الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 87-126

كِتَابُ الْمَنَاسِكِ

صفحات 87-126

ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَمِينِهِ، ويَجْعَلُ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ.
فَإِذَا أتَى عَلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِىِّ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ.
- صلى الله عليه وسلم - قال عندَ اسْتِلامِه: «بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أكْبَرُ، إيمَانًا بكَ، وتَصْدِيقًا بكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِك، وَاتِّباعًا لسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -» (1). يقولُ ذلك كُلَّما اسْتَلَمَه.

1260 -

مسألة: (ثم يَأْخُذُ على يَمِينِه، ويَجْعَلُ البَيْتَ على يسارِه)

لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - طافَ كذلك، وقد قال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُم» (2). ولأنَّ الله تعالى أمَر بالطَّوافِ مُجْمَلًا، وَبَيَّنَهَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - بفِعْلِه.
1261 -

مسألة: (فإذا أتَى على الرُّكْنِ اليَمانىِّ اسْتَلَمَه وقَبَّلَ يَدَه)

12

..................................  الرُّكْن اليَمانِىُّ قِبْلَة أهْلِ اليَمَنِ، وهو آخِر ما يمرُّ عليه مِن الأرْكَانِ في طَوِافِه؛ لأنَّه يَبْدأُ بالرُّكْنِ الذى فيه الحَجَرُ الأسْوَدُ، وهو قِبْلَةُ أهْلِ خرَاسان، ثم يَأْخُذُ على يَمِينِ نَفْسِه، فيَنْتَهِى إلى الرُّكْن الثانى، وهو العِراقِىُّ، ثم يَمُرُّ بالثالِثِ، وهو الشّامِىُّ، وهذان الرُّكْنان يليانِ الحِجْرَ، ثم يَأْتِى على الرَّابعِ، وهو الرُّكْنُ اليَمانِىُّ، واسْتِلامُه مُسْتَحَبٌّ، ولا يُسْتَحَبُّ تقبيلُه.
وقال الخِرَقِىُّ: يُقَبِّلُه.
والصَّحِيحُ عن أحمدَ الأوَّلُ.
وهو قولُ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ.
وحُكِىَ عن أبى حَنيفةَ، أنَّه لا يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ اليَمانِىَّ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 1: جائِزٌ عندَ أهْلِ العِلْمِ أن يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ اليَمانِىَّ، والرُّكْنَ الأسْوَدَ، لا يَخْتَلِفُونَ في شئٍ مِن ذلك، وإنَّما الذى فَرَّقُوا به بينَهما التَّقْبيلُ، فرَأوْا تَقْبِيلَ الأسْودِ، ولم يَرَوْا تَقْبِيلَ اليَمانِىِّ، وأمّا اسْتِلامُهما، فأَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عليه.
قال: وقد روَى مُجاهِدٌ، عن ابنِ عباسٍ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ اليَمانِىَّ قَبَّلَه ووَضَع خَدَّه الأيمَنَ عليه 2. قال: = والنسائى، في: باب الركوب إلى الجمار....، من كتاب المناسك.
المجتبى 5/ 219. وابن ماجه، في: باب الوقوف بجمع، من كتاب المناسك.
سنن ابن ماجه 2/ 1006. والإمام أحمد، في: المسند 3/ 301، 318، 332، 337، 366، 367، 378.

..................................  وهذا لا يَصِحُّ، إنَّما يُعْرَفُ التَّقْبِيلُ في الحَجَرِ الأسْوَدِ وَحْدَه، وقد روَى ابنُ عمرَ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان لا يَسْتَلِمُ إلَّا الحَجَرَ والرُّكْنَ اليَمانِىَّ.
وقال ابنُ عمرَ: ما تَرَكْتُ اسْتِلامَهما منذُ رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَلِمُهما، في شِدَّةٍ ولا رَخاءٍ.
رَواهما مسلمٌ 1. ولأنَّ الرُّكْنَ اليَمانِىَّ مَبْنِىٌّ على قَواعِدِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ، فسُنَّ اسْتِلامُه، كالرُّكْنِ الأسودِ.
فأمَّا تَقْبِيلُه، فلم يَصِحَّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فلا يُسَنُّ.
فصل: وأمّا العِراقِىُّ، والشّامِىُّ، وهما الرُّكْنان اللَّذان يَلِيان الحِجْرَ فلا يُسَنُّ اسْتِلامُهما في قَوْلِ الأكْثَرِينَ.
ورُوِىَ عن أنَسٍ، ومُعاوِيَةَ، وجابِرٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، والحسنِ، والحسينِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، اسْتِلامُهما.
قال مُعاوِيَةُ: ليس شئٌ مِن البَيْتِ مَهْجُورًا.
ولَنا، قولُ ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما: إنَّ رسولَ اللهِ في كان لا يَسْتَلِمُ إلَّا الحَجَرَ، والرُّكْنَ اليَمَانِيَّ.
وقال: ما أرَاه- يَعْنِى النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَسْتَلِمَ الرُّكْنَيْن اللَّذَيْن يَلِيان الحِجْرَ، إلَّا لأنَّ البَيْتَ لم يَتِمَّ على قَواعِدِ إبراهيمَ، ولا طافَ

وَيَطُوفُ سَبْعًا، يَرْمُلُ في الثَّلَاثَةِ الأُوَلِ مِنْهَا، وَهُوَ إِسْرَاعُ الْمَشْى مَعَ تَقَارُبِ الخُطَى، وَلَا يَثِبُ وَثْبًا، وَيَمْشِى أرْبَعًا.
النّاسُ مِن وَراءِ الحِجْرِ إلَّا لذلك (1). وروَى ابنُ عباسٍ (2)، أنَّ مُعاوِيَةَ طافَ، فجَعَلَ يَسْتَلِمُ الأرْكانَ كُلَّها، فقال له ابنُ عباسٍ: لِمَ تَسْتَلِمُ هذَيْن الرُّكْنَيْن، ولم يَكُنِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَلِمُهما؟ فقال مُعاوِيَةُ: ليس شئٌ مِن هذا البَيْتِ مَهْجُورًا.
فقال ابنُ عباسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (3). فقال مُعاوِيَةُ: صَدَقْتَ.
ولأنَّهُما لم يَتِمَّا على قَواعِدِ إبراهيمَ، عليه السلامُ، فلم يُسْنُّ اسْتِلامُهما، كالحائِطِ الذى يَلى الحِجْرَ.

1262 -

مسألة: (ويَطُوفُ سَبْعًا، يَرْمُلُ في الثَّلاثَةِ الأْوَلِ منها؛ وهو إسْرَاعُ المَشْىِ مع تَقارُب الخُطىَ، ولا يَثِبُ وَثْبًا، ويَمْشِى أرْبَعًا)

123

..................................  يَجِبُ الطَّوافُ سَبْعًا؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - طافَ سَبْعًا.
ويَرْمُلُ في الثَّلاثَةِ الأُوَلِ منها مِن الحَجَرِ إلى الحَجَرِ، ومَعْنَى الرَّمَلِ: إسْراعُ المَشْىِ مع مُقارَبَةِ الخَطْوِ مِن غيرِ وَثْبٍ.
وهو سُنَّةٌ في الأشْواطِ الثَّلاثَةِ مِن طَوافِ القُدُومِ، وطَوافِ العُمْرَةِ للمُتَمَتِّعِ.
لا نَعْلَمُ بينَ أهْلِ العِلْمِ فيه خِلافًا.
ويَمْشِى أرْبَعَةَ أشْواطٍ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - رَمَل ثَلاثَةَ أشْواطٍ، ومَشَى أرْبَعًا.
رَوِاه جابِرٌ، وابنُ عباسٍ، وابنُ عُمَرَ، رَضِىَ الله عنهم.
وأحادِيثُهم مُتَّفقٌ عليها 1. فإن قِيلَ: إنَّما رَمَل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه لإِظْهارِ الجَلَدِ

