..................................
والأُضْحِيَةُ لا تَتَعَلَّقُ بطُلُوعِ الفَجْرِ 1، ولا هى واجِبَةٌ، ولا تُشْبِهُ ما نحن فيه.
فعلى هذا إذا غَرَبَتْ والعَبْدُ المَبِيعُ في مُدَّةِ الخِيارِ، أو وُهِب له عَبْدٌ فقَبِلَه ولم يَقْبِضْه، أو اشْتَراه ولم يَقْبِضْه، فالفِطْرَةُ على المُشْتَرِى والمُتَّهِبِ؛ لأنَّ المِلْكَ له، والفِطْرَةُ على المالِكِ.
ولو أوْصَى له بعَبْدٍ، أو مات المُوصِى قبلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فلم يَقْبَلِ المُوصَى له حتَّى غَرَبَت، فالفِطْرَةُ عليه، في أحَدِ الوَجْهَيْن، والآخَرِ، على وَرَثَةِ المُوصِى، بناءً على الوَجْهَيْن في المُوصَى به هل يَنْتَقِلُ بالمَوْتِ أو مِن حينِ القَبُولِ؟ ولو مات المُوصَى له قبلَ الرَّدِّ والقَبُولِ، فقَبِلَ وَرَثَتُه، وقُلْنَا بصِحَّةِ قَبُولِهم، فهل تكونُ فِطْرَته على وَرَثَةِ المُوصِى، أو في تَرِكَةِ المُوصَى له؟ على وَجْهَيْن.
وقال القاضى: فِطْرَتُه في تَرِكَةِ المُوصَى له؛ لأنّا حَكَمْنا بانْتِقالِ المِلْكِ مِن حينِ مَوْتِ المُوصَى له، فإن كان مَوْتُه بعدَ هِلالِ شَوَّالٍ، ففِطْرَةُ العَبْدِ في تَرِكَتِه؛ لأنَّ الوَرَثَةَ إنَّما قَبِلُوه له.
وإن كان مَوْتُه قبِلَ هِلالِ شَوَّالٍ، ففِطرَتُه على الوَرَثَةِ.
ولو أوْصَى لرجلٍ برَقَبَةِ عَبْدٍ، ولآخرَ بنَفْعِه، فقَبِلا، كانتِ الفِطْرَةُ على مالِكِ الرَّقَبَةِ؛ لأنَّ الفِطْرَةَ تَجِبُ بالرَّقَبَةِ لا بالمَنْفَعَةِ، ولهذا تَجِبُ على مَن لا نَفْعَ فيه.
ويَحْتَمِلُ أن تكونَ تَبَعًا لنَفَقَتِه، وفيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، أنَّها على مالِكِ نَفْعِه.
والثانِى، أنَّها على مالِكِ رَقَبَتِه.
والثالثُ، في كَسْبِه.
وَيَجُوزُ إِخْرَاجُهَا قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمَيْنِ،
960 - مسألة: (ويَجُوزُ إخْراجُها قبلَ العِيدِ بيَوْمَيْن)
ولا يجوزُ قبلَ ذلك.
قال ابنُ عُمَرَ: كانوا يُعْطُونَها قبلَ الفِطْرِ بيَوْمٍ أو يَوْمَيْن 1. وقال بعضُ أصحابِنا: يَجُوزُ تَعْجِيلُها بعدَ نِصْفِ الشَّهْرِ، كما يَجُوزُ تَعْجِبلُ أذانِ الفَجْرِ، والدَّفْعِ مِن مُزْدَلِفَةَ بعدَ نِصْفِ اللَّيْلِ.
وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ تَعْجِيلُها مِن أوَّلِ الحَوْلِ؛ لأنَّها زَكاةٌ، أشْبَهَتْ زَكاةَ المالِ.
وقال الشافعىُّ: يجوزُ مِن أوَّلِ شَهْرِ رمضانَ؛ لأنَّ سَبَبَ الصَّدَقَةِ الصَّوْمُ والفِطْرُ عنه، فإذا وُجِد أحَدُ السَّبَبَيْن، جاز تَعْجِيلُها، كزَكاةِ المالِ بعدَ مِلْكِ النِّصابِ.
ولَنا، ما روَى الجُوزَجانِىُّ: ثَنا يَزِيدُ بنُ هارُونَ، أنَا أبو مَعْشَرٍ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَأْمُرُ به، فيُقْسَمُ، قال يَزِيدُ: أظُنُّ قال: يَوْمَ الفِطْرِ، ويَقُولُ: «أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّوَافِ في هذَا اليَوْمِ» 2. والأمْرُ للوُجُوبِ، ومتى قَدَّمَها بالزَّمَنِ الكَثِيرِ لم
وَالْأَفْضَلُ إِخْرَاجُهَا يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ،
يَحْصُلْ إغْناؤُهُم بها يَوْمَ العِيدِ، وسَبَبُ وُجُوبِها الفِطْرُ؛ بدَلِيلِ إضافَتِها إليه، وزَكاةُ المالِ سَبَبُها مِلْكُ النِّصابِ، والمَقْصُودُ إغْناءُ الفَقِيرِ بها في الحَوْلِ كلِّه، فجازَ إخْراجُها في جَمِيعِه، وهذه المَقْصُودُ منها الإِغْناءُ في وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، فلم يَجُزْ تَقْدِيمُها قبلَ الوَقْتِ.
فأمَّا تَقْدِيمُها بيَوْمٍ أو يَوْمَيْن فجائِزٌ، لِما روَى البخارىُّ، بإسْنادِه، عن ابنِ عُمَرَ (1)، قال: فَرَض رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَدَقَةَ الفِطْرِ مِن رمضانَ.
وقال في آخِرِه: وكانوا يُعْطُونَ قبلَ الفِطْرِ بيَوْمٍ أو يَوْمَيْن.
وهذا إشارَةٌ إلى جَمِيعِهم، فيكون إجْماعًا, ولأنَّ تَعْجِيلَها بهذا القَدْرِ لا يُخِلُّ بالمَقْصُودِ منها، فإنَّ الظاهِرَ أنَّها تَبْقَى أو بَعْضُها إلى يَوْمِ العِيدِ، فيُسْتَغْنَى بها عن الطَّوافِ والطَّلَبِ فيه، ولأنَّها زَكاةٌ، فجازَ تَعْجِيلُها قبلَ وُجُوبِها، كزَكاةِ المالِ.
961 -
مسألة: (والأفْضَلُ إخْراجُها يَوْمَ العِيدِ قبلَ الصَّلاةِ)
لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَر بها أنْ تُؤَدَّى قبلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلى الصَّلاةِ في حَدِيثِ ابنِ1
وَيَجُوزُ في سَائِرِ الْيَوْمِ.
فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْهُ، أَثِمَ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
عُمَرَ، وقال في حَدِيثِ ابنِ عباسٍ: «مَنْ أدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِى زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِى صَدَقَةٌ مِن الصَّدَقَاتِ» (1). فإن أخَّرَها عن الصَّلاةِ تَرَك الأفْضَلَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن السُّنَّةِ، ولأنَّ المَقْصُودَ منها الإِغْناءُ عن الطَّوافِ والطَّلَبِ في هذا اليَوْمِ، فمتى أخَّرَها لم يَحْصُلْ إغْناؤُهُم في جَمِيعِه.
ومالَ إلى هذا القَوْلِ عَطاءٌ، ومالكٌ، وموسى بنُ وَرْدانَ (2)، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال القاضى: إذا أخْرَجَها في بَقِيَّةِ اليَوْمِ لم يُكْرَهْ.
وقد ذَكَرْنا مِن الخَبَرِ والمَعْنَى ما يَقْتَضِى الكَراهَةَ.
962 -
مسألة: (ويَجُوزُ في سائِرِ اليَوْمِ)
لحُصُولِ الإِغْناءِ في اليَوْمِ، إلَّا أنَّه يَكُونُ قد تَرَك الأَفْضَلَ على ما ذَكَرْنا (فإن أخَّرَها عنه أثِمَ) لتَأخِيرِه الحَقَّ الواجِبَ عن وَقْتِه (ولَزِمَه القَضاءُ) لأنَّه حَقُّ مالٍ وَجَب،12
فَصْلٌ: وَالْوَاجِبُ في الْفِطْرَةِ صَاعٌ مِنَ الْبُرِّ أَوِ الشَّعِيرِ وَدَقِيقِهِمَا وَسَوِيقِهِمَا، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَمِنَ الْأَقِطِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
فلا يَسْقُطُ بفَواتِ وَقْتِه، كالدَّيْنِ.
وحُكِىَ عن ابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِىِّ الرُّخْصَةُ في تَأْخِيرِها عن يَوْم العِيدِ.
وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ.
