الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 167-206

كِتَابُ الْحُدُودِ

صفحات 167-206

لَا يَجِبُ الْحَدُّ إِلَّا عَلَى بَالِغٍ عَاقِلٍ عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ.
كِتابُ الحُدُودِ

4369 -

مسألة: (ولَا يَجِبُ الحَدُّ إلَّا على بالِغٍ عاقِلٍ عالِمٍ بالتَّحْرِيمِ)

[أمَّا البُلوغُ والعَقلُ، فلا خِلافَ في اعْتِبارِهما في وُجوبِ الحَدِّ، وصِحّةِ الإِقْرار] 1. [ولا يجبُ على صَبِىٍّ ولا مَجْنونٍ] 2؛ [لأنَّهما قد رُفِعَ القَلَمُ عنهما] (1)؛ [لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-] 3: «رُفِعَ القَلَمُ [عَنْ ثَلَاثٍ] 4؛ عَن الصَّبِىِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتُّى يُفِيقَ، وعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ».
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ 5، وقال: حديثٌ حسنٌ.
وفى حديثِ ابنِ عباسٍ، في قِصَّةِ ماعِزٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سأل قَوْمَه: «أَمَجْنُونٌ

..................................  هُوَ؟».
قالوا: ليس به بَأْسٌ 1. ورُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال له حينَ أقَرَّ عندَه: «أَبِكَ جُنُونٌ؟» 2. ورَوَى أبو داودَ 3 بإسْنادِه، قال 4: أُتِى عمرُ بمَجْنُونَةٍ قد زَنَتْ، فاسْتَشَارَ فيها أُناسًا، فأمَرَ بها عمرُ أن تُرْجَمَ، فمَرَّ بها علىُّ بنُ أبى طالبٍ، فقال: ما شأْنُ هذه؟ قالوا: مَجْنونَةُ آلِ فُلانٍ زَنَتْ، فأمَرَ بها عمرُ أن تُرْجَمَ.
فقال: ارْجِعُوا بها.
ثم أتَاه، فقال: يا أمِيرَ المُؤْمِنِين، أمَا عَلِمْتَ أنَّ القَلَمَ قد رُفِعَ عن ثلاثةٍ؛ عن المجْنونِ حتى يَبْرَأَ، وعن النَّائِمِ حتى يَسْتَيْقِظَ، وعن الصَّبِىِّ حتى يَعْقِلَ؟ قال: بَلَى.
قال: فما بالُ هذه؟ قال: لا شئَ.
قال: فأَرْسِلْها.
فأَرْسَلَها.
قال: فجعَلَ عمرُ يُكَبِّرُ.
ولأنَّه إذا سَقَط عنه التَّكْلِيفُ في العِباداتِ، والإِثْمُ في المعَاصِى، فالحَدُّ المَبْنِىُّ على الدَّرْءِ بالشُّبُهاتِ أوْلَى بالإِسْقاطِ.

..................................  فصل: ولا يَجِبُ على النَّائِمِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، فلو زَنَى بنائِمَةٍ، أو اسْتَدْخَلَتِ المرأةُ (1) ذَكَرَ نائِمٍ، أو (2) وُجدَ منه الزِّنَى حالَ نَوْمِه، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه مَرْفُوعٌ عنه القَلَمُ.
ولو أقَرَّ (3) حالَ نَوْمِه، لم يُلْتَفَتْ إلى إقْرارِه، لأَنَّ كلامَه ليس بمُعْتَبَرٍ، ولا يَدُلُّ على صِحَّةِ مَدْلُولِه.
فصل: فإنْ كان يُجَنُّ مَرِّةً ويُفِيقُ أُخْرَى، فأقَرَّ في إفاقَتِه أنَّه زَنَى وهو مُفِيقٌ، أو قامَتْ عليه بَيِّنَةٌ أنَّه زَنى في إفاقَتِه، فعليه الحَدُّ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى؛ لأَنَّ الزِّنَى المُوجِبَ للحَدِّ وُجِدَ منه [في حالِ] (4) إفاقَتِه وهو مُكَلَّفٌ، والقَلَمُ غيرُ مَرْفُوعٍ عنه، وإقْرارُه وُجِدَ في حالِ اعْتِبارِ كَلامِه.
فإن أقَرَّ في إفاقَتِه، ولم يُضِفْه إلى حالٍ، أو شَهِدَت عليه البَيِّنَةُ بالزِّنَى، ولم تُضِفْه إلى حالِ إفاقَتِه، لم يَجِبِ الحَدُّ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه وُجِدَ في حالِ جُنُونِه، فلم يَجِبِ الحَدُّ مع الاحْتِمالِ.
وقد رَوَى أبو داودَ، في حديثِ المجْنونَةِ التى أُتِى بها عُمَرُ، أنَّ عَليًّا قال: هذه مَعْتُوهَةُ بنى فلانٍ، لعَلَّ الذى أتاها أتاها في بَلائِها.
فقال عمرُ: لا أدْرِى.
فقال علىٌّ: وأنا لا أدْرِى.

4370 -

مسألة: ولا يَجِبُ الحَدُّ إلَّا على عالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ.

قال1234

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ إلَّا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ.
عُمَرُ، وعلىٌّ، وعُثمانُ: لا حَدَّ إلَّا على مَن عَلِمَه (1). وبهذا قال عامَّةُ أهلٍ العلمِ.
وقد رَوَى سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، قال: ذُكِرَ الزِّنَى بالشَّامِ، فقال رَجُلٌ: زَنَيْتُ البارِحَةَ.
قالوا: ما تقولُ؟ قال: ما عَلِمْتُ أنَّ اللَّه حَرَّمَه.
فكُتِبَ بها إلى عُمَرَ، فكَتَب: إن كان يَعْلَمُ أنَّ اللَّه حَرَّمَه فحُدُّوه، وإن لم يَكُنْ عَلِمَ فأعْلِمُوه، فإن عادَ فارْجُموه (2). وسَواءٌ جَهِلَ تَحْريمَ الزِّنَى أو تحْريمَ عينِ المرأةِ، مثلَ أن تُزَفَّ (3) إليه غيرُ (4) امرأتِه، فيَظُنَّها زَوْجَتَه، أو تُدْفَعَ إليه جارِيةٌ، فيَظُنَّها جارِيَتَه، فيَطَأَها، فلا حَدَّ عليه.

4371 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ أن يُقِيمَ الحَدَّ إلَّا الإِمامُ أو نائِبُه)

لأنَّه حَقٌّ للَّه تعالى، ويَفْتَقِرُ إلى الاجْتِهادِ، ولا يُؤْمَنُ مِن اسْتِيفائِه الحَيْفُ،1234

إلَّا السَّيِّدَ، فَإِنَّ لَهُ إِقَامَةَ الْحَدِّ بِالْجَلْدِ خَاصَّةً عَلَى رَقِيقِهِ الْقِنِّ.
وَهَلْ لَهُ الْقَتْلُ فِى الرِّدَّةِ، وَالْقَطْعُ فِى السَّرِقَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فوَجَب تَفْوِيضُه إلى نائبِ اللَّهِ تعالى في خَلْقِه، ولأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُقِيمُ الحَدَّ في حَياتِه، وخُلَفاؤُه بعدَه.
ولا يَلْزَمُ حُضُورُ الإِمامِ إقامَتَه؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرأَةِ هذَا، فَإن اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (1). وأمَرَ برَجْمِ ماعزٍ، ولم يَحْضُرْ.
وأُتِىَ بسارِقٍ، فقال: «اذْهبُوا بِهِ (2) فَاقْطَعُوهُ» (3). وجميعُ الحُدُودِ في هذا سَواءٌ، حَدُّ القَذْفِ وغيرُه؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ فيه مِن (4) الحَيْفِ (5) والزِّيادَةِ على الواجِبِ، ويَفْتَقِرُ إلى الاجْتِهادِ، فأشْبَهَ سائِرَ الحُدُودِ.