..................................  للمُشْرِكِين، ولم يَبْقَ ذلك المَعْنَى، إذْ قد نَفَى اللهُ المُشْرِكِين، فَلِمَ قُلْتُم: إنَّ الحُكْمَ يَيْقَى بعدَ زَوالِ عِلَّتِه؟ قُلْنا: قد رَمَلَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أصْحابُه واضْطَبَعَ في حَجَّةِ الوَداعِ بعد الفَتْحِ، فثَبَتَ أنَّها سُنَّةٌ ثابِتَةٌ.
وقال ابنُ عباس: رَمَل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في عُمَرِه كُلِّها، وفى حَجِّه، وأبو بكرٍ، وعُمَرُ، وعثمانُ، والخُلَفاءُ مِن بعدِه.
رَواه الإِمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ» 1. وقد ذَكَرْنا حَدِيثَ عمرَ.
إذا ثَبَت أنَّ الرَّمَلَ سُنَّةٌ في الأشْواطِ الثَّلاثَةِ، فإنَّه يرمُلُ مِن الحَجَرِ إلى الحَجَرِ، لا يَمْشِى في شئٍ منها.
رُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، واييه، وابنِ مسعودٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، رَضِىَ اللهُ عنهم.
وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ.
وقال طاوُسٌ، وعطاءٌ، والحسنُ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والقاسِمُ، وسالِمُ بنُ عبدِ اللهِ: يَمْشِى ما بينَ الرُّكْنَيْن؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: قَدِم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه مَكَّةَ، وقد وَهَنَتْهم الحُمَّى، فقال المُشْرِكُون: إنَّه يَقْدَمُ عليكم قَوْمٌ قد وَهَنَتْهم حُمَّى يَثْرِبَ، ولَقَوْا منها شَرًّا.
فأطْلَعَ الله نَبِيَّه - صلى الله عليه وسلم - على ما قَالُوا، فلَمّا قَدِمُوا قَعَد المُشْرِكُونَ مِمّا يَلِى الحِجْرَ، فأمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه أن يَرْمُلُوا الأشْواطَ الثَّلاثَةَ، ويَمْشُوا ما بينَ الرُّكْنَيْن؛ ليَرَى المُشْرِكُونَ جَلَدَهم، فلَمّا رَأوْهم رَمَلُوا، قال المُشْرِكُونَ: هؤلاء الذين زَعَمْتُم أنَّ الحُمَّى قد وَهَنَتْهم! هؤلاء أجْلَدُ منَّا.
قال ابنُ عباسٍ: ولم يَمْنَعْه أن يَأْمُرَهم

..................................  أن يَرْمُلُوا الأشْواطَ كُلَّها إلَّا الإِبقاءُ عليهم.
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - رَمَل مِن الحَجَرِ إلى الحَجَرِ 2. ومن رِوايَةِ مسلمٍ 3 عن جابِرٍ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَمَل مِن الحَجَرِ حتى انْتَهَى إليه.
وهذا يُقَدَّمُ على حديثِ ابنِ عباسٍ؛ لوُجُوهٍ، منها: أنَّ هذا إثْباتٌ، ومنها: أنَّ رِوايَةَ ابنِ عباسٍ إخْبارٌ عن عُمْرَةِ القضيَّةِ، وهذا إخْبارٌ عن فِعْلِه في حَجَّةِ الوَداعِ، فيكونُ مُتَأخِّرًا، فيَجِبُ تَقْدِيمُه، ومنها: أنَّ ابنَ عباسٍ كان صَغِيرًا في تلك الحالِ، وجابرٌ وابنُ عُمَرَ كانا رَجُلَيْن يَتَّبعان أفْعالَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ويَحْرِصَان على حِفْظِها، فهما أعْلَمُ.
ويَحْتَمِلُ أَن يكونَ ما قالَه ابنُ عباسٍ اخْتَصَّ بالذِينَ كانُوا في عُمْرَةِ القَضيَّةِ لضَعْفِهم والإِبقاءِ عليهم، وما رُوِّيناه سُنَّةٌ في سائِرِ النّاسِ.

..................................  فصل: ولا يُسَنُّ الرَّمَلُ في غيرِ الأشْواطِ الثَّلاثَةِ الأُوَلِ مِن طَوافِ القُدُومِ، [أوْ طَوافِ] 1 العُمْرَةِ، فإن تَرَك الرَّمَلَ والاضْطِباعَ فيها لم يَقْضِه في الأرْبَعَةِ الباقِيَةِ؛ لأنَّها هَيْئَةٌ فاتَ موضِعُها، فسَقَطَتْ، كالجَهْرِ في الرَّكْعَتَيْن الأوَّلَتَيْن، ولأنَّ المَشْىَ هَيْئَةٌ في الأرْبَعَةِ، كما أنَّ الرَّمَلَ هَيْئَةٌ في الثَّلاثَةِ، فإذا رَمَل في الأرْبَعَةِ الأخِيرَةِ كان تارِكًا للهَيْئَةِ في جَمِيع طَوافِه، كمَن تَرَكَ الجَهْرَ في الأوَّلَتَيْن مِن العِشاءِ، وجَهَر في الآخِرَتَيْنِ.
فإن تَرَكَ الرَّمَلَ في شَوْطٍ مِن الثَّلاثَةِ الأُوَلِ أتَى به في الاثْنَيْن الباقِيَيْن، وإن تَرَكَه في اثْنَيْن أتَى به في الثالِثِ.
كذلك قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّ تَرْكَه للهَيْئَةِ في بعضِ مَحلِّها لا يُسْقِطها في بَقِيَّةِ مَحلِّها، كتاركِ الجَهْرِ في إحْدَى الرَّكْعَتَيْن الأوَّلَتَيْن، لا يُسْقِطه في الثانِيَةِ.
فصل: وإن نَسِىَ الرَّمَلَ، فليس عليه إعادَةٌ؛ لأنَّ الرَّمَلَ هَيْئَةٌ، فلم تَجِبِ الإعادَةُ بتَرْكِه، كهَيْئاتِ الصلاةِ، وكالاضْطِباعِ في الطَّوافِ.
ولو تَرَكَه عَمْدًا، لم يَلْزَمْه.
شئٌ.
وبه قال عامَّةُ العُلَماءِ.
وحُكِىَ عن الحسنِ،

..................................  والثَّوْرِيِّ، وابنِ الماجِشُون، أنَّ عليه دَمًا؛ لأنَّه نُسُكٌ.
وقد جاءَ في الحديثِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَرَكَ نُسُكًا، فَعَلَيْهِ دَمٌ» 1. ولَنا، أنَّها هَيْئَةٌ فلم يَجِبْ بتَرْكِها شئٌ، كالاضْطِباعِ.
والحَدِيثُ إنَّما يَصِحُّ عن ابنِ عباسٍ، وقد قال: مَن تَرَك الرَّمَلَ فلا شئَ عليه.
ثم قد خُصَّ بالاضْطِباعِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ الدُّنُوُّ مِن البَيْتِ في الطَّوافِ؛ لأنَّه المَقْصُودُ، فإن كان قُرْبَه زِحامٌ، فظَنَّ أنَّه إذا وَقَف لم يُؤْذِ أحَدًا، وتَمَكَّنَ مِن الرَّمَلِ، وَقَف ليَجْمَعَ بينَ الرَّمَلِ والدُّنُوِّ مِن البَيْتِ، وإن لم يَظنَّ ذلك، وظَنَّ أنَّه إذا كان في 2 حاشِيَةِ النّاسِ تَمَكَّنَ مِن الرَّمَلِ، فَعَل، وكان أوْلَى مِن الدُّنُوِّ.
وإن كان لا يَتَمَكَّنُ مِن الرَّمَلِ أيضًا، أو يَخْتَلِطُ بالنِّساءِ، فالدُّنُوُّ أوْلَى، ويَطُوفُ كيفما أمْكَنَه، فإذا وَجَد فُرْجَةً رَمَلَ فيها، وإن تَباعَدَ مِن البَيْتِ أجْزَأه، ما لم يَخْرُجْ مِن المَسْجِدِ، سَواءٌ حالَ بينَه وبينَ البَيْتِ حائِلٌ مِن قُبَّةٍ أو غيرِه، أو لم يَحُلْ؛ لأنَّ الحائِلَ لا يَضُرُّ في المَسْجِدِ، كما لو صَلَّى مُؤْتَمًّا بالإمامِ مِن وراءِ حائِلٍ، فقد رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها،

وَكُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِىَّ، اسْتَلَمَهُمَا أوْ أشَارَ إِلَيْهِمَا.
وَيَقُولُ كُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ: اللهُ أكْبَرُ وَلَا إِلهَ إِلَّا اللهُ.
قالت: شَكَوْتُ إلى رسولِ - صلى الله عليه وسلم - أنِّى أشْتَكِى، فقال: «طُوفِى مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ».
قالت: فَطُفْتُ ورسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَئِذٍ يُصَلِّى إلى جَنْبِ البَيْتِ.
مُتَّفقٌ عليه (1).

