. سنن الدارمى 2/ 193. والحاكم، في: كتاب الزكاة.
المستدرك 1/ 397. والبيهقى، في: باب دية النفس، وباب دية أهل الذمة، من كتاب الديات.
السنن الكبرى 8/ 73، 100.
كُلُّ مَنْ أَتْلفَ إِنْسَانًا أَوْ جُزْءًا مِنْهُ، بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ، فَإِنْ كَانَ عَمْدًا مَحْضًا، فَهِىَ في مَالِ الْجَانِى حَالَّةً.
تعالى.
وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على وُجُوب الدِّيَةِ في الجُمْلَةِ.
[وسيَأْتِى ذلك مُفَصَّلًا في مواضِعِه مُبَيَّنًا، إن شاءَ اللَّهُ تعالى] (1).
4170 -
مسألة: (كُلُّ مَن أَتْلَفَ إنْسَانًا أو جُزءًا منه، بمُباشَرَةٍ أو سَبَبٍ، فعليه دِيَتُه)
سَواءٌ كان مُسْلِمًا أو ذِمِّيًّا، أو مُسْتَأْمِنًا أو مُهَادِنًا؛ لِما ذكَرْنا مِن الآيةِ، وفيها: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾.
وعَبَّرَ عن الذِّمَّةِ بالمِيثاقِ، وحديثِ أبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حَزْم، حينَ كَتَبَ له النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كتابًا إلى أَهْلِ اليَمَنِ، ذكرَ فيه الدِّياتِ، وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على ذلك في الجملةِ.
4171 -
مسألة: (فَإنْ كان)
القَتْلُ (عَمْدًا مَحْضًا، فهى في مالِ الجانى حَالَّةً) أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ دِيَةَ العَمْدِ تَجِبُ في مالِ القاتلِ، لا تَحْمِلُها العاقِلةُ.
وهذا يَقْتَضِيه الأصْلُ، وهو أنَّ بَدَلَ المُتْلَفِ يَجِبُ على المُتْلِفِ، وأَرْشَ الجِنايةِ على الجانِى، قال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَجْنِى جَانٍ إلَّا على نَفْسِه» 2. وقال لبعضِ أصْحابِه، حينَ رأى معَه ولَدَه: «ابْنُكَ1
..................................
هذَا؟».
قال: نعم.
قال: «أمَا إنَّهُ لا يَجْنِى عليك، ولا تَجْنِى عليه» 1. ولأَنَّ مُوجَبَ الجنايةِ أَثَرُ فِعْلِ الجانى، فيجِبُ أن يَخْتَصَّ بضَرَرِها، كما يَخْتَصُّ بنَفْعِها، فإنَّه لو كَسَب كان كَسْبُه لغيرِه، وقد ثَبَت حُكمُ ذلك في سائرِ الجِناياتِ والأكْسابِ، وإنَّما خُولِفَ هذا الأصْلُ في قَتْلِ الحُرِّ المَعْذُورِ فيه، لكَثْرةِ الواجِبِ، وعَجْزِ الجانِى في الغالِبِ عن تَحَمُّلِه، مع وُجُوبِ الكَفّارَةِ عليه، وقِيامِ عُذْرِه، تَخْفِيفًا عنه 2، ورِفْقًا به، والعامِدُ لا عُذْرَ له، فلا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ، ولا يُوجَدُ فيه المعنى المُقْتَضِى للمُواساةِ في الخَطَأ.
إذا ثبَت هذا، فإنَّها تَجِبُ حالَّةً.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تَجِبُ في ثَلاثِ سِنِينَ؛ لأنَّها دِيَةُ آدَمِىٍّ، فكانتْ مُؤَجَّلَةً، كدِيَةِ شِبْهِ العَمْدِ.
ولَنا، أنَّ ما وجَب بالعَمْدِ المَحْضِ كان حالًّا، كالقِصاصِ وأَرْشِ أطْرافِ العَبْدِ، ولا يُشْبِهُ شِبْهَ 3 العَمْدِ؛ لأَنَّ القاتِلَ مَعْذُورٌ، لكَوْنِه لم يَقْصِدِ القَتْلَ، وإنَّما أفْضَى إليه مِن غيرِ اخْتِيارٍ منه، فأشْبَهَ الخَطَأ، ولهذا تَحْمِلُه العاقِلَةُ، ولأَنَّ القَصْدَ 4 التَّخْفِيفُ عن العاقلةِ الذين لم يَصْدُرْ منهم جِنايةٌ، وحَمَلُوا
وَإِنْ كَانَ شِبْهَ عَمْدٍ، أو خَطَأً، أَوْ مَا جَرَى مَجْرَاهُ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ.
أداءَ مالٍ مُواساةً، فَلاقَ بحالِهم التَّخْفِيفُ عنهم، وهذا مَوْجُودٌ في الخَطَأ وشِبْهِ العَمْدِ على السَّواءِ، وأمَّا العَمْدُ، فإنَّما يَحْمِلُه الجانِى في غيرِ حالِ العُذْرِ، نرَجَبَ أن [يكونَ مُلْحَقًا ببَدَلِ] (1) سائرِ المُتْلَفاتِ، ويُتَصَوَّرُ الخِلافُ معه، فيما إذا قَتَلَ ابْنَه، أو قَتَلَ أجْنَبِيًّا، وتَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ القِصاصِ لعَفْوِ بعْضِهم، أو غيرِ ذلك.
4172 -
مسألة: (وإن كان شِبْهَ عَمْدٍ، أو خَطَأً، أو ما جَرَى مَجْراهُ، فعلى عاقِلَتِه)
دِيَة شِبْهِ العَمْدِ على العاقلةِ، في ظاهرِ المذهبِ.
وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، والشافعىُّ، والثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال ابنُ سِيرِينَ، والزُّهْرىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وقَتادةُ، وأبو ثَوْرٍ: هى على القاتِلِ في مالِه.
واخْتارَه أبو بكرٍ عبدُ العَزيزِ؛ لأنَّها مُوحبُ فِعْلٍ قَصَدَه، فلم تَحْمِلْه العاقِلَةُ، كالعَمْدِ المَحْضِ، ولأنَّها دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ، فأشْبَهَتْ دِيةَ العَمْدِ.
وهكذا يجبُ أن يكونَ مذهبُ مالكٍ؛ لأَنَّ شِبْهَ العَمْدِ عندَه مِن بابِ العَمْدِ.
ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: اقْتَتَلَتِ امْرأتانِ مِن هُذَيْلٍ، فرَمَتْ إحْداهُما الأُخرَى بحَجَرٍ، فقَتَلَتْها وما في بَطْنِها، فقَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها.
مُتَّفَقٌ عليه 2. ولأنَّه نَوْعُ قَتْلٍ لا يُوجِبُ1
..................................
قِصاصًا، فوَجَبَتْ دِيَتُه على العاقِلَةِ، كالخَطَأُ، ويُخالِفُ العَمْدَ المَحْضَ 1؛ لأنَّه يُغَلَّظُ مِن كلِّ وَجْهٍ، لقَصْدِه الفِعْلَ، وإرادَتِه القَتْلَ، وعَمْدُ الخَطَأُ يُغلَّظُ مِن وَجْهٍ، وهو قَصْدُه الفِعْلَ، [ويُخَفَّفُ] 2 مِن وَجْهٍ، وهو كَوْنُه لم يُرِدِ القَتْلَ، فاقْتَضَى تَغْلِيظَها مِن وَجْهٍ وهو الأسْنانُ، وتَخْفِيفَها مِن وَجْهٍ وهو حَمْلُ العاقِلَةِ لها وتَأْجِيلُها.
ولا نعلمُ في 3 أنَّها تَجِبُ مُؤجَّلَةً خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ.
ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعَلىٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادةُ، وأبو هاشمٍ، وعُبَيْدُ اللَّه بِنُ عمرَ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقد حُكِى عن قَوْم مِن الخَوارِجِ، أنَّهم قالوا: الدِّيَةُ حالَّةٌ؛ لأنَّها بَدَلُ مُتْلَفٍ.
ولم يُنْقَلْ إلينا ذلك عمَّن يُعَدُّ خِلافُه خِلافًا.
وتُخالِفُ الدِّيَةُ سائرَ المُتْلَفاتِ؛ لأنَّها تَجِبُ على غيرِ الجانِى على سبيلِ المُواساةِ له، فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ تَخْفِيفَها عليهم، وقد رُوِى عن عمرَ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّهما قَضَيا بالدِّيَةِ على العاقِلَةِ في ثلاثِ سِنِينَ 4. ولا مُخالِفَ لهما في عَصْرِهما، فكان إجْماعًا.
