الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 405-446

كِتَابُ الطَّهارة

صفحات 405-446

..................................  أمّا ما رَأتِ الدَّمَ البَحْرانِيَّ 1 فإنَّها تَدَعُ الصلاةَ، إنَّها واللهِ لن تَرَى الدَّمَ بعدَ أيَّامِ مَحِيضِها إلَّا كغُسالَةِ ماءِ اللَّحْمِ.
ولأنَّه خارِجٌ مِن الفَرْجِ يُوجِبُ الغُسْلَ؛ فرُجِعَ إلى صِفَتِه عندَ الاشْتِباهِ، كالمَنِيِّ والمَذْي.
فصل: وظاهِرُ كلامِ شَيخِنا 2، رَحِمه اللهُ، ها هنا، أنَّ المُمَيِّزةَ إذا عَرَفَتِ التَّمْيِيزَ جَلَسَتْه مِن غيرِ تَكْرارٍ.
وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، والخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ ابنِ عَقِيلٍ؛ لأنَّ مَعْنَى التَّمْيِيزِ أن يَتَمَيَّزَ أحَدُ الدَّمَين عن الآخَرِ في الصِّفَةِ، وهذا يُوجَدُ بأوَّلِ مَرَّةٍ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وقال القاضي، وأبو الحسنِ الآمِدِيُّ: إنَّما تَجْلِسُ المُمَيِّزَةُ مِن التَّمْيِيزِ ما تَكَرَّرَ مَرَّتَين أو ثلاثًا، بِناءً على الرِّوايَتَين، فيما تَثْبُتُ به العادَةُ.
ولَنا، قولُ النبيِّ: - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا أقْبَلَتِ الْحَيضَةُ فَاتْركِي الصَّلَاةَ، فَإذَا أدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي».
أمَرَها بتَرْكِ الصلاةِ إذا أقْبَلَتِ الحَيضَةُ، مِن غيرِ اعْتِبارِ أمْرٍ آخَرَ، ثم مَدَّه إلى حينِ إدْبارِه؛ ولأنَّ 3 التَّمْيِيزَ أمارَةٌ بمُجَرَّدِه، فلم يَحْتَجْ إلى

..................................  ضَمِّ غيرِه إليه، كالعادَةِ.
وعندَ القاضي: لا تَجْلِسُ مِن التَّمْيِيزِ إلّا ما تَكَرَّرَ.
فعلى هذا، إذا رَأتْ في كلِّ شَهْرٍ خَمْسَةً أحْمَرَ، ثم خَمْسَةً أسْوَدَ، ثم أحْمَرَ، واتَّصَلَ، جَلَسَت زَمانَ الأسْوَدِ، فكان حَيضَها، والباقي اسْتِحاضَةً.
وهل تَجْلِسُ الأسْوَدَ في الشَّهْرِ الثاني أو الثالثِ أو الرابعِ؟ يُخَرَّجُ ذلك على الرِّواياتِ الثَّلاثِ.
وكذلك لو رَأتْ عَشَرَةً أحْمَرَ، ثم خَمْسَةً أسْوَدَ، ثم أحْمَرَ، فإنِ اتَّصَلَ الأسْوَدُ وعَبَر أكْثَرَ الحَيضِ، فليس لها تَمْيِيزٌ وحَيضُها 1 مِن الأسْوَدِ؛ لأنَّه أشْبَهُ بدَمِ الحَيضِ.
ولو رَأتْ أقَلَّ مِن يَوْمٍ ولَيلَةٍ أشودَ، فلا تَمْييزَ لها؛ لأنَّه لا يَصْلُحُ حَيضًا.
وإن رَأتْ في الشَّهْرِ الأولِ أحْمَرَ كلَّه، وفي الثاني والثالثِ والرابع خَمْسَةً أسْوَدَ، وفي الخامِسِ كلِّه أحْمَرَ، فإنّها تَجْلِسُ في الأشْهُرِ الثَّلَاثَةِ اليَقِينَ، على قَوْلِنا: يُعْتَبَرُ التَّكْرارُ في المُمَيِّزَةِ.
وفي الرابعِ أيَّامَ الدَّمِ الأسودِ في قَوْلِ شَيخِنا 2، وفي الخامِسِ تَجْلِسُ خَمْسَةً أيضًا.
وقال القاضي: لا تَجْلِسُ

..................................  مِن الرابع إلَّا اليَقِينَ، إلَّا أن نقُولَ: تَثْبُتُ العادَةُ بمَرَّتَين.
قال شيخُنا: وفيه نَظرٌ، فإنَّ أكْثَرَ ما يُقَدَّرُ فيها أنَّها لا عادةَ لها ولا تَمْيِيزَ، ولو كانت كذلك لجَلَسَتْ سِتًّا أوْ سَبْعًا، في أصَحِّ الرِّواياتِ.
فكذا ههُنا.
قُلتُ: فيَنْبَغِي على هذا أن لا تَجْلِسَ بالتَّمْيِيزِ، وإنَّما تَجْلِسُ غالِبَ الحَيضِ؛ لِما ذَكَرَه.
ومَن لم يَعْتَبِرِ التَّكْرارَ في التَّمْيِيزِ فهذه مُمَيِّزَةٌ، ومَن قال: إنها تَجْلِسُ بالتَّمْيِيزِ في الشَّهْرِ الثاني، قال: إنَّها تَجْلِسُ الدَّمَ الأسْوَدَ في الشَّهْرِ الثالثِ؛

وَإنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا قَعَدَتْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ غَالِبَ الْحَيضِ، وَعَنْهُ، أَقَلَّهُ.
وَعَنْهُ، أكْثَرَهُ.
لأنَّها لا تَعْلَمُ أنَّها مُمَيِّزَةٌ قَبْلَه.
الحالُ الثاني، أن لا يكونَ دَمُها مُتَمَيِّزًا على ما مَضى، ففيها أربعُ رِواياتٍ، إحْداها، أنَّها تَجْلِسُ غالِبَ الحَيضِ مِن كلِّ شَهْرٍ، وذلك سِتَّةُ أَيَّام أو سَبْعَةٌ.
وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه غالِبُ عَاداتِ النِّساءِ، فيَجِبُ رَدُّها إليه، كرَدِّها في الوَقْتِ إلى حَيضِها في كلِّ شَهْرٍ.
والرِّوايَةُ الثانيةُ، أنَّها تَجْلِسُ أقَلَّ الحَيضِ لأنَّه اليَقِينُ.
وللشافعيِّ قَوْلان كهاتَين الرِّوايَتَين.
والثالثةُ، أنَّها تَجْلِسُ أكْثَرَ الحَيضِ.
وهو قَوْلُ أبي

وَعَنْهُ، عَادَةَ نِسَائِهَا؛ كَأُمِّهَا، وَأُخْتِهَا، وَعَمَّتِهَا، وَخَالتِهَا.
حنيفةَ؛ لأنَّه زَمَانُ الحَيضِ، فإذا رَأتِ الدَّمَ فيه جَلَسَتْه كالمُعْتادَةِ.
والرابعةُ أنَّها تَجْلِسُ عادَةَ نِسائِها كَأُمِّهَا، وَأُخْتِهَا، وَعَمَّتِهَا وخالتِها.
وهو قولُ عَطاء، والثَّوْرِي، والأوْزاعِي؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أسنَها تُشْبِهُهُنَّ في ذلك.
والأوَّلى أصَحُّ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِحَمْنَةَ: «تَحَيَّضِي في عِلْمِ اللهِ سِتَّةَ أَيَّامٍ أوْ سَبْعَةً، ثُمَّ اغْتَسِلِي، وَصَلِّي أرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا أوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ، كما يَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْن، لِمِيقَاتِ حَيضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ» 1. حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
رَدَّها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك، ولم يَرُدَّها إلى غيرِه مِمّا ذَكَرُوا 2، ولأنَّ هذه تُرَدُّ إلى غالِبِ عاداتِ النِّساءِ في وَقْتِها، بمَعْنَى أنَّها تَجْلِسُ في كلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فكذلك في عَدَدِ أيَّامِها، وبهذا يَبطُلُ ما ذُكِر؛ لليَقِينِ، ولعادَةِ نِسائِها.

..................................  فصل: وهل تُرَدُّ إلى ذلك إذا اسْتَمَرَّ بها الدَّمُ في الشَّهْرِ الرابعِ أو الثاني؟ المَنْصُوصُ أنَّها لا تُرَدُّ إلى سِتٍّ أو سَبْعٍ إلَّا في الشَّهْرِ الرابعِ؛ لأنّا لا نُحَيِّضُها أكْثَرَ مِن ذلك إذا لم تَكُنْ مُسْتَحاضَةً، فأوْلَى أن نَفْعَلَ ذلك إذا كانت مُسْتَحاضَةً.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن تَنْتَقِلَ إليها في أيَّامِ الشَّهْرِ الثاني بغيرِ تَكْرارٍ؛ لأنّا قد عَلِمْنا اسْتِحاضَتَها، فلا مَعْنَى للتَّكْرارِ في حَقِّها.
وهو أصَحُّ إن شاء اللهُ؛ لظاهِرِ حديثِ حَمْنَةَ.

وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، في الْمُبْتَدَأة أَوَّلَ مَا تَرَى الدَّمَ الرِّوَايَاتِ الْأَرْبَعَ.

228 - مسألة: (وذَكَر أبو الخَطَّابِ في المُبْتَدَأةِ أوَّلَ ما تَرَى الدَّمَ الرِّواياتِ الأربعَ)

إحْداها، تَجْلِسُ أقَلَّ الحَيضِ؛ لأنَّه اليَقِينُ.
والثانيةُ، تَجْلِسُ [سِتًّا أو سَبْعًا] 1؛ لأنَّه الغالِبُ.
والثالثةُ، تَجْلِسُ عادَةَ نِسائِها؛ لأنَّ الظَّاهِرَ شِبْهُها بِهِنَّ.
والرابعةُ، تَجْلِسُ ما تَراه مِن الدَّمِ، ما لم يُجاوزْ أكْثَرَ الحَيضِ، قِياسًا على اليَوْمِ واللَّيلَةِ، وقد ذَكَرْنا ذلك.