وروَى محمدُ بنُ يحيى الكَحّالُ، قالَ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: فإن أخْرَجَ الزَّكَاةَ، ولم يُعْطِها؟ قال: نعم، إذا أعَدَّها لقَوْمٍ.
واتِّباعُ سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى.
(
فصل
:) قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (والواجِبُ في الفِطْرَةِ صاعٌ مِن البُرِّ أو الشَّعِيرِ ودَقِيقِهما وسَوِيقِهما، والتَّمْرِ والزَّبِيبِ، ومِن الأَقِطِ
..................................
في إحْدَى الرِّوايَتَيْن) الكلامُ في هذه المَسْألَةِ في أمُورٍ ثَلاثَةٍ؛ أحَدُها، أنَّ الواجِبَ في صَدَقَةِ الفِطْرِ صَاعٌ عن كلِّ إنْسانٍ، مِن جَميعِ أجْناسِ المُخْرَجِ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ.
ورُوِىَ عن أبى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ، والحسنِ وأبى العالِيَةِ.
ورُوِىَ عن ابنِ الزُّبَيْرِ، ومُعاوِيَةَ، أنَّه يُجْزِئُ نِصْفُ صاعٍ مِن البُرِّ خاصَّةً.
وهو مَذهَبُ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزِيز، وعُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، وأبى سَلَمَةَ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن علىٍّ، وابنِ عباسٍ، والشَّعْبِىِّ، فرُوِى صاعٌ، ورُوِى نِصْفُ صاعٍ.
وعن أبى حنيفةَ في الزَّبِيبِ رِوايَتانِ؛ إحْداهُما، صاعٌ.
والأُخْرَى، نِصْفُ صاعٍ، واحْتَجُّوا بما روَى ثَعْلَبَةُ بنُ أبى صُعَيْرٍ، عن أَبِيه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «صَاعٌ مِن بُرٍّ أوْ قَمْحٍ عَلَى كُلِّ اثْنَيْنِ».
رَواه أبو داودَ 1. وعن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيه، عن جَدِّه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَعَث مُنادِيًا في فِجاجِ مَكَّةَ: «ألَا إنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى، حُرٍّ أوْ عَبْدٍ، صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ، مُدَّانِ مِن قَمْحٍ أوْ سِوَاهُ صَاعٌ مِن طَعَامٍ» 2. قال التِّرْمِذىُّ: هذا حَدِيثٌ حسنٌ غَرِيبٌ.
ولَنا، ما روَى أبو سَعِيدٍ الخُدْرِىُّ، قال: كنّا نُخْرِجُ زَكاةَ الفِطْرِ
..................................
إذ كان فينا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- صاعًا مِن طَعامٍ، أو صاعًا مِنِ شَعِيرٍ، أو صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن زَبِيبٍ، أو صاعًا مِن أقِطٍ، فلم نزَلْ نُخرِجُه حتَّى قَدِم مُعاوِيَةُ المَدِينَةَ فتَكَلَّمَ، فكان فيما كلَّمَ النّاسَ: إنِّى لأرَى مُدَّيْنِ مِن سَمْراءِ الشّامِ تَعْدِلُ صاعًا مِن تَمْرٍ.
فأخَذَ النّاسُ بذلك.
قال أبو سَعِيدٍ: فلا أزالُ أُخْرِجُه كما كنتُ أُخْرِجُه.
وروَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَرَض صَدَقَةَ الفِطْرِ صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ، فعَدَلَ النّاسُ إلى نِصْفِ صاعٍ مِن بُرٍّ.
مُتَّفَقٌ عليهما 1. ولأنَّه جِنْسٌ يُخْرَجُ في صَدَقَةِ الفِطْرِ، فكان صاعًا، كسائِرِ الأجْناسِ.
فأمّا أحادِيثُهم فلا تَثْبُتُ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قالَه ابنُ المُنْذِرِ.
وحَدِيثُ ثَعْلَبَةَ يَنْفَرِدُ به النُّعْمانُ بنُ راشِدٍ.
قال البخارىُّ: وهو يَهِمُ كَثِيرًا.
وقال مُهَنّا: ذَكَرْتُ لأحمدَ حَدِيثَ ثَعْلَبَةَ بنِ أبى صُعَيْرٍ، في صَدَقَةِ الفِطْرِ نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ.
فقال: ليس بصَحِيحٍ، إنَّما هو مُرْسَلٌ، يَرْوِيه مَعْمَرٌ وابنُ جُرَيْجٍ، عن الزُّهْرِىِّ مُرْسَلًا.
قلت: مِن قِبَل مَن هذا؟ قال: مِن قِبَلِ النُّعْمانِ [بنِ راشِدٍ] 2، ليس هو بقَوِىٍّ في الحَدِيثِ.
وسَألْتُه عن ابنِ أبى صُعَيْرٍ، أمَعْرُوفٌ هِو؟ قال: مَن يَعْرِفُ ابنَ أبى صُعَيْرٍ؟ ليس هو مَعْرُوفًا.
وضَعَّفَه أحمدُ، وابنُ المَدِينِىِّ جَمِيعًا.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: ليس دُونَ الزُّهْرِىِّ مَن تَقُومُ به حُجَّةٌ.
وقد روَى أبو إسحاقَ الجُوزَجانِىُّ حَدِيثَ ثَعْلَبَةَ، بإسْنادِه، عن أَبِيه، قال: قال
..................................
رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ قَمْحٍ» أو قال: «بُرٍّ، عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ، صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ» 1. وهذا حُجَّةٌ لنا، وإسْنادُه حَسَنٌ.
قال: الجُوزَجانِىُّ: والنِّصْفُ صاعٍ ذَكَرَه عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ورِوايَتُه ليس تَثْبُتُ.
ولأنَّ ما ذَكَرْناه أحْوَطُ مع مُوافَقَتِه القِياسَ.
فصل: والصاعُ خَمْسَةُ أرْطَالٍ وثُلُثٌ بالعِراقِىِّ، وقد دَلَّلْنا عليه فيما مَضى، وذَكَرْنا الاخْتِلافَ فيه 2، والأصْلُ فيه الكَيْلُ، وإنَّما قَدَّرَه العلماءُ بالوَزْنِ ليُحْفَظَ ويُنْقَلَ.
وقد روَى جَماعَةٌ عن أحمدَ، أنَّه قال: الصاعُ وَزَنْتُه وقَدَّرْتُه، فوَجَدْتُه خَمْسَةَ أرْطالٍ وثُلُثًا حِنْطَةً.
ورُوِى عنه تَقْدِيرُه بالعَدَسِ أيضًا.
وإذا كان الصاعُ خَمْسَةَ أرْطالٍ وثُلُثًا مِن الحِنْطَةِ والعَدَسِ، وهما مِن أثْقَلِ الحُبُوبِ، فمتى أخْرَجَ مِن غيرِهما خَمْسَةَ أرْطالٍ وثُلُثًا، فهى أكْثَرُ مِن صاعٍ.
وقال محمدُ بنُ الحسنِ: إن أخْرَجِ خَمْسَةَ أرْطالٍ وثُلُثًا بُرًّا لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ البُرَّ يَخْتَلِفُ، فيكونُ ثَقِيلًا وخَفِيفًا.
وقال الطَّحاوِىُّ 3: يُخْرِجُ ثَمانِيَةَ أرْطالٍ ممّا يَسْتَوِي كَيْلُه ووَزْنُه، وهو الزَّبِيبُ والماشُ.
ومُقْتَضَى كَلامِه أنَّه إذا أخْرَجَ ثَمانِيَةَ أرْطالٍ ممّا هو أثْقَلُ
..................................
منهما لم يُجْزِئْه، حتَّى يَزِيدَ شيئًا يَعْلَمُ أنَّه قد بَلَغ صاعًا.
قال شيخُنا 1: والأَوْلَى لمَن أخْرَجَ مِن الثَّقِيلِ بالوَزْنِ أن يَحْتاطَ، فيَزِيدَ شيئًا يَعْلَمُ به أنَّه قد بَلَغ صاعًا.
وقدْرُ الصاعِ بالرَّطْلِ الدِّمَشْقِىِّ رَطْلٌ وسُبْعٌ، وقَدْرُه بالدَّراهِمِ سِتُّمائةِ دِرْهَم وخمسةٌ وثمانون دِرْهَمًا وخمسةُ أسْباعِ دِرْهَمٍ، ويُجْزِئُ إخْراجُ مُدٍّ بالدِّمَشْقِىِّ مِن سائِرِ الأجْناس؛ لأنَّه أكْثَرُ مِن صاعٍ يَقِينًا.
واللَّهُ أعلمُ.
الأمْرُ الثَّانِى، لا يَجُوزُ العُدُولُ عن هذه الأجْناسِ المَذْكُورَةِ مع القُدْرَةِ عليها، سَواءٌ كان المَعْدُولُ إليه قُوتَ بَلَدِه أو لم يَكُنْ.