وأمَّا دِيَةُ
..................................
الخَطَأَ، فلا نَعْلَمُ خِلافًا في أنَّها على العاقِلَةِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 1: أجْمَعَ على هذا كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه بِن أهلِ العلمِ، وقد ثَبَتَتِ الأخْبارُ عن رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قَضَى بدِيَةِ الخَطأُ على العاقِلَةِ، وأَجْمَعَ أهْلُ العلمِ على القولِ به.
ولأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَعَلَ دِيَةَ عَمْدِ الخَطأُ على العاقِلَةِ، بما قد رَوَينا من الحدِيثِ، وفيه تَنْبِيهٌ على أنَّ العاقِلَةَ تَحْمِلُ دِيَةَ 2 الخَطَأُ.
والحِكْمَةُ في ذلك أنَّ جِناياتِ الخَطأَ تَكْثُرُ، ودِيةَ الآدَمِىِّ كثيرةٌ، فإيجابُها على الجانِى في مالِه يُجْحِفُ به، فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ إيجابَها على العاقِلَةِ، على سبيلِ المُواساةِ للقاتلِ، والإعانةِ له، تَخْفِيفًا عنه، إذ 3 كان مَعْذُورًا في فِعْلِه.
فصل: فأمَّا الكَفَّارةُ، ففى مالِ القاتلِ لا يَدْخُلُها تَحَمُّلٌ.
وقال أصْحابُ الشافعىِّ: تكونُ في بَيْتِ المالِ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّها تَكْثرُ، فإيجابُها عليه يُجْحِفُ به.
ولَنا، أنَّها كَفَّارة، فاخْتَصَّتْ بمَن وُجِدَ منه سَبَبُها، كسائِرِ الكَفَّاراتِ، وكما لو كانت صَوْمًا.
ولأَنَّ الكَفَّارةَ شُرِعَتْ للتَّكْفِيرِ عن الجانِى، ولا يُكَفَّرُ عنه بفِعْلِ غيرِه، وتُفارِقُ الدِّيَةَ، فإنَّها إنَّما شُرِعَتْ لجَبْرِ المَحَلِّ، وذلك يحْصُلُ بها كيْفما كان.
ولأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمَّا قَضَى بالدِّيَةِ على العاقِلَةِ، لم يُكَفِّرْ عن القاتِلَةِ 4. وما ذكَرُوه
وَلَوْ أَلْقَى عَلَى إِنْسَانٍ أَفْعًى، أَوْ أَلْقَاهُ عَلَيْها، فَقَتَلَتْهُ، أَوْ طَلَبَ إِنْسَانًا
لا أصْلَ له، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الدِّيَةِ لوُجُوهٍ؛ أحدُها، أنَّ الدِّيَةَ لم تجبْ في بيتِ المالِ، إنَّما وجَبَتْ على العاقِلَةِ، ولا يَجُوزُ أن يَثْبُتَ حُكْمُ الفَرْعِ مُخالِفًا لحُكْمِ الأَصْلِ.
الثانى، أنَّ الدِّيَةَ كثيرةٌ، فإيجابُها على القاتل يُجْحِفُ به، والكَفَّارةُ بخِلافِها.
الثالثُ، أنَّ الدِّيَةَ وجَبَتْ مُواساةً للقاتلِ، وجُعِلَ حَظُّ القاتلِ مِن الواجِبِ الكَفَّارةَ، فإيجابُها على غيرِه يقْطَعُ المُواساةَ، ويُوجِبُ على غيرِ (1) الجانِى أكْثَرَ ممَّا وجَبَ عليه، وهذا لا يجوزُ.
فصل: ولا يَلْزَمُ القاتِلَ شئٌ مِن دِيَةِ الخَطَأْ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: هو كواحدٍ مِن العاقِلَةِ؛ لأنَّها وجَبَتْ عليهم إعانةً له، فلا يَزِيدُونَ عليه فيها.
ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها.
مُتَّفقٌ عليه (2). وهذا يَقْتَضِى أنَّه قَضَى عليهم بجمِيعِها، ولأنَّه قاتِلٌ لم تَلْزَمْه الدِّيَةُ، فلم يَلْزَمْه بعْضُها، كما لو أمَرَه الإِمامُ بقَتْلِ رَجُلٍ، فقَتَلَه يَعْتَقِدُ أنَّه بحَقٍّ، فبان مَظْلُومًا.
ولأَنَّ الكَفَّارةَ تَلْزَمُ القاتِلَ في مالِه، وذلك يَعْدِلُ قِسْطَه مِن الدِّيَةِ وأكثرَ منه، فلا حاجَةَ إلى إيجابِ شئٍ مِن الدِّيَةِ عليه.
4173 -
مسألة: (ولو ألْقَى على إنْسَانٍ أَفْعًى، أو أَلْقاه عليها،
12
بِسَيْفٍ مُجَرَّدٍ فَهَرَبَ، فَوَقَعَ فِى شَىْءٍ تَلِفَ به، بَصِيرًا كَانَ أَوْ ضَرِيرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا في فِنَائِهِ، أَوْ وَضَعَ حَجَرًا، أَوْ صَبَّ مَاءً فِى طَرِيقٍ، أَوْ بَالَتْ فِيها دَابَّتُهُ وَيَدُهُ عَلَيْهَا، أَوْ رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ فِيها، فَتَلِفَ بِهِ إنْسَانٌ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَتُهُ.
فقَتَلَتْهُ، أو طلَب إنسانًا بسيْفٍ مُجَرَّدٍ، فَهَرَبَ، فَوَقَعَ في شَىْءٍ تَلِفَ به، بَصِيرًا كان أو ضَرِيرًا، أو حفرَ بِئْرًا في فنائِه، أو وضَع حَجَرًا، أو صَبَّ ماءً في طَرِيقٍ، أو بالَتْ فيها دَابَّتُهُ ويدُه عليها، أو رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ فيها فَتَلِفَ به إنْسانٌ، وَجَبَتْ عليه دِيَتُه) يجبُ الضَّمانُ بالسَّبَبِ كما يجبُ بالمُباشَرَةِ، فإذا ألْقَى إنْسانًا على أفْعَى، أو ألْقاها عليه، فقَتَلَتْه، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه تَلِفَ بعُدْوانِه، فأشْبَهَ ما لو جَنَى عليه.
4174 -
مسألة: فإن طلَب إنسانًا بِسَيْفٍ مَشْهُورٍ،
فَهَرَبَ منه، فَتَلِفَ في هَرَبِه، ضَمِنَه، سواءٌ سقَط مِن شاهِقٍ، أو انْخَسَفَ به سَقْفٌ، أو خَرَّ في بِئْرٍ، أو لَقِيَه سَبُعٌ فافْتَرَسَه، أو غَرِقَ في ماءٍ، أو احْتَرَقَ بنارٍ، وسواءٌ كان المطْلُوبُ صَغِيرًا أو كبيرًا، أعْمَى أو بَصِيرًا، عاقِلًا أو مجْنُونًا.
وقال الشافعىُّ: لا يَضْمَنُ البالِغَ العاقِلَ البَصِيرَ.
إلَّا أن ينْخَسِفَ به سَقْفٌ،
..................................
فإنَّ 1 فيه وفى الصَّغِيرِ والمجْنُونِ والأعْمَى قوليْن؛ لأنَّه هلَك بفِعْلِ نَفْسِه، فلم يَضْمَنْه الطالِبُ، كما لو لم يَطْلُبْه.
ولَنا، أنَّه هلَك بسَبَبِ عُدْوانِه، فضَمِنَه، كما لو حفَر له بِئْرًا، أو نصَب له سِكِّينًا، أو سَمَّ طَعامَه ووَضَعَه.
وما ذكَرَه 2 يَبْطُلُ بهذه الأصُولِ.
وإن طَلَبَه بشئٍ يُخِيفه به، كاللُّتِّ 3 ونحوِه، فهو كما لو طَلَبَه بسَيْف مَشْهُورٍ؛ لأنَّه في مَعْناه.
فصل: ولو شَهَرَ سَيْفًا في وَجْهِ إنْسانٍ، أو دَلَّاهُ مِن شاهِقٍ، فمات مِن رَوْعَتِه، أو ذهب عَقْلُه، فعليه دِيَتُه.
