..................................
طَلاقُكِ اليومَ، فأنتِ طالقٌ فيه.
فإذا بَقِيَ مِن اليومِ ما لا يَتَّسِعُ لتَطْلِيقِها فقد فاتَه طَلاقُها فيه، فَوقَعَ حِينَئذٍ، كما يقَعُ طَلاقُه في مَسْألَتِنا في آخِرِ حيَاةِ أوَّلِهما مَوْتًا.
وما ذكَرُوه باطلٌ بما لو ماتَ أحَدُهما في اليوم، فإنَّ مَحَلَّ الطَّلاقِ يفوتُ بمَوْتِه، ومع ذلك فإنَّ الطَّلاقَ يقَعُ قُبَيلَ 1 مَوْتِه، كذا ها هنا.
فإنْ قال لها: أنتِ طالقٌ اليومَ إن لم أتَزَوَّجْ عليكِ اليومَ.
أو: إنْ لم أشْتَرِ لكِ ثَوْبًا اليومَ.
ففيه الوَجْهانِ.
والصَّحِيحُ منهما وُقوعُ الطَّلاقِ بها إذا بَقِيَ من اليوم ما لا يَتَّسِعُ لفِعْلِ المحْلُوفِ عليه فيه.
فإن قال لها: أنتِ طالقٌ إن لم أُطَلِّقْكِ اليومَ.
طَلُقَتْ بغيرِ خِلافٍ، في آخرِ اليوم في أحَدِ الوَجْهَينِ.
والوَجْهِ الآخرِ، بعدَ خُروجِ اليومِ.
وإن قال: أنَتِ طالقٌ اليومَ إن لم أُطَلِّقْكِ.
فهو كقَوْلِه: أنتِ طالقٌ اليومَ إن لم أُطَلِّقكِ اليومَ.
لأنَّه جَعَلَ عدمَ طَلاقِها شَرْطًا لطَلاقِها اليومَ، والشَّرْطُ يتَقَدَّمُ المَشْروطَ.
وَإنْ قَال أنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيد.
فَمَاتَتْ غُدْوَةً، وَقَدِمَ بَعْدَ
فصل: فإن قال لعبدِه: إن لم أبِعْكَ اليومَ فامْرأتِي طالقٌ اليومَ.
ولم يَبِعْه حتى خَرَجَ اليومُ، ففيه الوَجْهانِ.
وإن أعْتَقَ العبدَ أو ماتَ، أو مات الحالِفُ، أو المرأةُ في اليومِ، طَلُقَتْ زَوْجَتُه حِينَئذٍ؛ لأنَّه قد فاتَ بَيعُه.
وإنْ دَبَّرَه أو كاتَبَه، لم تَطْلُقِ امرأتُه؛ لأنَّ بَيعَه جائزٌ، ومَن مَنَعَ بَيعَهما قال: يَقَعُ الطَّلاقُ بذلك، كما لو ماتَ.
وإن وَهَبَ العَبْدَ لإِنْسانٍ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّه يُمْكِنُ عَوْدُه إليه فيَبيعُه، فلم يَفُتْ (1) بَيعُه.
ولو قال: إن لم أبعْ عَبْدِي فامْرَأتِي طالقٌ.
ولم يُقَيِّده باليومِ، فكاتَبَ العبدَ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّه يُمْكِنُ عَجْزُه، فلم يُعْلمْ فَواتُ البَيعِ، فإنْ عَتَق بالكتابةِ أو غيرِها، وقَعَ الطَّلاقُ حِينَئذٍ؛ لأنَّه قد فاتَ بَيعُه.
3527 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ طَالقٌ يومَ يَقْدَمُ زَيدٌ. فماتَتْ
1
مَوْتِهَا، فَهَلْ وَقَعَ بِها الطَّلَاقُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
غُدْوَةً، وقَدِمَ بَعدَ مَوْتِهَا، فَهَلْ وَقَعَ بِهَا الطَّلاقُ؟ عَلَى وَجْهَينِ) أحَدُهما، يَبِينُ أنَّ طَلاقَها وَقَعَ مِن أوَّلِ اليوم؛ لأنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ يومَ الجمعةِ.
طَلُقَتْ مِنِ أوَّلِه، فكذا إذا قال: أَنتِ طالقٌ يومَ يَقْدَمُ زيدٌ.
يَنْبَغِي أن تَطْلُقَ بطُلُوعِ فجْرِه.
والثَّاني، لا يَقَعُ الطَّلاقُ؛ لأنَّ شَرْطَه قُدومُ زيدٍ، ولم يُوجَدْ إلَّا بعدَ موتِ المرأةِ، فلم يَقَع، بخِلافِ يومِ الجمعةِ، فإنَّ شَرْطَ الطَّلاقِ مَجِئُ يوم الجمعةِ، وقد وُجِدَ، وههنا شَرْطانِ، فلا تَطْلُقُ بأحَدِهما.
والأوَّلُ أَوْلَى، وليس هذا شَرْطًا، إنَّما هو بَيان للوَقْتِ الذي يَقَعُ فيه الطَّلاقُ مُعَرَّفًا بفِعْلٍ يَقَعُ فيه، فيَقَعُ في أوَّلِه، كقولِه: أنتِ طالقٌ اليومَ الذي نُصَلِّي فيه الجمعةَ.
وإنْ قال: أنتِ طالقٌ في اليومِ الذي يَقْدَمُ فيه زيدٌ.
[فكذلك.
ولو] 1 مات الرَّجُلُ غدْوةً، ثم قَدِمَ زيدٌ، أو مات الزَّوْجانِ قبلَ قُدومِ زيدٍ، كان الحُكْمُ كما لو ماتتِ المرأةُ.
ولو قال: أنتِ طالقٌ في شهرِ رمضانَ إن قَدِمَ زيدٌ.
فقَدِمَ زيدٌ فيه، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا تَطْلُقُ حتى يَقْدَمَ زيدٌ؛ لأنَّ قُدومَه شَرْطٌ، فلا يَتَقَدَّمُه المَشْرُوطُ، بدليلِ ما لو قال: أنتِ طالقٌ إن قَدِمَ زيدٌ.
فإنَّها لا تَطْلُقُ قبلَ قُدُومِه بالاتِّفاقِ.
وكما لو قال: إذا قَدِمَ زيدٌ.
والثاني، أنَّه إن قَدِمَ زَيدٌ تَبَيَّنَّا وُقوعَ الطَّلاقِ مِن أوَّلِ الشَّهرِ.
وهو أصَحُّ، قياسًا على المسألَةِ التي قبلَ هذه.
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ فِي غَدٍ إِذَا قَدِمَ زَيدٌ.
فَمَاتَتْ قَبْلَ قُدُومِهِ، لَمْ تَطْلُقْ.
3528 - مسألة: (وإن قال: أنتِ طالقٌ في غَدٍ إذا قَدِم زَيدٌ. فماتَتْ قبلَ قُدُومِه، لم تَطْلُقْ)
[حتى يَقْدَمَ] 1؛ لأنَّ «إذا» اسمُ زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، فمَعْناه: أنتِ طالقٌ غدًا وقْتَ قُدومِ زيدٍ.
فإن لم يَقْدَمْ زيدٌ في غدٍ، لم تَطْلُقْ وإن قَدِمَ بعدَه؛ لأنَّه قَيَّدَ طَلاقَها بقُدومٍ مُقَيَّدٍ بصِفةٍ، فلا تَطْلُقُ حتى تُوجَدَ، وإن ماتتْ غُدْوةً، وقَدِمَ بعدَ مَوْتِها، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّ الوقْتَ الذي أوْقَعَ طلاقَها فيه لم يَأْتِ وهي محَلٌّ للطَّلاقِ، فلم تَطْلُقْ،
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ غَدًا.
طَلُقَتْ الْيَوْمَ وَاحِدَةً، إلا أَنْ يُرِيدَ: طَالِقٌ الْيَوْمَ وَطَالِقٌ غَدًا.
كما لو ماتتْ قبلَ دُخُولِ (1) ذلك اليوم.
