الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 130-169

كِتَابُ الْبَيْعِ

صفحات 130-169

وَلَوْ صَالحَ عَنِ الْمُؤجَّلِ بِبَعْضِهِ حَالًّا، لَمْ يَصِحَّ.
البَيِّنَةِ) لأنَّه تَبَرُّعٌ، وليس لهم التَّبَرُّعُ.
فأمّا إذا لم يَكُنْ بالدَّينِ بَيِّنَةٌ (1)، أو كان على الإِنْكارِ، صَحَّ؛ لأنَّ اسْتِيفاءَهم البعضَ عندَ العَجْزِ عن اسْتِيفاءِ الكلِّ أوْلَى مِن تَرْكِه.

1867 -

مسألة: (وإن صالحَ عن المُؤَجّلِ ببَعْضِه حالًّا، لم يَصِحَّ)

كَرِه ذلك زيدُ بنُ ثابِتٍ، وابنُ عُمَرَ، وقال: نَهَى عُمَرُ أن تُبَاعَ العَينُ بالدَّينِ.
وكَرِه ذلك سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والقاسِمُ، وسالِمٌ، والحسنُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ عُيَينَةَ، وأبو حنيفةَ، وإسحاقُ.
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، وابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِيِّ، أنَّه لا بَأْسَ1

وَإنْ وَضَعَ بَعْضَ الْحَالِّ وَأَجَّلَ بَاقِيَهُ، صَحَّ الإِسْقَاطُ دُونَ التَّأْجِيلِ.
به.
وعن الحسنِ، وابن سِيرِينَ، أنَّهما كانا لا يَرَيانِ بَأْسًا بالعُرُوضِ أن يَأْخُذَها مِن حَقِّه قبلَ مَحِلِّه؛ لأنَّهما تَبايعا العُرُوضَ بما في الذِّمَّةِ، فصَحَّ، كما لو اشْتَراها بثَمَنِ مِثْلِها.
ولَعَلَّ ابنَ سِيرِينَ يَحْتَجُّ بأنَّ التَّعْجِيلَ جائِزٌ، والإِسْقَاطَ وَحْدَه جائِزٌ، فجاز الجَمْعُ بينَهما، كما لو فَعَلا ذلك مِن غيرِ مُواطَأةٍ عليه.
ولَنا، أنَّه يَبْذُلُ القَدْرَ الذي يَحُطُّه عِوَضًا عن تَعْجِيلِ ما في ذِمَّتِه، وبَيعُ الحُلُولِ والتَّأْجِيلِ لا يَجُوزُ، كما لا يجوزُ أن يُعْطِيَه عَشَرَةً حالَّةً بعِشْرين مُؤَجَّلَةٍ، ولأنَّه يَبِيعُه عَشَرَةً بعِشْرِين، فلم يَجُزْ، كما لو كانت مُعَيَّنةً.
وفارَقَ ما إذا كان مِن غيرِ مُواطَأةٍ ولا عَقْدٍ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما مُتَبَرِّعٌ ببَذْلِ حَقِّه مِن غيرِ عِوَضٍ، ولا يَلْزَمُ من جَوَازِ ذلك جَوازُه في العَقْدِ، أو مع الشَّرْطِ، كبَيعِ دِرْهَم بدِرْهَمَين.
ويُفارِقُ ما إذا اشْتَرَى العُرُوضَ بثَمَنِ مِثْلِها؛ لأنَّه لم يَأْخُذْ عن الحُلُولِ عِوَضًا.

1868 -

مسألة: (وإن وَضَع بعضَ الحالِّ وأجَّلَ باقِيَه، صَحَّ الإِسْقاطُ دُونَ التَّأْجِيلِ)

إذا صالحَه عن ألْفٍ حالٍّ بنِصْفِها مُؤَجَّلًا، اخْتِيارًا

..................................  منه وتَبَرُّعًا، صَحَّ الإِسْقاطُ، ولم يَلْزَمِ التَّأْجِيلُ؛ لأنَّ الحالَّ لا يَتَأَجَّلُ بالتَّأْجِيلِ، على ما ذَكَرْنا، والإسْقاطُ صَحِيحٌ.
وإن فَعَلَه لمَنْعِه مِن حَقِّه بدُونِه، أو شَرَط ذلك في الوَفاءِ، لم يَسْقُطْ، على ما ذَكَرْنا في أوَّلِ البابِ.
وذَكَر أبو الخَطّابِ في هذا رِوايَتَين، أصَحُّهما لا يَصِحُّ.
وما ذَكَرْنا من التّفْصِيلِ أوْلَى، إن شاء اللهُ تعالى.

وَإِنْ صَالحَ عَنِ الْحَقِّ بِأَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ، مِثْلَ أَنْ يُصَالِحَ عَنْ دِيَةِ الْخَطَأ، أَوْ عَنْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا، لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ صَالحَهُ بِعَرْضٍ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْهَا، صَحَّ فِيهِمَا.

1869 - مسألة: (وإن صالحَ عن الحَقِّ بأكْثَرَ منه مِن جِنْسِه، مثلَ أن يُصالِحَ عن دِيَةِ الخَطأ، أو قِيمَةِ مُتْلَفٍ بأكْثَرَ منها مِن جِنْسِها، لم يَصِحَّ)

وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ؛ لأنَّه يَأْخُذُ عِوَضًا عن المُتْلَفِ، فجاز أن يَأْخُذَ أكْثَرَ مِن قِيمَتِه، كما لو باعَه بذلك.
ولنا، أنَّ الدِّيَةَ والقِيمَةَ تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ مُقَدَّرَةً، فلم يَجُزْ أن يُصالِحَ عنها بأكْثَرَ منها مِن جنْسِها، كالثّابِتَةِ عن قرْضٍ أو ثمَنِ مَبِيعٍ، ولأنَّه إذا أخذَ أكْثَرَ منها، فقد أَخَذَ حَقَّه وزِيادَةً لا مُقابِلَ لها، فيكونُ أكْلَ مالٍ بالباطِلِ.
1870 -

مسألة: (وإن صالحَه بعَرْضٍ قِيمَتُه أكْثَرُ منها)

جاز؛

وَإِنْ صَالحَةُ عَنْ بَيتٍ عَلَى أَن يَسْكنَة سَنَةً، أَوْ يَبْنِيَ لَة فَوْقَهُ غرْفَةً، لَمْ يَصِحَّ.
لأنَّه بَيعٌ.
فصل: ولو صالحَ عن المائةِ الثّابِتةِ بالإِتْلافِ (1) بمائةٍ مُؤجَّلَةٍ، لم تَصِرْ مُؤَجَّلَةً.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وعن أحمدَ، أنَّها تَصِيرُ مُؤَجَّلَةً.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه عاوَضَ عن المُتْلَف بمائةٍ مُؤَجَّلةٍ، فجاز، كما لو باعَه إيّاه.
ولَنا، أنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ عليه قِيمَةَ المُتْلَفِ، وهو مائةٌ حالَّةٌ، والحالُّ لا يَتَأجَّلُ بالتَّأْجِيلِ، وإن جَعَلْناه بَيعًا، فهو بَيعُ دَينٍ بدَينٍ، وهو غيرُ جائزٍ.

1871 -

مسألة: (وإن صالحَه عن بَيتٍ على أن يَسْكُنَه سَنَةً، أو يَبْنِيَ له فَوْقَه غُرْفةً، لم يَصِحَّ)

إذا ادّعَى على رجلٍ بَيتًا، فصالحَه على بعضِه، أو على أن يَبْنِيَ [فوقَه غُرْفَةً له، أو] 2 على أن يَسْكُنَه سَنَةً، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يُصالِحُه مِن 3 مِلْكِه على مِلْكِه أو مَنْفَعَتِه.
وإن أسْكَنَه كان1

وَإِنْ قَال: أَقِرَّ لِي بِدَينِي، وَأُعْطِيكَ مِنْهُ مِائَةً.
فَفَعَلَ، صَحَّ الإِقْرَارُ، وَلَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ.
تَبَرُّعًا منه، متى شاء أخْرَجَه منها.
وإن أعْطاه بعضَ دارِه بِناءً على هذا، فمتى شاء انْتَزَعَه منه؛ لأنَّه أعْطاه إيّاه عِوَضًا عمّا لا يَصْلُحُ عِوَضًا عنه.
وإن فَعَل ذلك على سَبيلِ المُصالحَةِ، مُعْتَقِدًا أنَّ ذلك وَجَب عليه بالصُّلْحِ، رَجَع عليه بأَجْرِ ما سَكَن وأجْرِ ما كان في يَدِه مِن الدّارِ؛ لأنُّه أخَذَه بعَقدٍ فاسدٍ، فأشْبَهَ المَبِيعَ المَأْخوذَ (1) بعَقْدٍ فاسِدٍ، وسُكْنَى الدّارِ بإجارَةٍ فاسِدَةٍ.
وإن بَنَى فوقَ البَيتِ غُرْفَةً، أُجْبِرَ على نَقْضِها.
وإذا آجَرَ السَّطْحَ مُدَّةَ مُقامِه في يَدَيه (2) فله (3) أخْذُ آلتِه.
وإنِ اتَّفَقا على أن يُصالِحَه صاحِبُ البَيتِ عن بِنائِه بعِوَضٍ، جاز.
وإن بَنَى الغُرْفَةَ بتُرَابٍ مِن أرْضِ صاحِبِ البَيتِ وآلاتِه، فليس له أخْذُ بِنَائِه؛ لأنَّه مِلْكُ صاحِبِ البَيتِ.
فإن أراد نَقْضَ البِناءِ، لم يَكُنْ له ذلك إذا أبْرَأه المالِكُ مِن ضَمانِ ما يَتْلَفُ به.
ويَحْتَمِلُ (4) أن يَمْلِكَ نَقضَه، كقَوْلِنا في الغاصِبِ.