فإن صاحَ بصَبِىٍّ أو مَجْنُونٍ صَيْحةً شديدةً، فخَرَّ مِن سَطْحٍ أو نحوِه، فمات، أو ذهب عَقْلُه، أو تَغَفَّلَ عاقِلًا فصاحَ به، فأصَابَه ذلك، فعليه دِيَتُه، تَحْمِلُها العاقِلَةُ.
فإن تَعَمَّدَ ذلك، فهو شِبْهُ عَمْدٍ، وإلَّا فهو خَطَأٌ.
ووافَقَ الشافعىُّ في الصَّبِىِّ، وله في البالِغِ قَوْلانِ.
ولَنا، أنَّه تَسَبَّبَ إلى إتْلافِه، فضَمِنَه، كالصَّبِىِّ 4.
فصل: وإن قَدَّمَ إنْسانًا إلى هَدَفٍ يَرْمِيه الناسُ، فأصَابَه سَهْمٌ مِن غيرِ تَعَمُّدٍ، فضَمانُه على عاقلةِ الذى قدَّمه؛ لأَنَّ الرَّامِىَ كالحافرِ، والذى قَدَّمَه كالدَّافِعِ، فكان الضَّمانُ على عاقلَتِه.
وإن عَمَدَ الرَّامِى رَمْيَه، فالضَّمانُ
..................................
عليه؛ لأنَّه باشَرَ، وذاك مُتَسَبِّبٌ، فأَشْبَهَ المُمْسِكَ والقاتِلَ.
وإن لم يُقَدِّمْه أحَدٌ، فالضَّمانُ على الرَّامِى، وتَحْمِلُه عاقِلته إن كان خَطَأً؛ لأنَّه قَتَلَه.
4175 -
مسألة: وإن حفَر في فِنائِه بِئْرًا لنفسِه، أو في طَرِيقٍ لغيرِ مَصْلَحَةِ المُسْلِمِينَ، أو في مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، أو وضَع فِى ذَلِكَ حَجَرًا، أو صَبَّ فيه مَاءً، أو رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ فَهَلَكَ به إنسانٌ، ضَمِنَه؛ لأنَّه تَلِفَ بِعُدْوَانِه.
ورُوِىَ عن شُرَيْحٍ أنَّه ضَمَّنَ رَجُلًا حَفَر بِئْرًا، فوقَعَ فيها رَجُلٌ فمات.
ورُوِىَ ذلك
(1) عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ.
4176 -
مسألة: وإن بالتْ فيها دَابَّتُه، فَزَلَقَ به حَيوانٌ،
فماتَ
وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا، وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا، فَعَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ، فَوَقَعَ في الْبِئْرِ،
به، فقال أَصْحابُنا: على صاحبِ الدَّابَّةِ الضَّمَانُ، إذا كان راكِبًا، أو قَائِدًا، أو سائِقًا؛ لأنَّه تَلَفٌ حصَل مِن جِهةِ دَابَّتِه التى يَدُه عليها، فأَشْبَهَ ما لو جَنَتْ بيَدِها أو فَمِها.
وقِياسُ المذهبِ، أنَّه لا يَضْمَنُ ما تَلِفَ بذلك؛ لأنَّه لا يدَ له على ذلك، ولا (1) يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، فهو كما لو أتْلَفَتْ برِجْلِها، ويُفارِقُ ما إذا أَتْلَفَت بِيَدِها أو فَمِها؛ لأنَّه يُمْكِنُه حِفْظُهُما.
4177 -
مسألة: (وإن حفَر بِئْرًا، وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا)
أو نصَب سِكِّينًا، فَعَثَرَ بِالْحَجَرِ (فوَقَعَ في البِئْرِ) أو عَلَى 1 السِّكِّينِ (فَالضَّمَانُ
فَالضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ.
على واضعِ الحَجَرِ) ونَاصِبِ السِّكِّينِ دُونَ الحَافِرِ؛ لأَنَّ الحَجَرَ كالدَّافِعِ له، وإذا اجْتَمَعَ الحافرُ والدَّافِعُ، فالضَّمَانُ على الدَّافِعِ وحدَه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
ولو وَضعَ رَجُلٌ حَجَرًا، ثم حَفَرَ آخَرُ عندَه 1 بِئْرًا، أو نصَب سِكِّينًا، فعَثَرَ بالحَجَرِ، فسَقَطَ عليهما، فهَلَكَ، احْتَمَلَ أن يكونَ الحُكمُ كذلك؛ لِما ذكَرْنا.
واحْتَمَلَ أن يضْمَنَ الحافِرُ وناصبُ السِّكِّينِ؛ لأَنَّ فِعْلَهُما مُتَأَخِّرٌ عن فِعْلِه، فأَشْبَهَ ما لو كان زِقٌّ فيه مائِعٌ وهو واقِفٌ، فحَلَّ وِكاءَه إنْسانٌ وأمالَه آخَرُ، فسألَ ما فيه، كان الضَّمانُ على الآخِرِ منهما.
وإن وضَع إنْسانٌ حَجَرًا أو حَدِيدةً في مِلْكِه، أو حَفَرَ فيه بئْرًا، فدَخَلَ إنْسانٌ بغيرِ إذْنِه، فهَلَكَ به، فلا ضَمانَ على المالِكِ؛ لأَنَّه لم يتَعَدَّ 2، وإنَّما الدَّاخِلُ هلَكَ بعُدْوانِ نَفْسِه، وإن وضَع حَجَرًا في مِلْكِه، ونصَب أجْنَبِىٌّ فيه سِكِّينًا، أو حفَر بِئْرًا بغيرِ إذْنِه، فعَثَرَ رَجُلٌ بالحَجَرِ، فوَقَعَ على السِّكِّينِ أو في البِئرِ، فالضَّمانُ على الحافرِ وناصِبِ السِّكِّينِ لتَعَدِّيهِا، إذ لم يتَعَلَّقِ الضَّمانُ بواضِعِ الحَجَرٍ؛ لانْتِفاءِ عُدْوانِه.
وإنِ اشْتَرَكَ جماعةٌ في عُدْوانٍ تَلِفَ به شئٌ، فالضَّمانُ عليهم، فلو وضَع اثْنانِ
..................................
حَجَرًا، وواحِدٌ حَجَرًا، فعَثَرَ بهما إنْسانٌ، فهَلَكَ، فالدِّيَةُ كل عَواقِلِهم أثْلَاثًا، في قِياسِ المذهبِ.
وهو قولُ أبى يوسفَ؛ لأَنَّ السَّبَبَ حصَل مِن الثَّلاثةِ أثْلاثًا، فوَجَبَ الضَّمانُ عليهم سواءً وإنِ اختَلَفَتْ أفْعالُهم، كما لو جَرَحَه واحدٌ جُرْحَيْنِ، وجَرَحَه اثْنانِ جُرْحَيْنِ، فمات بها 1. وقال زُفَرُ: على الاثْنَين النِّصْفُ، وعلى واضِعِ الحجَرِ وحدَه النِّصْفُ؛ لأَنَّ فِعْلَه مُساوٍ لفِعْلِهما.
وإن حفَر إنْسانٌ بِئرًا، ونصَب آخَرُ فيها سِكِّينًا، فوَقَع إنسانٌ في البئرِ على السِّكِّينِ، فماتَ، فقال ابنُ حامدٍ: الضَّمانُ على الحافرِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ الدَّافعِ.
وهذا قِياس المسائِلِ التى قَبلَها.
ونَصَّ أحمدُ على أنَّ الضَّمانَ عليهما.
قال أبو بكرٍ: لأنَّهما في مَعْنىِ المُمْسِكِ والقاتلِ، الحافرُ كالمُمْسكِ، وناصِبُ السِّكِّينِ كالقاتلِ.
فيُخرَّجُ مِن هذا أَنْ يَجِبَ الضَّمانُ كل جميعِ المُتَسَبِّبِينَ في المسائلِ السَّابقةِ.
فصل: وإن حفَر بِئرًا في مِلْكِ نَفْسِه، أو في ملكِ غيرِه بإذْنِه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ.
وكذلك إن حَفَرَها في مَواتٍ، أو وضَع حَجَرًا، أو نصبَ شَرَكًا، أو شَبَكَةً، أو مِنْجَلًا، ليَصِيدَ بها؛ لأنَّه لم يَتَعَدَّ بذلك.
وإن فَعَلَ شيئًا مِن ذلك في طَريقٍ ضَيِّقٍ، فعليه ضَمانُ ما تلف به؛
..................................
لأنَّه مُتَعَدٍّ.