3529 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ طَالِقٌ اليَوْمَ غدًا. طَلُقَتِ اليَوْمَ واحِدَةً)
لأنَّ مَن طَلُقَتِ اليَوْمَ فهي طالقٌ غدًا.
3530 -
مسألة: (فإن أرادَ: طَالِقٌ اليومَ وطالِقٌ غدًا. فتَطْلُقُ
1
أَوْ: نِصْفَ طَلْقَةٍ الْيَوْمَ وَنِصْفَهَا غَدًا.
فَتَطْلُقُ اثْنَتَينِ.
وَإنْ نَوَى: نِصْفَ طَلْقَةٍ الْيَوْمَ وَبَاقِيَهَا غَدًا.
احْتَمَلَ وَجْهَينِ.
طَلْقَتَينِ) فِي اليَوْمَينِ.
فإنْ قَال: أرَدْتُ أنَّها تَطْلُقُ في أحَدِ اليَوْمَينِ.
طَلُقَتِ اليَوْمَ ولم تَطْلُقْ غَدًا؛ لأنَّه جَعَلَ الزَّمَانَ كُلَّهُ ظَرْفًا لوُقُوعِ الطَّلاقِ، فَوَقَعَ في أوَّلِه.
3531 -
مسألة: وإن أرَادَ (نِصْفَ طَلْقَةٍ اليَوْمَ وَنِصْفَهَا غَدًا)
فَتَطْلُقُ اليَوْمَ وَاحِدَةً وَغَدًا أُخْرَى؛ لأنَّ النِّصْفَ يُكَمَّلُ [فَيَصِيرُ طَلْقَةً تامَّةً] 1. وإن قال: أرَدْتُ 2 (نِصْفَ طَلْقَةٍ اليَوْمَ وَبَاقِيَهَا غَدًا.
احْتَمَلَ وَجْهَين) أحَدُهما، لا تَطْلُقُ إلَّا واحدةً؛ لأنَّه إذا قال: نِصْفُها اليومَ.
كُمِّلَتْ كُلُّها (2)، فلم يَبْقَ لها بَقِيَّةٌ تَقَعُ غدًا، ولم يَقَعْ شيءٌ غيرُها؛ لأنَّه
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَى شَهرٍ.
طَلُقَتْ عِنْدَ انْقِضَائِهِ،
ما أوْقَعَه.
وذكَر القاضي هذا الاحْتمال أيضًا في المسألةِ الأُولَى.
وهو مذهبُ الشافعيِّ، ذَكَرَ أصحابُه فيها الوَجْهينِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَقَعَ اثْنَتانِ، كالمسألَةِ التي قبلَها.
3532 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ طَالِقٌ إلَى شَهْرٍ. طَلُقَتْ عندَ انْقِضَائِه)
إذا قال: أنتِ طالقٌ إلى شهرِ كذا.
أو: سنةِ كذا.
فهو كما لو قال: في شهرِ كذا.
أو: سنةِ كذا.
ولا يَقَعُ الطَّلاقُ إلَّا في أوَّلِ ذلك الوقْتِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تَطْلُقُ في الحالِ؛ لأنَّ قولَه: أنتِ طالقٌ.
إيقاعٌ في الحالِ، وقولَه: إلى شهرِ كذا.
تَأْقِيتٌ له وغايةٌ، وهو لا يَقْبَلُ التَّأْقِيتَ، فَوَقَعَ في الحالِ؛ لأنَّه لا يَقْبَلُ التَّأقِيتَ.
ولَنا، أنَّ ذلك قد رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، وأبي ذَرٍّ، ولأنَّ هذا يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ تَوْقِيتًا لإيقاعِه، كقولِ الرَّجلِ: أنا خارجٌ إلى سنةٍ.
أي 1 بعدَ سنةٍ.
إلا أَنْ يَنْوِيَ طَلَاقَهَا فِي الْحَالِ.
وإذا احْتَمَلَ الأمْرَينِ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ بالشَّكِّ.
وقد تَرجَّحَ ما ذَكَرْناه مِن وَجْهَينَ؛ أحَدُهما، أنَّه جَعَلَ للطَّلاقِ غايةً، ولا غايةَ لآخرِه، وإنَّما الغايَةُ لأوَّلِه.
والثَّاني، أنَّ ما ذكَرْناه عَمَلٌ باليَقِينِ، وما ذكَرُوه أخْذٌ بالشَّكِّ.
فصل: (فإن نَوَى طَلاقَها في الحالِ) إلى سنةِ كذا.
وَقَعَ في الحالِ؛ لأنَّه يُقِرُّ على نفْسِه بما هو أغْلَظُ، ولفظُه يَحْتَمِلُه.
فصل: وإن قال: أنتِ طالقٌ مِن اليوم 1 إلى سنةٍ.
طَلُقَتْ في الحالِ؛ لأنَّ «مِنْ» لابْتِداءِ الغايةِ، فيَقْتَضِي أنَّ طلاقَها مِن اليومِ.
فإن قال: أرَدْتُ [أنَّ عَقْدَ الصِّفةِ مِن اليومِ، ووقوعَه بعدَ سنةٍ.
لم يَقَعْ إلَّا بعدَها.
وإن قال: أرَدْتُ] 2 تَكْرِيرَ طَلاقِها مِن حينَ لَفَظْتُ به إلى سنةٍ.
طَلُقَتْ مِن ساعَتِها ثلاثًا، إذا كانت مَدْخُولًا بها.
قال أحمدُ: إذا قال لها: أنتِ طالقٌ مِنَ اليومِ إلى سنةٍ.
يرِيدُ التَّوْكيدَ، وكَثْرَةَ الطَّلاق، فتلك طالقٌ مِن ساعَتِها.
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ فِي آخِرِ الشَّهْرِ.
أَوْ: أوَّل آخِرِهِ.
طَلُقَتْ بِطُلُوعِ فَجْرِ آخِرِ يَوْم مِنْهُ.
وَإنْ قَال: فِي آخِرِ أَوَّلِهِ.
طَلُقَتْ فِي آخِرِ يَوْم مِنْ أَوَّلِهِ.
وقَال أَبو بَكْرِ: تَطْلُقُ فِي الْمَسْألَتَينِ بِغُرُوبِ شَمْسِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْهُ.
3533 - مسألة: (وإن قال: أنتِ طالِقٌ فِي آخِرِ الشَّهْرِ. أو: أوَّلِ آخِرِه. طَلُقَتْ)
فِي أوَّلِ 1 آخِرِ يَوْم مِنْه؛ لأنَّه آخِرُه (وإن قال: في آخِرِ أوَّلِه.
طَلُقَتْ فِي آخِرِ أوَّلِ يَوْم) مِنْهُ؛ لأنَّه أوَّلُهُ (وقال أبو بكرٍ: تَطْلُقُ في المسألَتَين بغُروب شَمْسِ الخامِسَ عَشَرَ منه) لأنَّ الشَّهْرَ نِصْفانِ، [أوَّلُ، وآخِرُ] 2، فآخِرُ أَوَّلِه يَلِي 3 أوَّلَ آخِرِه.
وهذا قولُ أبي العبَّاسِ بنِ سُرَيجٍ 4. وقال أكثرُهم كقَوْلِنا، وهو أصَحُّ؛ فإنَّ ما عدَا
.................................. اليومَ الأوَّلَ لا يُسَمَّى أوَّلَ الشَّهرِ، ويَصِحُّ نَفْيُه عنه، وكذلك لا يُسَمَّى أوْسَطُ الشَّهرِ آخِرَه، ولا يُفْهَمُ ذلك مِن إطْلاقِ لَفْظِه، فَوجَبَ أن لا يُصْرَفَ كلامُ الحالفِ إليه، ولا يُحْمَلَ عليه.
وَإن قَال: إِذَا مَضَتْ سَنَةٌ فأَنْتِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ إِذَا مَضَى اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا بِالأَهِلَّةِ، وَيُكَمَّلُ الشَّهْرُ الَّذِي حَلَفَ فِي أَثْنَائِهِ بِالْعَدَدِ.
