وَتَصَرُّفُ الرَّاهِنِ فِي الرَّهْنِ لَا يَصِحُّ، إلا الْعِتْقَ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ وَتُؤخَذُ مِنْهُ قِيمَتُهُ رَهْنًا مَكَانهُ.
وَعَنْهُ، لَا يَنْفُذُ عِتْقُ الْمُعْسِرِ.
1786 - مسألة: (وتَصَرُّفُ الرَّاهِنِ في الرَّهْنِ لا يَصِحُّ، إلَّا العِتْقَ، فإنَّه يَصِح، وتُؤْخَذُ منه قِيمَتُه 1 رَهْنًا مكانَه. وعنه، لا يَنْفُذُ عِتْقُ المُعْسِرِ) إذا تَصَرَّفَ الرَّاهِنُ [في الرَّهْنِ] 2 بغَير رِضَا المُرْتَّهِنِ، بغَيرِ العِتْقِ، كالبَيعِ والهِبَةِ، والوَقْفِ، والرَّهْنِ، ونحْوه، فتَصَرُّفُه باطِلٌ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ حَقَّ المُرْتَّهِنِ مِن الوَثِيقَةِ، غيرُ مَبْنِيٍّ على التَّغْلِيبِ والسِّرايَةِ، فلم يَصِحَّ بغَيرِ إذْنِ المُرْتَّهِنِ، كفَسْخِ الرَّهْنِ. وفي الوَقْفِ وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَصِحُّ؛ لأنَّه يَلْزَمُ لحَقِّ اللهِ تَعالى، أشْبَهَ العِتْقَ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّه تَصَرُّف لا يَسْرِي إلى مِلْكِ الغيرِ، فلم يَصِحَّ، كالهِبَةِ. فإن أذِن فيه المُرْتَهِنُ 3، صَحَّ، وبَطَلَ الرَّهْنُ؛ [لأنَّه أذِن فيما يُنافِي حَقَّه، فبَطَل بفِعْلِه، كالعِتْقِ] (2)، إلَّا أن يَأذَنَ في البَيعِ، ففيه تَفْصِيلٌ نَذْكُرُه فيما بَعْدُ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
..................................
فصل: وليس للرَّاهِنِ الانْتِفاعُ بالرَّهْنِ، باسْتِخْدام، ولا وَطْء، ولا سُكْنَى، ولا غيرِ ذلك.
ولا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيه بإجارَةٍ ولا إعارَةٍ ولا غيرِهما بغيرِ رِضَا المُرْتَّهِنِ.
وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال مالكٍ، وابنُ أبي ليلى، والشّافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: للرّاهِنِ إجارَتُه وإعارَتُه مُدَّةً لا يَتَأخَّرُ انْقِضاؤها عن حُلُولِ الدَّينِ.
وهل له أن يَسْكُنَ بنَفْسِه؟ على اخْتِلافٍ، بينَهم فيه 1. وإن كان الرَّهْنُ عَبْدًا، فله اسْتِيفاءُ مَنافِعِه بغَيرِه، وهل له ذلك بنَفْسِه؟ على الخِلافِ.
وليس له إجارَةُ الثَّوْبِ ولا ما يَنْقُصُ بالانْتِفاعِ.
وبَنَوْه على أنَّ المنافِعَ للرَّاهِنِ لا تَدْخُلُ في الرَّهْنِ، ولا يَتَعَلَّقُ بها حَقُّه، وسَيَأتِي الكلامُ فيه.
ولَنا، أنَّها عَينٌ 2 مَحْبُوسَةٌ، فلم يَكُنْ للمالكِ الانْتِفاعُ بها، كالمَبِيعِ المَحْبُوسِ عندَ البائِعِ على قَبْضِ ثَمَنِه.
إذا ثَبَت هذا فإن المُتراهِنَين إن لم يَتَّفِقا على الانْتِفاعِ بها، لم يَجُزْ
..................................
الانْتِفاعُ، وكانت منافِعُها 1 مُعَطَّلَةً، فإن كانت دارًا أُغْلِقَتْ، وإن كان عَبْدًا أو غيرَه تَعَطَّلَتْ مَنافِعُه، حتَّى يَنْفَكَّ الرَّهْنُ.
فإنِ اتَّفَقَا علي إجارَةِ الرَّهْنِ، أو 2 إعارَتِه، جاز ذلك، في ظاهِر قولِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه جَعَل غَلَّة الدّارِ وخِدْمَةَ العَبْدِ مِن الرَّهْنِ، ولو عُطِّلَتْ مَنافِعُهما لم يَكُنْ لهما غَلَّة.
وقال ابنُ أبي مُوسى: إن أذِن الرَّاهِنُ للمُرْتَهِنِ في إعارَته، أو إجارَتِه، صَحَّ، والأجْرَةُ رَهْنٌ، وإن أجَرَهُ الرَّاهِنُ بإذْنِ المُرْتَّهِنِ، خَرَجِ مِن الرَّهْنِ، في أحَدِ الوَجْهَين، ولا يَخْرُجُ في الآخَرِ، كما لو أجَرَه المُرْتهِنُ.
وقال أبو الخَطَّاب في المُشاعِ: يُؤْجرُه الحاكِمُ لهما.
وذكَر أبو بكر في «الخِلافِ»، أنَّ مَنافِعَ الرَّهْنِ تُعَطَّلُ مُطْلَقًا، ولا يُؤْجِراه.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
وقالُوا: إذا أجَرَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ 3 بإذْنِ المُرْتَّهِنِ، كان إخْراجًا مِن الرَّهْنِ؛ لأنَّ الرَّهْنَ يَقتَضِي حَبْسَه عندَ المُرْتَّهِنِ أو نائِبِه على الدَّوامِ، فمتى وُجِدَ عَقْدٌ يَسْتَحِقُّ به زَوال الحَبْسِ، زال الرَّهْنُ.
ولَنا، أنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ الاسْتِيثاقُ بالدَّينِ واسْتِيفاؤه مِن ثَمَنِه عندَ تَعَذُّرِ اسْتِيفائِه مِن ذِمَّةِ الرَّاهِنِ، وهذا لا يُنافِي الانْتِفاعَ به، ولا
..................................
إجارَتَه، و 1 إعارَتَه، فجاز اجْتِماعُهما، كانْتِفاعِ المُرْتَّهِنِ به، ولأنَّ تَعْطِيلَ مَنْفَعَتِه تَضْيِيع للمالِ، وقد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعَتِه 2، ولأنَّه عَينٌ تَعَلَّقَ بها حَقُّ الوَثِيقَةِ، فلم يَمْنَعْ إجارَتَها، كالعَبْدِ إذا ضَمِن بإذْنِ سَيِّدِه، ولا نُسَلِّمُ أنَّ مُقْتَضَى الرَّهْنِ الحَبْسُ، بل مُقْتَضاه تَعَلّقُ الحَقِّ به على وَجْهٍ تَحْصُلُ به الوَثِيقَةُ، وذلك غيرُ مُنافٍ للانْتِفاعِ به.
ولو سَلَّمْنا أنَّ مُقْتَضَاهُ الحَبْسُ، فلا يَمْنَعُ [أن يكون] 3 المُسْتَأجِرُ نائِبًا عنه في إمْساكِه وحَبْسِه، ومُسْتَوْفِيًا مَنْفَعَتَه لنَفْسِه.
فصل: ولا يُمْنَعُ الرَّاهِنُ مِن إصْلاحٍ الرَّهْنِ، ودَفْعِ الفَسادِ عنه، ومُداواتِه إنِ احْتاجَ إليها، فإذا كان ماشِيَة فاحْتاجَتْ إلى إطْراقِ الفَحْلِ، فللرّاهِنِ ذلك؛ لأنَّ فيه مَصْلَحَةَ الرَّهْنِ وزِيادَتَه، وذلك زِيادَةٌ في حَقِّ 4 المُرْتَّهِنِ مِن غيرِ ضَرَرٍ، وإن كانت فُحُولًا لم يَكُنْ للرَّاهِنِ إطْراقُها بغيرِ رِضَا المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّه انْتِفاعٌ لا مَصْلَحَةَ للرَّهْنِ 5 فيه، فهو كالاسْتِخْدامِ، إلَّا أن يَكُون يَتَضَرَّرُ بتَرْكِ الإطْراقِ، فيَجُوزُ؛ لأنَّه كالمُداواةِ له.
..................................
فصل: وليس للرّاهِنِ عِتْقُ الرَّهْنِ؛ لأنَّه يُبْطِلُ حَقَّ المُرْتَّهِنِ مِن الوَثِيقَةِ، وذلك إضْرارٌ به، فإن فَعَل، نَفَذ عِتْقُه، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال شَرِيك، والحسنُ بنُ صالح، وأصحابُ الرَّأْي، والشّافعيُّ في أحَدِ أقْوالِه.
إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: يَسْتَسْعِي العَبْدَ في قِيمَتِه إن كان المُعْتِقُ مُعْسِرًا 1. وعن أحمدَ، أنَّه لا يَنْفُذُ عِتْقُ المُعْسِرِ.
ذَكَرها الشَّرِيفُ أبو جَعْفَر.
وهو قولُ مالكٍ، والقولُ الثّانِي للشافعيِّ؛ لأنَّ عِتْقه يُسْقِطُ حَقَّ المُرْتَّهِنِ مِن الوَثِيقَةِ مِن عَينِ الرَّهْنِ وبَدَلِها، فلم يَنْفُذْ؛ لِما فيه مِن الإِضْرارِ بالمُرْتَهِنِ، ولأنَّه عِتْق يُبْطِلُ حَقَّ غيرِ المالك، فنَفَذَ مِن المُوسِرِ دُونَ المُعْسِرِ، كعِتْقِ شِرْكٍ له في عَبْدٍ.
وقال عطاء، والبَتِّيُّ، وأبو ثَوْرٍ: لا يَنْفُذُ عِتْقُ الرَّاهِنِ.، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا.
وهو القولُ الثّالث للشافعي؛ لأنَّه مَعْنًى يُبْطِلُ حَقَّ الوَثِيقَةِ مِن الرَّهْنِ، أشْبَهَ البَيعَ.
ولَنا، أنَّه إعْتاق مِن مالكٍ جائِزِ التَّصَرُّفِ تام المِلْكِ، فنَفَذَ، كعِتْقِ المُسْتَأجِرِ، ولأنَّ الرَّهْنَ عَين مَحْبُوسَةٌ لاسْتِيفاءِ الحَقِّ، فنَفَذَ فيها عِتْقُ المالكِ، كالمَبِيعِ في يَدِ البائِعِ، والعِتْقُ يُخالِف البَيعَ، فإنَّه مَبْنِيٌّ على التَّغْلِيبِ والسرايَةِ، ويَنْفُذُ في مِلْك الغيرِ، ويَجُوزُ عِتْقُ المَبِيعِ قبلَ قَبْضِه، والآبِقِ، والمَجْهُولِ، وما لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، ويَجُوزُ تَعْلِيقُه على الشروطِ 2،
..................................
بخِلافِ البَيعِ.