وسَواءٌ أذِنَ له الإِمامُ أو لم يَأْذَنْ؛ لأنَّه ليس للإمامِ أن يَأْذَنَ فيما يَضُرُّ بالمُسلمينَ، ولو فَعَلَ ذلك الإِمامُ لَضَمِنَ ما يَتْلَفُ به.
فإن كان الطَّريقُ واسِعًا، فحَفَرَ في مكانٍ منها يَضُرُّ بالمُسْلِمينَ، ضَمِنَ.
وإن حفَر في مكانٍ لا يَضُرُّ بالمسلمينَ، وكان حَفَرَها لنَفْسِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ بها، سواءٌ حَفَرَ بها بإذْنِ الإِمامِ أو بغيرِ إذْنِه.
وقال أصْحابُ الشافعىِّ: إن حَفَرَها بإذْنِ الإمام، لم يَضْمَنْ؛ لأَنَّ للإمام أن يَأْذَنَ في الانْتِفاعِ بما لا ضَرَرَ فيه، بدَليلِ أنَّه يجوزُ أن يأْذَنَ في القُعُودِ فَيه، ويُقْطِعَه لمن يَبِيعُ 1 فيه.
ولَنا، أنَّه تَلِفَ بحَفْرٍ حَفَرَه في حَقٍّ مُشْتَرَكٍ، بغيرِ إذْنِ أهْلِه، لغيرِ مَصْلَحَتِهم، فضَمِنَ، كما لو لم يَأْذَنِ الإِمامُ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ للإِمام أن يَأْذَنَ في هذا، وإنَّما يَأْذَن في القُعُودِ؛ لأَنَّ ذلك لا يَدُومُ، ويُمْكِنُ إِزالَتُه في الحالِ، فأَشْبَهَ القُعُودَ في المَسْجِدِ، ولأَنَّ القُعُودَ جائزٌ مِن غيرِ إذْنِ الإِمامِ، بخِلافِ 2 الحَفْرِ.
فصل: وإن حفَر بِئرًا في مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ بينَه وبينَ غيرِه، بغيرِ إذْنِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ به جَمِيعَه.
وهذا قِياسُ مذهبِ الشافعىِّ.
وقال [أبو حنيفةَ] 3: يَضْمَنُ ما قابَلَ نَصِيبَ شَرِيكِه، فلو كان له شَرِيكان، ضَمِنَ
..................................
ثُلُثَى التَّالِفِ؛ لأنَّه تَعَدَّى في نَصِيبِ شَرِيكَيْه 1. وقال أبو يوسفَ: عليه نِصْفُ الضَّمانِ؛ لأنَّه تَلِفَ بجِهَتَيْنِ، فكان الضَّمانُ نِصْفَيْنِ، كما لو جَرَحَه أحَدُهما جُرْحًا، وجَرَحَه الآخَرُ جُرْحَيْنِ.
ولَنا، أنَّه مُتَعَدٍّ بالحَفْرِ، فضَمِنَ الواقعَ فيها 2، كما لو كان في ملْكِ غيرِه، والشَّرِكَةُ أوْجَبَ تَعَدِّيَهُ لجميعِ الحَفْرِ، فكان مُوجِبًا لجميعِ الضَّمانِ.
ويَبْطُلُ ما ذكَرَه أبو يوسفَ بما لو حَفَرَه في طرِيقٍ مُشْتَرَكٍ، فإنَّ له فيها حَقًّا، ومع ذلك يَضْمَنُ الجميعَ.
والحُكمُ فيما إذا أذِنَ له بعْضُ الشُّرَكاءِ في الحَفْرِ دُونَ بعْضٍ، كالحُكْمِ فيما إذا حفَر في مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ بينَه وبينَ غيرِه؛ لكَوْنِه لا يُباحُ الحَفْرُ ولا التَّصَرُّفُ حتى يَأْذَنَ الجميعُ.
فصل: وإن حفَر إنْسانٌ في مِلْكِه بِئرًا، فوَقِعَ فيها إنسانٌ أو دابةٌ، فهَلَكَ به، وكان الدَّاخِلُ دخَل بغيرِ إذْنِه، فلا ضَمان على الحافرِ؛ لأنَّه لا عُدْوانَ منه.
وإن دخَل بإذْنِه، والبِئْرُ ظاهِرَةٌ مَكْشُوفَةٌ، والدَّاخِلُ بَصِيرٌ يُبْصِرُها، فلا ضَمانَ أيضًا؛ لأَنَّ الواقِعَ هو الذى أهْلَكَ نفسَه، فأشبَة ما لو قدَّم إليه سِكِّينًا، فقَتَلَ بها نفسَه، وإن كان الدَّاخِلُ أعْمَى، أو كانت في ظُلْمَةٍ لا يُبْصِرُها الدَّاخِلُ، أو غَطَّى رَأْسَها، فلم يَعْلَمِ الدَّاخِلُ حتى وقَع فيها، ضَمِنَه.
وبهذا قال شُرَيحٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ.
وهو أحَدُ الوَجْهينِ لأصْحابِ الشافعىِّ.
وقالوا في الآخَرِ: لا 3
وَإِنْ غَصَبَ صَغِيرًا، فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ، أَوْ أَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ، فَفِيهِ الدِّيَةُ، وَإِنْ مَاتَ بِمَرَضٍ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
يضْمَنُه؛ لأنَّه هلَك بفِعْلِ نفسِه.
ولَنا، أنَّه تَلِفَ بسَبَبِه، فضَمِنَه، كما لو قدَّم له طَعامًا مَسْمُومًا فأكَلَه، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذكَرُوه.
وإنِ اخْتْلَفَا، فقال صاحبُ الدَّارِ: ما أذِنْتُ لك في الدُّخولِ.
وادَّعَى ولِىُّ الهالِكِ أنَّه أَذِنَ له، فالقَوْلُ قولُ المالكِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ.
وإن قال: كانت مَكْشُوفَةً.
وقال الآخَرُ: كانت مُغَطَّاةً.
فالقولُ قولُ وَلِىِّ الواقعِ؛ لأَنَّ الظّاهِرَ معه، فإنَّ الظّاهرَ أنَّها لو كانت مَكْشُوفَةً لم يَسْقُطْ فيها.
ويَحْتَمِلُ أنَّ القولَ قولُ المالكِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءةُ ذمَّتِه، فلا تَشْتَغِلُ بالشَّكِّ.
4178 -
مسألة: (وإن غصَب صًغِيرًا، فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ، أو أصابَتْه صاعِقَةٌ، ففيه الدِّيَةُ)
لأنَّه تَلِفَ في يَدِه العادِيَةِ (وإن مات بمَرَضٍ، فعلِى وَجْهَيْنِ) أحدُهما، يَضْمَنُه، كالعَبْدِ الصغيرِ.
والثانى، لا يَضْمَنُه؛ لأنَّه
وَإِنِ اصْطَدَمَ نَفْسَانِ، فَمَاتَا، فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ.
حُرٌّ، لا تَثْبُتُ اليَدُ عليه في الغَصْبِ، أشْبَهَ الكبيرَ.
4179 -
مسألة: (وإنِ اصْطَدَمَ نَفْسانِ، فَماتَا، فعلى عاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنهما دِيَةُ الآخَرِ)
رُوِى هذا عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
ولا يجبُ القِصاصُ، سواءٌ كان اصْطِدامُهما عمْدًا أو خَطأً؛ لأَنَّ الصَّدْمَةَ لا تَقْتُلُ غالِبًا، فالقَتْلُ الحاصِلُ بها مع العَمْدِ عَمْدُ الخَطَأ.
ولا فَرْقَ بينَ البَصيرَيْنِ،
وَإِنْ كَانَا رَاكِبَيْنِ، فَمَاتَتِ الدَّابَّتَانِ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيمَةُ دَابَّةِ الْآخَرِ.
والأعْمَيَيْنِ، والبَصِيرِ والأعْمَى، فإن كانا (1) امرأتَيْنِ حامِلَتَيْنِ، فهما كالرَّجُلَيْنِ.
فإن أسْقَطَتْ كلُّ واحدةٍ منهما جَنِينًا، فعلى كُلِّ واحدةٍ نِصْفُ ضَمانِ جَنِيِنها ونِصْفُ ضَمانِ جَنِينِ (2) صاحِبَتِها؛ لأنَّهما اشْتَرَكَتا في قَتْلِه، وعلى كلِّ واحدةٍ منهما عِتْقُ ثلاثِ رِقَابٍ؛ واحِدَةٌ لقَتْلِ صاحِبَتِها، واثْنَتانِ لمُشَارَكَتِها في الجَنِينَيْن.