1263 -

مسألة: (وكُلَّمَا حاذَى الحَجَرَ والرُّكْنَ اليَمانِىَّ، اسْتَلَمَهُما أو أشارَ إليهما. ويقولُ كُلَّمَا حاذَى الحَجَرَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أكْبَرُ)

يُسْتَحَبُّ اسْتِلامُ الحَجَرِ والرُّكْنِ اليَمَانِيِّ في طَوافِه؛ لأنَّ ابنَ عُمَرَ قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لا يَدَعُ أن يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ اليَمانِىَّ والحَجَرَ،1

..................................  في كُلِّ طَوْفَةٍ.
قال نافِعٌ: وكان ابنُ عُمَرَ يَفْعَلُه.
رَواه أبو داودَ 1. فإن شَقَّ عليه اسْتِلامُهما، أشارَ إليهما؛ لما روَى البخارىُّ 2، بإسْنادِه عن ابنِ عباسٍ، قال: طافَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على بَعِيرٍ، كُلَّمَا أتَى الرُّكْنَ أشارَ بِيَدِه، وكَبَّرَ.
فصل: ويُكَبِّرُ كُلَّمَا حاذَى الحَجَرَ الأسْوَدَ؛ لِما رَوَيْناه، ويقولُ: لا إلهَ إلَّا الله واللهُ أكْبَرُ.
قالت عائشةُ رَضِىَ اللهُ عنها: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:

وَبَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
«إنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْىُ الجِمَارِ، لإِقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ».
رَواه الأثْرَمُ، وابنُ المُنْذِرِ (1).

1264 -

مسألة: (و)

يقولُ (بينَ الرُّكْنَيْن: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾) لِما روَى أحمدُ في1

وَفِى سَائِرِ الطَّوَافِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وسَعْيًا مَشْكُورًا،  «المَناسِكِ» (1)، عن عبدِ اللهِ بنِ السَّائِبِ، أنَّه سَمِعَ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ قيما بينَ رُكْنِ بَنِى جُمَحَ والرُّكْنِ الأسْوَدِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
وعن أبى هُرَيْرَةَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «وَكَّلَ اللهُ بهِ -يَعْنِى الرُّكْنَ اليَمَانِىَّ-[سَبْعِينَ ألْفَ] (2) مَلَكٍ، فَمَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ.
إنىٍ أسْالك العَفْوَ وَالعَافِيَةَ في الدُّنْيَا وَالآخِرةِ، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
قالُوا: آمِينَ» (3).

1265 -

مسألة: (و)

يقول (في سائِرِ طوافِه: اللَّهُمَّ اجْعَلْه حَجًّا123

وَذَنْبًا مَغْفُورًا، رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ، وَأَنْتَ الأَعَزُّ الْأَكْرَمُ.
وَيَدْعُو بِمَا أحَبَّ.
مَبْرُورًا، وسَعْيًا مَشْكُورًا، وذَنْبًا مَغْفُورًا، رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ، وتجاوَزْ عَمّا تَعْلَمُ، وأنْتَ الأعَزُّ الأكْرَمُ) وكان عبدُ الرَّحْمنِ بنُ عَوْفٍ يقولُ: رَبِّ قِنِى شُحَّ نَفْسِى.
وعن عُرْوَةَ، قال: كان أصحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولون: لَا إلهَ إلَّا الله أنْتَا، وأنْتَ تُحْيىِ بَعْدَ مَا أمَتَّا.
(ويَدْعُو بما أحَبَّ) ويُكْثِرُ مِن ذِكْرِ اللهِ تعالَى، ويُكْثِرُ الدُّعاءَ؛ لأنَّ ذلك مُسْتَحَبٌّ في جميع الأحْوالِ، ففى حالِ تَلبُّسِه بهذهِ العِبادَةِ أوْلَى، ويُصَلِّى على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ويَدَعُ الحَدِيثَ إلَّا ذِكْرَ اللهِ تَعالَى، أو قِراءَةَ القُرآنِ، أو أمْرًا بمَعْرُوفٍ أو نَهْيًا عن مُنْكَرٍ، أو ما لا بُدَّ له منه؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرٍ» 1.

..................................  فصل: ولا بَأْسَ بقِراءَةِ القُرْآنِ في الطَّوافِ.
وبه قال مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ المُبارَكِ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
وعن أحمدَ كَراهَتُه.
ورُوِىَ ذلك عن الحسنِ، وعُرْوَةَ، ومالكٍ.
ولَنا، ما روت عائشةُ، رَضِىَ الله عنها، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقولُ في طَوافِه: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ 1. وكان عمرُ، وعبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ يَقُولان ذلك في الطَّوافِ، وهو قرآنٌ، ولأنَّ الطَّوافَ صلاةٌ، ولا تُكْرَهُ القِراءَةُ في الصلاةِ.
قال ابنُ المُبارَكِ: ليس شئٌ أفْضَلَ مِن القُرْآنِ.
فصل: والمَرْأةُ كالرَّجُلِ في البِدايَةِ بالطَّوافِ، وفيما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّها إذا قَدِمَتْ مَكَّةَ نَهارًا، ولم تَخْشَ مجِئَ الحَيْضِ، اسْتُحِبَّ لها تَأْخِيرُ الطَّوافِ إلى اللَّيْلِ؛ لأنَّه أسْتَرُ.
ولا يُسْتَحَبُّ لها مُزاحَمَةُ الرِّجالِ لتَسْتَلِمَ الحَجَرَ، لكن تُشِيرُ إليه بِيَدِها، كالذى لا يُمْكِنُه الوُصُولُ إليه.
قال عَطاءٌ:

وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ وَلَا أهْلِ مَكَّةَ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ.
وَلَيْسَ في غيْرِ هَذَا الطَّوَافِ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ.
كانت عائِشَةُ تَطُوفُ حُجْزَةً (1) مِن الرِّجالِ، لا تُخَالِطُهُم، فقالتِ امْرأةٌ: انْطَلِقِى نَسْتَلِمْ يا أُمَّ المُؤْمِنِين، فقالت: انْطَلِقِى عَنْكِ (2). وأبَتْ (3). فإن خَشِيَتِ الحَيْضَ أو النِّفَاسَ، اسْتُحِبَّ لها تَعْجِيلُ الطَّوافِ، كى لا يَفُوتَها.