وقال أبو بكرٍ: يَتَوَجَّهُ قَوْل آخَرُ، أنَّه يُعْطِى ما قامَ مَقامَ الخَمْسَةِ على ظاهِرِ الحَدِيثِ صاعًا مِن طَعام، والطَّعامُ قد يكونُ البُرَّ والشَّعِيرَ، وما دَخَل في الكَيْلِ.
قال: وكِلا القَوْلَيْن مُحْتَمِلٌ، وأقْيَسُهُما لا يَجُوزُ غيرُ الخَمْسَةِ، إلَّا أن يَعْدَمَها, فيُعْطِيَ ما قام مَقَامَها.
وقال مالكٌ: يُخْرِجُ مِن غالِبِ قُوتِ البَلَدِ.
وقال الشافعىُّ: أىُّ قُوتٍ كان الأغْلَبَ على الرَّجُلِ، أدَّى زَكاةَ الفِطْرِ منه.
واخْتَلَفَ أصحابُه؛ فمنهم مَن قال كقَوْلِ مالكٍ، ومنهم مَن قال: الاعْتِبارُ بغالِبِ قُوتِ المُخْرِجِ.
ثم إن عَدَل عن الواجِبِ إلى أعْلَى منه جاز، وإن عَدَل إلى دُونِه، جاز في أحَدِ القَوْلَيْن؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «أغْنُوهُم عَنِ الطَّلَبِ» 2. والغِنَى يَحْصُلُ بالقُوتِ.
والثانِى، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه عَدَل
..................................
عن الواجبِ إلى أدْنَى منه، فلم يُجْزِئْه، كما لو عَدَل عن الواجب في زَكاةِ المالِ إلى أَدْنَى منه.
ولَنا، قَوْلُ ابنِ عُمَرَ: فَرَضِ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَدَقَةَ الفِطْرِ صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ.
متَّفقٌ عليه 1. وروَى أبو سَعِيدٍ، قال: كنّا نُخْرِجُ زَكاةَ الفِطْرِ صاعًا مِن طَعامٍ، أو صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ، أو صاعًا مِن زَبِيبٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 2. وفى لَفظٍ لمسلمٍ: كُنّا نُخْرِجُ إذ كان فينا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- زَكاةَ الفِطْرِ عن كُلِّ صَغِيرٍ أو كَبِيرٍ، حُرٍّ أو مَمْلُوكٍ، صاعًا مِن طَعامٍ، أو صاعًا مِن أقِطٍ، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ، أو صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن زَبِيبٍ.
فقَصَرُوها على أجْناسٍ مَعْدُودَةٍ؛ فلم يَجُزِ العُدُولُ عنها، كما لو أخْرَجَ القِيمَةَ، وكما لو أخْرَجَ عن زَكاةِ المالِ مِن غيرِ جِنْسِه.
والإِغْناءُ يَحْصُلُ بالإِخْراجِ مِن المَنْصُوصِ عليه، فلا مُنافاةَ بينَ الخَبَرَيْن؛ لكَوْنِهِما جَمِيعًا يَدُلَّان على وُجُوبِ الإِغْناءِ بأحَدِ الأجْناسِ المَفْرُوضَةِ.
والسُّلْتُ نَوْعٌ مِن الشَّعِيرِ، فيَجُوزُ إخْراجُه؛ لدُخُولِه في المَنْصُوصِ عليه، وقد صُرِّح بذِكْرِه في بعْضِ ألفاظِ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، قال: كان النّاسُ يُخْرِجُون صَدَقَةَ الفِطْرِ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- صاعًا مِن شَعِيرٍ، أو تَمْرٍ، أو سُلْتٍ، أو زَبِيبٍ.
رَواه أبو داودَ 3.
..................................
والأمْرُ الثّالثُ، أنَّه يَجُوزُ إخْراجُ أحَدِ الأصْنافِ المَذْكُورَةِ أيُّها شاء، وإن لم يكنْ قُوتًا له.
وقال مالكٌ: يُخْرِجُ مِن غالِبِ قُوتِ البَلَدِ.
وقال الشافعىُّ: أىُّ قُوتٍ كان أغْلَبَ على الرجلِ أخرَجَ منه.
ولَنا، أنَّ خَبَرَ الصَّدَقَةِ وَرَد بحَرْفِ «أوْ» وهى للتَّخْيِيرِ بينَ هذه الأصْنافِ، فوَجَبَ التَّخْيِيرُ فيه، ولأنّه عَدَل إلى مَنْصُوصٍ عليه، فجازَ، كما لو عَدَل إلى الأعْلَى، ولأنَّه خَيَّرَ بينَ الزَّبِيبِ والتَّمْرِ والأقِطِ، ولم يَكُن الزَّبِيبُ والأقِطُ قُوتًا لأهْلِ المَدِينَةِ، فدَلَّ على أنَّه لا يُعْتَبَرُ أن يكونَ قوتًا للمُخْرِجِ.
فصل: ويَجُوزُ إخْراجُ الدَّقِيقِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وكذلك السَّوِيقُ.
قال أحمدُ: قد رُوِىَ عن ابنِ سِيرِينَ، دَقِيقٍ أو سَوِيقٍ.
وقال مالكٌ، وِالشافعىُّ: لا يَجُوزُ إخْراجُهما؛ لحَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، ولأنَّ مَنافِعَه نقَصَتْ، فهو كالخُبْزِ.
ولَنا، حَدِيثُ أبى سَعِيدٍ، وفى بَعْضِ ألْفاظِه: «أوْ صَاعًا مِن دَقِيقٍ».
رَواه النَّسائِىُّ 1. ثم شَكَّ سُفْيانُ بعدُ، فقال:
..................................
دَقِيقٍ أو سُلْتٍ.
ولأنَّ الدَّقِيقَ والسَّوِيقَ أجْزاءُ الحَبِّ بَحْتًا يُمْكِنُ كَيْلُه وادِّخارُه، فجازَ إِخْراجُه، كالحَبِّ، وذلك لأنَّ الطَّحْنَ إنَّما فَرَّقَ أجْزاءَه، وكَفَى الفقِيرَ مُؤنَتَه، فأشْبَهَ ما لو نَزَع نَوَى التَّمْرِ ثم أخْرَجَه.
ويُفارِقُ الخُبْزَ، فإنَّه قد خرَج عن حالِ الادِّخارِ والكَيْلِ، والمَأْمُورُ به صَاعٌ، وهو مَكِيلٌ.
وحَدِيثُ ابنِ عُمَرَ لم يَقْتَضِ ما ذَكَرُوه، ولم يَعْمَلُوا به.
فصل: وفى جَوازِ إخْراجِ الأقِطِ إذا قَدَر على غَيْرِه مِن الأجْناسِ المَذْكُورَةِ رِوايَتان؛ إحْداهُما، يُجْزِئُه؛ لحَدِيثِ أبى سعيدٍ المَذْكُورِ.
والثانيةُ، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّه جِنْسٌ لا تجِبُ الزَّكاةُ فيه، فلم يَجُزْ إخْراجُه مع القُدْرَةِ على غيرِه مِن الأصْنافِ المَنْصُوصِ عليها، كاللَّحْمِ.
ويُحْمَلُ الحَدِيثُ على مَن هو قُوتٌ له، أو لم يَقْدِرْ على غيرِه.
وقال الخِرَقِىُّ:
..................................
إن أخْرَجَ أهْلُ البادِيَةِ الأقِطَ أجْزَأ إذا كان قُوتَهم.
فظاهِرُه أنَّه يَجُوزُ إخْراجُه وإن قَدَر على غيرِه، إذا كان مِن أهْلِ البادِيَةِ وكان قوتًا له.
وعلى قَوْلِه يَنْبَغِى أن يُجْزِئَ غيرَ أهْلِ البادِيَةِ إذا كان قُوتَهم أَيضًا؛ لأنَّ الحَدِيثَ لم
..................................
يُفَرِّقْ.
وحديثُ أبى سَعِيدٍ يَدُلُّ عليه، وهم مِن غيرِ أهْلِ البادِيَةِ، ولَعَلَّه إنَّما ذَكَر أهْلَ البادِيَةِ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّه لا يَقْتاتُه غيرُهم.
وقال أبو الخَطّابِ: في إخْراجِ الأقِطِ لمَن قَدَر على غيرِه مُطْلقًا رِوايَتان.
وظاهِرُ حديث أبى سَعِيدٍ يَدُلُّ على خِلافِه.
وذَكَر القاضى أنّا إذا قُلْنا بجَوازِ إخْراجِ الأقِطِ وعَدِمَه، أخْرَجَ لَبَنًا؛ لأنَّه أكْمَلُ مِن الأقِطِ، لكَوْنِه يَجِئُ منه الأقِطُ وغيرُه.
وحَكاه أبو ثوْرٍ عن الشافعىِّ.