1872 -

مسألة: (ولو قال: أقِرَّ لي بدَينِي، وأُعْطِيك منه مائةً. ففَعَلَ، صَحَّ الإقْرارُ، ولم يَصِحَّ الصُّلْحُ)

لأَنه يَجِبُ عليه الإِقْرارُ بما عليه مِن الحَقِّ، فلم يَحِلَّ له أخْذُ العوَضِ عمّا يَجِبُ عليه.
فعلى هذا، يَرُدُّ1234

وَإنْ صَالحَ إِنْسَانًا لِيُقِرَّ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، أَو امْرأَةً لِتُقِرَّ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ، لَمْ يَصِحَّ.
ما أخَذَ؛ لأنَّه تَبَيَّنَ كَذِبُه بإقْرارِه، وأنَّ الدَّينَ عليه، فلَزِمَه أداؤُه بغيرِ عِوَضٍ.

1873 -

مسألة: (وإن صالحَ إنْسانًا ليُقِرَّ له بالعُبُودِيَّةِ، أو امْرَأَةً لتُقِرَّ له بالزَّوْجِيَّةِ، لم يَصِحَّ)

لا يَصِحُّ 1 الصُّلْحُ على ما لا يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه، مثلَ أن يَدَّعِيَ على رجلٍ أنَّه عَبْدُه، فيُنْكِرَه، فيُصالِحَه على مالٍ ليُقِرَّ له بالعُبُودِيَّةِ، فلا يَجُوزُ ذلك؛ لأنَّه يُحِلُّ حَرامًا، فإنَّ إرْقاقَ الحُرِّ نَفْسَه لا يَحِلُّ بعِوَضٍ ولا بغيرِه.
وكذلك إن صالحَ امرأةً لتُقِرَّ له بالزَّوْجِيَّةِ؛ لأنَّه صُلْحٌ يُحِلُّ حَرامًا، ولأنَّها لو أرادَتْ بَذْلَ نَفْسِها بعِوَضٍ لم يَجُزْ.
فإن دَفَعَتْ إليه عِوَضًا عن هذه الدَّعْوَى ليَكُفَّ نَفْسَه عنها، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَجُوزُ؛ لأنَّ الصُّلْحَ في الإِنْكارِ إنَّما يكونُ في حَقِّ المُنْكِرِ لافْتِداءِ اليَمِينِ، وهذه لا يَمِينَ عليها، وفي حَقِّ المُدَّعِي يَأْخُذُ العِوَضَ في مُقابَلَةِ حَقِّه الذي يَدَّعِيه، وخُرُوجُ البُضْعِ مِن مِلْكِ الزَّوْجِ لا قِيمَةَ له، وإنَّما أُجِيزَ الخُلْعُ للحاجَةِ إلى افْتِداءِ نَفْسِها.
والثّانِي، يَصِحُّ.
ذَكَرَه أبو الخَطّابِ، وابنُ عَقِيلٍ لأنَّ المُدَّعِيَ يَأْخُذُ عِوَضًا عن

وَإِنْ دَفَعَ المُدَّعَى عَلَيهِ الْعُبُودِيَّةُ إِلَى الْمُدَّعِي مَالًا صُلْحًا عَنْ دَعْوَاهُ، صَحَّ.
حَقِّه مِن النِّكاحِ، فجاز، كعِوَضِ الخُلْعِ، والمرأةُ تَبْذُلُه لقَطْعِ خُصُومَتِه وإزالةِ شَرِّه، ورُبَّما تَوَجَّهَتِ اليَمِينُ عليها لكَونِ الحاكِمِ يَرَى ذلك، أو (1) لأنَّها مَشْرُوعَةٌ في حَقِّها في إحْدَى الرِّوايَتَينِ.
ومتى صالحَتْه على (2) ذلك، ثم ثَبَتَتِ الزَّوْجِيَّةُ بإقْرَارِها أو ببَيِّنَةٍ، فإن قُلْنا: الصُّلْحُ باطلٌ.
فالنِّكاحُ باقٍ بحَالِه؛ لأنَّه لم يُوجَدْ مِن الزَّوْجِ طَلاقٌ ولا خُلْعٌ.
وإن قُلْنا: هو صَحِيحٌ.
احْتَمَلَ ذلك أيضًا؛ لِما ذَكَرْنا.
واحْتَمَلَ أن تَبِينَ منه [بأخْذِ العِوَضِ] (3)؛ لأنَّه أخذَ العِوَضَ عمّا يَسْتَحِقُّه مِن نِكاحِها، فكان خُلْعًا، كما لو أقَرَّتْ له بالزَّوْجِيّةِ فَخالعَها.
ولو ادَّعَتْ أنَّ زَوْجَها طَلَّقَها ثلاثًا، فصالحَها على مالٍ لتَنْزِلَ عن دَعْواها، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يجُوزُ لها بَذْلُ نَفْسِها لمُطَلِّقِها بعِوَضٍ ولا بغيرِه.
وإن دَفَعَتْ إليه مالًا ليُقِرَّ بطَلاقِها، لم يَجُزْ، في أحَدِ الوَجْهَينِ، وفي الآخَرِ، يجوزُ، كما لو بَذَلَتْ له عِوَضًا ليُطَلِّقَها ثلاثًا.

1874 -

مسألة: (وإن دفَعَ المُدّعَى عليه العُبُودِيَّةُ إلى المُدَّعِي مالًا صُلْحًا عن دَعْواه، صَحَّ)

لأنَّه يجوزُ أن يُعْتِقَ عَبْدَه بمالٍ، ويُشْرَعُ للدّافِعِ123

..................................  لدَفْعِ اليَمِينِ الواجِبَةِ عليه، والخُصُومَةِ المُتَوَجِّهَةِ عليه 1.

النَّوْعُ الثَّانِي، أَنْ يُصَالِحَ عَنِ الْحَقِّ بِغَيرِ جِنْسِهِ، فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ، فَإِنْ كَانَ بأَثْمَانٍ عَنْ أَثْمَانٍ، فهُوَ صَرْفٌ، وَإِنْ كَانَ بِغَيرِ الْأَثْمَانِ، فَهُوَ بَيعٌ، وَإِنْ كَانَ بِمَنْفَعَةٍ، كَسُكْنَى دَارٍ، فَهُوَ إِجَارَةٌ تَبْطُلُ بِتَلَفِ الدَّارِ، كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ.
(النَّوْعُ الثّانِي، أن يُصالِحَه عن الحَقِّ بغيرِ جِنْسِه، فهو مُعاوَضَةٌ) وذلك مثلُ أن يَعْتَرِفَ له بعَينٍ في يَدِه، أو دَينٍ في ذِمَّتِه، ثم يُعَوِّضَه عن ذلك بما يجوزُ تَعْويضُه به، وهو ثلاثةُ أقْسامٍ؛ أحَدُها، أن يُقِرَّ له بنَقْدٍ، فيُصالِحَه على نَقْدٍ آخَرَ، مثلَ أن يُقِرَّ له بمائَةِ دِرْهَمٍ، فيُصالِحَه عنها بعَشَرَةِ دَنانِيرَ، أو بالعَكْسِ، فهذا صَرْفٌ، يُشْتَرَطُ له شُرُوطُ الصَّرْفِ، مِن التَّقابُضِ في المَجْلِسِ ونحوه.
القِسْمُ الثّانِي، أن يَعْتَرِفَ له بِعُرُوضٍ، فيُصالِحَه على أثمانٍ، أو بالعَكْسِ، فهذا بَيعٌ تَثْبُتُ فيه أحْكامُ البَيعِ.
الثّالِثُ، أن يُصالِحَه على سُكْنَى دارٍ، أو خِدْمَةِ عَبْدِه، أو على أن يَعْمَلَ له عَمَلًا مَعْلُومًا، فتكونُ إجارَةً، لها حُكْمُ سائِرِ الإجاراتِ، فإن تَلِفَتِ

وَإنْ صَالحَتِ الْمَرْأةُ بِتَزويجِ نَفْسِهَا، صَحَّ.
فَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ عَيبٍ في مَبِيعِهَا، فَبَانَ أنهُ لَيسَ بِعَيبٍ، رَجَعَتْ بِأرْشِهِ لَا بِمَهْرِهَا.
الدّارُ أو العَبْدُ قبلَ اسْتِيفاءِ شيءٍ مِن المَنْفعَةِ، انْفَسَخَتِ الإجارَةُ، ورَجَع بما صالحَ عليه (1). وإن تَلِفَتْ بعدَ اسْتِيفاءِ بعضِ المَنْفَعةِ، انْفَسَخَتْ فيما بَقِيَ مِن المُدَّةِ، ورَجع بقِسْطِ ما بَقِيَ.
ولو صالحَه على أن يُزَوِّجَه أمَتَه، وكان ممَّن يَجُوزُ له نِكاحُ الإماءِ، صَحَّ، وكان المُصالحُ عنه صَداقَها.
فإنِ انْفَسَخَ النِّكاحُ قبلَ الدخُولِ بأمْر يُسْقِطُ الصَّداقَ، رَجَع الزوْجُ بما صالحَ عنه.
وإن طَلَّقَها قبلَ الدُّخُولِ، رَجَع بنِصْفِه.