3534 - مسألة: (وإن قَال: إذَا مضتْ سَنةٌ فَأنْتِ طَالِقٌ. طَلُقَتْ إذَا مضَى اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا بِالأهِلَّةِ، وَيُكَمَّلُ الشَّهْرُ الذي حَلَفَ في أثْنائِهِ بِالعَدَدِ)
إلى تَمَامِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا بالأهِلَّةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ 1. فإنْ حَلَفَ في أوَّلِ شَهْرٍ، فإذا مَضَى اثْنا عَشَرَ شَهْرًا بِالأهِلَّةِ 2 وَقَعَ طلاقُه.
وإن حَلَفَ في أثناءِ شَهرٍ، عَدَدْتَ ما بَقِيَ منه، ثم حَسَبْتَ بَعدُ بالأهِلَّةِ، فإذا مَضَتْ أحَدَ عَشَرَ شهرًا بالأهِلَّةِ نَظَرْتَ ما بَقِيَ مِن الشَّهْرِ الأوَّلِ، فكَمَّلْتَ ثلاثينَ يومًا؛ لأنَّ الشَّهْرَ اسمٌ لِما بينَ هِلالينِ، فإن تَفَرَّقَ كان ثلاثينَ يومًا.
وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه تُعْتَبَرُ الشُّهورُ كلُّها بالعَدَدِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في مَن نَذَر صِيامَ شهْرَينِ مُتَتابِعَينِ، فاعترضَ الأَيَّام 3، قال: يَصومُ سِتِّينَ يومًا، وإنِ
وَإنْ قَال: إِذَا مَضَتِ السَّنَةُ فَأنْتِ.
طَالِقٌ.
طَلُقَتْ بِانْسِلَاخِ ذِي الْحِجَّةِ.
ابْتدَأَ مِن شهر، فصامَ شَهْرَينِ، فَكانا ثمانيةً وخمسينَ يومًا، أجْزَأه؛ وذلك أنَّه لمَّا صامَ نِصْفَ شهرٍ، وجَبَ تَكْمِيلُه مِنَ الذي يَلِيه، فكان ابْتِداءُ الثاني مِن نِصْفِه أيضًا، فَوجَبَ أنْ يُكَمِّلَه بالعَدَدِ، وهذا المعنى مَوْجودٌ في السَّنَةِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّه أمْكَنَ اسْتِيفَاءُ أحَدَ عشَرَ شهرًا بالأهِلَّةِ، فَوَجَبَ الاعْتِبارُ بها، كما لو كانت يَمِينُه في أوَّلِ شهرٍ، ولا يَلْزمُ أن يُتِمَّ الأوَّلَ مِن الثَّاني، بل يُتِمُّه مِن آخرِ الشُّهورِ.
وإن قال: أرَدْتُ بقَوْلِي: سَنَةً.
إذا انْسَلَخَ ذُو الحِجَّةِ.
قُبِلَ؛ لأَنه يُقِرُّ على نَفْسِه بما هو أغْلَظُ.
3535 -
مسألة: (وإن قال: إذا مَضَتِ السَّنَةُ فَأنْتِ طَالقٌ. طَلُقَتْ بِانْسِلاخِ ذِي الحِجَّةِ)
لأنَّه لمَّا عَرَّفَها بلامِ التَّعْريفِ، انصَرفَتْ إلى السَّنَةِ المعْروفَةِ، التي آخِرُها ذو الحِجَّةِ.
فإن قال: أرَدْتُ بالسَّنَةِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، قُبِلَ؛ لأنَّ السَّنةَ اثْنَا عَشَرَ شهرًا حقيقةً.
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ طَلْقَةً.
طَلُقَتِ الْاُّولَى فِي الْحَالِ، وَالثَّانِيَةَ فِي أَوَّلِ الْمُحَرَّمِ، وَكَذَا الثَّالِثَةُ.
3536 - مسألة: (وإذا قال: أنْتِ طَالِقٌ في كُلِّ سَنَةٍ طَلْقَةً)
فَهذه صِفَةٌ صَحِيحَةٌ؛ لأنَّه يَمْلِكُ إيقاعَه في كُلِّ سنةٍ، فإذا جعلَ ذلك صِفَةً، جازَ، ويَكونُ ابْتداءُ المُدَّةِ عَقِيبَ يَمِينِه؛ لأنَّ كُلٍّ أجَلٍ ثَبَتَ بمُطْلَقِ العَقْدِ، ثَبَتَ عَقِيبَه، كقولِه: واللهِ لا كَلَّمْتُك سَنَة فتَقَعُ (الأُولَى في الحالِ) لأنهَّ جعلَ السَّنَةَ ظَرْفًا للطَّلاقِ، فتَقَعُ في أوَّلِ جُزْءٍ منها، وتقَعُ الثَّانِيَةُ في أوَّلِ الثَّانِيَةِ، والثَّالِثَةُ [في أوِّلِ الثَّالثةِ] 1، إنْ دَخَلَتا عليها وهي في نِكاحِه؛ لكَوْنِها لم تَنْقَضِ عِدَّتُها، أو ارْتجعَها 2 في عِدَّةِ الطَّلْقةِ الأُولَى وعِدَّةِ الثَّانيةِ، أو جَدَّدَ نِكاحَها بعدَ أن بانَتْ.
فإنِ انْقَضَتْ عِدَّتُها فبانَتْ منه، ودَخلَتِ السَّنَةُ الثَّانيةُ وهي بائنٌ، لم تَطْلُقْ؛ لكَوْنِها غيرَ زَوْجةٍ له.
فإنْ تَزَوَّجَها في أثْنائِها، اقْتَضَى قولُ أكثرِ أصحابِنا وُقوعَ الطَّلاقِ
فَإِنْ قَال: أَرَدْتُ بِالسَّنَةِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا.
دُيِّنَ.
وَهَلْ يُقْبَل فِي
عَقِيبَ [تزْويجِه لها] (1)، لأنَّه جُزْءٌ مِن السَّنَةِ الثَّانيةِ التي جعلَها ظَرْفًا للطَّلاقِ، وَمَحِلًّا له، وكان سَبِيلُه أن يقَعَ في أوَّلِها، فمَنَع منْه كَوْنُها غيرَ مَحِلٍّ للطَّلاقِ؛ لعَدَمِ نِكاحِه حِينَئذٍ، فإذا عادَتِ الزَّوجيَّةُ (2)، وقَعَ في أوَّلِها.
وقال القاضي: تَطْلُقُ بدُخولِ السَّنَةِ الثَّالثةِ.
وعلى قولِ التَّميمِيِّ ومَنْ وافَقَه، تَنْحَلُّ الصِّفَةُ بوُجودِها في حالِ البَينُونَةِ، فلا تَعودُ بحالٍ.
وإن لم يَتَزَوَّجْها حتى دخلَتِ السَّنَةُ الثَّالثةُ، ثم نَكَحَها، طَلُقَتْ عَقِيبَ تَزْويجِها، ثم طَلُقَتِ الثَّالثةَ بدُخولِ السَّنَةِ الرَّابعةِ.
وعلى قولِ القاضي، لا تَطْلُقُ إلَّا بدُخولِ الرَّابعةِ (3)، ثم تَطْلُقُ الثَّالثةَ بدُخولِ الخامسةِ.
وعلى قولِ التَّمِيمِيِّ، قد انْحَلَّتِ الصِّفَةُ.
واخْتُلِفَ في مَبْدَأ السَّنَةِ الثَّانيةِ؛ فظاهِرُ ما ذكَرَه القاضي، أنَّ أوَّلَها بعدَ انْقِضاءِ اثْنَيْ عَشَرَ شهرًا مِن حينِ يَميِنه.
وكذلك قال أصحابُ الشافعيِّ.
وقال أبو الخَطَّابِ: ابْتِداءُ السَّنَةِ الثَّانيةِ أوَّلُ المُحَرَّم.
على ما ذَكَرْنا؛ لأنَّها السَّنَةُ المْعرُوفةُ، فإذا عَلَّقَ ما يَتَكَرَّرُ على تَكَرُّرِ السِّنينَ، انْصَرفَ إلى السِّنِينَ المعْروفةِ، كقَوْلِ (4) اللهِ تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ﴾ (5).