وقال الحسنُ: إن لم يكنْ بُرٌّ ولا شَعِيرٌ أخْرَجَ صاعًا مِن لَبَنٍ.
وما ذَكَرَه القاضى لا يَصِحُّ، فإنَّه لو كان أكْمَلَ مِن الأقِطِ، لجاز إخْراجُه مع وُجُودِه، ولأنَّ الأقِطَ أكْمَلُ مِن اللَّبَنِ مِن وَجْهٍ؛ لأنَّه بَلَغ حالةَ الادِّخارِ، وهو جامِدٌ، بخِلافِ اللَّبَنِ، لكنْ يَكُونُ حُكْمُ اللَّبَنِ حُكْمَ اللَّحْمِ، يُجْزِئُ إخْراجُه عندَ عَدَمِ الأصْنافِ المَنْصُوصِ عليها على قولِ ابنِ حامِدٍ، ومَن وافَقَه.
وكذلك الجُبْنُ وما أشْبَهَه.
وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَعْدَمَهُ، فَيُخْرِجَ مِمَّا يَقْتَاتُ عِنْدَ ابْن حَامِدٍ.
وَعِنْدَ أَبِى بَكْرٍ يُخْرِجُ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْمَنْصُوصِ.
963 - مسألة: (ولا يُجْزِئُ غيرُ ذلك، إلَّا أن يَعْدَمَه، فيُخْرِجَ مِمَّا يَقْتاتُ عندَ ابنِ حامِدٍ. وعندَ أبى 1 بكرٍ يُخْرِجُ ما يقُومُ مَقامَ المَنْصُوصِ) لا يَجُوزُ إخْراجُ غيرِ الأجْناسِ المذْكُورَةِ مع القُدْرَةِ عليها؛ لأنَّ في بعْضِ ألفاظِ حَدِيثِ أبى سعيدٍ: فَرَض رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَدَقَةَ الفِطْرِ صاعًا مِن طَعام، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ، أو صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن أقِطٍ. رَواه النَّسائِىُّ 2. ولِما ذَكَرْنا، إلَّا أن يَعْدَمَها، فيُخْرِجَ ممّا يَقْتاتُ عندَ ابنِ حامِدٍ، كالذُّرَةِ، والدُّخْنِ 3، واللَّحْمِ، واللَّبَنِ،
..................................
وسائِرِ ما يَقْتاتُ؛ لأنَّ مَبْناها على المُواساةِ.
وقال أبو بكر: يُخْرِجُ ما يقومُ مَقامَ المَنْصُوصِ عندَ عَدَمِه مِن كُلِّ مُقْتاتٍ مِن الحَبِّ والتَّمْرِ؛ كالذُّرَةِ، والدُّخْنِ، والأُرْزِ، والتِّينِ اليابِسِ، وأشْباهِه.
لأنَّه أشْبَهُ بالمَنْصُوصِ عليه، فكانَ أوْلَى مِن غيرِه، وهذا ظاهِرُ كلامَ الخِرَقِىِّ.
وَلا يُخْرِجُ حَبًّا مَعِيبًا، وَلَا خُبْزًا،
964 - مسألة: (ولا يُخْرِجُ حَبًّا مَعِيبًا, ولا خُبْزًا)
لا يَجُوزُ أن يُخْرِجَ حَبًّا مَعِيبًا، كالمُسَوَّسِ، والمَبْلُولِ، والقَدِيمِ الذى تَغَيَّرَ طَعْمُه، لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ 1. فإن كان القَدِيمُ لم يَتَغَيَّرْ طَعْمُه، إلَّا أنَّ الحَدِيثَ أكْثَرُ قِيمَةً، جاز إخْراجُه؛ لعَدَمِ العَيْبِ فيه، والأفْضَلُ الأجْوَدُ.
قال أحمدُ: كان ابنُ سِيرِينَ يُحِبُّ أن يُتَقَّى الطَّعامُ، وهو أحبُّ إلىَّ، ليكونَ على الكَمالِ، ويَسْلَمَ ممّا يُخالِطُه مِن غيره.
فإن كان المُخالِطُ له يَأْحُذُ حَظًّا مِن المِكْيالِ، وكان كَثِيرًا بحيثُ
وَيُجْزِئُ إِخْرَاجُ صَاعٍ مِنْ أجْنَاسٍ.
يُعَدُّ عَيْبًا فيه، لم يُجْزِئْه، وإن لم يَكْثُرْ، جاز إخْراجُه إذا زاد على المُخْرَجِ قَدْرًا يَزِيدُ على ما فيه مِن غيرِه، ليَكُونَ المُخْرَجُ صاعًا كامِلًا.
ولِا يَجُوزُ إخْراجُ الخُبْزِ، ولا الهَرِيسَةِ، ولا الكَبُولا (1)، وأشْباهِها؛ لأنَّه خَرَج عن الكَيْلِ والادِّخارِ، ولا الخَلِّ والدِّبْسِ (2)؛ لأنَّهما ليسا قُوتًا.
965 -
مسألة: (ويُجْزِئُ إخْراجُ صاعٍ مِن أجْناسٍ)
إذا كان مِن الأجْناسِ المَنْصُوصِ عليها؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يُجْزِئُ مُنْفَرِدًا، فأجْزأ بعضٌ مِن هذا وبعضٌ مِن الآخَرِ، كفِطْرَةِ العَبْدِ المُشْتَرَكِ إذا أخْرَجَ كُلُّ واحِدٍ مِن جِنْسٍ.12
وَأفْضلُ الْمُخْرَجِ التَّمْرُ، ثُمَّ مَا هُوَ أنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ بَعْدَهُ،
966 - مسألة: (وأفْضَلُ المُخْرَجِ التَّمْرُ، ثُمَّ ما هو أنْفَعُ للْفُقَراءِ بعدَه)
وهذا قَوْلُ مالكٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: واسْتَحَبَّ مالكٌ إخْراجَ العَجْوَةِ منه.
واخْتارَ الشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، إخْراجَ البُرِّ.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعىِّ: يَحْتَمِلُ أنَّ الشافعىَّ قال ذلك؛ لأنَّ البُرَّ كان أغْلَى في زَمنِه؛ لأنَّ المُسْتَحَبَّ أن يُخْرِجَ أغْلاها ثَمَنًا وأنْفَسَها؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سُئِل عن أفْضَلِ الرِّقابِ، فقال: «أغْلَاهَا ثَمَنًا، وأنْفَسُهَا عِنْدَ أهْلِهَا» 1. وإنَّما اخْتارَ أحمدُ إخْراجَ التَّمْرِ اقْتِداءً بأصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وروَى بإسْنادِه، عن أبى مِجْلَزٍ، قال: قُلتُ لابنِ عُمَرَ: إنَّ اللَّه قد أوْسَعَ، والبُرُّ أفْضَلُ مِن التَّمْرِ.
قال: إنَّ أصحابِى سَلَكُوا طَرِيقًا، وأُحِبُّ أن أسْلُكَه.
..................................
وظاهِرُ هذا أنَّ جَماعَةَ الصَّحابَةِ كانوا يُخْرِجُون التَّمْرَ، فأحَبَّ ابنُ عُمَرَ مَوافَقَتَهُم، وسُلُوكَ طَرِيقِهم، وأحَبَّ أحمدُ أَيضًا الاقْتِداءَ بهم واتِّباعَهم.
وروَى البخارىُّ 1، عن ابنِ عُمَرَ، قال: فَرَض رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صَدَقَةَ الفِطْرِ، صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ، فعَدَلَ النّاسُ به نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ.
فكان ابنُ عُمَرَ يُخْرِجُ التَّمْرَ، فأعْوَزَ أهْلُ المَدِينَةِ مِن التَّمْرِ، فأعْطَى شَعِيرًا.
ولأنَّ التَّمْرَ فيه قُوتٌ وحَلاوَةٌ، وهو أقْرَبُ تَناوُلًا، وأقَلُّ كُلْفَةً، فكان أوْلَى.
والأفْضَلُ بعدَ التَّمْرِ البُرُّ.
وقال بعضُ أصحابنا: الزَّبِيبُ؛ لأنَّه أقْرَبُ تَناوُلًا وأقَلُّ كُلْفَةً، أشْبَهَ التَّمْرَ.
ولَنا، أنَّ البُرَّ أَنْفَعُ في الاقْتِياتِ، وأْبلَغُ في دَفْعِ حاجَةِ الفَقِيرِ.
ولذلك قال أبو مِجْلَزٍ
وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِىَ الْجَمَاعَةَ مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ، وَالْوَاحِدَ مَا يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ.
لابنِ عُمَرَ: البُرُّ أفْضَلُ مِن التَّمْرِ.
فلم يُنْكِرْه ابنُ عُمَرَ، وإنَّما عَدَل عنه اتِّباعًا لأصْحابِه، وسُلُوكَ طَرِيقَتِهم، ولهذا عَدَل نِصْفَ صاعٍ منه بصاعٍ مِن غيرِه.
