابنِ عمرَ، وزيدِ ابنِ أسْلَمَ، ونافِعٍ، ومالكٍ.
ورُوِىَ عن مالكٍ، أنَّه قال: ما أدْرَكْتُ 2 أحدًا أقْتَدِى به في دِينى يشُكُّ في أنَّه حلالٌ 3. وأهلُ العراقِ مِن أصْحابِ مالكٍ يُنْكِرونَ ذلك.
واحْتجَّ مَن أحَلَّه بقَوْلِه تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ 4. وقولِه سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ 5 إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (5) الآية.
ولَنا، ما رُوِى أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْىِ مِنَ الحَقِّ،

..................................  لا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِى أَعْجازِهِنَّ».
وعن أبى هُرَيْرَةَ، وابنِ عبَّاسٍ، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: [«لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلى رَجُلٍ جَامَع امْرَأتهُ في دُبُرِها» رواهما ابنُ ماجه 1. وعن ابنِ مسعودٍ، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال] 2: «مَن أتى حائِضًا أو امْرَأةً فِى دُبُرِها، أَوْ كاهِنًا فَصَدَّقَهُ بما يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بما أُنْزِلَ على مُحَمَّدٍ» 3. روَاهُنَّ كلَّهُنَّ الأَثْرَمُ.
فأمَّا الآية، فرَوى جابِرٌ قال: كان اليهودُ يقولون: إذا جامَعَ الرَّجلُ امْرأتَه في فَرْجها مِن وَرائِها، جاءَ الوَلَدُ أحْوَلَ، فأنْزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
مِنِ بينِ يَدَيْها، ومِن خَلْفِها، غيرَ أن لا يَأتِيَها إلَّا في المَأْتَى 4. مُتَّفقٌ عليه.
وفى روايةٍ: «ائْتِها مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً، إذا كان ذلك

..................................  في الفَرْجِ» 1. والآيةُ الأُخْرَى المُرادُ بها ذلك.
فصل: فإن وَطِئها في دُبُرِها، فلا حَدَّ عليه؛ لأَنَّ له 2 في ذلك شُبْهَةً، ويُعَزَّرُ لفِعْلِه المُحَرَّمَ، وعليهما الغُسْلُ؛ لأنَّه إِيلاجُ فَرْجٍ في فَرْجٍ، وحكمُه حكمُ الوَطْءِ في القُبُلِ في إفْسادِ العِباداتِ، وتَقْرِيرِ المَهْرِ، ووُجوبِ العِدَّةِ 3. فإن كان الوَطْءُ في أجْنَبِيَّةٍ، وَجَب 4 حَدُّ اللُّوطِىِّ 5، ولا مَهْرَ عليه؛ لأنَّه لم يُفَوّتْ مَنْفَعةً لها عِوَضٌ في الشَّرْعِ.
ولا يَحْصُلُ بوَطْءِ زَوْجَتِه في الدُّبرِ إحْصان، إنَّما يحْصُلُ بالوَطْءِ في الفَرْجِ؛ لأنَّه وَطْءٌ كامِلٌ، بخلافِ هذا، ولا الإِحْلالُ للزَّوْج الأَوَّلِ؛ لأَنَّ المرأةَ لا تَذُوقُ به 6 عُسَيْلَةَ الرَّجُلِ.
ولا تحْصُلُ به الفَيْئَةُ؛ لأَنَّ الوَطْءَ لِحَقِّ المرأةِ، وحقُّها الوَطْءُ في القُبُلِ.
ولا يَزُولُ به الاكْتِفاءُ بصُماتِها في الإِذْنِ في النِّكاحِ؛ لأَنَّ بَكارةَ الأَصْلِ باقِيَةٌ.
= حدثنا محمد بن عبد الأعلى...، من أبواب التفسير.
عارضة الأحوذى 11/ 102. وابن ماجه، في: باب النهى عن إتيان النساء في أدبارهن، من كتاب النكاح.
سنن ابن ماجه 1/ 620. والدارمى، في: باب إتيان النساء في أدبارهن، من كتاب الطهارة، وفى: باب النهى عن إتيان النساء في أعجازهن، من كتاب النكاح.
سنن الدارمى 1/ 258، 259، 2/ 145، 146.