3537 -
مسألة: (وإن قال: أرَدْتُ بِالسَّنَةِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا.
12345
الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَينِ.
وَإنْ قَال: أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ ابْتَدَاءُ السِّنِينَ الْمُحَرَّمَ.
دُيِّنَ وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ.
قُبِلَ) لأنَّها سَنَةٌ حَقِيقَةً (وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ يُخرَّجُ على رِوَايَتَينِ) أصَحُّهما، أنَّه يُقْبَلُ؛ لِما ذَكَرْنا.
والثَّانيةُ، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه خلافُ الظَّاهِرِ.
(وإنْ قال: أرَدْتُ أنَّ ابْتِداءَ السِّنِينَ) مِنَ (المُحَرَّمِ.
دُيِّنَ ولم
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيدٌ.
فَقَدِمَ لَيلًا، لَمْ تَطْلُقْ، إلا أَنْ يُرِيدَ بِالْيَوْمِ الْوَقْتَ، فَتَطْلُقُ.
يُقْبَلْ في الحُكْمِ) ذَكَرَه القاضي؛ لأنَّه خِلافُ الظَّاهِرِ.
قال شيخُنا (1): والأَوْلَى أنَّه يُخرَّجُ على رِوايَتَين؛ لأنَّه مُحْتَمِلٌ مُخالِفٌ للظَّاهِرِ.
3538 -
مسألة: (وإذا قال: أنْتِ طالقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيدٌ. فَقَدِمَ لَيلًا، لم تَطْلُقْ، إلَّا أن يُريدَ باليَوْمِ الوَقْتَ، فَتَطْلُقُ)
وَقْتَ قُدُومِه؛ لأنَّ الوَقْتَ يُسَمَّى يَوْمًا، قَال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ 2.1
وَإنْ قُدِمَ بِهِ مَيَّتًا أَوْ مُكْرَهًا، لَمْ تَطْلُقْ.
3539 - مسألة: (وإن قُدِمَ به مَيِّتًا أو مُكْرَهًا، لم تَطْلُقْ)
إذا كان مَحْمولًا 1؛ لأنَّه لم يَقْدَمْ، وإنَّما قُدِمَ به.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
ونُقِلَ عن أبي بكر أنَّه يَخْنَثُ؛ لأنَّ الفِعْلَ يُنْسَبُ إليه، ولذلك يُقالُ: دَخَلَ الطَّعامُ البلدَ.
إذا حُمِلَ إليه، ولو قال: أنتِ طالقٌ إذا دَخلَ الطَّعامُ البَلدَ.
طَلُقَتْ إذا حْمِلَ إليه.
ولَنا، أنَّ الفِعْلَ ليس منه، والفعلُ لا يُنْسَبُ
..................................
إلى غيرِ فاعلِه إلَّا مَجازًا، والكلامُ عندَ [إطْلاقِه لحقيقتِه] 1 إذا أمْكَنَ.
فأمَّا الطَّعامُ، فلا يُمْكِنُ وُجودُ الفعلِ منه حَقِيقةً، فتَعَيَّنَ حَمْلُ الدُّخولِ فيه على مَجازِه.
فأمَّا إن قَدِمَ بنَفْسِه لإكْراهٍ، فعلى قولِ الخِرَقِيِّ: لا يَخْنَثُ.
وهو أحَدُ الوَجْهَينِ لأصحابِ الشافعيِّ.
وقال أبو بكر: يخْنَثُ.
وحكَاه عن أحمدَ؛ لأنَّ الفعلَ منه حَقِيقةً، ويُنْسَبُ إليه، قال الله تَعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ 2. ويَصِحُّ أمْرُ المُكْرَهِ بالفعلِ، قال اللهُ تعالى: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ 3. ولولا أنَّ الفِعْلَ يتحَقُّقُ منه، لَما صَحَّ أمْرُه به.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه بالإكْراهِ زال 4 اخْتِيارُه، فإذا وُجِدَتِ الصِّفَةُ منه، كان كوُجودِ الطَّلاقِ منه، وهذا فيما إذا أطْلَقَ.
وإن كانتْ له نِيَّةٌ، حُمِلَ عليها كلامُه، وتَقَيَّدَ بها.
فصل: فإن قَدِمَ مُخْتارًا، حَنِثَ الحالِفُ، سواءٌ عَلِمَ القادِمُ باليَمينِ أو جَهِلَها.
قال أبو بكر الخلَّالُ: يَقَعُ الطَّلاقُ، قَوْلًا واحدًا.
وقال أبو عبدِ اللهِ بنُ حامدٍ: إن كان القادِمُ ممَّن لا [يَمْتَنِعُ مِن] 5 القُدُومِ بيَميِنه،
..................................
كالسُّلْطانِ، والحاجِّ، والرجُلِ الأجْنَبِيِّ، حَنِثَ الحالِفُ، ولا يُعْتَبَرُ عِلْمُه ولا جَهْلُه، وإن كان ممَّن يَمْتَنِعُ باليمينِ مِنَ القُدُومِ، كقَرابةٍ لهما، أو لأحدِهما، أو غلامٍ لأحدِهما، فجهِلَ اليَمِينَ، أو نَسِيَها، فالحُكْمُ فيه كما لو حَلَفَ على فعْلِ نفْسِه ففَعَلَه جاهِلًا أو ناسِيًا، وفي ذلك رِوَايتان، كذلك ههُنا؛ وذلك لأنَّه إذا لم يَكُنْ ممَّن تَمْنعُه اليَمِينُ، كان تَعْليقًا للطَّلاقِ على صِفَةٍ، ولم يكُنْ يمِينًا، فأشْبَهَ ما لو عَلَّقَه على طُلوعِ الشَّمْسِ، وإن كان ممَّن يَمْتَنِعُ، كان يمينًا، فيُعْذرُ فيها بالنِّسْيانِ والجَهْلِ، ويَنْبَغِي أن تُعْتَبَرَ على هذا القولِ نِيَّةُ الحالِفِ، وقَرائنُ أحْوالِه الدَّالَّةُ على قَصْدِه، فإن كان قَصْدُه بيَمِيِنه مَنْعَ القادِمِ مِن القُدومِ، كان يَمِينًا، وإن كان قَصْدُه جَعْلَه صِفَةً في طَلاقِها مُطْلَقَةً، لم يَكُنْ يمينًا، ويَسْتَوي فيه عِلْمُ القادِمِ وجَهْلُه، ونِسْيانُه، وجُنونُه وإفَاقَتُه، مثلَ أن يقْصِدَ طَلاقَها إذا حصَلَ معها مَحْرَمُها، ولا يُطَلِّقَها وحْدَها، وتُعْتَبَرُ قَرائنُ الأحْوالِ؛ فمتى علَّقَ اليمينَ على قُدُومِ غائبٍ بعيدٍ، يَعْلَمُ أنَّه لا يَعْلَمُ اليَمِينَ، ولا يَمْتَنِعُ بها، أو على 1 فعلِ صغيرٍ أو مَجْنونٍ، أو مَن لا يَمْتَنِعُ بها، لم تَكُنْ يَمِينًا.
وإن علَّقَ ذلك على فعْلِ حاضر يَعْلَمُ بيَمِيِنه، ويَمْتَنِعُ لأجْلِها مِن فِعْلِ ما علَّقَ الطَّلاقَ عليه، كان يَمِينًا.
ومتى أشْكَلَتِ الحالُ، فيَنْبَغِي أن يَقَعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّ لفْظَه يَقْتَضِي وُقوعَ الطَّلاقِ عندَ وُجودِ هذه الصِّفَةِ على العُمومِ، وإنَّما ينْصَرِفُ عن ذلك بدَليلٍ، فمتى شَكَكْنا في الدَّليلِ
..................................
المُخَصِّصِ 1، وجبَ العملُ بِمُقْتَضَى العُمومِ.
فصل: فإن قال: إن تَرَكْتِ هذا الصَّبِيَّ يَخْرُجُ فأنتِ طالقٌ.