1875 -

مسألة: (وإن صالحَتِ المرأةُ بتَزْويجِ نَفْسِها، صَحَّ. فإن كان الصُّلْحُ عن عَيبٍ في مَبِيعِها، فتبَيَّنَ أنَّه ليس بِعَيبٍ، رَجَعَتْ بأرْشِه

1

..................................  لا بمَهْرِ مِثْلِها) إذا اعْتَرَفَتِ امرأة لرجل بِدَين أو عَينٍ، فصالحَتْه على أن تُزَوِّجَه نَفْسَها، صَحَّ، ويكونُ صَداقًا لها.
فإن كان المُعْتَرَفُ به عَيبًا في مَبِيعِها، فبان أنَّه ليس بعَيبٍ، كبَياضٍ في عَينِ العَبْدِ ظَنَّته عَمًى، رَجَعَتْ بأرْشِه؛ لأن ذلك صَداقُها، فرَجَعَت به لا بمَهْرِ

..................................  مِثْلِها.
فإن لم يَزلِ العَيب، ولكنِ انْفَسَخَ نِكاحها بما يسْقِط صَداقَها، رَجَع عليها بأرْشِه.

وإنْ صَالحَ عَمَّا في الذِّمَّةِ بِشيْءٍ في الذِّمَّةِ، لَمْ يَجُزِ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لأنَّهُ بَيعُ دَينٍ بِدَينٍ.

1876 - مسألة: (وإن صالحَ عمّا في الذمَّةِ بشيءٍ في الذِّمَّةِ، لم يَجُزِ التفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ؛ لأنه بَيعُ دَينٍ بدَينٍ)

وقد نَهَى الشّارِعُ عنه.
فصل: وإن صالحَه بخِدْمَةِ عَبْدِه سَنَة، صَحَّ، وكانت إجارَة، على ما ذَكَرْنا.
فإن باع العَبْدَ في السَّنَةِ، صَح البَيعُ، ويكونُ المُشْتَرِي مَسْلُوبَ المَنْفَعةِ بَقِيَّةَ السَّنَةِ، وللمُصالِحِ اسْتِيفاءُ مَنْفعَتِه إلى انْقِضاءِ السَّنَةِ، كما لو زَوَّجَ أمَتَه ثم باعها.
وإن لم 1 يَعْلَمِ المُشْتَرِي بذلك، فله الفَسْخُ؛ لأنه عَيبٌ.
وإن أعْتَقَ العَبْدَ في أثْناءِ المُدَّةِ، صَحَّ عِتْقُه؛ لأنّه مَمْلُوكٌ يَصِح بَيعُه، فصَحَّ عِتْقُه كغيرِه، وللمُصالِحِ أن يَسْتَوْفِيَ نَفْعَه في المُدَّةِ؛ لأنه أعْتَقَه بعدَ أن مَلَّكَ مَنْفَعَتَه لغيرِه، فأشْبَهَ ما لو أعْتَقَ الأمَةَ المُزَوَّجَةَ لحُرٍّ.
ولا يَرْجِعُ العَبْدُ على سَيِّدِه بشيءٍ؛ لأنه ما أزال مِلْكَه بالعِتْقِ إلَّا عن الرَّقَبةِ، والمَنافِعُ حِينَئذ مَمْلُوكَة لغيرِه، فلم تَتْلَفْ مَنافِعُه بالعِتْق، فلا يَرْجِعُ بشيءٍ، ولأنه أعْتَقه مَسْلوبَ المَنْفعَةِ فلم يَرْجِعْ بشيءٍ، كما لو أعْتَقَ زَمِنا، أو مَقْطُوعَ اليَدَينِ، أو أمَة مُزَوجَة.
وذَكَر القاضي، وابنُ عَقِيل, وَجْهًا أنَّه يَرْجِعُ على سَيِّدِه بأجْرِ مِثْلِه.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأن العِتْقَ اقْتَضَى إزالةَ مِلْكِه عن الرقَبةِ والمَنْفَعَةِ جَميعًا، فلَمّا لم تَحْصُلِ المَنْفَعَةُ للعَبْدِ ها هُنا، فكأنَّه حال بينَه وبينَ مَنْفَعَتِه.
ولَنا، أن إعْتاقَه لم يُصادِفْ للمُعْتِقِ

..................................  سِوَى مِلْكِ الرَّقَبَةِ، فلم يُؤثِّرْ إلَّا فيه، كما لو وَصَّى لرجلٍ برَقبَةِ عَبْدٍ ولآخَرَ بمَنْفَعَتِه، فأعْتَقَ صاحِبُ الرَّقَبَةِ، وكما لو أعْتَقَ أمَةً مُزَوَّجَة.
قَوْلُهم: إنَّه اقْتَضَى زَوال المِلْكِ عن المَنْفَعَةِ.
قُلْنا: إنَّما يَقْتَضِي ذلك إذا كانت مَمْلُوكَةً له، أمّا إذا كانت مَمْلُوكَةً لغيرِه فلا يَقْتَضِي إعْتاقُه إزالةَ ما ليس بمَوْجُودٍ.
وإن تَبَيَّنَ أنَّ العَبْدَ مُسْتَحَق، تَبَيَّنَ بُطْلانُ الصُّلْحِ لفَسادِ العِوَضِ، ورَجَع المُدَّعِي فيما أقَرَّ له به.
وإن وَجَد العَبْدَ مَعِيبًا عَيبًا 1 تَنْقُص به المَنْفَعَةُ، فله رَدُّه وفَسْخُ الصُّلْحِ.
وإن صالحَ على العَبْدِ عَينه، صَحَّ.
والحُكْمُ فيما إذا خَرَج مُسْتَحَقًّا أو مَعِيبًا؛ ذَكَرْنا.
فصل: إذا ادَّعَى زَرْعًا في يَدِ رجل، فأقَرَّ له به، ثم صالحَه على دَراهِمَ، جاز على الوَجْهِ الذي يُجَوِّزُ بَيعَ الزَّرْعَ.
وقد ذَكَرْناه في البَيعَ.
فإن كان الزَّرْعُ في يَدِ رَجُلَين، فأقَرَّ له أحَدُهما بنِصْفِه، ثم صالحَه عليه قبلَ اشْتِدَادِ حَبه، لم يَجُزْ؛ لأنَّه إن كان الصُّلْحُ مُطْلَقًا أو بشَرْطِ التبقِيَةِ، لم يَجُزْ؛ لأنّه لا يَجُوزُ بَيعُه.
وإن شَرَط القَطْعَ، لم يَجُزْ أيضًا؛ لكَوْنِه لا يُمْكِنُه قَطْعُه إلَّا بقَطْعِ زَرْعِ الآخَرِ.
ولو كان الزَّرْعُ لواحِدٍ، فأقَرَّ للمُدَّعِي بنصْفِه، ثم صالحَه عنه بنِصْفِ الأرْضِ، ليَصِيرَ الزَّرْعُ كله للمُقِرِّ، والأرْضُ بينَهما نِصْفَين، فإن شَرَط القَطْعَ جاز؛ لأنَّ الزَّرْعَ كله للمُقِرِّ، فجاز شَرْطُ قَطْعِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ؛ لأنَّ في الزَّرْعِ ما ليس

وَيَصِحُّ الصُّلْحُ عَنِ الْمَجْهولِ بِمَعْلومٍ، إِذَا كَانَ مِمَّا لَا يمْكِن مَعْرِفته لِلْحَاجَةِ.
بمَبِيعٍ، وهو النِّصْف الذي لم يُقِرَّ به، وهو في النصْفِ الباقِي له، فلا يَصِحُّ شَرْطُ قَطْعِه، كما لو شَرَط قَطْعَ زَرْعٍ آخَرَ في أرْض أخْرَى.
وإن صالحَه عنه (1) بجَمِيعِ الأرْضِ بشَرْطِ القَطْعِ ليُسَلِّمَ الأرْضَ إليه فارغَة، صَحَّ؛ لأنَّ قَطْعَ جَمِيعِ الزرْعِ مُسْتَحَق نِصْفُه بحُكْمِ الصُّلْحِ، والباقِي لتَفْرِيغِ الأرْضِ، فأمْكَنَ القَطْعُ.
وإن كان إقْرارُه بجَمِيعِ الزَّرْعِ، فصالحَه مِن نِصْفِه على نِصْفِ الأرْضِ، لتكونَ الأرْضُ والزَّرْعُ بينَهما نِصْفَين، وشَرَطا القَطْعَ في الجَمِيعِ، احْتَمَلَ الجَوازَ؛ لأنهما قد شَرَطا قَطْعَ كلِّ الزَّرْعِ وتَسْلِيمَ الأرْضِ فارِغَةً.
واحْتَمَلَ المَنْعَ؛ لأنَّ باقِيَ الزَّرْعِ ليس بمَبِيع، فلا يَصِحُّ شَرْطُ قَطْعِه في العَقْدِ.