وَلَا يَعْزِلُ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإذْنِهَا، وَلَا عَنِ الأَمَةِ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا.
فصل: فأمَّا التَّلَذُّذُ بينَ الألْيَتَيْنِ مِن غيرِ إيلاج، فلا بأْسَ به؛ لأَنَّ السنَّةَ إنَّما ورَدَتْ بتَحْريمِ الدُّبُرِ، فهو مخْصُوصٌ بذلك، ولأنَّه حَرُمَ لأجْلِ الأذَى، وذلك مخْصُوصٌ بالدُّبُرِ، فاخْتصَّ التَّحْريمُ به.

3337 -

مسألة: (ولا يَعْزِلُ عنِ الحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِها)

معنى العَزْلِ أن يَنزِعَ إذا قَرُبَ الإِنْزالُ، فيُنْزِل خارجًا مِن الفَرْجِ، وهو مَكْرُوهٌ، رُوِيَت كَراهَتُه عن عمرَ، وعلىٍّ، وابنِ عمرَ، وابنِ مسعودٍ.
ورُوِىَ عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ أيضًا؛ لأن فيه تَقْلِيلَ النَّسْلِ، وقطعَ اللَّذَّةِ عن المَوْطوءَةِ، وقد حَثَّ النَّبِى -صلى اللَّه عليه وسلم- على تَعاطِى أسْبابِ الوَلَدِ، فقال: «تَنَاكَحُوا، تَناسَلُوا، تَكْثُرُوا» 1. وقال: «سَوْدَاءُ وَلُودٌ، خَيْر مِن حَسْنَاءَ عَقِيمٍ» 2. إلَّا أن يكونَ العَزْلُ لحاجةٍ، مثلَ أن يكونَ في دارِ الحربِ، فتَدْعُو حاجَتُه إلى الوَطْءِ.
ذكَرَ الْخِرَقِىُّ 3 هذه الصُّورَةَ 4. أو تكونَ زَوْجتُه أمَةً، فيَخْشَى الرِّقَّ على وَلَدِه، أو تكونَ له أمَةٌ، فيَحْتاجُ إلى وَطْئِها وإلى بَيْعِها.
فقد رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه كان يَعْزِلُ عن إمائِه.

..................................  فإن عزَلَ مِن غيرِ حاجةٍ، كُرِهَ، ولم يَحْرُمْ.
وقد رُوِيَتِ الرُّخْصَةُ فيه عن علىٍّ، وسعدِ بنِ أبى وَقَّاصٍ، وأبى أيُّوبَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وجابِر، وابنِ عبَّاسٍ، والحسنِ بنِ علىٍّ، وخَبَّابِ بنِ الأرَتِّ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وطاوُس، وعَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأصْحاب الرَّأْى.
ورَوَى أبو سعيدٍ، قال: ذُكِرَ -يعنى العَزْلَ- عندَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «فَلِمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أحَدُكُمْ؟».
ولم يَقُلْ: فلا يَفْعَلْ.
«فَإنَّهُ لَيْسَ مِنْ 1 نَفْسٍ مَخْلُوقَةٍ، إلَّا اللَّهُ خَالِقُها».
مُتَّفَقٌ عليه 2. وعنه أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ لى جاريةً، وأنا أعْزِلُ عنها، وأنا أكْرَهُ أن تَحْمِلَ، وأنا أُرِيدُ ما يُرِيدُ الرِّجالُ، وإنَّ اليهودَ تُحَدِّثُ أنَّ العَزْلَ هى المَوْءُودَةُ الصُّغْرَى.
قال: «كَذَبَتْ يَهُودُ، لَوْ أرَادَ اللَّهُ أن يَخْلُقَهُ ما اسْتَطَعْتَ أن تَصْرِفَهُ».
روَاه أبو داودَ 3. ولا يَعْزِلُ عن زَوْجتِه الحُرَّةِ إلَّا بإذْنِها.
قال القاضى: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ وُجوبُ اسْتِئْذانِ الزَّوْجَةِ في العزلِ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ مُسْتَحَبًّا؛ لأَنَّ حَقَّها في