وتَفْضِيلُ التَّمْرِ إنَّما كان لاتِّباعِ الصَّحابَةِ، فيَبْقَى فيما عَداه على قَضِيَّةِ الدَّلِيلِ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ الأفْضَلُ بعدَ التَّمْرِ ما كان أعْلَى قِيمَةً وأكْثَرَ نَفْعًا؛ لما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ.
967 -
مسألة: (ويَجُوزُ أن يُعْطِىَ الجَماعَةَ ما يَلْزَمُ الواحِدَ، والواحِدَ ما يَلْزَمُ الجَماعَةَ)
أمّا إعْطاءُ الجَماعَةِ ما يَلْزَمُ الواحِدَ فلا نَعْلَمُ فيه خِلافًا إذا أعْطَى مِن كلِّ صِنْفٍ ثَلاثَةً؛ لأنَّه دَفَع الصَّدَقَةَ إلى مُسْتَحِقِّها.
..................................
وأمّا إعْطاءُ الواحِدِ ما يَلْزَمُ الجَماعَةَ، فإنَّ الشافعىَّ ومَن وافَقَه أوْجَبُوا تَفْرِيقَ الصَّدَقَةِ على سِتَّةِ أصْنافٍ، مِن كلِّ صِنْفٍ ثَلاثةٌ.
وقد رُوِى مثلُ هذا عن أحمدَ، وسَنَذْكُرُ ذلك فيما بعدَ هذا البابِ، إن شاء اللَّهُ تعالى.
وظاهِرُ المَذْهَبِ الجَوازُ، وبه قال مالك، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّها صَدَقَةٌ لغير مُعَيَّنٍ، فجاز صَرْفُها إلى واحِدٍ، كالتَّطَوُّعِ.
..................................
فصل: ومَصْرِفُ صَدَقَةِ الفِطْرِ مَصْرِفُ سائِرِ الزَّكَواتِ؛ لعُمُومِ قَوْلِه تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ 1. الآيةُ.
ولأنَّها زكاة، أشْبَهَتْ زكاةَ المالِ، فلا يَجُوزُ دَفْعُها إلى مَن لا يجوزُ دَفْعُ زكاةِ المالِ إليه.
وبهذا قال مالكٌ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجوزُ.
وعن عَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ، وعَمْرِو بنِ شُرَحْبِيل، ومُرَّةَ الهَمْدانِىِّ 2، أنَّهم كانوا يُعْطُون منها الرّهْبانَ.
ولَنا، أنَّها زكاةٌ، فلم يَجُزْ دَفْعُها إلى غيرِ المُسْلِمِين، كزكاةِ المالِ، وزَكاةُ المالِ لا يجوزُ دَفْعُها إلى غيرِ المُسْلِمِين إجْماعًا.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّه لا يَجُوزُ أن يُعْطِىَ مِن زكاةِ المالِ أحَدًا مِن أهْلِ الذِّمَّةِ.
فصل: فإن دَفَعَها إلى مُسْتَحِقها، فأخْرَجَها آخِذُها إلى دافِعِها، أو جُمِعَتِ الصَّدَقَة عندَ الإِمامِ، ففَرَّقَها على أهْلِ السُّهْمانِ، فعادَتْ إلى إنْسانٍ
..................................
صَدَقَتُه.
فاخْتارَ القاضى جَوازَ ذلك، قال: لأنَّ أحمدَ نَصَّ في مَن له نِصابٌ مِن الماشيَةِ والزُّرُوعِ، أنَّ الصَّدَقَةَ تُؤْخَذُ منه، وتُرَدُّ إليه، إذا لم يكنْ له قَدْرُ كِفايَتِه.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ قَبْضَ الإِمامِ أو المُسْتَحِقِّ أزالَ مِلْكَ المُخْرجِ، وعادَتْ إليه بسَبَبٍ آخَرَ، أَشْبَهَ ما لو عادَتْ إليه بمِيراثٍ.
وقال أبو بكر: مَذْهَبُ أحمدَ أنَّه لا يَحِلُّ له أخْذُها؛ لأنَّها طُهْرَةٌ، فلم يَجُزْ له أخْذُها، كشِرائِها؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أراد أن يَشتَرِى الفَرَسَ الذى حَمَلَ عليه في سَبِيلِ اللَّهِ، فقال له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تَشْتَرِهَا، وَلَا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ، فَإنَّ الْعائِدَ في صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ في قَيْئهِ» 1. فإن عادَتْ إليه بالشِّراءِ، ففيه مِن الخِلافِ مثلُ ما ذَكَرْنا، والمَنْصُوصُ أنَّه لا يجوزُ، فإن عادَتْ إليه بالمِيراثِ، فله أخْذُها؛ لأنَّها رَجَعَتْ إليه بغيرِ فِعْلٍ منه، واللَّهُ تعالى أعلمُ.
بَابُ إِخْرَاجَ الزَكَاةِ
لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقتِ وُجُوبِهَا مَعَ إِمكَانِهِ إِلَّا لِضَرَرٍ؛ مِثْلَ أَنْ يَخشَى رُجُوعَ السَّاعِى عَلَيْهِ، وَنحْوَ ذَلِكَ.
بابُ إِخْراجَ الزَّكاةِ
(لا يَجُوزُ تَأخِيرُه عن وَقْتِ وُجُوبِها مع إمْكانِه إلَّا لضَرَرٍ؛ مثلَ أن يَخْشَى رُجُوعَ السّاعِى عليه أو نحوَ ذلك) الزكاةُ واجِبَةٌ على الفَوْرِ، فلا يجوزُ تَأْخِيرُ إخْراجِها مع القُدْرَةِ عليه، إذا لم يَخْشَ ضَرَرًا.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: له التَّأْخِيرُ ما لِم يُطالَبْ؛ لأنَّ الأمْرَ بأدائِها مُطْلَقٌ، فلا يَتَعَيَّنُ الزَّمَنُ الأوَّلُ 1 للأداءِ دُون غيرِه، كما لا يَتَعَيَّنُ المكانُ.
ولَنا، أنَّ الأمْرَ المُطْلَقَ يَقْتَضِى الفَوْرَ، على ما يُذكَرُ في مَوْضِعِه، ولذلك يَستَحِقُّ مُؤَخِّرُ الامْتِثالِ العِقابَ، بدَلِيلِ أنَّ اللَّه تعالى أخْرَجَ إبْلِيسَ، وسَخِط عليه بامْتِناعِه مِن السُّجُودِ.
ولو أنَّ رُجُلًا أمَرَ عَبْدَه أن يَسْقِيَه فأخَّرَ ذلك،
..................................
اسْتَحَقَّ العُقُوبَةَ، ولأنَّ جَوازَ التَّأْخِيرِ يُنافِى الوُجُوبَ، لكَوْنِ الواجِبِ ما يُعاقَبُ على تَرْكِه، ولو جاز التَّأْخِيرُ، لجاز إلى غيرِ غايَةٍ، فتَنْتَفِى العُقُوبَةُ بالتَّرْكِ.
ولو سَلَّمْنا أنَّ مُطْلَقَ الأمْرِ لا يَقْتَضِى الفَوْرَ، لاقْتَضاه في مَسْألَتِنا، إذ لو جاز التَّأْخِيرُ ههُنا لَأخّرَه بمُقْتَضَى طَبْعِه، ثِقَةً منه بأنَّه لا يَأْثَمُ بالتَّأْخِيرِ، فيَسْقُطُ عنه بالمَوْتِ، أو بتَلَفِ مالِه، أو بعَجْزِه عن الأداءِ، فيَتَضَرَّر الفُقَراءُ، ولأنَّ ههُنا قرِينَةً تَقْتَضِى الفَوْرَ، وهو أنَّ الزكاةَ وَجَبَتْ لحاجَةِ الفُقَراءِ، وهى ناجزَةٌ، فيَجِبُ أن يكونَ الوُجُوبُ ناجِزًا، ولأنَّها عِبادَةٌ تَتَكَرَّرُ، فلم يَجُزْ تَأْخِيرُها إلى وقْتِ وُجُوبِ مثلِها، كالصلاةِ والصومِ.
قال الأثْرَمُ: سمعتُ أَبا عبدِ اللَّه يُسْألُ عن الرَّجل يَحُولُ الحَوْلُ على مالِه، فيُؤَخِّرُ عن وقتِ الزكاةِ؟ فقال: لا, ولِمَ يُؤَخِّرُ إخْراجَها؟ وشَدَّدَ في ذلك.
قِيلَ: فابْتَدَأ في إخْراجِها، فجَعَلَ يُخْرِجُ أوَّلًا فأوَّلًا.
فقال: لا، بل يُخْرِجُها كلَّها إذا حال الحَوْلُ.