4372 -

مسألة: (إلَّا السَّيِّدَ، فإنَّ له إقامَةَ الحَدِّ بالجَلْدِ خاصَّةً على رَقِيقِه القِنِّ. وهل له القَتْلُ في الرِّدَّةِ، والقَطْعُ في السَّرِقَةِ؟ على رِوايَتَيْن)

وجملةُ ذلك، أنَّ للسَّيِّدِ إقامَةَ الحَدِّ بالجَلْدِ على رَقِيقِه القِنِّ، في12345

..................................  قولِ أكثرِ العُلَماءِ 1. رُوِى نحوُ ذلك عن علىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وأبى حُمَيْدٍ 2 وأبى أُسَيْدٍ 3 السَّاعِدِيَّيْن، وفاطمةَ بِنْتِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وعَلْقَمَةَ، والأسْوَدِ، والحسنِ، والزُّهْرِىِّ، وهُبَيْرَةَ بنِ يَرِيمَ 4، وأبى مَيْسَرَةَ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال ابنُ أبى لَيْلَى: أدْرَكْتُ بَقايا الأنْصارِ يَجْلِدُونَ وَلائِدَهم في مَجالِسِهم الحُدودَ إذا زَنَوْا 5. وعن الحسنِ بنِ محمدٍ، أنَّ فاطمةَ حَدَّتْ جارِيَةً لها زَنَتْ 6. وعن إبراهيمَ، أنَّ عَلْقَمَةَ والأسْوَدَ كانا يُقِيمانِ الحُدُودَ على مَنْ زَنَى مِن خَدَمِ عشائِرِهم 7. روَى ذلك سعيدٌ، في «سُنَنِهِ».
وقال أصحابُ الرَّأْى: ليس له ذلك؛ لأَنَّ الحُدُودَ إلى

..................................  السُّلْطانِ، ولأَنَّ مَن لا يَمْلِكُ إقامَةَ [الحَدِّ على] 1 الحُرِّ لا يَمْلِكُهُ على العَبْدِ، كالصَّبِىِّ، ولأَنَّ الحَدَّ لا يَجِبُ إلَّا ببيِّنَةٍ أو إقْرارٍ، وتُعْتَبَرُ لذلك شُرُوطٌ؛ مِن عَدالَةِ الشُّهُودِ، ومَجِيئِهم مُجْتَمِعِينَ، أو في مَجْلِسٍ واحدٍ، وذِكْرِ حَقِيقَةِ الزِّنى، وغيرِ ذلك مِن الشُّرُوطِ التى تَحْتاجُ إلى فَقِيهٍ يَعْرِفُها، ويَعْرِفُ الخِلافَ فيها، [والصَّوابَ منها] 2، وكذلك الإقْرارُ، فيَنْبَغِى أن يُفَوَّضَ ذلك إلى الإمام أو نائِبِه، كحَدِّ الأحْرارِ، ولأنَّه حَدُّ هو حَقٌّ للَّهِ تعالى، فَيُفَوَّضُ إلى الإمام، كالقَتْلِ والقَطْعِ.
ولَنا، ما روَى سعيدٌ 3، ثَنا سُفيانُ، عنَ أيُّوبَ بنِ موسى، عن سعيدِ بنِ أبى 4 سعيدٍ، عن أبى هُرَيْرَةَ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أحَدِكُمْ،

..................................  فَتَبَيَّنَ زِناهَا، فَلْيَجْلِدْهَا، وَلَا يُثَرِّبْ 1 بِهَا، فإنْ عَادَتْ، فَلْيَجْلدْهَا، وَلَا يُثَرِّبْ بِهَا، فإنْ عَادَتْ، فَلْيَجْلِدْهَا، وَلَا يُثَرِّبْ بِها، فإنْ عَادَتِ الرَّابِعَةَ، فَلْيَجْلِدْهَا، وليَبِعْهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ 2». وقال: حدَّثَنا أبو الأحْوَصِ، ثَنا عبدُ الأعْلَى، عن أبى جَمِيلَةَ، [عن علىٍّ] 3، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «وأَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» 4. ورَواه الدَّارَقُطْنِىُّ 5. ولأَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ تَأْدِيبَ أمَتِه وتَزْوِيجَها، فَمَلَكَ إقامَةَ

..................................  الحَدِّ عليها، كالسُّلْطانِ.
وبهذا فارَقَ الصَّبِىَّ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّما يَمْلِكُ إقامَةَ 1 الحَدِّ بشُرُوطٍ أرْبَعَةٍ؛ أحَدُها، أن يكونَ جَلْدًا 2، كحَدِّ الزِّنَى، والشُّرْبِ، وحَدِّ القَذْفِ، فأمَّا القَتْلُ في الرِّدَّةِ، والقَطْعُ في السَّرِقَةِ، فلا يَمْلِكُهما 3 إلَّا الإِمامُ.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وفيهما 4 رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُهُما.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعىِّ؛ لعُموم قولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ».
ورُوِىَ أنَّ ابنَ عُمَرَ قَطَع عبدًا سَرَقَ 5. وكذلك عائشةُ 6. وعن حَفْصَةَ أنَّها قَتَلَتْ أمَةً لها سَحَرَتْها 7. ولأَنَّ ذلك حَدٌّ، أَشْبَه الجَلْدَ.
ولَنا، أنَّ الأَصْلَ تَفْوِيضُ

..................................  الحَدِّ إلى الإِمامِ؛ لأنَّه حَقٌّ للَّهِ تعالى، فَيُفَوَّضُ إلى نائِبِه، كما في حَقِّ الأحْرارِ، ولِما ذَكَرَه أصحابُ أبى حنيفةَ، وإنَّما فُوِّضَ إلى السَّيِّدِ الجَلْدُ خاصَّةً؛ لأنَّه تأْدِيبٌ 1، والسَّيِّدُ يَمْلِكُ تأديبَ عبدِه وضَرْبَه على الذَّنْبِ، وهذا مِن جِنْسِه، وإنَّما افْتَرَقا في أنَّ هذا مُقَدَّرٌ، والتأديبُ غيرُ مُقَدَّرٍ، وهذا لا أثَرَ له في مَنْعِ السَّيِّدِ منه، بخِلافِ القَطْعِ والقَتْلِ، فإنَّهما إتْلافٌ لجُمْلَتِه أو بعضِه الصَّحيحِ، ولا يَمْلِكُ السَّيِّدُ هذا مِن عبدِه، وِلا شيئًا مِن جِنْسِه، والخبرُ الوارِدُ في حَدِّ السَّيِّدِ عبدَه، إنَّما جاء في الزِّنَى خاصَّةً، وإنَّما قِسْنا عليه ما يُشْبِهُه مِن الجَلْدِ.
وقولُه: «أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ».
إنَّما جاء في سِياقِ الحَدِّ في الزِّنَى، فإنَّ أوَّلَ الحديثِ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: أُخْبِرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بأمَةٍ لهم 2 فَجَرَتْ، فأرْسَلَنِى إليها، فقال: «اجْلدْهَا الحَدَّ».
قال: فانطلَقْتُ فوَجَدْتُها لم تَجِفَّ مِن دَمِها، فرَجَعْتُ إليه، فقال: «أَفَرَغْتَ؟» فقلتُ: وَجَدْتُها لم تَجِفَّ مِن دَمِها.
قال: «إذا جَفَّتْ مِنْ دَمِهَا، فَاجْلدْهَا الحَدَّ، وَأَقيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ» 3. فالظَّاهِرُ أنَّه إنَّما أرادَ ذلك الحَدَّ وشِبْهَه.
وأمَّا فِعْلُ حَفْصَةَ، فقد أنْكَرَه عُثمانُ عليها، وشَقَّ عليه.

وَلَا يَمْلِكُ إِقَامَتَهُ عَلَى مُكَاتَبِهِ، وَلَا عَلَى مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، وَلَا أَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ.
وما رُوِى عن ابنِ عمرَ، فلا نَعْلَمُ ثُبُوتَه عنه.