فإن أسْقَطَتْ إحداهُما دُونَ الأُخْرَى، اشْتَرَكَتا في ضَمانِه، وعلى كلِّ واحدةٍ منهما عِتْقُ رقَبَتَيْنِ.
وإنِ اصْطَدَمَ راكبٌ وماشٍ، فهو كما لو كانا ماشِيَيْنِ.
وإنِ اصْطَدَمَ راكبانِ فماتا، فهو كما لو كانا ماشِيَيْنِ.
4180 -
مسألة: (وإن كانا رَاكِبَيْنِ، فماتتِ الدَّابَّتانِ، فعلى كُلِّ
12
..................................
واحدٍ مِنهما قِيمَةُ دابَّةِ الآخَرِ) وجملةُ ذلك، أنَّ على كلِّ واحدٍ مِن المُصْطَدِمَيْن.
ضَمانَ ما تلِف مِن الآخَرِ، مِن نَفْسٍ أو دَابَّةٍ أو مالٍ.
سواءٌ كانتِ الدَّابَّتانِ فَرَسَيْنِ، أو بَغْلَيْنِ، أو حِمارَيْنِ، أو جَمَلَيْنِ، أو كان أحَدُهما فَرَسًا والآخرُ غيرَه، مُقْبِلَيْنِ كانا أو مُدْبِرَيْنِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، وصاحِباه، وإسْحاقُ.
وِقال مالِكٌ، والشافِعِىُّ: على كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُ قِيمَةِ ما تَلِفَ مِن الآخرِ؛ لأَنَّ التَّلَفَ حصَل بفِعْلِهِما، فكان الضَّمانُ منْقَسِمًا عليهما، كما لو جَرَحَ إنْسانٌ نفسَه، وجَرَحَه غيرُه، فماتَ منهما.
ولَنا، أنَّ كلَّ واحدٍ منهما مات مِن صَدْمَةِ صاحبِه، وإنَّما هو قَرَّبَها إلى مَحَلِّ الجِنايَةِ، فلَزِمَ الآخَرَ ضَمَانُها، كما لو كانت [واقِفَة، بخِلافِ الجِراحَةِ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ قِيمَةَ الدَّابَّتَيْنِ إن تَساوَتا، تَقَاصَّتَا وَسَقَطَتَا، وإن كانت] 1 إحداهُما أكثرَ 2 مِنَ الأُخْرَى، فلِصاحبِها الزِّيادَةُ، وإن ماتتْ إحدى الدَّابَّتَيْنِ، فعلى الآخَرِ قِيمَتُها، وإن نَقَصَتْ، فعليه نَقْصُها.
فإن كان أحَدُهما يَسِيرُ بينَ يَدَىِ الآخَرِ، فأدْرَكَه الثانى فصَدَمَه، فماتتِ الدَّابَّتانِ أو إحْداهما، فالضَّمانُ على اللَّاحِقِ، لأنَّه الصَّادِمُ والآخَرُ مَصْدُومٌ.
وَإِنْ كَانَ أحَدُهُمَا يَسِيرُ، وَالْآخَرُ واقِفًا، فَعَلَى السَّائِرِ ضَمَانُ الْوَاقِفِ وَدَابَّتِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِى طَرِيقٍ ضَيِّقٍ، قَاعِدًا أَوْ وَاقِفًا، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِهِ.
4181 - مسألة: (إلَّا أن يَكُونَ أحدُهما يَسِيرُ، والآخَرُ وَاقِفًا، فعلى السَّائرِ ضَمانُ الواقفِ ودابَّتِهِ)
[نصَّ أحمدُ على هذا] (1)؛ لأَنَّ السَّائرَ هو الصَّادِمُ المُتْلِفُ، فكانَ الضَّمانُ عليه.
فإن مات هو أو دابَّتُه، فهو هَدْرٌ؛ لأنَّه أتْلَف نفسَه ودابَّتَه.
وإنِ انْحَرَفَ الواقِفُ، فصادَفَتِ (2) الصَّدْمَةُ انْحِرافَه، فهما كالسَّائِرَيْنِ؛ لأَنَّ التَّلَفَ حصَل مِن فِعْلِهِما.
4182 -
مسألة: (إلَّا أن يَكُونَ في طَرِيقٍ ضَيِّقٍ، قاعِدًا أو واقِفًا، فلا ضَمَانَ فيه، وعليه ضَمَانُ ما تَلِفَ به)
إذا كان الواقِفُ مُتَعَدِّيًا بوُقوفِه،12
.................................. مثلَ أن يَقِفَ في طريقٍ ضَيِّقٍ، فالضَّمانُ عليه دُونَ السَّائِرِ؛ لأَنَّ التَّلَفَ حصَل بتَعَدِّيه، فكان الضَّمانُ عليه، كما لو وضَع حَجَرًا في الطَّريقِ، أو جلَس في طريقٍ ضَيِّقٍ، فعَثَرَ به إنْسانٌ.
وَإِنْ أَرْكَبَ صَبِيَّيْنِ لَا وِلَايةَ لَهُ عَلَيْهِمَا، فَاصْطَدَمَا، فَمَاتَا، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُمَا.
4183 - مسألة: (وإن أرْكَبَ صَبِيَّيْنِ لا وِلايَةَ له عليهما، فاصْطَدَمَا، فماتا، فعلى عاقِلَتِه دِيَتُهما)
لأنَّه مُتَعَدٍّ بذلك، وتَلَفَهُما بسَبَبِ جِنايَتِه.
وَإِنْ رَمَى ثَلَاثَةٌ بِمَنْجَنِيقٍ، فَقَتَلَ الْحَجَرُ إنْسَانًا، فعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ
4184 - مسألة: (وإن رَمَى ثلاثَةٌ بمَنْجَنِيقٍ، فقَتَلَ الحَجَرُ
وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُ دِيَتِهِ، وَإِنْ قُتِلَ أَحَدُهُمْ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا؛ يُلْغَى فِعْلُ نَفْسِهِ، وَعَلَى عَاقِلَةِ صَاحِبَيْهِ ثُلُثَا الدِّيَةِ.
إنْسَانًا، فعلى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنهم ثُلُثُ دِيَتهِ) لا يَخْلُو ذلك مِن حالَيْنِ؛ أحدُهما، أن يكونَ المقْتُولُ واحِدًا منهم.
والثانى، أن يكونَ مِن غيرِهم.
فإن كان مِن غيرِهم، فالدِّيَة على عَواقِلِهِم أثْلَاثًا؛ لأَنَّ العاقلةَ تَحْمِلُ الثُّلُثَ فما زاد، وسواءٌ قَصَدُوا رَمْىَ واحدٍ بعَيْنِه، أو قَصَدُوا رَمْىَ جَماعةٍ، أو لم يَقْصِدُوا ذلك، [إلَّا أنَّهم] 1 إن لم يَقْصِدُوا قَتْلَ آدَمِىٍّ مَعْصُومٍ، فهو خَطَأٌ، دِيَتُه دِيَةُ الخَطأُ.
وإن قَصَدُوا رَمْىَ جَماعةٍ أو واحدٍ بعَيْنِه، فهو شِبْهُ عَمْدٍ؛ لأَنَّ قصْدَ الواحدِ بالمَنْجَنِيقِ لا يكادُ يُفْضِى إلى إتْلافِه، فيكون شِبْهَ عَمْدٍ تَحْمِلُه العاقلةُ في ثَلاثِ سِنِينَ.
وعلى قولِ أبى بكرٍ، لا تَحْمِلُ العاقلةُ شِبْهَ العَمْدِ، فلا تَحْمِلُه ههُنا.
الحالُ الثانى، أن يُصِيبَ واحدًا منهم، فعلى كلِّ واحدٍ كفَّارة، ولا تَسْقُطُ عمَّن أصَابَه الحَجَرُ؛ لأنَّه شارَك
والثَّانِى، عَلَيْهِمَا كَمَالُ الدِّيَةِ.
والثَّالِثُ، عَلَى عَاقِلَتِهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ لِوَرَثَتِهِ، وَثُلُثَاهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرَينِ.
في قَتْلِ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ، والكفَّارةُ إنَّما تَجِبُ لحقِّ اللَّهِ تعالى، فوَجَبَتْ عليه بالمُشارَكَةِ في نَفْسِه، كوُجوبِها بالمُشارَكَةِ في قَتْلِ غيرِه.
