الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 452-492

كِتَابُ الْحُدُودِ

صفحات 452-492

وَهَلْ يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
هذا يُرْوَى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد رَواه ابنُ عبدِ البَرِّ (1)، وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ.
ولَنا، ما روَى أبو داودَ (2)، بإسْنادِه، عن حبيبِ بنِ سالمٍ، أنَّ رجلًا يُقالُ له: عبدُ الرحمنِ ابنُ حُنَيْنٍ، وَقَعِ على جارِيةِ امرأتِه، فرُفِعَ إلى النُّعْمانِ بنِ بشيرٍ، وهو أميرٌ على (3) الكُوفةِ، فقال: لأقْضِيَنَّ فيك بقَضِيَّةِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ إنْ كانت أحَلَّتْها لك جَلَدْتُكَ مائةً، وإن لم تَكُنْ أحَلَّتْها لك رَجَمْتُك بالحِجارَةِ.
فوَجَدُوها أحَلَّتْها له، فجلَدَه مائةً.

4472 -

مسألة: (وهل يَلْحَقُه نَسَبُ وَلَدِها)

إذا حَمَلَتْ من هذا الوَطْءِ؟ (على رِوايَتَيْن) إحْدَاهما، يَلْحَقُ؛ لأنَّه وَطْءٌ لا يَجِبُ به الحَدُّ،123

وَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِالإِبَاحَةِ في غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
فلَحِقَ به النَّسَبُ، كوطءِ الجاريةِ المُشْتَرَكَةِ.
والأُخْرَى، لا يَلْحَقُ به؛ لأنَّه وَطْءٌ في غيرِ مِلْكٍ، ولا شُبْهَةِ مِلاكٍ، أشْبَهَ الزِّنَى المَحْضَ.

4473 -

مسألة: (ولا يَسْقُطُ الحدُّ بالإِباحَةِ في غيرِ هذا المَوْضِعِ)

لعُمومِ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ على وُجُوبِ الحَدِّ على الزَّانِى، وإنَّما سَقَط الحَدُّ في هذا المَوْضِعِ؛ لحديثِ النُّعْمانِ.

وَلَا يُزَادُ في التَّعْزِيرِ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ، في عيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ولَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، إِلَّا في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ».
وَعَنْهُ، مَا كَانَ سبَبُهُ الْوَطْءَ، كَوَطْءِ جَارِيَتِهِ الْمُشْتَرَكَةِ والْمُزَوَّجَةِ وَنَحْوِهِ، ضَرْبُ مِائَةٍ، ويَسْقُطُ عَنْهُ النَّفْىُ،

4474 - مسألة: (ولا يُزادُ في التَّعْزِيرِ على عَشْرِ جَلَداتٍ، في غيْرِ هذا المَوْضِعٍ.
وعنه، ما كان سببُه الوَطْءَ، كوَطْءِ جارِيَتِه المُشْتَرَكَةِ والمُزَوَّجَةِ ونحْوِه، ضُرِبَ مائةً، ويَسْقُطُ عنه)

التَّغرِيبُ.
اخْتلفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، في قَدْرِ التَّعْزيرِ، فرُوِىَ عنه أنَّه لا يُزادُ على عشْرِ جَلَداتٍ.
نَصَّ عليه في مَواضِعَ.
وهو قولُ إسحاقَ؛ لِما روَى أبو بُرْدَةَ، قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «لَا يُجْلَدُ أحَدٌ فَوْقَ عَشْرِ

..................................  جَلَدَاتٍ، إلَّا في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لَا يَبْلُغُ به الحَدَّ.
وهو الَّذى ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ لا يَبْلُغُ به أدْنَى حَدٍّ 2 مَشْرُوعٍ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ.
فعلى هذا، لا يَبْلُغُ به أربعين سَوْطًا؛ لأنَّها حَدُّ العَبْدِ في الخَمْرِ والقذفِ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ.
وإن قُلْنا: إنَّ حَدَّ الخمرِ أربعون.
لم يَبْلُغْ به عشرين سَوْطًا في حَقِّ العبدِ، وأربعين في حَقِّ الحُرِّ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
فلا يُزادُ العبدُ على تسعةَ عشَرَ سَوْطًا، ولا الحُرُّ على تسعةٍ وثلاثين.
وقال ابنُ أبى ليلى، وأبو يوسفَ: أدْنَى الحُدودِ ثمانون، فلا يُزادُ في التَّعْزِيرِ على تسعةٍ وسَبْعين.
ويَحْتَمِلُ كلامُ أحمدَ والخِرَقِىِّ، أن لا يَبْلُغَ بكلِّ جِنايةٍ حدًّا مشروعًا في جِنْسِها، ويجوزُ أن يَزِيدَ على حَدِّ غيرِ جِنْسِها.
فعلى هذا، ما كان سَبَبُه 3 الوَطْءَ، جازَ أن يُجْلَدَ مائةً إلَّا سَوْطًا؛ ليَنْقُصَ عن حَدِّ الزِّنَى، وما كان

وَكَذَلِكَ يَتَخَرَّجُ في مَن أَتَى بَهِيمَةً.
وَغَيْرُ الْوَطْءِ لَا يُبْلَغُ بِهِ أَدْنَى الْحُدُودِ.
سَبَبُه غيرَ الوَطْءِ، لم يَبْلُغْ به أدْنَى الحُدودِ 1؛ لِما ذَكَرْنا من حديثِ النُّعْمانِ بنِ بَشِيرٍ، في الَّذى وَطِئَ جاريةَ امرأتِه بإذْنِها.
أنَّه يُجْلَدُ مائةً.
وهذا تَعْزِيرٌ؛ لأنَّه في حَقِّ المُحْصنِ إنَّما هو الرَّجْمُ.
وعن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، عن عمرَ، في أمَةٍ بينَ رجليْن، وَطِئَها أحدُهما: يُجْلَدُ الحَدَّ إلَّا سَوْطًا واحِدًا 2. رَواه الأثرَمُ، واحْتَجَّ به أحمدُ.
قال القاضى: هذا عندى من نَصِّ أحمدَ لا يَقْتَضِى اخْتِلافًا في التَّعْزِيرِ، بل المذهبُ أنَّه لا يُزادُ على عَشْرِ جَلَداتٍ؛ اتِّبَاعًا للأثَرِ 3، إلَّا في وَطْءِ جاريةِ امرأتِه؛ لحديثِ النُّعْمانِ، وفى الجارِيَةِ المُشتَرَكَةِ؛ لحديثِ عمرَ، وما عَدَاهما يَبْقَى على العُمومِ؛ لحديثِ أبى بُرْدَةَ.
وهذا قولٌ حَسَنٌ 4. وإذا ثَبَت تَقْدِيرُ أكثَرِه، فليسَ أقَلُّه مُقَدَّرًا؛ لأنَّه لو تَقَدَّرَ لَكانَ حَدًّا، ولأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَدَّرَ أكثرَه، ولم يُقَدِّرْ أقَلَّه، فيُرجَعُ فيه إلى اجْتِهادِ الإِمامِ أو الحاكِمِ فيما يَراه،