4373 -

مسألة: (ولا)

يَمْلِكُ إقامَتَه (على مَن بعضُه حُرٌّ، ولا أمَتِه المُزَوَّجَةِ) وقال مالكٌ، والشافعىُّ: [يَمْلِكُ السَّيِّدُ] 1 إقامَةَ الحَدِّ على الأمَةِ المُزَوَّجَةِ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّه مُخْتَصٌّ بمِلْكِهَا، وإنَّما يَمْلِكُ الزَّوْجُ بعضَ نَفْعِها، فأشْبَهَتِ المُسْتَأْجَرَةَ.
ولَنا، ما رُوِى عن ابنِ عمرَ، أنَّه قال: إذا كانتِ الأمَةُ ذاتَ زَوجٍ، رُفِعَتْ إلى السُّلْطانِ، وإن لم يَكُنْ لها زَوْجٌ، جلَدَها سَيِّدُها نِصْفَ ما على المُحْصَنَ 2. ولا نَعْرِفُ له مُخالِفًا في عَصْرِه.
ولأَنَّ نَفْعَها مملوكٌ لغيرِه مُطْلَقًا، أشْبَهَتِ = ومن حديث عبد الرحمن السلمى موقوفا على علىٍّ بلفظ: «يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد...». أخرجه مسلم، في: باب تأخير الحد على النفساء، من كتاب الحدود.
صحيح مسلم 3/ 1330. والترمذى، في: باب ما جاء في إقامة الحد على الإماء، من أبواب الحدود.
عارضة الأحوذى 6/ 220. وانظر الكلام على الحديث في: الإرواء 7/ 359، 360.

..................................  المُشْتَرَكَةَ، ولأَنَّ المُشْتَرَكَ إنَّما مُنِعَ مِن إقامَةِ الحَدِّ عليه؛ لأنَّه يُقِيمُه في غيرِ مِلْكِه، لأَنَّ الجُزْءَ الحُرَّ أو المملوكَ لغيرِه، ليس بمَمْلوكٍ له، وهذا يُشْبِهُه؛ لأَنَّ مَحَلَّ الحَدِّ هو 1 مَحَلُّ اسْتِمْتاعِ الزَّوْجِ، وهو بَدَنُها، فلا يَمْلِكُه، والخبرُ مخْصوصٌ بالمُشْتَرَكِ، فنَقِيسُ عليه، والمُسْتأْجَرَةُ إجارَتُها مُؤَقَّتَةٌ تَنْقَضِى.
ويَحْتَمِلُ أن نقولَ: لا يَمْلِكُ إقامَةَ الحَدِّ عليها في حالِ إجارَتها؛ لأنَّه رُبَّما أفْضَى إلى تَفْوِيتِ حَقِّ المُسْتأْجِرِ، وكذلك الأمَةُ المَرْهُونَةُ، يُخَرَّجُ فيها وَجْهانِ.
فصل: ويُشْتَرَطُ أن يكونَ السَّيِّدُ بالِغًا عاقِلًا عالِمًا بالحُدُودِ وكَيْفِيَّةِ إقامَتِها؛ لأَنَّ الصَّبِىَّ والمَجْنُونَ ليسَا مِن أهلِ الولاياتِ، والجاهلَ بالحَدِّ لا يُمْكِنُه إقامَتُه على الوَجْهِ الشَّرْعِىِّ، فلا يُفوَّضُ إليه.

وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ فَاسِقًا أَوْ امرأَةً، فَلَهُ إِقَامَتُهُ فِى ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَهُ.

4374 - مسألة: (وإن كان السَّيِّدُ فاسِقًا أو امرأةً، فله إقامَتُه في ظاهِرِ كلامِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَه)

في الفاسقِ وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا يَمْلِكُه؛ لأَنَّ هذه وِلايَةٌ، فنَفاها الفِسْقُ، كوِلايةِ التَّزْويجِ.
والثانى، يَمْلِكُه؛ لأنَّها وِلايةٌ اسْتَفادَها بالمِلْكِ، فلم يُنَافِها الفِسْقُ، كبَيْعِ العبدِ.
وفى المرأةِ أيضًا وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا تَملِكُه؛ لأنَّها ليست مِن أهلِ الوِلاياتِ.
والثانى، تَمْلِكُهُ؛ لأَنَّ فاطِمَةَ جَلَدَتْ أمَةً لها، وعائِشَةَ قَطَعَتْ أمَةً لَها سَرَقَتْ، وحَفْصَةَ قَتَلَتْ أمَةً لَها سَحَرَتْها.
ولأنَّها مالِكَة تامَّةُ المِلْكِ مِن أهلِ التَّصَرُّفاتِ، أشْبهتِ الرجلَ.
وفيه وَجْهٌ ثالث، أنَّ الحَدَّ يُفَوَّضُ إلى وَلِيِّها؛ لأنَّه يُزَوِّجُ أمَتَها.

وَلَا يملِكُهُ الْمُكَاتَبُ.
وَيَحتَمِلُ أَنْ يملِكَهُ.
وَسَوَاءٌ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ.

4375 - مسألة: (ولا يَملِكُه المُكاتَبُ)

لأنَّه ليس مِن أَهْلِ الوِلايةِ.
وفيه وَجْهٌ أنَّه يَملِكُه؛ لأنَّه يُسْتَفادُ بالمِلْكِ، فأَشْبَهَ سائِرَ تَصَرُّفاتِه.
4376 -

مسألة: (وسَواء ثَبَت ببيِّنَةٍ أو إقْرارٍ)

إذا ثَبَتَ باعْتِرافٍ، فللسَّيِّدِ إقامَتُه، إن كان يَعتَرِف الاعتِرافَ الذى يَثْبُتُ به الحَدُّ وشُرُوطُه، وإن ثَبَت ببَيِّنَةٍ، اعتُبِرَ أن تَثْبُتَ عندَ الحاكمِ؛ لأَنَّ البَيِّنَةَ تَحْتاجُ إلى البَحْثِ

وَإِنْ ثَبَتَ بِعِلْمِهِ، فَلَهُ إِقَامَتُهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَملِكَهُ،  عن العَدالةِ، ومَعْرفَةِ (1) شُرُوطِ سَماعِها ولَفْظِها، ولا يقومُ بذلك إلَّا الحاكِمُ.
وقال القاضى يعقوبُ (2): إن كان السَّيِّدُ يُحْسِنُ سَماعَ البَيِّنَةِ، ويَعرِفُ شُرُوطَ العَدالَةِ، جازَ أن يَسْمَعَها، ويُقِيمَ الحَدَّ بها، كما يُقِيمُه بالإِقْرارِ.
وهذا ظاهِرُ نَصِّ الشافعىِّ؛ لأنَّها أحَدُ ما يَثْبُتُ به الحَدُّ، فأشْبَهتِ الإِقْرارَ.

4377 -

مسألة: (وإن ثَبَت بعِلْمِه، فله إقامَتُه. نَصَّ عليه.

12

كَالإِمَامِ.
وَلَا يُقِيمُ الإِمَامُ الْحَدَّ بِعِلْمِهِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يملِكَه، كالإِمامِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، في ذلك، فرُوِىَ عنه أن السَّيِّدَ لا يُقِيمُه بعِلْمِه.
وهذا قولُ مالكٍ؛ لأَنَّ الإِمامَ لا يُقِيمُه بعِلْمِه، فالسَّيِّدُ أوْلَى، ولأَنَّ وِلايةَ الإِمامِ للحَدِّ أقْوَى مِن وِلايَةِ السَّيِّدِ؛ لكَوْنِها مُتَّفَقًا عليها، وثابتةً بالإِجْماعِ، فإذا لم يَثْبُتِ الحَدُّ في حَقِّه بالعِلْمِ، فههُنا أوْلَى.
وعن أحمدَ رِوايَة أُخْرَى، أنَّه يُقِيمُه بعِلْمِه؛ لأنَّه قد ثَبَت عندَه، فمَلَكَ إقامَتَه، كما لو أقَرَّ به، ولأنَّه يملِكُ تأْدِيبَ عبدِه بعِلْمِه، وهذا يَجْرِى مَجْرَى التَّأْدِيبِ، ويفارِقُ الحاكِمَ؛ لأَنَّ الحاكِمَ مُتَّهَمٌ لا يَملِكُ مَحلَّ إقامَتِه، وهذا بخِلافِه.
وهذا ظاهِرُ المذْهبِ.