فانْفَلَتَ الصَّبِيُّ بغيرِ اخْتِيارِها، فخَرَجَ، فإنْ كان نوَى أن لا يَخْرُجَ قد حَنِثَ، وإن نَوَى أن لا تَدَعَه لم يَحْنَثْ.
نَصَّ أحمدُ على معْنى هذا؛ وذلك لأنَّ اليَمِينَ إذا وَقَعتْ على فِعْلِها، فقد فَعَلَ الخُروجَ [مِنِ غيرِ] 2 اخْتيارٍ منها، فكانتْ كالمُكْرَهِ إذا 3 لم يُمْكِنْها حِفْظُه وَمَنْعُه.
وإن نوَى فِعْلَه، فقد وُجِدَ، وحَنِثَ.
وإن لم تُعْلَمْ نِيَّتُه، انْصَرَفَتْ يَمِينُه إلى فِعْلِها؛ لأَنه الذي تَناوَلُه لَفْظُه، فلا يَحْنَثُ إلَّا إذا خَرَجَ بَتَفْرِيطِها في حِفْظِه أو باخْتِيارِها.
فصل: فإن حَلَفَ: لا تأْخُذُ حَقُّكَ مِنِّي.
فأُكرِهَ على دَفْعِه إليه 4، أو أخَذَه منه قَهْرًا، حَنِثَ؛ لأنَّ المحْلوفَ عليه فِعْلُ الأخْذِ، وقد أخَذَه مُخْتارًا.
وإن أُكْرِهَ صاحبُ الحَقِّ على أخْذِه، خُرِّجَ على الوَجْهَينِ في مَن أُكْرِهَ على القُدُومِ.
وإن وَضَعَه الحالِفُ في حِجْرِه 5 أو بينَ يَدَيه، أو إلى (4) جَنْبِه، فلم يَأْخُذْه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ الأخْذَ ما وُجدَ.
وإن أخَذَه الحاكمُ أو السُّلْطانُ مِن الغَرِيمِ، فدَفَعَه إلى المُسْتَحِقِّ فأَخَذَه، فقال القاضي: لا يَحْنَثُ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه ما أخَذَه منه.
وإن قال:
..................................
لا تَأْخُذْ حَقَّك عَلَيَّ.
حَنِثَ؛ لأنَّه قد أخَذَ حَقَّه الذي عليه.
والمنْصوصُ عن أحمدَ، أنَّه يَحْنَثُ في الصُّورَتَين.
قاله أبو بكرٍ.
وهو الذي يَقْتَضِيه مذهَبُه؛ لأنَّ الأيمانَ عندَه على الأسْبابِ، لا على الأسْماءِ، ولأنَّه لو وكَّلَ وكيلًا فأخذه 1 منه، كان آخِذًا لحَقِّه منه عُرْفًا، ويُسَمَّى آخِذًا؛ قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ 2. وقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ 3. وإن كان اليمينُ مِن صاحبِ الحقِّ، فحَلَفَ: لا أخَذْتُ حَقِّي منك 4. فالتَّفْريعُ فيها كالتي قبلَها.
فإن تَرَكهَا الغَرِيمُ في أثْناءِ مَتاعٍ في خُرْجٍ 5، ثم دفَع الخُرْجَ إلى الحالفِ، فأخَذه ولم يَعلَمْ أنَّها فِيه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ هذا ليس بمعدودٍ أخذًا، ولا يَبْرأُ به الغَرِيمُ منها.
فإن كانتِ اليَمِينُ: لا أُعْطيكَ حَقَّك.
فأَخَذَه الحاكمُ منه كُرْهًا، ودَفَعَه إلى الغَرِيمِ، لم يَحْنَثْ.
وإن أكْرَهَه على دَفْعِه إليه، خُرِّجَ على الوَجْهَينِ في المُكْرَهِ.
وإن أعطاه باخْتِيارِه، حَنِثَ.
وإن وَضَعَه في حِجْرِه، أو جَيبِه، أو صُنْدوقِه، وهو يَعلُم، حَنِثَ؛ لأنَّه أعْطاه.
وإن دَفَعَه إلى الحاكِمِ اخْتيارًا ليَدْفَعَه إلى الغَرِيمِ، فدَفَعه، أو أخَذَه مِن مالِه باخْتِيارِه، فدَفَعَه إلى الغَرِيمِ، حَنِثَ.
وقال القاضي: لا يَحْنَثُ.
[وقياسُ] 6
..................................
المذهبِ أنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّه أوْصَلَه إليه مُخْتارًا، فأشْبَهَ ما لو دَفَعَه إلى وَكيِله فأعْطاه إيَّاه، ولأنَّ الأيمانَ على الأسْبابِ، لا على الأسْماءِ، على ما ذكَرْناه فيما مَضَى.
فصل: فإن قال: إن رأيتِ أباكِ فأنتِ طالقٌ.
فرأتْه مَيِّتًا، أو نائمًا، أو مُغْمًى عليه، أو رَأتْه مِن خَلْفِ زُجاجٍ، أو جِسْمٍ شَفَّافٍ، طَلُقَتْ؛ لأنَّها رأتْه، وإن رأتْ خَياله في ماءٍ، أو مِرْآةٍ، أو صُورتَه 1 على حائطٍ، أو غيرِه، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّها لم تَرَه، وإن أُكْرِهَتْ على رُؤْيَتِه، خُرِّجَ على الوَجْهَينِ.
بَابُ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالشُّرُوطِ
يَصِحُّ ذَلِكَ مِنَ الزَّوْجِ، وَلَا يَصِحُّ مِنَ الأَجْنَبِيِّ، فَلَوْ قَال: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ.
أَو: تَزَوَّجْتُ امرأَةً، فَهِيَ طَالِقٌ.
لَمْ تَطْلُقْ إِذَا تَزَوَّجَهَا.
وَعَنْهُ، تَطْلُقُ.
بابُ تعْليقِ الطَّلاقِ بالشُّروطِ
(يَصِحُّ ذلك مِن الزَّوجِ، ولا يَصِحُّ مِن الأجْنَبِيِّ، فلو قال: إن تَزَوَّجْتُ فُلانَةَ.
أو: تَزَوَّجْتُ امْرأةً، فهي طالقٌ.
لم تَطْلُقْ إن تَزَوَّجَها.
وعنه تَطْلُقُ) اخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في هذه المسألةِ، فالمشهُورُ عنه،
..................................
أنَّه لا يقَعُ الطَّلاقُ.
وهو قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ.
وبه قال عَطاءٌ، والحسَنُ، وعُرْوَةُ، وجابِرُ بنُ زيدٍ، وسَوَّارٌ القاضي، والشافعيُّ، وأبو ثَورٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
ورَواه التِّرْمِذِيُّ 1 عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، وجابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ، وعليِّ بنِ الحسينِ، وشُرَيحٍ، وغيرِ واحدٍ مِن فُقَهاءِ التَّابِعين.
ورُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، ما يَدُلُّ على وُقوعِ الطَّلاقِ.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأي؛ لأنَّه يَصِحُّ تَعْليقُه على الأخْطارِ، فَصَحَّ على حُدوثِ المِلْكِ، كالوَصِيَّةِ.
والأوَّلُ أصَحُّ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى؛ لِما رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا نَذْرَ لابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلَاقَ لابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ» 2. قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ، وهو أحْسَنُ ما رُوِيَ في هذا البابِ.
وعن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ، وَإنْ عَيَّنَهَا».
روَاه الدَّارَقُطْنِيُّ 3.
..................................
ورَوَى أبو بكرٍ، في «الشَّافي» 1، عن الخَلَّالِ، عن الرَّمادِيِّ، عن عبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن جويبِرٍ 2، عن الضَّحَّاكِ، عن النَّزَّالِ بنِ سَبْرَةَ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ» 3. قال أحمدُ: هذا عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وعِدَّةٍ مِن الصَّحابةِ.
ولأنَّ مَن لا يَقَعُ طَلاقُه بالمُباشَرَةِ، لا تَنْعَقِدُ له صِفَةٌ، كالمجْنونِ، ولأنَّه قَوْلُ مَنْ سَمَّينا مِن الصَّحابةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالف في عَصْرِهم، فيَكونُ إجْماعًا.