وأمَّا الدَّيَةُ ففيها ثَلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، أنَّ على عاقلةِ كلِّ واحدٍ منهم ثُلُثَ دِيَةِ المقْتُولِ لوَرَثَتِه؛ لأَنَّ كلَّ واحدٍ منهم مُشاركٌ في قَتْلِ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ خَطأً، فلَزِمَتْه دِيَتُها، كالأجانِبِ.
وهذا يَنْبَنِى على أنَّ جِنايةَ المَرْءِ على نَفْسِه أو 1 أهْلِه خَطَأً يَتَحَمَّلُ عقْلَها عاقِلَتُه.
الوَجْهُ الثانى، أنَّ ما قابَلَ فِعْلَ المقْتُولِ ساقِطٌ، لا يَضْمَنُه أحدٌ؛ لأنَّه شارَك في إتْلافِ حَقِّه، فلم يَضْمَنْ ما قابَل فِعْلَه، كما لو شارَك في قَتْلِ بَهيمَتِه أو عَبْدِه.
وهذا الذى ذكَرَه القاضى في «المُجَرَّدِ».
ولم يَذْكُرْ غيرَه.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
الثالثُ، أن يُلْغَى فِعْلُ المقْتُولِ في نَفْسِه، وتَجِبَ دِيَتُه بكَمالِها على عاقلةِ الآخَرَيْنِ نِصْفَيْنِ.
..................................
قال أبو الخَطَّابِ: هذا قِياسُ المذهب، بِناءً على مَسْألةِ المُتَصادِمَيْنِ.
قال شيْخُنا 1: والذى ذكَرَه القاضى أَحْسَنُ وأصَحُّ في النَّظَرِ، وقد رُوِى نحوُه عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في مَسْألةِ القارِصَةِ 2 والقامِصَةِ 3 والواقِصَةِ 4. قال الشَّعْبِىُّ: وذلك أنَّ ثَلاثَ جَوَارٍ اجْتَمَعْنَ فأَرِنَّ 5، فرَكِبَتْ إحْداهُنَّ على عُنُقِ أُخْرَى، وقَرَصَتِ الثَّالثةُ المَرْكُوبَةَ، فقَمَصَتْ، فسَقَطَتِ الرَّاكِبَةُ، فوُقِصَتْ عُنُقُها، فماتَتْ، فرُفِعَ ذلك إلى علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فقَضَى بالدِّيَةِ أثْلاثًا على عَوَاقِلِهِنَّ، وألْغَى الثُّلُثَ الذى قابَلَ فِعْلَ الواقِصَةِ؛ لأنَّها أعانَتْ على قَتْلِ نَفْسِها 6. وهذه شَبِيهَةٌ بمَسْأَلتِنا.
..................................
ولأَنَّ المقْتُولَ شارَك في القَتْلِ، فلم تكْمُلِ الدِّيَةُ على شَرِيكَيْه، كما لو قَتَلُوا واحدًا مِن غيرِهم.
فإن رجَع الحَجَرُ، فقَتَلَ اثْنَيْنِ مِن الرُّماةِ، فعلَى الوَجْهِ الأَوَّلِ، تَجِبُ دِيَتُهما على عَواقِلِهِم أثْلَاثًا، وعلى كلِّ واحدٍ منهم كفَّارَتانِ.
وعلى الوَجْهِ الثَّانى، يَجِبُ على عاقلةِ الحَىِّ منهم، لكُلِّ مَيِّتٍ ثُلُثُ دِيَتِه، وعلى عاقلةِ كلِّ واحدٍ مِن المَيِّتيْنِ ثُلُثُ دِيَةِ صاحبِه، ويُلْغَى فِعْلُ نَفْسِه.
وعلى الوَجْهِ الثالثِ، على عاقلةِ الحَىِّ لكلِّ واحدٍ نهم نِصْفُ الدِّيَةِ، ويَجِبُ على عاقلةِ كلِّ واحدٍ مِن المَيِّتيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ لصاحبِه.
وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَالدِّيَةُ حَالَّة في أَمْوَالِهِمْ.
4185 - مسألة: (وإن كَانُوا أكْثرَ مِن ثلَاثَةٍ، فَالدِّيَةُ حَالَّةٌ في أمْوَالِهم)
في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ، إلَّا على الوَجْهِ الذى اختاره أبو الخَطَّابِ، فإنَّهم إذا كانوا أرْبعةً، فقَتَلَ الحَجَرُ أحَدَهم، فإنَّه يجبُ على عاقلةِ كُلِّ واحدٍ مِنَ الثَّلاثةِ الباقِينَ ثُلُثُ الدِّيَةِ؛ لأنَّهم يَحْمِلُونَها كلَّها.
فأمَّا إن كانوا أكثرَ مِن أرْبعةٍ، أو كان المقْتُولُ مِن غيرِهم وهم أرْبعةٌ، فإنَّ الدِّيَةَ حَالَّةٌ في أمْوالِهم؛ [إلَّا أنَّ] 1 المقْتُولَ يُلْغَى فِعْلُه في نفْسِه، ويكونُ هَدْرًا؛ لأنَّه لا يجبُ عليه لنفْسِه شئٌ، ويكونُ باقى الدِّيَةِ في أمْوالِ شُرَكائِه حَالًّا؛ لأن التَّأْجِيلَ في الدِّيَاتِ إنَّما يكونُ فيما تَحْمِلُه العاقِلةُ، وهذا دُونَ
..................................
الثُّلُثِ، والعاقلةُ لا تَحْمِلُ ما دونَ الثُّلُثِ.
وذكَر أبو بكرٍ فيها 1 رِوايةً أُخْرَى، أنَّ العاقِلَةَ تَحْمِلُها؛ لأَنَّ الجِنايةَ فِعْلٌ واحدٌ، أوْجَبَ دِيَةً تَزِيدُ على الثُّلُثِ.
والصَّحيحُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ كلَّ واحدٍ منهم يخْتَصُّ بمُوجَبِ فِعْلِه دُونَ فِعْلِ شُرَكائِه، وحَمْلُ العاقلةِ إنَّما شُرِعَ للتَّخْفِيفِ على الجانِى فيما يَشُقُّ ويَثْقُلُ، وما دُونَ الثُّلُثِ يسِيرٌ، على ما نذْكُرُه، والذى يَلْزَمُ كُلَّ واحدٍ أقَلُّ مِن الثُّلُثِ.
وقولُه: إنَّه فِعْلٌ واحدٌ.
قُلْنا: بل هى أفْعالٌ، فإنَّ فِعْلَ كلِّ واحدٍ غيرُ فِعْلِ الآخَرِ، وإنَّما مُوجَبُ الجميعِ واحدٌ، فأشْبَهَ ما لو جَرَحَه [كلُّ واحدٍ] 2 جُرْحًا فاتَتِ 3 النَّفْسُ بجَمِيعِها.
إذا ثبَت هذا، فالضَّمانُ يَتَعَلَّقُ بمَن مَدَّ الحِبالَ، ورَمَى الحَجَرَ، دُونَ مَن وَضَعَه في الكِفَّةِ، وأمْسَكَ الخَشَبَ، اعْتبارًا بالمُباشِرِ، كمَن وضَع سَهْمًا في قَوْسِ إنْسانٍ، ورَماهُ صاحِبُ القَوْسِ، فالضَّمانُ على الرَّامِى دُونَ الواضِعِ.
وَإِنْ جَنَى إنْسَانٌ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ طَرَفِهِ خَطَأً، فَلَا دِيَةَ لَهُ.
وَعَنْهُ، عَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ، وَدِيَةُ طَرَفِهِ لِنَفْسِهِ.
4186 - مسألة: (وإن جَنَى إنسانٌ على نفسِه أو طَرَفِه خَطَأً، فلا شئَ له. وعنه، على عاقِلَتِه دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ، وَدِيَةُ طَرَفِه لِنَفْسِهِ)
أمّا إذا كانتِ الجنايةُ عَمْدًا، فلا شئَ له إجْماعًا.
وإن كانت خَطأً فكذلك، في إحدى الرِّوايتيْنِ، قِياسًا على العَمْدِ، ولِما رُوِى أنَّ عامِرَ بنَ الأَكْوَع يومَ خَيْبَرَ، رجَع سَيْفُه عليه، فقَتَلَه 1. ولم يُنْقَلْ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى فيه
..................................
بدِيَةٍ ولا غيرِها، ولو كانت واجِبَةً لَبَينَّه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولنُقِلَ ظاهِرًا.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، أنَّ دِيَتَه على عاقِلَتِه لوَرَثَتِه، ودِيَةَ طَرَفِه لنَفْسِه.