..................................  الوَطْءِ دونَ الإِنْزالِ، بدليلِ أنَّه يَخْرُجُ به مِن الفَيْئَةِ والعُنَّةِ.
وللشافعيَّةِ في ذلك وَجْهان.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ لِما رُوِى عن عمرَ، قال: نَهى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُعْزَلَ عن الحُرَّةِ إِلَّا بإذْنِها.
روَاه الإِمامُ أحمدُ، في «المُسْنَدِ»، وابنُ ماجه 1. ولأَنَّ لها 2 في الوَلَدِ حَقًّا.
وعليها في العزلِ ضَرَرٌ، فلم يَجُزْ إلَّا بإذْنِها.
فصل: والنِّساءُ ثلاثةُ أقسام؛ إحْداهُنَّ زَوْجتُه الحُرَّةُ، فلا يجوزُ العزلُ عنها إلَّا بإذْنِها، في ظاهرِ المذهبِ، وقد ذكَرْنا ذلك.
الثَّانيةُ، أمَتُه، فيَجُوزُ العزلُ عنها.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ وذلك لأنَّه لا حَقَّ لها في الوَطْءِ، ولا في الوَلَدِ، ولذلك لم تملكِ المُطالبَةَ بالقَسمِ ولا الفَيْئَةِ، فلأَنْ لا 3 تَمْلِكَ المَنْعَ مِن العَزْلِ أوْلَى.
الثَّالثةُ، زَوْجتُه الأمَةُ، فالأَوْلَى جوازُ العَزْلِ عنها بغيرِ إذْنِها.
وهو

..................................  قولُ الشافعىِّ، استِدلالًا بمَفْهُومِ الحديثِ المذْكورِ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: تُسْتَأْذِنُ الحُرَّةُ، ولا تُسْتَأْذِنُ الأمَةُ.
ولأَنَّ عليه ضَرَرًا في إرْقاقِ وَلَدِه، بخلافِ الحُرَّةِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ إلَّا بإذْنِها؛ لأنَّها زَوْجةٌ تَمْلِكُ المُطالَبَةَ بالوَطْءِ في الفَيْئَةِ، والفَسْخَ عندَ تعَذُّرِه بالعُنَّةِ 1، فلم يَجُزْ بغيرِ إذْنِها، كالحُرَّةِ.
وقال أصحابُنا: لا يجوزُ العزلُ عنها إلَّا بإذْنِ سَيِّدِها؛ لأَنَّ الوَلَدَ له.
والأَوْلَى جوازُه؛ لأَنَّ تَخْصِيصَ الحُرَّةِ بالاسْتِئْذانِ دليلُ سُقوطِه في غيرِها، ولأَنَّ السَّيِّدَ لا حَقَّ له في الوَطْء، فلا يَجِبُ اسْتِئْذانُه في كيْفِيَّته.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ اسْتِئْذانُها مُسْتَحَبًّا؛ لأَنَّ حَقَّها في الوَطْءِ، لا في الإِنْزالِ، بدليلِ خُروجِه بذلك مِن الفَيْئَةِ والعُنَّةِ.

وَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى الْغُسْلِ مِنَ الْحَيْضِ وَالجَنَابَةِ وَالنَّجَاسَةِ، وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَأَخْذِ الشَّعَرِ الَّذِى تَعَافُهُ النَّفْسُ، إِلَّا الذِّمِّيَّةَ فَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى غُسْلِ الْحَيضِ، وَفِى سَائِرِ الْأَشْيَاءِ رِوَايَتَانِ.

3338 - مسألة: (وله إجْبارُها على الغُسْلِ مِنَ الحَيْضِ والجَنابَةِ والنَّجاسَةِ، واجْتِنَابِ المحَرَّماتِ، وأخْذِ الشَّعَرِ الَّذِى تَعافهُ النَّفْسُ، إلَّا الذِّمِّيَّةَ، فله إجْبارُها على الغُسلِ مِنَ الحَيْضِ، وفِى سائرِ الْأَشْيَاءِ رِوايَتانِ)

وجملةُ ذلك، أنَّ للزَّوْج إجْبارَ زَوْجَتِه على الغُسْلِ مِن الحَيْضِ والنِّفاسِ، مُسْلِمَةً كانت أو ذِمِّيَّة، حرَّةً أو مَمْلُوكةً، لأنَّه يَمْنَعُ الاسْتِمْتاعَ الذى هو حقٌّ له، فمَلَك إجْبارَها على إزالَةِ ما يَمْنَعُ حَقَّه.
فإنِ احْتاجَتْ إلى شِراءِ الماءِ فثمنُه عليه؛ لأنَّه لحَقِّه.
وله إجْبارُ المُسْلمةِ البالغةِ على الغُسْلِ مِن الجَنابَةِ؛ لأَنَّ الصَّلاةَ واجِبَةٌ عليها، ولا تَتَمكَّنُ منها إلَّا بالغُسْلِ.
فأمَّا الذِّمِّيَّةُ، ففيها رِوايتانِ؛ إحداهما، له إجْبارُها عليه؛ لأَنَّ كمالَ الاسْتِمْتاعِ يَقِفُ عليه، فإنَّ النَّفْسَ تَعافُ مَن لا يَغْتَسِلُ مِن جَنابَةٍ.