..................................  وما يَقْتَضِيه حالُ الشَّخْصِ.
وقال مالكٌ: يجوزُ أن يُزادَ التَّعْزِيرُ على الحَدِّ، إذا رَأَى الإِمامُ؛ لِما رُوِى أنَّ مَعْنَ بنَ زَائِدَةَ، عَمِلَ خاتَمًا على نَقْشِ خاتَمِ بيتِ المالِ، ثم جاءَ به صاحبَ بيتِ المالِ، فأخَذَ منه مالًا، فبَلَغَ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فضَرَبَه مائةً، وحَبَسه، وكُلِّمَ فيه، فضَرَبَه مائةً أُخْرَى، فكُلِّمَ فيه من بعدُ، فضربَه مائةً ونَفاه 1. وروَى أحمدُ بإسْنادِه، أنَّ عليًّا أُتِى بالنَّجَاشِىِّ قد شَرِب خَمْرًا في رمضانَ، فجَلَدَه 2

..................................  ثمانينَ الحَدَّ، وعشرينَ سَوْطًا لفِطْرِه في 1 رمضانَ 2. ورُوِىَ أنَّ أبا الأَسْوَدِ اسْتَخْلَفَه ابنُ عباسٍ على قضاءِ البصرةِ، فأُتِىَ بسارِقٍ قد كان جَمَعَ المَتاعَ في البيتِ، ولم يُخْرِجْه، فقال أبو الأسْوَدِ: أعْجَلْتُمُ المِسْكِينَ.
فضَرَبَه خمسةً وعشرين سَوْطًا وخَلَّى سبيلَه 3. ولَنا، حديثُ أبى بُرْدَةَ، وهو صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عليه.
وروَى الشَّالَنْجِىُّ 4 بإسْنادِه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «مَنْ بَلَغَ حَدًّا في غَيْرِ حَدٍّ، فَهُوَ مِنَ المُعْتَدِينَ».
ولأَنَّ العُقوبَةَ على قَدْرِ الإِجْرامِ، والمَعاصِىَ المَنْصُوصَ على حُدُودِها أعْظَمُ من غيرِها، فلا يجوزُ أن يَبْلُغَ في أهْوَنِ الأَمْرَيْن عُقُوبَةَ أعْظَمِهما.
وما قالُوه يُفْضِى إلى أنَّ مَن قَبَّلَ امرأةَ حَرامًا، يُضْرَبُ أكثرَ مِن حَدِّ الزِّنَى، وهذا غيرُ جائزٍ، لأَنَّ الزِّنَى مع عِظَمِه وفُحْشِه، لا يجوزُ أن يُزَادَ على حَدِّه، فما دُونَه أوْلَى.

..................................  فأمَّا حديثُ مَعْنٍ، فَلعَلَّه كانت له ذُنُوبٌ كثيرةٌ، فأُدِّبَ على جميعِها، أو تَكَرَّرَ منه الأخْذُ، أو كان ذَنْبُه مُشْتَمِلًا على جِناياتٍ؛ أحدُها، تَزْوِيرُه، والثانى، أخْذُه لمالِ 1 بيتِ المالِ بغيرِ حَقِّه، والثالثُ، فَتْحُه بابَ هذه الحِيلَةِ لغيرِه، وغيرُ هذا، وأمَّا حديثُ النَّجَاشِىِّ، فإنَّ عليًّا ضَرَبَه الحَدَّ لشُرْبِهِ، [ثم عَزَّرَه عشرين لفِطْرِه، فلم يبلُغْ بتَعْزِيرِه حَدًّا.
وقد ذَهَب أحمدُ إلى هذا، ورَأَى أنَّ مَن شَرِب] 2 الخمرَ في رمضانَ يُحَدُّ (1)، ثم يُعَزَّرُ؛ لجِنايَتِه من وَجْهَيْن.
والذي يَدُلُّ على صِحَّةِ ما ذَكَرْناه، ما رُوِى أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كَتَب إلى أبى موسى، أن لا يَبْلُغَ بنَكالٍ أكثرَ من عشرينَ سَوْطًا 3.

..................................  فصل: والتَّعْزِيرُ يكونُ بالضَّرْبِ والحَبْسِ والتَّوْبِيخِ.
ولا يجوزُ قَطْعُ شئٍ منه، ولا جَرْحُه، ولا أخْذُ مالِه؛ لأَنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بشئٍ من ذلك عن أحَدٍ يُقْتَدَى به، ولأَنَّ الواجِبَ أدَبٌ، والتَّأْدِيبُ لا يكونُ بالإِتْلافِ، وإن رَأَى الإِمامُ العَفْوَ عنه، جازَ.

..................................  فصل: والتَّعْزِيرُ فيما شُرِعَ فيه التَّعْزِيرُ واجِبٌ، إذا رَآه الإِمامُ.
وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: ليس بواجِبٍ؛ لأَنَّ رجلًا جاءَ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: إنِّى لَقِيتُ امرأةً، فأصَبْتُ منها ما دونَ أن أطأَها.

..................................  فقال «أصَلَّيْتَ مَعَنَا؟».
قال: نعم.
فَتَلا عليه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ 1. وقال في الأنْصارِ: «قْبَلُوا مِن مُحْسِنِهم، وتَجاوَزُوا عن مُسِيئِهم» 2. وقال رجلٌ للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حُكْمٍ حَكَم به للزُّبَيْرِ: أن كان ابنَ عَمَّتِكَ؟ فغَضِبَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يُعَزِّرْه على مَقالَتِه 3. وقال

..................................  له رجلٌ: إنَّ هذه لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بها وَجْهُ اللَّه 1. ولَنا، أنَّ ما كان من التَّعْزِيرِ مَنْصُوصًا عليه، كوَطْءِ جاريةِ امرأتِه، أو 2 جاريةٍ مُشْتَرَكَةٍ، فيَجِبُ امْتِثالُ الأمرِ فيه، وما لم يَكُنْ مَنْصُوصًا عليه، إذا رأى الإِمامُ المَصْلَحَةَ فيه، أو عَلِم أنَّه لا يَنْزَجِرُ إلَّا به، [وجَبَ؛ فإنَّه زَجْر] 3 مَشْرُوعٌ لحَقِّ اللَّهِ تعالى، فوَجَبَ، كالحَدِّ.
وإن رأى الإِمامُ العَفْوَ عنه

..................................  جازَ؛ لِما ذَكَرْنا من النُّصُوصِ.
واللَّهُ أعلمُ.
وإن كان التَّعْزِيرُ لحَقِّ آدَمِىٍّ فطَلَبَه، لَزِمَه إجابَتُه، كسائرِ حُقُوقِ الآدَمِيِّينِ.