وَإنِ اسْتُحِيضَتِ الْمُعْتَادَةُ رَجَعَتْ إِلَى عَادَتِهَا، وَإنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً.
وَعَنْهُ، يُقَدَّمُ التَّمْيِيزُ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ.

229 - مسألة: (وإنِ اسْتُحِيضَتِ المُعْتادَةُ، رَجَعَتْ إلى عادَتِها وإن كانت مُمَيِّزَةً. وعنه: يُقَدَّمُ التَّمْيِيزُ. وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ)

وإن نَسِيَتِ العادَةَ عَمِلَتْ بالتَّمْيِيزِ، فإن لم يَكُنْ لها تَمْيِيزٌ جَلَسَتْ غالِبَ الحَيضِ مِن كلِّ شَهْرٍ.
وعنه، أقَلَّه.
وقِيلَ فيها الرِّواياتُ الأرْبَعُ وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المُعْتادَةَ إذا اسْتُحِيضَتْ لم تَخْلُ مِن أربعةِ أقْسام؛ أحَدُها، أن تكُونَ مُعْتادَةً ولا تَمْيِيزَ لها؛ لكَوْنِ دَمِها على صِفَةٍ لا يَخْتَلِفُ ولا يَتَمَيَّزُ بَعْضُه مِن

..................................  بعضٍ، أو بأن يكُونَ الدَّمُ الَّذي يَصْفحُ للحَيضِ يَنْقُصُ عن أقَلِّ الحَيضِ أو يَزِيدُ على أكْثَرِه، فهذه تَجْلِسُ أيَّامَ عادَتِها، ثم تَغْتَسِلُ عندَ انْقِضائِها، وتَتَوَضَّأُ بعدَ ذلك لوَقْتِ كلِّ صلاةٍ وتُصَلِّي.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
وقال مالكٌ: لا اعْتِبارَ بالعادَةِ، إنَّما الاعْتِبارُ بالتَّمْيِيزِ، فإن لم تَكُنْ مُمَيِّزَةً اسْتَطْهَرَتْ بعدَ زَمانِ عادَتِها بثلاثَةِ أيَّام، إن لم تُجاوزْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثم هي بعدَ ذلك مُسْتَحاضَةٌ.
واحْتَجَّ بحديثِ فاطمةَ الَّذي ذَكَرْناه.
ولَنا، ما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، أنَّ امرأةً كانت تُهَرَاقُ الدِّماءَ على عهدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لِتَنْظر عَدَدَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ قَبْلَ أنْ يُصِيِبَهَا الَّذِي أصَابَها، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لْتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ، ثُمَّ لْتُصَلِّ» 1. رواه أبو داودَ، والنَّسائِيُّ.
وقد روى في حديث فاطمةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لها: «ودَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي

..................................  وَصَلِّي».
مُتَّفَق عليه 1. ورَوَتْ أُمُّ حَبيبَةَ، أَنَّها سألَتْ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الدَّمِ، فقال لها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي».
رَواه مسلمٌ 2. ولا حُجَّةَ له في الحديثِ على تَرْكِ العادَةِ في حَقِّ مَن لا تَمْيِيزَ لها.
فصل: لا يَخْتَلِفُ المذهبُ أنَّ العادَةَ لا تَثْبُتُ بمَرَّةٍ؛ لأنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن المُعاوَدَة.
وهل تَثْبُتُ بمَرَّتَين أو بثَلاثٍ؟ على رِوايَتَين، وقد ذَكَرْناه.
وتَثْبُتُ العادَةُ بالتَّمْيِيزِ، فإذا رَأتْ دَمًا أسْوَدَ خَمْسَةَ أيَّام في ثلاثةِ أشْهُرٍ أو شَهْرَين، على إحْدَى الرِّوايَتَين، ثم صار أحْمَرَ، واتَّصَلَ، ثم صار في سائِرِ الأشْهُرِ دَمًا مُبْهَمًا، كانت على عادَتِها زَمَنَ الدَّمِ الأسْوَدِ.
فصل: والعادَةُ على ضَرْبَين؛ مُتَّفِقَةٍ، ومُخْتَلِفَةٍ، فالمُتَّفِقَةُ أن تكُونَ أيَّامًا مُتَساويةً، كخَمْسَةٍ في كلِّ شَهْرٍ، فإذا اسْتُحِيضَتْ جَلَسَتْها فقط.
وأمّا المُخْتَلِفَةُ فإن كانت على تَرتِيبٍ، مثلَ أن تَرَى في شَهْرٍ ثلاثةً، وفي الثاني أربعةً، وفي الثالثِ خَمْسَةً، ثم تَعُودَ إلى ثلاثةٍ، ثم إلى أربعةٍ، ثم إلى خمسةٍ على ما كانت، فهذه إذا اسْتُحِيضَتْ في شَهْرٍ، فعَرَفَتْ نَوْبَتَه عَمِلَتْ

..................................  عليه، ثم علي الَّذي بعدَه، [وعلى الَّذي] 1 بعدَه على العادَةِ.
وإن نَسِيَتْ نَوْبَتَه حَيَّضْناها على اليَقِينِ، وهو ثلاثةُ أيَّام، ثم تَغْتَسِلُ، وتُصَلِّي بَقِيَّةَ الشَّهْرِ.
وإن عَلِمَتْ أنَّه غيرُ الأوَّلِ، وشَكَّتْ؛ هل هو الثاني أو الثالثُ؟ جَلَسَتْ أربعةً؛ لأنَّها اليَقِينُ، ثم تَجْلِسُ مِن الشَّهْرَين الآخَرَين ثلاثَةً ثلاثةً، وتَجْلِسُ في الرابعِ أربعةً، ثم تَعْودُ إلى الثلاثةِ كذلك أبدًا، ويُجْزِئُها غُسْلٌ واحِدٌ عندَ انْقِضاءِ المُدَّةِ التي جَلَسَتْها، كالنّاسِيَةِ إذا جَلَسَتْ أقَلَّ الحَيضِ؛ لأنَّ ما زاد على اليَقِينِ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَجبٌ عليها الغسْلُ بالشَّكِّ.
قال شيخُنا 2: ويَحْتَمِلُ وُجوبَ الغُسْلِ عليها أَيضًا عندَ مُضِيِّ أكْثَرَ عادَتِها؛ لأنَّ يَقينَ الحَيضِ ثابِتٌ، وحُصولَ الطهارةِ بالغسْلِ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ، ولأنَّ هذه مُتَيَقِّنَةٌ وُجوبَ الغُسْلِ عليسا في أحَدِ الأيَّامِ الثلاثةِ في اليومِ الخامِسِ، وقد اشْتَبَه عليها، وصِحَّة صَلا تها تَقِفُ على الغسْلِ، فيَجِبُ عليها؛ لتَخْرُجَ عن العُهْدَةِ بيَقِين.
وهذا الوَجْهُ أصَحُّ لذلك.
وتُفارِقُ هذه النَّاسِيَةَ؛ لأنَّها لا تَعْلَمُ لها حَيضًا زائِدًا على ما جَلَسَتْه، وهذه تَعْلَم لها حَيضًا زائِدًا تَقِفُ صِحَّةُ صَلاتها على غُسْلِها منه، فوَجَبَ ذلك، فعلى هذا يَلْزَمُها غُسْلٌ ثانٍ، عَقِيبَ اليَوْمِ الخامِسِ في كلِّ شَهْرٍ.
وإن جَلَسَتْ في رمضانَ ثلاثَةَ أيَّام، قَضَتْ خَمْسَةَ أيَّام؛ لأنَّ الصومَ كان ذِمَّتِها، ولا تَعْلَم أنَّ اليَوْمَين اللَّذَين صامَتْهما أسْقَطا الفَرْضَ مِن ذِمَّتِها، ويَحْتَمِلُ أنَّه يَلْزَمُها في كلِّ شَهْرٍ ثلالةُ أغْسالٍ؛ غسْلٌ عَقِيبَ

..................................  اليَوْمِ الثالثِ والرابع، والخامس؛ لأنَّ عليها عَقِيبَ الرابعِ غسْلًا في بَعْضِ الأشْهُرِ، وكلُّ شَهْرٍ يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ هو الشهرَ الَّذي يَجِبُ الغُسْلُ فيه بعدَ الرابع، فيَلْزَمُها ذلك؛ قُلْنا في الخامِسِ.
فصل: وإن كان الاخْتِلافُ على غيرِ تَرْتِيبٍ، مِثْلَ أن تَحِيضَ مِن شَهْرٍ ثلاثَةً، ومِن الثاني خَمْسَةً، ومِن الثالثِ أربعةً، وأشْباهَ ذلك، فإن أمْكَنَ ضَبْطُه بحيث لا يَخْتَلِفُ، فهي كالتي قَبْلَها، وإن لم يُمْكِنْ ضَبْطُه، جَلَسَتِ الأقَلَّ مِن كلِّ شَهْرٍ، واغْتَسَلَتْ عَقِيبَه.
وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ في هذا الفَصْلِ، أنَّ قِياسَ المذهبِ أن تَجْلِسَ أكْثَرَ عادَتِها في كلِّ شَهْرٍ، كالنّاسِيَةِ للعَدَدِ، تَجْلِسُ أكْثَرَ الحَيضِ في إحْدَى الرِّواياتِ.
قال شيخُنا 1: وهذا لا يَصِحُّ، إذ فيه أمْرُها بتَرْكِ الصلاةِ، وإسْقاطُها عنها مع يَقينِ وُجُوبِها عليها فإنَّنا متى أجْلَسْناها خَمْسًا مِن كلِّ شَهْرٍ، ونحن نَعْلَمُ وُجُوبَ الصلاةِ عليها يَوْمَين منها في شَهْرٍ، ويَوْمًا في شَهْرٍ آخَرَ، فقد أمَرْناها بتَرْكِ الصلاةِ الواجِبَةِ يقينًا، [وذلك لا يَحِلُّ؛ فإنَّ الصلاةَ لا تَسْقُطُ بالاشْتِباهِ، كمَن نَسِيَ صلاةً لا يَعْلَمُ عَينَها، وهذه بخِلافِ النَّاسِيَةِ، فإنّا لا نَعْلَمُ عليها صلاةً واجِبَةً يَقينًا] 2، والأصْلُ بَقاءُ الحَيضِ، فتَبْقَى عليه.
فصل: ولا تكُونُ المرأةُ مُعْتادَةً حتَّى تَعْرِفَ شَهْرَها، وتَعْرِفَ وَقْتَ حَيضِها منه وطُهْرِها.
وشَهْرُ المرأةِ عِبارَةٌ عن المُدَّةِ التي لها فيها حَيضٌ وطُهْرٌ، وأقَلُّ ذلك أربْعَةَ عَشرً يَوْمًا، أو سِتَّةَ عَشَرَ يومًا، إن قُلْنا: أقَلُّ