1266 -

مسألة: (وليس على النِّساءِ ولا أهْلِ مَكَّةَ رَمَلٌ ولا اضْطِباعٌ. وليس في غيرِ هذا الطَّوافِ رَمَلٌ ولا اضْطِبَاعٌ)

قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّه لا رَمَلَ على النِّساءِ حولَ البَيْتِ، ولا بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، وليس عليهنَّ اضْطِباعٌ؛ وذلك لأنَّ الأصْلَ فيها إظْهارُ الجَلَدِ، ولا يُقْصَدُ ذلك مِن النِّساءِ، إنَّما يُقْصَدُ فيهِنَّ السَّتّرُ، وفى الرَّمَلِ والاضْطِاعِ تَعَرُّضٌ للانْكِشافِ.
فصل: وليس على أهْلِ مَكَّةَ رَمَلٌ.
وهذا قولُ ابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، رَضِىَ الله عنهما.
وكان ابنُ عمرَ إذا أحْرَمَ مِن مَكَّةَ لم يَرْمُلْ؛ لأنَّ الرَّمَلَ123

..................................  إنَّما شُرِعَ في الأصْلِ لإظْهارِ الجَلَدِ والقُوَّةِ لأهْلِ البَلَدِ، وهذا المَعْنَى مَعْدُومٌ في أهْلِ البَلَدِ، والحُكْمُ في مَن أحْرَمَ مِن مَكَّةَ حُكْمُ أهْلِ مَكَّةَ؛ لِما ذَكَرْنا عن ابنِ عمرَ، ولأنَّه أحْرَمَ مِن مَكَّةَ، أشْبَهَ أهْلَ البَلَدِ.
وليس عليهم اضْطِبَاعٌ؛ لأنَّ مَن لا يُشْرَعُ له الرَّمَلُ لا يُشْرَعُ له الاضْطِباعُ، كالنِّساءِ.
والمُتَمَتِّعُ إذا أحْرَمَ بالحَجِّ مِن مَكَّةَ ثم عاد، وقُلْنا: يُشْرَعُ له طَوافُ القُدُومِ.
لم يَرْمُلْ فيه.
قال أحمدُ رَحِمَه اللهُ،: ليس على أهْلِ مَكَّةَ رَمَلُ البَيْتِ، ولا بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ.
فصل: وليس في غيرِ هذا الطَّوافِ رَمَلٌ ولا اضْطِبَاعٌ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه، إنَّما رَمَلُو اواضْطَبَعُو افى ذلك.
وذَكَر القاضى أن مَن تَرَك الرَّ مَل والاضْطِباعَ في طَوافِ القُدُومِ، أرتى بهما في طَوافِ الزِّيارَةِ؛ لأنَّهُما سُنَّة أمْكَنَ قَضاوها، فتُقْضَى، بهسُنَنِ الصلاةِ.
وليصر بصَحِيع؛ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ مَن تَرَكَه في الثَّلاثَةِ الأوَلِ لا يَقْضِيه في الأرْبَعَةِ، وكذلك مَن تَرَك

وَمَنْ طَافَ رَاكِبًا أوْ مَحْمُولًا، أجْزَأهُ.
وَعَنْهُ، لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا لِعُذْرٍ.
وَلَا يُجْزِئُ عَنِ الْحَامِلِ.
الجَهْرَ في صلاةِ الفَجْرِ لا يَقْضِيه في صَلاةِ الظُّهْرِ، ولا يَقْتَضِى القِياسُ أن يَقْضِىَ هَيْئَةَ عِبادَةٍ في عِبادَةٍ أُخْرَى.
قال القاضى: ولو طافَ فرَمَلَ، واضْطَبَعَ، ولم يَسْعَ بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فإذا طافَ بعدَ ذلك رَمَل في طَوافِه؛ لأنَّه يَرْمُلُ في السَّعْىِ بَعْدَه، وهو تَبَعٌ في الطَّوافِ، فلو قُلْنا: لا يَرْمُلُ في الطَّوافِ.
أفْضَى إلى كَوْنِ التَّبَعِ أكْمَلَ مِن المَتْبُوعِ.
وهذا قولُ مُجاهِدٍ، والشافعيِّ.
قال شيخُنا (1): وهذا لا يَثْبُتُ بمثلِ هذا الرَّأْىِ الضَّعِيفِ؛ فإنَّ المَتْبُوعَ لا تَتَغَير هَيْئَاتُه تَبَعًا لتَبَعِه، ولو كانَا مُتلازِمَيْن، كان تَرْكُ الرَّمَلِ في السَّعْىِ تَبَعًا لعَدَمِه في الطوافِ أوْلَى مِن الرَّمَلِ في الطَّوَافِ تَبَعًا للسَّعْى.

1267 -

مسألة: (ومَن طافَ رَاكِبًا أو مَحْمُولًا، أجْزَأه. وعنه، لا يُجْزِئُه إلَّا لعُذْرٍ. ولا يُجْزِئُ عن الحامِلِ)

يَصِحُّ طَوافُ الرَّاكِبِ للعُذْرِ1

..................................  بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ روَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه طافَ في حَجَّةِ الوَدَاعِ على بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بمِحْجَنٍ.
وعن أُمِّ سَلَمَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: شَكَوْتُ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنِّى أشْتَكِى، فقال: «طُوفي مِنْ وَرَاءِ النّاسِ وَأنْتِ رَاكِبَةٌ».
مُتَّفَقٌ عليهما 1. وقال جابِرٌ، رَضِىَ اللهُ عنه: طافَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على راحِلَتِه بالبَيْتِ، وبِالصَّفَا والمَرْوَةِ، ليَراه النّاسُ، وليُشْرِفَ عليهم، ليَسْألُوه 2، فإنَّ النّاسَ غَشُوه 3. والمَحْمُولُ كالرَّاكِبِ، فيما ذَكَرْنا، قِياسًا عليه.
فصل: فإن فَعَل ذلك لغيرِ عُذْرٍ فعن أحمدَ فيه ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، لا يُجْزِئُ.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال:

..................................  «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ» 1. ولأنَّها عِبادَة تَتَعَلَّقُ بالبَيْتِ فلم يَجُزْ فِعْلُها راكِبًا لغَيْرِ عُذْرٍ، كالصلاةِ.
والثانِيَةُ، يُجْزِئُه، ويَجْبُرُه بدَمٍ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، إلَّا أنَّه قال: يُعِيدُ ما كانَ بمَكَّةَ، فإن رَجَع جَبَرَه بدَمٍ؛ لأنَّه تَرَك صِفَةً واجِبَةً في رُكْنِ الحَجِّ، أشْبَهَ ما لو دَفَع مِن عَرَفَةَ قبلَ الغُروبِ.
والثالِثَةُ، يُجْزِئُ، ولا شئَ عليه.
اخْتارَها أبو بَكْرٍ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، وابنِ المنْذِرِ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - طافَ راكِبًا 2. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا قَوْلَ لأحَدٍ مع فِعْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ولأنَّ اللهَ تَعالَى أمَر بالطَّوافِ مُطْلَقًا، فكَيْفَما أتَى به أجْزَأه، ولا يَجُوز تَقْيِيدُ المُطْلَقِ بغيرِ دَلِيلٍ.
فصل: والطَّوافُ راجِلًا أفْضَلُ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - في غيرِ حَجَّةِ الوَداعِ طافَ ماشِيًا، وأصحابُه طافُوا مُشاةً.
وفى قولِ أُمِّ سَلَمَةَ: شَكَوْتُ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنِّى أشْتَكِى، فقالَ: «طُوفِى مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأنْتِ رَاكِبَةٌ» 3. دَلِيلٌ على أنَّ الطَّوافَ إنَّما يَكونُ مَشْيًا، وإنَّما طافَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - راكِبًا لعُذْرٍ، فإنَّ ابنَ عباسٍ روَى أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كَثُرَ عليه النّاسُ،

..................................  يقُولُون: هذا محمدٌ، هذا محمدٌ.
حتى خَرَج العَواتِقُ مِن البُيُوتِ، وكان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، لا يُضْرَبُ النّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فلَمّا كَثُرُوا عليه رَكِبَ.
رَواه مسلمٌ 1. وكذلك في حَدِيثِ جابِرٍ: فإنَّ النّاسَ غَشُوه.
ورُوِىَ 2 عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - طافَ راكِبًا؛ لشَكاةٍ به 3. وبهذا يَعْتَذِرُ مَنْ مَنَعَ الطَّوافَ راكِبًا عن طَوافِ النبىِّ، والحَدِيثُ الأوَّلُ أثْبَتُ.
فعلى هذا يكونُ كَثْرَةُ النّاسِ وشِدَّةُ الزِّحامِ عُذْرًا.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَصَد تَعْلِيمَ النّاسِ، فلا يَتَمَكَّنُ إلَّا بالرُّكُوبِ.