وَمَنِ اسْتَمْنَى بِيَدِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، عُزِّرَ، وَإِنْ فَعَلَهُ خَوْفًا مِنَ الزِّنَى، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ.

4475 - مسألة: (وإنِ اسْتَمْنَى بيَدِه لغيرِ حاجَةٍ عُزِّرَ)

لأنَّه مَعْصِيَةٌ (وإن فَعَلَه خَوْفًا مِن الزِّنَى، فلا شئَ عليه) لأنَّه لو فَعَل ذلك خَوْفًا على بَدَنِه، لم يَلْزَمْه شئٌ، ففِعْلُه خَوْفًا على دِينِه أَوْلَى.

بَابُ الْقَطْعِ في السَّرِقَةِ

بابُ القَطْعِ في السَّرقَةِ الأصلُ فيه الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكتابُ، فقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ 1. وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَتْ عائشةُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «تُقْطَعُ اليَدُ في رُبْعِ 2 دِينارٍ فَصَاعِدًا» 3. وقال النَّبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، بِأنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإِذَا سَرَقَ فِيهمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 4. في أخْبارٍ سِوَى هذه، نَذْكُرُها إن شَاءَ اللَّهُ

وَلَا يَجِبُ إِلَّا بِسَبْعَةِ أَشْيَاءَ؛ أَحَدُهَا، السَّرِقَةُ؛ وَهِىَ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الاخْتِفَاءِ.
وَلَا قَطْعَ عَلَى مُنْتَهِبٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ، وَلَا  تعالى في مَواضِعِها، وأجْمَعَ المسلمون على وُجُوبِ قَطْعِ السَّارِقِ في الجملةِ.

4476 -

مسألة: (وَلَا يَجِبُ إِلَّا بِسَبْعَةِ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، السَّرِقَةُ؛ وَهِىَ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الاخْتِفَاءِ)

ومنه اسْتِراقُ السَّمْعِ، ومُسارَقَةُ النَّظرَ، إذا كان يَسْتَخفِى بذلك.
4477 -

مسألة: (ولا قَطْعَ على مُنْتَهِبٍ، ولا مُخْتَلِسٍ، ولا

غَاصِبٍ، وَلَا خَائِنٍ، وَلَا جَاحِدِ وَدِيعَةٍ وَلَا عَارِيَّةٍ.
وَعَنْهُ، يُقْطَعُ جَاحِدُ الْعَارِيَّةِ،  غاصِبٍ، ولا خائِنٍ، ولا جاحِدِ وَدِيعَةٍ ولا عارِيَّةٍ.
وعنه، يُقْطَعُ جاحِدُ العَارِيَّةِ) [لا يُقْطَعُ مُخْتَطِفٌ] 1 ولا مُخْتَلِسٌ عندَ أحدٍ عَلِمْناه، غيرَ إياسِ ابنِ مُعاويةَ 2، قال: أقْطَعُ المُخْتَلِسَ؛ لأنَّه 3 يَسْتَخْفِى بأخْذِه، فيكونُ سَارِقًا.
وأهلُ الفِقْهِ والفَتْوَى مِن عُلَماءِ الأمْصارِ على خِلافِه.
وقد رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «لَيْسَ عَلَى الخَائِنِ وَلَا المُخْتَلِسِ قَطْعٌ».
وعن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ عَلَى المُنْتَهِبِ قَطْعٌ».
وعنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «لَيْسَ عَلَى الخَائِنِ وَالمُخْتَلِسِ قَطْعٌ».
روَاهما أبو داودَ [والتِّرْمِذىُّ 4، وصَحَّحَه] 5. وقال 6: لم يَسْمَعْهُما ابنُ جُرَيْجٍ مِن

..................................  أَبِى الزُّبَيْرِ.
ولأَنَّ الواجِبَ قَطْعُ السَّارِقِ، وهذا غيرُ سارِقٍ، ولأَنَّ الاخْتِلاسَ نَوْعٌ مِن الخَطْفِ والنَّهْبِ، وإنَّما اسْتَخْفَى في ابْتِداءِ اخْتلاسِه، بخِلافِ السَّارِقِ.
فصل: ولا يُقْطَعُ جاحِدُ الوَدِيعَةِ، ولا غيرِها مِن الأماناتِ، لا نعلمُ فيه خِلافًا، فأمَّا جاحِدُ العَارِيَّةِ، فقد اخْتُلِفَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، فيه، فعنه أنَّه يُقْطَعُ.
وهو قولُ إسحاقَ؛ لِما [رُوِى عن] 1 عائشةَ، أنَّ 2 امرأةً كانت 3 تسْتَعِيرُ المَتاعَ وتَجْحَدُه، فأمَرَ النبىُّ بقَطْعِ يَدِها، فأتَى أهْلُها أُسامَةَ، فكَلَّمُوه، فكَلَّمَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا 4 أرَاكَ تُكَلِّمُنِى في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟».
ثم قامَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَطِيبًا، فقال:

..................................  «إنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِأنَّه إذَا سَرَقَ فِيهمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ، والَّذِى نَفْسِى بِيَدِه لو كانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا».
قالَتْ: فقَطَعَ يَدَها.
قال أحمدُ: لا أعرفُ شيئًا يَدْفَعُه.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وعن أحمدَ رِوايةٌ ثانيةٌ، أنَّه لا قَطْعَ عليه.
وهو قولُ الخِرَقِىِّ، وأبى إسحاقَ بنِ شَاقْلَا، وأبى الخَطَّاب، وسائرِ الفُقَهاءِ.
وهو الصَّحِيحُ، إن شَاءَ اللَّهُ تعالى؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا قَطْعَ عَلَى الخَائِنِ».
ولأَنَّ الواجِبَ قَطْعُ السَّارِقِ، والخائنُ ليس بسارِقٍ، فأَشْبَهَ جاحِدَ الوَدِيعَةِ، فأمَّا المرأةُ التى كانت تَسْتَعِيرُ المَتاعَ فإنَّما قُطِعَتْ لسَرِقَتِها، لا لجَحْدِها، ألا تَسْمَعُ قولَه: «إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ».
وقولَه: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَده لَوْ كَانتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا».
وفى بعضِ ألفاظِ رُواةِ 2 هذه القصَّةِ عن عائشةَ، أنَّ قُرَيْشًا أهَمَّهُم شَأْنُ المَخْزُومِيَّةِ التى سَرَقَتْ، وذَكَر القِصَّةَ.
رَواه البخارِىُّ.
وفى حديثٍ أنَّها سَرَقَتْ قَطِيفَةً، فرَوَى الأَثْرَمُ بإسْنادِه، عن مسعودِ 3 [بنِ الأسْوَدِ] 4، قال: لمَّا سَرَقَتِ المرأةُ تلك القَطِيفَةَ من بيتِ رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أعْظَمْنَا ذلك، وكانتِ امرأةً مِن قُرَيْشٍ، فجِئْنَا إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَقُلْنا: نحنُ نَفْدِيها بأرْبَعِين أُوقِيَّةً.