..................................  الطُّهْرِ خَمْسَ عَشَرَ.
ولا حَدَّ لأكْثَرِه؛ لأنَّ أكْثَرَ الطهْرِ لا حَدَّ له، وغالِبُه الشَّهْرُ المَعْرُوفُ بينَ النّاس، فإذا عَرَفَتْ أنَّ شَهْرَها ثَلاثُون يَوْمًا، وأنَّ حَيضَها منه خَمْسَةُ أيَّام، وأنَّ طُهْرَها خمسةٌ وعِشْرُون يومًا، وعَرَفتْ أوَّلَه، فهي مُعْتادَةٌ، وإن عَرَفَتْ أيَّامَ حَيضِها، وأيَّامَ طُهْرِها، فقد عَرَفَتْ شَهْرَها، وإن عَرَفَتْ أيَّامَ حَيضِها، ولم تَعْرِفْ أيَّامَ طُهْرِها، أو بالعَكْسِ، فلَيسَتْ مُعْتادَةً، لكنَّها متى جَهِلَتْ شَهْرَها رَدَدْناها إلى الغالِبِ، فحَيَّضْناها مِن كلِّ شَهْرٍ حَيضَةً؛ رَدَدْناها في عَدَدِ أيَّام الحَيضِ إلى الغالِبِ.
فصل: القِسْمُ الثاني؛ أن يكونَ لها عادَةٌ وتَمْيِيزٌ، فإن كان الدَّمُ الَّذي يَصْلُحُ للحَيضِ في زَمَنِ العادَةِ، فقد اتَّفَقَتِ العادَةُ والتَّمْيِيزُ في الدَّلالةِ، فتَعْمَلُ بهما، وإن كان أكْثَرَ مِن العادَةِ أو أقَلَّ، ولم يَنْقُصْ عن أقَلِّ الحَيضِ ولا زاد على أكْثَرِه، ففيه رِوايتان، إحْداهما، يُقَدَّمُ التَّمْيِيزُ.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، وظاهِرُ مذهبِ الشافعيِّ؛ لِما ذَكَرْناه مِن الأدِلَّةِ، ولأنَّ صِفَةَ الدَّمِ أمارَةٌ قائِمَةٌ به، والعادَةُ زَمانٌ مُنْقَضٍ، ولأنَّه خارِجٌ يُوجِبُ الغُسْلَ، فرَجَعَ إلى صِفَتِه عندَ الاشْتِباهِ، كالمَنِيِّ.
والثانيةُ، تُقَدَّمُ العادَةُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، وقولُ أكْثَرِ الأصْحابِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَدَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، والمرأةَ التي اسْتَفْتَتْ لها أُمُّ سَلَمَةَ إلى العادَةِ، ولم يَسْتَفْصِلْ عن كَوْنِها مُمَيِّزةً أو غيرَها، وحديثُ فاطمةَ قد رُوِيَ عنه 1 فيه رَدُّها إلى العادَةِ أيضًا، فتَعارَضَتْ رِوايَتاه 2، وبَقِيَتْ أحادِيثُنا خالِيَةً عن مُعارِضٍ.
على

..................................  أنَّ حديثَ فاطمةَ قَضِيَّةٌ في عَينٍ، يَحْتَمِلُ أنَّها أخْبَرَتْه أن لا عادَةَ لها، أو عَلِم ذلك مِن غيرِها، وحديثُ عَدِيِّ بنِ ثابِتٍ عامٌّ في كلِّ مُسْتَحاضَةٍ، فيَكُونُ أوْلَى، ولأنَّ العادَةَ أقْوَى؛ لكَوْنِها لا تَبْطُلُ دَلالتُها، واللَّوْنُ إذا زاد على أكْثَرَ الحَيضِ، بَطَلَتْ دَلالتُه، فما لا تَبْطُلُ دَلالتُه أوْلَى.
فصل: ومَن كان حَيضُها خَمْسَةَ أيَّامَ مِن أوَّلِ كلِّ شَهْرٍ، فاسْتُحِيضَتْ، وصارَتْ تَرَى ثلاثَةً دَمًا أسْوَدَ في أوَّلِ كلِّ شَهْرٍ، فمَن قَدَّمَ العادَةَ، قال: تَجْلِسُ في كلِّ شَهْير خَمْسَةً، كما كانت قبلَ الاسْتِحاضَةِ.
ومَن قَدَّمَ التَّمْييزَ، جَعَل حَيضَها الثَّلَاثَةَ التي فيها الأسْوَدُ، إلَّا أَنَّها إنَّما تَجْلِسُ الثلاثةَ في الشَّهْرِ الثاني؛ لأنّا لا نَعْلَمُ أَنَّها مُسْتَحاضَة إلُّا بتَجاوُزِ الدَّمِ أكُثَرَ الحَيضِ، ولا نَعْلَمُ ذلك في الشَّهْرِ الأوَّلِ.
فإن رَأتْ في كلِّ شَهْر عَشَرَةً دَمًا أسْوَدَ، ثم صار أحْمَرَ واتَّصَل، فمَن قال: إنَّها لا تَلْتَفِتْ إلى ما زاد على العادَةِ حتَّى يَتَكَرَّرَ.
لم يُحَيِّضْها في الشَّهْرَين الأوَّلَين أو الثلاثةِ على اخْتِلافِ الرِّوايَتَين إلَّا خَمْسَةً، قَدْرَ عادَتِها.
ومَن قال: إنَّها إذا زادَتْ على العادَةِ جَلَسَتْه بأوَّلِ مَرَّةٍ.
أجْلَسَها في الشَّهْرِ الأوَّلِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثم تَغْتَسِلُ وتُصَلِّي، وفي الثاني تَجْلِسُ أيَّامَ العادَةِ، وهي الخمسةُ الأُولَى مِن الشَّهْرِ عندَ مَن يُقَدِّمُ العادَةَ على التَّمْيِيزِ، ومَن قَدَّمَ التِّمْيِيزَ ولم يَعْتَبِرْ فيه التِّكْرارَ، أجْلَسَها العَشَرَةَ كلَّها.
فإذا تَكَررَ ثَلَاثَةَ أشْهُرٍ على هذا الوَصْفِ، فقال القاضي: تَجْلِسُ العَشَرَةَ في الشَّهْرِ الرابع، على الرِّوايَتَين جَمِيعًا؛ لأنَّ الزِّيادَةَ على العادَةِ ثَبَتَتْ بتَكْرارِ الأسْوَدِ.
وقال شيخُنا 1: ويَحْتَمِلُ

وَإنْ نَسِيَتِ الْعَادَةَ عَمِلَتْ بِالتَّمْيِيزِ،  أن لا تَجْلِسَ زِيادَةً على عادَتِها عندَ مَن يُقَدِّمُ العادَةَ؛ لأَنَّنَا لو جَعَلْنا الزّائِدَ على العادَةِ مِن التَّمْيِيزِ حَيضًا بتَكَرُّرِه، لَجَعَلْنا النّاقِصَ عنها اسْتِحاضَةً بتَكَرُّرِه، فكانت لا تَجْلِسُ فيما إذا رَأتْ ثلاثةً أسْوَدَ ثم صار أحْمَرَ، أكْثَرَ مِن الثَّلَاثةِ، والأمْرُ بخِلافِ ذلك.
فصل: فإن كان حَيضُها خَمْسًا مِن أوَّلِ كلِّ شَهْرٍ فاسْتُحِيضَتْ، فصارَتْ تَرَى خَمْسَةً أسْوَدَ، ثم يَصِيرُ أحْمَرَ، ويَتَّصِلُ، فالأسْوَدُ حَيضٌ بالاتِّفاقِ؛ لمُوافَقَتِه زَمَنَ العادَةِ والتَّمْييزَ، وإن رَأتْ مكانَ الأسْوَدِ أحْمَرَ، ثم صار أسودَ، وعَبَر، سَقَط حُكْمُ الأسْوَدِ، لعُبُورِه أكْثَرَ الحَيضِ، وكان حَيضُها الأحْمَرَ؛ لمُوافَقَتِه زَمَنَ العادَةِ.
وإن رَأتْ مكانَ العادَةِ أحْمَرَ، ثم رَأتْ خَمْسَةً أسْوَدَ، ثم صار أحْمَرَ واتَّصَلَ، فمَن قَدَّمَ العادَةَ أجْلَسَها أيَّامَها.
وإذا تَكَرَّرَ الأسْوَدُ، فَقال القاضي: يَصِيرُ حَيضًا.
ومَن قَدَّمَ التَّمْيِيزَ، جَعَل الأسْوَدَ وَحْدَه حَيضًا.

230 -

مسألة؛ قال: (وإن نَسِيَتِ العادَةَ عَمِلَتْ بالتَّمْيِيزِ).