..................................  فصل: وإذا طافَ راكِبًا أو مَحْمُولًا، فلا رمَلَ فيه.
وقال القاضى: يَخُبُّ به بَعِيرُه.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَفْعَلْه، ولا أمَرَ به، ولا يَتَحَقَّقُ فيه مَعْنَى الرَّمَلِ.
فصل: فأمّا السَّعْىُ مَحْمُولًا وراكِبًا، فيُجْزِئُه لعُذْرٍ ولغَيْرِ عُذْرٍ؛ لأنَّ المَعْنَى الذى مَنَع الطَّوافَ راكِبًا غيرُ مَوْجُودٍ فيه.
فصل: ومَن طِيفَ به مَحْمُولًا، لم يَخْلُ مِن ثَلاثَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها،

..................................  أن يَنْوِيَا جَمِيعًا عن المَحْمُولِ، أو يَنْوِىَ المَحْمُولُ عن نَفْسِه، ولا يَنْوِىَ الحامِلُ شَيْئًا، فيَقَعُ عنه دُونَ الحامِلِ، بغيرِ خِلافٍ.
الثانى، أن يَقْصِدا عن الحامِلِ، فيَقَعَ عنه، ولا شئَ للمَحْمُولِ، وكذلك إن نَوَى الحامِلُ عن نَفْسِه، ولم يَنْوِ المَحْمُولُ.
الثالِثُ، أن يَقْصِدَ كلُّ واحِدٍ عن نَفْسِه، فيَقَعُ للمَحْمُولِ دُونَ الحامِلِ.
وهذا أحَدُ قَوْلَىِ الشافعيِّ.
والقَوْلُ الآخَرُ، يَقَعُ للحامِلِ؛ لأنَّه الفاعِلُ.
وقال أبو حنيفةَ: يَقَعُ لهما؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما طائِف بنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، فأجْزَأ الطَّوافُ عنه، كما لو لم يَنْوِ صاحِبُه شَيْئًا، ولأنَّه لو حَمَلَه بعَرَفَاتٍ لكانَ الوُقُوفُ عنهما، كذا هذا.
قال شيخُنا 1: وهو قَوْلٌ حَسَنٌ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه طَواف أجْزَأ عن المَحْمُولِ، فلم يَقَعْ عن الحامِلِ، كما لو نَوَيا جَمِيعًا، ولأنَّه طَوافٌ واحِدٌ فلم يَقَعْ عن شَخْصَيْن، كالرّاكِبِ، أمّا إذا حَمَلَه بعَرَفَةَ، فما حَصَل الوُقُوفُ بالحَمْلِ، فإنَّ المَقْصُودَ الكَونُ في عَرَفَاتٍ، وهما كائِنانِ بها، والمَقْصُودُ ههُنا الفِعْلُ، وهو واحِدٌ، فلا يَقَعُ عن شَخْصَيْن، ووُقُوعُه عن المَحْمُولِ أوْلَى؛ لأنَّه لم يَنْوِ بطَوافِه إلَّا لنَفْسِه، والحامِلُ لم يَخْلُصْ قَصْدُه بالطَّوافِ لنَفْسِه، فإنَّه لولم يَقْصِدِ الطَّوافَ بالمَحْمُولِ لَما حَمَلَه، فإنَّ تَمَكُّنَه مِن الطَّوافِ لاِ يَقفُ على حَمْلِه، فصارَ المَحْمُولُ مَقْصُودًا لهما، ولم يَخْلُصْ

..................................  قَصْدُ الحامِلِ لنَفْسِه، فلم يَقَعْ لعَدَمِ التَّعْيينِ.
وقال أبو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ: لا يُجْزِئُ الطَّوافُ عن واحِدٍ منهما؛ لأَنَّ فِعْلًا واحِدًا لا يَقَعُ عن اثْنَيْن، وليس أحَدُهما أوْلَى به مِن الآخَرِ.
وقد ذَكَرْنا أنَّ المَحْمُولَ أوْلَى بخُلُوصِ نِيَّتِه لنَفْسِه، وقَصْدِ الحامِلِ له.
فإن عُدِمَتِ النِّيَّةُ منهما، أو نَوَى كلُّ واحِدٍ منهما عن الآخَرِ، لم تَصِحَّ لواحِدٍ منهما.

وَإنْ طَافَ مُنْكِسًا، أوْ عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ، أوْ شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَةِ، أوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّوَافِ، وَإنْ قَلَّ، أوْ لَمْ يَنْوِهِ، لَمْ يُجْزِئْهُ.

1268 - مسألة: (وإن طافَ مُنْكِسًا، أو على جِدارِ الحِجْرِ، أو شَاذَرْوَانِ الكَعْبَةِ، أو تَرَكَ شَيْئًا مِن طَوافِه، وإن قَلَّ، أو لم يَنْوِه، لم يُجْزِئْه)

إذا نَكَسَ الطَّوافَ، فَجَعَلَ البَيْتَ على يَمِينِه، لم يُجْزِئْه.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُعِيدُ، ما كانَ بمَكَّةَ، فإن رَجَع جَبَرَه بدَمٍ؛ لأنَّه تَرَك هَيْئَةً، فلم تَمنَع الإِجْزاءَ، كتَرْكِ الرَّمَلِ والاضْطِباعِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ البَيْتَ في الطَّوافِ على يَسارِه، وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: «لِتَأْخُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» 1. ولأنَّها عِبادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بالبَيْتِ، فكان التَّرْتِيبُ شَرْطًا لصِحَّتِها، كالصلاةِ، وما قاسُوا عليه مُخالِفٌ لِما ذَكَرْنا، كما اخْتَلَفَ حُكْمُ هَيْئاتِ الصلاةِ وتَرْتِيبِها.
فصل: ويَطوفُ مِن وَراءِ الحِجْرِ 2؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ 3. والحِجْرُ منه، فمَن لم يَطُفْ به، لم يُعْتَدَّ بِطوافِه.

..................................  وبهذا قال عَطاءٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أصحابُ الرَّأْىِ: إن كان بمَكَّةَ قَضَى ما بَقِىَ، وإن رَجَعَ إلى الكُوفَةِ فعليه دَمٌ.
ونحوُه قولُ الحسنِ.
ولَنا، أنَّه مِن البَيْتِ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: سَألْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، عن الحِجرِ، فقال: «هُوَ مِنَ البَيْتِ».
وعنها، قالت: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ البَيْتِ، وَلَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِهِم بِالشِّرْكِ، أعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهَا، فإنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِى أنْ يَبْنُوا، فهَلُمِّى لأرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهَا».
فأرَاها قَرِيبًا مِن سَبْعَةِ أذْرُعٍ.
رَواهما مسلمٌ 1. وعنها، قالت: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّى نَذَرْتُ أن أُصَلِّىَ في البَيْتِ.
قال: «صَلِّى في الحِجْرِ، فإنَّ الحِجْرَ مِنَ البَيْتِ».
رَواه التُّرْمِذِيُّ 2. وقال: حسنٌ صحيحٌ.

..................................  فمَن تَرَك الطَّوافَ بالحِجْرِ لم يَطُفْ بالبَيْتِ جَمِيعِه، فلم يَصِحَّ، كما لو تَرَكَ الطَّوافَ ببعضِ البِناءِ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - طافَ مِن ورَاءِ الحِجْرِ، وقال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ».
فصل: ولو طافَ على جِدارِ الحِجْرِ، أو شَاذَرْوَانِ الكَعْبَةِ، وهو ما فَضَل مِن جدارِها، لم يَجُزْ؛ لأنَّ ذلك مِن البَيْتِ، فإذا لم يَطُفْ به، لم يَطُفْ بكلِّ البَيْتِ.
وكذلك إن تَرَك شَيْئًا مِن طَوافِه، وإن قَلَّ، لم يُجزِئْه؛ لأنَّه لم يَطُفْ بجَمِيع البَيْتِ، وقد طافَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - مِن وَراءِ ذلك، وطافَ بجَمِيعِ البَيْتِ مِن الحَجَرِ إلى الحَجَرِ.
فصل: والنِّيَّةُ شَرْطٌ في الطَّوافِ، إن تَرَكَها لم يَصِحَّ؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَتَعَلَّقُ بالبَيْتِ، فاشْتُرِطَتْ لها النِّيَّةُ، كالصلاةِ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال:

وَإنْ طَافَ مُحْدِثًا، أوْ نَجِسًا، أوْ عُرْيَانًا، لَمْ يُجْزِئْهُ.
وَعَنْهُ، يُجْزِئُهُ، وَيَجْبُرُه بِدَمٍ.
«الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاة» (1). والصلاةُ لا تَصِحُّ بدُونِ النِّيَّةِ.