4378 -

مسألة: (ولا يُقِيمُ الإِمامُ الحَدَّ بعِلْمِه)

هذا ظاهِرُ المذهبِ.
رُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وبه قال مالكٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
وهو أحَدُ قولَىِ الشافعىِّ.
وقال في الآخَرِ:

وَلَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِى الْمَسَاجِدِ.
له إقامَتُه بعِلْمِه.
وهو قولُ أبى ثَوْرٍ.
وعن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، نحوُ ذلك؛ لأنَّه إذا جازَتْ له إقامَتُه بالبَيِّنَةِ والاعتِرافِ الذى لا يُفِيدُ [إلَّا الظنَّ] (1)، فبما (2) يُفِيدُ العلمَ أوْلَى.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (3). وقال سُبحانَه: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (4). وقال عُمرُ: أو كان الحَبَلُ أو الاعتِرافُ (5). ولأنَّه لا يجوزُ له أن يَتَكَلَّمَ به، ولو رَماه بما عَلِمَه منه لَكانَ قاذِفًا، يَلْزَمُه حَدُّ القَذْفِ، فلم تَجُزْ إقامَةُ الحَدِّ به (6)، كقولِ (7) غيرِه، ولأنَّه إذا حَرُمَ النُّطْقُ به، فالعملُ به أوْلَى.

4379 -

مسألة: (ولا تُقامُ الحُدُودُ في المساجِدِ)

لِما روَى حَكِيمُ ابنُ حِزام، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهى أن يُسْتَقادَ في المسجدِ، وأن تُنْشَدَ1234567

وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِى الْحَدِّ قَائِمًا،  فيه الأشْعارُ، وأن تُقامَ فيه الحُدُودُ (1). ولأنَّه لا يُؤْمَنُ أن يَحْدُثَ مِن المَحْدودِ شئٌ يَتَلَوَّثُ به المسجدُ.
فإن أُقِيمَ فيه، سَقَط الفرضُ؛ لحُصُولِ المقْصُودِ وهو الزَّجْرُ، ولأَنَّ المُرتَكِبَ للنَّهْى غيرُ المَحْدُودِ، فلم يَمْنَعْ ذلك سُقُوطَ الفَرضِ عنه، كما لو اقْتَصَّ في المسْجدِ.

4380 -

مسألة: (ويُضْرَبُ الرجلُ قائِمًا)

[وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ] 2. وقال مالكٍ: يُضْرَبُ جالِسًا.
قال أبو الخَطَّاب: وقد روَى حَنْبَلٌ أنّه يُضْرَبُ قاعِدًا؛ لأنَّ اللَّه تعالى لم يَأْمُرْ بالقِيام، ولأَنّه مَجْلُودٌ في حَدٍّ، أشْبَهَ المرأةَ.
ولَنا، قولُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لكلِّ مَوْضِعٍ مِن الجَسَدِ 3 حَظٌّ إلَّا الوَجْه والفَرْجَ.
وقال للجَلَّادِ: اضْرِبْ، وأوْجِعْ، واتَّقِ الرَّأْسَ والوَجْهَ 4. ولأنَّ قِيامَه وَسِيلةٌ إلى إعْطاءِ كلِّ عُضْوٍ1

بِسَوْطٍ لَا جَدِيدٍ وَلَا خَلَقٍ.
حَظَّه مِن الضَّرْبِ.
وقولُه: إنَّ اللَّه لم يَأْمُرْ بالقِيامِ.
قُلْنا: ولم يَأْمُرْ بالجُلُوسِ، ولم يَذْكُرِ الكيْفِيَّةَ، فعَلمناها مِن دَلِيلٍ آخَرَ، ولا يَصِحُّ قِياسُ الرجُلِ على المرأةِ في هذا؛ لأَنَّ المرأةَ يُقْصَدُ سَتْرُها، ويُخْشَى هَتْكُها.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُضْرَبُ بسَوطٍ.
وحُكِىَ عن بعضِهم أن حَدَّ الشُّربِ يُقامُ بالأيْدِى، والنِّعالِ، وأطْرافِ الثِّيابِ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أتِىَ برجلٍ قد 1 شَرِبَ، فقال: «اضْرِبُوهُ».
قال أبو هُرَيْرَةَ: فمِنّا الضَّارِبُ بيَدِه، والضَّارِبُ بنَعْلِه، والضَّارِبُ بثَوْبِه.
رَواه أبو داودَ 2. ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذا شَرِبَ الخَمْرَ فَاجْلِدوهُ» 3. والجَلدُ إنَّما يُفْهمُ مِن إطْلاقِه الضربُ بالسَّوْطِ، والخُلَفاءُ الرّاشِدون ضَرَبوا فيه بالسِّياطِ، وكذلك غيرُهم، فصار إجْماعًا، ولأنَّه جَلْدٌ في حَدٍّ، فكان

..................................  بالسَّوْطِ كغيرِه.
فأمَّا حديثُ أبى هُرَيْرَةَ، فكان في بَدْءِ الإِسلامِ، ثم جَلَد النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، واسْتَقَرَّتِ الأمُورُ، فقد صَحَّ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَلَد أرْبَعِين، وجَلَد أبو بكرٍ أربعِين، وجَلَد عمر ثمانين 1. وفى حديثِ عمرَ 2 قال: أئْتُونِى بسَوْطٍ.
فجاءَة أسْلَمُ مَوْلاه بسَوْطٍ دَقِيقٍ، فأخذَه عمرُ، فمَسَحَه بيَدِه، ثم قال لأسْلَمَ: ائْتِنِى بسَوْطٍ غيرِ هذا.
فأتاه به تامًّا، فأمرَ عُمرُ بقُدامَةَ 3 فجُلِدَ 4 إذا ثَبَت هذا، فإنَّ السَّوْطَ يكون وَسَطًا لا جديدًا فيَجْرَحَ، ولا خَلَقًا فلا يُؤْلِمَ؛ لِما رُوِىَ أنَّ رجلًا اعتَرَفَ عندَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأُتِىَ بسَوْطٍ مكْسورٍ، فقال: «فَوْقَ هذا».
فأتِىَ بسَوْطٍ جَدِيدٍ لم تُكْسَرْ ثَمَرتُه، فقال: «بَينَ هذَيْن».
رَواه مالكٌ 5، عن زيدِ بنِ

وَلَا يُمَدُّ، وَلَا يُرْبَطُ، وَلَا يُجَرَّدُ، بَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ الْقَمِيصُ والْقَمِيصَانِ.
أسْلَمَ مُرْسَلًا.
ورُوِىَ عن أبى هرَيْرَةَ مُسْنَدًا (1). وقد رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنه قال: ضَربٌ بينَ ضَرْبَيْن، وسَوْطٌ بينَ سَوْطَيْن (2). يَعْنى وسَطًا، لا شَدِيدًا فيَقْتُلَ، ولا ضَعِيفًا فلا يَرْدَعَ.

4381 -

مسألة: (ولا يُمَدُّ، ولا يُرْبَطُ، ولا يُجَرَّدُ)

قال ابنُ مسعودٍ: ليس في دِيينا مَدٌّ، ولا قَيْدٌ، ولا تَجْرِيدٌ 3. وجَلَد أصحابُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يُنْقَلْ عن أحدٍ منهم مَدٌّ ولِا قيدٌ ولا تَجْرِيدٌ (بل يكونُ عليه القَمِيصُ والقَميصانِ) وإن كان عليه فرْوٌ، أو جُبَّةٌ مَحْشُوَّةٌ، نُزِعَتْ، لأنَّه لو تُرِكَ عليه ذلك لم يُبالِ بالضَّرْبِ.
قال أحمدُ: لو تُرِكَتْ عليه ثِيابُ الشِّتاءِ ما بالَى بالضَّرْبِ.
وقال مالكٌ: يُجَرَّدُ، لأَنَّ الأمْرَ بجَلْدِه يَقْتَضِى 4 مُباشَرَةَ جِسْمِه 5. ولَنا، قولُ ابنِ مسعودٍ، ولم نَعْلَمْ عن12

وَلَا يُبَالَغُ فِى ضَرْبِهِ بِحَيْثُ يُشَقُّ الْجِلْدُ، وَيُفَرَّقُ الضَّرْبُ عَلَى أعضَائِهِ، إِلَّا الرّأْسَ وَالْوَجْهَ وَالْفَرْجَ وَمَوْضِعَ الْمَقْتَلِ.
أحدٍ مِن الصَّحابةِ خِلافَه، واللَّهُ تعالى لم يَأمُرْ بتَجْرِيدِه، وإنَّما أمَر بجَلْدِه، ومَن جُلِدَ مِن فَوْقِ الثَّوْبِ فقد جُلِدَ.