وهذا القِسْمُ الثالثُ مِن أقْسامِ المُسْتحاضَةِ، وهي التي لها تَمْيِيزٌ وقد نَسِيَتِ

..................................  العادَةَ.
ومَعْنى التَّمْيِيزِ، أن يَتَمَيَّزَ بَعْضُ دَمِها عن بعضٍ؛ فيَكُونَ بَعْضُه أسْوَدَ ثَخِينًا مُنْتِنًا، وبَعْضُه أحْمَرَ رَقِيقًا، أو أصْفَرَ ولا رائِحَةَ له، ويكُونَ الأسْوَدُ أو الثَّخِينُ لا يَزِيدُ على أكْثَرِ الحَيضِ ولا يَنْقُصُ عن أقَلِّه.
فحُكْمُ هذه أنَّ حَيضَها زَمَنَ الأسْوَدِ الثَّخِين أو المُنْتِنِ، فإذا انْقَطَعَ فهي مُسْتَحاضةٌ، تَغْتَسِلُ للحَيضِ وتَتَوَضَّأْ لوَقْتِ كلِّ صلاةٍ بعدَ ذلك، وتُصَلِّي.
وذَكَر أحمدُ المُسْتَحاضَةَ، فقال: لها سُنَنٌ.
فذَكَرَ المُعْتادَةَ، ثم قال: وسُنَّةٌ أُخْرَى، إذا جاءَتْ فزَعَمَتْ أنَّها تُسْتَحاضُ فلا تَطْهُرُ، قِيل لها: أنتِ الآنَ ليس لك أيَّامٌ مَعْلُومَةٌ فتَجْلِسِينَها، ولكنِ انْظُرِي إلى إقْبالِ الدَّمِ وإدْبارِه، فإذا أقْبَلَتِ الحَيضَةُ، وإقْبالُها أن تَرَىْ دَمًا أسْوَدَ يُعْرَفُ، فإذا تَغَيَّرَ دَمُها وكان إلى الصُّفْرَةِ والرِّقَّةِ، فذلك دَمُ اسْتِحاضَةٍ، فاغْتَسِلِي، وصَلِّي.
وهذا مذهبُ مالكٍ، والشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا اعْتِبارَ بالتَّمْيِيزِ، إنَّما الاعْتِبارُ بالعادَةِ خاصَّةً؛ لِما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، أنَّ امرأةً كانت تُهَرَاقُ الدَّمَ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لِتَنْظر عِدَّةَ الأيَّامِ وَاللَّيَالِي

..................................  الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ قَبْلَ أن يُصِيبَهَا الَّذِى أصَابَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لْتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ، ثمَّ لْتُصَلِّ».
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه 1. وهذا أحَدُ الأحاديثِ الثلاثةِ التي قال الإِمامُ أحمدُ: إنَّ الحَيضَ يَدُورُ عليها.
ولَنا، قَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لفاطمةَ بنتِ أبي حُبَيشٍ: «فَإذَا أقْبَلَتِ الْحَيضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا أدْبَرَتْ فَاغْسِلي عَنْكِ الدَّمَ، وَصَلِّي».
مُتَّفَقٌ عليه 2. ولأبي داودَ والنَّسائِيِّ 3: «إذَا كَانَ دَمُ الحَيضَةُ فَإنَّهُ دَمٌ أسْوَدُ يُعْرفُ، فأمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَّوَضَّئِي، فَإنَّما هُوَ عِرْقٌ».
وحديثُ أُمِّ سَلَمَةَ يَدُلُّ على اعْتِبارِ العادَةِ، ولا نِزاعَ فيه، وهذه لا عادَةَ لها.
فصل: وقد اخْتَلَفُوا؛ هل يُعْتَبَرُ للتَّمْيِيزِ التَّكْرارُ، أم لا؟ فظاهِرُ كلامِ شَيخِنا ههُنا 4، أنَّه لا يُعْتَبَرُ له التَّكْرارُ، بل متى عَرَفَتِ التَّمْيِيزَ جَلَسَتْه.
وهذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، والخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ ابنِ عَقِيلٍ، وهو مَذْهَب الشافعيِّ.
وقال القاضي، والآمِديُّ: يُعْتَبَرُ له التَّكْرارُ مَرَّتَين أو ثلَاثًا، على اخْتِلافِ الرِّوايَتَين فيما تَثْبُتُ به العادَةُ.
وقد ذَكَرْنا ذلك في المُبْتَدَأةِ.

..................................  فصل: فإن لم يَكنِ الأسْوَدُ مُخْتَلِفًا، مِثْلَ أن تَرَى في كلِّ شَهْرٍ ثَلَاثةً أسْوَدَ، ثم يَصِير أحْمَرَ، ويَعْبُرُ أكْثَرَ الحَيضِ، فالأسْوَدُ حَيضٌ وَحْدَه.
وإن كان مُخْتَلِفًا، مِثْلَ أن تَرَى في الشَّهْرِ الأوَّلِ خَمْسَةً أسْوَدَ، وفي الثاني أربعةً، وفي الثالثِ ثَلاثَةً، أو في الأوَّلَ خمسةً، وفي الثاني سِتًّا، وفي الثالثِ سَبْعَةً، أو غيرَ ذلك مِن الاخْتِلافِ؛ فعلى قولِ شَيخِنا، الأسْوَدُ حَيضٌ في كلِّ حالٍ.
وعلى قولِ القاضي، الأسْوَدُ حَيضٌ فيما تَكَرَّر، وهو ثَلاثٌ في الأولَى، وخَمْسٌ في الثّانِيَة، وما زاد عليه يكونُ حَيضًا إذا تَكَرَّرَ، وإلَّا فلا.
ولا تَجْلِسُ عندَ القاضي في الشَّهْرِ الأوَّلِ والثاني إلَّا اليَقِينَ الَّذي تَجْلِسُه مَن لا تَمْيِيزَ لها.
وإن كانت مُبْتَدَأةً، لم تَجْلِسْ إلَّا يومًا ولَيلَةً.
وهل تَجْلِسُ الَّذي يَتَكَرَّرُ في الشَّهْرِ الثالثِ أو الرَّابعِ؟ يَنْبَنِي على الرِّوايَتَين فيما تَثْبُتُ به العادَة، ويكُونُ حُكْمُها حُكْمَ المُبْتَدَأةِ التي تَرَى 1 دَمًا لا يَعْبُرُ أكْثَرَ الحَيضِ؛ الأسْوَدُ كالدَّمِ، والأحْمَرُ 2 كالطُّهْرِ هناك.
فإن كانت ناسِيَةً، وكان الأسْوَدُ في أثْناءِ الشَّهْرِ، وقلْنا: إنَّ النَّاسِيَةَ تَجْلِسُ مِن أوَّلِ الشَّهْرِ.
جَلَسَتْ هاهنا مِن أوَّلِ الشَّهْرِ ما تَجْلِسُه النّاسِيَة، ولا تَنْتَقِل إلى الأسْوَدِ حتَّى يَتَكَرَّرَ فتَنْتَقِلَ إليه، وتَعْلَمَ أنَّه حَيضٌ، فتَقْضِيَ ما صامَتْه مِن الفَرْضِ فيه، كما ذُكِر في المُبْتَدَأةِ.

..................................  فصل: فإن رَأتْ أسْوَدَ بينَ أحْمَرَين، أو أحْمَرَ بينَ أسْوَدَين، وانْقَطَعَ لدُونِ أكُثَرِ الحَيضِ، فالجَمِيعُ حَيضٌ إذا تَكَرَّرَ؛ لأنَّ الأحْمَرَ أشْبَهُ بالحَيضِ مِن الطُّهْرِ.
وإن عَبَر أكْثَرَ الحَيضِ، وكان الأسْوَدُ بمُفْرَدِه يَصْلُحُ أن يكُونَ حَيضًا، فهو حَيضٌ، والأحْمَرُ كلُّه اسْتِحاضَةٌ، لأنَّ الأحْمَرَ الأوَّلَ أشْبَهُ بالأحمرِ الثاني الَّذي حَكَمْنا بأنَّه اسْتِحاضَة؛ وتُلَفِّقُ الأسْوَدَ إلى الأسودِ، فيَكُونُ حَيضًا.
ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الأسْوَدِ قليلًا أو كثيرًا إذا كان بانْضِمامِه إلى بَقِيَّةِ الأسودِ يَبْلُغُ أقَلَّ الحَيضِ، ولا يَزِيدُ على أكْثَرِه، ولا يكُونُ بينَ طَرَفَيهِما زَمَنٌ يَزِيدُ 1 على أكْثَرِ الحَيضِ.
وكذلك لا فَرْقَ بينَ أن يكونَ الأحْمَرُ قَلِيلًا أو كَثِيرًا إذا كان زَمَنُه يَصْلُحُ أن يكُونَ طُهْرًا، فأمّا إن كان زَمَنُه لا يَصْلُحُ أن يكُونَ طُهْرًا، مِثْلَ الشئِ اليَسِيرِ أو ما دُونَ اليَوْمِ، على إحْدَى الرِّوايَتَين، فإنَّه يُلْحَقُ بالدَّمَين الَّذي 2 هو بَينَهما؛ لأنَّه لو كان الدَّمُ مُنْقَطِعًا، لم يُحْكَمْ بكَوْنِه طُهْرًا، فإذا كان الدَّمُ جارِيًا كان أوْلَى، فلو رَأتْ يومًا دَمًا أسْوَدَ، ثم رَأتِ الثانيَ أحْمَرَ، ثم رأتِ الثّالِثَ أسودَ، ثم صار أحمرَ وعَبَر، لَفَّقَتِ الأسْوَدَ إلى الأسودِ، فصار حَيضًا، وباقي الدَّمِ اسْتِحاضَةٌ.
وإن رَأتْ نِصْفَ يومٍ أسْوَدَ، ثم صار أحمرَ، ثم رَأتِ الثّانِيَ كذلك، ثم رأتِ الثّالِثَ كلَّه أسْوَدَ، ثم صار أحْمَرَ وعَبَر، فإن قُلْنا: إنَّ

..................................  الطُّهْرَ يكُونُ أقَلَّ مِن يَوْم.
لَفَّقَتِ الأسْوَدَ إلى الأسودِ فصار حَيضُها يَوْمَين، وإن قُلْنا: لا يكُونُ أقَلَّ مِنِ يومٍ.
فحَيضُها الأيَّامُ الثَّلاثَةُ الأُوَلُ، والباقي اسْتِحاضَةٌ.
ولو رَأتْ نِصْف يَوْمٍ أسْوَدَ، ثم صار أحْمَرَ إلى العاشِرِ، ثم 1 رَأْتْه كُلَّه أسودَ، ثم صار أحمرَ، وعَبَر، فالأسْوَدُ كلُّه حَيضٌ، الثّانِي والأوَّلُ.
ولو رَأتْ بينَ الأسْوَدِ والأحْمَرِ نَقاءً يَوْمًا أو أكْثَرَ، لم يَتَغَيَّرِ الحُكْمُ الَّذي ذَكَرْناه، لأنَّ الأحمرَ مَحْكُومٌ بأنَّه اسْتِحاضَةٌ، مع اتِّصالِه بالأسودِ، فمع انْفِصالِه عنه أوْلَى.
فصل: إذا رَأتْ في شَهْرٍ خَمْسَةً أسْوَدَ، ثمْ صار أحْمَرَ، واتَّصَل، وفي الثّانِي كذلك، ثم صار الثّالِثُ كلُّه أحْمَرَ، ورَأتْ في الرّابِعِ كالأوَّلِ، ثم رأتْ في الخامِسِ خَمْسَةً أحْمَرَ، ثمْ صار أسْوَدَ، واتَّصَلَ، فحَيضُها الأسْوَدُ مِن الأوَّلِ والثّانِي والرّابِعِ، وأمّا الثّالِثُ والخامِسُ فلا تَمْيِيزَ لها فيهما؛ لأنَّ حُكْمَ الأسْوَدِ في الخامسِ سَقَط لعُبُورِه.
فإن قُلْنا: العادَةُ تَثْبُتُ بمَرَّتَين.
جَلَسَتْ ذلك مِن الثّالثِ والرابعِ والخامِسِ، وإن قُلْنا: لا تَثْبُتُ إلَّا بثَلَاثةٍ.
جَلَسَتْه مِن الخامسِ؛ لأنَّها قد رَأتْ ذلك في ثلاثةِ أشْهُرٍ، وتَجْلِسُ في الثّالِثِ ما تَجْلِسُه مَن لا عادَةَ لها، ولا تَمْييزَ 2 وقِيلَ: لا تَثْبُتُ لها عادَةٌ، وتَجْلِسُ ما تَجْلِسُه مِن الخامِس مِن الدَّمِ الأسْوَدِ؛ لأنَّه أشْبَهُ بدَمِ الحَيضِ.