إذا ثَبَت هذا، فإن كان مُوسِرًا، أُخِذَتْ منه قِيمَتُه، فجُعِلَتْ مَكانَه رَهْنًا؛ لأنَّه أْبطَلَ حَقَّ الوَثِيقَةِ بغيرِ إذْنِ المُرْتَهِنِ، فلَزِمَتْه قِيمَتُه، كما لو أَبْطَلَها أجْنَبِيٌّ، أو كما لو أتْلَفَه، وتَكُونُ القِيمَةُ رَهْنًا؛ لكَوْنِها نائِبَةً عن العَينِ، وبَدَلًا منها، وإن كان مُعْسِرًا فهي في ذِمَّتِه، فإن أيسَرَ قبلَ حُلُولِ الحَقِّ، أُخِذَتْ منه فجُعِلَتْ رَهْنًا، إلَّا أن يَخْتارَ تَعْجِيلَ الحَقِّ، فيَقْضِيَه، ولا يَحْتاجُ إلى رَهْن، وإن أْيسَرَ بعدَ حُلُولِ الحَقِّ طُولِبَ بالدَّين خاصَّةً؛ لأنَّ ذِمته تَبْرأ به مِن الحَقَّين معًا.
والاعْتِبارُ بقِيمَةِ العَبْدِ حال العِتْقِ؛ لأنَّه وَقْتُ الإِتْلافِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ في المُعْسِرِ: يَسْتَسْعِي العَبْدَ في قِيمَتِه، ثم يَرْجِعُ على الرَّاهِنِ.
وفيه إيجابُ الكَسْبِ على العَبْدِ، ولا صُنْعَ له، ولا جِنايَةَ منه، فكان إلْزامُ الغُرْمِ للمُتْلِفِ أوْلَى، كحالِ اليَسارِ، وكسَائِرِ الإِتْلافِ.
فصل: فإن أعْتَقَه بإذْنِ المُرْتَّهِنِ، فلا نعلمُ خِلافًا في نُفُوذِ عِتْقِه على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ المَنْعَ كان لحَقِّ المُرْتَّهِنِ، وقد أذِنَ، ويَسْقُطُ حَقُّه مِنَ الوَثِيقَةِ مُوسِرًا كان المُعْتقُ أو مُعْسِرًا؛ لأنَّه أذِنَ فيما يُنافِي حَقَّه، فإذا وُجِدَ، زال حَقُّه، وقد رَضِيَ به لرِضاه بما يُنافِيه وإذْنِه فيه، فلم يَكُنْ له بَدَلٌ.
فإن رَجَع عن الإِذْن قبلَ العِتْقِ، وعَلِم الرَّاهِنُ برُجُوعِه، بَطَل الإِذْنُ، وإن لم يَعْلَمْ برُجُوعِه، فأعْتَقَ، ففيه وَجْهان، بناءً على عَزْلِ
وَقَال الْقَاضِي: لَهُ تَزْويجُ الأمَةِ، وَيَمْنَعَ الزَّوْجَ وَطْأها، وَمَهْرُهَا رَهْنٌ مَعَهَا.
وَالْأوَّلُ أصَحُّ.
الوَكِيلِ بدُونِ عِلْمِه.
وإن رَجَعَ بعدَ العِتْقِ، لم يَنْفَعْه الرُّجُوعُ، والقولُ قولُ المُرْتَّهِنِ مع يَمينِه؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ الإِذْنِ.
وإنِ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَوَرَثَةُ المُرْتَّهِنِ، فالقولُ قولُ [وَرَثَةِ المُرْتَّهِنِ] (1) أيضًا، إلَّا أنَّ أيمانَهُم على نَفْي العِلْمِ؛ لأنَّها على فِعْلِ الغَيرِ.
وإنِ اخْتَلَفَ المُرْتَهِنُ ووَرَثةُ الرَّاهِنِ، فالقولُ قولُ المُرْتَّهِنِ مع يَمينِه، وإن لم يَحْلِفْ، قُضِيَ عليه بالنُّكُولِ.
1787 -
مسألة: وليس له
2 تزْويجُ 3 الأمَةِ المَرْهُونَةِ، فإن فَعَل، لم يَصِحَّ.
وهذا اخْتِيارُ أبي الخَطَّابِ، وقولُ مالك، والشافعيِّ.
وقال القاضِي وجَماعَة مِن أصحابِنا: يَصِحُّ وللمُرْتَهِنِ مَنْعُ الزَّوْجِ مِن وَطْئِها لحَق المُرْتَّهِنِ، حتَّى لا تَخْرُجَ عن يَدِه، فيَفُوتَ القَبْضُ (ومَهْرُها رَهْنٌ معها) لأنَّه مِن نَمائِها وبِسَبَبِها، فكان رَهْنًا معها، كأجْرَتِها وسائِرِ1
..................................
نَمائِها.
وهذا مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ مَحَلَّ النِّكاحِ غيرُ مَحَلِّ عَقْدِ الرَّهْنِ، ولذلك صَحَّ رَهْنُ المُزَوَّجَةِ، ولأنَّ الرَّهْنَ لا يُزِيلُ المِلْكَ، فلم يَمْنَعِ التَّزْويجَ، كالإِجارَةِ.
ولَنا، أَنَّه تَصَرُّف في الرَّهْنِ بما يَنْقُصُ ثَمَنَه، ويَشْغَلُ 1 بعضَ مَنافِعِه، فلم يَمْلِكْه الرّاهنُ بغيرِ رِضَا المُرْتَّهِنِ، كالإِجارَةِ، ولا يَخْفَى تَنْقِيصُه لثَمَنِها، فإنَّه يُعَطِّلُ مَنافِعَ بُضْعِها 2، ويَمْنَعُ مُشْتَرِيَها مِن وَطْئِها وحِلِّها، ويُوجِبُ عليها تَمْكِينَ زَوْجِها مِن الاسْتِمْتاعِ بها، ويُعَرِّضُها بوَطْئِه للحَمْلِ الذي يُخافُ منه تَلَفُها، ويَشْغَلُها عن خِدْمَتِه بتَرْبِيَةِ وَلَدِها، فتَذْهَبُ الرَّغْبَةُ فيها، وتَنْقُصُ نَقْصًا كثيرًا، ورُبَّما مَنَعَ بَيعَها بالكُلِّيَّةِ.
وقَوْلُهم: إنَّ مَحَلَّ عَقْدِ النِّكاحِ غيرُ محَل الرَّهْنِ.
غيرُ صَحِيحِ؛ فإن مَحَلَّ الرَّهْنِ مَحَلُّ البَيعِ، والبَيعُ يَتَناوَلُ جُمْلَتَها، ولهذا يُباحُ لمُشْتَرِيها اسْتِمْتاعُها، وإنَّما صَحَّ رَهْنُ المُزَوجَةِ؛ لبَقَاءِ مُعْظَمِ المَنْفَعةِ فيها، وبَقائِها مَحَلًّا للبَيعِ، كما يَصِحُّ رَهْنُ المُسْتَأجَرَةِ.
ويُفارِقُ الرَّهْنُ الإِجارَةَ، فإن التَّزْويجَ لا يُؤثِّرُ في مَقْصُودِ الإِجارَةِ، ولا يَمنَعُ المُسْتَأجِرَ مِن اسْتِيفاءِ المَنافِعِ المُسْتَحَقَّةِ له، ويُؤَثِّرُ
وَإنْ وَطِئ الْجَارِيَةَ، فَأولَدَهَا، خَرَجَتْ مِنَ الرَّهْنِ، وَأخِذَتْ مِنْهُ قِيمَتُهَا، فَجُعِلَتْ رَهْنًا.
في مَقْصُودِ الرَّهْنِ، وهو اسْتِيفاءُ الدَّينِ مِن ثَمَنِها؛ لأنَّ تَزْويجَها يَمْنَعُ بَيعَها، أو يَنْقُصُ ثَمَنَها، فيَتَعَذَّرُ اسْتِيفاءُ الدَّينِ بكَمالِه.
1788 -
مسألة: (وإنْ وَطِئ الجارِيَةَ، فأوْلَدَها، خَرَجَتْ مِن الرَّهْنِ، وأخِذَتْ منه قِيمَتُها، فجُعِلَتْ رَهْنًا)
لا يَجُوزُ للرَّاهِنِ وَطْءُ أمتِه المَرْهُونَةِ، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ.
وقال بعضُ أصحابِ الشَّافعيِّ: له وَطْءُ الآيِسَةِ والصَّغِيرَةِ؛ لكَوْنِه لا ضَرَرَ فيه، فإن عِلَّةَ المَنْعِ خَوْفُ الحَمْلِ، مَخافَةَ أن تَلِدَ منه، فتَخْرُجَ مِن الرّهْنِ، أو تَتَعَرَّضَ للتَّلَفِ، وهذا مَعْدُوم فيهما.
وسائِرُ أهْلِ العِلْمِ على خِلافِ هذا.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَع أهْلُ العِلْمِ على أنَّ للمُرْتَهنِ مَنْعَ الرَّاهِنِ مِن وَطْءِ أمَتِهِ المَرْهُونَةِ.
ولأن سائِرَ مَن يَحْرُمُ وَطْؤُها لا فرْقَ فيه بين الآيِسَةِ والصَّغِيرَةِ وغَيرِهما، كالمُعْتَدَّةِ والمُسْتَبْرَأةِ والأجْنَبِيةِ، ولأنَّ الوَقْتَ الذي تَحْبَلُ 1 فيه يَخْتَلِفُ، ولا يَتَحَرَّرُ 2، فمُنِعَ مِن الوَطْءِ جُمْلَةً، كما حَرُمَ الخَمْرُ
..................................
للسُّكْرِ، وحَرُمَ منه اليَسِيرُ الذي لا يُسْكِر؛ لِكَوْنِ السّكْرِ يَخْتَلِفُ.
فإن وَطِئ، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّها مِلْكُه، وإنَّما حَرمَتْ عليه لعارِض، كالمُحْرِمَةِ والصَّائِمَةِ.
ولا مَهْرَ عليه، لأنَّ المُرْتَهِنَ لا حَقَّ له في مَنْفَعَتِها، ووَطْؤُها لا يَنْقصُ قِيمَتَها إذا كانت ثَيِّبًا، فأشْبَهَ ما لو اسْتَخْدَمَها.
وإن تَلِف جُزْءٌ منها أو نَقَصَها، مثلَ أنِ افْتَضَّ البِكْرَ أو أفْضَاها، فعليه قِيمَة ما أتْلفَ، فإن شاء جَعَلَه رَهْنًا معها، وإن شاء جَعَلَه قضاءً مِن الحَقِّ، إن لم يَكُنْ حَلَّ.
فإن كان الحَقّ قد حَلَّ، جَعَلَه قَضاءً لا غيرُ؛ فإنَّه لا فائدَةَ في جَعْلِه رَهْنًا.
ولا فَرْقَ بينَ الصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ فيما ذَكَرْناه.
فصل: فإن أوْلَدَها، خَرَجَتْ مِن الرَّهْنِ، وعليه قِيمَتُها حينَ أحْبَلَها، كما لو جَرَح العَبْدَ كانت عليه قِيمَتُه يومَ جَرَحَه، ولا فَرْقَ بينَ المُوسِرِ والمُعْسِرِ، إلَّا أنَّ المُوسِرَ تُؤْخَذُ منه قِيمَتُها، والمُعْسِرَ تَكُونُ في ذِمَّتِه قِيمَتُها، على حَسَبِ ما ذَكَرْنا في العِتْقِ.