وَيُقْطَعُ الطَّرَّارُ، وَهُوَ الَّذِى يَبُطُّ الجَيْبَ وَغَيْرَهُ، وَيَأْخُذُ مِنْهُ.
وَعَنْهُ، لَا يُقْطَعُ.
فقال: «تُطَهَّرُ خَيْرٌ لَها».
فلمَّا سَمِعْنا لِينَ كلامِ رسولِ اللَّهِ، أتَيْنَا أُسامةَ، فقُلْنا: كَلِّمْ لَنا رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وذَكَر الحديثَ بنحوِ سِياقِ حَديثِ عائشةَ (1). وهذا ظاهِرٌ في أنَّ القِصَّةَ واحِدَةٌ، وأنَّها سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ لسَرِقَتِها، وإنَّما عَرَّفَتْها عائشةُ بجَحْدِها للعارِيَّةِ؛ لكَوْنِها مَشْهُورَةً بذلك، ولا يَلْزَمُ أن يكونَ ذلك سببًا، كما لو عَرَّفَتْها بصِفَةٍ مِن صِفاتِها، وفيما ذَكَرْناه جَمْعٌ بينَ الأحاديثِ، ومُوافَقَة لظاهِرِ الأحاديثِ والقياسِ وفُقَهاءِ الأمْصارِ، فيكونُ أوْلَى.

4478 -

مسألة: (وَيُقْطَعُ الطَّرَّارُ، وَهُوَ الَّذِى يَبُطُّ الجَيْبَ وَغَيْرَهُ، وَيَأْخُذُ مِنْهُ. وَعَنْهُ، لَا يُقْطَعُ)

قال أحمدُ: الطَّرَّارُ سِرًّا يُقْطَعُ، وإنِ اخْتَلَسَ لم يُقْطَعْ.
ومَعْنَى الطَّرَّارِ: الَّذى يَسْرِقُ مِن جَيْبِ الرَّجُلِ أو كُمِّه أو صُفْنِه 2، وسَواءٌ بَطَّ ما أخَذَ منه المسروقَ، أو قَطَع الصُّفْنَ1

فَصْلٌ: الثَّانِى، أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا مُحْتَرَمًا، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، كَالْفَاكِهَةِ، وَالْبِطِّيخِ أَوْ لَا، وَسَواءٌ كَانَ ثَمِينًا، كَالْمَتَاعِ وَالذَّهَبِ، أَوْ غَيْرَ ثَمِينٍ، كَالْخَشَبِ وَالْقَصَبِ.
فأَخذَه، أو أدْخَلَ يَدَه في الجَيْبِ فأخَذَ ما فيه، فإنَّ عليه القَطْعَ.
ورُوِىَ عن أحمدَ في الَّذى يَأْخُذُ مِن جَيْب الرجلِ وكُمِّه: لا قَطْعَ عليه.
وفى ذلك رِوَايتان، إحْدَاهما، يُقْطَعُ، لأنَّه سَرَق مِن حِرْزٍ.
والثانيةُ، لا يُقْطَعُ، كالمُخْتَلِسِ.

فصل

: (الثَّانِى، أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا مُحْتَرَمًا، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، كَالْفَاكِهَةِ، وَالْبِطِّيخِ أَوْ لَا، وَسَواءٌ كَانَ ثَمِينًا، كَالْمَتَاعِ وَالذَّهَبِ، أَوْ غَيْرَ ثَمِينٍ، كَالْخَشَبِ وَالْقَصَبِ) وكذلك يُقْطَعُ بسَرقَةِ

..................................  الأحْجارِ، والصَّيْدِ، والنُّورَةِ 1، والجِصِّ، والزِّرْنِيخِ، والتَّوَابِلِ، والفَخَّارِ، والزُّجاجِ، وغيرِه.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ على سارِقِ الطَّعامِ الرَّطْبِ الَّذى يَتَسارَعُ إليه الفَسادُ، كالفَواكِهِ، والطَّبَائِخِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا قَطْعَ في ثَمَرِ وَلَا كَثَر 2». رَواه أبو داودَ 3. ولأَنَّ هذا مُعَرَّضٌ للهَلاكِ، أشْبَهَ ما لم يُحْرَزْ.
ولا قَطْعَ فيما كان أصْلُه مُباحًا في دارِ الإِسْلامِ، كالصُّيودِ، والخَشَبِ، إلَّا في السَّاجِ، والآبِنُوسِ، والصَّنْدَلِ، والقَنَا،

..................................  والمعمُولِ مِن الخشَبِ، فإنَّه يُقْطَعُ به.
وما عَدا هذا لا يُقْطَعُ به؛ لأنَّه يُوجَدُ كثيرًا مُباحًا في دارِ الإِسْلامِ، فأشْبَهَ التُّرَابَ.
ولا قَطْعَ في القُرُونِ، وإن كانت مَعْمُولةً؛ لأَنَّ الصَّنْعَةَ لا تكونُ غالبةً عليها، بل القِيمَةُ لها، بخِلافِ مَعْمُولِ الخَشَبِ.
ولا قَطْعَ عندَه في التَّوَابِلِ، والنُّورَةِ، والجِصِّ، والزِّرْنِيخِ، والمِلْحِ، والحجارَةِ، واللَّبنِ، والزُّجَاجِ، والفَخَّارِ.
وقال الثَّوْرِىُّ: ما يَفسُدُ في يَوْمِه، كالثَّرِيدِ واللَّحْمِ، لا قَطْعَ فيه.
ولَنا، عُمُومُ قولِه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ 1. وروَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- سُئِلَ عن الثَّمَرِ المُعَلَّقِ، فَذَكَرَ الحديثَ، ثم قال: «وَمَنْ سَرَقَ مِنْ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ 2 الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ، فَفِيهِ القَطْعُ».
رَواه أبو داودَ، وغيرُه 3. ورُوِىَ أنَّ عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أُتِى برجلٍ قد سَرَق