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَمْيِيزٌ، جَلَسَتْ غَالِبَ الْحَيضِ في كُلِّ شَهْرٍ.
وَعَنْهُ أقَلَّهُ.
وَقِيلَ: فِيهِ الرِّوَايَاتُ الْأرْبَعُ.

231 - مسألة: (فإن لم يَكُنْ لها تَمْيِيزٌ جَلَسَتْ غالِبَ الحَيضِ مِن كلِّ شَهْرٍ. وعنه: أقَلَّه. وقِيل: فيها الرِّواياتُ الأرْبَعُ)

وهذا القِسْمُ الرَّابِعُ مِن أقْسامِ المُسْتَحاضَةِ، وهي مَن لا عادَةَ لها ولا تَمْيِيزَ، ولها ثَلاثةُ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن تكُونَ ناسِيَةً لوَقْتِها وعَدَدِها، وهذه تُسَمَّى المُتَحَيِّرَةَ، وحُكْمُها أنَّها تَجْلِسُ في كلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أيَّامٍ أو سَبْعَةً، في ظاهِرِ المَذْهَب، وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، فإن كانَتْ تَعْرِفُ شَهْرَها، جَلَسَتْ ذلك منه؛ لأنَّه عادَتُها فتُرَدُّ إليه؛ تُرَدُّ المُعْتادَةُ إلى عادَتِها، إلَّا أنَّه متى كان

..................................  شَهْرها أقَلَّ مِن عِشْرِين 1 يَوْمًا لم تَجْلِسْ منه أكْثَرَ مِن الفاضِلِ عن ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أو خَمْسَةَ عَشَرَ؛ لِئَلّا يَنْقصَ الطُّهْرُ عن أقَلِّه، ولا سَبِيلَ إليه.
وإن لم تَعْرِفْ شَهْرَها جَلَسَتْ مِن الشَّهْرِ المُعْتادَ؛ لِما رَوَتْ حَمْنَةُ بنتُ جَحْشٍ، قالت: كُنتُ أُسْتَحاضُ حَيضَةً كَبِيرَةً شَدِيدَةً، فأتَيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أسْتَفْتِيه، فوَجَدْتُه في بَيتِ أُخْتِي، فقلْت: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أُسْتَحاضُ حَيضَةً كَبيرَةً شَدِيدَةً، فما تَأْمُرُنِي فيها؟ قد مَنَعَتْنِي الصيامَ والصلاةَ، فقال: «أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ، فَإَّنه يُذْهِبُ الدَّمَ».
قلت: هو أكْثَرُ من ذلك، إنَّما أثُجُّ ثَجًّا.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أيَّامٍ، أوْ سَبْعَةَ أيَّامٍ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإذَا رَأيتِ أنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأتِ فَصَلِّي أرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيلَةً، أوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيلَةً وَأيَّامَهَا، وَصُومِي، فَإنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي، كَمَا يَحِيضُ النِّسَاءُ، وَكَمَا يَطْهُرْنَ، لمِيقَاتِ حَيضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ» 2. رَواه أبو داودَ،

..................................  والتِّرْمِذِيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقال الشافعيُّ في هذه: لا حَيضَ لها بيَقِين، وجَمِيعُ زَمَنِها مَشْكُوكٌ فيه، تَغْتَسِلُ لكلِّ صلاةٍ، وتُصَلِّي وتَصُومُ، ولا يَأْتِيها زَوْجُها.
وله قَوْلٌ: إنَّها تَجْلِسُ اليَقِينَ.
وقال بَعْضُ أصْحابِه: الأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذه لها أيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ، ولا يُمْكِنُ رَدُّها إلى غيرِها، فجَمِيعُ زمانِها مَشْكُوكٌ فيه، وقد رَوَتْ عائِشَةُ، أنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فسألتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ صَلِّي».
فكانت تَغْتَسِلُ عندَ كلِّ صلاةٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 1.

..................................  ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن حديثِ حَمْنَةَ، وهو بظاهِرِه يُثْبِتُ الحُكْمَ في حَقِّ النّاسِيَةِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَسْتَفْصِلْها، هل هي مُبْتَدَأةٌ، أو ناسِيَةٌ؟ ولو افْتَرَقَ الحالُ لاسْتَفْصَلَ.
واحْتِمالُ أن تكُونَ ناسِيَةً أكْثَرُ، فإنَّ حَمْنَةَ امرأةٌ كَبِيرَةٌ، كذلك قال أحمدُ.
ولم يَسْألْها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن تَمْيِيزِها؛ لأنَّه قد جَرَى مِن كلامِها مِن تَكْثِيرِ الدَّمِ وصِفَتِه ما أغْنَى عن السُّؤالِ عنه، ولم يَسْألْها، هل لها عادَةٌ فيَرُدُّها إليها؟ لاسْتِغْنائِه عن ذلك بعِلْمِه إيّاه، إذ كان مُشْتَهِرًا، وقد أمَرَ به أُخْتَها أُمَّ حَبِيبَةَ، فلم يَبْقَ إلَّا أن تَكُونَ ناسِيَةً، ولأنَّها لا عادَةَ لها ولا تَمْيِيزَ، أشْبَهَتِ المُبْتَدَأةَ.
قَوْلُهم: لها أيّامٌ مَعْرُوفَةٌ.
قُلْنا: قد زالتِ المَعْرِفَةُ، فصار وُجُودُها كعَدَمِها.
وأمّا أُمُّ حَبِيبَةَ فكانت مُعْتادَةً رَدَّها إلى عادَتِها؛ لأنَّه قد روَى مسلمٌ، أنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ شَكَتْ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال لها: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبسُكِ حَيضَتُكِ، ثم اغْتَسِلِي» 1. فكانت تَغْتَسِلُ عندَ كلِّ صلاةٍ، فيَدَلُّ على أنَّها إنَّما كانت تَغْتَسِلُ لكلِّ صلاةٍ في غيرِ وَقْتِ الحَيضِ، وأمّا وُجُوبُ غُسْلِ المُسْتَحاضَةِ لكلِّ صلاةٍ، فسيُذْكَرُ في المُسْتَحاضَةِ، إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: قَوْلُه: سِتًّا أو سَبْعًا.
الظّاهِرُ أنَّه رَدَّها إلى اجْتِهادِها، فيما يَغْلِبُ على ظَنَّها أنَّه عادَتُها، أو ما يُشْبِهُ أن يكُونَ حَيضًا.
ذَكَرَه القاضي، وذَكَر في مَوْضِع آخَرَ أنَّه على وَجْهِ التَّخْيِيرِ بينَ السِّتِّ والسَّبْعِ، كما خَيَّرَ واطِئَ الحَيضِ في التَّكْفِيرِ بدِينارٍ أو نِصْفِ دِينارٍ؛ لأنَّ حَرْفَ «أو» للتَّخْيِيرِ.

وَإنْ عَلِمَتْ عَدَدَ أيَّامِهَا، وَنَسِيَتْ مَوْضِعَهَا  قال شَيخُنا (1): والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّنا لو خَيَّرْناها، أَفْضَى إلى أن نُخَيِّرَها في اليَوْمِ السّابعِ بينَ كَوْنِ الصلاةِ عليها مُحَرَّمَةً أو واجِبَةً، وليس لها في ذلك خِيَرَةٌ بحالٍ.
وأمّا التَّكْفِيرُ ففِعْلٌ اخْتِيارِيٌّ، فأمّا «أو» فقد تكُونُ للاجْتِهادِ، كقَوْله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (2). و «إمّا» كـ «أوْ» في وَضْعِها، وليس للإِمامِ إلَّا فِعْلُ ما يُؤدِّيه إليه اجْتِهادُه أنَّه الأصْلَحُ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: وهل تَجْلِسُ أيّامَ حَيضِها مِن أوَّلِ كلِّ شَهْرٍ أو بالتَّحَرِّي؟ فيه وَجْهان، أوْجَهُهما ما يَأتِي.
وعنه، أنَّها تَجْلِسُ أقَلَّ الحَيضِ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشافعيِّ؛ لأنَّه اليَقِينُ، وما زاد عليه مَشْكُوكٌ فيه، فلا تَدَعُ العِبادَةَ لأجْلِه.
وعنه رِوايَةٌ ثالثةٌ، أنَّها تَجْلِسُ عادَةَ نِسائِها؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّها تُشْبِهُهُنَّ.
وعنه، تَجْلِسُ أكْثَرَ الحَيضِ؛ لأنَّه يُمْكِنُ أن يكُونَ حَيضًا، أشْبَهَ ما قَبْلَه.
والأوَّلُ أصَحُّ؟ لحديثِ حَمْنَةَ.
واللهُ أعلمُ.