وهذا قولُ أصحابِ الرَّأْي.
وقول الشَّافعيِّ ههُنا كقَوْلِه في العِتْقِ، إلَّا أنَّه إذا قال: لا يَنْفُذُ الإِحْبالُ.
فإنَّما هو في حَقِّ المُرْتَّهِنِ، فأمَّا في حَقِّ الرَّاهِنِ، فهو ثابِت، فلا يجُوزُ له أن يَهَبَها للمُرْتَهِنِ.
ولو حَلَّ الحَقّ وهي حامِلٌ، لم يَجُزْ بَيعُها؛ لأنَّها
..................................
حامِلٌ بحُرٍّ، فإذا وَلَدَتْ، لم يَجزْ بَيعها حتَّى تَسْقِيَ ولَدَها اللِّبَأ، ثم إن وَجَد مَن يرْضِعه، بِيعَتْ، وإلَّا ترِكَتْ حتَّى تُرْضِعَه، ثم يباعُ منها بقَدْرِ الدَّينِ، وَيَثْبت للباقِي حكْم الاسْتِيلادِ، فإذا مات الراهِن عَتَق.
وإن رَجَع هذا 1 المَبِيع إلى الرَّاهِنِ ببَيعٍ أو غيرِه، أو بِيعَ جَمِيعها ثم رَجَعَتْ إليه، ثَبَت لها حكْم الاسْتِيلادِ.
وقال مالكٌ: إن كانت الأمَةُ تَخرج إلى الرَّاهِنِ وتَأتيه، خَرَجَتْ مِن الرَّهْنِ، وإن تَسَوَّرَ عليها، أخَذَ وَلَدَها، وبِيعَتْ.
ولَنا، أنَّ هذه أمُّ وَلَدٍ، فلم يَثْبتْ فيها حكْمُ الرَّهْنِ، كما لو كان الوَطْء سابِقًا على الرَّهْنِ، أو نَقولُ: مَعْنًى ينافِي الرَّهْنَ في ابْتِدائِه، فنافاه في دَوامِه، كالحرِّيَّةِ.
فصل: فإن كان الوَطْء بإذْنِ المرْتَهِنِ، خَرَجَتْ مِن الرَّهْنِ، ولا شيءَ للمرْتَهِنِ؛ لأنَّه أذِنَ في سَبَبِ ما ينافِي حَقَّه، فكان إذنًا فيه.
ولا نَعْلَم في هذا خِلافًا.
وإن لم تَحْبَلْ، فهي رَهْنٌ بحالِها.
فإن قِيلَ: إنَّما أذِنَ في الوَطْء، ولم يَأذَنْ في الإِحْبالِ.
قُلْنا: الوَطْء هو المُفْضِي إلى الإِحْبالِ، ولا يَقِف ذلك على اخْتِيَارِه، فالإِذْنُ في سَبَبِه إذْن فيه.
فإن أذِنَ ثم رَجَع،
..................................
فهو كمَن لم يَأذَنْ.
وإنِ اخْتَلَفا في الإِذْنِ، فالقولُ قولُ مَن يُنْكِرُه، وإنْ أقَرَّ المُرْتَهِنُ بالإِذْنِ، وأنْكَرَ كَوْنَ الوَلَدِ مِن الوَطْءِ المأذونِ فيه، أو قال: هو مِن زَوْجٍ أو زِنًى.
فالقولُ قولُ الرَّاهِنٍ بأرْبَعِ شُرُوطٍ؛ أحَدُها، أن يَعْتَرِفَ المُرْتَهِنُ بالإِذْنِ.
الثاني، أن يَعْتَرِف بالوَطْءِ.
الثَّالثُ، أن يَعْتَرِفَ بالولادَةِ.
الرابعُ، أن يَعْتَرِفَ بمُضِيِّ مُدَّةٍ بعدَ الوَطْءِ يُمْكِنُ أن تَلِدَه فيها.
فحِينَئِذٍ لا يُلْتَفَتُ إلى إنْكارِه، ويكونُ القولُ قولَ الرَّاهِنِ بغيرِ يَمِين؛ لأنَّنا لم نُلْحِقْه به بدَعْواه، بل بالشَّرْعِ.
فإن أنْكَرَ شَرْطًا مِن هذه الشُّرُوطِ، فقال: لم آذَنْ.
أو قال: أذِنْتُ فما 1 وُطِئَتْ.
أو قال: لم تَمْضِ مُدَّةٌ تَضَعُ فيها الحَمْلَ منذُ وُطِئَتْ.
أو قال: ليس هذا وَلَدَها، إنَّما اسْتعارَتْه.
فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ذلك كلِّه، وبَقاءُ الوَثِيقَةِ صَحِيحَةً حتَّى تَقُومَ البَيَنةُ.
وهذا مَذْهَبُ الشَّافعيِّ.
فصل: ولو أذِنَ في ضَرْبِها، فضَرَبَها، فتَلِفَتْ، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ ذلك تَوَلَّدَ مِن المَأذُونِ فيه، فهو كتَوَلُّدِ الإِحْبالِ مِن الوَطْءِ.
فصل: وإذا أقَرَّ الرَّاهِنُ بالوَطْءِ لم يَخْلُ مِن ثَلاثةِ أحْوال؛ أحَدُها، أن يُقِرَّ به حال العَقْدِ، أو قَبْلَ لُزُومِه، فحُكمُ هذين واحِد، ولا يَمْنَعُ 2 صِحَّةَ الرَّهْنِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الحَمْلِ، فإن بانَتْ حائِلًا 3، أو حامِلًا
وَإنْ أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لَهُ فِي بَيعِ الرَّهْنِ، أوْ هِبَتِهِ، وَنَحْو ذَلِكَ، فَفَعَلَ، صَحَّ، وَبَطَلَ الرَّهْنُ، إلا أن يَأذَنَ لَهُ فِي بَيعِهِ بِشَرْطِ أن
بوَلَدٍ لا يَلْحَقُ بالرَّاهِنِ، فالرَّهْنُ بحالِه، وكذلك إن كان يلحَقُ به، لكنْ لا تَصِيرُ به أمَّ وَلَدٍ، مثلَ أن وَطِئَها وهي زَوْجَتُه، ثم مَلَكَها ورَهَنَها.
وإن بانَتْ حامِلًا بما تَصِيرُ به أمَّ وَلَدٍ، بَطَل الرَّهْنُ، ولا خِيارَ للمُرْتَهِنِ، وإن كان مَشْرُوطًا في بَيع؛ لأنَّه دَخَل مع العِلْمِ بأنها قد لا تَكُونُ رَهْنًا، فإذا خَرَجَتْ مِن الرَّهْنِ بذلك السَّبَبِ الذي عَلِمَه، لم يَكُنْ له خِيارٌ، كالمَرِيضِ إذا ماتَ، والجانِي إذا اقْتُصَّ منه.
وهذا قولُ أكثرَ الشافعيَّةِ.
وقال بَعْضُهم: له الخِيارُ؛ لأنَّ الوَطْءَ بنَفْسِه لا يُثْبِتُ الخِيارَ، فلم يَكُنْ رِضَاهُ به رِضًا بالحَمْلِ الذي يَحْدُثُ منه، بخِلافِ الجِنايَةِ والمَرَضِ.
ولَنا، أنَّ إذنه في الوَطْءِ إذْن فيما يَئُولُ إليه، كذلك رِضاه به رِضًا بما يَئُولُ إليه.
الحالُ الثَّالثُ، أقَرَّ بالوَطْءِ بعد لُزُومِ الرَّهْنِ، فإنَّه يُقْبَلُ في حَقِّه، ولا يُقْبَلُ في حَق المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّه أقَرَّ بما يَفْسَخُ عَقْدًا لازِمًا لغيرِه، فلم يُقْبَلْ، كما لو أقَرَّ بذلك بعد بَيعها.
ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ؛ لأنَّه أقَرَّ في مِلْكِه بما لا تُهْمَةَ فيه، لأنَّه يَسْتَضِرُّ مِن ذلك أكثرً مِن نَفْعِه بخُرُوجِها مِن الرَّهْنِ.
والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ إقْرارَ الإِنْسانِ على غيرِه لا يُقْبَلُ.
1789 -
مسألة: (وإنْ أذِنَ له المُرْتَهنُ في بَيعِ الرَّهْنِ، أو هِبَتِه، أو نحو ذلك، صَحَّ، وبَطَل الرَّهْنُ، إلَّا أن يَأذَنَ له في بَيعِه بشَرْطِ أن يَجْعَلَ
يَجْعَلَ ثَمَنَهُ رَهْنًا، أَوْ يُعَجِّلَ دَينَهُ كانْ ثَمَنِهِ.
ثَمَنَه رَهْنًا، أو يُعَجِّلَ دَينَه من ثَمَنِه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه متى أذِنَ المُرْتَهِنُ للرَّاهِنَ في بَيعِ الرَّهْنِ، أو هِبَتِه، أو وَقْفِه، ففَعَلَ، صحَّ؛ لأنَّ المَنْعَ كان لِحَقِّه، فجاز بإذْنِه، ويَبْطُلُ الرَّهْنُ؛ لأنَّ هذا تَصَرُّف يُنافِي الرَّهْنَ، فلا يَجْتَمِعُ مع ما يُنافِيهِ، إلَّا البَيعَ، فله ثَلاثَةُ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن يَأذَنَ له في بَيعِه بعدَ حُلُولِ الحَقِّ، فيَصِحُّ، ويَتَعَلَّقُ حَقُّ المُرْتَّهِنِ بثَمَنِه، ويَجِبُ قَضاءُ الدَّين منه؛ لأنَّ مُقْتَضَى الرَّهْنِ بَيعُه واسْتِيفاءُ الدَّينِ مِن ثَمَنِه.
الثاني، أن يَأَذَنَ له قبلَ حُلُولِه مُطْلَقًا، فيَبيعُه، فيَبْطُلُ الرَّهْنُ، ولا يَكُونُ عليه عِوَضُه؛ لأنَّه أذِنَ له فيما يُنافِي حَقَّهُ، فأشْبَهَ ما لو أذِنَ في عِتْقِه،
..................................
وللمالِكِ أخْذُ ثَمَنِه.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ: يَكُونُ الثَّمَنُ رَهْنًا؛ لأنَّ الرَّاهِنَ باع الرَّهْنَ بإذْنِ المُرْتَّهِنِ، فوَجَبَ أن يَثْبُتَ حَقُّه فيه، كما لو حَلَّ الدَّينُ.
قال الطَّحاويُّ 1: حَقُّ المُرْتَّهِنِ يَتَعَلَّقُ بعَينِ الرَّهْنِ، والثَّمَنُ بَدَلُه، فوَجَبَ أن يَتَعَلَّقَ به، كما لو أتْلَفَه متلف.
ولَنا، أنَّه تَصَرُّف يُبْطِلُ حَقَّ المُرْتَّهِنِ مِن عَينِ الرَّهْنِ، لا يَمْلِكُه المُرْتَهِنُ، فإذا أذِن فيه، أسْقَطَ حَقَّه، كالعِتْقِ.