1877 -

مسألة: (ويَصِحُّ الصُّلْحُ عن المَجْهُولِ بِمَعْلُوم، إذا كان ممّا لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُه للحاجَةِ)

يَصِحُّ الصُّلْحُ عن المَجْهُولِ، سَواءٌ كان عَينًا أو دَينًا، إذا كان مِمّا لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِه.
قال أحمدُ، في الرجلِ يُصالِحُ1

..................................  عن الشيءِ: فإن عَلِم أنَّه أكْثَرُ منه، لم يَجُزْ إلَّا أن يوقِفَه 1 عليه، إلَّا أن يكونَ مَجْهُولًا لا يَدْرِي ما هو.
ونَقَل عنه عبدُ اللهِ، إذا اخْتَلَطَ قَفِيزُ حِنْطَةٍ بقَفِيزِ شَعِير، وطُحِنا، فإن عَرَف قِيمَةَ دَقِيقِ الحِنْطَةِ ودَقِيقِ الشَّعِيرِ، بِيعَ هذا، وأُعْطِيَ كلُّ واحِدٍ منهما قِيمَةَ مالِه، إلَّا أن يَصْطَلِحا على شيءٍ ويَتَحالَّا.
وقال ابنُ أبي موسى: الصُّلْحُ الجائِزُ هو صُلْحُ الزَّوْجَةِ مِن صَداقِها الذي لا بَيِّنةَ لها به، ولا عِلْمَ لها ولا للوَرَثةِ بمَبْلَغِه، وكذلك الرَّجُلان تكونُ بينَهما المُعامَلَةُ والحِسابُ الذي قد مَضَى عليه الزَّمَنُ الطَّويلُ، لا عِلْمَ لكلِّ واحِدٍ منهما بما عليه لصاحِبه، فيجوزُ الصُّلْحُ بَينَهما، وكذلك مَن عليه حَقُّ لا عِلْمَ له بقَدْرِه، جاز أَن يُصالِحَ عليه، وسواء كان صاحِبُ الحَقِّ يَعْلَمُ قَدْرَ حَقِّه ولا بَيِّنةَ له، أو 2 لا عِلْمَ له.
ويقولُ القابِضُ: إن كان لي عليك حَقُّ، فأنْتَ منه في حِلّ.
ويقولُ الدّافِعُ: إن كنتَ أخَذْتَ أكْثَرَ مِن حَقِّك، فأنْتَ منه في حِلّ.
وقال الشافعيُّ: لا يَصِحُّ الصُّلْح على مَجْهُولٍ؛ لأنَّه فَرْعُ البَيعِ، والبَيعُ لا يَصِحُّ على مَجْهُولٍ.

..................................  ولَنا، ما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، [أنَّه قال] 1 في رَجُلَين اخْتَصَما في مَوارِيثَ دَرَسَتْ: «اسْتَهِمَا، وتَوَخَّيَا 2، وَلْيَخْلِلْ أحَدُكُما صَاحِبَهُ».
رَواه أحمدُ بمعناه 3. وهذا صُلْح على المَجْهُول، ولأنَّه إسْقاطُ حَق، فصَحَّ في المَجْهُولِ، كالعَتاقِ، ولأنَّه إذا صَحَّ الصُّلْحُ مع العِلْمِ وإمكانِ أداءِ الحَقِّ بعَينه، فَلَأن يَصِحَّ مع الجَهْلِ أوْلَى، وذلك لأنه إذا كان مَعْلُومًا، فلهما طَرِيقٌ إلى التَّخَلُّصِ، وبَراءَةِ أحَدِهما مِن صاحِبِه بدُونِه، ومع الجَهْلِ لا يُمْكِنُ ذلك، فلو لم يَجُزِ الصُّلْحُ، أفْضَى إلى ضَياعِ المالِ، على تَقدِيرِ أن يكونَ بينهما مالٌ 4 لا يَعْرِفُ كل واحِدٍ منهما قَدْرَ حَقِّه منه.
ولا نُسَلِّمُ كَوْنَه فَرْعَ بَيع، وإنَّما هو إبْراءٌ.
وإن سَلَّمْنا كَوْنَه فَرْعَ بَيع، فإن البَيعَ يَصِحُّ في المَجْهُولِ عندَ الحاجَةِ، كبَيعِ أساساتِ الحِيطانِ، وطَيِّ الآبارِ، وما مَأكولُه في جَوْفِه، ولو أتْلَفَ رجلٌ صُبْرَةَ طَعام لا يَعْلَمُ قَدْرَها، فقال صاحِبُ الطَّعامِ لمُتْلِفِه: بِعْتُك الطَّعامَ الذي في ذِمَّتِك بهذا الدِّرْهَمِ 5.

..................................  أو: بهذا الثَّوْبِ.
صَحَّ.
إذا ثَبَت هذا، فمتى كان العِوَضُ في الصُّلْحِ ممّا لا يَحْتاجُ إلى تَسْلِيمِه، ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِه، كالمُخْتَصِمَينِ في مَوارِيثَ دارِسَةٍ، وحُقُوقٍ سالِفَةٍ، أو في أرْض أو عَين مِن المالِ لا يَعْلَمُ كلُّ واحدٍ منهما 1 قَدْرَ حَقه فيها 2، صَحَّ الصُّلْحُ مع الجَهالةِ مِن الجانِبَينِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الخَبَرِ والمَعْنَى.
وإن كان ممّا 3 يَحْتاجُ إلى تَسْلِيمِه، لم يَجُزْ مع الجَهالةِ، ولا بُدَّ مِن العِلْمِ به؛ لأنَّ تَسْلِيمَه واجِبٌ، والجَهَالةُ تَمْنَعُه وتُفْضِي إلى التَّنازُعِ، فلا يَحْصُلُ مَقْصُودُ الصُّلْحِ.
فصل: فأمّا ما يُمْكِنُهما مَعْرِفَتُه، كتَرِكَةٍ مَوْجُودَةٍ، أو يَعْلَمُه الذي هو عليه ويَجْهَلُه صاحِبُه، فلا يَصِحُّ الصُّلْحُ عليه مع الجَهْلِ.
قال أحمدُ: إن صُولِحَتِ امرأة مِن 4 ثُمُنِها, لم يَصِحَّ.
واحْتَجَّ بقَوْلِ شُرَيحٍ: أيُّما امرأةٍ صُولِحَتْ مِن ثُمُنِها, لم يَتَبَينْ لها ما ترَك زَوْجُها، فهي الرِّيبَةُ كلها.
قال: وإن وَرِث قَوْمٌ مالًا ودُورًا وغيرَ ذلك، فقالُوا لبعضِهم: نُخْرِجُك

فَصْل: الْقِسْمُ الثَّانِي، أن يَدَّعِيَ عَلَيهِ عَينًا أو دَينًا، فَيُنْكِرَهُ ثُمَّ  مِن المِيراثِ بألْفِ دِرْهمٍ.
أكْرَهُ ذلك.
ولا يَشْتَرِي منها شيئًا 1 وهي لا تَعْلَمُ، لَعَلَّها تَظُنُّ أنَّه قَلِيل وهو يَعْلَمُ أنَّه كثِيرٌ، ولا يَشتَرِي حتى تَعْرِفَه وتَعْلَمَ ما هو، إنَّما يُصالِحُ الرجلُ الرجلَ على الشيءِ لا يَعْرِفُه ولا يَدْرِي ما هو حِسابُ بينهما، فيُصالِحُه، أو يكونُ رجل يَعْلَمُ ما له عندَ رجلٍ، والآخرُ لا يَعْلَمُه فيُصالِحُه، فأمّا إذا عَلِم فلم يُصالِحْه، إنَّما يُرِيدُ أن يَهْضِمَ حَقَّه، ويَذْهَبَ به.
وذلك لأنَّ الصُّلْحَ إنَّما جاز مع الجَهالةِ للحاجَةِ إليه لإبراءِ الذِّمَمِ، وإزالةِ المُنازَعَاتِ 2، فمع إمْكانِ العِلْمِ لا حاجَةَ إلى الصُّلْحِ مع الجَهالةِ، فلم يَصِحَّ كالبَيعِ.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ الله عنه: (القِسْمُ الثّانِي، أن يَدّعِيَ عليه عَينًا أو دَينًا، فيُنْكِرَه ثم يُصالِحَه على مالٍ، فيَصِحَّ، ويكونَ

يُصَالِحَهُ عَلَى مَالٍ، فَيَصِحَّ، وَيَكُونَ بَيعًا في حَقِّ الْمُدَّعِي، حَتَّى إِنْ وَجَدَ بِمَا أخَذَهُ عَيبًا فَلَهُ رَدُّهُ وَفَسْخُ الصُّلْحِ.
بَيعًا في حَقِّ المُدَّعِي، حتى إن وَجَد بما أخَذَه عَيبًا فله رَدُّه وفَسْخُ الصُّلْحِ) الصُّلْحُ على الإِنْكارِ صَحِيحٌ.
وبه قال مالكٍ، وأبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه عاوَضَ عمّا لم يَثْبُتْ له، فلم تَصِحَّ المُعاوَضَةُ، كما لو باع مال غيرِه، ولأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ خَلا عن العِوَضِ في أحَدِ جانِبَيه، فبَطَلَ، كالصُّلْحِ على حَدِّ القَذْفِ.
ولنا، عُمُومُ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «الصُّلْحُ بَينَ الْمُسْلِمِينَ جَائِزٌ» 1. فيَدْخُلُ هذا في عُمُومِه.
فإن قالُوا: فقد قال: «إلَّا صُلْحًا أحَلَّ حَرَامًا».
وهذا داخِل فيه؛ لأنَّه لم يَكُنْ له أن يَأخُذَ مِن مالِ المُدَّعَى عليه، فحَلَّ بالصُّلْحِ.
قُلْنا: لا نُسَلِّمُ دُخولَه فيه، ولا يَصِحُّ حَمْلُ الحَدِيثِ على ما ذكَرُوهُ؛ لوَجْهَين؛ أحَدُهما: أن هذا يُوجَدُ 2 في الصُّلْحِ بمَعْنَى البَيعِ، فإنَّه يُحِلُّ لكلِّ واحِدٍ منهما ما كان مُحَرَّمًا عليه قبلَه، وكذلك الصُّلْحُ بمعْنَى الهِبَةِ، فإنَّه يُحِلُّ للمَوْهُوبِ له ما كان حَرامًا عليه.
الثانِي، أنَّه لو حَلَّ به المُحَرَّمُ، لكان الصُّلْحُ صَحِيحًا؛