232 -

مسألة: (وإن عَلِمَتْ عَدَدَ أيّامِها ونَسِيَتْ مَوْضِعَها،

12

جَلَسَتْهَا مِنْ أوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ، وَفِي الآخَرِ تَجْلِسُهَا بِالتَّحَرِّي.
جَلَسَتْها مِن أوَّلِ كلِّ شَهْرٍ، في أحَدِ الوَجْهَين.
وفي الآخَرِ، تَجْلِسُها بِالتَّحَرِّي) وهذا الحالُ الثاني مِن أحوالِ النّاسِيَةِ وهي تَتَنَوَّعُ نَوْعَين، النَّوْعُ الأوَّلُ، أن لا تَعْلَمَ لها وَقْتًا أصْلًا، مِثْلَ أن تَعْلَمَ أنَّ حَيضَها خَمْسَةُ أيّامٍ، ففيه وَجْهان، أحَدُهما، تَجْلِسُه مِن أوَّلِ كلِّ شَهْرٍ إذا كان يَحْتَمِلُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لحَمْنَةَ: «تَحَيَّضِي سِتَّةَ أيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةَ أيَّامٍ، في عِلْمِ اللهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، وَصَلِّي أرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيلَةً، أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيلَةً وَأيَّامَهَا، وَصُومِي» 1. فقَدَّمَ حَيضَها على الطُّهْرِ، ثم أمَرَها بالصلاةِ والصومِ في بَقِيَّةِ الشَّهْرِ، ولأنَّ المُبْتَدَأةَ تَجْلِسُ مِن أوَّلِ الشَّهْرِ، مع أنَّها لا عادَةَ لها، فكذلك النّاسِيَةُ، ولأنَّ دَمَ الحَيضِ دَمُ جِبِلَّةٍ، والاسْتِحاضَةُ عارِضَةٌ، فإذا رَأتِ الدَّمَ، وَجَب تَغْلِيبُ دَم الحَيضِ الثاني، أنَّها تَجْلِسُ بالتَّحَرِّي والاجْتِهادِ.
اخْتارَه أبو بكرٍ، وابنُ أبي موسى؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَدَّها إلى اجْتِهادِها في القَدْرِ، فكذلك في الوَقْتِ، ولأنَّ للتَّحَرِّي مَدْخَلًا في الحَيضِ؛ لأنَّ المُمَيزةَ تَرْجِعُ إلى صِفَةِ الدَّم، فكذلك في زَمَنِه، فإن لم يَغْلِبْ على ظَنِّها شيءٌ، تَعَيَّنَ إجْلاسُها مِن أوَّلِ الشَّهْرِ، لعَدَمِ الدَّلِيلِ فيما سِواه.

وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي مَوْضِعِ حَيضِ مَنْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ.
وَإنْ عَلِمَتْ أَيَّامَهَا فِي وَقْتٍ مِنَ الشَّهْرِ، كَنِصْفِهِ الْأوَّلِ، جَلَسَتْهَا فِيهِ إِمَّا مِنْ أوَّلِهِ، أوْ بِالتَّحَرِّي، عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَينِ.

233 - مسألة: (وكذلك الحُكْمُ في مَوْضِع حَيضِ مَن لا عادَةَ لها ولا تَمْيِيزَ)

يَعْنِي أنَّ فيه الوَجْهَين اللَّذَين ذَكَرَهما، وَجْهُهما ما تَقَدَّمَ.
234 -

مسألة: (وإن عَلِمَتْ أيّامَها في وَقْتٍ مِن الشَّهْرِ، كنِصْفِه الأوَّلِ، جَلَسَتْها فيه؛ إمّا مِن أوَّلِه، أو بالتَّحَرِّي، على اخْتِلافِ الوَجْهَين)

..................................  هذا النَّوْعُ الثاني، وهو أن تَعْلَمَ أنَّها كانَتْ تَحِيضُ أيّامًا مَعْلُومَةً مِن العَشْرِ الأُوَلِ، فإنَّها تَجْلِسُ عَدَدَ أيّامِها مِن ذلك الوَقْتِ دُونَ غيرِه، إمّا مِن أوَّلِه، أو بالتَّحَرِّي فيه، ثم لا يَخْلُو عَدَدُ أيّامِها، إمّا أن يكُونَ زائِدًا على نِصْفِ ذلك الوَقْتِ، أوْلا، فإن كان زائِدًا على نِصْفِه، مِثْلَ أن تَعْلَمَ أنَّ حَيضَها سِتَّةُ أيّامٍ مِن العَشْرِ الأُوَلِ، أضْعَفْنا الزّائِدَ، فجَعَلْناه حَيضًا بيَقِينٍ، وتَجْلِسُ بَقِيَّةَ أيّامِها مِن أوَّلِ العَشْرِ في أحَدِ الوَجْهَين، وفي الآخَرِ بالتَّحَرِّي.
ففي هذه المسألةِ، الزّائِدُ يَوْمٌ وهو السّادِسُ فنُضَعِّفُه، ويكُون الخامِسُ والسّادِسُ حَيضًا بيَقِينٍ، يَبْقَى لها أرْبَعَةُ أيّامٍ، فإن جَلَسَتْها مِن الأوَّلِ، كان حَيضُها مِن أوَّلِ العَشْرِ إلى آخِرِ السّادِسِ، منها يَوْمان حَيضٌ بيَقِينٍ، والأرْبَعَةُ حَيضٌ مَشْكُوكٌ فيه، والأربعةُ الباقِيَةُ طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فيه.
وإن جَلَسَتْها بالتَّحَرِّي، فأدّاها اجْتِهادُها إلى أنَّها مِن أوَّلِ العَشْرِ، فهي كالتي قَبْلَها.
وإن جَلَسَتِ الأرْبَعَةَ مِن آخِرِ العَشْرِ 1، فهي عَكْسُ التي قَبْلَها، وعلى هذا فقِسْ.
وسائِرُ الشَّهْرِ طُهْرٌ غيرُ مَشْكُوكٍ فيه.
وحُكْمُ الحَيضِ المَشْكُوكِ فيه حُكْمُ المُتَيَقَّنِ، في تَرْكِ العِباداتِ.
وحُكْمُ الطُّهْرِ المَشْكُوكِ فيه حُكْمُ الطُّهْرِ المُتَيَقَّنِ، في وُجُوبِ العِباداتِ.
وإن كان حَيضُها نِصْفَ الوَقْتِ فما دُونَ، فليس لها حَيضٌ بيَقِين؛ لأنَّها

وَإنْ عَلِمَتْ مَوْضِعَ حَيضِهَا وَنَسِيَتْ عَدَدَهُ، جَلَسَتْ فِيهِ غَالِبَ الْحَيضِ، أَوْ أَقَلَّهُ، عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَينِ.
متى كانَتْ تَحِيضُ خَمْسَةَ الأيَّامِ مِن العَشْرِ، احْتَمَلَ أن تكُونَ الخَمْسَةَ الأولَى، واحْتَمَلَ أن تكُونَ الثّانِيَةَ، واحْتَمَل أن يكُونَ بعضُها مِن الأولَى وبعضُها مِن الثانيةِ، فتَجْلِسُ بالتَّحَرِّي، أو مِن أوَّلِه على اخْتِلافِ الوَجْهَين.
ولا يُعْتَبَرُ التَّكْرارُ في النّاسِيَةِ؛ لأنَّها عَرَفَتِ اسْتِحاضَتَها في الشَّهْرِ الأوَّلِ، فلا مَعْنَى للتَّكْرارِ.

235 -

مسألة: (وإن عَلِمَتْ مَوْضِعَ حَيضِها ونَسِيَتْ عَدَدَه، جَلَسَتْ فيه غالِبَ الحَيضِ أو أقَلَّه، على اخْتِلافِ الرِّوايَتَين)

هذا الحالُ الثالثُ مِن أحْوالِ النّاسِيَةِ، وهي أن تَعْلَمَ أنَّ حَيضَها في العَشْرِ الأوَلِ، ولا تَعْلَمُ عَدَدَها، فحُكْمُها في قَدْرِ ما تَجْلِسُه حُكْمُ المُتَحَيِّرةِ.
الصَّحِيحُ أنَّها تَجْلِسُ سِتًّا أو سَبْعًا، ويُخَرَّجُ فيها الرِّواياتُ الأرْبَعُ، إلَّا أنَّها تَجْلِسُها مِن العَشْرِ دُونَ غيرِها، وهل تَجْلِسُها مِن أوَّلِه أو بالتَّحَرِّي؟ على الوَجْهَين.
وإن قالت: أعْلَمُ أنَّنِي كُنْتُ أوَّلَ الشَّهْرِ حائِضًا، ولا أعْلَمُ آخِرَه.
أو أَنَّنِي كُنْتُ آخِرَ الشَّهْرِ حائِضًا، ولا أعْلَمُ أوَّلَه.
أوْ لا أعْلَمُ هل كان ذلك أوَّلَ

وَإنْ تَغَيَّرَتِ الْعَادَةُ بِزِيَادَةٍ أَوْ تَقَدُّمٍ، أَوْ تَأَخُّرٍ، أَو انْتِقَالٍ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إِلَى ما خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا أَوْ مَرَّتَينِ، عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَينِ.
حَيضِي أو آخِرَه؟ حَيَّضْناها الذي عَلِمَتْه، وأتَمَّتْ بَقِيَّةَ حَيضِها مِمّا بعدَه في الصُّورَةِ الأُولَى، ومِمّا قَبْلَه في الثانيةِ، وبالتَّحَرِّي في الثالثةِ، أو مِمّا يَلِي أوَّلَ الشَّهْرِ، على اخْتِلافِ الوَجْهَين.
فصل: وإذا ذَكَرَتِ النّاسِيَةُ عادَتَها بعدَ جُلُوسِها في غيرِها، رَجَعَتْ إلى عادَتِها؛ لأنَّ تَرْكَها لعارِضِ النِّسْيانِ، وإذا زال العارِضُ عادَتْ إلى الأصْلِ.
وإن تَبَيَّنَ أنَّها كانت تَرَكَتِ الصلاةَ في غيرِ عادَتِها، لَزِمَها إعادَتُها وقَضاءُ ما صامَتْه مِن الفَرْضِ في عادَتِها، فلو كانت عادَتُها خَمْسَةً مِن آخِرِ العَشْرِ الأُوَلِ، فجَلَسَتْ سَبْعًا مِن أوَّلِه مُدَّةً، ثم ذَكَرَتْ، لَزِمَها قَضاءُ ما ترَكَتْ مِن الصلاةِ والصيامِ المَفْرُوضِ في الخَمْسَةِ الأُولَى، وقَضاءُ ما صامَتْ مِن الفَرْضِ في الثلاثةِ الأيّامِ الأخِيرَةِ؛ لأنَّها صامَتْه في زَمَنِ حَيضِها.