[ويُخالِفُ] 2 ما بعدَ الحُلُولِ؛ لأنَّ
..................................
المُرْتَهِنَ يَسْتَحِقُّ البَيعَ.
ويُخالف الإِتْلافَ؛ لأنَّه غيرُ مَأذُونٍ فيه مِن جِهَةِ المُرْتَّهِنِ.
فإن قال: إنَّما أرَدْتُ بإطْلاقِ الإِذْنِ أن يَكُونَ ثَمَنُه رَهْنًا.
لم يُقْبَلْ قَوْلُه؛ لأنَّ إطْلاقَ الإِذْنِ يَقْتَضِي بَيعًا يَفْسَخُ الرَّهْنَ.
وبهذا قال الشافعيّ.
الثَّالثُ، أن يَأذَنَ فيه بشَرْطِ أن يَجْعَلَ ثَمَنَه رَهْنًا مَكانَه، أو يُعَجِّلَ له دَينَه مِن ثَمَنِه، فيَجُوزُ، ويَلْزَمُ ذلك؛ لأنَّه لو شَرَط ذلك بعدَ حُلُولِ الحَقِّ، جاز، فكذلك قبلَه.
وإنِ اخْتَلَفا في الإِذْنِ، فالقولُ قولُ المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّه مُنْكِر.
وإنْ أقَرَّ بالإِذْنِ، واخْتَلَفَا في شَرْطِ جَعْلِ ثَمَنِه رَهْنًا، أو تَعْجيلِ دَينه منه، فالقولُ قولُ الرَّاهِنِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الشَّرْطِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يُقَدَّمَ قولُ المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ الوَثِيقَةِ.
وَنَمَاءُ الرَّهنِ، وَكَسْبُهُ، وَأرْش الْجِنَايَةِ عَلَيهِ، مِنَ الرَّهْنِ.
1790 - مسألة: (ونَماءُ الرَّهْنِ، وكَسْبُه، وأرْشُ الجنايَةِ عليه، مِن الرَّهْنِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ نَماءَ الرَّهْنِ جَمِيعَه وغَلَّاته تَكُونُ رَهْنًا في يَدِ مَن الرَّهْنُ في يَدِه، كالأصلِ.
وإذا احْتِيجَ إلى بَيعِه في وَفاءِ الدَّينِ بِيعَ مع الأصْلِ، وسَواءٌ في ذلك المُتَّصِلُ؛ كالسِّمَنِ، والتَّعَلُّمِ، والمُنْفَصِلُ؛ كالكَسْبِ، والأجْرَةِ، والوَلَدِ، والثَّمَرِ، واللَّبَنِ، والصُّوفِ، والشَّعَرِ.
وبنحو هذا قال النَّخَعِيُّ، والشَّعْبِي.
وقال
..................................
الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأي: يَبِيعُ 1 النماءَ، ولا يَبِيعُ (1) الكَسْبَ؛ [لأنَّ الكَسْبَ] 2 لا يَتْبَعُ 3 في حُكْمِ الكِتابَةِ والاسْتِيلادِ والتَّدْبِيرِ، فلا يَتْبَعُ في الرَّهْنِ، كإعْتاقِ مالِ الرَّاهِنِ.
وقال مالكٍ: يَتْبَعُ الوَلَدُ في الرَّهْنِ خاصَّةً دُونَ سائِرِ النماءِ؛ لأن الوَلَدَ يَتْبَعُ الأصْلَ في الحُقُوقِ الثَّابِتَةِ، كوَلَدِ أم الوَلَدِ.
وقال الشَّافعي، وأبو ثَوْر، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَدْخُلُ في الرَّهْنِ شيءٌ مِن النَّماءِ المُنْفَصِلِ، ولا مِن الكَسْبِ؛ لأنَّه حَق تَعَلَّقَ بالأصْلِ، يُسْتَوْفَى مِن ثَمَنه، فلا يَسْرِي إلى غيرِه، كحَقِّ جِنايَته.
حتَّى قال الشافعيُّ: لو رَهَنَه ماشِيَةً مخاضًا، فنُتِجَتْ، فالنِّتاجُ لا يَدْخُلُ في الرَّهْنِ.
وخالفَه أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، واحْتَجُّوا بقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِه، لهُ غُنْمُهُ، وعَلَيه غُرْمُه» 4. [والنَّماءُ غُنْمٌ، فيَكُونُ للرَّاهِنِ.
ولأنَّها عَين مِن أعْيانِ مِلْكِ الرَّاهِنِ، لم يَعْقِدْ عليها عَقْدَ رَهْن، فلم تَكُن] 5 رَهْنًا، كسائرِ مالِه.
ولَنا، أنَّه حُكْم يَثْبُتُ في العَينِ بعَقْدِ المالِكِ 6، فيَدْخُلُ فيه النَّماءُ والمَنافِعُ، كالمِلْكِ بالبَيعِ وغيرِه، ولأن
..................................
النَّماءَ حادِثٌ مِن عينِ 1 الرَّهْنِ، فيَدْخُلُ فيه، كالمُتَّصِلِ، ولأنَّه حَقٌّ مُسْتَقِرٌّ في الأمِّ، ثَبَت برِضَا المالِك، فسَرَى إلى الوَلَدِ، كالتَّدْبِيرِ والاسْتِيلادِ.
ولَنا على مالك، أنَّه نَماءٌ حادثٌ مِن عَينِ 2 الرَّهْنِ، فسَرَى إليه حُكْمُ الرَّهْنِ، كالولَدِ.
وعلى أبي حنيفةَ، أَنَّه عَقْدٌ يَسْتَتْبعُ النَّماءَ، فاسْتَتبعَ الكَسْبَ، كالشِّراءِ.
وأمّا الحَدِيثُ، فنَقُولُ به، وأنَّ غُنْمَه وكَسْبَه وَنَماءَه للرَّاهِنِ، لكنْ يَتَعَلَّقُ به حَقُّ الرَّهْنِ 3، كالأصْلِ.
والفَرْقُ بَينَه وبينَ سائِرِ مالِ الرَّاهِنِ، أنَّه [بَيعٌ، فيَثْبُت] 4 له حُكْمُ أصْلِه.
وأمّا حَقُّ الجِنايَةِ، فإنَّه ثَبَت بغَيرِ رِضَا المالِك، فلم يَتَعَدَّ ما ثَبَت فيه؛ لأنَّه جَزاءُ عُدْوانٍ، فاخْتَصَّ الجانِيَ، كالقِصاصِ، ولأنَّ السِّرايَةَ في الرَّهْنِ لا تُفْضِي إلى اسْتِيفاءِ أكثر مِن دَينه، فلا يَكْثُرُ الضَّرَرُ فيه.
فأمَّا أرْش الجِنايَةِ على الرَّهْنِ، فيَتَعَلَّقُ بها حَقُّ المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّها بَدَلُ جُزْءٍ منه، فكانت مِن الرَّهْنِ، كقِيمَتِه إذا أتْلَفَه إنْسانٌ.
وهذا قولُ الشَّافعيِّ وغَيرِه.
فصل: إذا ارْتَهَن أرْضًا أو دارًا أو غَيرَهما، تَبِعَه في الرَّهْنِ ما يَتْبَعُ في
..................................
البَيعِ، فإن كان في الأرْضِ شَجَرٌ، فقال: رَهَنْتُكَ هذه الأرْضَ بحُقُوقِها.
أو ذَكَر ما يَدُلُّ على أنَّ الشَّجَرَ في الرَّهْنِ، دَخَل، وإن لم يَذْكُرْ ذلك، فهل يَدْخُلُ في الرَّهْنِ؟ على وَجْهَين، بناءً على دُخُولِه في البَيعِ.
وإن رَهَنَه شَجَرًا مُثْمِرًا وفيه ثَمَرَة ظاهِرَة، لم تَدْخُلْ في الرَّهْنِ، كما لا تَدْخُلُ في البَيعِ، وإن لم تَكُنْ ظاهِرَةً، دَخَلَتْ.
وقال الشَّافعي: لا تَدْخُلُ بحالٍ 1. وقال أبو حنيفةَ: تَدْخُلُ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ الرَّهْنَ عندَه لا 2 يَصِحُّ على الأصْلِ دُونَ الثَّمَرَةِ، وقد قَصَد إلى عَقْدٍ صَحِيح، فتَدْخلُ الثَّمَرَةُ ضَرُورَةَ الصِّحَّةِ.
ولَنا، أنَّ الثَّمَرَةَ المُؤَبَّرَةَ لا تَدْخُلُ في البَيعِ، مع قُوَّتِه وإزالتِه لملك البائعِ، فالرَّهْنُ مع ضَعْفِه أوْلَى، وعلى الشَّافعيِّ، أنَّه عَقْدٌ على الشَّجَرِ، فاسْتَتْبَعَ الثَّمَرَةَ غيرَ المُؤَبَّرَةِ، كالبَيعِ.
ويَدْخُلُ في الرَّهْنِ الصُّوفُ واللَّبَنُ المَوْجُودانِ كما يَدْخُلُ في البيع، وكذك الحَمْلُ وسائِرُ ما يَتْبَعُ في البَيعَ؛ لأنَّه عَقْدٌ وارِدٌ على العَينَ، فدَخَلَتْ فيه هذه التَّوابع، كالبَيعِ.
ولو كان الرَّهْنُ دارًا، فخَرِبَت، كانت أنْقاضُها رَهْنًا مَعَها؛ لأنَّها مِن أجْزائِها، وقد كانت مَرْهُونَةً قبلَ خَرابِها.
ولو رَهَنَه أرْضًا، فنَبَتَ فيهِا شَجَرٌ، فهو مِن الرَّهْنِ، سَواءٌ نَبَت بفِعْلِ الرَّاهِنِ، أو بغَيرِ فِعْلِه؛ لأنَّه مِن نَمائِها.
وَمُؤنَتُهُ عَلَى الرَّاهِنِ، وكَفَنُهُ إِنْ مَاتَ، وَأُجْرَةُ مَخْزَنِهِ إِنْ كَانَ مَخزُونًا.
1791 - مسألة: (ومُؤْنته على الرَّاهِنِ، وكَفَنُه إن مات، وأُجْرَةُ مَخْزَنِه إن كان مَخْزُونًا)
مُؤْنَةُ الرَّهْنِ في 1 طَعَامِه، وكُسْوَتِه، ومَسْكَنِه، وحافِظِه، وحِرْزِه، ومَخزَنِه، وغيرِ ذلك، على الرّاهِنِ.
وبهذا قال مالكٌ، والشّافعيّ، والعَنْبَرِيّ، وإسْحاقُ.
وقال أبو حنيفةَ: أُجْرَةُ المَسْكَنِ والحافِظِ على المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّه مِن مُؤْنَةِ إمْساكِه وارْتِهانِه.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِه، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيه غُرْمُه».
رَواه الدَّارَقُطْنِيُّ 2، وقال: إسْناد جَيِّدٌ 3 مُتَّصِلٌ.
ولأنَّه نَوْعُ إنْفاقٍ، فكان على الرَّاهِنِ، كالطَّعامِ، ولأنَّ الرَّهْنَ مِلْكُ الرَّاهِنِ، فكان عليه مَسْكَنُه وحافِظُه، كغيرِ الرَّهْنِ.