1269 -

مسألة: (وإن طافَ مُحْدِثًا، أو نَجِسًا، أو عُرْيَانًا، لم يُجْزِئْه. وعنه، يُجْزِئُه، ويَجْبُرُه بدَمٍ)

الطَّهَارَةُ مِن الحَدَثِ والنَّجاسَةِ، والسِّتارَةُ، شَرائِطُ لصِحَّةِ الطَّوافِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعيِّ.
وعن أحمدَ، أنَّ الطهارَةَ ليست شَرْطًا، فمتى طاف للزِّيارَةِ غيرَ مُتَطَهِّرٍ، أعادَ، ما كان بمَكَّةَ، فإن خَرَج إلى بَلَدِه جَبَرَه بدَمٍ.
وكذلك يُخَرَّجُ في الطهارَةِ مِن النَّجَسِ والسِّتارَةِ.
وعنه، في مَن طاف للزِّيارَةِ، وهو ناسٍ للطهارةِ: لا شئَ عليه.
وقال أبو حنيفةَ: ليس شئٌ مِن ذلك شَرْطًا.
واخْتَلَفَ أصحابُه، فقال بَعْضُهم: هو واجِبٌ.
وقال بعضُهم: هو سُنَّةٌ؛ لأنَّ الطَّوافَ رُكْنٌ للحَجِّ، فلم تُشْتَرَطْ له الطهارةُ، كالوُقُوفِ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، رَضىَ اللهُ عنه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إلَّا أنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ».
رَواه التِّرْمِذِىُّ، والأثْرَمُ.
وعن أبي هُرَيْرَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِىَ الله عنه، بَعَثَه في الحَجَّةِ التى أمَّرَه عليها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قبلَ حَجَّةِ.
الوَداعِ يومَ النَّحْرِ،1

..................................  يُؤَذِّنُ: «لَا يَحُجُّ بَعْدَ العام مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ».
مُتَّفَقٌ علية 1. ولأنَّها عِبادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بالبَيْتِ، فكانتِ الطَّهارَةُ والسِّتارَةُ فيها شَرْطًا، كالصلاةِ، وعَكْسُه الوُقُوفُ.
ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشةَ حين حاضَتْ: «افْعَلِى مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أنْ لَا تَطُوفِى بِالْبَيْتِ» 2. فصل: وإذا شَكَّ في الطهارةِ وهو في الطَّوافِ، لم يَصِحَّ طَوافُه؛ لأنِّه شَكَّ في شَرْطِ العِبادَةِ قبلَ الفَراغِ منها، أشْبَهَ ما لو شَكَّ في الطهارةِ وهو في الصلاةِ.
وإن شَكَّ بعدَ الفَراغِ منه، لم يَلْزَمْه شئٌ؛ لأنِّ الشَّكَّ في شَرْطِ العِبادَةِ بغدَ فَراغِها لا يُؤَثِّرُ فيها.
وإن شَكَّ في عَدَدِ الطِّوافِ، بَنَى على اليَقِينِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على ذلك؛ لأنَّها عِبادَة، فمتى شَكَّ فيها وهو فيها، بَنَى على اليَقِينِ، كالصلاةِ.
فإن أخْبَرَه ثِقَةٌ عن عَدَدِ طَوافِه قَبِل قولَه إن كان عَدْلًا.
وإن

..................................  شَكَّ في عَدَدِه بعدَ الفَراغِ منه، لم يَلْتَفِتْ إليه، كمَن شَكَّ في عَدَدِ الرَّكَعَاتِ بعدَ فَراغِ الصلاةِ.
قال أحمدُ: إذا كان رجلان يَطوفَانِ، فاخْتَلَفَا في الطَّوافِ، بَنَيَا على اليَقِينِ.
قال شيخُنا 1: وهو مَحْمُول علىِ أنَّهما شَكَّا، فإن كان أحَدُهما يَتَيَقَّنُ حالَ نَفْسِه، لم يَلْتَفِتْ إلى قَوْلِ غيْرِه.
فصل: إذا فَرَغ المُتَمَتِّعُ، ثم عَلِم أنَّه كان على غيرِ طهارةٍ في أحَدِ الطَّوافَيْن، لا بعَيْنِه، بَنَى الأمْرَ على الأَشَدِّ، وهو أنَّه كان مُحْدِثًا في طَوافِ العُمْرَةِ، فلم تَصِحَّ، ولم يَحِلَّ منها، فيَلْزَمُه دَمٌ للحَلْقِ، ويكونُ قد أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ، فيَصِيرُ قارِنًا، ويُجْزِئُه الطَّوافُ للحَجِّ عن النُّسُكَيْن، ولو قَدَّرْناه مِن الحَجِّ لَزِمَه إعادَةُ الطَّوافِ، ويَلْزَمُه إعادَةُ السَّعْى على التَّقْدِيرَيْن؛ لأنَّه وُجِدَ بعدَ طَوافٍ غيرِ مُعْتَدٌّ به.
وإن كان وَطِئَ بعدَ حِلِّه مِن العُمْرَةِ، حَكَمْنا بأنَّه أدْخَلَ حَجًّا على عُمْرَةٍ فاسِدَةٍ، فلا يَصِحُّ، ويَلْغُو ما فَعَلَه مِن أفْعالِ الحَجِّ، وَيَتَحَلَّلُ بالطَّوافِ الذى قَصَدَه للحَجِّ مِن عُمْرَتِه الفاسِدَةِ، وعليه دَمٌ للحَلْقِ، ودَمٌ للمُضِيِّ في عُمْرَتِه، ولا يَحْصُلُ له حَجٌّ ولا عُمْرَةٌ.
ولو قَدَّرْناه مِن الحَجِّ، لم يَلْزَمْه أكْثَرُ مِن إعادَةِ الطَّوافِ والسَّعْىِ، ويَحْصُلُ له الحَجُّ والعُمْرَةُ.

وَإنْ أحْدَثَ في بَعْضِ طَوَافِهِ، أوْ قَطَعَهُ بِفَصْلٍ طَوِيلٍ، ابْتَدَأهُ.

1270 - مسألة: (وإنْ أحْدَثَ في بَعْضِ طَوافِه، أو قَطَعَه بفَصْلٍ طَوِيلٍ، ابْتَدَأه)

إذا أحْدَثَ في الطَّوافِ عَمْدًا، ابْتَدَأ الطَّوافَ؛ لأنَّ الطَّهارَةَ شَرْطٌ له، فإذا أحْدَثَ عَمْدًا، أبْطَلَه، كالصلاةِ.
وإن سَبَقَه الحَدَثُ، ففيه رِوايَتَان؛ إحْداهُما، يَبْتَدِئُ أيضًا.
وهو قولُ مالكٍ، والحسنِ، قِياسًا على الصلاةِ.
والثانيةُ، يَتَوَضَّأُ، ويَبْنِى.
وبها قال الشافعىُّ، وإسحاقُ.
وقال حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، في مَن طافَ ثَلاَثةَ أشْواطٍ أو أكْثَرَ: يَتَوَضَّأُ، فإن شاءَ بَنَى، وإن شاءَ اسْتَأْنَفَ.
قال أبو عبدِ اللهِ: يَبْنِى إذا لم يُحْدِثْ حَدَثًا إلَّا الوُضُوءَ.
فإن عَمِل عَمَلًا غيرَ ذلك، اسْتَقْبَلَ الطَّوَافَ وذلك لأنَّ المُوالَاةَ تَسْقُطُ عندَ العُذْرِ، على إحْدَى الرِّوايَتَيْن، وهذا عُذْرٌ، فأمّا إنِ اشْتَغَلَ بغيرِ الوُضُوءِ، لَزِمَه الابتِداءُ؛ لأنَّه تَرَك المُوالَاةَ لغيرِ عُذْرٍ.
وهذا إذا كان الطَّوافُ فَرْضًا، فأمّا النَّفْلُ فلا تَجِبُ إعادَتُه، كالصلاةِ المَسْنُونَةِ إذا بَطَلَتْ.
فصل: والمُوالَاةُ شَرْطٌ في الطَّوَافِ، فمتى قَطَعَه بفَصْلٍ طَوِيلٍ ابْتَدَأه، سَواءٌ كان عَمْدًا أو سَهْوَا، مثلَ أن يَتْرُكَ شَوْطًا مِن الطَّوافِ، يَظنُّ أنَّه قد أتَمَّه.
وقال أصحابُ الرَّأْىِ، في مَن طافَ ثَلاَثَةَ أشْواطٍ مِن طَوافِ الزِّيارَةِ،