..................................  فإنَّ الصُّلْحَ الفاسِدَ لا 1 يُحِلُّ الحَرامَ، وإنَّما مَعْناه 2 ما يُتَوَصَّلُ به إلى تَناوُلِ المُحَرَّمِ مع بَقائِه على تَحْرِيمِه، كما لو صالحَه على اسْتِرْقاقِ حُرٍّ، أو إحْلالِ بُضْعٍ مُحرَّم، أو صالحَه بخَمْر أو خِنْزِيرٍ، وليس ما نحن فيه كذلك.
وعلى أنَّهم لا يَقُولُونَ بهذا، فإنَّهم يُبِيحُون لمَن له حَقٌّ يَجْحَدُه غَرِيمُه، أنْ يَأخُذَ مِن مالِه بقَدْرِه، أو دُونه.
فإذا حَلَّ له ذلك مِن غيرِ اخْتِيارِه ولا عِلْمِه، فلأن يَحِلَّ بِرِضاه وبَذْلِه أوْلَى.
وكذلك إذا حَل مع اعْتِرافِ الغَرِيمِ، فلان يَحِلَّ مع جَحْدِه وعَجْزِه عن الوُصُولِ إلى حَقه إلا بذلِك أوْلَى، ولأنَّ المُدَّعِيَ ها هُنا يَأخُذُ عِوَضَ حَقِّه الثَّابِتِ له، والمُدَّعَى عليه 3 يَدْفَعُه لدَفْعِ الشَّرِّ عنه، ولِقَطْعِ الخُصُومةِ، ولَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بتَحْرِيمِ ذلك في مَوْضِع، ولأنَّه صُلْح يَصِحُّ مع الأجْنَبِيِّ، فصَحَّ مع الخَصْمِ، كالصُّلْحِ مع الإقرارِ.
يُحَقِّقُه أنَّه إذا صَحّ مع الأجْنَبِيِّ مع غِناه عنه، فلأن يَصِحَّ مع الخَصْمِ مع حاجَتِه إليه أوْلَى.
وقَوْلُهم: إنَّه مُعاوَضَة.
قُلْنا: في حَقِّهما أو في حَق أحَدِهما؟ الأوَّلُ مَمْنُوعٌ، والثّانِي مُسَلَّمٌ، وهذا لأنَّ المُدَّعِيَ يَأْخُذُ عِوَضَ حَقِّه مِن المُنْكِرِ لعِلْمِه بثُبُوتِ حَقه

..................................  عندَه، فهو مُعاوَضَة في حَقِّه، والمُنْكِرُ يَعْتَقِدُ أنَّه يَدْفَعُ المال لدَفْعِ الخُصُومةِ واليَمِينِ عنه، ويُخَلِّصُه مِن شَرّ المُدَّعِي، فهو أْبرَأ في حَقِّه، وغيرُ مُمْتَنِع ثُبُوتُ المُعاوَضَةِ في حَقِّ أحَدِ المُتعَاقِدَين دُونَ الآخَرِ، كما لو اشْتَرَى عَبْدًا شَهِد بحُرِّيَّته، فإنَّه يَصِح، ويكونُ مُعاوَضَةً في حَقِّ البائِعِ، واسْتِنْقاذًا له مِن الرِّقِّ في حَقِّ المُشْتَرِي، كذا ها هنا.
إذا ثَبَت هذا، فلا يَصِحُّ هذا الصُّلْحُ إلَّا أن يكونَ المُدَّعِي مُعْتَقِدًا أنَّ ما ادَّعاه حَق، والمُدَّعَى عليه يَعْتَقِدُ أنَّه لا حَقَّ عليه، فيَدْفَعُ إلى المُدَّعِي شيئًا، افْتِداءً ليَمِينه، وقَطْعًا للخُصُومَةِ، وصِيانَةً لنَفْسِه عن التَّبَذُّل وحُضُورِ

وَإنْ كَانَ شِقْصًا مَشْفُوعًا، ثَبَتَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ، وَيَكُونُ إبْرَاءً في حَقِّ الْآخَرِ، فَلَا يَرُدُّ مَا صَالحَ عَنْهُ بِعَيب، وَلَا يُؤْخَذُ بِشُفْعَةٍ.
مَجْلِسِ الحاكِمِ، فإنَّ ذَوي الأنْفسِ الشَّرِيفَةِ يَصْعُبُ عليهم ذلك، ويَرَوْن دَفْعَ ضَرَرِها عنهم مِن أعْظَمِ المَصالِحِ، والشَّرْعُ لا يَمْنَعُهم مِن وقايَةِ أنْفُسِهم وصِيانَتِها، ودَفْعِ الشَّر عنهم ببَذْلِ أمْوالِهم، والمُدَّعِي يَأْخُذُ ذلك عِوَضًا عن حَقِّه الذي يَعْتَقِدُ ثُبُوتَه، فلا يَمْنَعُه الشَّرْعُ مِن ذلك، سَواءٌ كان المَأخُوذُ مِن جِنْسِ حَقِّه [أو مِن غيرِ جِنْسِه] (1)، بقَدْرِ حَقِّه أو دُونَه.
فإن أخَذَ مِن جِنْسِ حَقِّه بقَدْرِه فقد اسْتَوْفَى حَقَّه، وإن أخَذَ دُونَه فقد اسْتَوْفَى وتَرَك بَعْضَه، وإن أخَذَ مِن غيرِ جِنْسِ حَقِّه فقد أخَذَ عِوَضَه.
ولا يجوزُ أن يَأْخُذَ مِن جِنْسِ حَقِّه أكْثَرَ منه؛ لأن الزّائِدَ لا مُقابِلَ له، فيكونُ ظالِمًا بأخْذِه.
وإن أخَذَ مِن غيرِ جِنْسِه جاز، ويكونُ بَيعًا في حَقِّ المُدَّعِي؛ لاعْتِقادِه أخْذَه عِوَضًا فيَلْزَمُه حُكْمُ إقْرارِه.
فإن وَجَد بما أخَذَه عَيبًا، فله رَدُّه وفَسْخُ الصُّلْحِ، كما لو اشْتَرَى شيئًا فوَجَدَه مَعِيبًا.

1878 -

مسألة: (وإن كان شِقْصًا مَشْفُوعًا، ثَبَتَتْ فيه الشُّفْعةُ، ويكونُ إبْراءً في حَقِّ الآخَرِ، فلا يَرُدُّ ما صالحَ 2 عنه بِعَيبٍ، ولا يُؤْخَذُ بشُفْعةٍ) إذا كان الذي أخَذَه المُدَّعِي شِاقصًا في دارٍ أو عَقارٍ، وَجَبَت فيه1

وَمَتَي كَانَ أحدُهُمَا عَالِمًا بِكَذِبِ نَفْسِهِ، فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ في حَقِّهِ، وَمَا أَخَذَهُ حَرَام عَلَيهِ.
الشُّفْعَةُ؛ لأنَّه يُقِرُّ أنَّ الذي أخَذَه عِوَضًا، فهو كما لو اشْتَراه، ويكونُ إبْراءً في حَقِّ المُنْكِرِ؛ لأنَّه دَفَع المال افْتِداءً ليَمِينه ودَفْعًا للضَّرَرِ عنه، لا (1) عِوَضًا عن حَقٍّ يَعْتَقِدُه، فيَلْزَمُه أيضًا حُكْمُ إقْرارِه.
فإن وَجَد بِالمُصالح عنه عَيبًا، لم يَرْجِعْ به على المُدَّعِي؛ لاعْتِقادِه أنَّه ما أخَذَه عِوَضًا.
وإن كان شِقْصًا لم تَثْبُتْ فيه الشُّفْعةُ؛ لأنَّه يَعْتَقِدُه على مِلْكِه، لم يَزُلْ، وما مَلَكَه بالصُّلْح.
ولو دَفَع المُدَّعَى عليه إلى المُدَّعِي ما ادَّعاه أو بعضَه، لم يَثْبُتْ فيه حُكْمُ البَيعِ، ولا تَثْبُت فيه الشُّفْعَةُ؛ لأنَّ المُدَّعِيَ يَعْتَقِدُ أنَّه اسْتَوْفَى بعضَ حَقِّه، وأخَذَ عَينَ مَالِه، مُسْتَرْجِعًا لها ممَّن هي عندَه، فلم يَكُنْ بَيعًا، كاسْتِرْجاعِ العَينِ المَغْصُوبَةِ.