..................................  والثانيةُ، ليس له إجْبارُها عليه 1. وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِىِّ؛ فإنَّ الوَطْءَ لا يقف عليه، لإِباحَتِه بدُونِه.
وللشافعىِّ قَوْلان، كالرِّوايتَيْنِ.
وفى إزالَةِ الوَسَخِ والدَّرَنِ وفى تَقْلِيمِ الأظْفارِ وَجْهانِ، بِناءً على الرِّوايتَيْن في غُسْلِ الجَنَابَةِ.
ويَسْتَوِى في هذا المُسْلِمَةُ والذِّمِّيَّةُ، لاسْتِوائِهما في حُصولِ النَّفْرَةِ مِمَّن ذلك حالُها.
وله إجْبارُها على إزالَةِ شَعَرِ العانَةِ إذا خَرَج عن العادةِ، روايةً واحدةً.
ذكَرَه 2 القاضى.
وكذلك الأظْفارُ.

..................................  فإن طالا قليلًا بحيثُ تَعافُه النَّفْسُ، ففيه وَجْهانِ.
وهل له منْعُها من أكلِ ما لَه رائحةٌ كريهةٌ، كالبصَلِ والثُّومِ والكُرَّاثِ؟ على وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، له مَنْعُها مِن ذلك؛ لأنَّه يمنعُ القُبْلَةَ، وكمالَ الاسْتِمْتاعِ.
والثانى، ليس له ذلك، لأنَّه لا يَمْنَعُ الوَطْءَ.
وله مَنْعُها مِن السُّكْرِ وإن كانت ذِمِّيَّةً، لأنَّه يمنعُ الاسْتِمْتاعَ بها، ويُزِيلُ عَقْلَها، ولا يَأْمَنُ أن تَجْنِىَ عليه.
فأمَّا

..................................  شُرْبُ ما لا يُسْكِرُ، فله مَنْعُ المُسْلِمَةِ منه؛ لأنَّهما يَعْتَقدانِ تَحْريمَه، وليس له منعُ الذِّمِّيَّةِ منه.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّها تَعْتقِدُ إباحتَه في دِينِها.
وله إجْبارُها على غَسْلِ فِيها منه ومِن [سَائِرِ النجاسةِ؛ ليَتَمَكَّنَ مِن الاسْتِمْتاعِ بفِيها.
ويَتَخَرَّجُ أن يملكَ مَنْعَها منه] 1؛ لِما فيه مِن الرَّائحةِ الكريهةِ، فهو كالثُّومِ.
وهكذا الحكمُ لو تزَوَّجَ مُسْلِمةً تَعْتَقِدُ 2 إباحَةَ يَسِيرِ النَّبِيذِ.
ومذهبُ الشافعىِّ على نحوٍ مِن هذا كلِّه.

فَصْلٌ: وَلَهَا عَلَيْهِ أَنْ يَبِيت عِنْدَهَا لَيْلَةً مِنْ كُلِّ أَرْبَع لَيَالٍ.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (ولها عليه أن يَبيتَ عندَها ليلةً مِن كلِّ أرْبَعِ لَيالٍ) إن كانت حُرَّةً.
وجملةُ ذلك، أَنَّ قَسْمَ الإبتداءِ واجبٌ، ومعناه أنَّه إذا كانتْ له امرأةٌ حُرَّةٌ، لَزِمَه المَبِيتُ عندَها ليلةً مِن كلِّ أربعِ ليالٍ، ما لم يكُنْ له عُذْرٌ.
وإن كان له نِساءٌ، فلكلِّ واحدةٍ منهنَّ ليلةٌ مِن كلِّ أربعٍ.
وبه قال الثَّوْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال القاضى، في «المُجَرَّدِ»: لا يجبُ قَسْمُ الابتداءِ، إلَّا أن يَتْرُكَ 1 الوَطْءَ مُضِرًّا 2، فإن تَرَكَه غيرَ مُضِرٍّ 3، لم يَلْزَمْه قَسْم ولا وَطْءٌ؛ لأَنَّ أحمدَ قال: إذا وصلَ الرَّجلُ إلى امرأتِه مَرَّةً، بَطَل أن يكونَ عِنِّينًا.
أى لا يُؤجَّلُ.
وقال الشافعىُّ: لا يجبُ قَسْمُ الابتداءِ بحالٍ؛ لأَنَّ القَسْمَ لحَقِّه، فلم يجبْ عليه.
ولَنا، قولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ: «يا عبدَ اللَّهِ، ألم أُخْبَرْ أَنَّك تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟» قلتُ: بلَى يا رسولَ اللَّهِ.
قال: «فلا تَفْعَلْ، صُمْ وأَفْطِرْ، وَقُمْ ونَمْ؛ فَإنَّ لجَسَدِكَ عليك حَقًّا، وإنَّ لِعَيْنِكَ عليك حَقًّا، وإنَّ لِزَوْجِكَ عليك حَقًّا».
مُتَّفَقٌ عليه 4.