4382 -

مسألة: (ولا يُبالَغُ في ضَرْبِه بحيثُ يُشَقُّ الجِلْدُ)

لأَنَّ المقْصودَ أدَبُه لا هَلاكُه (ويُفَرَّقُ الضَّرْبُ على أعْضائِه) وجَسَدِه، فيَأْخُذُ كلُّ عُضْوٍ منه حِصَّتَه، ويُكْثِرُ منه في مَواضِعِ اللَّحمِ، كالألْيَتَيْن والفَخِذَيْنِ، ويَتَّقِى المَقاتِلَ، وهى 1 الرَّأْسُ والوَجْهُ والفَرْجُ مِن الرجلِ والمرأةِ جميعًا؛ لقولِ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لكلِّ مَوْضِعٍ مِن الجَسَدِ حَظٌّ،

وَالْمَرأةُ كَذَلِكَ، إِلَّا أنَّها تُضْرَبُ جَالِسَةً، وَتُشَدُّ عَلَيْها ثِيَابُهَا، وَتُمسَكُ يَدَاها لِئَلَّا تَنْكَشِفَ.
إلَّا الوَجْهَ والفَرْجَ، ولأَنَّ ما عَدا الأعْضاءَ الثلاثةَ ليس بمَقْتَلٍ، فأَشْبَهَ الظَّهْرَ، ولأَنَّ الرَّأْسَ مَقْتَلٌ، فأَشْبَهَ الوَجْهَ، ولأنه رُبَّما أدَّى ضَرْبُه (5) في رَأْسِه إلى ذَهابِ سَمعِه أو بَصَرِه أو عَقْلِه، أو قَتْلِه، والمقصودُ أدَبُه لا قَتْلُه.

4383 -

مسألة: (والمرأةُ كذلك)

أى 1 فيما ذَكَرنا مِن صِفَةِ الجَلْدِ (إلَّا أنَّها تُضْرَبُ جالِسَةً، وتُشَدُّ عليها ثِيابُها، وتُمسَكُ يَداها، لئَلَّا تَنْكَشِفَ) 2. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ، ومالكٌ.
وقال أبو

وَالْجَلْدُ في الزِّنَى أَشَدُّ الْجَلْدِ، ثُمَّ جَلْدُ الْقَذْفِ، ثُمَّ الشُّرْبِ، ثُمَّ التَّعْزِيرِ.
يوسفَ: تُحَدُّ المرأةُ قائمةً، [كما تُلاعنُ] (1). ولَنا، قولُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه: تُضْرَبُ المرأةُ جالسةً، والرجلُ قائمًا (2). ويُفارِقُ اللِّعانَ (3)، فإنَّه لا يُؤَدِّى إلى كَشْفِ العَوْرَةِ، ولأَنَّ المرأةَ عَوْرَةٌ، وجُلُوسُها أسْتَرُ لها.

4384 -

مسألة: (والجَلْدُ في الزِّنَى أشَدُّ الجَلْدِ، ثم جَلْدُ القَذْفِ، ثم الشُّرْبِ، ثم التَّعْزِيرِ)

كذلك قال أصحابُنا.
وقال مالكٌ: كلُّها واحدٌ؛ لأَنَّ اللَّه تعالى أمَر بجَلْدِ الزَّانِى والقاذِفِ أمْرًا واحدًا، ومقصودُ جَمِيعِها واحِدٌ، وهو الزَّجْرُ، فيجبُ تَساويها في الصِّفَةِ.
وعن أبى حنيفةَ: التَّعْزِيرُ أشَدُّها، ثم حَدُّ 4 الزَّانِى، ثم الشُّرْبِ، ثم (4) حَدُّ القَذْفِ.
ولَنا، أنَّ اللَّه تعالى خَصَّ الزِّنَى بمَزِيدِ تأكيدٍ، بقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ 5. فاقْتَضَى مَزيدَ تأكيدٍ، ولا يُمْكِنُ123

وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ الضَّرْبَ فِى حَدِّ الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، فَلَهُ ذَلِكَ.
ذلك في العَدَدِ، فجُعِلَ في الصِّفَةِ، ولأَنَّ ما دُونَه أخَفُّ منه في العَدَدِ، فلا يجوزُ أن يَزِيدَ عليه في إيلامِه (1) ووَجَعِه.
وهذا دَليلٌ على أنَّ ما خَفَّ في عَدَدِه كان أخَفَّ في صِفَتِه؛ لأنَّه يُفْضِى إلى التَّسْوِيةِ، أو زِيادةِ القَليلِ على ألَمِ الكثيرِ.

4385 -

مسألة: (وإن رأى الإِمامُ الجَلْدَ في حَدِّ الخَمْرِ بالجَرِيدِ والنِّعالِ، فله ذلك)

لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبى هُرَيْرَةَ، قال: أُتِى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- برجلٍ قد شَرِبَ، فقال: «اضْرِبُوهُ».
قال أبو هُرَيْرَةَ: فمِنّا1

قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يُؤَخَّرُ الْحَدُّ لِلْمَرَضِ، فَإِنْ كَانَ جَلْدًا، وَخُشِىَ عَلَيْهِ مِنَ السَّوْطِ، أُقِيمَ بِأَطْرَافِ الثِّيَابِ وَالْعُثْكُولِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُؤَخَّرَ في الْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ زَوَالُهُ.
الضّارِبُ بيَدِه، والضَّارِبُ بنَعْلِه (1)، والضّارِبُ بثَوْبِه.
رَواه أبو داودَ (2).

4386 -

مسألة: (قال أصحابُنا: ولا يُؤَخَّرُ الحَدُّ للمَرَضِ، فإن كان جَلْدًا، وخُشِىَ عليه مِن السَّوْطِ، أُقِيمَ بأطْرافِ الثِّيابِ والعُثْكُولِ 3. ويَحْتَمِلُ أن يُؤَخَّرَ للمَرَضِ المرْجُوِّ زَوالُه) أمّا إذا كان الحدُّ رَجْمًا، لم يُؤَخَّرْ؛ لأنَّه لا فائدةَ فيه إذا كان قَتْلُه مُتَحَتِّمًا، وإذا كان جَلْدًا،12

..................................  فالمريضُ على ضَرْبَيْن؛ أحدُهما، يُرْجَى بُرْؤُه، فقال أصحابُنا: يُقامُ عليه الحَدُّ، ولا يُؤَخَّرُ، فإن خُشِىَ عليه مِن السَّوْطِ، ضُرِبَ بسَوْطٍ يُؤْمَنُ معه التَّلَفُ، فإن خِيفَ مِن السَّوْطِ، أُقِيمَ بالعُثْكُولِ.
وهذا قولُ أبى بكرٍ.
وبه قال إسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ؛ لأَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أقامَ الحَدَّ على قُدامَةَ بنِ مَظْعُونٍ في مَرَضِه، ولم يُؤَخِّرْه 1، وانْتَشَرَ ذلك في الصَّحابةِ، ولم يُنْكِروه، فكان إجْماعًا.
ولأَنَّ الحَدَّ واجبٌ على الفَوْرِ فلا يُؤَخَّرُ ما أوْجَبَه اللَّهُ تعالى بغيرِ حُجَّةٍ.
قال القاضى: ظاهِرُ قول الخِرَقِىِّ تأخيرُه؛ لقولِه في 2 مَن يجبُ عليه الحَدُّ: وهو صَحِيحٌ عاقلٌ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ؛ لحديثِ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في التى هى حَدِيثَةُ عَهْدٍ بنِفاسٍ 3، ولأَنَّ في تأْخِيرِه إقامةَ الحَدِّ على الكَمالِ مِن غيرِ