وإن أبقَ العَبْدُ، فأجرُ مَن يَرُدُّه على الرَّاهِنِ.
وقال أبو حنيفةَ: يَكُونُ بقَدْرِ الأمانَةِ على الرَّاهِنِ، وبقَدْرِ الضَّمانِ على المُرْتَّهِنِ.
وإنِ احْتِيجَ إلى مُداواتِه لمَرَض أو جُرْحٍ، فذلك على الرّاهِن.
وعند أبي حنيفةَ، هو كأجْرِ مَن يَرُدُّه مِن إباقِه.
وبَنَى ذلك على أصْلِه في أنَّ يَدَ المُرْتَّهِنِ يَدُ ضَمانٍ بقَدْرِ دَينه فيه، وما زاد فهو أمانَة عندَه.
ويأتِي الكَلامُ على ذلك فيما بعدُ.
فإن مات العَبْدُ، كانت مُؤْنَةُ
..................................
تَجْهيزِه وتَكْفينه ودَفْنِه على الرَّاهِنِ؛ لأنَّ ذلك تابعٌ لمُؤْنَتِه، فإنَّ كلَّ مَن لَزِمَتْه مُؤْنَةُ شَخْص في حَياتِه لا في مُقابَلَةِ نَفْعٍ، كانت مُؤْنَةُ تَجْهيزِه ودَفنِه عليه، كسائِرِ العَبِيدِ والإِماءِ والأقارِبِ مِن الأحْرارِ.
فصل: وإن كان الرَّهْنُ ثَمَرةً، فاحْتاجَتْ إلى سَقْيٍ وتَسْويَةٍ وجِذاذٍ، فذلك على الرَّاهِنِ.
وإنِ احْتاجَتْ إلى تَجْفِيفٍ، والحَقُّ مُؤَجَّلٌ، فعليه التَّجْفِيفُ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى أن يَسْتَبْقِيَهَا رَهْنًا حتَّى يَحِلَّ الحَقُّ، وإن كان حالًّا، بِيعَتْ، ولم يَحْتَجْ إلى تَجْفِيفِها.
فإنِ اتَّفَقا على بَيعِها وجَعْلِ ثَمَنِها رَهْنًا بالحَقِّ المُؤَجَّلِ، جازَ.
وإنِ اخْتَلَفَا، قُدِّمَ قولُ مَن يَسْتَبْقِيها بعَينها؛ لأنَّ العَقْدَ يَقْتَضِي ذلك، إلَّا أن يَكُونَ مِمّا تَقِلُّ قِيمَتُه بالتَّجْفِيف وقد جَرَتِ العادَةُ بِبَيعِه رَطْبًا، فيُباعُ، ويُجْعَلُ ثَمَنُه رَهْنًا.
وإنِ اتَّفَقا على قَطْعِ الثَّمَرَةِ في وَقْتٍ، جازَ، سواء كان الحَقُّ حالًا أو مُؤَجَّلًا، أو كان الأصْلَحُ القَطْعَ أو التَّرْكَ؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَخْرُجُ عنهما.
وإنِ اخْتَلَفا، قُدِّمَ قولُ مَن طَلَب الأصْلَحَ، إن كان ذلك قبلَ حُلُولِ الحَقِّ، وإن كان الحَقُّ حالًّا، قُدِّمَ قولُ مَن طَلَب القَطْعَ؛ لأنَّه إن كان المُرْتَهِنَ، فهو طالِبٌ لاسْتِيفاءِ حَقِّه الحالِّ، فلَزِمَ إجابَتُه، وإن كان الرَّاهِنَ، فهو يَطْلُبُ تَبْرِئَةَ ذِمَّتِه، وتَخْلِيصَ عَينِ مِلْكِه مِن الرَّهْنِ، والقَطْعُ أحْوَطُ، مِن جهَةِ أنَّ في تَبْقِيَته غَرَرًا.
ذَكَر القاضِي هذا في المُفْلِسِ.
وهو قولُ أكْثَرِ أصحابِ الشَّافعيِّ، وهذا في مَعْناه.
ويَحْتَمِلُ أن يُنْظَرَ في الثَّمَرَةِ، فإن كانت تَنْقُصُ بالقَطْعِ نَقْصًا كثيرًا، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ مِن قَطْعِها؛ وإن ذلك إتْلافٌ، فلا يُجْبَرُ عليه،
..................................
كما لا يُجْبَرُ على نَقْضِ دارِه لِيَبِيِعَ أنْقاضَها، ولا على ذَبْحِ فَرَسِه ليَبِيعَ لَحْمَها.
وإن كانتِ الثَّمَرَةُ مَمّا لا يُنْتَفعُ بها قبلَ كَمالِها، لم يَجُزْ قَطْعُها قبلَه، ولم يُجْبَرْ عليه بحالٍ؛ لما فيه مِن إضاعَةِ المالِ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: فإن كان الرَّهْنُ ماشِيَةً تَحْتَاجُ إلى إطْراقِ الفَحْلِ، لم يُجْبَرِ الرَّاهِنُ عليه؛ لأنَّه ليس عليه ما يَتَضَمَّنُ زِيادَةً في الرَّهْنِ، وليس ذلك مِمّا يُحْتاجُ إليه لبَقائِها، ولا يُمْنَعُ مِن ذلك؛ لكَوْنِه زِيادَةً لهما، لا ضَرَرَ على المُرْتَّهِنِ فيه.
وإنِ احْتاجَتْ إلى رَعْيٍ، فعلى الرَّاهِنِ أن يُقِيمَ لها راعِيًا؛ لأنَّ ذلك يَجْرِي مَجْرَى عَلْفِها، فإن أرادَ الرَّاهِنُ السَّفَرَ بها ليَرْعاها في مكانٍ آخرَ، وكان لها في مَكانِها مَرْعًى تَتَماسَكُ به، فللمُرْتَهِنِ مَنْعُه؛ لأنَّ في السَّفَرِ بها إخْراجَها عن نَظرَه ويَدِه.
وإن أجْدَبَ مَكانُها فلم تَجِدْ ما تَتَماسَكُ به، فللرّاهِنِ السَّفَرُ بها؛ لأنَّها تَهْلِكُ إذا لم يُسافِرْ بها، إلَّا أنَّها تَكُونُ في يَدِ عَدْلٍ يَرْضَيانِ به، أو يَنْصِبُه الحاكِمُ، ولا يَنْفَرِدُ الرَّاهِنُ بها، فإنِ امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِن السَّفَرِ بها، فللمُرْتَهِنِ نَقْلها؛ لأنَّ في بَقائِها هَلاكَها، وضَياعَ حَقِّه مِن الرَّهْنِ.
وإن أرادا جَمِيعًا السَّفَرَ بها، واخْتَلَفَا في مَكانِها، قَدَّمْنا قولَ مَن يُعَيِّنُ الأصْلَحَ، فإنِ اسْتَوَيا قُدِّمَ قَوْلُ المُرْتَّهِنِ.
وعندَ الشَّافعيِّ، يُقَدَّمُ قولُ الرَّاهِنِ وإن كان الأصْلَحُ غيرَه؛ لأنَّه أمْلَكُ بها، إلَّا أنَّه يَكُونُ مَأواها إلى يَدِ عَدْلٍ.
ولَنا، أنَّ اليَدَ للمُرْتَهِنِ، فكان أوْلَى، كما لو كانا في بَلَدٍ واحِدٍ.
وأيُّهما أراد نَقْلَها عن البَلَدِ مع خِصْبِه، لم يَكُنْ له، سَواءٌ أرادَ نَقْلَها إلى مِثْلِه، أو أخْصَبَ منه، إذْ لا مَعْنَى للمُسافَرَةِ بالرَّهْنِ مع إمْكانِ تَرْكِ السَّفَرِ به.
وإنِ اتَّفَقا على نَقْلِها، جاز، سواءٌ كان أنْفَعَ لها أو
..................................
لا؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَخْرُجُ عنهما.
فصل: وإن كان عَبْدًا يَحْتاجُ إلى خِتانٍ، والدَّينُ حالٌّ، أو أجَلُه قبلَ بُرْئِه، مُنِعَ منه؛ لأنَّه يَنْقُصُ ثَمَنَه، وفيه ضَرَرٌ، وإن كان يَبْرأ قبلَ مَحِلِّ الحَقِّ، والزَّمانُ مُعْتَدِلٌ لا يخَافُ عليه فيه، فله ذلك؛ لأنَّه مِن الواجِباتِ، ويَزيدُ في الثَّمَنِ، ولا يَضُرُّ بالمُرْتَهِنِ، ومُؤْنَةُ خِتانِه على الرَّاهِنِ.
وإن مَرِضَ، فاحْتاج إلى دَواءٍ، لم يُجْبَرِ الرَّاهِنُ عليه؛ لأنَّه لا يَتَحَقَّقُ أنَّه سَبَبٌ لبَقائِه، وقد يَبْرَأ بغَيرِ علاج، بخِلافِ النَّفَقَةِ.
وإن أرادَ الرَّاهِنُ مُداواتَه بما لا ضَرَر فيه، لم يُمْنَعْ منه؛ لأنَّه مَصْلَحَة لهما مِن غيرِ ضَرَر بواحِدٍ منهما.
فإن كان الدَّواءُ مِمّا يُخافُ غائِلَتُه، كالسُّمُومِ، فللمُرْتَهِنِ مَنْعُه منه؛ لأنَّه لا يَأمَنُ تَلَفَه.
وإنِ احْتاجَ إلى فَصْدٍ، أو احْتاجَتِ الدَّابَّةُ إلى تَوْدِيج؛ ومَعْناهُ فَتْحُ الوَدَجَين لِيَسِيلَ الدَّمُ، وهما عِرْقانِ غَلِيظانِ مِن جانِبَيْ ثَغْرَةِ النَّحْرِ، أو تبْزِيغٍ؛ وهو فَتْحُ الرَّهْصَةِ 1، فللرّاهِنِ فِعْلُ ذلك، ما لم يَخَفْ منه ضَرَرًا.
وإنِ احْتِيجَ إلى قَطْعِ شيءٍ مِن بَدَنِه بدواءٍ لا يُخافُ مِنه، جازَ.
وإن خِيف منه، فأيُّهما امْتَنَعَ منه، لم يُجْبَرْ.
وإن كانت به آكِلَةٌ 2 كان له قَطْعُها؛ لأنَّه يُخافُ مِن تَرْكِها لا مِن قَطْعِها.
وإن كان به خَبِيثَةٌ، فقال أهْلُ الخِبْرَةِ: الأحْوَطُ قَطْعُها، وهو أنْفَعُ مِن بَقائِها.
فللرّاهِنِ قَطْعُها، وإلَّا فَلَا.
وإن تَساوَى الخَوْفُ عليه في الحالينِ، لم يَكُنْ له قَطْعُها؛ لأنَّه يُحْدِثُ جُرْحًا فيه لم يَتَرَجَّحْ إحْداثُه.
وإن كانت به
..................................
سِلْعَةٌ 1، أو إصْبَعٌ زائِدَةٌ، لم يَمْلِكِ الرَّاهِنُ قَطْعَها؛ لأنَّ قَطْعَها يُخافُ منه، وتَرْكَها لا يُخافُ منه.