..................................  فأخْبَرَ أنَّ للمرأةِ عليه حَقًّا.
وقد روَى الشَّعْبِىُّ أنَّ كَعْبَ بنَ سُورٍ 1 كان جالسًا عندَ عمرَ بن الخَطَّابِ، فجاءَتِ امرأةٌ، فقالتْ: يا أميرَ المؤمنينَ، ما رأيْتُ رجلًا قَطُّ أفْضَلَ مِن زَوْجِى، واللَّهِ إنَّه لَيَبِيتُ ليلَه قائمًا، ويظَلُّ نهارَه صائمًا.
فاسْتَغْفَرَ لها، وأثْنَى عليها.
واسْتَحْيَتِ المرأةُ، وقامتْ راجعةً، فقال كعبٌ: يا أميرَ المؤمنينَ، هلَّا 2 أعْدَيْتَ المرأةَ على زَوْجِها؟ [فقال: وما ذاك؟ فقال: إنَّها جاءت تَشْكُوه، إذا كانت حالُه هذه في العِبادةِ، متى يتفَرَّغُ لها؟ فبَعَثَ عمرُ إلى زَوْجِها] 3، فجاءَ، فقال لكَعْبٍ: اقْضِ بينَهما، فإنَّك فَهِمْتَ مِن أمْرِهما ما لم أفْهَمْ.
قال: فإنِّى أرَى كأنَّها 4 امرأةٌ عليها ثلاثُ نِسْوَةٍ، هى رابعتُهنَّ، فأقضِى له 5 بثلاثةِ أيَّامٍ وليالهِنَّ يتَعَبَّدُ فيهِنَّ، ولها يومٌ وليلةٌ.
فقال عمرُ: واللَّهِ = وفى: باب حق الضيف، من كتاب الأدب.
صحيح البخارى 2/ 68، 3/ 51، 7/ 40، 41، 8/ 38. ومسلم، في: باب النهى عن صوم الدهر لمن تضرر به أو فوَّت به حقا، من كتاب الصيام.
صحيح مسلم 2/ 812, 813، كما أخرجه أبو داود، في: باب في صوم الدهر تطوعا، من كتاب الصوم.
سنن أبى داود 1/ 565. والنسائى، في: باب صوم يوم وإفطار يوم من كتاب الصيام.
المجتبى 4/ 180. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 194، 198، 199.

وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، فمِنْ كُلِّ ثَمَانٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: مِنْ كُلِّ سَبْعٍ.
ما رأيُك الأَوَّلُ بأعْجَبَ إلىَّ مِن الآخِرِ، اذْهبْ فأنتَ قاضٍ على البَصْرةِ.
رَوَى ذلك (1) عمرُ بنُ شَبَّةَ (2) في كتابِ «قُضَاةِ البَصْرَةِ» مِن وُجُوهٍ هذا أحَدُها (3). وفى لفظٍ، قال عمرُ: نِعْمَ القاضى أنتَ.
وهذه قَضِيَّةٌ اشْتَهَرَتْ فلم تُنْكَرْ، فكانتْ إجْماعًا.
ولأنَّه لو لم يكُنْ حَقًّا للمرأةِ لمَلَكَ الزَّوْجُ تخْصِيصَ إحْدَى زَوْجاتِه به (4)، كالزِّيادةِ في النَّفَقَةِ على قَدْرِ الواجبِ.