قال أبو بكرٍ في كتابِ «الشَّافي» (1): لا يَخْتَلِفُ قولُ أبي عبدِ اللهِ، أنَّ الطَّلاقَ إذا وَقَعَ قبلَ النِّكاحِ لا يَقَعُ، [وأنَّ العَتاقَ يَقَعُ] 4. والرِّوايةُ الأولَى أصَحُّ؛ لأنَّه تعْليقٌ للطَّلاقِ قبلَ المِلْكِ، فأشْبَهَ ما لو قال لأجْنَبيَّةٍ 5: إن دخلتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ.
ثم تَزَوَّجَ الأجْنَبِيَّةَ، ودَخَلَتْ، فإن الطَّلاقَ لا يقَعُ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه، كذلك هذا.
وَإنْ قَال لِأَجْنِبَيَّةٍ: إِنْ قُمْتِ فَأنْتِ طَالِقٌ.
فَتَزَوَّجَهَا، ثُمَّ قَامَتْ، لَمْ تَطْلُقْ رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَإنْ عَلَّقَ الزَّوْجُ الطَّلَاقَ بِشَرْطٍ، لَمْ تَطْلُقْ قَبْلَ وُجُودِهِ.
وَإنْ قَال: عَجَّلْتُ مَا عَلَّقْتُهُ.
لَمْ يَتَعَجَّلْ.
3540 - مسألة: (وإن قال لأجْنَبيَّةٍ: إن قُمْتِ فأنتِ طالِقٌ. فتَزَوَّجَها، ثم قَامَتْ، لم تَطْلُقْ رِوايةً واحدةً)
لا نَعْلَمُ فيه خلافًا؛ لأنَّه لم يُضِفْه إلى زَمَنٍ يَقَعُ فيه الطَّلاقُ، فأشْبَهَ ما لو أسْلَمَ فِي معدومٍ ولم يَذْكُرْ له أجلًا يُوجدُ السَّلَمُ فيه.
3541 -
مسألة: (وإن عَلَّقَ الزَّوْجُ الطَّلاقَ بِشَرْطٍ، لم تَطْلُقْ قبلَ وُجُودِه)
لأنَّه إزالةُ مِلْكٍ بُنِيَ على التَّغْلِيبِ والسِّرايةِ، أشْبَهَ العِتْقَ.
3542 -
مسألة: (وَإنْ قَال: عَجَّلْتُ ما عَلَّقْتُه. لم يَتَعجَّلْ)
لأنَّه
وَإنْ قَال: سَبَقَ لِسَانِي بِالشَّرْطِ وَلَمْ أُرِدْهُ.
وَقَعَ فِي الْحَالِ.
تعلُّقَ بالشَّرْطِ، فلم يَكُنْ له تَغيِيرُه، فإن أرادَ تعْجيلَ طَلاقٍ سِوَى تلك الطَّلْقَةِ، وَقَعتْ بها، فإذا جاءَ الزَّمنُ الذي علَّقَ الطُّلاقَ به وهي زَوْجَتُه، وقَعَ بها الطَّلاقُ المُعَلَّقُ.
3543 -
مسألة: (وإن قال: سَبَقَ لسَانِي بالشَّرْطِ ولم أُرِدْه. وَقَعَ
وَإِنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَال: أَرَدْتُ إِنْ قُمْتِ.
دُيِّنَ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ.
نَصَّ عَلَيهِ.
فِي الحَالِ) لأنَّه أقَرَّ على نَفْسِه بما يُوجِبُ التَّغْليظَ مِن غيرِ تُهْمَةٍ (1) وهو يَمْلِكُ إيقاعَه في الحالِ.
فصل: وإذا تَخَلَّلَ الشَّرْطَ وحُكْمَه غيرُهما تَخَلُّلًا مُنْتَظِمًا، كقولِه: أنتِ طالقٌ يا زانِيَةُ إن قُمْتِ.
لم يَقْطَعِ التَّعْليقَ.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن يَقْطعَه، ويُجْعَلَ كسَكْتَةٍ، كما لو قال بينَهما: سُبحانَ اللهِ.
أو: أسْتَغْفِرُ اللهَ.
ذكرَه صاحبُ «المُحَرَّرِ».
3544 -
مسألة: (وإن قَال: أنْتِ طَالِقٌ. ثُمّ قَال: أرَدْتُ إنْ قُمْتِ. دُيِّنَ)
لأنّه أعْلَمُ بنِيَّتِه، وما ادَّعاهُ مُحْتَمِلٌ، فأشْبَهَ ما لو قال: أنتِ طالقٌ.
ثم قال: أردتُ 2 مِن وَثاقٍ 3 (ولم يُقْبَلْ في الحُكْمِ.
نَصَّ عليه) لأنَّه يَدّعِي خلافَ ما يَقْتَضِيه [إطْلاقُ اللَّفْظِ] 4. وقال شيخُنا، في1
فَصْل: وَأَدوَاتُ الشَّرْطِ سِتَّةٌ 1؛ إِنْ، وَإِذَا، وَمَتَى، وَمَنْ، وَأَيّ، وَكُلَّمَا.
كتابِ «الكافي» 2: يُخَرَّجُ على رِوايَتَينِ.
إحداهما، لا يُقْبَلُ؛ لِما ذَكَرْنا.
والثَّانيةُ، يُقْبَلُ؛ لأنَّه مُحْتَمِلٌ، أشْبَهَ ما لو قال: أنتِ طالقٌ.
ثم قال: أرَدْتُ مِن وَثاقٍ 3. وهذا مثلُه، واللهُ أعلمُ.
فصل: (وأدواتُ الشَّرْطِ ستٌّ؛ إنْ، وإذَا، ومَتَى، ومَن، وأيّ، وكُلَّمَا).
وَلَيسَ فِيهَا مَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ إلا «كُلَّمَا»، وَفِي «مَتَى» وَجْهَانِ،
3545 - مسألة: (وليس فِيهَا مَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ إلَّا «كُلَّمَا»)
لأنَّ مَوضِعَها للتَّكرارِ، قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ 1. ولا نعلمُ في ذلك خلافًا.
(فأمَّا «مَتَى»، ففيها وَجْهان) أحدُهما، أنَّها تَقْتَضِي التَّكْرارَ.
ذَكَرَه أبو بكرٍ؛ لأنَّها تُسْتَعْملُ للتَّكْرارِ، بدليلِ قول الشَّاعرِ 2:
متى تَأْتِه تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِه … تَجِدْ خَيرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيرُ مُوقِدِ
أي: في كُلِّ وقتٍ.
ولأنَّها تُسْتَعْمَلُ في الشَّرْطِ والجزاءِ، ومتى وُجِدَ الشَّرْطُ تَرَتَّبَ عليه جَزاؤُه.
والثاني، لا تَقْتَضِيه.
قال شيخُنا 3: وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّها اسمُ زَمَنٍ بمعنى أيّ وقتٍ، وبمعنى إذا، فلا تَقْتَضِي ما لا يقْتَضِيانِه، وكوْنُها تُسْتَعْمَلُ للتَّكْرارِ في بعضِ أحْيانِها، لا يَمْنَعُ اسْتعمالها في غيرِه، مثلَ: «إذا»، وأيّ وقتٍ، فإنَّهما
وَكُلُّهَا عَلَى التَّرَاخِي إِذَا تَجَرَّدَتْ عَنْ «لَمْ»، فَإِنِ اتَّصَلَ بِهَا، يُسْتَعملانِ في الأمْرَينِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (1). ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيكُمْ﴾ (2). ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيتَهَا﴾ (3). وقال الشَّاعرُ (4): قَومٌ إذا الشَّرُّ أبْدَى نَاجِذَيه لهمْ … طَارُوا إليه زَرَافاتٍ ووُحْدانَا وكذلك أيّ وَقْتٍ وأيّ زمانٍ، فإنَّهما يُسْتَعْملانِ للتَّكْرارِ، وسائرُ الحروفِ يُجازَى بها، إلَّا أنَّها لمَّا كانتْ تُسْتعمَلُ للتَّكْرارِ وغيرِه، لا تُحْمَلُ على التَّكْرارِ إلَّا بدليلٍ، كذلك «متى» (5).