..................................  أُتْرُجَّةً، فأمَرَ بها عثمانُ فأُقِيمَتْ، فبَلَغَتْ قِيمَتُها رُبْعَ دِينارٍ، فأمَرَ به عثمانُ فقُطِعَ.
رَواه سعيدٌ 1. ولأَنَّ هذا مالٌ يُتَمَوَّلُ عادةً، ويُرْغَبُ فيه،

وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ،  فيُقْطَعُ سارِقُه إذا اجْتَمَعَتِ الشُّرُوطُ، كالمُجَفَّفِ، ولأَنَّ ما وَجَب القَطْعُ في مَعْمُولِه، وَجَب فيه قبلَ العَمَلِ، كالذَّهَبِ، والفِضَّةِ.
وحَدِيثُهم أرادَ به الثَّمَرَ المُعَلَّقَ؛ بدَليلِ حدِيثِنا، فإنَّه مُفَسِّرٌ له، وتَشْبِيهُه بغيرِ المُحْرَزِ لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ غيرَ المُحْرَزِ مُضَيَّعٌ، وهذا مَحْفُوظٌ، ولهذا افْتَرَقَ سائِرُ الأموالِ بالحِرْزِ وعدَمِه.
وقولُهم: يُوجَدُ مُباحًا في دارِ الإِسْلامِ.
يَنْتَقِضُ بالذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والحَدِيدِ، والنُّحَاسِ، وسائرِ المعادِنِ.

4479 -

مسألة: (ويُقْطَعُ بسَرِقَةِ العَبْدِ الصَّغِيرِ)

في قَوْلِ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 1: أجْمَعَ على هذا كُّل مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ؛ منهم الحسنُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ،

..................................  وأصحابُ الرَّأْى.
والصَّغِيرُ الَّذى يُقْطَعُ بسَرِقَتِه، هو الَّذى لا يُمَيِّزُ، فإن كان كبيرًا لم يُقْطَعْ سارِقُه، إلَّا أن يكونَ نائمًا، أو مجْنونًا، أو أعْجَمِيًّا لا يُمَيِّزُ بينَ سَيِّدِه وغيرِه في الطَّاعَةِ، فيُقْطَعُ سارِقُه.
وقال أبو يوسف: لا يُقْطَعُ سارِقُ العَبْدِ وإن كان صَغِيرًا؛ لأَنَّ مَن لَا يُقْطَعُ بسَرِقَتِه كَبيرًا، لا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِه صغيرًا، كالحُرِّ.
ولَنا، أنَّه سَرَق مالًا مَمْلوكًا تَبْلُغُ قِيمَتُه نِصابًا، فوَجَب القَطْعُ عليه، كسائرِ الحيواناتِ.
وفارَقَ الحُرَّ، فإنَّه ليس بمالٍ ولا مَمْلُوكٍ.
وفارَقَ الكبيرَ؛ لأنَّه لا يُسْرَقُ، وإنَّما يُخْدَعُ بشئٍ.
فإن كان المَسْرُوقُ في حالِ نَوْمِه أو جُنُونِهِ 1 أُمَّ ولدٍ، ففى قَطعِ سارِقِها وَجْهان؛ أحدُهما، لا يُقْطَعُ؛ لأنَّها لا يَحِلُّ بَيْعُها، ولا نَقْلُ المِلْكِ فيها، فأشْبَهَتِ الحُرَّةَ.
والثانى، يُقْطَعُ؛ لأنَّها مَمْلُوكَةٌ تُضْمَنُ بالقِيمَةِ، فأشْبَهَتِ القِنَّ.
وحُكْمْ المُدَبَّرِ حُكْمُ القِنِّ؛ لأنَّه يجوزُ بَيْعُه،

وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ حُرٍّ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا.
وَعَنْهُ، أنَّه يُقْطعُ بِسَرِقَةِ  ويُضْمَنُ بقِيمَتِه.
فأمَّا المُكاتَبُ، فلا يُقْطَعُ سارِقُه؛ لأَنَّ مِلْكَ سَيِّدِه ليس بتَامٍّ عليه؛ لكَوْنِه لا يَمْلِكُ مَنافِعَه، ولا اسْتِخْدامَه، ولا أخَذَ أَرْشِ الجِنايةِ عليه، ولو جَنَى السَّيِّدُ عليه، لَزِمَه له الأَرْشُ، ولو اسْتَوْفَى مَنافِعَه كَرْهًا، لَزِمَه عِوَضُها، ولو حَبَسَه لَزِمَه أُجْرَةُ مُدَّةِ حَبْسِه، [أو إنْظارُه] (1) مقدارَ تلك المُدَّةِ.
ولا يَجبُ القَطْعُ لأجلِ مِلْكِ المُكاتَبِ في نفْسِه؛ لأَنَّ الإنْسانَ لا يَمْلِكُ نَفْسَه، فأَشْبَهَ الحُرَّ.
فأمَّا إن سَرَق مالَ المُكاتَبِ، فعليه القَطْعُ؛ لأَنَّ مِلْكَ المكاتَبِ ثابِتٌ في مالِ نَفْسِه، إلَّا أن يكونَ السارِقُ سَيِّدَه، فلا قَطْعَ عليه؛ لأَنَّ له في مالِه حَقًّا وشُبْهَةً تَدْرَأُ الحَدَّ، ولذلك لو وَطِئَ جارِيَتَه لم يُحَدَّ.

4480 -

مسألة: (ولا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ حُرٍّ وإن كان صَغِيرًا. وعنه،

1

الصَّغِيرِ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُقْطَعُ.
فَسَرَقَهُ وَعَلَيْهِ حَلْىٌ، فَهَلْ يُقْطَعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
أنَّه يُقْطَعُ بسَرِقَةِ الصَّغِيرِ) ظاهِرُ المذهَبِ أَنَّه لا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ الحُرِّ الصَّغيرِ.
وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ ثانيةٌ، أنَّه يُقْطَعُ بسَرِقَةِ الصَّغِيرِ.
وذَكَرَها أبو الخَطَّابِ.
وهو قولُ الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، ومالكٍ، وإسحاقَ؛ لأنَّه غيرُ مُمَيِّزٍ، أشْبَهَ العَبْدَ.
ولَنا، أنَّه ليس بمالٍ، فلا يُقْطَعُ بسَرِقَتِه، كالكبيرِ النَّائمِ.

4481 -

مسألة: فإن كان عليه حَلْىٌ أو ثِيابٌ تَبْلُغُ نِصَابًا، لَمْ يُقْطَعْ.