وَإنْ كَانَ يَسِيرًا، أوْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، أوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ، صَلَّى، وَبَنَى.
وَيَتَخَرَّجُ أنَّ الْمُوَالَاةَ سُنَّةٌ.
ثم رَجَع إلى بَلَدِه: عليه أن يَعُودَ، فيَطُوفَ ما بَقِىَ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَالَى بينَ طَوافِه، وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (1). ولأنَّه صلاةٌ، فاشْتُرِطَتْ له المُوالَاةُ، كسائِرِ الصَّلَواتِ، أو نقولُ: عِبادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بالبَيْتِ، فاشْتُرِطَتْ لها المُوالَاةُ، كالصلاةِ.
والمَرْجِعُ في طولِ الفَصْلِ وقِصَرِه إلى العُرْفِ.
وقد رُوِىَ عن أبي عبدِ اللهِ، رَحِمَه اللهُ، رِوايَةٌ أُخْرَى، إذا كان له عُذْرٌ يَشْغَلُه بَنَى، وإن قَطَعَه لغيرِ عُذْرٍ أو لحاجَةٍ، اسْتَقْبَلَ الطَّوافَ.
وقال: إذا أعْيَى في الطَّوافِ لا بَأْسَ أن يَسْتَرِيحَ.
وقال: الحسنُ غُشِىَ عليه، فحُمِلَ إلى أهْلِه، فلَمَّا أفاقَ أتَمَّه.
لأنَّه قَطَعَه للعُذْرِ، فجازَ البِناءُ عليه، كما لو قَطَعَه للصلاةِ.

1271 -

مسألة: (ولو كان يَسِيرًا، أو أُقِيمَتِ الصلاةُ، أو حَضَرَتْ جِنازَةٌ، صَلَّى، وبَنَى. وَيَتَخَرَّجُ أنَّ المُوالَاةَ سُنَّةٌ)

أمّا إذا لم يَطُلِ1

..................................  الفَصْلُ، فإنَّه يَبْنِى على طَوافِه؛ لأنَّه يَسِيرٌ، فعُفِىَ عنه.
وكذلك إن أُقِيمَتِ الصلاةُ المَكْتُوبَةُ، فإنه يَقْطعُ الطَّوافَ، ويُصَلِّى جَماعَةً، في قولِ كثيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ.
وقال مالكٌ: يَمضِى في طَوافِه، ولا يَقْطَعُه، إلَّا أن يَخافَ أن يَضُرَّ بوَقْتِ الصلاةِ؛ لأنَّه صَلَاةٌ، فلا يَقْطَعُه لصلاةٍ أُخْرَى.
ولَنا، قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا أُقيِمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا صَلَاةَ إلَّا المَكْتُوبَةُ» 1. والطَّوافُ صلاةٌ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ النَّصِّ.
وإذا صَلَّى بَنَى على طَوافِه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ في ذلك إلَّا الحَسَنَ، فإنَّه قال: يَسْتَأْنِفُ.
وقولُ الجُمْهُورِ أوْلَى؛ لأنَّ هذا فِعْلٌ مَشْرُوعٌ في أثْناءِ الطَّوافِ، فلم يَقْطَعْه، كاليَسِيرِ.
وكذلك الحُكْمُ في الجِنازَةِ إذا حَضَرَتْ، يُصَلِّى عليها، ثم يَبْنِى على طَوافِه؛ لأنَّها تَفُوتُ بالتَّشَاغُلِ عنها.
قال أحمدُ: ويكُونُ ابْتِداؤُه مِن الحَجَرِ.
أنَّه يَبْتَدِئُ بالحَجَرِ الشَّوْطَ الذى قَطَعَه مِن الحَجَرِ حينَ يَشْرعُ في البِناءِ.
وحُكْمُ السَّعْىِ حُكْمُ الطَّوافِ فيما ذَكَرْنا؛ لأنَّه إذا ثَبَت ذلك في الطَّوافِ، مع تَأكُّدِه، ففى السَّعْىِ بطرَيقِ الأوْلَى، ولأنَّ ذلك يروَى عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، ولا يُعْرَفُ له في الصحابَةِ مُخالِفٌ.

ثُمَّ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، والأَفْضَلُ أن تَكُونَ خَلْفَ الْمَقَامِ يَقْرَأُ فِيهِمَا ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ بَعْدَ «الْفَاتِحَةِ»  وهذا قولُ عَطاءٍ، والشافعيِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى.
ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافهم.
ويَتَخَرَّجُ أنَّ المُوالَاةَ في الطَّوافِ سُنَّةٌ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْىِ، قِياسًا على الصَّفَا والمَرْوَةِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرنا.

1272 -

مسألة: (ثم يُصَلِّى رَكْعَتَيْن، والأفْضَلُ أن تكونَ خلفَ المَقامِ، يَقْرَأُ فيهما: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. [و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. بعدَ الفاتحةِ)

يُسْتَحَبُّ لمَن قَضَى الطَّوافَ أن يُصَلِّىَ رَكْعَتَيْن خلفَ المَقامِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ 1. ويُسَنُّ أن يقرأَ فيهما ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾] 2 في الأُولَى، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
في الثانية، فإنَّ جابِرًا، رَضِىَ الله عنه، روَى في صِفَةِ حَجِّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: حتى أتَيْنَا البَيْتَ معه، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلاثًا،

..................................  ومَشَى أرْبَعًا، ثم تَقَدَّمَ إلى مَقامِ إبراهيمَ، فَقَرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
فجَعَلَ المَقامَ بَيْنَه وبينَ البَيْتِ.
قال محمدُ بنُ علىٍّ 1: ولا أعْلَمُهُ إلَّا ذَكَرَه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: كان يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْن: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ 2. وحيثُ رَكَعَهُما ومهما قَرَأ فيهما، جازَ؛ فإنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، رَكَعَهما بذِى طُوًى.
ورُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال لأُمِّ سَلَمَةَ: «إذَا أُقِيمتْ صَلَاةُ الصُّبْحَ فَطُوفِى عَلَى بَعِيرِكِ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ» 3 فَفَعَلَتْ ذلك، فلم تُصَلِّ حتىِ خَرَجَت.
ولا بَأْسَ أن يُصَلِّيَهُما إلى غيرِ سُتْرَةٍ، وَيمُرَّ بينَ يَدَيْه الطَّائِفُون مِن الرِّجالِ والنِّسَاءِ؛ فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّاهُما والطُّوّافُ بينَ يَدَيْه، ليس بينهما شئٌ 4. وكان ابنُ الزُّبَيْرِ يُصَلِّى والطُّوَّافُ بينَ يَدَيْه، فتَمُرُّ المرأةُ بينَ يَدَيْه، يَنْتَظِرُها حتى تَرْفَعَ رِجْلَها، ثم يَسْجُدُ 5. وكذلك سائِرُ الصَّلَواتِ بمَكَّةَ، لا يُعْتَبَرُ لها سُتْرَةٌ، وقد ذَكَرْنا ذلك 6. فصل: والرَّكْعَتان فيه سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ غيرُ واجِبَةٍ.
وبه قال مالكٌ.