3546 -
مسألة: (وَكُلُّهَا عَلَى التَّرَاخِي إذَا تَجَرَّدَتْ عن «لَمْ»،
12345
صَارَتْ عَلَى الْفَوْرِ، إلا «إِنْ»، وَفِي «إِذَا» وَجْهَانِ.
فَإِنْ قَال: إِنْ قُمْتِ.
أَوْ: إِذَا قُمْتِ.
أَوْ: مَنْ قَامَ مِنْكُنَّ.
أَوْ: أَيَّ وَقْتٍ قُمْتِ.
أَوْ: مَتَى قُمْتِ.
أَوْ: كُلَّمَا قُمْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَمَتَى قَامَتْ، طَلُقَتْ،
فَإذَا اتَّصَلَتْ بِهَا صَارَتْ عَلَى الفَوْرِ، إلَّا «إنْ»، وَفِي «إذَا» وَجْهَانِ) متَى علَّقَ الطَّلاقَ بإيجادِ فعلٍ بواحدٍ منها، كان على التَّراخِي (فإذا قال: إن قُمْتِ.
أو: إذا قُمْتِ.
أَوْ: مَنْ قام مِنْكُنَّ.
أو: أيَّ وقْتٍ قُمْتِ.
أو: مَتى قُمْتِ.
أو: كُلَّما قُمْتِ، فأنتِ طالقٌ.
فمتى قامَتْ طَلُقَتْ) لوُجودِ الشَّرْطِ، وإن ماتَ أحدُهما قبلَ وُجودِ الشَّرْطِ، سقَطَتِ اليَمِينُ.
3547 -
مسألة
..................................
قال: إنْ لم تَدْخُلِي الدَّارَ فأنتِ طالقٌ.
لم يَقَعِ الطَّلاقُ إلَّا عندَ تعَذُّرِ إيقاعِه بالموْتِ، أو ما يقومُ مَقامَه.
3548 -
مسألة: (وَفِي «إذَا» وَجْهَانِ)
أحدُهما، هي على التَّراخِي.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
ونَصَرَه القاضي؛ لأنَّها تُسْتعملُ شَرْطًا بمعنى «إنْ»، قَال الشَّاعرُ 1:
وإذا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجمَّلِ 2
فجزَمَ بها كما يَجْزِمُ بإنْ، ولأنّها تُسْتَعْملُ بمعنى «متى» و «إنْ»، وإذا احْتَمَلَتِ الأمْرَينِ، فاليقينُ بقاءُ النَّكاحِ، فلا يَزولُ بالاحْتمالِ.
والآخَرُ، أنَّها على الفَوْرِ.
وهو قولُ أبي يوسف، ومحمدٍ.
وهو المنْصوصُ الشافعيِّ؛ لأنَّها اسمٌ لزَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، فتَكونُ كمتى.
..................................
وأمَّا المُجازَاة بها فلا تخْرِجها عن مَوْضوعِها، فإن «متى» يُجازَى بها، ألَا ترَى إلى قول الشَّاعرِ:
مَتَى تَأْتِه تَعْشَو إلى ضَوْءِ نَارِه … تَجِدْ خَيرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيرُ مُوقِدِ
و «مَنْ» يُجازَى بها أيضًا، وكذلك «أيّ» وسائرُ الحروفِ، ولم يُخْرِجْها ذلك عن كَوْنِها للفَوْرِ في النَّفْي.
فصل: وقولهم: إنَّ هذه الأدواتِ الأرْبَعَ في النَّفْي تكون على الفَوْرِ.
صَحِيحٌ في «كلَّما» و «أيّ» و «مَتى»، فإنَّها تَعُمُّ الزَّمانَ، فإذا قال: كلَّما لم أُطَلِّقْكِ.
أو: أيّ وقتٍ لم أطَلِّقْكِ.
أو: متى لم أُطَلِّقْكِ، فأنتِ طالقٌ.
ثم مَضَى زَمَنٌ يُمْكِن 1 طَلاقُها فيه، ولم يُطَلِّقْها، طَلُقَتْ؛ لوجودِ الصِّفَةِ، فإنَّها اسمٌ لوقْتِ الفعلِ، فيقَدَّرُ بها 2، ولهذا يَصِحُّ
وَإِنْ تَكَرَّرَ الْقِيَامُ لَمْ يَتَكَرَّرِ الطَّلَاقُ إلا فِي «كُلَّمَا»، وَفِي
السُّؤالُ به، فتقولُ: متى دَخَلْت.
أو: أيُّ وقْتٍ دَخَلْت.
أمَّا «مَنْ» فليستْ مِن أسْماءِ الزَّمانِ، إنَّما تَعُمُّ الأشْخاصَ، فلا يَظْهَرُ لي أنَّها تَقْتَضِي الفَوْرَ لذلك.
فعلى هذا، إذا قال: مَنْ لم أُطَلِّقْها منْكُنّ فهي طالقٌ.
لم تَطْلُقْ واحدةٌ منهنَّ، إلَّا أن يتَعَذَّرَ طَلاقُها، كما قلنا في «إنْ» إذا قال: إنْ لم أُطَلِّقْكِ فأنتِ طالقٌ.
فإنّ كلَّ واحدةٍ منهما ليستْ مِن أسْماءِ الزَّمانِ.
والله أعلمُ.
3549 -
مسألة: (فَإنْ تَكَرَّرَ القِيَامُ لم يَتَكَرَّرِ الطَّلاقُ، إلَّا في
«مَتَى» فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَلَوْ قَال: كُلَّمَا أَكَلْتِ رُمَّانَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَكُلَّمَا أَكَلْتِ نِصْفَ رُمَّانَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَأَكَلَتْ رُمَّانَةً، طَلُقَتْ ثَلَاثًا، وَلَوْ جَعَلَ مَكَانَ «كُلَّمَا» إِنْ أَكَلْتِ.
لَمْ تَطْلُقْ إلا اثْنَتَينِ.
«كلَّما»، وفي «متى» في أحدِ الوَجْهَينِ) وقد ذَكَرْنا دليلَ الوَجْهَينِ فِي مُقْتَضَاها (1) التَّكْرَارَ وعَدَمَه.
3550 -
مسألة: (فإذا قال: كلَّما أكَلْتِ رُمَّانَةً فأنْتِ طَالقٌ، وكُلَّما أَكَلْتِ نِصْفَ رُمَّانَةٍ فأنْتِ طالقٌ. فأكَلَتْ رُمَّانَةً، طَلُقَتْ ثَلاثًا)
لوُجُودِ صِفَةِ النِّصْفِ مَرَّتَينِ، والجميعِ مَرَّةً، فَتَطْلُقُ بِكُلِّ نِصْفٍ طَلْقَةً، وبِالرُّمَّانَةِ طَلْقَةً.
[فإنْ نوى نِصْفًا مُفردًا عن الرُّمَّانةِ، أو كانت مع الكلامِ قَرِينةٌ تَقْتَضى ذلك، لم يَحْنَثْ حتَّى تَأْكُلَ ما نَوى تَعَلُّقَ الطَّلاقِ به؛ لأنَّ مَبْنى الأيمَانِ على النِّيَّةِ] 2. (ولو جَعَلَ مَكَانَ كلَّما «إن» لم تَطْلُقْ إلَّا طَلْقَتَينِ) بصِفَةِ النِّصْفِ مَرَّةً، وبالكمالِ مَرَّةً، ولا تَطْلُقُ بالنِّصْفِ الآخَرِ، لأنَّها لا تَقْتَضِي التَّكْرارَ.1
وَلَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى صِفَاتٍ ثَلَاثٍ فَاجْتَمَعْنَ فِي عَينٍ وَاحِدَةٍ، مِثْلَ أنْ يَقُولَ: إِنْ رَأَيتِ رَجُلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ رَأيتِ أَسْوَدَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ رَأَيتِ فَقِيهًا فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَرَأَتْ رَجُلًا أَسْوَدَ فَقِيهًا، طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
3551 - مسألة: (ولو عَلَّقَ طلاقَها على صِفاتٍ ثلاثٍ فاجْتَمعْن في عَينٍ واحِدَةٍ، نحوَ أنْ يَقُولَ: إنْ رَأَيتِ رَجُلًا فأنْتِ طَالقٌ.