[وهو قولُ الأَوْزَاعِىِّ، وِإسْحَاقَ] 1. وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، ذكَره فيما إذا رَمَىْ ثَلاثةٌ بالمَنْجَنِيقِ، فرَجَعَ الحَجَرُ، فقَتَلَ أحَدَهم؛ لِما رُوِى أنَّ رَجُلًا ساقَ حِمارًا فضَرَبَه بعَصًا كانت معه، فطارَتْ منها شَظِيَّةٌ، فأصابَتْ عيْنَه ففَقَأَتْها، فجَعَلَ عمرُ بنُ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عَنه، دِيَتَه على عاقِلَتِه، وقال: هى يَدٌ مِن أيْدِى المسلمينَ، لم يُصِبْها اعْتِداءٌ على أحدٍ 2. ولم يُعْرَفْ له مُخالِفٌ.
ولأنَّه قُتِلَ خَطَأً، فكانت دِيَتُه على عاقِلَتِه، كما لو قَتَل غيرَه.
والأَوَّلُ أصَحُّ في القِياسِ؛ لأَنَّ وُجوبَ الدِّيَةِ على العاقلةِ على خِلافِ الأَصْلِ، مُواساةً للجانى وتَخْفِيفًا عنه، وليس على الجانى ههنا شئٌ يُخَفَّفُ عنه، ولا يَقْتَضِى النَّظَرُ أن تكونَ جِنايتُه على نفسِه على غيرِه.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم رَبِيعَةُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ،
وَإِنْ نَزَلَ رَجُلٌ بِئْرًا، فَخَرَّ عَلَيْهِ آخَرُ، فَمَاتَ الْأَوَّلُ مِن سَقْطَتِهِ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ.
وأصْحابُ الرَّأْى؛ لِما ذكَرْنا مِن حديثِ عامِرِ ابنِ الأكْوَعِ، حينَ رجَع سيْفُه عليه يَوْمَ خَيْبَرَ فمات.
[ويُفارِقُ هذا ما إذا كانتِ الجِنايةُ على غيرِه، فإنَّه لو لَمْ تَحْمِلْه العاقلةُ، لأجْحَفَ به وُجُوبُ الدِّيَةِ لكَثْرَتِها] (1). وقال القاضى: الرِّوايةُ الثَّانيةُ أظهرُ عنه.
فعلى هذه الرِّوايةِ، إن كانتِ العاقلةُ هى الوارِثَةَ، لم يجبْ شئٌ؛ لأنَّه لا يجبُ للانسانِ شئٌ على نفسِه، فإن كان بعضُهم وارِثًا، سقَط عن الوارِثِ ما يقابِلُ مِيراثَه.
فإن كانت جِنايَتُه على نَفْسِه شِبْهَ عَمْدٍ، فهو كالخَطَأَ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ، وفى الآخَرِ، لا تَحْمِلُه العاقلةُ بحالٍ.
4187 -
مسألة: (وِإن نزَل رَجُلٌ في بِئْرٍ، فَخَرَّ عليهِ آخَرُ، فمات الأَوَّلُ مِن سَقْطَتِه، فعلى عاقِلتِه دِيَتُه)
وجملةُ ذلك، أنَّه إذا نَزَلَ رَجُلٌ في بئرٍ، فسقَط عليه آخرُ، فقَتَلَه، فعليه ضَمانُه، كما لو رَمَى عليه حَجَرًا.
ثم يُنْظَرُ؛ فإن كان عَمَدَ رَمْىَ نَفْسِه عليه 2، وهو ممَّا يَقْتُلُ غالبًا، فعليه القِصاصُ، وإن كان ممَّا لا يَقْتُلُ غالبًا، فهو شِبْهُ عَمْدٍ، وإن وقَع خَطأً،1
..................................
فالدِّيَةُ على عاقِلَتِه مُخفَّفَةً، وإن مات الثانى بوُقُوعِه على الأوَّل، فدَمُه 1 هَدْرٌ؛ لأنَّه مات بفِعْلِه.
وقد رَوَى عَلِىُّ بنُ رَباحٍ اللَّخْمِىُّ، أنَّ رَجُلًا كان يَقودُ أعْمَى، فوَقَعا في بِئْرٍ؛ خَرَّ البَصِيرُ، فوَقَعَ الأعْمَى فوقَ البَصِيرِ، فقَتَلَه، فقَضَى عمرُ بعَقْلِ البَصِيرِ على الأعْمَى، فكان الأعْمَى يُنْشِدُ في المَوْسِمِ:
يَا أيُّها الناسُ لَقِيتُ مُنْكَرَا
هل يَعْقِلُ الأعْمَى الصَّحِيجَ المُبْصِرَا
خَرَّا مَعًا كِلَاهُما تَكَسَّرَا 2
وهذا قولُ ابنِ الزُّبَيْرِ، وشرَيْحٍ، والنَّخَعِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ.
قال شيْخُنا 3: ولو قال قائل: ليسمى على الأعْمَى ضَمانُ البَصِيرِ؛ لأنَّه الذى قادَه إلى المكانِ الذى وَقَعا فيه، وكان سَبَبَ وُقُوعِه عليه، ولذلك لو فَعَلَه قَصْدًا لم يَضْمَنْه، بغيرِ خِلافٍ، وكان عليه ضَمانُ الأعْمَى 4، إلَّا أن يكونَ مُجْمَعًا عليه، فلا تجوزُ مُخالَفَةُ الإجْماعِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إنَّما لم يَجِبِ الضَّمانُ على القائدِ لوَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، أنَّه مَأْذُونٌ فيه مِن جِهَةِ
وَإِنْ سَقَطَ ثَالِثٌ، فَمَاتَ الثَّانِى بِهِ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ، وَإِنْ مَاتَ الْأَوَّلُ مِنْ سَقْطَتِهِمَا، فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا.
الأعْمَى، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به، كما لو حَفَر له بِئْرًا في دارِه بإذْنِه، فتَلِفَ بها.
الثانى، أنَّه فِعْلٌ مَنْدُوبٌ إليه مَأْمُورٌ به، فَأَشبَهَ ما لو حفَر بِئْرًا في سابِلَةٍ يَنْتَفِعُ بها المسلمونَ، فإنَّه لا يَضْمَنُ ما تَلِفَ بها.
وإن مات الثَّانى فدَمُه هَدْرٌ؛ لأنَّه لا صُنْعَ لغيرِه في هلاكِه.
4188 -
مسألة: (وإن وقَع)
عليهما (ثَالِثٌ، فمات الثَّانى به، فعلى عاقِلَةِ الثّالِثِ دِيَتُهُ) لأنَّه تَلِفَ مِن سَقْطَتِه (وإن مات الأَوَّلُ مِن سَقْطَتِهما، فدِيَتُه على عاقِلَتهما) لأنَّه مات بوُقوعِهما عليه، ودِيَةُ الثانى على الثَّالثِ؛ لأنَّه انْفَرَدَ بالوُقُوعِ عليه، فانْفَرَدَ بدِيَتِه، ودَمُ الثالثِ هَدْرٌ؛ لأنَّه لا صُنْعَ لغيرِه في هلاكِه.
هذا إذا كان الوُقوعُ هو الذى قَتَلَه، فإن كان البئرُ عَمِيقًا يموتُ الواقِعُ بمُجَرَّدِ وُقُوعِه، لم يَجِبْ ضَمانٌ على أحدٍ؛ لأَنَّ كُل واحدٍ منهم مات بوَقْعَتِه، لا بفِعْلِ غيرِه، وإنِ احْتَمَلَ الأمْرَيْنِ فكذلك؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الضَّمانِ.
وَإِنْ كَانَ الأَوَّلُ جَذَبَ الثَّانِىَ، وَجَذَبَ الثَّانِى الثَّالِثَ، فَلَا شَىْءَ عَلَى الثَّالِثِ، وَدِيَتُهُ عَلَى الثَّانِى في أحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِى الثَّانِى، عَلَى الأَوَّلِ وَالثَّانِى نِصْفيْنِ، وَدِيَةُ الثَّانِى عَلَى الْأوَّلِ، وَإِنْ كَانَ الأَوَّلُ هَلَكَ مِنْ وَقْعَةِ الثَّالِثِ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ضَمَانهُ عَلَى الثَّانِى، واحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نِصْفُهَا عَلَى الثَّانِى، وفى نِصْفِهَا الْآخَرِ وَجْهَانِ.