..................................  وللشافعيِّ قَوْلان؛ أحدُهما، أنَّهما واجِبَتان؛ لأنَّهما تابِعَتان للطَّوافِ، فكانا واجِبَتَيْن، كالسَّعْىِ.
ولَنا، قولُه عليه السلامُ للأعْرابىِّ، حينَ سَأَلَه عن الفَرائِضِ، فذَكَرَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ، فقال: هل علىَّ غَيْرُها؟ قال: «لَا، إِلَّا أنْ تَطَوَّعَ» 1. ولأنَّها صلاةٌ لم يُشْرَعْ لها جَماعةٌ، فلم تَكُنْ واجِبَةً، كسائِرِ النَّوافِلِ.
وأمّا السَّعْىُ، فلم يَجِبْ، لكَوْنِه تابِعًا، ولا هو مَشْرُوعٌ مع كلِّ طَوافٍ، بخِلافِ الرَّكْعَتَيْن، فإنَّهما يُشْرَعان عَقِيبَ كُلِّ طَوافٍ.
فصل: فإن صَلَّى المَكْتُوبَةَ بعدَ طَوافِه، أجْزَأتْه عن رَكْعَتَىِ الطَّوافِ.
رُوِىَ نَحْوُه عن ابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، وجابِرِ بنِ زَيْدٍ، والحسنِ، وسعيدِ ابنِ جُبَيْرٍ، وإسحاقَ.
وعنه، أنَّه يُصَلِّى رَكْعَتَىِ الطَّوافِ بعدَ المَكْتُوبَةِ.
قال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: هو أقْيسُ.
وبه قال الزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، وأصحابُ الرَّأىِ؛ لأنَّه سُنَّةٌ، فلم تُجْزِئْ عنها المَكْتُوبَةُ، كرَكْعَتَىِ الفَجْرِ.
ولَنا، أنَّهما رَكْعَتان شُرِعَتَا للنُّسُكِ، فأجْزَأتْ عنهما المَكْتُوبَةُ، كرَكْعَتَىِ الإحْرامَ.

..................................  فصل: ولا بَأْسَ أن يَجْمَعَ بينَ الأسَابِيع 1، فإذا فَرَغ منها رَكَع لكلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْن.
فَعَلَتْه عائشةُ، والمِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَةَ 2. وبه قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ.
وكَرِهَه ابنُ عُمَرَ، والحسنُ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَفْعَلْه، ولأنَّ تَأْخِيرَ الرَّكْعَتَيْن عن طَوافِهما يُخِلُّ بالمُوالَاةِ بينَهما.
ولَنا، أنَّ الطَّوافَ يَجْرِى مَجْرَى الصلاةِ، يَجُوزُ جَمْعُها ويُؤَخِّرُ ما بينَها، فيُصَلِّيها بعدَها، كذلك ههُنا.
وكَوْنُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَفْعَلْه لا يُوجبُ كراهَتَه؛ فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَطُفْ أُسْبُوعَيْن ولا ثلاثةً، وذلك غيرُ مكْرُوهٍ بالاتِّفاقِ، والمُوالَاةُ غيرُ مُعْتَبَرَةٍ بينَ الطَّوافِ والرَّكْعَتَيْن، بدَلِيلِ أنَّ عُمَرَ صَلَّاهما بذِى طُوًى، وأخَّرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَكْعَتَىِ الطَّوافِ حينَ طافَتْ راكِبَةً بأمْرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وإن رَكَع لكلِّ أُسْبُوع عَقِيبَه، كان أوْلَى، وفيه اقْتِداءٌ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وخُرُوجٌ مِن الخِلافِ.
فصل: والمُشْتَرَطُ لصِحَّةِ الطَّوافِ تِسْعَةُ أشْياءَ؛ الطَّهارَةُ مِن الحَدَثِ والنَّجاسَةِ، وسَتْرُ العَوْرَةِ، والنِّيَّةُ، والطَّوافُ بجَمِيعِ البَيْتِ، وأن يُكْمِلَ سَبْعَةَ أشْواطٍ، ومُحاذَاةُ الحَجَرِ بجَمِيعِ بَدَنِه، والتَّرْتِيبُ، وهو أن يَطُوفَ على يَمِينِه، والمُوالَاةُ.
وسُنَنُه اسْتِلامُ الرُّكْنِ وتَقْبِيلُه أو ما قامَ

ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الرُّكْنِ فَيَسْتَلِمُهُ،  مَقامَه مِن الإِشارَةِ، واسْتِلامُ الرُّكْنِ اليَمانِيِّ، والاضْطِباعُ، والرَّمَلُ، والمَشْىُ في مواضِعِه، والدُّعاءُ والذِّكْرُ، وركْعَتَا الطَّوافِ، والطَّوافُ ماشِيًا، والدُّنُوُّ مِن البَيْتِ، وفى ذلك اخْتِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى.

1273 -

مسألة: (ثم يَعُودُ إلى الرُّكْنِ فيَسمْتَلِمُه)

إذا فَرَغ مِن رَكْعَتَىِ الطَّوافِ، وأرادَ الخُرُوجَ إلى الصَّفَا، اسْتُحِبَّ أن يَعُودَ، فيَسْتَلِمَ الحَجَرَ.

ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ.
وَيَسْعَى سَبْعًا، يَبْدَأُ بِالصَّفَا، فَيَرْقَى عَلَيْهِ حَتَّى يَرَى الْبَيْتَ فَيَسْتَقْبلُهُ، وَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ: الْحَمْدُ للهِ عَلَى مَاهَدَانَا.
لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ  نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَل ذلك، ذَكَرَه جابِرٌ 1 في صِفَةِ حَجِّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وكان ابنُ عُمَرَ يَفْعَلُه.
وبه قال النَّخَعِىُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.

1274 -

مسألة: (ثم يَخْرُجُ إلى الصَّفَا مِن بابِه، ويَسْعَى سَبْعًا، يَبْدَأُ بالصَّفَا، فيَرْقَى عليه حتى يَرَى البَيْتَ فيَسْتَقْبِلُه، ويُكَبَر ثَلاثًا، ويقولُ: الحَمْدُ للهِ على ما هَدانَا، لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له

الْحَمْدُ، يُحْيِى وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَىٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ.
لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَريكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأحزَابَ وَحْدَهُ، لَا إِله إِلَّا اللهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إيَّاهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.
ثُمَّ يُلَبِّى وَيَدْعُو بِمَا أحَبَّ.
المُلْكُ وله الحَمْدُ، يُحْىِ ويُمِيتُ، وهو حَى لا يَمُوتُ، بيَدِه الخَيْرُ، وهو على كل شئٍ قَدِيرٌ، لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَه لا شَرِيكَ له، صَدَقَ وَعْدَه، ونَصَرَ عَبْدَه، وهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَه، لا إلهَ إلَّا اللهُ، لا نَعْبُدُ إلَّا إيّاه، مُخْلِصِينَ له الدِّينَ.
ولو كَرِه الكافِرُون.
ثم يُلبِّى ويَدْعُو بما أحَبَّ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا فَرَغ مِن طَوافِه، واسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فالمُسْتَحَبُّ أن يَخْرُجَ إلى الصَّفَا مِن بابِه، فيَأتِىَ الصَّفَا، فيَرْقَى عليه حتى يَرَى الكَعْبَه، فيَسْتَقْبِلَها، فيُكَبِّر اللهَ عَزَّ وجَلَّ، ويُهَلِّلَه، ويَدْعُوَ بِدُعاءِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وما أحَبَّ من خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
قال جابِرٌ، رَضِىَ اللهُ عنه، في صِفَةِ حَجِّ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: ثم رَجَعَ إلى الرُّكنِ، فاسْتَلَمَه، ثم خَرَج مِن الباب إلى الصَّفَا، فلَمّا دَنَا مِن الصَّفَا قَرَأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.
«نَبْدَأُ بما بَدَأ اللهُ به».
فبَدَأ بالصَّفَا، فَرقَى عليه حتى رَأى البَيْتَ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ،

جارٍ التحميل