فأمّا إن كان يَتَضَرَّرُ بتَعْجِيل الإِخْراجِ، مثلَ أن يَخْشَى إن أخْرَجَها بنَفْسِه أخَذَها السّاعِى منه مَرَّةً أُخْرَى، فله تَأْخِيرُها.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وكذلك إن خَشِى في إخراجِها ضَرَرًا في نَفْسِه، أو مالٍ له سِواها، فله تَأْخِيرُها؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» 1. ولأنَّه إذا جاز تَأْخِيرُ دَيْنِ الآدَمِىِّ لذلك 2، فتَأْخِيرُ الزكاةِ أوْلَى.
..................................
فصل: فإن أخَّرَها ليَدْفَعَها إلى مَن هو أحَقُّ بها، مِن ذى قَرابَةٍ، أو حاجَةٍ شَدِيدَةٍ، فإن كان شيئًا يَسِيرًا فلا بَأْسَ، وإن كان كَثِيرًا لم يَجُزْ.
قال أحمدُ: لا يُجَزِّئُ على أقْرَابِه مِن الزكاةِ في كلِّ شَهْرٍ.
يَعْنِى لا يُؤَخِّرُ إخْراجَها حتَّى يَدْفَعَها إليهم مُفَرَّقَةً، في كلِّ شَهرٍ شيئًا، فأمّا إن عَجَّلَها فَدَفَعَها إليهم أو 1 إلى غيرِهم مُفَرَّقَةً أو مَجْمُوعَةً، جاز؛ لأنَّه لم يُؤَخِّرْها عن وَقْتِها، وكذلك إن كانت عندَه أمْوالٌ أحْوالُها مُخْتَلِفَةٌ، مثلَ أن يكونَ عندَه نِصابٌ، وقد اسْتَفادَ في أثْناءِ الحَوْلِ مِن جِنْسِه، لم يَجُزْ تَأْخِيرُ الزكاةِ ليَجْمَعَها كلَّها؛ لأنَّه يُمْكِنُه جَمْعُها بتَعْجِيلِها في أوَّلِ واجِبٍ منها.
..................................
فصل: فإن أخْرَجَ الزكاةَ، فضاعَتْ قبلَ دَفْعِها إلى الفَقِيرِ، لم تَسْقُطْ عنه.
وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ، وحَمّادٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، والشافعىِّ، إلَّا أنَّه قال: إن لم يكنْ فَرَّطَ في إخراجِ الزكاةِ، وفى حِفْظِ ذلك المُخْرَجِ
فَإِنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا جَهْلًا بِهِ، عُرِّفَ ذَلِكَ، فَإِنْ أصَرَّ كَفَرَ وَأُخِذَتْ مِنْهُ، وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثًا، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ.
رُجعَ إلى مالِه، فإن كان فيما بَقِىَ زكاةٌ أخْرَجَ، وإلَّا فلا.
وقال أصحابُ الرَّأْى: يُزَكى ما بَقِى، إلَّا أن يَنْقصَ عن النِّصابِ وإن فَرَّطَ.
وقال مالكٌ: أراها تُجْزِئُه إذا أخْرَجَها في مَحَلِّها، وإن أخْرَجَها بعدَ ذلك ضَمِنَها.
وقال مالكٌ: يُزَكِّى ما بَقِىَ بقِسْطِه، وإن بَقِى عَشَرَةُ دَراهِمَ.
ولَنا، أنَّه حَقٌّ مُتَعَيِّنٌ على رَبِّ المالِ، تَلِف قبلَ وُصُولِه إلى مُسْتَحِقِّه، فلم يَبْرَأْ منه بذلك، كدَيْنِ الآدَمِىِّ.
قال أحمدُ: ولو دَفَع إلى رجل زَكاتَه خَمْسَةَ دَراهِمَ، فقَبْلَ أن يَقْبِضَها منه، قال: اشْتَرِ لى ثَوْبًا بها أو طَعامًا.
فذَهَبَتِ الدَّراهِمُ، أو اشْتَرَى بها ما قال فضاعَ منه، فعليه أن يُعْطِى مَكانَها؛ لأنَّه لم يَقْبِضْها منه، ولو قَبَضَها ثم رَدَّها إليه، وقال: اشْتَرِ لى بها، أو اشْتَرِ بها.
فضاعَتْ، أو ضاع ما اشْتَراه، فلا ضَمانَ عليه إذا لم يكنْ فَرَّطَ.
وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الفَقِيرَ لا يَمْلِكُها إلَّا بقَبْضِه، فإذا وَكَّلَه في الشِّراءِ بها لم يَصِحَّ التَّوْكِيلُ، وبَقِيَتْ على مِلْكِ رَبِّ المالِ، فإذا تَلِفَتْ كانت مِن ضَمانِه.
ولو عَزَل قَدْرَ الزكاةِ يَنْوِى أنَّه زكاةٌ فتَلِفَ فهو مِن ضَمانِ رَبِّ المالِ، ولا تَسْقُطُ الزكاةُ عنه بذلك، سَواءٌ قَدَر على دَفْعِها أو لم يَقْدِرْ، وهى كالمَسْألةِ قبلَها.
968 -
مسألة: (فإن جَحَد وُجُوبَها جَهْلًا به، عُرف ذلك، فإن أصَرَّ كَفَر وأُخِذَتْ منه، واسْتُتِيبَ ثَلاثًا، فإن لم يَتُبْ قُتِل)
مَن جَحَد وُجُوبَ الزكاةِ جَهْلًا به، وكان ممَّن يَجْهَلُ ذلك، إمّا لحَداثَةِ عَهْدِه بالإِسْلامِ، أو لأنَّه نَشَأ ببادِيَةٍ بَعِيدَةٍ، عُرِّفَ وُجُوبَها, ولم يُحْكَمْ
وَمَنْ مَنَعَهَا بُخْلًا بِهَا، أُخِدتْ مِنْهُ وَعُزِّرَ.
فَإِنْ غَيَّبَ مَالَهُ، أَوْ كَتَمَهُ، أوْ قَاتَلَ دُونَهَا، وَأَمْكَنَ أخْذُهَا، أُخِذَتْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَأْخُذُهَا وَشَطْرَ مَالِه.
بكُفْرِه؛ لأنَّه مَعْذُورٌ.
وإن كان مُسْلِمًا ناشِئًا ببِلادِ الإِسْلامِ بينَ أهلِ العلْمِ فهو مُرْتَدٌّ، تَجْرِى عليه أحْكامُ المُرْتَدِّين، ويُسْتَتابُ ثلاثًا، فإن تاب وإلَّا قُتِل؛ لأنَّ أدِلَّةَ وُجُوبِ الزكاةِ ظاهِرَةٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ وإجْماعِ الأمَّةِ، فلا تَكادُ تَخْفَى على مَن هذا حالُه، فإذا جَحَدَها لا يكونُ إلَّا لتَكْذِيبِه الكِتابَ والسُّنَّةَ، وكُفْرِه بهما.
969 -
مسألة: (وإن مَنَعَها بُخْلًا بها، أُخِذَتْ منه وعُزِّرَ. فإن غَيَّبَ مالَه، أو كَتَمَه، أوْ قاتَلَ دُونَها، وأمْكَنَ أخْذُها، أُخِذَت مِن غيرِ زِيادَةٍ. وقال أبو بكرٍ: يَأْخُذُها وشَطْرَ مالِه)
إذا مَنَع الزكاةَ مع اعْتِقادِ وُجُوبِها، وقَدَر الإِمامُ على أخْذِها منه، أَخَذَها وعَزَّرَه.
قال ابنُ عَقِيلٍ:
..................................
إلَّا أن يكونَ كَتَمَها لفِسْقِ الإِمامِ، لكَوْنِه يَصْرِفُها في غيرِ مصارِفِها 1، فلا يُعَزَّرُ؛ لأنَّ له عُذْرًا في ذلك.
ولم يَأْخُذْ زِيادَةً عليها، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلْمِ؛ منهم أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُهم.
وكذلك إن غَلَّ مالَه فكَتَمَه، أو قاتَلَ دُونَها فقَدَرَ عليه الإِمامُ.
وقال إسحاقُ ابنُ راهُويه، وأبو بكَرٍ عبدُ العزِيزِ: يَأْخُذُها وشَطْرَ مالِه؛ لِما روَى أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، والأثْرَمُ 2، عن بَهْزِ بن حَكِيمٍ، عن أَبيه، عن جَدِّه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه كان يقولُ: «في كُلِّ سَائِمَةِ الإبِلِ، في كُلِّ أرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، لَا تُفَرَّقُ الإبِلُ عَنْ حِسَابِهَا 3، مَنْ أعْطَاهَا مُؤْتَجرًا فَلَهُ أجْرهَا، وَمَنْ أبَى فَإنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لَا يَحِلّ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنهَا شَئٌ».
وسُئِل أحمدُ عن إسْنادِه
..................................
فقال: هو عندِى صالِحُ الإِسْنادِ.