وإن كانتِ الماشِيَةُ جَرِبَةً، فأرادَ الرَّاهنُ دَهْنَها بما يُرْجَى نَفْعُه ولا يُخافُ ضَرَرُه، كالقَطِرانِ والزَّيتِ اليَسِيرِ، لم يُمْنَعْ.
وإن خِيفَ ضَرَرُه، كالكثيرِ 2، فللمُرْتَهِنِ مَنْعُه.
وقال القاضِي: له ذلك بغيرِ إذْنِ المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّ له مُعالجَةَ مِلْكِه، وإنِ امْتَنَعَ مِن ذلك، لم يُجْبَرْ عليه.
ولو أرادَ المُرْتَهِنُ مُداواتَها بما يَنْفَعُها ولا يُخْشى ضَرَرُه، لم يُمْنَعْ؛ لأنَّ فيه إصْلاحَ حَقِّه بما لا يَضُرُّ [به غيرَه] 3. وإن خِيفَ منه الضَّرَرُ، لم يُمكَّنْ منه؛ لأنَّ فيه خَطَرًا بحَقِّ غيره.
فصل: فإن كان الرَّهْنُ نَخْلًا، فاحْتاجَ إلى تَأبِيرٍ، فهو على الرَّاهِنِ، وليس للمُرْتَهِنِ مَنْعُه منه؛ لأنَّ فيه مَصْلَحَةً بغيرِ مَضَرَّةٍ، وما يَسْقُطُ مِن لِيفٍ أو سَعَفٍ أو عَراجِينَ، فهو مِن الرَّهْنِ؛ لأنَّه مِن أجْزائه، أو مِن نَمائِه.
وقال أصحابُ الشَّافعيِّ: ليس مِن الرَّهْنِ.
بِناءً منهم على أنَّ نَماءَ الرَّهْنِ ليس منه.
ولا يَصِحُّ ذلك ها هنا، لأنَّ السَّعَفَ مِن جُمْلَةِ الأعْيانِ التي وَرَد عليها عَقْدُ الرَّهْنِ، فكانت منه، كالأصُولِ وأنْقاضِ الدَّارِ.
وإن كان الرَّهْنُ كَرْمًا فله زِبارُه 4؛ لأنَّه لِمَصْلَحَتِه، ولا ضَرَر فيه.
والزَّرَجُونُ 5 مِن الرَّهْنِ.
وإن كان الشَّجَرُ مُزْدَحِمًا، وفي قَطْعِ بَعْضِه
وَهُوَ أمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، إِنْ تَلِفَ بِغَيرِ تَعَدٍّ مِنْهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيهِ، وَلَا يَسْقُطُ بِهَلَاكِهِ شَيْءٌ مِنْ دَينهِ.
صَلاحٌ لِما يَبْقَى، فله ذلك.
وإن أرادَ تَحْويلَه كلَّه، لم يَمْلِكْ ذلك.
وإن قِيلَ: هو الأوْلَى.
لأنَّه قد لا يَعْلَقُ، فيَفُوتَ الرَّهْنُ.
وإنِ امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِن فِعْلِ هذا كلِّه، لم يُجْبَرْ عليه؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه فِعْلُ ما فيه زِيادَةُ الرَّهْنِ.
فصل: وكلُّ زِيادَةٍ تَلْزَمُ الرّاهِنَ، إذا امْتَنَعَ منها أجْبَرَه الحاكِمُ عليها، فإن لم يَفْعَل، اكْتَرَى الحاكِمُ مِن مالِه، فإن لم يَكُنْ له مالٌ، اكْتَرَى مِن الرَّهْنِ.
فإن بَذَلَها المُرْتَهِنُ مُتَطَوِّعًا، لم يَرْجِعْ بشيءٍ.
وإن كان بإذنِ الرَّاهِنِ مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ، رَجَع.
فإن أنْفَقَ بإذْنِ الرَّاهِنِ؛ ليَكُونَ الرَّهْنُ رَهْنًا بالنَّفَقَةِ والدَّينِ الأوَّلِ، لم يَصِحَّ، ولم يَصِبرْ رَهْنًا بالنَّفَقَةِ؛ لِما ذَكَرْنَا.
وإن قال الرَّاهِنُ: أنْفَقْتَ مُتَبَرِّعًا.
وقال المُرْتَهِنُ: بل أنْفَقْت مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ.
فالقَوْلُ قولُ المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّ الخِلافَ في نِيَّته، وهو أعْلمُ بها، وعليه اليَمِينُ؛ لأنَّ ما قاله الرَّاهِنُ مُحْتَمِلٌ.
وكلُّ مُؤْنَةٍ لا تَلْزَمُ الرّاهِنَ، كَنَفَقَةِ المُداوَاةِ والتَّأبيرِ وأشْباهِهما، لا يَرْجِعُ بها المُرْتَهِنُ إذا أنْفَقَها، سواء أنْفَقَها مُحْتَسِبًا أَو مُتَبَرِّعًا.
1792 -
مسألة: (وهو أمانَةٌ في يَدِ المُرْتَّهِنِ، إن تَلِف بغَيرِ تَعَدٍّ منه، فلا شيءَ عليه، ولا يَسْقُطُ بهَلاكِه شيءٌ مِن دَينِه)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الرَّهْنَ إذا تَلِف في يَدِ المُرْتَّهِنِ، فإن كان تَلَفُه بتَعَدٍّ أو تَفْرِيطٍ في حِفْظِه،
..................................
ضَمِنَه.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا؛ لأنَّه أمانَةٌ في يَدِه، فلَزِمَه ضَمانُه إذا تَلِف بتَعَدِّيه أو تَفْرِيطِه، كالوَدِيعةِ.
فأمَّا إن تَلِف مِن غيرِ تَعَدٍّ منه ولا تَفْرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه، وهو مِن مالِ الرَّاهِنِ.
يُرْوَى ذلك عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه.
وبه قال عطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والشّافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
ورُوِيَ عن شُرَيحٍ، والنَّخَعِيِّ، والحَسَنِ، أنَّ الرَّهْنَ يُضْمَنُ بجَمِيعِ الدَّينِ، وإن كان أكثَرَ مِن قِيمتِه؛ لأنَّه رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ» 1. وقال مالكٌ: إن كان تَلَفُه بأمْرٍ ظاهِر، كالمَوْتِ والحَرِيقِ، فمِن ضَمانِ الرَّاهِنِ، وإنِ ادَّعَى تَلَفَه بأمْرٍ خَفِيٍّ، لم يُقْبَلْ قَوْلُه، ويَضْمَنُ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: يَضْمَنُه المُرْتَهِنُ بأقَلِّ الأمْرَين مِن قِيمَتِه، أو قَدْرِ الدَّينِ.
ويُرْوَى ذلك عنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه؛ لِما رَوَى عَطاءٌ، أنَّ رَجُلًا رَهَن فَرَسًا، فنَفقَ عندَ المُرْتَّهِنِ، فجاء إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فأخْبَرَه بذلك، فقال: «ذَهَبَ حَقُّك» 2. ولأنَّها عَينٌ مَقْبُوضَةٌ للاستيفاءِ، فيَضْمَنُها مَن قَبَضَها؛
..................................
لذلك، أو مَن قَبَضَها نائِبُه، كحَقِيقَة المُسْتَوْفَى.
ولأنَّه مَحْبُوسٌ بدَين، فكانَ مَضْمُونًا، كالمَبِيع إذا حُبِسَ لاسْتِيفاءِ ثَمَنِه.
ولَنا، ما رَوَى ابنُ أبي ذِئْبٍ 1، عن الزُّهْرِيِّ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ، لِصَاحِبِه غُنْمُهُ، وَعَلَيهِ غُرْمُهُ».
رَواه الأثْرَمُ، من أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ يونُسَ، عن ابنِ أبي ذِئْب (1). ورَواه الشافعيُّ 2، عن ابنِ أبي فُدَيكٍ، عن ابنِ أبي ذِئْبٍ (1)، ولَفْظُه: «الرَّهْنُ مِن صَاحِبِه الَّذِي رَهَنَهُ».
وباقيه سواءٌ.
قال: ووَصَلَه ابنُ المُسَيَّبِ، عن أبي هُرَيرَةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه أو مثلَ مَعْناه مِن حَدِيثِ ابنِ أبي أُنَيسَةَ.
ولأنَّه وَثِيقَة بالدَّينِ، فلا يُضْمَنُ، كالزِّيادَةِ على قَدْرِ الدَّينِ، ولأنَّه مَقْبُوضٌ بعَقْدٍ واحِدٍ بَعْضُه أمانَة، فكان جَمِيعُه أمانَةً، كالوَدِيعةِ.
وعلى مالكٍ، أنَّ ما لا يُضْمَنُ به العَقارُ، لا يُضْمَنُ به الذَّهَبُ، كالوَدِيعةِ.
فأمَّا حَدِيثُ عطاءٍ فهو مُرْسَلٌ، وقَوْلُه يُخالِفُه.
قال الدَّارَقُطنيُّ: يَرْويه إسْماعِيلُ بنُ أُمَيَّةَ، وكان كَذَّابًا.
وقِيل: يَرْويه مُصْعَبُ
وَإن تَلِفَ بَعْضُهُ، فَبَاقِيهِ رَهْنٌ بِجَمِيع الدَّين.
بنُ ثابِتٍ، وكان ضَعِيفًا.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ: ذَهَب حَقُّكَ مِن الوَثِيقَةِ؛ بدَلِيلِ أَنَّه لم يَسْألْ عن قَدْرِ الدَّينِ وقِيمَةِ الرَّهْنِ.
والحَدِيث الآخَرُ إن صَحَّ، فيَحْتَمِلُ أنَّه مَحْبُوسٌ بما فيه، وأمّا المُسْتَوْفَى فإنَّه صار مِلْكًا للمُسْتَوفِي، له نماؤه وغُنْمُه، فكان عليه ضَمَانُه وغُرْمُه، بخِلافِ الرَّهْنِ، والمَبِيعُ قبلَ القَبْضِ مَمْنُوعٌ.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه لا يَسْقُطُ بهَلاكِه شيءٌ مِن دَينِه.
وهو قولُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّ الدَّينَ كان ثابِتًا في ذِمَّةِ الرَّاهِنِ قبلَ التَّلَفِ، ولم يُوجَدْ ما يُسْقِطُه، فبَقِيَ بحالِه.
1793 -
مسألة: (وإن تَلِف بَعْضُه، فباقِيه رَهْنٌ بجَمِيعِ الدَّينِ)
لأنَّ جَمِيعَه كان رَهْنًا بجَمِيعِ الدَّينِ، فإذا تَلِف البَعْضُ، بَقِيَ البَعْضُ الآخرُ رَهْنًا بجَمِيعِ الدَّينِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ ما كان على ما كان، ولأن
..................................
الباقِيَ بَعْضُ الجُمْلَةِ، وقد كان الجَمِيعُ رَهْنًا، فيَكُونُ البَعْضُ رَهْنًا؛ لأنَّه مِن الجُمْلَةِ.