3339 -

مسألة: (وإن كانت أَمَةً، فمِن كلِّ ثَمانِ)

لَيالٍ لَيْلَةٌ.
هذا اخْتيارُ شيْخِنا 5 (وقال أصْحابُنا: مِن كلِّ سَبْعٍ) لأَنَّ أكثرَ ما1234

وَلَهُ الِانْفِرَادُ بِنَفْسِهِ فِيمَا بَقِىَ.
يُمْكِنُ أن يَجْمَعَ معها ثلاثَ (1) حرائرَ، ولها السابعةُ.
والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لتكونَ على النِّصْفِ ممَّا للحُرَّةِ، فإنَّ حَقَّ الحُرَّةِ مِن كلِّ ثَمانٍ ليلتانِ، [ليس لها أكثرُ مِن ذلك] (2)، فلو كان للأمَةِ ليلةٌ مِن سَبْعٍ، لزَادَ على النِّصْفِ، ولم يكُنْ للحُرَّةِ ليلتانِ وللأمَةِ ليلة، ولأنَّه إذا كان تحتَه ثلاثُ حرائِرَ وأمَةٌ، فلم يُرِدْ أن يَزِيدَهُنَّ (3) على الواجبِ لهنَّ، فقَسَم بينَهُنَّ سَبْعًا، فماذا يَصْنَعُ في اللَّيلةِ الثامِنةِ؟ إن أوْجَبْنا عليه مَبِيتَها عندَ حُرَّةٍ، فقد زادَها على ما يجبُ لها، وإن باتَها عندَ الأمَةِ، جعَلها كالحُرَّةِ، ولا سبيلَ إليه، وعلى ما اخْتارَه شيْخُنا تكونُ هذه الليلةُ الثامنةُ له، إن أحَبَّ انْفَردَ فيها، وإن أحَبَّ باتَ عندَ الأُولَى مُسْتَأْنِفًا للقَسْمِ.
وإن كان عندَه حُرَّةٌ وأمَةٌ، قسمَ لهنَّ ثلاثَ ليالٍ مِن ثمانٍ، وله الانْفِرادُ في خمسٍ.
وإن كان تحتَه حُرَّتانِ وأمَةٌ، فلهُنَّ خمسٌ وله ثلاثٌ.
وإن كان حُرَّتانِ وأمَتانِ، فلهنَّ ستٌّ وله ليلتانِ.
وإن كانت أمَة واحدة، فلها ليلةٌ وله سَبْعٌ، وعلى قولِ الأصْحابِ لها ليلةٌ وله ستٌّ.

3340 -

مسألة: (وله الانْفِرَادُ بنَفْسِه فيما بَقِىَ)

وقد ذَكَرْناه؛123

وَعَلَيْهِ وَطْؤُهَا فِى كُلِّ أَرْبَعَةِ أشْهُرٍ مَرَّةً، إِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ.
لأنَّه قد وفَّاهُنَّ حَقَّهُنَّ، فلم تَجبْ عليه زِيادَةٌ، كما لو وَفَّاهُنَّ حَقَّهُنَّ مِنَ النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ والسَّكَنِ.

3341 -

مسألة: (وعليه أن يَطَأَ في كل أرْبَعَةِ أشْهُرٍ مَرَّةً)

الوَطْءُ واجبٌ على الرَّجُلِ (إذا لم يكُنْ عُذْرٌ) وبه قال مالكٌ.
وقال القاضى: لا يجبُ إلَّا أن يَتْرُكَه للإِضْرارِ.
وقال الشافعىُّ: لا يجبُ عليه، لأنَّه حَقٌّ له، فلا يجبُ عليه، كسائرِ حُقوقِه.
ولَنا، ما تقَدَّمَ في المسألةِ المُتَقَدِّمَةِ في أوَّلِ الفصلِ، ولأَنَّ في بعضِ رِواياتِ حديثِ كعبٍ، حينَ قَضَى بينَ الرَّجُلِ وامْرأتِه، قال: إنَّ لها عليك حَقًّا يا بَعَلْ تُصِيبُها في أرْبَعٍ لمنْ عَدَلْ فأعْطِها ذاك ودَعْ عنك العِلَلْ 1

..................................  فاسْتَحْسَنَ عمرُ قضاءَه، ورَضِيَه 1. ولأنَّه حَقٌّ يجبُ بالاتِّفاقِ إذا حلَفَ على تَرْكِه، فيجبُ قبلَ أن يحْلِفَ، كسائرِ الحُقوقِ الواجبةِ، يُحَقِّقُ هذا أنَّه لو لم يكُن واجِبًا، لم يَصِرْ باليَمِينِ على تَرْكِه واجبًا، كسائرِ ما لا يجبُ، ولأَنَّ النِّكاحَ شُرِعَ لمصْلَحةِ الزَّوْجَيْنِ، ودَفْعِ الضَّرَرِ عنهما، وهو مُفْضٍ إلى دَفْعِ 2 ضَرَرِ الشَّهْوَةِ عن المرأةِ كإفْضائِه إلى دَفعِ (2) ذلك عن الرَّجُلِ، فيَجِبُ تَعْلِيلُه بذلك، ويكونُ الوَطْءُ حقًّا لهما جميعًا، ولأنَّه لو لم يكُنْ لها 3 فيه حَقٌّ، لَما وَجَب اسْتِئْذانُها في العَزْلِ، كالأمَةِ.