1879 -

مسألة: (فإن كان أحَدُهما عالِمًا بكَذِبِ نَفْسِه، فالصُّلْحُ باطِلٌ في حَقِّه، وما أخَذَهُ حَرَامٌ عليه)

مَتى عَلِم أحَدُهما كَذِبَ نَفْسِه، كمَن ادَّعَى شيئًا يَعْلَمُ أنَّه ليس له أو أنْكَرَ حَقًّا يَعْلَمُ أنَّه عليه، فالصُّلْحُ باطِل في الباطِنِ؛ لأنَّ المُدَّعِيَ إذا كان كاذِبًا، فما يأْخُذُه أنْ أكلٌ للمالِ بالباطِلِ، أخذَه بشَرِّه وظُلْمِه، لا عِوَضًا عن حَق، فيكونُ حَرامًا عليه، كمَن خوَّفَ رجلًا بالقَتْلِ حتى أخَذَ ماله.
وإن كان المُدَّعَى عليه يَعْلَمُ1

وَإنْ صَالحَ عَنِ الْمُنْكِرِ أجْنَبِيٌّ بِغَيرِ إِذْنِهِ، صَحَّ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيهِ في أصَحِّ الْوَجْهَينِ.
صِدْقَ المُدَّعِي وجَحَدَه ليَنْتَقِصَ حَقَّه أو يُرْضِيَه عنه بشيءٍ، فهو هَضْمٌ للحَقِّ، وأكْلُ مالٍ بالباطِلِ، فيكونُ ذلك حَرامًا، والصُّلْحُ باطِلٌ، ولا يَحِلّ له مالُ المُدَّعِي بذلك.
هذا حُكْمُ الباطِنِ، وأمّا الظّاهِرُ لَنا فهو الصِّحَّةُ؛ لأنَّا لا نَعْلَمُ باطِنَ الحالِ، إنَّما ينْبَنِي الأمْرُ على الظّاهِرِ، والظّاهِرُ مِن حالِ المسلمين الصِّحَّةُ.
ولو ادَّعَى على رجلٍ وَدِيعَةً، أو قَرْضًا، أو تَفرِيطًا في وَدِيعَةٍ أو مُضارَبَةٍ، فأنْكَرَ، واصْطَلَحَا، صَحَّ؛ لِما ذَكَرْناه.

1880 -

مسألة: (فإن صالحَ عن المُنْكِرِ أجْنَبِي بغيرِ إذْنِه، صَحَّ، ولم يَرْجِعْ عليه في أصَحِّ الوَجْهَين)

إذا صالحَ عن المُنْكِرِ أجْنَبِي، صَحَّ، سَواء اعْتَرَفَ للمُدَّعِي بصِحَّةِ دَعْواه أو لم يَعْتَرِفْ، وسواءٌ كان بإذْنِه أو

..................................  بغيرِ إذْنِه.
وقال أصْحابُ الشافعيِّ: إنَّما يَصِحُّ إذا اعْتَرَفَ للمُدَّعِي 1 بصدْقِه.
وهذا مَبْنِي على صُلْحِ المُنْكِرِ، وقد ذَكَرْناه.
ثم لا يَخْلُو الصُّلْحُ أن يكونَ عن دَين أو عَين؛ فإن كان عن دَين، صَحَّ، سَواءٌ كان بإذنِ المُنْكِرِ، أوَ بغيرِ إذْنِه؛ [لأنَّ قَضاءَ الدَّينِ عن غيرِه جائِزٌ بإذْنِه وبغيرِ إذْنِه] 2 فإنَّ عليًّا وأبا قَتادَةَ، قَضَيا عن المَيِّتِ، فأجازَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - 3. وإن كان الصُّلْحُ عن عَين بإذْنِ المُنْكِرِ، فهو كالصُّلْحِ منه؛ لأنَّ الوَكِيلَ يَقُومُ مَقامَ المُوَكِّلِ.
وإن كان بغيرِ إذْنِه، فهو افتِداءٌ للمُنْكِرِ مِن الخُصُومَةِ، وإبْراءٌ له مِن الدَّعْوَى، وذلك جائِزٌ.
وفي المَوْضِعَين، إذا صالحَ عنه بغيرِ إذْنِه، لم يَرْجِعْ عليه بشيءٍ؛ لأنَّه أدَّى عنه ما لا يَلْزَمُه أداؤه.
وخَرَّجَه القاضي وأبو الخَطَّابِ على الروَايَتَين، فيما إذا قَضَى دَينَه الثّابِتَ بغيرِ إذْنِه.
وهذا التَّخْرِيجُ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ هذا لم يَثْبُتْ وجُوبُه على المُنْكِرِ، ولا يَلْزَمُه أداؤه إلى المُدَّعِي، فكيف يَلزَمُه أداؤه إلى غيرِه؟ ولأنه أدّى عنه ما لا يَجِبُ عليه، فكان مُتَبَرِّعًا، كما لو تَصَدَّقَ عنه.
ومَن قال برُجُوعِه، فإنَّه يَجْعَلُه

وَإنْ صَالحَ الْأجْنَبِيُّ لِنَفْسِهِ؛ لِتَكُونَ الْمطَالبَة لَه، غَيرَ مُعْتَرِفٍ  كالمُدَّعِي في الدَّعْوَى على المُنْكِرِ، أمّا أنَّه يَجِبُ له الرُّجُوعُ بما أدّاه (1) حَتْمًا، فلا وَجْهَ له أصْلًا؛ لأنَّ أكْثَرَ ما يَجِبُ لمَن قَضَى دَينَ غيرِه أن يَقُومَ مَقامَ صاحِبِ الدَّينِ، وصاحِبُ الدَّينِ ها هُنا لم يَجبْ له حَق، ولا لَزِم الأداءُ إليه، ولم يَثْبُتْ له أكثرُ مِن جَوازِ الدَّعْوَى، فكَذلك هذا.
ويُشْتَرَطُ في جَوازِ الدَّعْوَى أن يَعْلَمَ صِدْقَ المُدَّعِي، فأمّا إن لم يَعْلَمْ، لم يَحِلَّ له دَعْوَى شيء لا تعْلَمُ ثُبُوتَه.

1881 -

مسألة: (وإن صالحَ الأجْنَبِي لنَفْسِه؛ لتكونَ المُطالبَةُ

1

بِصِحَّةِ الدَّعْوَى، أَوْ مُعْتَرِفًا بِهَا عَالِمًا بِعَجْزِهِ عَنِ اسْتِنْقَاذِهَا، لَمْ يَصِحَّ.
وإنْ ظَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَيهِ، صَحَّ.
ثُمَّ إِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ، فَهُوَ مُخيَّرٌ بَينَ فَسْخِ الصُّلْحِ وإمْضَائِهِ.
له، غيرَ مُعْتَرِفٍ بصِحَّةِ الدَّعْوَى، أو مُعْتَرِفًا بها عالِمًا بعَجْزِه عن اسْتِنْقاذِها, لم يَصِحَّ.
وإن ظَنَّ القُدْرَةَ عليه، صَحَّ.
فإن عَجَز عنه 1 فهو مُخَيَّرٌ بينَ فَسْخِ الصُّلْحِ وإمْضائِه) إذا صالحَ الأجْنَبِيُّ المُدَّعِيَ لنَفْسِه، لتَكُونَ المُطالبَةُ له، فلا يَخْلُو إمّا أن يَعْتَرِفَ للمُدَّعِي بصِحَّةِ دَعْواه أو لا، فإن لم يَعْتَرِفْ له، فالصُّلْحُ باطِلٌ؛ لأنَّه يَشْتَرِي منه ما لم يَثْبُت له، ولم يَتَوَجَّهْ إليه خُصُومَة يَفْتَدِي منها، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَى منه مِلْكَ غيرِه.
وإنِ اعْتَرَفَ له بصِحَّةِ دَعْواه، وكان المُدَّعَى دَينًا، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه اشْتَرَى ما لا يَقْدِرُ البائعُ على تَسْلِيمِه 2، ولأنَّه بَيعٌ للدَّيْنِ مِن غيرِ مَن هو في ذِمَّتِه.
وقال بعضُ أصحابِنا: يَصِحُّ.
وليس بجَيِّدٍ؛ لأنَّ بَيعَ الدَّينِ المُقَر به مِن غيرِ مَن هو في ذِمَّتِه لا يَصِحُّ، فبَيعُ دَينٍ في ذِمَّةِ مُنْكِر مَعْجُوزٍ عن قَبْضِه أوْلَى.
وإن كان المُدَّعَى عَينًا، فقال الأجْنَبِيُّ للمُدَّعِي: أنا أعْلَمُ أنَّك