..................................  إتْلافٍ، فكان أوْلَى.
وأمّا حديثُ عمرَ في جَلْدِ قُدامةَ، فإنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه كان مَرَضًا خَفِيفًا، لا يَمْنَعُ مِن إقامةِ الحَدِّ على الكَمالِ، ولهذا لم يُنْقَلْ عنه أنَّه خَفَّفَ عنه في السَّوْطِ، وإنَّما اخْتارَ له سَوْطًا وَسَطًا، كالذى يُضْرَبُ به الصَّحِيحُ، ثم إنَّ فِعْلَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُقَدَّمُ على فِعْلِ عمرَ، مع أنَّه اخْتِيارُ علىٍّ وفِعْلُه، وكذلك الحكمُ في تأْخِيرِه في الحَرِّ والبَرْدِ المُفْرِطِ.
الضَّرْبُ الثَّانِى، المريضُ الذى لا 1 يُرْجَى بُرْؤُه.
فهذا يُقامُ عليه الحَدُّ في الحالِ، ولا يؤَخَّرُ، بسَوْطٍ يُؤْمَنُ معه التَّلَفُ، كالقَضِيبِ الصَّغِيرِ، وشِمْراخٍ النَّخْلِ، فإن خِيفَ عليه مِن ذلك، جُمِعَ ضِغْثٌ فيه مائةُ شِمْراخٍ [فضُرِبَ به] 2 ضَرْبَةً واحدةً.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وأنْكَرَ مالكٌ هذا، وقال: قد قال اللَّه تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ 3. وهذا جَلْدَةٌ واحدةٌ.
ولَنا، ما روَى أبو أُمامةَ بنُ سَهْلِ بنِ حُنَيفٍ، عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّ رجلًا اشْتَكَى حتى ضَنِىَ، فدخَلَتْ عليه امرأةٌ، فهَشَّ لها، فوقَعَ بها 4، فسُئِلَ له (4) رسولُ

..................................  اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأمَرَ رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يأْخُذوا مائةَ شِمْراخٍ فيَضْرِبُوه ضَرْبةً واحدةً.
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ 1. وقال ابنُ المُنْذِرِ 2: في إسْنادِه مَقالٌ.
ولأنَّه لا يَخْلُو مِن أن يُقامَ عليه الحَدُّ على ما ذَكَرْنا, أو لا يُقامَ أصْلًا، أو يُضْرَبَ ضَرْبًا كامِلًا، لا يجوزُ تَرْكُه بالكُلِّيَّةِ؛ لأنَّه يُخالِفُ الكتابَ والسُّنَّةَ، ولا أن يُجْلَدَ جَلْدًا تامًّا؛ لأنَّه يُفْضِى إلى إتْلافِه، فتَعَيَّنَ ما ذَكَرْناه.
وقولُهم: هذا جَلْدَةٌ واحدةٌ.
قُلْنا: يجوزُ أن يُقامَ ذلك في حالِ العُذْرِ، كما قال اللَّهُ تعالى في حَقِّ أيوبَ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ 3. وهذا أوْلَى مِن تَرْكِ حَدِّه بالكُلِّيَّةِ، أو قَتْلِه بما لا يُوجِبُ القَتْلَ.
فصل: وإذا وَجب الحَدُّ على حامِلٍ، لم يُقَمْ عليها حتى تَضَعَ، سَواءٌ كان الحمْلُ مِن زِنًى أو غيرِه.
[لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا] 4. قال ابنُ المُنْذِرِ 5: أجْمَعَ أهْلُ العلمِ على أنَّ الحامِلَ لا تُرْجَمُ حتى تَضَعَ.
وروَى

..................................  بُرَيْدَةُ، أنَّ امرأةً مِن بَنِى غامِدٍ قالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، طَهِّرْنِى.
قال: «وَمَا ذَاكَ؟».
قالتْ: إنَّها حُبْلَى مِن زِنًى.
قال: «آنْتِ؟».
قالت: نعم.
فقال لها: «ارْجِعِى حَتَّى تَضَعِى مَا فِى بَطْنِكِ».
قال: فَكَفَلَها رَجُلٌ مِن الأنْصارِ حتى وَضَعَت، قال: فأتَى النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: قد وضَعَتِ الغامِدِيَّةُ.
فقال: «إِذًا لَا [نَرْجُمُهَا، وَنَدَعَ] 1 وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ».
فقامَ رجلٌ مِن الأنْصارِ، فقال: إلىَّ رَضاعُه يا نَبِىَّ اللَّهِ.
قال: فَرَجَمَها.
رَواه مسلمٌ، وأبو داودَ 2. ورُوِىَ أنَّ امرأةً زَنتْ في أيَّامِ عُمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فهَمَّ عمرُ برَجْمِها وهى حامِلٌ، فقال له 3 مُعاذٌ: إن كان لك سَبِيلٌ عليها، فليس لك سَبِيلٌ على حَمْلِها.
فقال: عَجَزَ 4 النِّساءُ أن يَلِدْنَ مِثْلَك.
ولم يَرْجُمْها.
وعن علىٍّ مِثْلُه 5. ولأَنَّ في إقامةِ الحَدِّ عليها في حالِ حَمْلِها إتْلافًا لمَعْصُومٍ، ولا سَبيلَ إليه.
وسَواءٌ كان

..................................  الحَدُّ رَجْمًا أو غيرَه؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ تَلَفُ الوَلَدِ مِن سِرايَةِ الضَّرْبِ، ورُبَّما سَرَى إلى نَفْسِ المَضْرُوبِ، فيَفُوتُ الولدُ بفَواتِه.
فإذا وَضَعَتِ الوَلَدَ، فإن كان الحَدُّ رَجْمًا، لم تُرْجَمْ حتى تَسْقِيَه اللِّبَأَ؛ لأَنَّ الولدَ لا يَكادُ يَعِيشُ إلَّا به، ثم إن كان له مَن يُرْضِعُه، أو تَكَفَّلَ أحَدٌ برَضَاعِه، رُجِمَتْ، وإلَّا تُرِكَتْ حتى تَفْطِمَه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ الغامِدِيَّةِ، ولِما روَى أبو داودَ 1 بإسْنادِه، عن بُرَيْدَةَ، أنَّ امرأةً أتَتِ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: إنِّى فَجَرْتُ، فواللَّهِ إنِّى لَحُبْلَى.
فقال لها: «ارْجِعِى حَتَّى تَلِدِى».
فَرَجَعَتْ، فلمَّا وَلَدَتْ، أتَتْ بالصَّبِىِّ، فقال: «ارْجِعِى فَأرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ».
فجاءَتْ به وقد فَطَمَتْه، وفى يَدِه شئٌ يَأْكُلُه، فأمَرَ بالصَّبِىِّ فدُفِعَ إلى رجلٍ مِن المسلمين، وأمَرَ بها فحُفِرَ لها، وأمَرَ بها فَرُجِمَت، وأمَرَ بها فصُلِّىَ عليها ودُفِنَتْ.
وإن لم يَظْهَر حَمْلُها، لم تُؤَخَّرْ، لاحْتِمالِ أن تكونَ حَمَلَتْ مِن الزِّنَى؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَجَم اليَهُودِيَّةَ 2 والجُهَنِيَّةَ، ولم يَسْألْ عن اسْتِبْرائِهِما.
وقال لأُنَيْسٍ: «اذْهَبْ إلى امْرَأةِ هذَا، فإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» 3. ولم يأْمُرْه بسُؤالِها عن اسْتِبْرائِها.
ورَجَم علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، شُراحَةَ 4، ولم يَسْتَبْرِئْها.
وإنِ ادَّعَتِ