وَإِنْ سَافَرَ عَنْهَا أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَطَلَبَتْ قُدُومَهُ، لَزِمَهُ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ.
فصل: ويجبُ في كلِّ أرْبَعةِ أشْهُرٍ مَرَّةً.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ووَجْهُه أنَّ اللَّهَ تعالى قدَّرَه بأرْبعةِ أشْهُرٍ في حَقِّ المُولِى، فكذلك في حَقِّ غيرِه؛ لأنَّ اليَمِينَ لا تُوجِب ما حَلَف على تَرْكِه، فيدُلُّ على أنَّه واجبٌ بدُونِها.

3342 -

مسألة: (فإن سافَرَ عنها أَكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ فَطَلَبَتْ قدُومَه، لَزِمَه ذلك إن لم يَكُنْ عُذْرٌ)

وجملُة ذلك، أنّه إذا سافرَ عن امرأتِه

..................................  لعُذْرٍ وحاجَةٍ، سقطَ حَقُّها مِن القَسْمِ والوَطْءِ وإن طالَ سَفَرُه، ولذلك لا يُفْسَخُ نِكاحُ المفْقودِ إذا تَرَكَ لامْرأتِه نفَقَةً.
وإن لم يكُنْ له عُذْرٌ مانعٌ مِن الرُّجوعِ، فإنَّ أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، ذهبَ إلى تَوْقِيته بسِتَّةِ أشْهُرٍ، فإنَّه قيلَ له: كم يَغِيبُ الرَّجلُ عن زَوْجَتِه؟ قال: ستَّةَ أشْهُرٍ، يُكْتَبُ إليه، فإنْ أبَى أن يَرْجِعَ، فرَّقَ الحاكمُ بينَهما.
وإنَّما صارَ إلى تقْديرِه 1 بهذا؛ لحديثِ عمرَ، روَاه أبو حفصٍ 2، بإسْنادِه عن زيدِ بنِ أسْلَمَ، قال: بينَما عمرُ بنُ الخَطَّابِ يحرسُ المَدِينَةَ 3، فمرَّ بامرأةٍ [في بَيْتها] 4 وهى تقولُ: تطَاوَلَ هذا اللَّيْلُ واسْوَدَّ جانِبُهْ … وطالَ عَلَى أَنْ لا خَليلَ أُلاعِبُهْ وَواللَّهِ لولا خَشْيَةُ اللَّهِ وحْدَه … لَحُرِّكَ مِن هذا السَّرِيرِ جَوانِبُهْ فسأل عنها عمرُ، فقيلَ له: هذه فلانةُ، زَوْجُها غائبٌ في سبيلِ اللَّهِ.
فأرسلَ إليها امرأةً تكونُ معها، وبعثَ إلى زَوْجِها فأَقْفَلَه، ثم دَخَل على

فَإِنْ أبَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، وَطَلَبَتِ الْفُرْقَةَ، فُرِّقَ  حَفْصةَ، فقال: يا بُنَيَّةُ، كم تَصْبِرُ المرأةُ عن زَوْجِها؟ فقالتْ: سبحانَ اللَّهِ، مِثْلُك يسألُ مِثْلِى عن هذا! فقال: لولا أنِّى أرِيدُ النَّظر للمُسْلِمِين ما سألْتُكِ.
قالتْ: خمْسَةَ أشْهُرٍ، أو (1) سِتَّةَ أشْهُرٍ.
فوَقَّتَ للنَّاسِ في مَغازِيهم سِتَّةَ أشْهُرٍ، يَسِيرونَ شَهْرًا، ويُقِيمُونَ أرْبعةً، ويَسيرونَ شَهْرًا راجِعينَ.
وسُئلَ أحمدُ: كم للرَّجُلِ أن (2) يَغِيبَ عن أهْلِه؟ قال: يُرْوَى سِتَّةُ أشْهُرٍ، وقد يَغِيبُ الرجلُ أكْثَرَ مِن ذلك لأمْرٍ لا بُدَّ له.