236 -

مسألة: (وإن تَغَيَّرَتِ العادَةُ، بزيادَةٍ أو تَقَدُّم أو تَأخُّرٍ أو انْتِقالٍ، فالمَذْهَبُ أنَّها لا تَلْتَفِتُ إِلى ما خَرَج عن العادة حتى يَتَكَرَّرَ ثلاثًا أو مَرَّتَين، على الاخْتِلافِ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المرأةَ إذا كانت لها عادَةٌ مُسْتَقِرَّة في الحَيضِ، فرَأتِ الدَّمَ في غيرِ عادَتِها، لم تَلْتَفِتْ إليه حتى يَتَكَرَّرَ، فتَنْتَقِلُ إليه، وتَصِيرُ عادَةً لها، وتَتْرُكُ العادَةَ الأُولَى، إلَّا أنَّها إذا رَأتْه زائِدًا

..................................  عن عادَتِها، تَغْتَسِلُ غُسْلًا ثانِيًا عندَ انْقِطاعِه، لجَوازِ أن يكُونَ حَيضًا 1، كما قُلْنا في المُبْتَدَأةِ، وكذلك ما تَقَدَّم عن العادَةِ.
ويَجِبُ عليها قَضاءُ ما صامَتْه مِن الفَرْضِ في المَرّاتِ التي أمَرْناها بالصيامِ فيها؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّها صامَتْه في حَيضٍ، ولا تَقْضِي الصلاةَ؛ لأنَّ الحائِضَ لا تَقْضِي الصلاةَ.
قال أبو عبدِ اللهِ: لا يُعْجِبُنِى أن يَأْتِيَها زَوْجُها في الأيّامِ التي تُصَلِّي فيها، مع رُؤْيَةِ الدَّمِ قبلَ أن تَنْتَقِلَ إليها، لاحْتِمالِ أن يكونَ حَيضًا، فيَجِب تركُ وَطْئِها احْتِياطًا، كما وَجَبَتِ الصلاةُ احْتِياطًا للعِبادَةِ.
وفي قَدْرِ التَّكْرارِ رِوايَتان، أشْهَرُهُما، أنَّه ثَلاثٌ، فعلى هذه الرِّوايَةِ لا تَنْتَقِلُ إليه إلَّا في الشَّهْرِ الرّابعِ.
والثانيةُ، أنَّه اثْنَتان، فتَنْتَقِلُ في الشَّهْرِ الثّالِثِ.
نَقَل الفَضْلُ بنُ زِيادٍ 2 عنه هاتَين الرِّوايَتَين، وقد ذَكَرْنا وَجْهَهما في المُبْتَدَأةِ.

..................................  ونَقَل حَنْبَلٌ عنه، في امرأةٍ لها أَيَّامٌ مَعْلُومَةٌ، فتَقَدَّمَتِ الحَيضَةُ قبلَ أيَّامِها، لم تَلْتَفِتْ إليها، تَصُومُ وتُصَلِّي، فإن عاوَدَها مِثْلُ ذلك في الثانيةِ، فإنَّه دَمُ حَيضٍ مُنْتَقلٌ.
فيَحْتَمِلُ أنَّها تَنْتَقِلُ إليه في المَرَّةِ الثانيةِ، وتَحْسُبُه مِن حَيضِها، والرِّوايَةُ الأولَى أشْهَرُ.
مِثالُ ذلك، امرأة لها عادَةٌ، ثلاثةُ أيّامٍ مِن أوَّلِ كلِّ شَهْرٍ، فرَأتْ خَمْسَةً في أوَّلِ الشَّهْرِ، أو رَأتْ 1 يَوْمَين مِن آخِرِ الشَّهْرِ الذي قبلَه، ويَوْمًا مِن شَهْرِها، أو طَهُرَتِ اليَوْمَ الأوَّلَ ورَأتِ الثَّلاثَةَ بعدَه، أو طَهُرَتِ الثلاثةَ الأُوَلَ، وَرأَتْ ثَلاثَةً بعدَها أو أكْثَرَ، وما أشْبَهَ ذلك، فإنَّها لا تَجْلِسُ في جَمِيعِ ذلك إلَّا وَقْتَ الدَّمِ الذي تَراه في الثَّلاثَةِ الأوَلِ حتى يَتَكَرَّرَ، لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «امْكُثِى قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيضَتُكِ» 2. رَواه مسلمٌ.
ولأنَّ لها عادَةً، فرُدَّتْ إليها، كالمُسْتَحاضَةِ.
وقال أبو حنيفةَ: إن رَأتْه قبلَ العادَةِ فليس بحَيضٍ، حتى

وَعِنْدِي أنَّهَا تَصِيرُ إِلَيهِ مِنْ غَيرِ تَكْرَارٍ.
يَتَكَرَّرَ مَرَّتَين، وإن رَأتْه بعدَها فهو حَيضٌ.
قال شيخُنا 1، رحِمَه اللهُ: (وعِندِي أنَّها تَصِيرُ إليه مِن غيرِ تَكرارٍ).
وبه قال الشافعيُّ؛ لأنَّ النِّساءَ كُنَّ يَبْعَثْنَ إلى عائشةَ بالدِّرَجَةِ فيها الصُّفْرَةُ والكُدْرَةُ، فتَقُولُ: لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَينَ القَصَّةَ البَيضاءَ 2. مَعْناه: لا تَعْجبْنَ بالغُسْلِ.
ولو لم تَعُدَّ الزِّيادَةَ حَيضًا، لَلَزِمَها الغُسْلُ عندَ انْقِضاءِ العادَةِ وإن لم تَرَ القَصَّةَ.
ومعنى القَصَّةِ أن تُدْخِلَ القُطْنَةَ في فَرْجِها فتَخْرُجَ بَيضاءَ نَقِيَّةً.
ولأنَّ الشّارِعَ عَلَّقَ على الحَيضِ أحْكامًا، ولم يَحُدَّه، فعُلِمَ أنَّه رَدَّ النّاسَ فيه إلى عُرْفِهم، والعُرْفُ بينَ النِّساءِ أنَّ المرأةَ متى رَأتْ دَمًا يَصْلُحُ أن يكُونَ حَيضًا، اعْتَقَدَتْه حَيضًا.
ولو كان عُرْفُهُنَّ اعْتِبارَ العادَةِ على الوَجْهِ المَذْكُورِ لنُقِلَ ظاهِرًا، ولذلك لَمّا كان بَعْضُ أزْواجِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الخَمِيلَةِ، فجاءَها الدَّمُ، فانْسَلَّتْ مِن الخمِيلَةِ، فقال لها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا لَك؟ أَنَفِسْتِ» 3؟ قالت: نعم.
فأمَرَها أن تَأْتَزِرَ 4. ولم يَسْألْها: هل وافَقَ

..................................  العادَةَ أو خالفَها؟ ولا هي سَأَلَتْ عن ذلك، وإنَّما اسْتَدَلَّتْ على ذلك بخُرُوجِ الدَّمِ، فأقَرَّها عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وكذك حينَ حاضَتْ عائشةُ في عُمْرَتِها في حَجَّةِ الوَداعِ 1، إنَّما عَرَفَتِ الحَيضَةَ برُؤْيَةِ الدَّمِ لا غيرُ، والظَّاهِرُ أنَّه لم يَأْتِ في العادَةِ؛ لأنَّها اسْتَنْكَرَتْه، وبَكَتْ حينَ رَأتْه، وقالت: وَدَدْتُ أنِّي لم أكُنْ حَجَجْتُ العامَ.
ولو كانت لها عادَةٌ تَعْلَمُ مَجِيئَه فيها، لَما أنْكَرَتْه، ولا شَقَّ عليها.
ولأنَّ العادَةَ لو كانت مُعْتَبَرَةً على المَذْكُورِ = الصوم.
وفي: باب من ذبح ضحية غيره، من كتاب الأضاحي.
صحيح البخاري 1/ 83، 88، 3/ 39، 132. ومسلم، في: باب الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد، من كتاب الحيض.
صحيح مسلم 1/ 243. والنسائي، في: باب مضاجعة الحائض، من كتاب الطهارة، وفي: باب مضاجعة الحائض في ثياب حيضها، من كتاب الحيض.
المجتبى 1/ 123، 154. وابن ماجه، في: باب ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا، من كتاب الطهارة.
سنن ابن ماجه 1/ 209. والدارمي، في: باب مباشرة الحائض، من كتاب الطهارة.
سنن الدارمي 1/ 243. والإمام مالك، في: باب ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض، من كتاب الطهارة.
الموطأ 1/ 58. والإمام أحمد، في: المسند 6/ 294، 300، 318.