..................................  صادِقٌ، فصَالِحْنِي عنها، فإنِّي قادِرٌ على اسْتِنْقاذِها مِن المُنْكِرِ.
فقال أصْحابُنا: يَصِحُّ الصُّلْحُ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه اشْتَرَى منه مِلْكَه الذي يَقْدِرُ على قَبْضِه، ثم إن قَدَر على أخْذِه، اسْتَقَرَّ الصُّلْحُ، وإن عَجَز، كان له الفَسْخُ؛ لأَنه لم يُسَلِّمْ له المَعْقُودَ عليه، فكان له الرجُوعُ إلى بَدَلِه.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إن تَبَيَّنَ أنَّه لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، تَبَيَّنَ أنَّ الصُّلْحَ كان فاسِدًا؛ لأنَّ الشَّرْطَ الذي هو القُدْرَةُ على قَبْضِه مَعْدُوم حال العَقْدِ، فكان فاسِدًا، كما لو اشْتَرَى عَبْدَه، فتَبَيَّنَ أنَّه آبِق، أو مَيِّت.
ولو اعْتَرَفَ له بصِحَّةِ دَعْواه، ولا يُمْكِنُه اسْتِنْقاذُه، لم يَصِحَّ الصُّلْحُ؛ لأنَّه اشْتَرَى ما لا يُمْكِنُه قَبْضُه، فأشْبَهَ شِراءَ العَبْدِ الآبِقِ.
فإنِ اشْتَراه وهو يَظُنُّ أنَّه عاجزٌ عن قَبْضِه، فتَبَيَّنَ أنَّ قَبْضَه مُمْكِن، صَحَّ البَيعُ؛ لأنَّ البَيعَ تَناوَلَ ما يُمْكِنُ قَبْضُه، فصَحَّ، كما لو عَلِما ذلك.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه ظَنَّ عَدَمَ الشَّرْطِ، فأشبَهَ ما لو باعِ عَبْدًا يَظُنُّ أنَّه حُرٌّ، أو أنَّه عَبْدُ غيرِه، فتَبَيَّنَ أنَّه عَبْدُه.
ويَحْتَمِلُ أن يُفرَّق بينَ مَن يَعْلَمُ أنَّ البَيعَ يَفْسُدُ بالعَجْزِ عن تَسْلِيم المَبِيعِ وبينَ من لا يَعَلْمُ ذلك؛ لأنَّ مَن يَعْلَمُ ذلك يَعْتَقِدُ فَسادَ البَيعِ والشراءِ، فكان بَيعُه فاسِدًا، لكَوْنِه مُتَلاعِبًا بقَوْلِه مُعْتَقِدًا فَسادَه، ومَن لا يَعْلَمُ يَعْتَقِدُه صَحِيحًا، وقد تَبَيَّنَ اجْتِماعُ شُرُوطِه، فصَحَّ، كما لو عَلِمَه مَقْدُورًا على تَسْلِيمِه.

..................................  فصل: فإن قال الأجْنَبِيُّ للمُدَّعِي: أنا وَكِيلُ المُدَّعَى عليه في مُصالحَتِك عن هذه العَينِ، وهو مُقِرٌّ لك بها، وإنَّما يَجْحَدُها في الظّاهِرِ.
فظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ أنَّ الصُّلْحَ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يَجْحَدُها في الظّاهِرِ ليَنْتَقِصَ المُدَّعِيَ بعضَ حَقِّه، أو يَشْتَريَه بأقَلَّ مِن ثَمَنِه، فهو هاضِمٌ للحَقِّ، مُتَوَصِّلٌ إلى أخْذِ المُصالحِ عنه بالظُّلْمِ والعُدْوانِ، فهو بمنْزِلَةِ ما لو 1 شَافَهَه بذلك، فقال: أنا أعْلَمُ صِحَّةَ دَعْواك، وأنَّ هذا لك، لكنْ لا أسَلِّمُه إليك، ولا أقِرُّ لك به عندَ الحاكِمِ حتى تُصالِحَنِي منه على بعضِه، أو عِوَض عنه.
وقال القاضي: يَصِحُّ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
قالوا: ثم يَنْظُرُ إلى المُدَّعَى عليه، فإن صَدَّقَه على ذلك، مَلَك العَينَ، ورَجَع الأجْنَبِيُّ عليه بما أدَّى عنه، إن كان أذِنَ في الدَّفْعِ، وإن أنْكَرَ الإِذْنَ في الدَّفْعِ، فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينه، ويكونُ حُكْمُه حُكْمَ مَن قَضَى دَينَه بغيرِ إذْنِه.
وإن أنْكَرَ الوَكالةَ، فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينه، وليس للأجنَبِيِّ الرُّجُوعُ عليه، ولا يُحْكَمُ له بمِلْكِها في الظّاهِرِ.
فأمّا حُكمُ مِلْكِها في الباطِنِ، فإن كان وَكَّلَ الأجْنَبِيَّ في الشِّراءِ، فقد مَلَكَها؛ لأنَّه اشْتَراها بإذْنِه، فلا يَقْدَحُ إنْكارُه في مِلْكِها؛ لأنَّ مِلْكَه ثَبَت قبلَ إنْكارِه، وإنَّما هو ظالِمٌ بالإنْكارِ للأجْنَبِيِّ.
وإن كان لم يُوَكِّلْه، لم يَمْلِكْها؛ لأنَّه اشْتَرَى له عَينًا بغيرِ إذْنِه.
ويَحْتَمِلُ أن يَقِفَ

فَصْلٌ: يَصِحُّ الصُّلْحُ عَنِ الْقِصَاصِ بِدِيَاتٍ وَبِكُلِّ مَا يَثْبُتُ مَهْرًا.
على إجازَتِه، كما قُلْنا في مَن اشْتَرَى لغيرِه شيئًا بغير إذْنِه بثَمَن في ذِمَّتِه، فإن أجازَه مَلَكَه وإلَّا لَزِم مَن اشْتَراه.
وإن قال الأجْنَبِيُّ لِلْمُدَّعِي: قد عَرَفَ المُدَّعَى عليه صِحَّةَ دَعْواك، وهو يَسْألك أن تُصالِحَه عنه، وقد وَكَّلَنِي في المُصالحةِ عنه.
صَحَّ، وكان الحُكمُ كما ذَكرُوه؛ لأنّه ها هُنا لم يَمْتَنِعْ مِن أدائِه، بل اعْتَرَفَ به، وصالحَ عليه، مع بَذْلِه له 1، فأشبَهَ ما لو لم يَجْحَدْه.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (يَصِحُّ الصُّلْحُ عن القِصاصِ بدِيَاتٍ وبكلِّ ما يَثْبُتُ مَهْرًا) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الصُّلْحَ يَجُوزُ عن كلِّ ما يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه، سواءٌ كان ممّا يجوزُ بَيعُه أو لا يجوزُ، فيَصِحُّ عن دَمِ العَمْدِ، وسُكْنَى الدّارِ، وعَيبِ المَبِيعِ.
ومتى صالحَ عمّا يُوجِبُ القِصاصَ بأكثر مِن دِيته أو أقَلَّ، جاز.
وقد رُوِيَ أن الحسنَ والحسينَ

..................................  وسعيدَ بنَ العاصِ 1 بَذَلوا للذي وَجَب له القِصاصُ على هُدْبَةَ بنِ خشْرَم 2 سَبْعَ دِيَاتٍ، فأبَى أن يَقْبَلَها.
ولأنَّ المال غيرُ مُتَعَيَّن، فلا يَقَعُ العِوَضُ في مُقابَلَتِه.
فإن صالحَ عِن القِصاصِ بعَبْدٍ فخَرَجَ مُسْتَحَقًّا، رَجَع بقِيمَتِه في قولِ الجَمِيعِ.
وإن خرَج حُرًّا فكذلك.
وبه قال أبو يُوسُف ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: يَرْجِعُ بالدِّيَةِ؛ لأنَّ الصُّلْحَ فاسِدٌ.
فيَرْجِعُ ببَذْلِ ما صالحَ عنه، وهو الدِّريةُ.
ولَنا، إنّه تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ ما جَعَلَه عِوَضًا، فرَجَعَ في قِيمَتِه، كما لو نَجرَج مُسْتَحَقًّا.
فإن صالحَه عن القِصاصِ بحُرٍّ يَعْلَمان حُرِّيَته، أو عَبْدٍ يَعْلَمان أَنه مُسْتَحَق، أو تصالحَا بذلك عن غيرِ القِصاصِ، رَجَع بالدوريةِ وبما صالحَ عنه؛ لأنَّ الصُّلْحَ باطِل يَعْلَمان بُطْلانَه، فكان وُجُودُه كعَدَمِه.

..................................  فصل: ولو صالحَ عن 1 دارٍ أو عَبْدٍ بعِوَض، فخَرَجَ العِوَضُ مُسْتَحَقًّا أو حُرًّا، رَجَع في الدّارِ وما صالحَ عنه، وبقِيمَتِه إن كان تالِفًا 2؛ لأنَّ الصُّلْحَ ها هُنا بَيع في الحَقِيقَةِ، فإذا تَبَيَّنَ أنَّ العِوَضَ كان مُسْتَحَقًّا أو حُرًّا، كان البَيعُ فاسِدًا، فرَجَعَ فيما كان له، بخِلَافِ الصُّلْحِ عن القِصاصِ، فإنَّه ليس ببَيع، وإنَّما يأخذُ عِوَضًا عن إسْقاطِ القِصاصِ.
ولو اشْتَرَى شيئًا فوَجَدَه مَعِيبًا فصالحَه عن عَيبِه بعَبْدٍ، فبان مُسْتَحَقًّا أو حُرًّا، رَجَع بأرْشِ العَيبِ.

وَلَوْ صَالح سَارِقًا لِيُطْلِقَهُ، أوْ شَاهِدًا لِيَكْتُمَ شَهَادَتَهُ، أوْ شَفِيعًا عَنْ شُفْعَتِهِ، أَوْ مَقْذُوفًا عَنْ حَدِّهِ، لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ، وَتَسْقُطُ الشّفْعَةُ.
وَفِي الْحَدِّ وَجْهَانِ.