3343 -

مسألة: (فَإن أبَى شَيْئًا مِن ذلك ولم يَكُنْ عُذْرٌ، فَطَلَبَتِ

12

بَيْنَهُمَا، وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَطْءَ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَيَكُونُ هَذَا كُلُّهُ غَيْرَ وَاجِبٍ.
الفُرْقَةَ، فُرِّقَ بينَهما) قال أحمدُ، في رِوايةِ ابنِ منْصورٍ، في رَجُلٍ تزَوَّجَ امرأةً ولم يَدْخُلْ بها، يَقُولُ: غدًا أدْخُلُ بها.
إلى شَهْرٍ، هل 1 يُجْبَرُ على الدُّخولِ؟ قال: أذْهَبُ إلى أرْبعةِ أشْهُرٍ، إن دخلَ بها، وإلَّا فُرِّقَ بينَهما.
فجعَله أحمدُ كالمُولِى.
وقال أبو بكرٍ ابنُ جعفرٍ 2: لم يَرْوِ مسألةَ ابنِ منْصورٍ غيرُه، وفيها نَظَرٌ، وظاهرُ قولِ أصْحابِنا، أنَّه لا يُفَرَّقُ بينَهما 3 لذلك.
وهو قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّه لو ضُرِبَتْ له المُدَّةُ لذلك، وفُرِّقَ بينَهما، لم يكُنْ للإِيلاءِ أثَرٌ، ولا خِلافَ في اعْتِبارِه.
وقال بعضُ أصْحابِنا: إن غابَ أكثر مِن ذلك لغيرِ عُذْرٍ، يُراسِلُه الحاكمُ، فإن أبى أن يَقْدَمَ، فُسِخَ نِكاحُه.
ورُوِىَ ذلك عن أحمد.
ومَن قال: [لا يُفسَخُ نِكاحُه إذا تَرَك الوَطْء وهو حاضِرٌ.
فههُنا أولَى.
وفى جميع ذلك] 4، لا يجوزُ الفَسْخُ عندَ مَن يَراه إلَّا بحُكْمِ الحاكمِ؛ لأنَّه مُخْتَلفٌ فيه (وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّ الوطءَ غيرُ واجبٍ، فيكونُ هذا كلُّه غيرَ واجبٍ) لأنَّه حَقٌّ له، فلم يُجْبَرْ عليه، كسائرِ حُقوقِه.
وهذا مذهبُ

..................................  الشافعىِّ 1. والأَوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذكَرْنا.
فصل: سُئِلَ أحمدُ: يُؤجَرُ الرَّجُلُ أن يَأْتِىَ أهْلَه وليس له شَهْوةٌ؟ قال 2: إى واللَّهِ، يَحْتسِبُ الولَدَ، فإن لم يُرِدِ الولدَ، يقولُ: هذه امرأةٌ شابَّةٌ، لِمَ 3 لا يُؤْجَرُ؟ وهذا صحيحٌ، فإنَّ أبا ذَرٍّ روَى أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مُباضَعَتُكَ أَهْلَكَ صَدَقَةٌ».
قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَنُصِيبُ

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْجِمَاعِ: بِسْم اللَّهَ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا.
شَهْوتَنا ونُؤْجَرُ؟ قال: «أرأيتَ لو وَضَعهُ في غيرِ حَقِّه، ما كان عليه وِزْرٌ؟».
قال: قلتُ (1) بلَى.
قال: «أفتَحْتَسِبُونَ بِالسَّيِّئَةِ، ولا تَحْتَسِبُونَ بِالْخَيْرِ؟» (2). ولأنَّه وَسِيلةٌ إلى الولَدِ، وإعْفافِ نفْسِه وامْرأتِه، وغَضِّ بصَرِه، وسُكونِ نفْسِه، أو إلى بعضِ ذلك.

3344 -

مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَقُولَ عندَ الْجِمَاعِ: بسمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنِى الشيطانَ، وجَنِّبِ الشيطانَ ما رَزَقْتَنِى)

لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ 3. قال عَطاءٌ: هى التَّسْمِيَةُ عندَ الجِماعِ.12

..................................  ورَوَى ابنُ عبَّاسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لو أن أحَدَكُمْ حينَ يَأْتِى أهْلَه قال: بسمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطانَ ما

جارٍ التحميل