وبه قال أبو حنيفةَ، وأكثرُ أصحابِ الشافعىِّ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُقْطَعُ.
حَكاه أبو الخَطَّابِ.
وبه قال أبو يوسفَ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لظاهرِ الكِتابِ، ولأنَّه سَرَقَ نِصابًا من المالِ، فأشْبَهَ ما لو سَرَقَه مُنْفَرِدًا.
ولَنا،

..................................  أنَّه تابعٌ لِما لا قَطْعَ في سَرِقَتِه، فأشْبَهَ ثِيابَ الكبيرِ، ولأَنَّ يَدَ الصَّبِىِّ على ما عليه؛ بدليلِ أنَّ ما يُوجَدُ مع اللَّقيطِ يكونُ له.
وهكذا لو كان الكبيرُ نائمًا على مَتاعٍ، فسَرَقَه وثِيابَه، لم يُقْطَعْ؛ لأَنَّ يَدَه عليه.
فصل: وإن سَرَقَ ماءً، فلا قَطْعَ فيه.
قالَه أبو بكرٍ، وأبو إسحاقَ ابنُ شَاقْلَا؛ لأنَّه لا يُتَمَوَّلُ عادةً.
ولا نعْلَمُ فيه خِلافًا.
فإن سَرَق كَلَأ أو مِلْحًا، فقال أبو بكرٍ: لا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه ممَّا ورَد الشَّرْعُ باشْتِراكِ [النَّاسِ فيه] 1، فأشْبَهَ الماءَ 2. وقال أبو إسحاقَ: عليه القَطْعُ؛ لأنَّه يُتَمَوَّلُ عادَةً، فأشْبَهَ التِّبْنَ والشَّعِيرَ.
وأمَّا الثَّلْجُ، فقال القاضى: هو كالماءِ؛ لأنَّه ماءٌ جامِدٌ، فأشْبَهَ الجَلِيدَ.
قال شيخُنا 3: والأشْبَهُ أنَّه كالمِلْحِ؛ لأنَّه يُتَمَوَّلُ عادةً، فأشْبَهَ المِلْحَ المُنْعَقِدَ من الماءِ.
وأمَّا التُّرابُ، فإن كان ممَّا تَقِلُّ الرَّغَباتُ فيه 4، كالمُعَدِّ للتَّطْيِينِ والبِناءِ، فلا قَطْعَ

وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مُصْحَفٍ.
وَعِنْدَ أبِى الْخَطَّابِ، يُقْطَعُ.
فيه؛ لأنَّه لا يُتَمَوَّلُ، وإن كان مِمَّا له قِيمَةٌ كثيرةٌ، كالطِّينِ الأرْمَنِىِّ الَّذى يُعَدُّ للدَّواءِ، أو المُعَدِّ للغُسْلِ به، أو الصَّبْغِ كالمَغْرَةِ (1)، احْتَمَلَ وَجْهَيْن؛ أحدُهما، لا قَطْعَ فيه؛ لأنَّه من جِنْسِ ما لا يُتَمَوَّلُ، أشْبَهَ الماءَ.
والثانى، فيه القَطْعُ؛ لأنَّه يُتَمَوَّلُ عادةً، ويُحْمَلُ إلى البُلْدانِ للتِّجارَةِ فيه، فأشْبَهَ العُودَ الهِنْدِىَّ.
ولا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ السِّرْجِينِ (2)؛ لأنَّه إن كان نَجِسًا فلا قِيمَةَ له، وإن كان طاهِرًا، فلا يُتَمَوَّلُ عادةً، ولا تَكْثُرُ الرَّغَباتُ فيه، أشْبَهَ التُّرابَ الَّذى للبِنَاءِ.
وما عُمِلَ من التُّرابِ كاللَّبِنِ والفَخَّارِ، ففيه القَطْعُ؛ لأنَّه يُتَمَوَّلُ عادةً.

4482 -

مسألة: (ولا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ مُصْحَفٍ. وعندَ أبى الخَطَّابِ، يقْطَعُ)

قال أبو بكرٍ، والقاضى: لا قَطْعَ فيه.
وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأَنَّ المقْصودَ منه ما فيه من كَلامِ اللَّهِ تعالى، وهو ممَّا لا يَجُوزُ12

..................................  أخْذُ العِوَضِ عنه.
واخْتارَ أبو الخَطَّابِ وُجوبَ قَطْعِه، وقال: هو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، فإنَّه سُئِلَ عمَّن سَرَق كِتابًا فيه عِلْمٌ ليَنْظُرَ فيه، فقال: كُلُّ ما بَلَغَتْ قِيمَتُه ثَلاثَةَ دَرَاهِمَ قُطِعَ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لعُمومِ الآيةِ في كلِّ سارِق، ولأنَّه مُتَقَوَّمٌ، تَبْلُغُ قِيمتُه نِصابًا، فوَجَبَ القَطْعُ بسَرِقَتِه، ككُتُبِ [العلمِ و] 1 الفِقْهِ.

وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ سَائِرِ كُتُبِ الْعِلْمِ، وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ آلةِ لَهْوٍ، وَلَا مُحَرَّمٍ، كَالْخَمْرِ.

4483 - مسألة: (ويُقْطَعُ بسَرِقَةِ سائِرِ كُتُبِ العلمِ)

ولا نعلمُ فيه خِلافًا بينَ أصحابِنا في القَطْعِ بسَرِقَةِ كُتُبِ الفِقْهِ، والحديثِ، وسَائرِ العُلومِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لعُمومِ الأدِلَّةِ.
فصل: فإن قُلْنا: لا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ المُصْحَفِ.
وكان عليه حِلْيَةٌ تَبْلُغُ نِصابًا، خُرِّجَ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يُقْطَعُ.
وهو قياسُ قولِ أبى إسحاقَ ابنِ شَاقْلَا، ومذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأَنَّ الحَلْىَ تابِعٌ لِما لا يُقْطَعُ بسَرِقَتِه، فأشْبَهَتْ ثِيابَ الحُرِّ.
والثانى، يُقْطَعُ.
وهو قولُ القاضِى؛ لأنَّه سَرَق نِصابًا مِن الحَلْى، فأشْبَهَ ما لو سَرَقَه مُنْفَرِدًا.
وأصْلُ هذَيْن الوَجْهَيْن مَن سَرَقَ صَبِيًّا عليه حَلْىٌ.
فصل: وإن سَرَقَ عَيْنًا مَوْقُوفَةً، وَجَب القَطْعُ؛ لأنَّها مَمْلُوكَةٌ للمَوْقُوفِ عليه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُقطَعَ، بِناءً على الوَجْهِ الَّذى يقولُ: إنَّ المَوْقُوفَ لا يَمْلِكُه المَوْقُوفُ عليه.
فعلى هذا، إن كان وَقْفًا على (1) غيرِ مُعَيَّنٍ، لم يُقْطَعْ بسَرِقَتِه.