4189 - مسألة: (وإن كان الأَوَّلُ جذَب الثَّانِىَ، وجذَب الثَّانِى الثَّالثَ، فلا شئَ على الثَّالِثِ)
لأنَّه لا فِعْلَ له (و) وَجَبَت (دِيَتُه على الثَّانِى في أحدِ الوَجْهَيْنِ) لأنَّه هو جَذَبَه وباشَرَه بذلك، والمُباشَرَةُ تَقْطَعُ حُكْمَ المُتَسَبِّبِ، كالحافرِ مع الدَّافعِ، والثَّانى دِيَتُه على الأَوَّلِ والثانِى نِصْفيْنِ؛ لأَنَّ الأوَّلَ جذَب الثانِىَ الجاذِبَ للثالثِ، فصار مُشارِكًا للثانى في إتْلافِه، ودِيَةُ الثَّانى على عاقلةِ الأَوَّلِ، في أحدِ الوَجْهَيْنَ؛ لأنَّه هلَك بجَذبَتِه.
وإن هلَك بسُقُوطِ الثالثِ عليه، فقد هلَك بجَذْبةِ الأَوَّلِ وجَذْبةِ نَفسِه للثالثِ، فسقَط فِعْلُ نَفْسِه، كالمُصْطَدِمَيْنِ، وتَجبُ دِيَتُه بكَمالِها على الأَوَّلِ.
ذكَره القاضى.
والوجهُ الثانى، يَجِب على الأَوَّلِ نِصْفُ دِيَتِه،
..................................
ويُهْدَرُ نِصْفُها في مُقابلةِ فِعْلِ نَفْسِه.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
ويتَخَرَّجُ وجْهٌ ثالثٌ، وهو وُجوبُ نِصْفِ دِيَتِه على عاقِلَتِه لوَرَثَتِه، كما قُلْنا فيما إذا رَمَى ثَلاثةٌ بالمَنْجَنِيقِ، فقَتَلَ الحَجَرُ أحَدَهم.
وأمَّا الأَوَّلُ إذا مات بوقُوعِهما عليه، ففيه الأوْجُهُ الثَّلاثةُ؛ لأنَّه مات مِن جَذْبَتِه وجَذْبَةِ الثَّانى للثالثِ، فتَجِبُ دِيَتُه كلُّها على عاقلةِ الثَّانى، ويُلْغَى فِعْلُ نَفْسِه، على الوَجْهِ الأَوَّلِ.
وعلى الثَّانى، يُهْدَرُ نِصْفُ دِيَتِه المُقابِلُ لفِعْلِ نَفْسِه، ويَجِبُ نِصْفُها على الثانى.
وعلى الثالثِ، يَجِبُ نِصْفُها على عاقِلَتِه لوَرَثَتِه.
فصل: فإن جَذَبَ الثالثُ رابعًا، فمات جميعُهمِ بوُقوعِ بعضِهم على بعضٍ، فلا شئَ على الرَّابعِ؛ لأَنَّه لم يَفْعَلْ شيئًا في نفسِه ولا غيرِه.
وفى دِيَتِه وَجْهانِ؛ أحدُهما، أنَّها على عاقلةِ الثالثِ المُباشِرِ لجَذْبِه.
والثانى،
..................................
على عاقلةِ الأَوَّلِ والثانِى والثالثِ؛ لأنَّه مات مِن جَذْبِ الثَّلاثةِ، فكانت دِيَتُه على عَواقِلِهم.
وأما الأولُ فقد مات بجَذْبَتِه وجَذْبَةِ الثانى وجذبةِ الثالِثِ، ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها؛ أنَّه يُلْغَى فِعْلُ نَفْسِه، وتَجِبُ دِيَتُه على عاقلةِ الثَّانى والثالثِ نِصْفَيْنِ.
والثَّانى، يَجِبُ على عاقِلَتِهما ثُلُثاها، ويَسْقُطُ ما 1 قابَلَ فِعْلَ نَفْسِه.
والثالثُ، يجبُ ثُلُثُها على عاقِلَتِه لوَرَثَتِه.
وأمَّا الجاذبُ الثانى فقد مات بالأفْعالِ الثَّلاثة، وفيه هذه الأوْجُهُ الثَّلاثةُ المذْكُورةُ في الأَوَّلِ سواءً.
وأمَّا الثالثُ، ففيه مثلُ هذه الأوْجُهِ الثَّلاثةِ، ووَجْهانِ آخَرانِ؛ أحدُهما، أنَّ دِيَتَه بكَمالِها على الثانى؛ لأنَّه المُباشِرُ لجَذْبِه، فسقَط فِعْلُ غيرِه بفِعْلِه.
والثانى، أنَّ على عاقِلَتِهِ نِصْفَها، ويَسْقُطُ النِّصْفُ الثانى في مُقَابلَةِ فِعْلِه في نَفسِه.
..................................
فصل: وإن وقَع بعضُهم على بعضٍ، فماتُوا، نَظَرْتَ؛ فإن كان مَوْتُهم بغيرِ وُقُوعِ بعضِهم على بعض، مثلَ أن يكونَ البئرُ عَمِيقًا يموتُ الواقعُ فيه بنَفْسِ الوُقوعِ، أو كأن فيه ماءٌ يُغْرِقُ الواقِع فيَقْتُلُه، أو أسَدٌ يَأْكُلُهم، فليس على بعضِهم 1 ضَمانُ بعضٍ؛ لعَدَمِ تَأْثِيرِ فِعْلِ بعضِهم في هلاكِ بعضٍ، وإن شَكَكْنا في ذلك، لم يَضْمَنْ بعضُهم بعضًا؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءةُ الذِّمَّةِ فلا نَشْغَلُها بالشَّكِّ.
وإن كان مَوْتُهم بوُقوعِ بعضِهم على بعضٍ، فدَمُ الرَّابعِ هَدْرٌ؛ لأَنَّ غيرَه لم يَفْعَلْ فيه شيئًا، وإنَّما هلَك بفِعْلِه، وعليه دِيَةُ الثالثِ؛ لأنَّه قَتَلَه بوُقُوعِه عليه، ودِيَةُ الثانى عليه وعلى الثالثِ نِصْفَيْنِ، ودِيَةُ الأَوَّلِ على الثَّلاثةِ أثْلاثًا.
وَإِنْ خَرَّ رَجُلٌ في زُبْيَةِ أَسَدٍ فَجَذَبَ آخَرَ، وَجَذَبَ الثَّانِى
4190 - مسألة: (وإن خَرَّ رَجُلٌ في زُبْيَةِ أسَدٍ، فجَذَبَ آخَرَ،
ثَالِثًا، وَجَذَبَ الثَّالِثُ رَابِعًا، فَقَتَلَهُمُ الأَسَدُ، فَالْقِيَاسُ أنَّ دَمَ الأَوَّلِ هَدْرٌ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ الثَّانِى، وَعَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِى دِيَةُ الثَّالِثِ، وَعَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ دِيَةُ الرَّابعِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ دِيَةَ الثَّالِثِ عَلَى عَاقِلَةِ الأَوَّلِ وَالثَّانِى نِصْفيْنَ، وَدِيَةَ الرَّابعِ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّلَاثَةِ أثْلَاثًا.
وجَذَبَ الثَّانِى ثَالِثًا، وجذَب الثَّالِثُ رابعًا، فَقَتَلَهُم الأسَدُ، فَالقِياسُ أنَّ دَمَ الأَوَّلِ هَدْرٌ، وعلى عاقِلَتِه دِيَةُ الثَّانِى، وعلى عاقِلَةِ الثَّانى دِيَةُ الثَّالثِ، وعلى عاقِلَةِ الثَّالثِ دِيَةُ الرَّابعِ.
وفيَه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ دِيَةَ الثّالثِ على عاقِلَةِ الأَوَّلِ والثَّانِى نِصْفَيْنِ، ودِيَةَ الرَّابعِ على عاقِلَةِ الثَّلَاثَةِ أثلاثًا) الحُكمُ في هذه المسْأَلةِ أنَّه لا شئَ على الرَّابعِ؛ لأنَّه لم يَفْعَل شيئًا، ودِيَتُه على عاقلةِ الثالثِ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ.
وفى الثانى، على عَواقِلِ الثَّلاثة أثْلَاثًا.
ودَمُ الأَوَّلِ هَدْرٌ، وعلى عاقِلَتِه دِيَةُ الثَّانى.
وأمَّا دِيَةُ الثالثِ، فعلى الثَّانى، في