..................................  الحَمْلَ قُبِلَ قَوْلُها، كما قُبِلَ قَوْلُ الغامِدِيَّةِ.
فإن كان الحَدُّ جَلْدًا، فإذا وَضَعَتِ الوَلَدَ، وانْقَطَعَ النِّفاسُ، وكانت قَوِيَّةً يُؤْمَنُ تَلَفُها، أُقِيمَ عليها الحَدُّ، وإن كانت في نِفاسِها، أو ضَعِيفَةً يُخافُ تَلَفُها، لم يُقَمْ عليها الحَدُّ حتى تَطْهُرَ وتَقْوَى.
وهذا قولُ الشافعىِّ، وأبى حنيفةَ.
وذَكَر القاضى أنَّه ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وقال أبو بكرٍ: يُقامُ عليها الحَدُّ في الحالِ، بسَوْطٍ يُؤْمَنُ معه التَّلَفُ، فإن خِيفَ عليها مِن السَّوْطِ، أُقِيمَ بالعُثْكُولِ، وأطْرَافِ الثِّيابِ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَر بضَرْبِ المريضِ الذى زَنَى، فقال: «خُذُوا لَهُ مِائَةَ شِمْراخٍ، فَاضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً» 1. ولَنا، ما روَى علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: إنَّ أمَةً لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- زَنَتْ، فأمَرَنِى أن أجْلِدَها، فإذا هى حَدِيثَةُ عَهْدٍ بنِفاسٍ، فخَشِيتُ إن أنا جَلَدْتُها أن أقْتُلَها، فذَكرْتُ ذلك لرسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: «أحْسَنْتَ».
رَواه مسلمٌ، وأبو داودَ 2، ولَفْظُه، قال: فَأتيْتُه، فقال: «يا عَلِىُّ، أفَرَغْتَ؟» فقُلْتُ: أتَيْتُها ودَمُها يَسِيلُ.
فقال: «دَعْهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ عَنْهَا الدَّمُ، ثُمَّ أقِمْ عَلَيْها الحَدَّ».
وفى حديثِ [أبى بَكْرَةَ] 3، أنَّ المرأةَ انْطَلَقَتْ، فوَلَدَتْ غُلامًا، فجاءَتْ به النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-, فقال لها: «انْطَلِقِى فَتَطَهَّرِى مِنَ الدَّمِ».
رَواه أبو داودَ 4. ولأنَّه لو تَوالَى عليه حَدَّان، فاسْتُوفِىَ

وَإِذَا مَاتَ الْمَحْدُودُ فِى الْجَلْدِ، فَالْحَقُّ قَتَلَهُ.
أحدُهما، لم يُسْتَوْفَ الثانى حتى يَبْرَأ مِن الأَوَّلِ.

4387 -

مسألة: (وإذا مات المَحْدُودُ فِى الجَلْدِ، فالحَقُّ قَتَلَه)

ولا يَجِبُ على أحَدٍ ضَمَانُه، [جَلْدًا كان أو غيرَه؛ لأنَّه حَدٌّ وَجَب للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فلم يُودَ مَن ماتَ به، كالقَطْعِ في السَّرِقَةِ] 1. وهذا قولُ مالكٍ، وأصحابِ الرَّأْى.
وبه قال الشافعىُّ إذا لم يَزِدْ في حَدِّ الخَمْرِ على الأربعين، وإن زاد على الأربعين فماتَ، فعليه الضَّمانُ؛ لأَنَّ ذلك تَعْزِيرٌ، إنَّما يفعلُه الإِمامُ برَأْيِه، وفى قَدْرِ الضَّمانِ قَوْلان؛ أحدُهما، نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه تَلِف مِن فِعْلَيْن؛ مَضْمُونٍ، وغيرِ مَضْمُونٍ، فكان عليه 2 نِصْفُ الضَّمانِ.
والثانى، تُقَسَّطُ الدِّيَةُ على عَدَدِ الضَّرَباتِ كُلِّها، فيَجِبُ مِن الدِّيَةِ بقَدْرِ زِيادَته على الأرْبَعِين.
رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: ما كنتُ لأُقِيمَ حَدًّا على أحَدٍ فيَمُوتَ فأجِدَ في نَفْسِى، إلَّا صاحبَ الخمرِ، لو مات وَدَيْتُه؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَسُنَّه لنا 3. ولَنا، أنَّه حَدٌّ وَجَب للَّهِ تعالى، = 463. مختصرا.
كما أخرجه بتمامه النسائى، في: باب الحفرة للمرأة إلى ثندوتها، من كتاب الرجم.
السنن الكبرى 4/ 287. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 43.

وَإِنْ زَادَ سَوْطًا أَوْ أَكْثَرَ، فَتَلِفَ بِهِ، ضَمِنَهُ.
وَهَلْ يَضْمَنُ جَمِيعَهُ أَوْ نِصْفَ الدِّيَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
فلم يَجِبْ ضَمانُ مَن ماتَ به، كسائِرِ الحدودِ، وما زادَ على الأرْبَعين فهو مِن الحَدِّ على ما نَذْكُرُه، وإن كان تَعْزِيرًا، فالتَّعْزِيرُ يجبُ، فهو بمَنْزِلَةِ الحدِّ.
وأمَّا حديثُ علىٍّ، فقد صَحَّ عنه أنَّه قال: جَلَد رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أرْبَعين، وأبو بكرٍ أرْبَعِين (1). وثَبَت الحَدُّ بالإِجْماعِ، فلم يَبْقَ فيه شُبْهَةٌ.
فصل: ولا نعلمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا في سائرِ الحُدودِ، أنَّه إذا أتَى بها على الوَجْهِ المَشْرُوعِ، مِن غيرِ زِيادةٍ، أنَّه لا يَضْمَنُ مَن تَلِف بها؛ لأنَّه فَعَلها بأمْرِ اللَّهِ وأمْرِ رسولِه، فلا يُؤَاخَذُ به، ولأنَّه نائِبٌ عن اللَّهِ تعالى، فكان التَّلَفُ مَنْسوبًا إلى اللَّهِ سُبحانَه.

4388 -

مسألة: (وإن زادَ)

على الحَدِّ (سَوْطًا أو أكثرَ، فتَلِفَ به ضَمِنَهُ.
وهل يَضْمَنُ جَمِيعَ الدِّيَةِ أو نِصْفَها؟ على وَجْهَيْن) إذا زاد1 = والحديث أخرجه البخارى، في: باب الضرب بالجريد والنعال، من كتاب الحدود.
صحيح البخارى 8/ 197. ومسلم، في: باب حد الخمر، من كتاب الحدود.
صحيح مسلم 3/ 1332. وأبو داود، في: باب إذا تتابع في شرب الخمر، من كتاب الحدود.
سنن أبى داود 2/ 474. وابن ماجه، في: باب حد السكران، من كتاب الحدود.
سنن ابن ماجه 2/ 858. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 130.

..................................  على الحَدِّ فتَلِفَ المحْدُودُ، وَجَب الضَّمانُ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه تَلِفَ بعُدْوانِه، فأشْبَهَ ما لو ضَرَبَه في غيرِ الحَدِّ.
قال أبو بكرٍ: وفى قَدْرِ الضَّمانِ وَجْهانِ؛ أحدُهما، كَمالُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه قَتْلٌ حَصَل مِن جِهَةِ اللَّهِ تعالى وعُدْوانِ الضَّاربِ، فكان الضَّمانُ على العادِى، كما لو ضَرَب مَرِيضًا سَوْطًا فماتَ به، ولأنَّه تَلِف بعُدْوانٍ وغيرِه، فأشْبَهَ ما لو ألْقَى على سَفِينةٍ مُوقَرَةٍ حَجرًا فغَرَّقَها.
والثانى، عليه نصف الضَّمانِ؛ لأنَّه تَلِف بفِعْل مَضْمُونٍ وغيرِ مَضْمونٍ، فوَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ حَسْبُ، كما لو جَرَح نَفْسَه وجَرَحَه غيرُه فماتَ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه.
وقال في الآخَرِ: يَجِبُ مِن الدِّيَةِ بقَدْرِ ما تَعَدَّى به، تُقَسَّطُ الدِّيَةُ على الأسْواطِ كلِّها، وسَواءٌ زاد خَطأً أو عَمْدًا؛ لأَنَّ الضَّمانَ يجبُ في الخَطأِ والعَمْدِ، ثم يُنْظَرُ؛ فإن كان الجَلَّادُ زادَه مِن عندِ نَفْسِه بغيرِ أمْرٍ، فالضَّمانُ على عاقِلَتِه؛ لأَنَّ العُدْوانَ منه، وكذلك إن قال له الإِمامُ: اضْربْ ما شِئْتَ.
وإن كان له مَن يَعُدُّ عليه، فزادَ في العَدَدِ، ولم يُخْبِرْه، فالضَّمانُ على مَن يَعُدُّ، سَواءٌ تَعَمَّدَ ذلك أو أخْطأَ في العَدَدِ؛ لأَنَّ الخَطَأ منه.
وإن أمَرَه الإِمامُ بالزِّيادَةِ على الحَدِّ فزادَ، فقال القاضى: الضَّمانُ على الإِمامِ.