4484 -

مسألة: (ولا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ آلةِ لَهْوٍ، ولا مُحَرَّمٍ، كالخَمْرِ)

لا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ آلةِ لَهْوٍ؛ كالطُّنْبُورِ 2، والمِزْمَارِ،1

..................................  والشَّبَّابَةِ، وإن بَلَغَتْ قِيمتُه مُفَصَّلًا نِصابًا.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: إن كانت قِيمتُه بعدَ زَوالِ تَأْلِيفِه نِصابًا، ففيه القَطْعُ، وإلَّا فلا، لأنَّه سَرَق ما قِيمتُه نِصابًا، لا شُبْهَةَ له فيه، من حِرْزِ مِثْلِه، وهو من أهلِ القَطْعِ، فوَجَب قَطْعُه، كما لو كان ذَهَبًا مَكْسُورًا.
ولَنا، أنَّه آلةٌ للمَعْصِيَةِ بالإِجْماعِ، فلم يُقْطعْ بسَرقَتِه، كالخَمْرِ، ولأَنَّ له حَقًّا في أخْذِها لكَسْرِها، فكان ذلك شُبْهَةً مانِعَةً من القَطْعِ، كاسْتِحْقَاقِه مالَ ولدِه.
فإن كانتْ عليه حِلْيَة تَبْلُغُ نِصابًا، فلا قَطْعَ فيه أيضًا، في قِياسِ قولِ أبى بكرٍ، لأنَّه مُتَّصِل بما لا قَطْعَ فيه، أشْبَهَ الخَشَبَ والأوْتارَ.
وقال القاضى: فيه القَطْعُ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ، لأنَّه سَرَق نِصابًا من حِرزِه، أشْبَهَ المُنْفَرِدَ.
فصل: ولا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ مُحَرَّمٍ؛ كالخمرِ، والخِنْزيرِ، والمَيْتَةِ، ونحوِها، سَواءٌ سَرَقَه من مسلمٍ أو كافرٍ.
وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
وحُكِىَ عن عطاءٍ أنَّ سارِقَ خمرٍ الذِّمِّىِّ يُقْطَعُ، وإن

وَإِنْ سَرَقَ آنِيَةً فِيهَا الْخَمْرُ، أَوْ صَلِيبًا، أَوْ صَنَمَ ذَهَبٍ، لَمْ يُقْطَعْ.
وَعِنْدَ أبى الْخَطَّابِ، يُقْطَعُ.
كان السَّارقُ (1) مسلمًا؛ لأنَّه مالٌ لهم، أشْبَهَ ما لو سَرَقَ دَراهِمَهم.
ولَنا [أنَّها عينٌ مُحَرَّمَةٌ] (2)، فلا يُقْطَعُ بسَرِقَتِها، كالخِنْزِيرِ، ولأَنَّ ما لا يُقْطَعُ [بسَرِقَتِه من المسلمِ، لا يُقْطَعُ] (3) بسَرِقَتِه من الذِّمِّىِّ، كالمَيْتَةِ والدَّمِ.
وما ذَكَرَه (4) يَنْتَقِضُ بالخِنْزِيرِ، ولا اعْتِبارَ به، [فإنَّ الاعْتِبارَ] (3) بحُكْمِ الإِسْلامِ، وهو يَجْرِى عليهم دونَ أحْكامِهم.

4485 -

مسألة: (وإن سَرَقَ آنِيَةً فيها الخَمْرُ، أو صَلِيبًا، أو صَنَمَ ذَهَبٍ، لم يُقْطَعْ. وعندَ أبى الخَطَّابِ، يُقْطَعُ)

إذا سَرَقَ إناءً فيه خمرٌ [فقال أبو الخَطَّابِ] 5: يُقْطَعُ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ، كما لو سَرَقَه [ولا شئَ] 6 فيه.
وقال غيرُه من أصحابِنا: لا يُقْطَعُ؛ لأنَّه مُتَّصِلٌ بما لا قَطْعَ1234

..................................  فيه، فأشْبَهَ [ما لو سَرَق شيئًا مُشْتَرَكًا بينَه وبينَ غيرِه، بحيثُ تَبْلُغُ قِيمتُه بالشَّرِكَةِ نِصابًا.
وقال ابنُ شَاقْلَا: لو سَرَق إداوةً فيها ماءٌ، لم يُقطَعْ؛ لاتِّصالِها بما لا قَطْعَ فيه.
ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّه سَرَق نِصابًا من حِرْزٍ لا شبْهَةَ له فيه، أشْبَهَ] 1 ما لو سَرَقَه فارِغًا.
وإن سَرَق صَلِيبًا، أو صَنَمًا من ذَهَب أو فِضَّةٍ، يبلغُ نِصابًا مُتَّصِلًا، فقال القاضى: لا قَطْعَ فيه.
وهو قولُ أبى حنيفةَ.
وقال أبو الخَطَّابِ: يُقْطَعُ سارِقُه.
وهو مذهبُ الشافعىِّ، ووَجْهُ الوَجْهَيْن ما تَقَدَّمَ فيما إذا سَرَقَ آلةَ لهوٍ مُحَلَّاةً.
والفرقُ بين هذه المسألةِ والتى قبلَها، أنَّ التى قبلَها له كَسْرُه بحيثُ لا يَبْقَى له قِيمَةٌ تَبْلُغُ نِصابًا، وههُنا لو كُسِرَ الذَّهَبُ والفِضَّةُ بكلِّ وَجْهٍ لم تَنْقُصْ قِيمتُه عن النِّصابِ، ولأَنَّ الذهبَ والفِضَّةَ جَوْهَرُهما غالِبٌ على الصَّنْعَةِ المُحَرَّمَةِ، فكانتِ الصِّناعَةُ فيهما 2 مَغْمُورَةً بالنِّسْبَةِ إلى قِيمَةِ جَوْهَرِهِما، وغيرُهما بخِلافِهما، فتكونُ الصِّناعةُ غالِبَةً عليه، فيكونُ تابِعًا للصناعَةِ المُحَرَّمَةِ، فأشْبَهَ الأوْتارَ.