وقال: ما أدْرِى ما وَجْهُه.
ووَجْه الأوَّلِ قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ في الْمَال حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ» 1. ولأنَّ مَنْعَ الزكاةِ كان عَقِيبَ مَوْتِ النبىّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، مع تَوَفُّرِ الصحابَةِ، فلم يُنْقَلْ عنهم أخْذُ زِيادَةٍ، ولا قولٌ بذلك.
واخْتَلَفَ أهلُ العلمِ في العُذْرِ عن هذا الخَبَرِ.
فقِيلَ: كان في بَدْءِ الإِسْلامِ، حيث كانتِ العُقُوباتُ في المالِ، ثم نُسِخ بالحديثِ الذى رَوَيْناه، ولذلك انْعَقَدَ الإِجْماعُ على تَرْكِ العَمَلِ به في المانِعِ غيرِ الغالِّ.
وحَكَى الخَطّابِىُّ 2 عن إبراهيمَ الحَرْبِىِّ، أنَّه يُؤْخذُ منه السِّنُّ الواجِبُ عليه مِن خِيارِ مالِه، مِن غيرِ زِيادَةٍ في سِنٍّ ولا عَدَدٍ، لكنْ يَنْتَقِى مِن خِيارِ مالِه ما تَزِيدُ به صَدَقَتُه في القِيمَةِ بقَدْرِ شَطْرِ قِيمَةِ الواجِبِ عليه.
فيكونُ المُرادُ بـ «مالِه» ههُنا الواجِبَ عليه مِن مالِه، فيُزادُ في القِيمَةِ بقَدْرِ شَطْرٍ.
واللَّهُ أعلمُ.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أخْذُهَا اسْتُتِيبَ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ وَأَخْرَجَ، وَإلَّا قُتِلَ وَأُخِذَت مِنْ تَرِكَتِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِنْ قَاتَلَ عَلَيْهَا كَفَرَ.
970 - مسألة: (فإن لم يُمْكِنْ أخْذُها استُتِيبَ ثَلاثًا، فإن تاب، وإلَّا قُتِل وأُخِذَتْ مِن تَرِكَتِه. وقال بعضُ أصحابِنا: إن قاتَلَ عليها كَفَر)
متى كان مانِعُ الزكاةِ خارِجًا عن قَبْضَةِ الإِمامِ قاتَلَه؛ لأنَّ الصحابةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، اتَّفَقُوا على قِتالِ مانِعِى الزكاةِ.
وقال أبو بكر: واللَّهِ لو مَنَعُونِى عِقالًا كانُوا يُؤَدُّونَه إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لقاتَلْتُهم عليه 1. فإن ظَفِر به وبمالِه أَخَذَها من غيرِ زِيادَةٍ؛ لِما ذَكَرْنا، ولم يَسْبِ ذُرِّيَّته، لأنَّ الجِنايَةَ مِن غيرِهم، ولأنَّ المانِعَ لا يُسْبَى، فذُرِّيَّتُه أوْلَى.
وإن ظَفِرَ به [دُونَ مالِه] 2 دَعاه إلى أدائِها، فإن تاب وأدَّى وإلَّا قُتِل، قياسًا على تارِكِ الصَّلاةِ، ولم يُحْكَمْ بكُفْرِه في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وعن أحمدَ، أنَّه قال: إذا مَنَعُوا الزكاةَ،
..................................
وقاتَلُوا عليها كما قاتَلُوا أَبا بكرٍ، لم يُوَرَّثُوا، ولم يُصَلَّ عليهم.
وهذا حُكْمٌ منه بكُفْرِهم.
واخْتارَه بعضُ أصحابِنا.
قال عبدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ: وما تارِكُ الزكاةِ 1 بمُسْلِمٍ 2. ووَجْهُ ذلك ما رُوِى أنَّ أَبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، لَمّا قاتَلَهم وعَضَّتْهم الحَرْبُ، قالُوا: نُؤَدِّيها.
قال: لا أقْبَلُها حتَّى تَشْهَدُوا أنَّ قَتْلانا في الجَنَّةِ وقَتْلاكم في النَّارِ 3. ولم يُنْقَلْ إنْكارُ ذلكَ عن أحَدٍ مِن الصحابَةِ، فدَلَّ على كُفْرِهم.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ عُمَرَ وغيرَه امْتَنَعُوا مِن القِتالِ في بَدْءِ الأمْرِ، ولو اعْتَقَدُوا كُفْرَهم لَما تَوَقَّفُوا عنه، ثم اتَّفَقُوا على القِتالِ، وبَقِىَ الكُفْرُ على أصْلِ النَّفْى، ولأنَّ الزكاةَ فَرْعٌ مِن فُرُوعِ الدِّينِ، فلم يَكْفُرْ بتَرْكِه، كالحَجِّ، وإذا لم يَكْفُرْ بتَرْكِه لم يَكْفُرْ بالقِتالِ عليه، كأهلِ البَغْى.
وأمّا الذين قال لهم أبو بكرٍ هذا القولَ، فيَحْتَمِلُ أنَّهم جَحَدُوا وُجُوبَها، فإنَّه نُقِل عنهم أنَّهم قالُوا: إنَّما كُنّا نُؤَدِّى إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لأنَّ صَلَاته سَكَنٌ لَنا, وليس صلاةُ أبى بكرٍ سَكَنًا لَنا، فلا نُؤَدِّى إليه.
وهذا يَدُلُّ على أنَّهم جَحَدُوا وُجُوبَ الأداءِ إلى أبى بكرٍ،
وَإنِ ادَّعَى مَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ؛ مِنْ نُقْصَانِ الْحَوْلِ أوِ النِّصَابِ، أَوِ انْتِقَالِهِ عَنْهُ في بَعْضِ الْحَوْلِ وَنَحْوِهِ، قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولأنَّ هذه قَضِيَّةٌ في عَيْنٍ، ولم يَتَحَقَّقْ مِن الذين قال لهم أبو بكرٍ هذا القولَ، فيَحْتَمِلُ أنَّهم كانوا مُرْتَدِّين، ويَحْتَمِلُ أنَّهم جَحَدُوا وُجُوبَ الزكاةِ، ويَحْتَمِلُ غيرُ ذلك، فلا يَجُوزُ الحُكْمُ به في مَحلِّ النِّزاعِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ أَبا بكرٍ قال ذلك لأنَّهم ارْتَكَبُوا كَبائِرَ، وماتُوا عليها مِن غيرِ تَوْبَةٍ، فحَكَمَ لهم بالنّارِ ظاهِرًا، كما حَكَم لقَتْلَى المُجاهِدِين بالجَنّةِ ظاهِرًا، والأمْرُ إلى اللَّهِ تعالى في الجَمِيعِ، ولأنَّه لم يَحْكُمْ عليهم بالتَّخْلِيدِ، ولا يَلْزَمُ مِن الحُكْمِ بالنّارِ الحُكْمُ بالكُفْرِ، فقد أخْبَرَ عليه السّلامُ أنَّ قَوْمًا مِن أُمَّتِه يَدْخُلُون النّارَ، ثم يُخْرِجُهم اللَّه تعالى منها ويُدْخِلُهم الجَنَّةَ (1).
971 -
مسألة: (وإنِ ادَّعَى ما يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ؛ مِن نُقْصانِ الحَوْلِ أوِ النِّصابِ، أو انْتِقالِه عنه في بعضِ الحَوْلِ، قُبِلَ قَوْلُه بغَيْرِ يَمِينٍ. نَصَّ عليه)
أحمدُ؛ لأنَّ الزكاةَ عِبادَةٌ وحَقٌّ للَّهِ، فلم يُسْتَحْلَفْ عليه،1
وَالصَّبِىُّ وَالْمَجْنُونُ يُخْرِجُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا.
كالصلاةِ والحَدِّ.
972 -
مسألة: (والصَّبِىُّ والمَجْنُونُ يُخرِجُ عنهما وَلِيُّهما)
تَجِبُ الزكاةُ في مالِ الصبِىِّ والمَجْنُونِ، إذا كان حُرًّا مُسْلِمًا تَامَّ المِلْكِ، رُوِى ذلك عن عُمَرَ، وعَلىٍّ وابنِ عُمَرَ، وعائِشةَ، والحسنِ بنِ علىٍّ، وجابِرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال جابِرُ بنُ زيدٍ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ، والحَسنُ بنُ صالِحٍ، وابنُ أبى لَيْلَى، والشافعىُّ، والعَنْبَرِىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ.
وحُكِى عن ابنِ مسعودٍ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ أنَّهم قالوا: تَجِبُ الزكاةُ، ولا يُخْرِجُ حتَّى يَبْلُغَ الصَّبِىُّ، ويُفِيقَ المَعْتُوهُ.
وقال الحسنُ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وأبو وائِلٍ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا تَجِبُ الزكاةُ في أمْوالِهما.