1882 - مسألة: (ولو صالحَ سارِقًا ليُطْلِقَه 1، أو شاهِدًا ليَكْتُمَ شَهادَتَه، أو شَفِيعًا عن شُفْعَتِه، أو مَقْذُوفًا عن حَدِّه، لم يَصِحَّ الصُّلْحُ، وتَسْقُطُ الشّفْعَةُ. وفي الحَدِّ وَجْهان) إذا صالحَ السّارِقَ والزّانِي والشّارِبَ على أن لا يَرْفَعَه إلى السُّلْطانِ، لم يَصِحَّ الصُّلْحُ، ولا يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه؛ لأنَّ ذلك ليس بحَق له 2، فلم يَجُزْ له 3 أخْذُ العِوَضِ عنه،

..................................  كسائِرِ ما لا حَقَّ له فيه.
وإن صالحَ شاهِدًا ليَكْتُمَ شَهادَتَه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يَخْلُو مِن ثَلاثَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن يُصالِحَه على أن لا يَشهَدَ عليه بحَق تَلْزَمُ 1 الشَّهَادَةُ به، كدَين لآدَمِي، أو حَقٍّ للهِ تعالى لا يَسْقُطُ بالشُّبْهَةِ، كالزكاةِ ونحوها، فلا يَجُوزُ كِتْمانُه، ولا يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عن ذلك، كما لا يجوزُ أخْذ العِوَضَ على 2 شُرْبِ الخَمْرِ.
الثانِي، أن يُصَالِحَه على أن لا يَشْهَدَ عليه بالزُّورِ، فهذا يَجِبُ عليه تَرْكُ ذلك، ويَحْرُمُ عليه فِعْلُه، فلم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عنه،؛ لا يجوزُ أن يُصالِحَه على أن لا يَقْتُلَه، ولا يَغْصِبَ ماله.
الثالثُ، أن يُصالِحَه على أن لا يَشْهَدَ عليه

..................................  بما يُوجِبُ حَدَّ الزِّنَى والسَّرِقَةِ، فلا يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه؛ [لأنَّ ذلك] 1 ليس بِحَقٍّ له.
وإن صالحَ عن حَقِّ الشُّفْعَةِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه حَقّ شُرِعَ على خِلافِ الأصْلٍ لدَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ، فإذا رَضِيَ بالْتِزامٍ الضَّرَرِ، سَقَط الحَقُّ مِن غيرِ بَدَلٍ، ولم يَجُزْ أخْذُ 2 العِوَضِ عنه؛ لأنه ليس بمالٍ، فهو كحَدِّ القَذْفِ.
وإن صالحَه عن حَدِّ القَذْفِ، لم يَصِحَّ الصُّلْحُ؛ لأنَّه إن كان 3 للهِ تعالى، لم يَكُنْ له أن يَأْخُذَ عِوَضَه، لكَوْنِه ليس بحَق له، فأشْبَهَ حَدُّ الزِّنى والسَّرِقَةِ، وإن كان حَقَّا له، لم يَجُزْ الاعْتِياضُ عنه؛ لكَوْنِه حَقًّا ليس بمالٍ، ولهذا لا يَسْقُطُ إلى بَدَلٍ، بخِلافِ القِصاصِ، ولأنَّه شُرِعَ لتَبْرِئَةِ 4 العِرْضِ، فلا يَجُوزُ أن يَعْتاضَ عن عِرْضِه بمالٍ.
وهلْ يَسْقُطُ بالصُّلْحِ فيه؟ يَنْبَنِي على الخِلافِ في كَوْنِ حَدِّ القَذْفِ حَقًّا للهِ تعالى أو لآدَمِيٍّ؛ فإن كان حَقًّا لله تِعالى، لم يَسْقُطْ بصُلْحِ الآدَمِيِّ ولا إسْقاطِه، كحَدِّ الزِّنى.
وإن كان حَقًّا لآدَمِي، سَقَط بصُلْحِه وإسْقاطِه، كالقِصاصِ.

وَإنْ صَالحَهُ عَلَى أن يُجْرِيَ عَلَى أرْضِهِ.
أَوْ سَطْحِهِ مَاءً مَعْلُومًا، صَحَّ.

1883 - مسألة: (وإن صالحَه على 1 أن يُجْرِيَ على أرْضِه أو سَطْحِه ماءً مَعْلُومًا، صَحَّ) إذا صالح رجُلًا على مَوْضِعِ قَناةٍ مِن أرْضِه يُجْرِي فيها ماءً، وبَيَنّا مَوْضِعَها وعَرْضَها وطُولَها، جاز؛ لأنَّ ذلك بَيعٌ لمَوْضِع مِن أرْضِه، فلا حاجَةَ إلى بَيانِ عُمْقِه؛ لأنَّه إذا مَلَك المَوْضِعَ كان له إلى تُخُومِه 2، فله أن يَتْرُكَ 3 فيه ما شاء. وإن صالحَه على إجْراءِ الماء في ساقِيَةٍ مِن أرْضِ رَبِّ الأرْضِ، مع بَقاءِ مِلْكِه عليها، فهو إجارَةٌ للأرْضِ، يُشْتَرَطُ له تَقْدِيرُ المُدَّةِ. فإن كانتِ الأرْضُ في يَدِ رجلٍ بإجارَةٍ، جاز له أن يُصالِحَ رجلًا على إجْراءِ الماءِ فيها في ساقِيَةٍ مَحْفورَةٍ مُدَّةً لا تُجاوزُ مُدَّةَ الاجارَةِ. وإن لم تَكُنِ السّاقِيَةُ مَحْفُورَةً، لم يَجُزْ أن يُصالِحَه على ذلك؛ لأنَّه لا يجُوزُ إحْداثُ ساقِيَةٍ في أرْض في يَدِه بإجارَةٍ. فإن كانتِ الأرْضُ في يَدِه وَقْفًا عليه، فقال القاضي: هو

..................................  كالمُستَأجِرِ 1، له أن يُصالِحَ على إجْراءِ الماءِ في ساقِيَة [مَحْفورَةٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وليس له أن يَحْفِرَ فيها 2 ساقِيَةً] 3؛ لأنَّه لا يَمْلِكُها، إنَّما يَسْتَوْفِي مَنْفَعَتَها، كالأرْضِ المُسْتَأجَرَةِ.
وهذا كلُّه مَذْهَبُ الشافعيِّ.
قال شيخُنا 4: والأوْلَى أَنه يَجُوز له حَفْرُ السّاقِيَةِ؛ لأن الأرْضَ له، وله التَّصَرُّفُ فيها كَيفَما شاء، ما لم يَنْقُل المِلْكَ فيها إلى غيرِه، بخِلافِ المُسْتَأجِرِ، فإنَّه إنَّما يَتَصَرَّفُ فيها بما أُذِن له فيه، فكان المَوْقُوفُ عليه بمَنْزِلَةِ المُسْتَأجِرِ إذا أُذِن له في الحَفْرِ.
فإن مات المَوْقُوفُ عليه في أثْناءِ المُدَّةِ، فهل لِمَن انْتَقَلَ إليه فَسْخُ الصُّلْحِ فيما بَقِيَ مِن المُدَّةِ؟ على وَجْهَينِ، بِناءً علِى ما إذا آجَرَه مُدَّةً، فمات في أثْنائِها 5. فإن قُلْنا: له فَسْخُ الصُّلْحِ.
ففسَخَه، رَجَع المُصالِحُ على وَرَثَةِ الذي صالحَه بقِسْطِ ما بَقِيَ مِن المُدَّةِ.
وإن قُلْنا: ليس له الفَسْخُ.
رَجَع مَن انْتَقَلَ إليه الوَقْفُ على الوَرَثَةِ.

..................................  فصل: فإن صالحَ رجلًا على إجْراءِ ماءِ سَطْحِه مِن المَطَرِ على سَطْحِه، [أو في أرْضِه عن سَطْحِه] 1، أو في أرْضِه عن أرْضِه، جاز، إذا كان ما يَجْرِي ماؤه مَعْلُومًا؛ إمّا بالمُشاهَدَةِ، وإمّا بمَعْرِفَةِ المساحَةِ؛ لأن الماءَ يَخْتَلِفُ بصِغَرِ السَّطْحِ وكِبَرِه، ولا يُمْكِنُ ضَبْطُه.
بغيرِ ذلك.
ويُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ المَوْضِعِ الذي يَجْرِي منه الماءُ إلى السَّطْحِ؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ.
ولا يَفْتَقِرُ إلى ذِكْرِ مُدَّةٍ؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك، ويَجُوزُ العَقْدُ على المَنْفعَةِ في مَوْضِعِ الحاجَةِ غيرَ مُقَدَّرٍ بمُدَّةٍ، كما في النِّكاحِ.
ولا يَمْلِكُ صاحِبُ الماءِ مَجْراه؛ لأنَّ هذا لا يَسْتَوْفِي به مَنافِعَ المَجْرَى دائِمًا, ولا في أكثَرِ المُدَّةِ، بخِلافِ السّاقِيَةِ.
ويَخْتَلِفَانِ أيضًا في أنَّ الماءَ الذي في السّاقِيَةِ لا يَحْتاجُ إلى ما يُقَدَّرُ به؛ لأنَّ تَقْدِيرَ ذلك حَصَل بتَقْدِيرِ

جارٍ التحميل