فَصْلٌ: الثَّالِثُ، أَنْ يَسْرِقَ نِصَابًا، وَهُوَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، أَوْ قِيمَةُ

فصل

: ولو سَرَق إناءً مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، قِيمتُه نِصابٌ إذا كان مُنْكَسِرًا، فعليه القَطعُ؛ لأنَّه غيرُ مُجْمَعٍ على تَحْرِيمِه، وقِيمَتُه بدُونِ الصِّناعَةِ المُخْتَلَفِ فيها نِصَابٌ.
وإن سَرَق إناءً مُعَدًّا لحَمْلِ الخمرِ ووَضْعِه فيه، ففيه القَطْعُ، لأَنَّ الإِناءَ لا تَحْريمَ فيه، وإنَّما يَحْرُمُ عليه بنِيَّتِه 1 وقَصْدِه، فأشْبَهَ ما لو سَرَقَ سِكِّينًا معَدَّةً لذَبْحِ الخنازيرِ، أو سيْفًا يُعَدُّ لقَطْعِ الطَّرِيقِ.
ولو سَرَق مِنْدِيلًا في طَرَفِه دِينار مَشْدُودٌ يَعْلَمُ به، فعليه القَطْعُ، وإن لم يَعْلَمْ به، فلا قَطْعَ فيه، لأنَّه لم يَقْصِدْ سَرِقَتَه، فأشْبَهَ ما لو تَعَلَّقَ بثَوْبِه.
وقال الشافعىُّ: يُقْطَعُ، لأنَّه سَرَق نِصابًا، فأشْبَهَ ما لو سَرَقَ مالًا يَعْلَمُ أنَّ قِيمَتَه نِصابٌ، والفَرْقُ بينَهما أنَّه عَلِمَ بالمَسْرُوقِ ههُنا، وقَصَد سَرِقَتَه، بخِلافِ الدِّينارِ، فإنَّه لم يُرِدْه، ولم يَقصِدْ أخْذَه، فلا يُؤاخَذُ به بإيجابِ الحَدِّ عليه.
فصل: (الثالثُ، أن يَسْرِقَ نِصابًا، وهو ثلاثةُ دَراهِمَ، أو قِيمةُ ذلك

ذَلِكَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْعُرُوضِ.
وَعَنْهُ، أنَّهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، أَوْ رُبْعُ دِينَارٍ، أَوْ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِهِمَا.
وَعَنْهُ، لَا تُقَوَّمُ الْعُرُوضُ إِلَّا بِالدَّرَاهِمَ.
مِن الذَّهَبِ والعُروضِ.
وعنه، أنَّه ثلاثةُ دَرَاهِمَ، أو رُبْعُ دِينارٍ، أو ما يبلغُ قِيمةَ أحَدِهما مِن غيرِهما.
وعنه، لا تُقَوَّمُ العُروضُ إلَّا بالدَّراهِمِ) فلا يَجِبُ القَطْعُ بسَرِقَةٍ أدونَ النِّصابِ، في قولِ الفُقَهاءِ كلِّهم، إلَّا الحسنَ، وداودَ، وابنَ بنتِ الشافعىِّ، والخَوارِجَ، فإنَّهم قالوا: يُقطَعُ في القَليلِ والكثيرِ، لعُمومِ الآيةِ، ولِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الحَبْلَ فتُقْطَعُ يَدُهُ، ويَسْرِقُ البَيْضَةَ فتُقْطَعُ يَدُهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولأنَّه سارِقٌ من حِرْزٍ، فتُقْطَعُ يَدُه، كسارِقِ الكبيرِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تُقْطَعُ اليَدُ إلَّا في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا».
[مُتَّفَقٌ عليه] 2. وإجْماعُ الصَّحابةِ على ما سَنَذْكُرُه.
وهذا يَخُصُّ عُمومَ الآيةِ.

..................................  والحَبْلُ يَحْتَمِلُ أن يُساوِى ذلك.
وكذلك البَيْضَةُ، يَحْتَمِلُ أن يُرادَ بها بَيْضَةُ السِّلاحِ، وهى تُساوِى ذلك.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، في قَدْرِ النِّصابِ الَّذى يَجِبُ القَطْعُ بسَرِقَتِه، فروَى عنه أبو إسحاقَ الجُوزْجَانِىُّ، أنَّه رُبْعُ دِينَارٍ من الذَّهَبِ، أو ثَلاثةُ دَرَاهِمَ من الوَرِقِ، أو ما قِيمَتُه ثَلاثةُ دَراهِمَ مِن غيرِهما.
وهذا قولُ مالكٍ، وإسحاقَ.
وروَى عنه الأَثْرَمُ، أنَّه إن سَرَق مِن غيرِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ما قِيمتُه رُبْعُ دِينارٍ، أو ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ، قُطِعَ.
وعنه، أنَّ الأَصْلَ الوَرِقُ، ويُقَوَّمُ الذَّهَبُ به، فإن نَقَص رُبْعُ دِينارٍ عن ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، لم يُقْطَعْ سارِقُه.
وهذا يُحْكَى عن اللَّيْثِ، وأبى ثَوْرٍ.
وقالت عائشةُ: لا قَطعَ إلَّا في رُبْعِ دِينارٍ فصاعِدًا 1، ورُوِىَ هذا عن [عمرَ، و] 2 عثمان، وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال الفُقَهاءُ السَّبْعَةُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والأوْزَاعِىُّ،

..................................  والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لحديثِ عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لَا قَطْعَ إلَّا في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا».
وقال عثمانُ البَتِّىُّ: تُقْطَعُ اليَدُ في دِرْهَمٍ، فما فَوْقَه.
وعن أبى هُرَيْرَةَ، وأبى سَعِيدٍ، أنَّ اليَدَ تُقْطَعُ في أرْبَعةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا 1. وعن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ الخَمْسَ لا تُقْطَعُ إلَّا في الخَمْسِ 2. وبه قال سليمانُ بنُ يَسارٍ، وابنُ أبى ليلى، وابنُ شُبْرُمَةَ.
ورُوِىَ ذلك عن الحسنِ.
وقال أنَسٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: قَطَع أبو بكرٍ في مِجَنٍّ قِيمتُه خَمْسَةُ دَراهِمَ.
رَواه الجُوزْجَانِىُّ بإسْنادِه 3. وقال عَطاءٌ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه 4: لا تُقْطَعُ اليَدُ إلَّا في دِينارٍ، أو عَشَرَةِ دَرَاهِمَ؛ لِما روَى الحَجَّاجُ بنُ أرْطاةَ، عن عمرِو بنِ

..................................  شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «لَا قَطْعَ إلَّا فِى عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» 1. وروَى ابنُ عباسٍ، قال: قَطَع رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَدَ رجلٍ في مِجَنٍّ قيمتُه دِينارٌ، أو عَشرَةُ دَرَاهِمَ 2. وعن النَّخَعِىِّ: لا تُقْطَعُ اليَدُ إلَّا في أرْبَعِينَ دِرْهَمًا ولَنا، ما روَى ابنُ عمرِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَطَع في مِجَنٍّ ثَمَنُه 3 ثلاثةُ دَرَاهِمَ.
مُتَّفقٌ عليه 4. قال ابنُ عبدِ البَرِّ 5: هذا أصَحُّ حديثٍ يُرْوَى في هذا البابِ،

جارٍ التحميل