..................................  وقِياسُ المذهبِ أنَّه إنِ اعْتَقَدَ وُجوبَ طاعةِ الإِمامِ، وجَهِل تَحْرِيمَ الزِّيادَةِ، فالضَّمانُ على الإِمامِ، وإن كان عالِمًا بذلك، فالضَّمانُ عليه، كما لو أمَرَه الإِمامُ بقَتْلِ رجلٍ ظُلْمًا فقتَلَه.
وكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا: يَضْمَنُ الإِمامُ.
فهل يَلْزَمُ عاقِلَتَه أو بيتَ المالِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحداهما، هو في بيتِ المالِ؛ لأن خَطأَه يَكْثُرُ، فلو وَجَب ضَمانُه على عاقِلتِه، أجْحَفَ بهم.
قال القاضى: هذا أصَحُّ.
والثانى، هو على عاقِلَتِه؛ لأنَّها وَجَبَتْ بخَطئِه، فكانت على عاقِلَتِه، كما لو رَمَى صَيْدًا فقَتَلَ آدَمِيًا.
ويَحْتَمِلُ أن تكونَ الرِّوايَتان فيما

وَإِذَا كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا، لَمْ يُحْفَرْ لَهُ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنَ.
إذا وَقَعَتِ الزِّيادَةُ منه خَطأً، أمَّا إذا تَعَمَّدَها، فهذا ظُلْمٌ قَصَدَه، فلا وَجْهَ لتَعَلُّقِ ضَمانِه ببيتِ المالِ بحالٍ، كما لو تَعَمَّدَ جَلْدَ مَن لا حَدَّ عليه.
وأمَّا الكَفَّارَةُ التى تَلْزَمُ الإِمامَ، فلا يَحْمِلُها عنه غيرُه؛ لأنَّها عِبادَةٌ، فلا تَتَعَلَّقُ بغيرِ مَن وُجِدَ منه سَبَبُها، ولأنَّها كَفَّارَةٌ لفِعْلِه، فلا تَحْصُلُ إلَّا بتَحَمُّلِه إيَّاها، ولهذا لا يَدْخُلُها التَّحَمُّلُ بحالٍ.

4389 -

مسألة: (وإذا كان الحَدُّ رَجْمًا، لم يُحْفَرْ له، رجلًا كان أو امرَأةً، في أحدِ الوَجْهَيْن)

سَوِاءٌ ثَبَت ببَيِّنَةٍ أو إِقْرارٍ، أمّا إذا كان الزّانِى رجلًا، لم يُوثَقْ بشئٍ، ولم يُحْفَرْ له، سَواءٌ ثَبَتَ الزِّنَى ببَيِّنةٍ أو إقْرارٍ.
لا نعلمُ فيه خلافًا؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَحْفِرْ لماعِزٍ.
قال أبو سعيدٍ: لمّا أمرَ رسولُ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم- برَجْمِ ماعِزٍ، خرَجْنا به 1 إلى البَقِيعَ،

وفِى الآخَرِ، إِنْ ثَبَتَ عَلَى الْمَرْأَةِ بِإِقْرَارِهَا، لَمْ يُحْفَرْ لَهَا، وَإِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ حُفِرَ لَهَا إِلَى الصَّدْرِ.
فواللَّهِ ما حَفَرْنا له، ولا أوْثَقْناه، ولكنَّه قام لنا.
رَواه أبو داودَ (1). ولأَنَّ الحَفْرَ له ودَفْنَ بعضِه عُقُوبَةٌ لم يَرِدْ بها الشَّرْعُ في حَقِّه، فوَجب أن لا يَثْبُتَ.

4390 -

مسألة: (وأما المرأةُ، فإن كان ثَبَت بإِقْرَارِها، لم يُحْفَرْ لها، وإن ثَبَت ببَيِّنَةٍ، حُفِرَ لها إلى الصَّدْرِ)

ظاهرُ كلامِ أحمدَ أنَّ المرأةَ لا يُحْفَر لها أيضًا.
وهو الذى ذَكَرَه القاضى في «الخِلافِ»، وذَكَر في «المُجَرَّدِ» أنَّه إن ثَبَت الحَدُّ بإقْرارِها، لم يُحْفَرْ لها، وإن ثَبَت بالبَيِّنةِ، حُفِر لها إلى الصَّدْرِ.
قال أبو الخَطَّاب: وهذا أصَحُّ عندِى.
وهو قولُ أصحابِ الشافعىِّ؛ لِما روَى [أبو بَكْرَةَ] 2 وبُرَيْدَةُ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَجَم1

..................................  امرأةً، فحَفَرَ لها إلى الثَّنْدُوَةِ.
رَواه أبو داودَ 1. ولا حاجةَ إلى تَمْكِينِها مِن الهرَبِ؛ لكَوْنِ الحَدِّ ثَبَت بالبَيِّنَةِ، فلا يَسْقُطُ بفعلٍ مِن جِهَتِها، بخِلافِ الثابتِ بالإِقْرارِ، فإنَّها تُتْرَكُ على حالٍ لو أرادتِ الهَرَبَ تَمَكَّنَتْ منه؛ لأَنَّ رُجُوعَها عن إقْرارِها مَقْبُولٌ.
ولَنا، أنَّ أكثرَ الأحاديثِ على تَرْكِ الحَفْرِ، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَحْفِرْ للجُهَنِيَّةِ، ولا لليَهُودِيَّيْنِ، والحديثُ الذى احْتَجُّوا به غيرُ مَعْمُولٍ به، ولا يقولون به، فإنَّ التى نُقِلَ عنه الحَفْرُ لها، ثَبَت حَدُّها بإقْرارِها؛ ولا خِلافَ بينَنا فيها، فلا يَسُوغُ لهم الاحْتِجاجُ به مع مُخالَفَتِهم إيّاه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ ثِيابَ المرأةِ تُشَدُّ عليها، لئَلَّا تَنْكَشِفَ.
وقد روَى أبو داودَ 2 بإِسْنادِه عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ،

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأ الشُّهُودُ بِالرَّجْمِ.
وَإِنْ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ، اسْتُحِبَّ أَنْ يَبْدَأَ الإِمَامُ.
قال: فأمَرَ بها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فشُدَّتْ عليها ثِيابُها.
ولأَنَّ ذلك أسْتَرُ لها.

4391 -

مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَبْدَأ الشهُودُ بالرَّجْمِ. وإن ثَبَت بالإِقْرارِ، اسْتُحِبَّ أن يَبْدَأ الإِمامُ)

السُّنَّةُ أن يدُورَ النَّاسُ حولَ المَرْجُومِ، فإن كان الزِّنَى ثَبَت ببَيِّنَةٍ، اسْتُحِبَّ أن يَبْدَأَ الشُّهُودُ بالرَّجْمِ، وإن كان ثَبَت بإِقْرارٍ، بَدَأ به الإِمامُ أو الحاكِمُ، إن كان ثَبَت عندَه، ثم يَرْجُمُ الناسُ بعدَه.
وقد روَى سعيدٌ 1، بإسنادِه، عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: الرَّجْمُ رَجْمانِ؛ فما كان منه بإقرارٍ، فأوَّلُ مَن يَرْجُمُ الإِمامُ، ثم النَّاس، وما كان 2 ببَيِّنَةٍ، فأوَّلُ مَن يَرْجُمُ البَيِّنَةُ، ثم النَّاسُ.
ولأنَّ فِعْلَ

جارٍ التحميل