فصل: وإذا قَضاه حَقَّه، وأبرأه مِن الدَّينِ، بَقِيَ الرَّهْنُ أمانَةً في يدِ المُرْتَّهِنِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا قَضاهُ كان مَضْمُونًا، وإذا أبرَأه لم يَكُنْ مَضْمُونًا، اسْتِحْسانًا.
وهذا مُناقَضَة؛ لأنَّ القَبْضَ المضْمُونَ منه لم يَزُلْ، ولم يُبْرِئْه منه، وعندَنا أنَّه كان أمانةً، وبَقِيَ على ما كان عليه، وليس عليه رَدُّه؛ لأنَّه أمْسَكَه بإذْنِ مالكِهِ، ولا يَخْتَصُّ بنَفْعِه 1، فهو كالوَدِيعَةِ، بخِلافِ العارِيَّةِ، فإنَّه يَخْتَصُّ بنَفْعِها، وبخِلافِ ما لو أطارَتِ الرِّيحُ إلى دارِه ثَوْبًا، فإنَّه يَلْزَمُه رَدُّه إلى مالِكِه؛ لأنَّ مالِكَه لم يَأذَنْ في إمْساكِه، فأمَّا إنْ طَلَبَه المالكُ في هذه الحالِ، لَزِم مَن هو في يَدِه، مِن المُرْتَّهِنِ أو العَدْلِ، دَفْعُه إليه إذا أمْكَنَه، فإنِ امْتَنَعَ صارَ ضامنًا، كالمُودَعِ إذا امْتَنَعَ مِن رَدِّ الوَدِيعَةِ بعدَ طَلَبِها.
فإن كان امْتِناعُه لعُذْرٍ، مثلَ أن يَكُونَ بينَهما طَرِيقٌ مَخُوفٌ، أو بابٌ مُغْلَقٌ لا يُمْكِنُه فَتْحُه، أو خاف فوْتَ جُمُعَةٍ أو جَماعَةٍ، أو فوْتَ وَقْتِ صَلاةٍ، أو كان به مَرَضٌ أو جُوعٌ شَدِيدٌ، ونحوُه، فأخَّرَ التَّسْلِيمَ لذلك، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه لا تَفْرِيطَ منه، أشْبَهَ المُودَعَ.
وَلَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنَ الرَّهْنِ حَتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَ الدَّينِ.
فصل: وإذا قَبَض الرَّهْنَ، فوَجَدَه مُسْتَحَقًّا، لَزِمَه رَدُّه على مالِكِه، والرَّهْنُ باطِلٌ مِن أصْلِه.
فإن أمْسَكَهُ مع عِلْمِه بالغَصْبِ حتَّى تَلِف في يَدِه، اسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه، وللمالكِ تَضْمِينُ أيَّهما شاء، فإن ضَمَّنَ المُرْتَهِنَ، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ؛ لذلك، وإن ضَمَّنَ الرَّاهِنَ، رَجَع عليه.
وإن لم يَعْلَمْ بالغَصْبِ حتَّى تَلِف بتَفْرِيطِه [فالحُكْمُ كذلك.
وإن تَلِف بغيرِ تَفْرِيطٍ] (1)، ففيه ثَلاثَةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، يَسْتَقِرُّ الضَّمانُ عليه أيضًا؛ لأنَّ مال الغَيرِ تَلِفَ تحْتَ يَدِه العادِيَةِ، أشْبَهَ ما لو عَلِم.
والثَّانِي، لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه قَبَضَه على أنَّه أمانَةٌ مِن غيرِ عِلْمِه، فهو كالوَدِيعةِ.
فعلى هذا، يَرْجِعُ المالِكُ على الغاصِبِ لا غيرُ.
والثَّالِثُ، للمالِكِ تَضْمِينُ أيُّهما شاء، ويَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الغاصِبِ، [فإن ضَمَّنَ الغاصِبَ، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ، وإن ضَمَّنَ المُرْتَهِنَ، رَجَع على الغاصِبِ] (1)؛ لأنَّه غَرَّه، فرَجَعَ عليه، كالمَغْرُورِ بحُرِّيَّةِ أمَةٍ.
1794 -
مسألة: (ولا يَنْفَكُّ شيءٌ مِن الرَّهْنِ حتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَ الدَّينِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ حَقَّ الوَثِيقَةِ يَتَعَلَّقُ بجَمِيعِ الرَّهْنِ، فيَصِيرُ مَحْبُوسًا بكلِّ الحَقِّ، وبكلِّ جُزْءٍ منه، لا يَنْفَكُّ منه شيءٌ حتَّى يَقضِيَ جَمِيع الدَّينِ، سواء كان مِمَّا يُمْكِنُ قِسْمَتُه أو لا.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ1
وَإنْ رَهَنَهُ عِنْدَ رَجُلَينِ، فَوَفَّى أحدَهُمَا، انْفَكَّ فِي نَصِيبِهِ.
مَن أحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ مَن رَهَن شيئًا بمالٍ، فأدَّى بَعْضَ المالِ، وأرادَ إخْراجَ بَعْضِ الرَّهْنِ، أنَّ ذلك ليس له، ولا يَخْرُجُ شيءٌ حتَّى يُوَفِّيَهُ آخِرَ حَقِّهِ، أو يُبْرِئَه مِن ذلك.
كذلك قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشّافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأي؛ لأنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَة بحَقٍّ، فلا يَزُولُ إلَّا بزَوالِ جَمِيعِه، كالضَّمانِ والشَّهادَةِ.
1795 -
مسألة: (وإن رَهَنَه عندَ رَجُلَين، فَوَفَّى أحَدَهما، انْفَكَّ في نَصِيبِه)
إذا رَهَن عَينًا عندَ رَجُلَين، فنِصْفُها رَهْنٌ عندَ كلِّ واحِدٍ منهما بدَينِه، فمتى وَفَّى أحَدَهما خَرَجَت حِصَّتُه مِن الرَّهْنِ، لأنَّ عَقْدَ 1 الواحِدِ مع الاثْنَين بمَنْزِلَةِ العَقْدَينِ، فكأنَّه رَهَن كلَّ واحِدٍ منهما النِّصْفَ مُنْفَرِدًا.
فإن أرادَ مُقاسَمَةَ المُرْتَّهِنِ، وأخْذَ نَصِيبِ مَن وَفَّاه، وكان الرَّهْنُ مِمّا لا تَنْقُصُه القِسْمَةُ، كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ، فله ذلك، وإن كان مِمَّا تَنْقُصُه القِسْمَةُ، لم تَجِبْ قِسْمَتُه؛ لأنَّ على المُرْتَّهِنِ ضَرَرًا فيها، ويُقَرُّ في يَدِ المُرتَهِنِ، بعضُه رَهْنٌ وبعْضُه ودِيعَةٌ.
وقال أبو الخَطّابِ، في مَن
وَإنْ رَهَنَهُ رَجُلَانِ شَيئًا، فَوَفَّاهُ أحَدُهُمَا، انْفَكَّ في نَصِيبِهِ.
رَهَن عَبْدَه عندَ رَجُلَين، فوَفَّى أحَدَهما: يَبْقَى جَمِيعُه رَهْنًا عندَ الآخَرِ حتَّى يُوَفِّيَه.
وكلامُه مَحْمُولٌ على أنَّه ليس للرَّاهِنِ مُقاسَمَةُ المُرْتَّهِنِ؛ لِما عليه مِن الضَّرَرِ، لا بمَعْنَى أنَّ العَينَ كلَّها تَكونُ رَهْنًا، إذ لا يَجُوزُ أن يُقال: إنَّه رَهَن نِصْفَ العَبْدِ عندَ رجل، فصارَ جَمِيعُه رَهْنًا.
1796 -
مسألة: (وإن رَهَنَه رجُلان شَيئًا، فوَفَّاه أحَدُهما، انفَكَّ في نَصِيبِه)
لِما ذَكَرْنا.
وقد قال أحمدُ، في رِوايَةِ مُهَنَّا، في رَجُلَين رَهَنَا دارًا لهما عندَ رجلٍ على ألفٍ، فقَضاه أحَدُهما، ولم يَقْضِ الآخرُ: فالدّارُ رَهْنٌ على ما بَقِيَ.
وهذا مِن كلامِ أحمدَ مَحْمُولٌ أيضًا على أنَّه
..................................
ليس للرّاهِنِ مُقاسَمَةُ المُرْتَّهِنِ؛ لِما عليه مِن الضَّرَرِ، لا بمَعْنَى أنَّ العَينَ كلَّها تَكُونُ رَهْنًا عن 1 الآخَرِ؛ لأنَّه إنَّما رَهَنَه نِصْفَها.
فصل: ولو رَهَن اثْنان عَبْدًا لهما عندَ اثْنَين بألْفٍ، فهذه أرْبَعَةُ عُقُودٍ، ويَصِيرُ كلُّ رُبْعٍ مِن العَبْدِ رَهْنًا بمائَتَين وخَمْسِينَ، فمتى قَضاهَا مَن هي عليه، انْفَكَّ مِن الرَّهْنِ ذلك القَدْرُ.
ذَكَرَه القاضِي.
وهو الصَّحِيحُ.
وَإذَا حَلَّ الدَّينُ، وَامْتَنَعَ مِنْ وَفَائِهِ، فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ أذِنَ لِلْمُرْتَهِن أوْ لِلْعَدْلِ فِىِ بَيعِهِ، بَاعَه، وَوَفَّى الدَّينَ، وَإلَّا رَفَعَ الْأمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ، فيُجْبِرُهُ عَلَى وَفَاءِ الدَّينِ أَوْ بَيعِ الرَّهْنِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، بَاعَهُ الحَاكِمُ، وَقَضَى دَينَهُ.
1797 - مسألة: (وإذا حَلَّ الدَّينُ، وامْتَنَعَ مِن وَفائِه، فإن كان الرَّاهِنُ أذِنَ للمُرْتَهِنِ أو العَدْلِ في بَيعِ الرَّهْنِ، باع ووَفَّى الدَّينَ، وإلَّا رَفَع الأمْرَ إلى الحاكِمِ، فيُجْبِرُه على وَفاءِ الدَّينِ أو بَيعِ الرَّهْنِ، فإن لم يَفْعَلْ باعَه الحاكِمُ، وقَضَى دَينَه)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا حَلَّ الدَّينُ، لَزِم الرَّاهِنَ 1 الإِيفاءُ؛ لأنَّه دَينٌ حالٌّ، فلَزِمَ إيفاؤه، كالذي لا رَهْنَ به.
فإن لم يُوَفِّ، وكان قد أذِنَ للمُرْتَهِنِ أو للعَدْلِ في بَيعِ الرَّهْنِ، باعَه ووَفَّى الحَقَّ مِن ثَمَنِه؛ لأنَّ هذا هو المَقْصُودُ مِن الرَّهْنِ، وقد باعَه بإذْنِ صاحِبِه في قَضاءِ دَينه، فصَحَّ، كما في غيرِ الرَّهْنِ، وما فَضَل مِن ثَمَنِه فهو للمالكِ، وإن فَضَل مِن الدَّينِ شيءٌ فعلى الرَّاهِنِ.
وإن لم يَكُنْ أذِنَ لهما في بَيعِه، أو كان قد أذِنَ لهما ثم عَزَلَهما، طُولِبَ بالوفاءِ أو بَيعِ الرَّهْنِ، فإن أبَى،
..................................