قال أبو حنيفةَ: إلَّا العُشْرَ وصَدَقَةَ الفِطْرِ؛ وذلك
..................................
لقَوْلِه عليه السلامُ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ؛ عَنِ الصبِىِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» 1. ولأنَّها عِبادَةٌ مَحْضَةٌ، فلا تَجِبُ عليهما، كالصلاةِ والحَجِّ.
ولَنا، ما رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «مَنْ وَلِىَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ لَهُ، وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكلَهُ الصَّدَقَةُ».
أخْرَجَه الدَّارقُطنِىُّ 2. وفى رُواتِه المُثَنَّى بنُ الصَّبّاحِ، وفيه مَقالٌ، ورُوِىَ مَوْقُوفًا عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه 3. وإنَّما تَأْكُلُه الصَّدَقَةُ بإخْراجِها.
وإنَّما إخْراجُها إذا كانت واجِبَةً؛ لأنَّه ليس له أن يَتَبَرَّعَ بمالِ اليَتِيمِ، ولأنَّ مَن وَجَب العُشْرُ في زَرْعِه وَجَب نِصفُ العُشْرِ في وَرِقِه، كالبالِغِ العاقِلِ، وتُخالِفُ الصلاةَ والصومَ، فإنَّها مُخْتَصَّةٌ بالبَدَنِ، وبِنْيَةُ 4 الصبِىِّ ضَعِيفَةٌ عنها، والمَجْنُونُ لا يَتَحَقَّقُ منه نِيَّتُها، والزكاةُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بالمالِ، أشْبَهَ نَفَقَةَ الأقارِبِ والزَّوْجاتِ، وأُرُوشَ الجِناياتِ، والحَدِيثُ أُرِيدَ به رَفْعُ الإِثْم والعِباداتِ البَدَنِيَّةِ، بدَلِيلِ وُجُوبِ العُشْرِ وصَدَقَةِ الفِطْرِ والحُقُوقِ المالِيَّةِ، ثم هو مَخْصُوصٌ بما ذَكَرْنا، والزكاةُ في المالِ في مَعْناه، ومَقِيسَةٌ عليه.
إذا تَقَرَّرَ هذا، فإن الوَلِىَّ يُخْرِجُ عنهما مِن مالِهما؛ لأنَّها زكاةٌ واجِبَةٌ، فوَجَبَ إخْراجُها، كزكاةِ البالِغِ العاقِلِ، والوَلِىُّ يقُومُ مَقامَه
وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ تَفْرِقَةُ زَكَاتِهِ بِنَفْسِهِ، وَلَهُ دَفْعُهَا إِلَى السَّاعِى.
وَعَنْهُ، يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ الْعُشْرَ، وَيَتَوَلَّى هُوَ تفْرِيقَ الْبَاقِى.
في أداءِ ما عليه، ولأنَّه حَقٌّ واجِبٌ على الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ، فكان على الوَلِىِّ أداوه عنهما، كنَفَقَةِ أقارِبِه، وتُعْتَبَرُ نِيَّةُ الوَلِىِّ في الإِخْراجِ، كما تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ مِن رَبِّ المالِ.
973 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ للإِنْسانِ تَفْرِقَةُ زَكاتِه بنَفْسِه، ويَجُوزُ دَفْعُها إلى السّاعِى. وعنه، يُسْتَحَبُّ أن يَدْفَعَ إليه العُشْرَ، ويَتَوَلَّى تَفْرِيقَ الباقِى)
وإنَّما اسْتُحِبَّ ذلك؛ ليَكُونَ على يَقِينٍ مِن وصُولِها إلى مُسْتَحِقِّها، وسَواءٌ كانت مِن الأمْوالِ الظّاهِرَةِ أو الباطِنَةِ.
قال أحمدُ: أعْجَبُ إلىَّ أن يُخْرِجَها، وإن دَفَعَها إلى السُّلْطان فهو جائِزٌ.
وقال الحسنُ، ومَكْحُولٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: يَضَعُها رَبُّ المالِ في مَواضِعِها 1. وقال الثَّوْرِىُّ: احْلِفْ لهم، واكْذِبْهم، ولا تُعْطِهم شيئًا، إذا لم يَضَعُوها مَواضِعَها.
وقال طاوسٌ: لا تُعْطِهم.
وقال عطاءٌ: أعْطِهم إذا وَضَعُوها مَواضِعَها.
وقال الشَّعْبِىُّ، وأبو جَعْفَرٍ: إذا رَأيْتَ الوُلاةَ لا يَعْدِلُون فضَعْها
وَعِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ، دَفْعُهَا إلَى الإِمَامِ الْعَادِلِ أَفْضَلُ.
في أهلِ الحاجَةِ.
وقال إبراهيمُ: ضَعُوها في مَواضِعِها، فإن أَخَذَها السُّلْطانُ أجْزَأك.
وقال: ثنا سعيدٌ، ثنا أبو عَوانَةَ، عن مُهاجِرٍ أبى الحسنِ، قال: أَتَيْتُ أَبا وائِلٍ، وأبا بُرْدَةَ بالزكاةِ وهما على بَيْتِ المالِ فأخَذاها، ثم جِئْت مَرَّةً أُخْرَى فرَأْيتُ أَبا وائِلٍ وحْدَه، فقال لى: رُدَّها فضَعْها مَواضِعَها.
وقد رُوِى عن أحمدَ، أنَّه قال: أمّا صَدَقَةُ الأرْضِ فيُعْجِبُنِى دَفْعُها إلى السُّلْطانِ.
وأمّا زكاةُ الأمْوالِ كالمَواشِى، فلا بَأْسَ أن يَضَعَها في الفُقَراءِ والمَساكِينِ.
فظاهِرُ هذا أنَّه اسْتَحَبَّ دَفْعَ العُشْرِ خَاصَّةً إلى الأئِمَّةِ؛ وذلك لأنَّ العُشْرَ قد ذَهَب قَوْمٌ إلى أنَّه مُؤْنَةُ الأرْضِ يَتَوَلَّاه الأئِمَّةُ، كالخَراجِ، بخِلافِ سائِرِ الزكاةِ.
قال شيخُنا (1): والذى رَأَيْتُ في «الجامِعِ» قال: أمّا صَدَقَةُ الفِطْرِ فَيُعْجِبُنى دَفْعُها إلى السُّلْطانِ.
ثم قال أبو عبدِ اللَّهِ: قِيلَ لابنِ عُمَرَ: إنَّهم يُقَلِّدُون بها الكِلابَ، ويَشْرَبُون بها الخُمُورَ؟ قال: ادْفَعْها إليهم.
974 -
مسألة: (وعند أبى الخَطّابِ، دَفْعُها إلى الإِمامِ العادِلِ أفْضَلُ)
اخْتارَه ابنُ أبى موسى.
وهو قولُ أصحابِ الشافعىِّ.1
..................................
ومِمَّن قال: يَدْفَعُها إلى الإِمامِ؛ الشَّعْبِىُّ، ومحمدُ بنُ علىٍّ 1، والأوْزاعِىُّ؛ لأنَّ الإِمامَ أعْلَمُ بمَصارِفِها، ودَفْعُها إليه يُبَرِّئُه ظاهِرًا وباطِنًا، ودَفْعُها إلى الفَقِيرِ لا يُبَرِّئُه باطِنًا، لاحْتِمالِ أن يكونَ غيرَ مُسْتَحِقٍّ لها, ولأنَّه يَخرُجُ مِن الخِلافِ، وتَزُولُ عنه التُّهْمَةُ.
وكان ابنُ عُمَرَ يَدْفَعُ زَكاتَه إلى مَن جاءَه مِن سُعاةِ ابنِ الزُّبَيْرِ، أو نَجْدَةَ الحَرُورِىِّ 2. وقد رُوِى عن سُهَيْلِ بنِ أبى صالِحٍ [عن أبيه] 3، قال: أَتَيْتُ سعدَ بنَ أبى وقَّاصٍ، فقلتُ: عندِى مالٌ، وأُرِيدُ أن أُخْرِجَ زَكاتَه، وهؤلاءِ القَوْمُ على ما تَرَى، فما تَأْمُرُنِى؟ قال: ادْفَعْها إليهم.
فأتَيْتُ ابنَ عُمَرَ، فقال مثلَ ذلك، فأتَيْتُ أَبا هُرَيْرَةَ، فقال مثلَ ذلك، فأتَيْتُ أَبا سَعِيدٍ، فقال مثلَ ذلك 4. ورُوِىَ نحوُه عن عائِشَةَ، رَضِيَ اللَّه عنهم 5. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يُفرِّقُ الأمْوالَ الظّاهِرَةَ إلَّا الإِمامُ؛ لقَوْل اللَّهِ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾.
ولأَنَّ أَبا بكر رَضِىَ اللَّهُ عنه،