وإنْ رَأَيتِ أسْوَدَ فأنْتِ طالقٌ، وإن رَأيتِ فَقِيهًا فأنْتِ طالقٌ.
فرَأتْ رَجُلًا أسْوَدَ فَقِيهًا، طَلُقَتْ ثلاثًا)
لوُجودِ الصِّفاتِ الثّلاثِ فيه، أشْبَهَ ما لو رَأَتْ ثلاثةً فيهم الثّلاثُ الصِّفاتِ.
فصل: وهذه الحروفُ السِّتَّةُ إذا تَقَدَّمَ جَزاؤُها عليها، لم تَحْتَجْ إلى حرفِ الفاءِ في الجزاءِ، كقولِه: أنتِ طالقٌ إن دخلتِ الدَّارَ.
وإن تَأَخَّرَ جَزاؤُها، احْتاجَتْ في الجزاءِ إلى حرفِ الفاءِ، إذا كان جُمْلَةً مِن مبتدأٍ وخَبَرٍ، كقولِه: إن دخلتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ.
وإنَّما اخْتَصَّتْ بالفاءِ؛ لأنَّها للتَّعْقِيبِ، فتَرْبِطُ بينَ الجزاءِ وشَرْطِه، وتَدُلُّ على تَعْقِيبِه به.
وَإِنْ قَال: إِنْ لَمْ أَطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، لَمْ تَطْلُقْ إلا فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاةِ أَحَدِهِمَا، إلا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ.
3552 - مسألة:. (وإن قال: إن لم أطَلِّقْكِ فَأنْتِ طَالقٌ. لَمْ تَطْلُقْ إلَّا في آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَياةِ أحَدِهِمَا، إلَّا أنْ يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ)
لأنَّ حرفَ «إن» موْضوعٌ للشَّرْطِ، لا يَقتَضِي زَمَنًا، ولا يَدُلُّ عليه إلَّا مِن حيثُ إنَّ الفِعْلَ المُعَلَّقَ به مِنْ ضَرُورَته الزَّمانُ، فلا يَتَقَيَّدُ بزَمَنٍ مُعَيَّنٍ، فما عُلِّقَ عليه كان على التَّراخِي، سواءٌ في ذلك الإِثْباتُ والنَّفْيُ.
فعلى هذا إذا قال: إن لم أُطَلِّقْكِ فأنتِ طالقٌ.
ولم يَنْو وَقْتًا بعَينِه، ولم يُطَلِّقْها، كان ذلك على التَّراخِي، لا يَحْنَثُ بِتأْخِيرِه؛ لأنَّ كُلَّ زَمَنٍ يُمْكِنُ أن يفْعَلَ فيه ما حَلَفَ عليه، فلم يَفُتِ الوقتُ، فإذا مات أحدُهما عَلِمْنا حِنْثَه حينئذٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ إيقاعُ الطَّلاقِ بها بعدَ موتِ أحدِهما، فَتَبَيَّنَ أنَّه يَقَعُ، إذْ 1 لم يَبْقَ مِن حياتِه ما يتَّسِعُ لتَطْليقِها.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
ولا نعلمُ فيه بينَ أهلِ العلمِ خلافًا.
ولو قال: إن لم أُطَلِّقْ عَمْرَةَ فحفصةُ طالقٌ.
..................................
فأيُّ الثَّلاثةِ ماتَ أوَّلًا وقعَ الطَّلاقُ قَبْلَ موْتِه؛ لأنَّ تَطْليقَه حَفْصَةَ على وَجْهٍ تَنحَلُّ به يَمِينُه، إنَّما يكونُ في حياتِهم جميعًا.
وكذلك لو قال: إن لم أُعْتِقْ عَبْدِي.
أو: إن لم أضْرِبْه، فامْرأتِي طالقٌ.
وقعَ بها الطَّلاقُ في آخِرِ جُزْءٍ مِن حياةِ أوَّلِهم مَوْتًا.
فأمّا إن عَيَّنَ وَقْتًا بلَفْظِه أو نِيَّتِه، تَعَيَّنَ، وتَعَلَّقَتْ يمينُه به.
قال أحمدُ: إذا قال: إن لم أضْرِبْ فُلانًا فأنتِ طالقٌ ثلاثًا.
فهو على ما أرادَ مِن ذلك؛ وذلك لأنَّ الزَّمانَ المحْلوفَ على تَرْكِ الفِعْلِ فيه تَعَيَّنَ بنِيَّتِه وإرادَتِه، فصارَ كالمُصَرّحِ به في لَفْظِه، فإنَّ مَبْنَى الأيمانِ على النِّيَّةِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَإنَّما لامْرِئٍ مَا نَوَى» 1.
فصل: إذا كان المُعَلَّقُ طلاقًا بائِنًا فماتَتْ، لم يَرِثْها، لأنَّ طَلاقَه أبانَها منه، فلم يَرِثْها، كما لو طَلَّقَها ناجِزًا عندَ مَوْتِها.
وإن ماتَ وَرِثَتْه.
نَصَّ عليه أحمدُ في روايةِ أبي طالبٍ، إذا قال الرَّجلُ لزَوْجَتِه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إن لم أتَزَوَّجْ عليكِ.
[وماتَ ولم] 2 يَتَزوَّجْ عليها، وَرِثَتْه، وإن ماتَتْ،
..................................
لم يَرِثْها؛ وذلك لأنَّها تَطْلُقُ في آخِرِ حياتِه، فأشْبَهَ طَلاقَه لها في تلك الحالِ.
ونحوَ هذا قال عطاءٌ، ويحيى الأنْصارِيُّ.
ويتَخَرَّجُ لنا أنَّها لا تَرِثُه أيضًا.
وهذا قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ، والشَّعْبِيِّ، وأبي عُبَيدٍ؛ لأنَّه إنَّما طَلَّقَها في صِحَّتِه، وإنَّما تَحَقَّقَ شَرْطُ وُقوعِه في المرضِ، فلم تَرِثْه، كما لو عَلَّقَه على فِعْلِها، ففَعَلَتْه في مَرَضِه.
وقال أبو حنيفةَ: إن حَلَفَ إن لم تَأْتِ البَصْرَةَ فأنتِ طالقٌ.
فلم تَفْعَلْ، فإنَّهما لا يَتوارَثانِ، وإن قال: إن لم آتِ البصرةَ فأنتِ طالقٌ.
فماتَ، وَرِثَتْه، وإن ماتَت لم يَرِثْها؛ فإنَّه في الأُولَى عَلَّقَ الطَّلاقَ على فِعْلِها، فإذا امْتَنَعتْ منه، فقد حَقَّقَتْ شَرْطَ الطَّلاقِ، فلم تَرِثْه، كما لو قال: إن دَخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ.
فدَخَلَتْها، وإذا عَلَّقَه على فِعْلِ نفْسِه، فامْتَنَعَ، كان الطّلاقُ منه، فأشْبَهَ ما لو نَجَزَه في الحالِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّه طَلاقٌ في مرضِ مَوْتِه، فمنعَه مِيراثَه 1، ولم يَمْنَعْها، كما لو طَلَّقَها ابتداءً، ولأن الزّوجَ أخَّرَ الطَّلاقَ اخْتِيارًا منه حتى وقعَ ما عَلَّقَ عليه في مرضِه، فصارَ كالمُباشِرِ له.
فأمَّا ما ذُكِرَ عن أبي حنيفةَ، فحسَنٌ إذا كان الفِعْلُ ممّا لا مَشَقَّةَ عليها فيه؛ لأنَّ تَرْكَها له كفِعْلِها لِما حَلَف عليها لتَتْرُكَه، وإن كان ممَّا فيه مَشَقّةٌ، فلا يَنْبَغِي أن يَسْقُطَ مِيراثُها بتَرْكِه، كما لو حَلَفَ عليها بتَرْكِ ما لا بُدّ لَها مِن فِعْلِه.