فَعَل 1 الحاكِمُ ما يَرَى؛ مِن حَبْسِه أو تَعْزِيرِه ليَبِيعَه، أو يَبِيعُه الحاكِمُ بنَفْسِه أو نائِبُه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَبِيعُه الحاكِمُ؛ لأنَّ ولايةَ الحاكِمِ على مَن عليه الحَقُّ، لا على مالِه، فلم يَنْفُذْ بَيعُه بغيرِ إذْنِه.
ولَنا، أنَّه حَقٌّ تَعَيَّنَ عليه، فإذا امْتَنَعَ مِن أدائِه، قام الحاكِمُ مَقامَه في أدائِه، كالإِيفاءِ مِن جِنْسِ الدَّينِ.
وإن وَفَّى الدَّينَ مِن غيرِ الرَّهْنِ، انْفَكَّ الرَّهْنُ.
فَصْلٌ: وَإذَا شَرَطَ فِي الرَّهْنِ جَعْلَهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ، صَحَّ، وَقَامَ قَبْضُهُ مَقَامَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ.
1798 - مسألة؛ قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وإن شَرَط في الرَّهْنِ جَعْلَه على يَدِ عَدْلٍ، صَحَّ، وقام قَبْضُه مَقامَ قَبْضِ المُرْتَّهِنِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المُتَراهِنَيْن إذا شَرَطَا كَوْنَ الرَّهْنِ على يَدَيْ رَجُل رَضِياه، واتَّفَقا عليه، جاز، وكان وكِيلًا للمُرْتَهِنِ نائِبًا عنه في القَبْضِ، فمَتَى قَبَضَه، صَحَّ قَبْضُه، وقام مَقامَ قَبْضِ المُرْتَّهِنِ، في قولِ أكثرِ الفُقَهاءِ؛ منهم عَطاءٌ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ المُبارَكِ، والشّافعيّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال الحَكَمُ، والحارثُ العُكْلِيُّ، وقَتادَةُ، وابنُ أبي لَيلَى: لا يَكُونُ مَقْبُوضًا بذلك؛ لأنَّ القَبْضَ مِن تمام العَقْدِ، فَتَعَلَّقَ بالمُتَعاقِدَين، كالإِيجابِ والقَبُولِ.
ولَنا، أنَّه قَبْضٌ في عَقْدٍ، فجازَ فيه التَّوْكِيلُ، كسائِرِ القُبوضِ، وفارَقَ القَبُولَ؛ لأنَّ الإِيجابَ إذا كان لشَخْصٍ، كان القَبُولُ منه؛ لأنَّه مُخاطَب به، ولو وَكَّلَ في الإِيجابِ والقَبُولِ قبلَ أن يُوجب له، صَحَّ أيضًا، وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالقَبْضِ في البَيعِ فيما يُعْتَبَرُ القَبْضُ فيه.
وَإنْ شَرَطَ جَعْلَهُ فِي يَدِ اثْنَينِ، لَمْ يَكُنْ لِأحَدِهِمَا الانْفِرَادُ بِحِفْظِهِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَجُوزُ أن يَجْعَلا الرَّهْنَ على يَدَيْ مَن يَجُوزُ تَوْكِيلُه، وهو الجائِزُ التَّصَرُّفِ، مُسْلِمًا كان أو كافِرًا، عَدْلًا أو فاسِقًا، ذَكرًا أو أنْثَى، ولا يَكُونُ صَبِيًّا؛ لأنَّه غيرُ جائِزِ التَّصَرُّفِ مُطْلَقًا، فإن فَعَلَا، كان قَبْضُه وعَدَمُ القَبْضِ واحِدًا، ولا عَبْدًا بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّ مَنافِعَ العَبْدِ لسَيِّدِه، فلا يَجُوزُ تَضْيِيعُها في الحِفْظِ بغيرِ إذْنِه، فإن أذِنَ له السَّيِّدُ، جازَ.
وأمّا المُكاتَبُ، فيَجُوزُ بجُعْل؛ لأنَّ له الكَسْبَ وبَذْلَ مَنافِعِه بغيرِ إذْنِ السَّيِّدِ، ولا يَجُوزُ بغَيرِ جُعْل؛ لأَنه ليس له التَّبَرُّعُ بمنافِعِه.
1799 -
مسألة: (وإن شَرَطَ جَعْلَه في يَدِ اثْنَين، فليس لأحَدِهما الانْفِرادُ بحِفْظِه)
لأنَّ المُتَراهِنَين لم يَرْضَيا إلَّا بحِفْظِهما معًا، فلم يَجُزْ لأحَدِهما الانْفِرادُ به، كالوَصِيَّين.
فإن سَلَّمَه أحَدُهما إلى الآخَرِ، فعليه ضَمانُ النِّصْفِ؛ لأنَّه القَدْرُ الذي تعَدَّى فيه.
وهذا أحَدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشَّافعيِّ، وفي الآخرِ، إذا رَضِيَ أحَدُهما بإمْساكِ الآخَرِ، جاز.
وبهذا قال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان ممَّا يَنْقَسِمُ اقْتَسَماه، وإلَّا فلكلِّ واحِدٍ منهما إمْساكُ جَمِيعِه؛ لأنَّ اجْتِماعَهما على حِفْظِه يَشُقُّ عليهما، فحُمِلَ الأمْرُ على أنَّ لكلِّ واحِدٍ منهما الحِفْظَ.
ولَنا، أنَّ المُتَراهِنَين لم يَرْضَيا إلَّا بحِفْظِهما معًا، فلم يَجُزْ لأحَدِهما الانْفِرادُ بذلك، كالوَصِيَّيْن، لا يَجُوزُ لأحَدِهما الانْفِرادُ بالتَّصَرُّفِ.
قَوْلُهم: إنَّ
وَلَيسَ لِلرَّاهِن وَلَا لِلْمُرْتَهِنِ إِذَا لَمْ يتَّفِقَا، وَلَا لِلْحَاكِمِ نَقْلُهُ عَنْ يَدِ الْعَدْلِ، إلَّا أن يَتَغَيَّرَ حَالُهُ،
الاجْتِماعَ على الحِفْظِ يَشُقُّ.
مَمْنُوعٌ؛ لإِمْكانِ جَعْلِه في مَخْزَنٍ عليه لكلِّ واحِدٍ منهما قُفْلٌ.
1800 -
مسألة: (وليس للرّاهِنِ ولا للمُرْتَهِنِ إذا لم يَتَّفِقا، ولا للحاكِمِ نَقْلُه عن يَدِ العَدْل، إلَّا أن يَتَغَيَّرَ حالُه)
وجُمْلَةُ ذلك، أن العَدْلَ ما دام بحالِه لم يَتَغَيَّرْ عن الأَمانَةِ، ولا حَدَثَتْ بينَه وبينَ أحَدِهما عَداوَة، فليس لأحَدِهما، ولا للحاكِمِ [نَقْلُ الرَّهْنِ] 1 عن يَدِه؛ لأنَّهما رَضِيا به في الابتِداءِ.
وإنِ اتَّفَقا على نَقْلِه، جاز، لأنَّ الحَقَّ لهما لم يَعْدُهما.
وكذلك لو كان الرَّهْنُ في يَدِ المُرْتَّهِنِ فلم تَتَغَيَّرْ حالُه، لم يَكُنْ للرّاهِنِ ولا للحاكِم نَقْلُه عن يَدِه.
فإن تَغَيَّرَتْ حالُ العَدْلِ بفِسْقٍ أو ضَعْفٍ، أو حَدَثَتْ عَداوَة بينَه وبينَهما، أو بينَه وبينَ أحَدِهما، فلمَن 2 طَلَبَ نَقْلَه عن يَدِه 3 ذلك، ويَضَعانِه في يَدِ مَن اتَّفَقا عليه.
وإنِ اخْتَلَفا، وضَعَهُ الحاكِمُ عندَ عَدْلٍ، وإنِ اخْتَلَفا في تَغَيُّرِ حالِه، بَحَث الحاكِمُ، وعَمِلَ بما ظَهَر له.
وهكذا لو كان في يَدِ المُرْتَّهِنِ، فتَغَيَّرَتْ حالُه في الثِّقَةِ والحِفْظِ، فللرّاهِنِ رَفْعُه عن يَدِه إلى الحاكِمِ، ليَضَعَه في يَدِ عَدْلٍ.
وإذا ادَّعَى الرَّاهِنُ تَغَيُّرَ حالِ المُرْتَّهِنِ، فأنْكَرَ، بَحَث الحاكِمُ عن ذلك، وعَمِل بما بان له.
فإن
وَلَهُ رَدُّهُ إِلَيهِمَا، وَلَا يَمْلِكُ رَدَّهُ إلَى أحَدِهِمَا، فَإِنْ فَعَلَ، فَعَلَيهِ رَدُّهُ إِلَى يَدِهِ، فَإن لَمْ يَفْعَلْ، ضَمِنَ حَقَّ الْآخَرِ.
مات العَدْلُ أو المُرْتَهِنُ، لم يَكُنْ لوَرَثَتِهما إمْساكُه إلَّا برِضَاهما.
فإنِ اتَّفَقا عليه، جاز، وإنِ اتَّفَقا على عَدْلٍ يَضَعانِه عندَه، فلهما ذلك؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، فيُفَوَّضُ أمْرُه إليهما.
وإنِ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ والمُرْتَهِنُ عندَ مَوْتِ العَدْلِ، أو اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ ووَرَثَةُ المُرْتَّهِنِ، رَفَعا الأمْرَ إلى الحاكِمِ ليَضَعَه على يَدِ عَدْلٍ، فإن كان الرَّهْنُ في يَدِ اثْنَين، فمات أحَدُهما، أو تَغَيَّرَتْ حالُه؛ بفِسْقٍ (1)، أو ضَعْفٍ عن الحِفْظِ، أو عَداوَةٍ، أُقِيمَ مُقامَه عَدْلٌ يُضَمُّ إلى العَدْلِ الآخَرِ، فيَحْفَظان مَعًا.
1801 -
مسألة: (ولَه رَدُّه إليهما، ولا يَمْلِكُ رَدَّه إِلى أحَدِهما، فإن فَعَل، فعَليه رَدُّه إلى يَدِه، فإن لم يَفْعَل، ضَمِن حَقَّ الآخرِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ العَدْلَ متى أرادَ رَدَّه عليهما، فله ذلك، وعليهما قَبُولُه؛ لأنَّه أمِينٌ مُتَطَوِّعٌ بالحِفْظِ، فلم يَلْزَمْه المُقامُ عليه، فإن امْتَنَعَا 2، أجْبَرَهُما الحاكِمُ، فإن تَغَيَّبا، نَصَبَ الحاكِمُ أمِينًا يَقْبِضُه لهما؛ لأنَّ للحاكِمِ ولايةً على المُمْتَنِعِ مِن الحَقِّ الذي عليه.
فإن دَفَعَه إلى أمِين مِن غيرِ امْتِناعِهما، ضَمِنَ الأمينُ 3، وضَمِنَ الحاكِمُ؛ لأنَّه لا ولايةَ له على غَيرِ المُمْتَنِعِ.1