..................................  في المَذْهَب، لبَيَّنَهَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لأُمَّتِه، ولَما وَسِعَه تَأْخِيرُ بَيانِه؛ لأنَّ حاجَةَ النِّساءِ داعِيَةٌ إليه في كلِّ وَقْتٍ، ولا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِه.
والظّاهِرُ أنَّهُنَّ جَرَينَ على العُرْفِ في اعْتِقادِ ما يَرَينَه مِن الدَّمِ حَيضًا، ولم يَأْتِ مِن الشّرْعِ تَغْيِيرُه، ولذلك أجْلَسْنا المُبْتَدَأةَ مِن غيرِ تَقَدُّمِ عادَةٍ، ورَجَعْنا في أكْثَرِ أحْكامِ الحَيضِ إلى العُرْفِ، والعُرْفُ أنَّ الحَيضَةَ تَتَقَدَّمُ وتَتَأخَّرُ، وتَزِيدُ وتَنْقُصُ، ولم يُنْقَلْ عَنْهُنَّ، ولا عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ذِكْرُ العادَةِ، ولا بَيانُها، إلَّا في حَقِّ المُسْتَحاضَةِ، وأمّا امرأةٌ طاهِرٌ تَرَى الدَّمَ في وَقْتٍ يُمْكِنُ أن يكُونَ حَيضًا، ثم يَنْقَطِعُ عنها، فلم يَذْكُرْ في حَقِّها عادَةً أصْلًا.
وفي اعْتِبارِ العادَةِ على هذا الوَجْهِ إخْلاءُ بَعْضِ المُنْتَقِلاتِ عن الحَيضِ بالكُلِّيَّةِ، مع رُؤْيَتِهِنَّ الدَّمَ في زَمَن الحَيضِ، وصَلاحِيَتِه له، وهذا لا سَبِيلَ إليه، كامرأةٍ رَأتِ الدَّمَ في غيرِ أيّامِ عادَتِها، وطَهُرَتْ أيّامَ عادَتِها ثَلاثَةَ أشْهُرٍ، فإنَّها لا تَدَعُ الصلاةَ، فإذا انْتَقَلَتْ في الشَّهْرِ الرّابعِ إلى أيّام أُخَرَ، لم نُحَيِّضْها أيضًا ثلاثةَ أشْهُرٍ، وكذلك أبَدًا.
فعلى هذا تَجْلِسُ 1 ما تَراه مِن الدَّمِ قبلَ العادَةِ وبعدَها، ما لم يُجاوزْ أكْثَرَ الحَيضِ، فإن جاوَزَ أكثرَ الحَيضِ، عَلِمْنا اسْتِحاضَتَها، فتَرْجِعُ إلى عادَتِها وتَقضِي ما تَرَكَتْه مِن الصلاةِ والصيامِ فيما سوى العادَةِ؛ لأنَّنَا تَبَيَّنّا أنَّه اسْتِحاضَةٌ.
فصل: فإن كانت عادَتُها ثَلاثَةً مِن كلِّ شَهْرٍ، فرَأتْ في شَهْرٍ خَمْسَةَ

وَإنْ طَهُرَتْ فِي أَثْنَاءِ عَادَتِهَا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ، فَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ فِي الْعَادَةِ فَهَلْ تَلْتَفِتُ إِلَيهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
أيّام، ثم اسْتُحِيضَتْ في الشَّهْرِ الآخَرِ، فإنَّها لا تَجْلِسُ مِمّا بعدَه مِن الشُّهُورِ إلَّا ثَلاثَة ثلاثةً.
وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ.
وقال الشافعيُّ: تَجْلِسُ خَمْسًا مِن كلِّ شَهْرٍ.
وهذا مَبْنِيٌّ على أنَّ العادَةَ تَثْبُتُ بمَرَّةٍ.
وإن رَأتْ خَمْسَةً في شَهْرَين، خُرِّجَ على الرِّوايَتَين فيما تَثْبُتُ به العادَةُ.
وإن رَأتْها في ثلاثةِ أشْهُرٍ، ثم اسْتُحِيضَتْ، انتقَلَتْ إليها، وجَلَسَتْ مِن كلِّ شَهْرٍ خَمْسَةً، بغيرِ خِلافٍ بَينَهم.
واللهُ أعلمُ.

237 -

مسألة: (وإن طَهُرَتْ في أثْناءِ عادَتِها، اغْتَسَلَتْ وصَلَّتْ. فإن عاوَدَها الدَّمُ في العادَةِ، فهل تَلْتَفِتُ إليه؟ على رِوايَتَين)

هذه المسألةُ تَشْتَمِلُ على فَصْلَين، أحَدُهما، في حُكْمِ الطُّهْرِ في زَمَنِ العادَةِ.
والثاني،

..................................  في حُكْمِ الدَّمِ العائِدِ بعدَه.
فمتى رَأتِ الطُّهْرَ فهي طاهِرٌ، تَغْتَسِلُ، وتُصَلِّي وتَصُومُ.
ولم يُفَرِّقْ أصْحابُنا بينَ قَلِيلِ الطُّهْرِ وكَثِيرِه، لقَوْلِ ابنِ عباسٍ: أمّا ما رَأتِ الطُّهْرَ ساعَةً فلتَغْتَسِلْ.
فأمّا إن كان النَّقاءُ أقَلَّ مِن ساعَةٍ، فالظّاهِرُ أنَّه ليسن بطهْرٍ؛ لأن الدَّمَ يَجْرِي تارَةً ويَنْقطِعُ أُخْرَى، وقد قالت عائِشَةُ: لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَينَ القَصَّةَ البَيضاءَ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ النُّفَساءَ إذا رَأتِ النَّقاءَ دُونَ يَوْمٍ، لا تَثْبُتُ لها أحْكامُ الطّاهِراتِ.
فيُخَرَّجُ ها هُنا مِثْلُه، قال شَيخُنا 1: وهو الصَّحِيحُ إن شاء اللهُ تعالى؛ لأنَّ العادَةَ أنَّ الدَّمَ يَجْرِى تارَةً ويَنْقَطِعُ أُخْرَى، وفي إيجابِ الغُسْلِ على مَن تَطْهُرُ ساعَةً بعدَ ساعةٍ حَرَجٌ مَنْفِيٌّ بقَوْلِه تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ 2. ولأنَّنا لو جَعَلْنا انْقِطاعَ الدَّمِ ساعَةً طُهْرًا، ولا تَلْتَفِتُ إلى الدَّمِ بَعْدَه أفْضَى إلى أن لا يَسْتَقِرَّ لها حَيضٌ 3، فعلى هذا لا يكُونُ انْقِطاعُ

..................................  الدَّمِ دُونَ يَوْمٍ طُهْرًا، إلَّا أن تَرَى ما يَدُلُّ عليه، مِثْلَ أن يكونَ انْقِطاعُه في آخِرِ عادَتِها، أو تَرَى القَصَّةَ البَيضاءَ، وهو شيءٌ يَتْبَعُ الحَيضَ أبْيَضُ، يُسَمَّى التَّرِيَّةَ.
رُوِيَ ذلك عن إمامِنا.
وهو قَوْلُ مالكٍ.
ورُوي عنه، أنَّ القَصَّةَ البَيضاءَ هي القُطْنَةُ التي تَحْشُوها المرأةُ، إذا خَرَجَتْ بَيضاءَ كما دَخَلَتْ لا تَغَيُّرَ عَليها.
حُكِي ذلك عن الزُّهْرِيِّ.
وقال أبو حَنِيفةَ: ليس النَّقاءُ بينَ الدَّمَينِ طُهْرًا، بل لو صامَتْ فيه فَرْضًا لم يَصِحَّ، ولا تَجبُ عليها فيه صلاة، ولا يَأْتِيها زَوْجُها.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّ الدَّمَ يَسِيلُ تارَةً ويَنْقَطِعُ أُخْرَى، ولأنَّه لو لم يَكُنْ مِن الحَيضِ لم يُحْتَسَبْ مِن مُدَّتِه.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ 1. وَصَف الحَيضَ بكَوْنِه أذًى، فإذا ذَهَب الأذَى وَجَب زَوالُ الحَيضِ.
وقال ابنُ عباسٍ: إذا رَأتِ الطُّهْرَ ساعَةً فلْتَغْتَسِلْ.
وقالت عائشةُ: لَا تَعْجَلْنَ حتى تَرَينَ القَصَّةَ البَيضاءَ.
ولأنَّها صامَتْ وهي طاهِرٌ، فلم يَلْزَمْها القَضاءُ، كما لو لم يَعُدِ الدَّمُ.
فأمّا قَوْلُهم: إنَّ الدَّمَ يَجْرِي تارَةً ويَنْقَطِعُ أُخْرَى.
قُلْنا: لا عِبْرَةَ بالانْقِطاعِ اليَسِيرِ، وإنَّمَا إذا وُجِد انْقِطاع كَثِيرٌ

..................................  تُمْكِنُ فيه الصلاةُ والصيامُ، وتَتَأدَّى العِبادَةُ فيه، وَجَبَتْ عليها، لعَدَمِ المانِع مِن وُجُوبِها.
الفصلُ الثاني، إذا عاوَدَها الدَّمُ، فإن عاوَدَها في العادَةِ ولم يَتَجاوَزْها، ففيه رِوايَتان، إحْداهما، أنَّه مِن حَيضِها؛ لأنَّه صادَفَ زَمَنَ العادَةِ، فأشْبَهَ ما لو لم يَنْقَطِعْ.
وهذا مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
والثانيةُ، ليس بحَيضٍ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ ابنِ أبي موسى؛ لأنَّه عاد بعدَ طُهْرٍ صَحِيح، أَشْبَهَ ما لو عاد بعدَ العادَةِ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ يكُونُ حُكْمُه حُكْمَ ما لو عاد بعدَ العادَةِ، على ما يَأْتِي.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّها تَصُومُ وتُصَلي، وتَقْضِي الصومَ المَفْرُوضَ على سَبِيلِ الاحْتِياطِ، كدَمِ النُّفَساءِ العائِدِ في مُدَّةِ النِّفاسِ.

..................................  فصل: فإن رَأتْه في العادَةِ، وتَجاوَزَ العادَةَ، فإن عَبَر أكثَرٍ الحَيضِ، فليس بحَيضٍ؛ لأنَّ بَعْضَه ليس بحَيضٍ، فيكُونُ كلُّه اسْتِحاضَةً، لاتِّصالِه به وانْفِصالِه عن الحَيضِ، فكان إلْحاقُه بالاسْتِحاضَةِ أوْلَى.
وإن إنْقَطع لأكْثَرِه فما دُونَ، فمَن قال: إنَّ ما لم يَعْبُرِ العادَةَ ليس بحَيضٍ.
فها هُنا أوْلَى، ومَن قال: هو حَيضٌ.
ففي هذا على قَوْلِه ثلاثةُ أوْجُهٍ، أحَدُها، أنَّ جَمِيعَه حَيضٌ، لِما ذَكَرْنا في أنَّ الزّائِدَ على العادَةِ حَيضٌ، ما لم يَعْبُرْ أكْثَرَ الحَيضِ.
والثّانِي، أنَّ ما وافَقَ [العادَةَ حَيضٌ] 1؛ لمُوافَقَتِه العادَةَ، وما زاد عليها ليس بحَيضٍ، لخُرُوجِه عنها.
والثالثُ، أنَّ الجَمِيعَ ليس بحَيضٍ، لاخْتلاطِه بما ليس بحَيضٍ.
فإن تَكَرَّرَ فهو حَيضٌ، على الرِّوايَتَين جميعًا.

جارٍ التحميل